تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج2

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
485 /
15

الجزء الثاني‏

سورة البقرة من الآية 59 الى آخر السورة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أجمع‏ (1) المفسرون على أنّ المراد بالقرية هاهنا، بيت المقدس. و يؤيّده قوله في موضع آخر: ادخلوا الأرض المقدّسة.

و قال ابن زيد: إنّها أريحا، قرية قريب بيت المقدس. و كان فيها بقايا من قوم عاد: و هم العمالقة. و رأسهم عوج بن عنق. (2) أمروا به بعد التّيه.

فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا بما شئتم، من أنواع طعام القرية.

و قيل‏ (3): إنّ هذه إباحة لهم منه، لغنائمها و تملّك أموالها، إتماما للنّعمة عليهم.

و نصبه على المصدر، أو على الحال من الواو.

وَ ادْخُلُوا الْبابَ‏؛ أي: باب القرية الّتي أمروا بدخولها.

و قيل‏ (4): باب القبّة الّتي كانوا يصلّون إليها.

و قيل‏ (5): باب حطّة، من بيت المقدس. و هو الباب الثّامن.

و رجّح البيضاويّ‏ (6) الاحتمالين الأوّلين، بأنّهم لم يدخلوا بيت المقدس، في حياة موسى (عليه السلام).

و فيه‏ (7): إنّهم أمروا بدخول الباب، بعد خروجهم من التّيه.

____________

(1) أ: جمع‏

(2) ر. مجمع البيان 1/ 118.

(3) نفس المصدر 1/ 119.

(4) أنوار التنزيل 1/ 58

(5) مجمع البيان 1/ 119.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 58.

18

و قد توفّي موسى و هرون فيها، على ما مرّ سابقا. (1) سُجَّداً، اي: مخبتين. أو ساجدين للّه، شكرا على إخراجهم من التّيه.

وَ قُولُوا حِطَّةٌ، أي: مسألتنا. أو أمرت حطّة. و هي فعلة من الحطّ (2)، كالجلسة.

و قرئ بالنّصب، على الأصل، بمعنى: حطّ عنّا (3) ذنوبنا، حطّة.

قال البيضاويّ‏ (4): أو على أنّه مفعول «قولوا»، أي: قولوا هذه الكلمة.

و فيه‏ (5): أنّه لا يكون مفعول القول، إلّا جملة مفيدة، أو مفردا يفيد معناها (6). كقلت شعرا. فالصّواب أن يقال حينئذ: معناه «قولوا أمرا حاطّا لذنوبكم.» و قيل‏ (7): معناه: أمرنا حطّة، أي: أن نحطّ في هذه القرية. و نقيم بها.

و في عيون الأخبار (8)، بإسناده إلى الحسن بن خالد، عن الرّضا، عليّ بن موسى- (عليهما السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- لكلّ. أمّة صدّيق و فاروق. و صدّيق هذه الأمّة و فاروقها، عليّ بن أبي طالب. إنّ عليّا (9) سفينة نجاتها و باب حطّتها.

و في كتاب الخصال‏ (10)، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها، قال عليّ- (عليه السلام): و أمّا العشرون: فإنّي سمعت رسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول [لي‏] (11): مثلك في أمّتي، مثل باب حطّة في بني إسرائيل. فمن دخل [في‏] (12) ولايتك، فقد دخل الباب، كما أمره اللّه- عزّ و جلّ.

و فيه‏ (13)، يقول أمير المؤمنين في حديث طويل‏ و نحن باب حطّة.

و في كتاب التّوحيد (14)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في خطبة: أنا باب حطّة.

____________

(1) يأتي عن تفسير القمي، في تفسير سورة المائدة- إن شاء اللّه.

(2) العبارة الأخيرة، ليس في أ.

(3) أ: منّا

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 58.

(6) يوجد في أ.

(7) نفس المصدر.

(8) عيون أخبار الرضا- 2/ 12، صدر ح 30.

(9) المصدر: إنّه.

(10) الخصال/ 574.

(11) يوجد في المصدر.

(12) يوجد في المصدر.

(13) نفس المصدر.

(14) التوحيد 164- 165، ضمن ح 2.

19

و في روضة الكافي‏ (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، قال فيها- (عليه السلام): ألا و إنّي فيكم، أيّها النّاس! كهارون في آل فرعون و كباب حطّة في بني إسرائيل.] (2)

[و في مجمع البيان‏] (3): و روي عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: نحن باب حطّتكم.

نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ‏ بسجودكم و دعائكم.

و قرئ بالياء (4). و ابن عامر بالتّاء، على البناء للمفعول.

و «خطايا» أصله خطائي، كخطائع.

فعند سيبويه أبدلت الياء الزّائدة، همزة، لوقوعها بعد الألف. و اجتمعت همزتان، فأبدلت الثّانية ياء. ثمّ قلبت ألفا و صارت الهمزة بين ألفين، فأبدلت ياء.

و عند الخليل، قدّمت الهمزة على الياء، ثمّ فعل بهما ما ذكر.

وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏ (58) ثوابا.

جعل الامتثال توبة (5) للمسي‏ء و إحسانا. و أخرجه عن صورة الجواب، إشعارا بأنّ الزّيادة، تفضّل منه تعالى، كما قال تعالى‏ (6): لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.

[و في شرح الآيات الباهرة (7): قال الإمام- (عليه السلام): قال اللّه تعالى: و اذكروا، يا بني إسرائيل! إِذْ قُلْنَا لأسلافكم‏ ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ و هي أريحا، من بلاد الشّام.

و ذلك حين خرجوا من التّيه. فَكُلُوا مِنْها، أي: من القرية، حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا، بلا تعب. وَ ادْخُلُوا الْبابَ‏- باب القرية- سُجَّداً. مثّل اللّه تعالى على الباب، مثال محمّد و عليّ. و أمرهم أن يسجدوا للّه، تعظيما لذلك المثال. و يجدّدوا على أنفسهم، بيعتهما و ذكر موالاتهما. و يذكروا العهد و الميثاق المأخوذين عليهم، لهما. وَ قُولُوا حِطَّةٌ، اي:

قولوا إنّ سجودنا للّه، تعظيما لشأن محمّد و عليّ. و اعتقادنا بولايتهما، حطّة لذنوبنا و محو لسيّئاتنا. قال اللّه- عزّ و جلّ: نَغْفِرْ لَكُمْ‏ بهذا الفعل‏ خَطاياكُمْ‏ السّالفة و نزيل عنكم‏

____________

(1) الكافي 8/ 30.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ. و الحديث في مجمع البيان 1/ 119.

(4) قيل في أنوار التنزيل 1/ 58: و قرأ نافع بالياء.

(5) أ: توجّه.

(6) فاطر/ 30.

(7) شرح الآيات الباهرة/ 20.

20

آثامكم الماضية. وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏ من كان فيكم لم (يقارف‏ (1)) الذّنوب الّتي قارفها (2) من خالف الولاية و (ثبت) (3) على ما أعطى اللّه من نفسه، من عهد الولاية. فإنّا نزيد (4) بهذا الفعل، زيادة (5) درجات و مثوبات. [و] (6) ذلك قوله تعالى‏ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏] (7)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ‏، أي: فخالف الّذين عصوا. ففعلوا غير ما أمروا أن يفعلوه. و قالوا غير ما أمروا أن يقولوه. و اختلف في ذلك الغير:

فقيل: إنّهم قالوا بالسّريانيّة: هطا سمقاثا (8). و معناه حنطة حمراء فيها شعيرة و كان قصدهم في ذلك الاستهزاء و مخالفة الأمر (9) و قيل: إنّهم قالوا حنطة، تجاهلا و استهزاء. و كانوا قد أمروا أن يدخلوا الباب، سجّدا. و طؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك. فدخلوه زاحفين على أستاههم. فخالفوا في الدّخول، أيضا.

فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:

كرّره مبالغة في تقبيح أمرهم و إشعارا بأنّ الإنزال عليهم، لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه، أو على أنفسهم، بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها.

رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ‏ (59): عذابا مقدّرا من السّماء، بسبب فسقهم.

و «الرّجز» في الأصل، ما يعاف عنه. و كذلك الرّجس. و قرئ بالضّمّ و هو لغة فيه. و المراد به الطّاعون. روى أنّه مات به في ساعة أربعة و عشرون ألفا من كبرائهم و شيوخهم. و بقي الأبناء. فانتقل عنهم العلم و العبادة. كأنّه يشير إلى أنّهم عوقبوا بإخراج‏

____________

(1) المصدر: يفارق.

(2) المصدر: فارقها.

(3) المصدر: تثبّت.

(4) المصدر: نزدهم.

(5) المصدر: بزيادة.

(6) يوجد في المصدر.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) ر: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا صمقاثا.

أ: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا سمقاثا. و قال بعضهم: حطا سمقاثا.

مجمع البيان 1/ 119: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هاطاسماقاتا. و قال بعضهم حطا سماقاتا.

(9) أ: الأمور.

21

الأفاضل من بينهم‏ (1).

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- في الطّاعون‏ (2): إنّه رجز. عذّب به بعض الأمم الّذين قبلكم.

[و في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه، عن محمّد بن الفضيل‏ (4)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: نزل جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا: فبدّل الّذين ظلموا آل محمّد- (عليهم السلام)- حقّهم، قولا غير الّذي قيل لهم، فأنزلنا على الّذين ظلموا آل محمّد حقّهم، رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال الإمام- (عليه السلام): إنّهم لم يسجدوا كما أمروا.

و لا قالوا بما أمروا. و لكن دخلوها مستقبليها بأستاههم‏ (6). و بدّلوا (7) حطّة. فقالوا: حنطة حمراء ينقّونها (8) أحبّ إلينا من هذا الفعل.

فأنزل اللّه على الّذين [ظلموا و] (9) بدّلوا ما قيل لهم و لم ينقادوا لولاية (10) محمّد و عليّ و آلهما الطّيبين الرّجز. قال اللّه تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أو غيّروا و بدّلوا، رِجْزاً مِنَ السَّماءِ، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: يخرجون عن أمر اللّه و طاعته.

قال: و الرّجز الّذى أصابهم، أنّه مات منهم في بعض يوم مائة و عشرون ألفا. و هم من علم اللّه تعالى منهم أنّهم لا يؤمنون و لا يتوبون. و لم ينزل الرّجز على من علم اللّه أنّه يتوب أو يخرج من صلبه ذرّية طيّبة توحّد اللّه و تؤمن بمحمّد و تعرف موالاة عليّ وصيّه و أخيه.] (11)

وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ‏ لمّا عطشوا في التّيه.

فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ:

الّلام فيه، للعهد، على ما

روى‏ أنّه كان حجرا طوريّا مربّعا حمله‏ (12) معه.

و كان‏

____________

(1) ر. أنوار التنزيل 1/ 58، مجمع البيان 1/ 120

(2) تفسير الطبري 1/ 242.

(3) الكافي 1/ 423، ح 58.

(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: الفضل.

(5) شرح الآيات الباهرة/ 20.

(6) المصدر: مستقبلوها بسيئاتهم.

(7) كذا في المصدر و في الأصل ور: قالوا.

(8) المصدر: ينفقونها.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: بولاية.

(11) ما بين المعقوفتين، ليس في أ.

(12) أ: معمله.

22

ينبع‏ (1) من كلّ وجه ثلاث أعين. تسيل كلّ عين في جدول إلى سبط. و كانوا ستّمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا.

أو حجرا أهبطه آدم من الجنّة. فتوارثوه حتّى وقع إلى شعيب. فدفعه إليه مع العصا.

أو الحجر الّذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة. ففرّ (2) به. فقال له جبرئيل: يقول اللّه تعالى: ارفع هذا (3) الحجر. فإن لي فيه قدرة و لك معجزة. فحمله في مخلاته.

و قيل: كانت حجرة فيها اثنتا عشرة حفرة و كان الحجرة من الكران و هي حجارة رخوة كأنّها مدرة. و كان يخرج من كل حفرة عين ماء عذب فرات، فيأخذونه. فإذا فرغوا و أراد موسى حمله، ضربه بعصاه، فيذهب الماء.

أو للجنس، أي: اضرب الشي‏ء الّذي يقال له الحجر.

قال الحسن: و هذا أظهر في الحجّة. و أبين في القدرة.

روى‏ أنّهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة. فحمل حجرا في مخلاته. فحيثما نزلوا، ألقاه. و كان يضربه بعصاه، فينفجر. و يضربه بها، فييبس.

فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا.

فأوحى اللّه إليه: لا تقرع الحجارة. و كلّمها تعطك. لعلّهم يعتبرون.

و

روي‏ أنّه كان ذراعا في ذراع.

و

روى‏ أنّه كان على شكل رأس الإنسان. و العصا كانت عشرة أذرع على طول موسى، من آس الجنّة. و له شعبتان تتّقدان في الظّلمة (4).

[و في مجمع البيان: (5) و عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: ثلاثة أحجار من الجنّة: مقام إبراهيم و حجر بني إسرائيل و الحجر الأسود.] (6)

فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً:

____________

(1) أ: يتبع.

(2) أ: ففسر.

(3) أ: إليّ هذا.

(4) توجد الفقرات الماضية في الكشاف 1/ 144، مجمع البيان 1/ 120- 121 و أنوار التنزيل 1/ 58.

