تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج4

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
505 /
19

الجزء الرّابع‏

سورة المائدة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

سورة المائدة (مدنيّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: من قرأ سورة المائدة في كلّ خميس، لم يلبس إيمانه بظلم و لم يشرك به أبدا.

و في مجمع البيان‏ (2)، أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال من قرأ سورة المائدة، أعطي من الأجر بعدد كلّ يهوديّ و نصرانيّ يتنفّس في دار الدّنيا عشر حسنات، و محي عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات.

و روى العيّاشي‏ (3)، بإسناده عن عيسى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال‏: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا. و إنّما يؤخذ من أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بآخره. و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شي‏ء. و لقد نزلت عليه و هو على بغلة شهباء، و ثقل عليها الوحي حتّى وقفت و تدلّى بطنها حتّى رأيت سرتّها تكاد تمسّ الأرض، و أغمي على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحيّ، ثمّ رفع ذلك عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عملنا.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 131.

(2) مجمع البيان 2/ 150.

(3) تفسير العياشي 1/ 288، ح 2.

22

[و بإسناده عن أبي حمزة الثّمالي‏ (1) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏:

نزلت المائدة كملا و نزل معها سبعون ألف ملك‏ (2).] (3).

و في تهذيب الأحكام‏ (4): الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: سبق الكتاب الخفّين، إنّما نزلت‏ (5) المائدة قبل أن يقبض بشهرين‏ (6).

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: الوفاء بالعقد، هو القيام بمقتضاه.

و كذلك الإيفاء. و العقد، العهد الموثق. قال الحطيئة (7):

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم‏* * * شدّوا العناج و شدّوا فوقه الكربا

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: أي: بالعهود.

و أصله، الجمع بين الشّيئين بحيث يعسر الانفصال. و المراد بالعقود هاهنا، كلّ ما عقد اللّه على عباده و ألزمهم إيّاه من الإيمان به و بملائكته و كتبه و رسله و أوصياء رسله و تحليل حلاله و تحريم حرامه و الإتيان بفرائضه و رعاية حدوده و أوامره و نواهيه، و كلّ ما يعقده المؤمنون على أنفسهم للّه و فيما بينهم من عقود الأمانات و المعاملات الغير المحظورة.

و يحتمل أن يعمّ بحيث يشمل السّنن، إن حمل الأمر على المشترك بين الوجوب و النّدب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9) [: عن سماعة،] (10) عن إسماعيل بن زياد الكوفي‏ (11)،

____________

(1) لم نعثر عليه في تفسير العياشي. و لكن رواه مجمع البيان 2/ 150 نقلا عن تفسير العياشي مع حديثين آخرين.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: سبعون ألف ألف‏

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 361 ذيل حديث 1091، إلّا أنّ سنده في المصدر: «الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر.

- (عليه السلام)- ثم عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.» و السند المذكور في المتن هو سند الحديث رقم 1090 من نفس الموضع في المصدر.

(5) المصدر: أنزلت.

(6) المصدر: بشهرين أو ثلاثة.

(7) أنوار التنزيل 1/ 260.

(8) تفسير القمي 1/ 160.

(9) بل تفسير العياشي 1/ 289، ح 4.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: «إسماعيل بن أبي زياد السكونيّ» و يمكن أن يكون كلّ منهما صحيح. ر. تنقيح المقال 1/ 127- 129، رقم 797 و ص 134، رقم 810.

و اللّه العالم.

23

عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-، [عن عليّ- (عليه السلام)-] (1) قال‏:

ليس في القرآن‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا و في التّوراة «يا أيّها المساكين».

و فيه‏ (2) بطريق آخر، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- مثله.

و فيه‏ (3): حدّثني الحسين بن محمّد بن عامر، عن المعلّى بن محمّد البصريّ، عن ابن أبي عمير، عن أبي جعفر الثّاني- (صلوات اللّه عليه)- [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال:] (4) إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عقد عليهم لعليّ- (صلوات اللّه عليه)- بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل اللّه‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الّتي عقدت عليكم لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ‏: تفصيل للعقود.

و «البهيمة» فعلية، مشترك مع الإبهام؛ بمعنى: الاشتباه في المادّة. و هو كلّ حيّ لا يميّز.