(5) مجمع البيان 1/ 203.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

23

«الانفجار»: الانشقاق. و الانبجاس أضيق منه. فيكون أوّلا انبجاس، ثمّ يصير انفجارا. أو الانبجاس عند الحاجة إليه. و الانفجار عند الاحتياج إليه. أو الانبجاس عند الحمل. و الانفجار عند الوضع. فلا منافاة بينه و بين ما ذكر في سورة الأعراف‏ (1):

«فانبجست».

و الجملة جواب شرط محذوف. تقديره: فإن ضربت، فقد انفجرت. أو معطوفة على محذوفة. تقديره: فضرب، فانفجرت، كما مرّ في قوله‏ فَتابَ عَلَيْكُمْ‏ و قرئ عشرة (بكسر الشّين و فتحها). و هما لغتان.

قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ‏: كلّ سبط، مَشْرَبَهُمْ‏: عينهم الّتي يشربون منها.

كُلُوا وَ اشْرَبُوا، على تقدير القول، أي: و قلنا لهم.

مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏: يريد به ما رزقهم اللّه، من المنّ و السّلوى و ماء العيون. و قيل: الماء وحده. لأنّه شرب. و يؤكل ما ينبت به‏ (2).

[و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ (ره): (3) روى موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام). قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- في أثناء كلام طويل: فإنّ موسى- (عليه السلام)- قد أعطي الحجر: فانبجست منه أثنتا عشرة عينا.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل الحديبية و حاصره أهل مكّة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك. و ذلك أنّ أصحابه شكوا إليه الظّمأ و أصابهم ذلك حتّى التفّت خواصر الخيل. فذكروا ذلك له- (عليه السلام).

فدعا بركوة يمانيّة. ثمّ نصب يده المباركة فيها. فتفجّرت من بين أصابعه عيون الماء. فصدرنا و صدرت الخيل رواء. و ملأنا كلّ مزادة و سقاء. و لقد كنّا معه بالحديبية. و إذا ثمّ قليب جافّة. فأخرج- (صلّى اللّه عليه و آله)- سهما من كنانته. فناوله البراء بن عازب. فقال له: اذهب بهذا السّهم إلى تلك القليب الجافّة. فاغرسه فيها. ففعل ذلك. فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، من تحت السّهم. و لقد كان يوم الميضاة عبرة و علامة للمنكرين لنبوّته،

____________

(1) الأعراف/ 160

(2) أنوار التنزيل 1/ 59.

(3) الاحتجاج 1/ 325.

24

كحجر موسى، حيث دعا بالميضاة. فنصب يده فيها. ففاضت بالماء. و ارتفع حتّى توضّأ منه ثمانية آلاف رجل. و شربوا حاجتهم. و سقوا دوابّهم. و حملوا ما أرادوا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى أبي الجارود، زياد بن المنذر. قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- إذا خرج القائم من مكّة، ينادي مناديه: ألا لا يحمل أحد (2) طعاما و لا شرابا و حمل معه حجر موسى بن عمران. و هو وقر بعير. فلا ينزل‏ (3) منزلا إلا انفجرت منه عيون. فمن كان جائعا، شبع، و من كان ظمآنا، روي، و رويت دوابّهم، حتّى ينزلوا النّجف، من ظهر الكوفة.

و في الخرائج و الجرائح‏ (4)، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه- (عليهما السلام)- مثله. و زاد في آخره: فإذا نزلوا ظاهره انبعث منه الماء و اللّبن، دائما. فمن كان جائعا، شبع. و من كان ظمآنا، روي.

و في أصول الكافي‏ (5)، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- و ذكر مثل ما في كمال الدّين و تمام النّعمة، إلّا قوله و رويت دوابّهم (الخ)] (6)

وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ (60): لا تعتدوا حال إفسادكم.

و إنّما قيّده و إن كان العثيّ لا يكون إلّا فسادا. لأنّه يجوز أن يكون فعل ظاهره الفساد، و باطنه المصلحة، كقتل الخضر الغلام و خرقه السّفينة. فبيّن أنّ فعلهم، هو الفساد، ظاهرا و باطنا. و يقرب منه العبث. غير أنّه يغلب فيما يدرك حسّا. (7) و جعل بعضهم الحال، مؤكّدة.

فإن قيل كيف يجتمع ذلك الماء الكثير في ذلك الحجر الصّغير؟

أجيب بأنّ ذلك من آيات اللّه الباهرة و الأعاجيب الظّاهرة الدّالّة على أنّه من فعل اللّه. فإنّه لمّا أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشّعر و ينفر الخلّ و يجذب الحديد،

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 670- 671، ح 17.

(2) المصدر: أحدكم.

(3) كذا في المصدر. و في الأصل ور: و لا ينزل.

(4) تفسير نور الثقلين 1/ 84، نقلا عن الخرائج و الجرائح، مع اختلاف بسيط.

(5) الكافي 1/ 231، ح 3.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(7) أ: حيّا.

25

لم يمتنع أن يخلق في حجر، أو أحدث في كلّ حجر، قوّة بجذب الماء، من تحت الأرض، أو يجذب الهواء من الجوانب و يصير الماء بقوة التّبريد و نحو ذلك.

و لي هناك فائدة يجب أن ينبه عليها. فأقول: الممتنع إمّا ممتنع بأيّ اعتبار أخذ، أو باعتبار طبيعته، و حقيقته، مع قطع النّظر عن غيره، أو باعتبار العادات و الرّسوم. فالأوّل، كشريك البارئ. و الثّاني، ككون الكبير في الصّغير. و الثّالث، ككون الحنطة خلّا.

و الممتنع بالقياس إليه تعالى، هو الأوّل دون الثّانيين. فتأمّل! فإنّه يحتاج إلى لطف تأمّل.

[و في شرح الآيات الباهرة: (1) قال الإمام- (عليه السلام): و اذكروا، يا بني إسرائيل! إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ‏، طلب لهم السّقيا، لمّا لحقهم العطش في التّيه، و ضجّوا بالنّداء إلى موسى، و قالوا هلكنا بالعطش، فقال موسى: «إلهي بحقّ محمّد سيّد الأنبياء و بحقّ عليّ سيّد الأوصياء و بحقّ فاطمة سيّدة النّساء و بحقّ الحسن سيّد الأولياء و بحقّ الحسين سيّد الشّهداء و بحقّ عترتهم و خلفائهم الأزكياء لمّا سقيت عبادك هؤلاء الماء. اعتبار فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ.

فضربه بها. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ‏، أي: كلّ قبيلة، من بني أب، من أولاد يعقوب‏ مَشْرَبَهُمْ‏ فلا يزاحم الآخرين في مشربهم.

[قال اللّه تعالى:] (2) كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏ الّذى اتاكموه! وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏، أي: و لا تعثوا (3) و أنتم مفسدون عاصون.

ثمّ قال- (عليه السلام): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من أقام على موالاتنا أهل البيت، سقاه اللّه من محبّته، كأسا لا يبغون به بدلا و لا يريدون سواه كافيا و لا كالئا و لا ناصرا. و من وطّن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا، جعله اللّه يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كلّ من تضمّنته تلك العرصات أبصارهم عمّا يشاهدون من درجاته‏ (4) و إن كلّ واحد منهم ليحيط بما له من درجاته كإحاطته في الدّنيا يتلقاه‏ (5) بين يديه.

ثمّ يقول له: وطّنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمّد و آله الطّيّبين، قد جعل اللّه إليك و مكّنك في تخليص كلّ من يجب تخليصه من أهل الشّدائد في هذه العرصات. فيمدّ

____________

(1) شرح الآيات الباهرة/ 21.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: تسعوا.

(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: درجاتهم.

(5) المصدر: تتلقّاه.

26

بصره فيحيط به. ثمّ ينتقد (1) من أحسن إليه أو برّه في الدّنيا، بقول أو فعل أو ردّ غيبة أو حسن محضر أو إرفاق‏ (2)، فينتقده‏ (3) من بينهم، كما ينتقد الدّرهم الصّحيح من المكسور. يقال له: اجعل هؤلاء في الجنّة، حيث شئت. فينزلهم جنان ربّنا.

ثمّ يقال له: و قد جعلنا لك و مكّنّاك في إلقاء من تريد في نار جهنم. فيراهم.

فيحيط بهم. فينتقده‏ (4) من بينهم، كما ينتقد الدّينار من القراضة. ثمّ يصيّره في النّار. [ثمّ يقال له: صيّرهم من النّار، حيث تشاء. فيصيّرهم إلى حيث يشاء من مضايق النّار.] (5) فقال اللّه تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان أسلافكم إنّما دعوا إلى موالاة محمّد و آله الطّيّبين، فأنتم يا من شاهدتموه، فقد وصلتم إلى الغرض و المطلب الأفضل، إلى مولاة محمّد و آله. ألا فتقرّبوا إلى اللّه- عزّ و جلّ- بالتّقرّب إلينا. و لا تتقرّبوا من سخطه، تباعدوا (6) من رحمته بالازورار (7) عنّا] (8)

وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ طَعامٍ واحِدٍ:

يريد به ما رزقوا في التّيه، من المنّ و السّلوى و بوحدته أنّه لا يتبدّل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد. يريدون أنّه لا يتغيّر ألوانه. و لذلك أجموا، أو ضرب واحد. لأنّهما معا طعام أهل التّلذّذ. و هم كانوا فلاحة. فنزعوا إلى عكرهم. و اشتهوا إلى ما ألفوه. (9) و قيل‏ (10): إنّه كان ينزل عليهم [المنّ وحده. فملّوه. فقالوا ذلك. فأنزل عليهم‏] (11) السّلوى، من بعد ذلك.

فَادْعُ لَنا رَبَّكَ‏: سله، لأجلنا، بدعائك إيّاه.

يُخْرِجْ لَنا: يظهر لنا.

و جزمه، بأنّه جواب الأمر المذكور.

مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ‏: من إسناد الفعل إلى القابل. و «من» للتّبعيض. و العائد

____________

(1) المصدر: فينقذ.

(2) المصدر: إنفاق.

(3) المصدر: فينقده.

(4) المصدر: فينقده.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: و تتباعدوا.

(7) الأصل ور: بالازوراء.

(8) ما بين القوسين ليس في أ.

(9) أ: القوه.

(10) مجمع البيان 1/ 124.

(11) ليس في أ.

27

إلى الموصول، محذوف.

مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها:

بيان وقع موقع الحال. و قيل: بدل بإعادة الجار. و البقل ممّا أنبتته الأرض من الخضر. و المراد به أطائبه الّتي تؤكل. و الفوم، الحنطة. و يقال للخبز. و منه فوموا لنا، أي:

اخبزوا. و قيل: الثّوم. و يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: و ثومها. و قرئ قثّائها. (بالضّمّ) و هو لغة فيه‏ (1).

و اختلف في أنّ سؤالهم هذا، هل كان معصية؟

فقيل: لا لأنّ الأوّل كان مباحا. فسألوا مباحا آخر.

و قيل: بل كان معصية. لأنّهم لم يرضوا بما اختاره اللّه لهم. و بذلك ذمّهم على ذلك. و هو أوجه. (2) قالَ‏، أي: اللّه أو موسى.

أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى‏: أقرب منزلة.

و أصل الدّنوّ، القرب في المكان. فاستعير للحسنة، كالعبد في الشّرف و الرّفعة.

فقيل: بعيد المحل، بعيد الهمّة.

و قرئ أدناء، من الدّناءة.

و حكى الأزهريّ، (3) عن أبي زيد: الدنيّ (بغير همزة الخسيس).

بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ:

يريد به المنّ و السّلوى. فإنّه خير في اللّذة و النّفع و عدم الحاجة إلى السّعي.

اهْبِطُوا:

و قرئ بالضّمّ، أي: انحدروا من التّيه. يقال: هبط الوادي، إذا نزل به. و هبط منه، إذا خرج منه.

مِصْراً:

أراد به مصرا من الأمصار. و هو البلد العظيم. و أصله القطع، لانقطاعه بالعمارة عمّا سواه. و قيل‏ (4): أصله الحدّ بين الشّيئين.

____________

(1) يوجد الفقرات الماضية، في أنوار التنزيل 1/ 59.

(2) ر. مجمع البيان 1/ 124.

(3) ر. مجمع البيان 1/ 122.

(4) أنوار التنزيل 1/ 59.

28

قال الشّاعر (1):

و جاعل الشّمس مصرا لا خفاء به‏* * * بين النّهار و بين اللّيل قد فصلا

أو العلم. و صرفه لسكون وسطه، أو على تأويل البلد. و يؤيّده أنّه غير منوّن في مصحف ابن مسعود. و قيل: أصله مصرائيم. (2) فعرب. (3) فصرفه للتّصرّف في العجميّة، بالتّعريب‏ (4).

فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ:

جعلت الذّلّة و المسكنة محيطتين بهم مشتملتين‏ (5) عليهم. فهم كما يكون في القبّة من ضربت عليه أو الصقتا (6) بهم، حتّى لزمتاهم ضربة لازب، كما تضرب الطّين على الحائط، فيلزمه مجازاة فهم على كفران النّعمة، فاليهود أذلّاء أهل مسكنة: إمّا على الحقيقة، و إمّا لتصاغرهم و تفاقرهم مخافة أن تضاعف عليهم الجزية.

و المراد بالذّلّة، الهوان بأخذ الجزية، و بالمسكنة، كونهم بزيّ الفقراء. فترى المثريّ منهم يتمسكن مخافة أن تضاعف عليهم الجزية. أو المراد بالذّلّة، ما يشمل المعنيين، و بالمسكنة فقر القلب. لأنّه لا يوجد يهوديّ غنيّ النّفس. و

قال النّبيّ‏ (7)- (صلّى اللّه عليه و آله): الغنى، غنى النّفس.

وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ‏:

رجعوا به من باء إذا رجع. أو صاروا أحقّاء بغضبه، من باء فلان بفلان، إذ كان حقيقا بأن يقتل به.

و أصل البوء، المساواة.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ما سبق، من ضرب الذّلّة و المسكنة و البوء بالغضب، كائن لهم.

بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ بسبب كفرهم بالمعجزات، أو بالكتب المنزلة و آية الرّجم و الّتي فيها نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الكتب و قتلهم الأنبياء، كزكريّا و يحيى و غيرهما- (عليهم السلام)- بغير حقّ عندهم، إذ

____________

(1) مجمع البيان 1/ 122. و الشاعر، عدي بن زيد، على ما ذكر في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مصرائم.

(3) ر. أنوار التنزيل 1/ 59.

(4) أ: بالتعريف.

(5) أ: مشتملة.

(6) أ: التصقتا.

(7) مجمع البيان 1/ 124.

29

لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم. و إنّما حملهم على ذلك اتّباع الهوى. و هذا أشنع من أن يقتلوه بشي‏ء يعتقدونه‏ (1) جرما حقّا باعتقادهم الفاسد.

ذلِكَ‏، أي: الكفر بالآيات و قتل الأنبياء، صدر عنهم.

بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ‏ (61) بسبب عصيانهم و تماديهم فيه.

فإنّ التّمادي في ضعاف الذنوب، يؤدّي إلى شدادها، كما أنّ المواظبة على صغار الطّاعات، يؤدّي إلى تحرّي كبارها.

قال صاحب الكشّاف‏ (2): كرّر الإشارة، للدّلالة على أنّ ما لحقهم، كما هو بسبب الكفر و القتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي و اعتدائهم حدود اللّه.

و فيه نظر (3). لأنّه لو كان التّكرير لذلك، لكفى فيه أن يقول و بما عصوا. و قال:

و على تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى الكفر و القتل، يجوز أن تكون «الباء» بمعنى مع، أي: ذلك الكفر و القتل، مع ما عصوا. و الأحسن ما قرّرناه، لرعاية اتّساق الكلام.

و إنّما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين، على تأويل ما ذكر، أو ما تقدّم، للاختصار. و نظيره في الضّمير قول رؤبة:

فيه خطوط من سواد و بلق‏* * * كأنّه في الجلد توليع البهق‏

فإن قيل كيف يجوز التّخلية بين الكفّار و قتل الأنبياء؟

أجيب بأنّه إنّما جاز ذلك، لينال أنبياء اللّه سبحانه من رفع المنازل و الدّرجات، ما لا ينالونه بغير القتل. قال الشّيخ الطّبرسيّ‏ (4): و ليس ذلك بخذلان لهم، كما أنّ التّخلية بين المؤمنين و الأولياء و المطيعين و بين قاتليهم، ليست بخذلان لهم. (هذا كلامه.) و الأجود التّفصيل، بأنّه ليس بخذلان، بمعنى إنزال العذاب و سوء عاقبة الدّار و غير ذلك مما ينبئ عن خذلان الآخرة و حرمان المثوبة. و المرويّ عن الحسن أنّ من‏ (5) قتل من الأنبياء، قد قتل بغير قتال. و أنّ اللّه لم يأمر نبيّا بالقتال، فقتل فيه.

و المذكور في مجمع البيان‏ (6). «أنّ الصّحيح، أنّ النّبيّ إن كان لم يؤدّ الشّرع الّذي أمر بتأديته، لم يجز أن يمكّن اللّه سبحانه من قتله. لأنّه لو مكّن من ذلك، لأدّى إلى أن يكون‏

____________

(1) أ: يعتقدوه.

(2) الكشاف 1/ 146.

(3) أ: نظرا.

(4) مجمع البيان 1/ 125.

(5) كذا في أ. و في الأصل ور: ما

(6) مجمع البيان 1/ 125.

30

المكلّفون غير مزاحي العلّة في التّكليف و فيما لهم من الألطاف و المصالح. فأمّا إذا أدّى الشّرع، فحينئذ يجوز أن يخلّي اللّه بينه و بين قاتليه. و لم يجب عليه المنع من قتله» و الملازمة (1) الّتي ادّعاها، منع بأنّه يجوز أن يكون إزاحة العلل بإرسال النّبيّ و إظهار المعجزة على يده و قتله بسوء صنيعهم بعد ثبوت نبوّته و إعجازه ناشئ من تهاونهم في نصره و تآزرهم على دفعه. فهم مفوّتون تبليغه بسوء فعلهم. فهم غير معذورين بعدم تبليغه.

[و في أصول الكافي‏ (2): يونس، عن ابن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- و تلا هذه الآية ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ‏ قال: و اللّه ما قتلوهم بأيديهم.

و لا ضربوهم بأسيافهم. و لكنّهم سمعوا أحاديثهم، فأذاعوها. فأخذوا عليها. فقتلوا. فصار قتلا و اعتداء و معصية.] (3)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم. يريد به المتديّنين بدين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- المخلصين منهم و المنافقين.

و قال صاحب الكشّاف‏ (4): «يريد المنافقين»، لانخراطهم في سلك الكفرة.

و الأوّل أولى، لعموم الفائدة.

وَ الَّذِينَ هادُوا:

تهوّدوا. يقال: هاد و تهوّد، إذا دخل في اليهوديّة. و «يهود» إمّا عربيّ من هاد، إذا تاب سمّوا بذلك، لمّا تابوا من عبادة العجل، أو من هاد إذا مال، لأنّهم مالوا عن الإسلام و عن دين موسى، أو من هاد إذا تحرّك، لأنّهم كانوا يتحرّكون عند قراءة التوراة، و إمّا معرّب يهوذا. و كأنّهم سمّوا باسم أكبر أولاد يعقوب- (عليه السلام).

و اليهود اسم جمع، واحده يهوديّ، كالزّنجيّ و الزّنج و الرّوميّ و الرّوم.

وَ النَّصارى‏:

قال سيبويه‏ (5): جمع نصران كالنّدامى.

و قيل‏ (6): جمع نصريّ، مثل مهريّ و مهارى.

____________

(1) أ: و على الملازمة.

(2) الكافي 1/ 371، ح 6.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) الكشاف 1/ 146.

(5) مجمع البيان 1/ 126، بتصرف في النقل.

(6) تفسير البحر المحيط 1/ 239.

31

و «الياء» في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ. سمّوا بذلك لأنّهم‏ (1) نصروا المسيح، أو لأنّهم‏ (2) كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة.

و على تقدير أن يكون اسم القرية نصران، يحتمل أن يكون الياء للنّسبة.

[و في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل‏. و في آخره قال: فقلت له: فلم سمّي النّصارى، نصارى؟

قال: لأنّهم من قرية اسمها النّاصرة (4)، من بلاد الشّام. نزلتها مريم و عيسى- (عليهما السلام)- بعد رجوعهما من‏ (5) مصر.

و في كتاب ثواب‏ (6) الأعمال‏ (7)، بإسناده إلى حنان بن سدير. قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة، لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه- إلى قوله- و رجلان‏ (8) من بني إسرائيل. هوّدا قومهما. و نصّراهما.

و بإسناده إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ‏ (9)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)‏- بعد أن قال «إنّ في النّار لواديا يقال له سقر. و إنّ في ذلك الوادي لجبلا. و إنّ في ذلك الجبل، لشعبا. و إنّ في ذلك الشّعب، لقليبا. و إنّ في ذلك القليب، لحيّة. و ذكر شدّة ما في الوادي و ما بعده من العذاب. و إنّ في جوف تلك الحيّة سبع‏ (10) صناديق. فيها خمسة من الأمم السّالفة. و اثنان من هذه الأمّة»، قلت، جعلت فداك! و من الخمسة؟ و من الاثنان؟

قال: أمّا الخمسة: فقابيل الّذي قتل هابيل- إلى قوله- و يهودا (11) الّذي هوّد اليهود.

و بولس الّذي نصّر النّصارى.] (12)

وَ الصَّابِئِينَ‏:

____________

1 و 2- ليس في أ.

(3) عيون الأخبار 2/ 79، ذيل ح 10.

(4) المصدر: ناصرة.

(5) كذا في المصدر. و في الأصل ور: عن.

(6) الأصل ور: عقايد. و هو خطأ.

(7) ثواب الأعمال/ 255، ضمن ح 1.

(8) المصدر: اثنان.

(9) نفس المصدر/ 255- 256.

(10) المصدر: لسبع.

(11) كذا في المصدر و في الأصل ور: يهود.

(12) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

32

قيل: قوم بين النّصارى و المجوس. لا دين لهم.

و قيل‏ (1): أصل دينهم، دين نوح.

و قيل‏ (2): هم عبدة الملائكة.

و قيل‏ (3): عبدة الكواكب من صبأ، إذا خرج. و قرأ نافع، بالياء- وحدها. إمّا لأنّه خفّف الهمزة. أو لأنّه من صبا، إذا مال. لأنّهم مالوا من سائر الأديان، إلى دينهم، أو من الحقّ إلى الباطل. (4) قال الشّيخ الطّبرسيّ‏ (5): و الفقهاء، بأجمعهم، يجيزون أخذ الجزية [منهم.] (6) و عندنا لا يجوز ذلك. [لأنّهم ليسوا بأهل كتاب‏] (7)

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى‏ وَ الصَّابِئِينَ‏ قال: الصّابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى و لا مسلمين. و هم يعبدون الكواكب و النّجوم.] (9)

مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً:

من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدّقا بقلبه بالمبدأ و المعاد، عاملا بمقتضى شرعه. و من تجدّد منه الإيمان و أخلصه.

فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ الّذي وعدهم، على إيمانهم و عملهم.

وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (62) حين يخاف الكفّار من العقاب و يحزن المقصرون على تضييع العمر و تفويت الثّواب.

و «من»، مبتدأ، خبره «فلهم أجرهم.» و الجملة خبر «إنّ»، أو بدل من اسم «إنّ» و خبرها «فلهم أجرهم.» و «الفاء» لتضمّن المسند إليه، معنى الشّرط. و قد منع سيبويه دخولها في خبر «إنّ»، من حيث أنّها لا تدخل الشّرطيّة. و ردّ بقوله تعالى‏ (10): إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ.

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ‏:

____________

1 و 2 و 3 و 4- أنوار التنزيل/ 60.

(5) مجمع البيان 1/ 126.

(6) يوجد في أور.

(7) يوجد في أ، فقط.

(8) تفسير القمي 1/ 48.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) الجمعة/ 8.

33

مفعال من الوثيقة. و هو ما يوثق به من يمين أو عهد أو غير ذلك. يريد به العهد، باتّباع موسى و العمل بالتّوراة.

وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ: حتّى قبلتم الميثاق.

و «الطّور» في اللّغة، الجبل.

قال العجّاج‏ (1):

داني جناحيه من الطّور فمرّ* * * تقضّي البازي إذا البازي كسر

و قيل‏ (2): إنّه اسم جبل بعينه. ناجى اللّه عليه موسى- (عليه السلام).

روي‏ (3) أنّ موسى- (عليه السلام)- لمّا جاءهم بالتّوراة، فرأوا ما فيها من التّكاليف الشّاقّة، كبرت عليهم و أبوا قبولها. فأمر جبرئيل- (عليه السلام)- بقلع‏ (4) الطّور. فظلّله فوقهم، حتّى قبلوا.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال الصّادق- (عليه السلام): لمّا أنزل اللّه التّورية على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع اللّه عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى- (عليه السلام)- إن لم تقبلوه وقع عليكم الجبل. فقبلوه. و طأطئوا رؤوسهم‏] (6)

خُذُوا على إرادة القول، ما آتَيْناكُمْ‏ من الكتاب، بِقُوَّةٍ: بجدّ و عزيمة.

روى العيّاشيّ‏ (7)، أنّه سئل عن‏ (8) الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه تعالى‏ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أبقوّة بالأبدان؟ أم بقوّة بالقلوب؟

فقال: بهما، جميعا.

وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ‏:

قيل‏ (9): معناه ادرسوه و لا تنسوه. أو تفكّروا فيه، فإنّه ذكر بالقلب‏ (10). أو اعملوا به.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 127.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع.

(3) تفسير القمي 1/ 49 الكشاف 1/ 147، مجمع البيان 1/ 128، أنوار التنزيل 1/ 61.

(4) أ: بقطع.

(5) تفسير القمي 1/ 48.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(7) تفسير العياشي 1/ 45، ح 52.

(8) كذا في المصدر و في النسخ. و لعلها زائدة.

(9) أنوار التنزيل 1/ 61.

(10) كذا في المصدر و في النسخ. و الظاهر: للقلب.

34

و المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- (1) أنّ معناه: اذكروا ما في تركه من العقوبة.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (63):

متعلّق «بخذوا»، أي: لكي تتّقوا، أو «باذكروا»، أي: رجاء منكم أن تكونوا متّقين، أو «بقلنا المقدّر»، أي: قلنا خذوا. و اذكروا إرادة أن تتّقوا.