و قيل‏ (5): كلّ ذات أربع. و إضافتها إلى الأنعام للبيان، كقولك: ثوب خزّ.

و قيل‏ (6): معناه: البهيمة من الأنعام. و هي الأزواج الثّمانية، و ألحق بها الظّباء و بقر الوحش و نحوهما ممّا يماثل الأنعام في الاجترار و عدم الأنياب. و إضافتها إلى الأنعام لملابسة الشّبه.

و أمّا ما رواه في الكافي‏ (7): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أحدهما- (عليهما السلام)- عن هذه الآية. فقال: الجنين في بطن أمّه إذا أشعر و أوبر، فذكاته ذكاة أمّه، فذلك الّذي عنى اللّه- عزّ و جلّ-.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 8.

(3) تفسير القمي 1/ 160.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 260.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) الكافي 6/ 234، ح 1.

24

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- مثله، إلّا قوله: «فذلك» إلى آخره.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: هي الأجنّة الّتي في بطون الأنعام‏ (3)، و قد كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يأمر ببيع الأجنّة فمحمول على أنّه أحد معانيها. أو على أنّه تحديد لأوّل تسميتها بالبهيمة. أو على أنّه بيان لحلّها، فلا ينافي تعميمها مع أنّه نصّ في حلّ الأمّ.

و يؤيّده‏

ما رواه العيّاشي‏ (4): عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه‏ أنّ عليّا- (عليه السلام)- سئل عن أكل لحم الفيل و الدّبّ و القرد.

فقال: ليس هذا من بهيمة الأنعام الّتي تؤكل.

و أمّا

ما رواه «عن المفضّل‏ (5) قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن هذه الآية.

قال: البهيمة، الوليّ. و الأنعام، المؤمنون.»

فهو تأويل، و الأوّل تفسير.

و البهيمة حينئذ من البهيم؛ بمعنى: الخالص الّذي لم يشبه غيره.

إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏: تحريمه في حرمة عليكم، الميتة و غيره. أو إلّا محرّم ما يتلى عليكم.

غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: حال من الضّمير في «لكم».

و قيل‏ (6): من واو «أوفوا» و هو ضعيف.

و قيل‏ (7): استثناء. و فيه تعسّف.

و «الصّيد» يحتمل المصدر، و المفعول.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 209، ح 966.

(2) تفسير العياشي 1/ 289، ح 10.

(3) ر: الأمّهات.

(4) نفس المصدر 1/ 290، ح 12.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 13.

(6) أنوار التنزيل 1/ 260.

(7) نفس المصدر و الموضع.

25

وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ‏: حال عمّا استكنّ في «محلّي». و «الحرم»، جمع حرام. و هو المحرّم.

إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1): من تحليل و تحريم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ‏؛ أي لا تتهاونوا بحدودها الّتي حدّها للعباد، و جعلها شعائر الدّين و علامته، من أعمال الحجّ و غيره.

و قيل‏ (1): فرائضه. و قيل: دينه. و قيل: مناسك الحجّ. جمع شعيرة. و هي اسم ما أشعر؛ أي: جعل شعارا.

وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ‏: بالقتال فيه. أو بالنّسي‏ء.

في مجمع البيان‏ (2): قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة، يقال له: الحطم.

و قال السّديّ‏ (3): أقبل الحطم بن هند البكريّ حتّى أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وحده، و خلّف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو؟ و قد كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة، يتكلّم بلسان شيطان. فلمّا أجابه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أنظرني لعلّي أسلم ولي من أشاوره. فخرج من عنده. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد دخل بوجه كافر و خرج بعقب غادر. فمرّ بسرح من سروح المدينة، فساقه و انطلق به و هو يرتجز، ثمّ أقبل من عام قابل حاجّا قد قلّد هديا، فأراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يبعث إليه فنزلت.

و فيه‏ (4): و اختلف في هذا. فقيل: هو منسوخ بقوله‏ (5): فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ‏.

و المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّه لم ينسخ من هذه السّورة شي‏ء و لا من هذه الآية. لأنّه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال إلّا إذا قاتلوا.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 2/ 153.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر 2/ 155.