[و في شرح الآيات الباهرة (2): قال الإمام- (عليه السلام): قال اللّه- عزّ و جلّ- لهم: و اذكروا إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ‏ و عهودكم، أن تعملوا بما في التّوراة و ما في الفرقان الّذى أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمّد و عليّ و الطّيّبين من آلهما، أنّهم أفضل الخلق و القوّامون بالحقّ، و أخذنا ميثاقكم لهم أن تقرّوا به و أن تؤدّوه إلى أخلافكم و تأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم، ليؤمننّ بمحمّد نبيّ اللّه و يسلمون له ما يأمرهم به في عليّ وليّ اللّه عن اللّه و ما يخبرهم به من أحوال خلفائه بعده القوّامون بحقّ اللّه، فأبيتم قبول ذلك و استكبرتموه، «فرفعنا فوقكم الطور» الجبل. أمرنا جبرئيل أن يقطع منه قطعة، على قدر معسكر أسلافكم. فجاء بها، فرفعها (3) فوق رؤوسهم.

فقال موسى- (عليه السلام)- لهم: إمّا أن تأخذوا بما أمرتم به فيه و إلا ألقى عليكم هذا الجبل؟

فالجئوا إلى قبوله كارهين، إلّا من عصمه اللّه من العباد. فإنّه قبله طائعا مختارا.

ثمّ لمّا قبلوه سجدوا للّه عفروا. و كثير منهم عفّر خدّيه لا إرادة الخضوع للّه و لكن نظرا إلى الجبل، هل يقع أم لا؟ و آخرون سجدوا طائعين مختارين.

ثمّ قال- (عليه السلام): فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): احمدوا اللّه معاشر شيعتنا على توفيقه إيّاكم. فإنّكم تعفّرون في سجودكم، لا كما عفّره كفرة بني إسرائيل، و لكن كما عفّره خيارهم. و قال- عزّ و جلّ: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ‏، أي: ما آتيناكم (من) هذه الأوامر و النّواهي، من هذا الأمر الجليل، من ذكر محمّد و عليّ و آلهما الطّيّبين‏ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ‏ (4) ممّا آتيناكم. و اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به و شديد عقابنا على‏

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 45، ح 53، مجمع البيان 1/ 128.

(2) شرح الآيات الباهرة/ 22.

(3) المصدر: فرفعنا.

(4) كذا في المصدر و في هامش الأصل. و في الأصل ور: فيما.

35

إبائكم، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ المخالفة الموجبة للعقاب‏ (1)، فتستحقّوا بذلك جزيل الثّواب‏] (2)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏: أعرضتم عن الوفاء بالميثاق، بعد أخذه.

فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏ بالتّوبة، بعد نكثكم الميثاق الّذي و واثقتموه، وَ رَحْمَتُهُ‏ بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدعوكم إلى الحقّ و يهديكم إليه، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (64) المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط و الضّلال في فترة من الرّسل، أو بهما و «و لو» في الأصل، لامتناع الشي‏ء، لامتناع غيره.

فإذا أدخل على لا أفاد إثباتا و هو امتناع الشي‏ء لثبوت غيره. و الاسم الواقع بعده عند سيبويه، مبتدأ، خبره واجب الحذف، لدلالة الكلام عليه و سدّ الجواب مسدّه، و عند الكوفيّين، فاعل فعل محذوف.

وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ‏ لمّا اصطادوا السّموك فيه.

و «السّبت» مصدر. سبتت اليهود، إذا عظّمت يوم السّبت. و أصله: القطع. أمروا بأن يجرّدوه للعبادة فاعتدى ناس منهم في زمن داود. و اشتغلوا بالصّيد.

فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ (65): مبعدين عن كلّ خير.

و الخساء، هو الصّغار و الطّرد.

و قرئ قردة. (بفتح القاف و كسر الرّاء) و خاسين (بغير همزة).

[و في أصول الكافي: (3) عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام): و كان من السّبيل و السّنّة الّتي أمر اللّه- عزّ و جلّ- بها موسى- (عليه السلام)- أن جعل عليهم السّبت فكان من أعظم السّبت. و لم يستحلّ أن يفعل فيه‏ (4). ذلك من خشية اللّه. أدخله [اللّه‏] (5) الجنّة. و من استخفّ بحقّه و استحلّ ما حرّم اللّه عليه، من العمل الّذي نهاه اللّه عنه فيه، أدخله اللّه- عزّ و جلّ- النّار. و ذلك حيث استحلّوا الحيتان، و احتبسوها، و أكلوها يوم السّبت، غضب اللّه عليهم، من غير أن يكونوا أشركوا بالرّحمن، و لا شكّوا في شي‏ء ممّا جاء به موسى‏

____________

(1) المصدر: العقاب.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) الكافي 2/ 28- 29، مقطع من ح 1.

(4) ليس في المصدر.

(5) يوجد في المصدر.

36

- (عليه السلام). قال اللّه- عزّ و جلّ: لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): سيكون قوم يعيشون على لهو و شرب الخمر و الغناء. فبينما هم كذلك، إذ مسخوا من ليلتهم و أصبحوا قردة و خنازير. و هو قوله: و احذروا أن تعتدوا، كما اعتدى أصحاب السّبت، فقد كان أملى لهم، حتّى أشروا. و قالوا: إنّ السّبت لنا حلال. و إنّما كان حرّم على أوّلينا. و كانوا يعاقبون على استحلالهم السّبت. فأمّا نحن فليس علينا حرام. و ما زلنا بخير منذ استحللناه.

و قد كثرت أموالنا. و صحّت أجسامنا. ثمّ أخذهم اللّه ليلا و هم غافلون. فهو قوله:

و احذروا أن يحلّ بكم مثل ما حلّ بمن تعدّى و عصى.

و في كتاب الخصال‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام). قال: المسوخ من بني آدم، ثلاثة عشر صنفا- إلى أن قال- فأمّا القردة، فكانوا قوما [من بني إسرائيل كانوا] (3) ينزلون على شاطى البحر اعتدوا في السّبت. فصادوا الحيتان. فمسخهم اللّه قردة.

و فيه‏ (4) أيضا- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام). قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسوخ.

فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل- إلى أن قال- و أمّا القردة، فقوم اعتدوا في السّبت.

و فيه‏ (5)- أيضا- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- حديث طويل في بيان الأيّام.

و في آخره قال بعض مواليه: قلت: فالسّبت؟

قال: سبتت الملائكة لربّها (6) يوم السّبت فوحّدته‏ (7) لم يزل واحدا أحدا (8).

و في عيون الأخبار (9)، عن محمّد بن سنان، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث‏

____________

(1) تفسير القمي.

(2) الخصال/ 493، مقطع من ح 1.

(3) يوجد في المصدر.

(4) نفس المصدر/ 494، مقطع من ح 2.

(5) نفس المصدر/ 384، ذيل ح 61.

(6) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بربّها.

(7) المصدر: فوجدته.

(8) ليس في المصدر.

(9) عيون الأخبار 2/ 94.

37

طويل، يقول فيه: و كذلك حرّم القرد. لأنّه مسخ مثل الخنزير و جعل عظة و عبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته. و جعل فيه شبه‏ (1) من الإنسان، ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه. (2)

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ اليهود أمروا بالإمساك يوم الجمعة. فتركوا يوم الجمعة. و أمسكوا يوم السّبت. فحرّم عليهم الصّيد يوم السّبت.

و بإسناده‏ (4) إلى عبد اللّه بن يزيد بن سلام، أنّه قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد سأله عن الأيّام الأسبوع: فالسّبت؟

قال: يوم مسبوت. و ذلك قوله- عزّ و جلّ- في القرآن: (5) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏ فمن الأحد إلى [يوم‏] (6) الجمعة، ستّة أيّام. و السّبت معطّل.

قال: صدقت يا محمّد. (7) و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة] (8)

فَجَعَلْناها، أي: المسخة و العقوبة.

و عن الباقر- (عليه السلام)(9): فجعلنا الأمّة.

[و في مجمع البيان‏ (10): «فجعلناها»: الضّمير يعود إلى الأمّة الّتي مسخت. و هم أهل أيلة، قرية على شاطئ البحر. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).] (11)

نَكالًا: عبرة، تنكل المعتبر بها، أي: تمنعه. و منه النّكل، للقيد.

لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها:

لما قبلها من الأمم و ما بعدها، إذ ذكرت حالهم، في زبر الأوّلين، و اشتهرت قصّتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم و من بعدهم، أو لما يحضرها من القرى و ما تباعد عنها، أو لأهل‏

____________

(1) المصدر: شبها.

(2) المصدر: عليهم.

(3) علل الشرائع/ 69، ح 1.

(4) نفس المصدر/ 471.

(5) ق/ 38.

(6) يوجد في المصدر.

(7) المصدر: يا رسول اللّه.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(9) مجمع البيان 1/ 130.

(10) نفس المصدر و نفس الموضع.

(11) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

38

ملك القرية و ما حواليها، أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم و ما تأخّر منها.

وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ‏ (66) من قومهم، أو لكلّ من سمعها.

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً:

سمّيت بقرة، لبقرها الأرض. و الهاء ليست للتّأنيث. و إنّما هي لتدلّ على الوحدة، كالبطّة و الدّجاجة و الإوزّة و الحمامة.

و أوّل هذه القصّة، قوله تعالى‏ (1): وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ. و إنّما فكّت عنه و قدّمت عليه، لاستقلاله بنوع آخر من مساوئهم. و هو الاستهزاء بالأمر و الاستقصاء في السّؤال و ترك المسارعة في الامتثال.

و قصّته على‏

ما رواه العيّاشيّ، (2) مرفوعا إلى الرّضا- (عليه السلام): أنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل.

ثمّ جاء يطلب بدمه. فقال‏ (3) لموسى- (عليه السلام): إنّ سبط آل فلان قتل. (4) فأخبرنا من قتله.

قال: آتوني ببقرة.

و المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام)‏- (5) في سبب قتله: أنّه قتله ليتزوّج بنته. و قد خطبها. فلم ينعم له. و قد خطبها غيره من خيار بني إسرائيل. فأنعم له فحسده ابن عمّه الّذي لم ينعم له. فعقد له قتله. ثمّ حمله إلى موسى- إلى آخر الحديث.

و المذكور في الكشّاف‏ (6) و غيره‏ (7)، أنّه كان فيهم شيخ موسر. فقتل ابنه بنو أخيه، طمعا في ميراثه. و طرحوه على باب المدينة. ثمّ جاؤوا بدمه. فأمرهم أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها، ليحيى فيخبّرهم بقاتله.

قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً: مكان هزء، أو أهله، أو مهزوء بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء، استبعادا لما قاله، أو استخفافا به.

و قرئ هزء (بضمّتين و بسكون الزاء، بالهمزة في الصّورتين و بضمّتين و الواو.)

____________

(1) البقرة/ 72.

(2) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57.

(3) المصدر: فقالوا.

(4) المصدر: قتل فلانا.

(5) تفسير القمي 1/ 49.

(6) الكشاف 1/ 148.

(7) مجمع البيان 1/ 134.

39

قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. (67):

لأنّ الهزء في مقام الإرشاد، جهل و سفه.

و العياذ و اللّياذ، من واد واحد.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏:

لمّا رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شي‏ء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته، فسألوا عنها بما المطلوبة بها الحقيقة. و إلّا، فالمقصود، بيان الحال و الصّفة.

قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ: لا مسنّة و لا فتيّة.

يقال فرضت البقرة فروضا، من الفرض و هو القطع، كأنّها فرضت سنّها.

و تركيب البكر للأوّليّة. و منه البكرة و الباكورة.

عَوانٌ‏: نصف.

قال الطّرمّاح:

طوال مثل أعناق الهوادي‏* * * نواعم بين أبكار و عون‏

بَيْنَ ذلِكَ‏، أي: ما ذكر من الفارض و البكر. و لذلك أضيف إليه البين. فإنّه لا يضاف إلّا إلى متعدّد.

و في رواية العيّاشيّ، (1) مرفوعا إلى الرّضا- (عليه السلام): أنّهم لو ذبحوا أي بقرة أرادوا، لأجزأتهم. و لكن شدّدوا على أنفسهم، فشدّد اللّه عليهم.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة. فلا يلزمه تأخير البيان، عن وقت الحاجة.

قيل‏ (2): و يلزمه النّسخ، قبل الفعل. فإنّ التّخصيص، أو التّقييد، إبطال للتّخيير الثّابت بالنّصّ. و فيه نظر. لأنّ كون التّخيير فيه، حكما شرعيّا ممنوع، إذ الأمر بالمطلق لا يدلّ إلّا على إيجاب ماهيّته من حيث هي بلا شرط. لكن لمّا لم تتحقّق الماهيّة من حيث هي، إلا في ضمن فرد معيّن، جاء التّخيير، عقلا من غير دلالة النّصّ عليه.

فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ‏ (68) أي: ما تؤمرونه، يعني: ما تؤمرون به. فحذف الجار.

و أوصل الفعل. ثمّ حذف العائد المنصوب من قوله:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به‏* * * فقد تركتك ذا مال و ذا نسب‏

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57.

(2) أنوار التنزيل 1/ 62.

40

أو أمركم بمعنى: مأموركم.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها:

الفقوع، أشدّ ما يكون من الصّفرة و أنصعه. يقال في التّأكيد: أصفر فاقع و وارس، كما يقال: أسود حالك و حانك. (1) و في إسناده إلى اللّون و هو صفة صفراء لملابسته بها، فضل تأكيد. كأنّه قيل:

صفراء شديدة الصّفرة صفرتها. فانتزع من الصّفرة، صفرة و أسند الفقوع إليها. فهو من قبيل جدّ جدّه و جنونك مجنون.

و عن الحسن‏ (2): سوداء شديدة السّواد. و به فسّر قوله تعالى‏ (3): جِمالَتٌ صُفْرٌ.

و قال الأعشى‏ (4):

تلك خيلي منه و تلك ركابي‏* * * هنّ صفر أولادها كالزّبيب‏

و لعلّه عبّر بالصّفرة عن السّواد، لأنّها من مقدّماته، أو لأنّ سواد الإبل يعلوه صفرة.

و فيه أنّ الصّفرة بهذا المعنى، لا يؤكّد بالفقوع. و أنّ الإبل و إن وصفت به، فلا يوصف به البقر.

تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏ (69)، أي: يوقعهم في السّرور (بالفتح) و هو لذّة في القلب، عند حصول نفع، أو توقعه من السّرّ (بالضّمّ) كأنّه يحصل لهم من رؤيتها نفع، أو توقعه.

و روي عن الصّادق- (عليه السلام)(5)- أنّه قال: من لبس نعلا صفراء، لم يزل مسرورا حتّى يبليهما، كما قال اللّه تعالى‏ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.»

و عن أمير المؤمنين‏ (6)- (عليه السلام): أنّ من لبس نعلا صفراء، قلّ همّه لقوله تعالى‏ تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏؟:

كرّر السّؤال الأول، لزيادة الاستكشاف. و قوله:

إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا: اعتذار عنه، أي: إنّ البقر الموصوف بالتّعوين و فقوع الصّفرة، كثير. فاشتبه علينا.

____________

(1) أ: حافك. ر: حائك.

(2) أنوار التنزيل 1/ 62.

(3) المرسلات/ 33.

(4) أنوار التنزيل 1/ 62.

(5) الكافي 6/ 466، ح 5- 6 مجمع البيان 1/ 135.

(6) الكشاف 1/ 150.

41

و قرئ الباقر. و هو اسم لجماعة البقرة، و الأباقر و البواقر (1).

و «يتشابه» (بالياء و التّاء)، و «يشابه» (بالياء و التّاء) و تشديد الشّين، بإدغام تاء التّفاعل فيها.

و «تشابهت» (مخفّفا و مشدّدا) إمّا بزيادة الألف في باب التّفعيل، أو بإلحاق التّاء السّاكنة بالمضارع، إلحاقا له بالماضي.

و «تشبه» بحذف إحدى التّائين، من مضارع تفعل. و «يشبه» بالتّذكير، و متشابه و متشابهة و مشتبه و متشبّه و مشتبهة.

وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏ (70) إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل.

روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2) أنّه قال: و أيم اللّه! لو لم يستثنوا، ما بيّنت لهم آخر الأبد.

و احتجّ به الأشاعرة، على أنّ الحوادث، بإرادة اللّه تعالى. و أن الأمر قد ينفكّ عن الإرادة. و إلّا لم يكن للشّرط بعد الامر معنى! و الكراميّة و المعتزلة على حدوث الإرادة. (3) و يردّ عليهم: أنّ هذا إنّما يمكن الاستدلال به، إذا كان من كلامه تعالى، لا على سبيل الحكاية. و ليس كذلك. فإنّه حكاية لما يقولونه. و يحتمل أن لا يكون حقّا في نفس الأمر. و إذا قام ذلك الاحتمال، لم يمكن الاستدلال. و لو سلم، فيردّ على الأشاعرة، وجوه من النّظر:

الأوّل: أنّ الآية يحتمل أن يكون المراد بها أنّه إن شاء اللّه هدايتنا. لكنّا مهتدين على سبيل الجزم. و لو لم يشأ، يحتمل الاهتداء و عدمه.

[الثّاني: أنّه إنّما يتمّ لو كان الإرادة و المشيئة بمعنى واحد. و هو ممنوع. فلو دلّت الآية على أنّ الحوادث بمشيّة اللّه، فلم تدلّ على أنّها بإرادته.] (4) الثّالث: (5) أنّ قولهم: دلّت الآية على أنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة، ممنوع.

و الملازمة الّتي ادّعوها في بيانه، ممنوعة. لأنّ معنى الشّرط بعد الأمر، أنّه تعالى لو شاء هدايتهم، لهداهم، أي: لو لم يشأ، لم يهدهم. و ذلك لا ينافي أنّه شاء أمرهم، فأمرهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 62.

(2) الكشاف 1/ 151.

(3) أنوار التنزيل 1/ 63.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) أ: الثاني.

42

و الحاصل أنّ الأمر لا ينفكّ عن الإرادة بمعنى أنّه لا يجوز أن يأمر و لا يريد. و الآية لم تدلّ على الجواز بهذا المعنى، كما قرّرنا. بل التّحقيق أنّ أمره كاشف عن إرادته. و أمّا أنّ مراده هل ينفكّ عن إرادته أم لا؟ فشي‏ء آخر يستحقّ في موضعه.

و على المعتزلة و الكراميّة: أنّه يحتمل أن يكون التّعليق باعتبار التّعلّق، أو كان المعنى لو كان شاء اللّه هدايتنا الآن، لنهتدي. و الحقّ أنّ الأمر لا ينفك عن الإرادة، بالمعنى الّذي حقّقته. و أنّ الإرادة حاثّة من صفات الفعل. و سنحقّق ذلك في موضع آخر- ان شاء اللّه.

قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ‏، أي: لم تذلّل للكراب و سقي الحرث.

و «لا ذلول» صفة البقرة، بمعنى غير ذلول.

و «لا» الثّانية. مزيدة (1) لتأكيد الأولى.

و الفعلان، صفتا «ذلول»، كأنّه قيل: لا ذلول مثيرة و ساقية.

و قرئ لا ذلول (بالفتح)، أي: هناك، أي: حيث هي: كقولك: مررت برجل لا بخيل و لا جبان، أي: هناك، أي: حيث هو.

و «تسقي» من السّقي.

مُسَلَّمَةٌ:

سلّمها اللّه من العيوب، أو أهلها من العمل، أو خلص لونها من سلم له كذا إذا خلص له، أي: لم يشب صفرتها شي‏ء من الألوان.

لا شِيَةَ فِيها: لا لون فيها يخالف لون جلدها. فهي صفراء كلّها. حتّى قرنها و ظلفها.

و هي في الأصل، مصدر و شاه و شيا و شية، إذا خلط بلونه لون آخر.

قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ‏، أي: الحقّ البيّن الّذي لا يشتبه علينا.

و قرئ الآن (بالمدّ) على الاستفهام، و لآن (بحذف الهمزة و إلقاء حركتها على اللّام.) (2) فَذَبَحُوها:

____________

(1) أ: تزايدة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 63.

43

فيه اختصار. و التّقدير: فحصلوا البقرة المنعوتة، فذبحوها.

وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏ (71) لتطويلهم في السّؤال و كثرة مراجعاتهم.

و

روي‏ (1) أنّهم كانوا يطلبون البقرة الموصوفة، أربعين سنة

، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها إذ روي أنّه كان في بني إسرائيل شيخ صالح، له عجلة. فأتى بها الغيضة. و قال: اللّهمّ إنّي أستودعكها لابني حتّى تكبر. و كان برّا بوالديه. فثبت. و كانت من أحسن البقرة و أسمنها. و وحيدة بتلك الصّفات. فساوموها اليتيم و أمّه حتّى اشتروها بمل‏ء مسكها ذهبا. و كانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير.

و في رواية العيّاشيّ: (2) أنّه قال الرّضا- (عليه السلام): قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعض أصحابه: إنّ هذه البقرة ما شأنها؟

فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه. و إنّه اشترى سلعة، فجاء إلى أبيه. فوجده نائما و الإقليد تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك. و استيقظ أبوه.

فأخبره. فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوض لما فاتك.

قال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): انظروا إلى البرّ ما بلغ بأهله.

و روي‏ أنّ ذلك الشّابّ من بني إسرائيل، قد رأى محمّدا و عليّا في منامه و أحبّهما.

و قالا له: لأنّك تحبّنا نجزيك ببعض جزائك في الدّنيا. فإذا جاءك بنو إسرائيل يريدون شراء البقرة منك، فلا تبعها إلّا برضى من أمّك.

فلّمّا أرادوا شراءها، كلّما زادوا في ثمنها، لم ترض أمّه، حتّى شرطوا على أن يملئوا ثور (3) بقرة عظيمة في ثمنها، فرضيت.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و الحديث بتمامه مذكور في شرح الآيات الباهرة، منقولا عن التّفسير المنسوب إلى الحسن العسكريّ- (عليه السلام). (4) و قد ذكرته بتمامه في تفسيرنا الموسوم بالتّبيان. و على اللّه التّكلان.

و «كاد» من أفعال المقاربة. وضع لدنوّ الخبر، حصولا فإذا دخل عليه النّفي، قيل معناه الإثبات، مطلقا. و قيل ماضيا. و الحقّ أنّه كسائر الأفعال. و لا ينافي قوله تعالى‏

____________

(1) الكشاف 1/ 153.

(2) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57، بتفاوت+ مجمع البيان 1/ 136.

(3) الظاهر: مسك.

(4) تفسير العسكري/ 131.

44

وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏، قوله‏ فَذَبَحُوها لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنّهم ما قاربوا أن يفعلوا حتّى انتهت سؤالاتهم. و انقطعت تعلّلاتهم. ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل. (1) وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً:

خاطب الجمع، لوجود القتل فيهم.

فَادَّارَأْتُمْ فِيها: اختصمتم في شأنها، إذ الخصمان يدفع بعضهم بعضا.

و أصل الدّرء: الدّفع. و منه الحديث ادرؤوا الحدود بالشّبهات، و قول رؤبة.

أدركتها قدّام كلّ مدرة* * * بالدّفع عنّي درء كلّ غنجة (2)

فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى تدافعتم بأن طرح قتلها كلّ عن نفسه إلى صاحبه.

و قيل‏ (3): الدّرء: العوج. و منه قول الشّاعر:

فنكّب عنهم درء الأعادي‏* * * و داووا بالجنون من الجنون‏

و أصله: تدارأتم. فأدغمت التّاء في الدّال. و اجتلبت لها همزة الوصل.

وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ (72):

مظهره و أعمل مخرج، لأنّه حكاية مستقبل، كما أعمل باسط ذراعيه. لأنّه حكاية حال ماضية.

فَقُلْنا اضْرِبُوهُ‏:

عطف على «ادّارأتم» و ما بينهما اعتراض.

و الضّمير للنّفس. و تذكيره على تأويل الشّخص، أو القتيل.

بِبَعْضِها، أي: بعض كان. (4) [و قيل‏ (5): بأصغريها.

و قيل‏ (6): بلسانها.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 63.

(2) هو الظاهر. و في الأصل ور: غنيجة. و في أ: عيجة. و في المصدر (مجمع البيان 1/ 137): عنجه.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

(4) يوجد في أبعد هذه العبارة: و فيه أقول أخذ مستندها غير معلوم.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 63.

45

و قيل‏ (1): بفخذها اليمنى.

و قيل‏ (2): بالاذن.

و قيل‏ (3): بالعجب. و هو اصل الذنب و في الأحاديث الآتية: أنّ الضرب بذنبها.] (4) نقل‏ (5) أنّه لما ضرب ببعضها قام حيا و أوداجه تشخب دما. قال: قتلني فلان ابن عمّي. ثم قبض.

[و فيما يأتي من الخبر، أنّه عاش بعد ذلك سبعين سنة.] (6) كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى‏: يدلّ على ما حذف، أي: فضربوه، فحيى.

و الخطاب مع من حضر حياة القتيل، أو نزول الآية.

وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (73): لكي بكمل عقلكم و تعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس، قدر على إحياء الأنفس.

و في الآية مع ما ذكر في بيانه من الأحاديث الدّلالة على انّ التّموّل و الغنى من عند اللّه، ينبغي أن يطلب منه، لا بمخالفة أمره، كما ناله الفتى من بني إسرائيل و لم ينله القاتل ابن عمّه.

[و في عيون الأخبار (7): حدّثني‏ (8) أبي- رضي اللّه عنه. قال: حدّثني‏ (9) عليّ بن موسى بن جعفر بن أبي جعفر الكميدانيّ و محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ. قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: إنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه‏ (10) على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل. ثمّ جاء يطلب بدمه.

فقالوا لموسى- (عليه السلام): إنّ سبط آل فلان قتلوا فلانا. فأخبرنا من قتله؟

قال: ائتوني ببقرة.

قالُوا: أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً؟

قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 63.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) الكشاف 1/ 153+ مجمع البيان 1/ 137.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(7) عيون الأخبار 2/ 13- 14، ح 31.

8 و 9- المصدر: حدّثنا.

(10) المصدر: و طرحه.

46

و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏؟

قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ، يعني: لا صغيرة و لا كبيرة، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ».

و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟

قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏.

و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، لأجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ.

قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ.

فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل.

فقال: لا أبيعها إلّا بمل‏ء مسكها ذهبا.