(5) التوبة/ 5.

26

وَ لَا الْهَدْيَ‏: ما أهدي إلى الكعبة. جمع، هدية. كجدي، جمع جدية السّرج.

وَ لَا الْقَلائِدَ: أي ذوات القلائد من الهدي. و عطفها على الهدي للاختصاص، فإنّه أشرف الهدي. أو القلائد أنفسها. و النّهي عن إحلالها، مبالغة في النّهي عن التّعرّض للهدي. و نظيره: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ‏. و «القلائد» جمع، قلادة.

و هي ما قلّد به الهدي، من نعل و غيره، ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له.

[في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال‏: يقلّدها النّعل الّذي قد صلّى فيه.

] (2).

وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏: عطف على «القلائد». و «لا» زائدة للتّأكيد؛ أي: قاصدين زيارته، يبتغون فضلا من ربّهم و رضوانا أن يثيبهم و يرضى عنهم.

و الجملة في موضع الحال من المستكنّ في «آمّين» و ليست صفة له. لأنّه عامل. و المختار أنّ اسم الفاعل الموصوف لا يعمل. و فائدته استنكار تعرّض من هذا شأنه، و التّنبيه على المانع له.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً:

قيل‏ (3): معناه: يبتغون من اللّه رزقا بالتّجارة، و رضوانا بزعمهم. إذ

قد روي‏:

أنّ الآية نزلت عام القضيّة في حجّاج اليمامة لمّا همّ المسلمون أن يتعرّضوا لهم، بسبب أنّه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة، و كان قد استاق سرح المدينة (4).

و قرئ: «تبتغون» على خطاب المؤمنين‏ (5).

وَ إِذا حَلَلْتُمْ‏: من الإحرام.

فَاصْطادُوا: إذن في الاصطياد بعد زوال الإحرام للقرينة، و لا يلزم منه دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإباحة مطلقا. و القرينة هنا، ما سبق في الآية من أنّ المانع عنه الإحرام.

____________

(1) تفسير القمي 1/ 161.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ

(3) أنوار التنزيل 1/ 261.

(4) الرواية توجد أيضا في الدر المنثور 3/ 7.

(5) أنوار التنزيل 1/ 261.

27

و قرئ، بكسر الفاء، على إلقاء حركة همزة الوصل عليها.

[و قرئ:] (1) و أحللتم‏ (2).

وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ‏: لا يحملنّكم. أو لا يكسبنّكم.

شَنَآنُ قَوْمٍ‏: شدّة بغضهم و عداوتهم. و هو مصدر، أضيف إلى الفاعل، أو المفعول.

و قرأ ابن كثير و إسماعيل: عن نافع، و ابن عيّاش: عن عاصم، بسكون النّون.

و هو أيضا مصدر، كليان. أو نعت؛ بمعنى: بغيض قوم. و فعلان في النّعت أكثر (3).

أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏: لأن صدّوكم عام الحديبية.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو، بكسر الهمزة، على أنّه شرط معترض أغنى عن جوابه‏ لا يَجْرِمَنَّكُمْ‏ (4).

أَنْ تَعْتَدُوا: بالانتقام. ثاني مفعولي «لا يجرمنّكم» فإنّه يتعدّى إلى واحد و إلى اثنين، ككسب.

و من قرأ: «يجرمنّكم» بضمّ الياء، جعله منقولا من المتعدّي إلى مفعول بالهمزة، إلى مفعولين‏ (5).

وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏: على العفو و الإغضاء، و متابعة الأمر و مجانبة الهوى.

وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏: للتّشفّي و الانتقام.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ (2): فانتقامه أشدّ.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ: بيان ما يتلى عليكم.

و «الميتة» ما فارقه الرّوح، من غير تذكية.

وَ الدَّمُ‏؛ أي: المسفوح. لقوله- تعالى-: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

28

قيل‏ (1): و كان أهل الجاهليّة يصبّونه في الأمعاء، و يشوونها.

وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ: و إن ذكّي. و إنّما خصّ بالذّكر دون الكلب و غيرهم، لاعتيادهم أكله دون غيره.

وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏؛ أي: رفع الصّوت لغير اللّه به. كقولهم: باسم الّلات و العزّى، عند ذبحه.