فجاءوا إلى موسى- (عليه السلام). فقالوا له ذلك. فقال: اشتروها. فاشتروها.

و جاؤوا بها. فأمر بذبحها. ثمّ أمروا بأن يضربوا (1) الميّت، بذنبها. فلمّا فعلوا ذلك، حيي المقتول. و قال: يا رسول اللّه! إنّ ابن عمّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي. فعلموا بذلك قاتله.

فقال: رسول‏ (2) اللّه، موسى [بن عمران‏] (3)- (عليه السلام)- لبعض‏ (4) أصحابه: إنّ هذه البقرة لهابنا.

فقال: و ما هو؟

فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه و [إنّه‏] (5) اشترى تبيعا (6). فجاء إلى أبيه. و الأقاليد (7) تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك البيع. فاستيقظ أبوه. فأخبره.

____________

(1) المصدر: أن يضرب.

(2) كذا في المصدر. و في الأصل ور: لرسول.

(3) يوجد في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بعض.

(5) يوجد في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بيعا.

(7) المصدر: و رأى أنّ المقاليد.

47

فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوضا لما فاتك.

قال: فقال له رسول اللّه، موسى [بن عمران‏] (1)- (عليه السلام). انظروا إلى البرّ، ما يبلغ‏ (2) بأهله.

و في كتاب الخصال، مثله سواء. (3)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله‏ (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ رجلا من خيار بني إسرائيل و علمائهم، خطب امرأة منهم. فأنعمت له. و خطبها ابن عمّ لذلك الرّجل. و كان فاسقا رديئا. فلم ينعموا له.

فحسد ابن عمّه الّذي أنعموا له. فقعد له. فقتله غيلة. ثمّ حمله إلى موسى- (عليه السلام).

فقال: يا نبيّ اللّه! هذا ابن عمّى. قد قتل.

فقال موسى: من قتله؟

قال: لا أدري.

و كان القتل في بني إسرائيل، عظيما جدّا. فعظم ذلك على موسى. فاجتمع إليه بنوا إسرائيل.

فقالوا: ما ترى؟ يا نبيّ اللّه! و كان في بني إسرائيل رجل له بقرة. و كان له ابن بارّ. و كان عند ابنه، سلعة.

فجاء قوم يطلبون سلعته. و كان مفتاح بيته تحت رأس أبيه. و كان نائما و كره ابنه أن ينبّهه و ينغّص عليه نومه. فانصرف القوم: فلم يشتروا سلعته.

فلمّا انتبه أبوه قال له: يا بنيّ! ما صنعت في سلعتك؟

قال: هي قائمة. لم أبعها. لأنّ المفتاح كان تحت رأسك، فكرهت أن أنبّهك و أنغّص عليك نومك.

قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عمّا فاتك من ربح سلعتك.

و شكر اللّه لابنه ما فعل بأبيه. و أمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.

____________

(1) يوجد في المصدر.

(2) المصدر: بلغ.

(3) بل في تفسير العياشي 1/ 46، ح 57، و كذلك عنه في البحار 13/ 263، بعد نقله الحديث عن عيون الأخبار. و الظاهر أنّ هذا سهو من صاحب تفسير نور الثقلين، كما يبدو من ملاحظة تفسيره 1/ 88 (!)

(4) تفسير القمي 1/ 49- 50.

(5) المصدر: رجالهم.

48

فلمّا اجتمعوا إلى موسى و بكوا و ضجّوا قال لهم موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.» فتعجّبوا. و قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً؟» إنا نأتيك بقتيل. فتقول اذبحوا بقرة! فقال لهم موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ.

فعلموا أنّهم قد أخطأوا. فقالوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا، ما هِيَ‏؟» قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ (الفارض الّتي قد ضربها الفحل. و لم تحمل. و البكر الّتي لم يضربها.) قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟

قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، أي: لونها شديد الصّفرة (1)، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏ إليها.

قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ‏، أي، لم تذلّل‏ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ‏، أي: لا تسقي الزّرع. مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها، أي، لا نقط فيها إلّا الصّفرة.

قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ‏ (2) هي بقرة فلان. فذهبوا يشتروها.

فقال: لا أبيعها إلّا بمل‏ء جلدها ذهبا.

فرجعوا إلى موسى. فأخبروه.

فقال لهم موسى: لا بدّ لكم من ذبحها بعينها. فاشتروها (3) بمل‏ء جلدها ذهبا، فذبحوها.

ثمّ قالوا: ما تأمرنا؟ يا نبيّ اللّه! فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إليه: قل لهم: اضربوه ببعضها. و قولوا من قتلك.

فأخذوا الذّنب، فضربوه به. و قالوا: من قتلك؟ يا فلان! فقال: فلان بن فلان. (ابن عمّه‏ (4) الّذي جاء به.) و هو قوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى‏. وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

____________

(1) المصدر: شديدة الصفرة.

(2) يوجد في المصدر بعدها: فذبحوها. و ما كادوا يفعلون.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: ابن عمى.

49

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال الإمام- (عليه السلام): فألزم موسى- (عليه السلام)- أهل القبيلة (2) بأمر اللّه، أن يخلف خمسون رجلا من أماثلهم باللّه القويّ الشّديد، إله بني إسرائيل مفضّل محمّد و آله الطّيّبين على البرايا أجمعين، إنّا ما قتلنا.

و لا علمنا له قاتلا. ثمّ بعد ذلك أجمع‏ (3) بنو إسرائيل‏ (4) على أنّ موسى- (عليه السلام)- يسأل اللّه- عزّ و جلّ- أن يحييّ المقتول، ليسألوه من قتله. و اقترحوا عليه ذلك.

قال الإمام- (عليه السلام): فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا موسى! أجبهم إلى ما اقترحوه. و سلني أن أبيّن لهم القاتل، ليقتل و يسلم غيره من التّهمة و الغرامة. فإنّي أريد إجابتهم إلى ما اقترحوه، توسعة الرّزق‏ (5) على رجل من خيار أمّتك دينه الصّلاة على محمّد و آله الطّيّبين و التّفضيل لمحمّد و عليّ بعده على سائر البرايا، أن أغنيه في الدّنيا ليكون ذلك بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد و آله.

فقال موسى- (عليه السلام): يا ربّ! بيّن لنا قاتله.

فأوحى اللّه تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إنّ اللّه يبيّن لكم ذلك بأن أمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول، فيحيى. أ فتسلمون‏ (6) لربّ العالمين ذلك؟

ثمّ قال الإمام- (عليه السلام): فلمّا استقرّ الأمر، طلبوا هذه البقرة. فلم يجدوها، إلّا عند شابّ من بني إسرائيل، أراه اللّه تعالى في منامه محمّدا و عليّا، فقالا: إنّك كنت لنا محبّا و مفضّلا. و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدّنيا. فإذا راموا منك شراء بقرتك، فلا تبعها، إلّا بأمر أمّك.

ثمّ قال- (عليه السلام): فما زالوا يطلبون على النّصف ممّا تقول أمّه و يرجع إلى أمّه، فتضعف الثّمن، حتّى بلغ مل‏ء مسك ثور أكبر ما يكون دنانير. فأوجبت لهم البيع.

فذبحوها. و أخذوا قطعة منها. فضربوه بها. و قالوا: اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطّيّبين لمّا أحييت هذا الميّت. و أنطقته ليخبرنا عن قاتله. فقام سالما سويّا.

فقال: يا نبيّ اللّه! قتلني هذان ابنا عمّي. حسداني على ابنة عمّي. فقتلاني.

____________

(1) شرح الآيات الباهرة/ 22- 23.

(2) المصدر: القتلة.

(3) المصدر: امر.

(4) المصدر: بني إسرائيل.

(5) المصدر: للرزق.

(6) المصدر: فتسلموا.

50

فقال بعض بني إسرائيل لموسى- (عليه السلام): لا ندري أيّهما أعجب: إحياء اللّه هذا و إنطاقه بما نطق، أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟

فأوحى اللّه إليه: يا موسى! قل لبني إسرائيل: من أحبّ منكم أن أطيّب في الدّنيا عيشه و أعظّم في جناني محلّه و أجعل لمحمّد و آله الطّيّبين فيها منادمته، فليفعل كما فعل هذا الفتى: إنّه كان قد سمع من موسى ابن عمران ذكر محمّد و عليّ و آلهما الطّيّبين فكان عليهم مصلّيا، و لهم على جميع الخلائق من الملائكة و الجنّ و الإنس مفضّلا. فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم.

ثمّ قال- (عليه السلام): فقال الفتى: يا نبيّ اللّه! كيف أحفظ هذه الأموال؟ و كيف لا أحذر عداوة من يعاديني فيها و حسد من يحسدني من أجلها؟

فقال له: قل عليه‏ (1) من الصّلاة على محمّد و آله الطيبين ما كنت تقول، قبل أن تنالها.

فقالها الفتى. فما رامها حاسد، أو لصّ، أو غاصب، إلّا دفعه اللّه- عزّ و جلّ- بلطفه.

فلمّا قال موسى- (عليه السلام)- للفتى ذلك، قال المقتول المنشور: اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به هذا الفتى، من الصّلاة على محمّد و آله الطيّبين و التّوسّل بهم، أن تبقيني في الدّنيا متمتّعا بابنة عمّي و تخزي أعدائي و حسّادي و ترزقني منها كثيرا (2) طيّبا.

قال: فأوحى اللّه إليه: يا موسى! إنّه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل، ستّون سنة. و قد وهبت له بمسألته و توسّله بمحمّد و آله الطّيّبين، سبعين سنة تمام. مائة و ثلاثين سنة صحيحه حواسّه، ثابتة فيها جنانه و قوّته و شهواته. يتمتّع بحلال هذه الدّنيا. و يعيش.

و لا يفارقها. و لا تفارقه. فإذا حان حينه، حان حينها. و ماتا جميعا. فصارا إلى جناني. و كانا زوجين فيها ناعمين.

ثمّ قال- (عليه السلام): فضجّوا إلى موسى- (عليه السلام)- و قالوا: افتقرت القبيلة و دفعت إلى التّلف و أسلخنا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا؟ فادع اللّه تعالى لنا بسعة الرّزق.

فقال موسى- (عليه السلام): يا ويحكم! ما أعمى قلوبكم! أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة و ما رزقه اللّه تعالى من الغنى! أو ما سمعتم دعاء (3) المقتول المنشور و ما أثمر

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: أولادا كثيرا.

(3) ليس في المصدر.

51

له من العمر الطّويل و السّعادة و التّنعّم و التّمتّع بحواسّه و ساير بدنه و عقله؟ لم لا تدعون اللّه تعالى بمثل دعائهما و تتوسّلون إلى اللّه تعالى بمثل وسيلتهما؟ ليسدّ فاقتكم و يجبر كسركم و يسدّ خلّتكم.

فقالوا: اللّهمّ إليك التجأنا و على فضلك اعتمدنا. فأزل فقرنا، و سدّ خلّتنا، بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطّيّبين من آلهم.

فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى! قل لهم: ليذهب رؤساؤكم إلى خربة بني فلان، و يكشفوا في موضع كذا وجه الأرض قليلا، و يستخرجوا ما هناك، فإنّه عشرة آلاف ألف دينار، ليردّوا على كلّ من دفع من‏ (1) ثمن البقرة ما دفع، لتعود أموالهم. ثمّ ليتقاسموا بعد ذلك ما فضل، و هو خمسة آلاف ألف دينار. على قدر ما دفع كلّ واحد منهم في هذه المحنة، لتتضاعف أموالهم، جزاء على توسّلهم بمحمّد و آله الطّيّبين و اعتقادهم لتفضيلهم.

ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏، أي: يريكم سائر آياته، سوى هذه من الدّلالات على توحيده و نبوّة موسى- (عليه السلام)- نبيّه و فضل محمّد على الخلائق سيّد إمائه و عبيده و تثبيت‏ (2) فضله و فضل آله الطّيّبين، على سائر خلق اللّه أجمعين، لعلّكم تعقلون و تتفكّرون أن الّذي يفعل هذه العجائب، لا يأمر الخلق إلّا بالحكمة. و لا يختار محمّدا و آله إلّا لأنّهم أفضل ذوي الألباب.] (3).

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ‏:

القساوة: الغلظ مع الصّلابة، كما في الحجر.

و قساوة القلب، مثل في نبوه‏ (4) عن الاعتبار، و أنّ المواعظ لا تؤثّر فيه. ثمّ لاستبعاد القسوة و نحوه. ثمّ أنتم تمترون.

مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏، يعني: إحياء القتيل، أو جميع ما عدّد من الآيات. فإنّها ممّا توجب لين القلب.

فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في قسوتها.

أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: منها، يعني: أنّها في القساوة مثل الحجارة [أو زائدة عليها، أو أنّها

____________

(1) المصدر: في.

(2) المصدر: ثبت.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) أ: بثوه.

52

مثلها، أو مثل ما هو أشدّ منها قسوة، كالحديد. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.

و يعضده قراءة الحجرّ بالفتح، عطفا على الحجارة] (1).

و إنّما لم يقل أقسى، لما في أشدّ من المبالغة. و الدّلالة على اشتداد القوتين و اشتمال المفضّل على زيادة واو للتخيير أو للتّرديد، بمعنى أنّ من عرف حالها شبّهها بالحجارة، أو بما هو أقسى منها.

وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏:

تعليل للتّفضيل. فإنّ الحجارة ينفعل. فإنّ منها لما يتفجّر منه الأنهار.

و التّفجر: الفتح بسعة. و منها ما ينبع منه الماء. و منها ما يتردّى من أعلى الجبل انقيادا لما أراد اللّه تعالى به. و قلوب هؤلاء لا تتأثّر عن أمر اللّه تعالى.

و الخشية مجاز من الانقياد.

وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ (74):

وعيد على ذلك.

و قرأ ابن كثير و نافع و يعقوب و خلف و أبو بكر، بالياء و الباقون، بالتّاء (2).

و قد ورد عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: (3) لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر اللّه يقسي القلب. و إنّ أبعد النّاس من اللّه، القاسي القلب.

[و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ: (4) و قال أبو محمّد العسكريّ- (عليه السلام): لمّا نزلت هذه الآية ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً في حقّ اليهود و النّواصب، فغلظ ما (5) وبّخهم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال جماعة من رؤسائهم و ذوي الألسن و البيان منهم. يا محمّد! إنّك لمجنون. فتدّعي‏ (6) على قلوبنا ما اللّه يعلم منها خلافه إنّ فيها خيرا كثيرا نصوم و نتصدّق و نواسي الفقراء.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه و عمل على ما أمر اللّه تعالى. فأمّا ما أريد به الرّياء و السّمعة و معاندة رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) مجمع البيان 1/ 139.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

(4) الاحتجاج 1/ 50.

(5) المصدر: على اليهود ما.

(6) المصدر: إنّك تهجونا و تدّعي.

53

و آله- و إظهار الغنى له و التّمالك و الشّرف، فليس بخير. بل هو الشّرّ الخاصّ. (1) و وبال على صاحبه. يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب.

فقالوا له: يا محمّد! أنت تقول هذا و نحن نقول: بل ما ننفقه إلّا لإبطال أمرك و دفع رئاستك و لتفريق أصحابك عنك. و هو الجهاد الأعظم. نؤمل به من اللّه الثّواب الأجلّ الأجسم. (2)

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و فيه إلزامهم على الوجه الأعظم.

و في الخرائج و الجرائح، (3) روي عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)‏- في قوله تعالى‏ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: قال إنّه يقول: يبست قلوبكم، معاشر اليهود! كالحجارة اليابسة. لا ترشح برطوبة، أي: أنّكم لا حقّ اللّه تؤدّون، و لا بأموالكم تتصدّقون، و لا بالمعروف تتكرّمون، و لا للضّيف تقرون، و لا مكروبا تغيثون، و لا بشي‏ء من الإنسانية تعاشرون، و تواصلون. أو أَشَدُّ قَسْوَةً: أبهم على السّامعين. و لم يبيّن لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، و هو لا يريد به أنّه لا أدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السّامع حتّى لا يعلم ما ذا أكل. و إن يعلم أن قد أكل أيّهما.

وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، أي: قلوبكم في القساوة بحيث لا يجي‏ء منها خير، يا يهود! في الحجارة ما يتفجّر الأنهار، فيجي‏ء بالخير و النّبات لبني آدم. و إِنَّ مِنْها، أي: من الحجارة لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ دون الأنهار. و قلوبكم لا يجي‏ء منها الكثير من الخير و لا القليل. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ، أي: من الحجارة، إن أقسم عليها باسم اللّه تهبط. و ليس في قلوبكم شي‏ء منه.

فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّ الحجارة ألين من قلوبنا؟ و هذه الجبال بحضرتنا.

فاستشهدها على تصديقك. فإن نطقت بتصديقك، فأنت المحقّ.

فخرجوا إلى أوعر جبل. فقالوا: استشهده.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أسألك يا جبل! بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه.

____________

(1) كذا في المصدر و في الأصل ور. و لعله: الخالص.

(2) المصدر: العظيم.

(3) تفسير نور الثقلين 1/ 90، ح 245، نقلا الخرائج و الجرائح.

54

فتحرّك الجبل. و فاض الماء. و نادى: أشهد أنّك رسول اللّه. و أنّ قلوب هؤلاء اليهود، كما وصفت، أقسى من الحجارة.

فقال اليهود: علينا تلبس. أجلست أصحابك خلف هذا الجبل، ينطقون بمثل هذا؟ فإن كنت صادقا، فتنحّ من موضعك إلى ذي القرار. و مر هذا الجبل، يسير إليك.

و مره أن ينقطع بنصفين، ترتفع السّفلى و تنخفض العليا.

فأشار إلى حجر مد حرج. فتدحرج. ثمّ قال لمخاطبه: خذه. فقرّبه. فسيعيد عليك ما سمعت. فإنّ هذا جزء من ذلك الجبل.

فأخذه الرّجل. فأدناه من أذنه. فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل.

قال: فإنّني بما اقترحت.

قال: فتباعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فضاء واسع، ثمّ نادى: أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطّيّبين، لمّا اقتلعت من مكانك بإذن اللّه وجئت إلى حضرتي.

فتزلزل الجبل. و صار (1) مثل الفرس الهملاج. فنادى: أنا سامع لك، و مطيع أمرك.

فقال: هؤلاء اقترحوا على أن أمرك إن تنقطع من أصلك، فتصير نصفين، فينحطّ أعلاك و يرتفع أسفلك.

فانقطع نصفين. و ارتفع أسفله. و انخفض أعلاه. فصار فرعه أصله.

ثمّ نادى الجبل: أ هذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به تؤمنون؟

فقال رجل منهم: هذا رجل تتأتّى له العجائب. فنادى الجبل: يا عدوّ اللّه! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى حيث كان وقوف الجبل فوقهم كالظّلل فيقال هو رجل تتأتّى له العجائب. فلزمتهم الحجّة و لم يسلموا؟

و في مجمع البيان‏ (2): و روى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة، و إنّي لأعرفه الآن.

و في كتاب الخصال‏ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: كان فيما أوصى‏

____________

(1) المصدر: سار. و هو الظاهر.

(2) مجمع البيان: 1/ 140- 141.

(3) الخصال 125- 126، مقطع من ح 122.

55

به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام): يا عليّ! ثلاث يقسين القلب:

استماع اللّهو، و طلب الصّيد، و إتيان باب السّلطان.

و فيه‏ (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: و لا يطول عليكم الأمل‏ (2)، فتقسو قلوبكم.

عن أبي عبد اللّه، عن أبيه‏ (3)- (عليهما السلام). قال: أوحى اللّه- تبارك و تعالى- إلى موسى- (عليه السلام): لا تفرح بكثرة المال- إلى قوله- و ترك ذكري يقسي القلوب.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة. قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): ما جفّت الدّموع إلّا لقسوة القلوب. و ما قست القلوب إلّا لكثرة الذّنوب.

و في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عمرو ابن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه. قال: فيما ناجى اللّه- عزّ و جلّ- به موسى- (عليه السلام): يا موسى! لا يطول في الدّنيا أملك، فيقسو قلبك. و القاسي القلب، منّي بعيد.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال الإمام- (عليه السلام)‏- في تأويل ذلك: و قلوبهم لا يتفجّر (7) منها الخيرات و لا تنشقّ فيخرج منها قليل من الخيرات و إن لم يكن كثيرا.

ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ إذا أقسم عليها باسم اللّه و بأسماء أوليائه، محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطّيّبين من آلهم- صلّى اللّه عليهم. و ليس في قلوبكم شي‏ء من هذه الخيرات.

ثمّ قال- (عليه السلام): و هذا التّقريع من اللّه تعالى لليهود و النّواصب. و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين. فغلظ على اليهود ما وبّخهم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و قال جماعة من رؤسائهم: يا محمّد! إنّك مجنون. تدّعي على قلوبنا ما اللّه‏ (8) يعلم منها خلافه. و إن فيها خيرا كثيرا، نصوم و نتصدّق و نواسي الفقراء.

ثمّ قال- (عليه السلام): فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّه ما في قلوبنا شي‏ء من مواساة الفقراء و معاونة الضّعفاء؟ و إنّ الأحجار ألين من قلوبنا. و أطوع للّه منّا. و هذه الجبال‏

____________

(1) نفس المصدر: 622.

(2) المصدر: الأمد.

(3) نفس المصدر/ 39، ح 23.

(4) علل الشرائع/ 81، ح 1.

(5) الكافي 2/ 329، ح 1.

(6) تأويل الآيات الباهرة/ 24- 25.

(7) المصدر: لا تنفجر.

(8) المصدر: فاللّه.

56

بحضرتنا، هلمّ بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك و تكذيبنا؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): نعم. فهلمّوا بنا إلى أيّها شئتم استشهده ليشهد لي عليكم.

قال: فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه.

فقالوا: يا محمّد! هذا الجبل. فاستشهده! فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أيّها الجبل! إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير لا يعرف عددهم إلّا اللّه- عزّ و جلّ-، و بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم تاب اللّه تعالى على آدم و غفر خطيئته و أعاده إلى مرتبته، و بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم و سؤال اللّه بهم رفع إدريس في الجنّة مكانا عليّا، لمّا شهدت لمحمّد بما أودعك اللّه بتصديقه على هؤلاء اليهود، في ذكر (1) قساوة قلوبهم و تكذيبهم في جحودهم لقول محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

قال: فتحرّك الجبل. فتزلزل. (2) و فاض عنه الماء. و نادى: يا محمّد! أشهد أنّك رسول اللّه ربّ العالمين، و سيّد الخلائق أجمعين صلّى اللّه عليك و آلك إلى العالمين و الخلائق أجمعين. و أشهد أن قلوب هؤلاء اليهود أقسى من الحجارة. لا يخرج منها خير. و قد يخرج من الحجارة الماء سيلا و تفجيرا. و أشهد أنّ هؤلاء الكاذبون عليك بما به قذفوك من الفرية على ربّ العالمين.

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): و أسألك، أيّها الجبل! أمرك اللّه بطاعتي فيما التمسه‏ (3) منك بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بهم نجّى اللّه تعالى نوحا من الكرب العظيم و بهم برّد اللّه النار على إبراهيم و جعلها عليه سلاما و مكّنه في جوف النّار على سرير و فراش و برد (4) و أنبت مواليه من الأشجار الخضرة النّضرة الزهرة (5) و عمّر ما حوله من انواع ما لا يوجد إلّا في الفصول الأربعة من جميع السّنة.

قال: فقال الجبل: بلى. أشهد، يا محمّد! لك بذلك. و أشهد أنّك لو اقترحت على‏

____________

(1) المصدر: ذكره في.

(2) المصدر: و تزلزل.

(3) كذا في المصدر. و في الأصل ور: التمسته.

(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بئر.

(5) المصدر: آنس هيئة.

57

ربّك أن يجعل رجال الدّنيا قرودا و خنازير، لفعل. و أن يجعلهم ملائكة، لفعل و أن يقلب النّيران جليدا و الجليد نيرانا، لفعل. و أن يهبط السّماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السّماء، لفعل. و أن يصيّر أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلّها ضرب طرف الكبش‏ (1)، لفعل. و أنّه قد جعل الأرض و السّماء طوعك و البحار و الجبال تنصرف‏ (2) بأمرك. و سائر ما خلق اللّه من الرّياح و الصّواعق و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة. و ما أمرتها به من شي‏ء ائتمرت.

تمّ كلامه (صلوات اللّه عليه). فقالت اليهود بعد: أنت تلبس علينا و اقترحوا عليه أشياء أن يفعلها الجبل المشار إليها فأجابهم إليها.

قال الإمام- (عليه السلام): فتباعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فضاء واسع. ثمّ نادى الجبل: يا أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بجاههم و مسألة عباد اللّه بهم أرسل اللّه على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية تنزع النّاس كأنّهم أعجاز نخل خاوية، و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة واحدة في قوم صالح حتّى صاروا كالهشيم المحتضر، لمّا انقلعت من مكانك بإذن اللّه و جئت إلى حضرتي.

قال: فتزلزل‏ (3) الجبل، و صار كالقدح الهملاج، حتّى دنى من إصبعه. فلصق بها.

و وقف. و نادى: ها أنا سامع لك مطيع، يا رسول اللّه! و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين، فمرني بأمرك.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ هؤلاء المعاندين اقترحوا عليّ أن أمرك أن تنقلع‏ (4) من أصلك، فتصير نصفين، ثمّ ينحطّ أعلاك، و يرتفع أسفلك، و تصير ذروتك أصلك، و أصلك ذروتك.

فقال الجبل: أ فتأمرنى بذلك، يا رسول اللّه؟

قال: بلى.

قال: فانقطع الجبل نصفين. و انحطّ أعلاه إلى الأرض. و ارتفع أسفله فوق أعلاه.

____________

(1) المصدر: ظرف الكيش. و في هامش المصدر: صرة كصرة الكيس (خ ل). و كذلك في تفسير البرهان 1/ 114.

(2) المصدر: تتصرّف.

(3) المصدر: فتحرّك.

(4) المصدر: تنقطع.

58

فصار فرعه أصله، و أصله فرعه.

ثمّ نادى الجبل: معاشر اليهود! هذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به مؤمنون.

فنظر اليهود بعضهم إلى بعض. فقال بعضهم: ما عن هذا محيص. و قال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت. و مبخوت‏ (1) تتأتّى له‏ (2) العجائب. فلا يغرّنّكم ما تشاهدون منه.

فناداهم الجبل: يا أعداء اللّه! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى؟ هلّا قلتم لموسى إذا قلب العصا ثعبانا و انفلق له البحر طرقا و وقف الجبل كالظّلّة فوقكم: إنّك تؤتى لك العجائب. فلا يغرّنا ما نشاهده منك؟

فألقمهم الجبل بمقالة الصّخور و ألزمهم‏ (3) حجّة ربّ العالمين. (انتهى)] (4)

أَ فَتَطْمَعُونَ‏:

الخطاب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المؤمنين.

أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ‏، أي: اليهود.

وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏: من أسلافهم، يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ‏، أي: التوراة، أو حين كلّم موسى، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ‏: يغيّرونه أو يأوّلونه بما يشتهون، مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ‏: و لم يبق لهم فيه ريبة.

وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ (75) أنّهم مبطلون.

فإذا كان أخبار هؤلاء و أسلافهم بهذه الحالة، فما طمعكم بجهّالهم و سفلتهم؟

وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، أي: اليهود.

قالُوا: آمَنَّا، أي: قال منافقوهم: آمنّا بأنّكم على الحقّ، و رسولكم هو المبشّر به في التوراة.

وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ قالُوا، أي: الّذين لم ينافقوا عاتبين على من نافق.

أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏ و بيّنه في التوراة، من نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو الّذين نافقوا لأعقابهم إظهارا، للتّصلّب في اليهوديّة و منعا لهم عن إبداء ما

____________

(1) المصدر: فوتآله‏

(2) المصدر: لك.

(3) المصدر: فالقاهم الجبل بمقالتهم الزور و لزومهم.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

59

و جدوا في كتابهم، فيتناول الفريقين.

فالاستفهام على الأوّل، تقريع، و على الثّاني، إنكار و نهي.

لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ‏ ليحتجّوا بما فتح اللّه عليكم، حال كونه ثابتا عند ربّكم، أي: من جملة ما ثبت عند ربّكم، أي: من جملة ما أنزل اللّه في كتابه.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (76)، إمّا من كلام اللائمين، و تقديره «أفلا تعقلون أنّهم يحاجّوكم فيغلبون به عليكم»، أو متّصل بقوله أ فتطمعون.

و المعنى: أفلا تعقلون حالهم. و أن لا مطمع لكم في إيمانهم.

[و في مجمع البيان‏ (1): تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏. (الآية) و

روي عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين. إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التّوراة من صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فنهاهم كبراؤهم عن ذلك. و قالوا: لا تخبروهم بما في التّوراة من صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فيحاجّوكم به عند ربّكم. فنزلت هذه الآية.] (2)

أَ وَ لا يَعْلَمُونَ‏ هؤلاء أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ‏ من الكفر و ما فتح اللّه و تحريف الكلم و غيره؟

وَ ما يُعْلِنُونَ‏ (77) من الإيمان و غير ما فتح اللّه و تأويلاتهم و تحريفاتهم؟

وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ‏، اي: التّوراة إِلَّا أَمانِيَ‏:

استثناء منقطع.

و الأمانيّ، جمع أمنيّة. و هي في الأصل: ما يقدّره الإنسان في نفسه.

وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏ (78): لا علم لهم.

روي‏ أنّ رجلا قال للصّادق‏ (3)- (عليه السلام): إذا كان هؤلاء العوامّ‏ (4) من اليهود (5)، لا يعرفون الكتاب إلا ما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم‏

____________

(1) مجمع البيان 1/ 142.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) الاحتجاج 2/ 263.

(4) ليس في ر.

(5) ر: اليهود من العوامّ.

60

بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا؟ يقلّدون علماءهم. فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.

فقال- (عليه السلام): بين عوامّنا و علمائنا و بين عوامّ اليهود و علمائهم، فرق من جهة و تسوية من جهة: أمّا من حيث استووا، فإنّ اللّه قد ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذمّ عوامّهم. و أمّا من حيث افترقوا، فلا.

قال: بيّن لي ذلك، يا بن رسول اللّه! قال- (عليه السلام): إنّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصّراح و بأكل الحرام و الرّشاء و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشّفاعات و العنايات و المضايقات. (1) و عرفوهم بالتّعصّب الشّديد الّذي يفارقون به أديانهم. و أنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه و أعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم و ظلموهم من أجلهم.

و عرفوهم يقارفون المحرّمات و اضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ما يفعلونه، فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه. فلذلك ذمّهم لمّا قلّدوا من قد عرفوا و من قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه. و وجب عليهم النّظر بأنفسهم، في أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ كانت دلالته أوضح من أن تخفى و أشهر من أن لا تظهر (ص) لهم. و كذلك عوامّ أمّتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظّاهر و العصبية الشّديدة و التّكالب على حطام الدّنيا و حرامها و إهلاك من يتعصّبون عليه. و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا. و بالرّفق‏ (2) و البر و الإحسان على من تعصّبوا له. و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا. فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه تعالى بالتّقليد لفسقة فقهائهم.

و أمّا من كان من الفقهاء، صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلدوه. و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فأنّ من يركب‏ (3) من القبائح و الفواحش، مراكب فسقة فقهاء (4) العامّة، فلا تقبلوا منهم عنّا (5) شيئا.

و لا كرامة لهم. (6)

____________

(1) المصدر: المضانعات.

(2) المصدر: بالزخرف.

(3) المصدر: فانّه من ركب.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: منّا عنه.

(6) ليس في المصدر.

61

فَوَيْلٌ‏، أي: تحسر و هلك.

مصدر. لا فعل له.

لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ‏، أي: المحرّف.

بِأَيْدِيهِمْ‏: تأكيد.

ثُمَّ يَقُولُونَ: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أي: يحصلوا غرضا من أغراض الدّنيا. فإنّه قليل بالنّسبة إلى عقابهم.

فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ‏ من المحرّف.

وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏ (79) من الرّشى.

[و في كتاب الاحتجاج، (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أبي محمّد العسكريّ- (عليه السلام)‏- في قوله تعالى‏ وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ‏: إن الأمّيّ، منسوب إلى أمّه، أي: كما هو خرج من بطن أمّه لا يقرأ و لا يكتب. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ‏ المنزل من السّماء، و لا المتكلّم‏ (2) به. و لا يميّزون بينهما، إِلَّا أَمانِيَ‏، أي: إلّا أن يقرأ عليهم.

و يقال لهم: إنّ هذا كتاب اللّه و كلامه. لا يعرفون إن قرئ من الكتاب، خلاف ما هم فيه. وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏، أي: ما يقرأ عليهم رؤساؤهم، من تكذيب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نبوّته و إمامة عليّ، سيّد عترته. و هم يقلّدونهم. مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم‏ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا.

قال- (عليه السلام): قال اللّه تعالى: هذا القوم من اليهود، كتبوا صفة، زعموا أنّها صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و هي خلاف صفته. و قالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النّبيّ المبعوث في آخر الزّمان، أنّه طويل عظيم البدن و البطن، أهدف، أصهب الشّعر.

و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخلافه. و هو يجي‏ء بعد هذا الزّمان، بخمسمائة سنة. و إنّما أرادوا بذلك، لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم. و تدوم لهم إصاباتهم. و يكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خدمة عليّ- (عليه السلام)- و أهل خاصّته.

فقال اللّه- عزّ و جلّ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ. وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» من هذه الصّفات المحرّمات المخالفات، لصفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- الشّدة لهم من العذاب، في أسوء بقاع جهنم. و ويل لهم الشّدّة من العذاب، ثانية مضافة

____________

(1) الاحتجاج 2/ 261.

(2) المصدر: لا المتكذّب.

62

إلى الأولى، ممّا يكسبونه من الأموال الّتي يأخذونها إذا ثبتوا (1) أعوانهم على الكفر بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الجحد لوصيّه و أخيه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- وليّ اللّه.

و الحديث طويل. أخذت منه ما به كفاية. و تركت الباقي، خوف الإطالة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أنّه واد في جهنم. يهوي فيه الكافر، أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره.

و فيه‏ (3): و قيل كتابتهم بأيديهم، أنّهم عمدوا إلى التّوراة. و حرّفوا صفة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليوقعوا الشّك بذلك للمستضعفين من اليهود.

و هو المرويّ عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام).] (4)

وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً محصورة قليلة.

روي أنّ بعضهم قالوا: نُعذّب بعدد أيّام عبادة العجل، أربعين يوما. و بعضهم قالوا: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة. و إنّما نعذّب مكان كل ألف سنة، يوما (5).

قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً: وعدا.

فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ؟:

جواب شرط محذوف، أي: إن اتّخذتم عند اللّه عهدا. فلن يخلف اللّه عهده.

و قيل: لا تقدير في مثله. و لكن ضمن الاستفهام معنى الشّرط، فأجيب بالفاء.

أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏؟ (80):

«أم» معادلة لهمزة الاستفهام، بمعنى: كلا الأمرين كائن على سبيل التّقرير، للعلم بوقوع أحدهما، أو منقطعة، بمعنى: بل تقولون.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله‏ وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قال‏ (7):

قال بنو إسرائيل: لن تمسّنا النّار. و لن نعذّب إلّا الأيّام المعدودات الّتي عبدنا فيها العجل.

فردّ اللّه عليهم‏ (8): قل يا محمّد لهم:

____________

(1) كذا في الأصل ور. و لعله: إذا ثبتوا، أو إذ أثبتوا، أو إذا أثبتوا. (كما في تفسير البرهان 1/ 119.)

(2) مجمع البيان 1/ 146.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) الكشاف 1/ 158+ أنوار التنزيل 1/ 65- 66.

(6) تفسير القمي 1/ 51.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: فرد الله عليهم فقال: و قالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة. قل ...

63

أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ؟ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏؟»] (1)

بَلى‏: إثبات لما نفوه من مساس النّار لهم، زمانا مديدا و دهرا طويلا، على وجه أعمّ، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم. و يختصّ بجواب النّفي.

مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً:

و الفرق بينها و بين «الخطيئة»، أنّها قد يقال فيما يقصد بالذّات. و «الخطيئة» تغلب فيما يقصد بالعرض. لأنّها من الخطأ.

و «الكسب»: استجلاب النّفع و تعليقه بالسّيّئة، على طريق التّهكّم.

وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ‏:

و المراد بها الشّرك. لأنّه ما عداه لا يستحقّ به الخلود في النّار، عندنا.

فالمراد بالإحاطة، الاستيلاء عليه، حتّى لا يخلو عنها شي‏ء من جوانبه، كما هو شأن المشرك. فانّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق القلب و الإقرار باللسان، فلم تحط الخطيئة به.

فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ: ملازموها في الآخرة، كما أنّهم ملازمو أسبابها في الدنيا.

هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (81) لأن نيّاتهم في الدنيا أنّهم لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا. فبالنيات خلّدوا.

[و في اصول الكافي: (2) محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد اللّه بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن صالح‏ (3) المزني، عن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه‏ (4)- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: (5) بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ‏ قال:

إذا جحد امامة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

و في كتاب التوحيد (6): حدثنا احمد بن زياد بن حفص الهمداني- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا علي بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول:] (7) لا يخلد اللّه في النار إلّا أهل الكفر و الجحود

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) الكافي 1/ 429، ح 82.

(3) المصدر: صباح.

(4) عن أحدهما.

(5) البقرة/ 81.

(6) التوحيد/ 407، ح 6.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

64

و أهل الضلال و الشرك.

[و في الكافي‏ (1)، عن أحدهما- (عليهما السلام). قال: إذا جحد إمامة أمير المؤمنين، فأولئك أصحاب النّار، هم فيها خالدون.] (2)

و قوله:

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (82):

بناء على ما جرت عادته سبحانه، على أن يقرن الوعد بالوعيد، لترجى رحمته، و يخشى عذابه. و لمّا جاز أن يكون عطف العمل على الإيمان‏ (3)، لزيادة الاهتمام، و الإشعار بأنّه أدخل أجزاءه، لم يدلّ على خروجه من مسمّاه، مع أنّه معارض بقوله تعالى‏ (4): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ. فإنّه لا نزاع في أنّ إقامة الصّلاة و إيتاء الزكاة، داخلان تحت العمل الصّالح.

[و في أصول الكافي‏ (5)، بإسناده إلى أبي هاشم. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّما خلّد أهل النّار في النّار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا. و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو أبقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا. فبالنّيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء. ثمّ تلا قوله تعالى‏ (6) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏ قال: على نيّته.] (7)

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ‏:

إخبار في معنى النّهي. و هو أبلغ من التصريح، لما فيه من إيهام أنّ المنهيّ سارع إلى الانتهاء. فهو يخبر عنه. و تنصره قراءة «لا تعبدوا». و عطف قولوا عليه، فيكون على إرادة القول.

و قيل‏ (8): معنان «أن تعبدوا». فلمّا حذفت، أن رفع كقوله‏ (9):

____________

(1) الكافي 1/ 429، ح 82.

(2) ما بين المعقوفتين، يوجد في أ، فقط.

(3) في هامش النسخة الأصل: فيه رد على البيضاوي (منه)

(4) البقرة/ 277.

(5) الكافي 2/ 85، ح 5.

(6) الإسراء/ 84

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) أنوار التنزيل 1/ 66.

(9) هذا البيت من معلقة طرفة بن العبد البكري، و يوجد في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الشاهد 333 (2/ 362)