وَ الْمُنْخَنِقَةُ: الّتي ماتت بالخنق.

وَ الْمَوْقُوذَةُ: المضروبة بنحو خشب أو حجر حتّى تموت. من وقذته، إذا ضربته.

وَ الْمُتَرَدِّيَةُ: الّتي تردّت من علو، أو في بئر، فماتت.

وَ النَّطِيحَةُ: الّتي نطحتها أخرى، فماتت. و التّاء فيها، للنّقل.

وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ‏؛ أي: و ما أكل منها السّبع حتّى مات.

إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏:

إلّا ما أدركتم ذكاته، و فيه حياة مستقرّة من ذلك. كذا في مجمع البيان‏ (2) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن الرّضا- (عليه السلام)-: المتردّية و النّطيحة و ما أكل السّبع إذا أدركت ذكاته، فكله.

و في الكافي‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- في كتاب عليّ- (عليه السلام)-: إذا طرفت العين أو ركضت الرّجل أو تحرك الذّنب، فكل منه فقد أدركت ذكاته.

و قيل‏ (5): الاستثناء مخصوص بما أكل السّبع.

و في الخبر الآتي إيماء إليه: «و الذّكاة» في الشّرع، قطع الأعضاء الأربعة:

المري‏ء و هو مجرى الطّعام و الشّراب؛ و الحلقوم و هو مجرى النّفس؛ و الودجان و هما عرفان محيطان بالحلقوم. بالحديد أو بمحدّد عند عدمه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 2/ 157- 158.

(3) تفسير العياشي 1/ 292، ح 17.

(4) الكافي 6/ 232، ح 3.

(5) أنوار التنزيل 1/ 262.

29

وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏:

«النّصب» واحد الأنصاب. و هي أحجار كانت منصوبة حول بيوت النّيران، و يعدّون ذلك قربة و ما يعبدونه لأصنامهم.

و «على»؛ بمعنى: الّلام. أو على أصلها؛ بتقدير: و ما ذبح مسمّى على الأصنام.

و قيل‏ (1): هو جمع. و الواحد، نصاب.

وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ‏: و هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة. و واحد الأزلام، زلم. كحمل.

في عيون الأخبار (2): عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- أنّه قال في تفسيرها (3) [قال:] (4)، الميتة و الدّم و لحم الخنزير معروف.

وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏؛ يعني: ما ذبح للأصنام. و أمّا المنخنقة، فإنّ المجوس كانوا لا يأكلون الذّبائح و لا يأكلون‏ (5) الميتة، و كانوا يخنقون البقر و الغنم، فإذا انخنقت‏ (6) و ماتت أكلوها.

[و الموقوذة، كانوا يشدّون أرجلها و يضربونها حتّى تموت، فإذا ماتت أكلوها.] (7).

و المتردّية، كانوا يشدّون عينها و يلقونها من السّطح، فإذا ماتت أكلوها.

و النّطيحة، كانوا يناطحون بالكباش، فإذا مات‏ (8) أحدها أكلوه‏ (9).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) بل في الخصال/ 451- 452، ح 57. و لا يوجد هكذا حديث في العيون.

(3) المصدر: «قوله- عزّ و جلّ-: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ (الآية)» بدل «تفسيرها».

(4) من المصدر.

(5) المصدر و أ: يأكلون.

(6) المصدر: اختنقت.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(8) المصدر و أ: ماتت.

(9) المصدر و أ: أكلوها.

30

وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ فكانوا يأكلون ما قتله‏ (1) الذّئب و الأسد، فحرّم اللّه- عزّ و جلّ- ذلك.

وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏ كانوا يذبحون لبيوت النّيران، و قريش كانوا يعبدون الشّجر و الصّخر فيذبحون لهما.

وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، ذلِكُمْ فِسْقٌ‏ قال: كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه عشرة أجزاء، ثمّ يجتمعون عليه فيخرجون السّهام و يدفعونها (2) إلى رجل، و هي‏ (3) عشرة، سبعة لها أنصباء و ثلاثة لا أنصباء لها. فالّتي لها أنصباء الفذّ (4) و التّوأم و المسبل و النّافس و الحلس و الرّقيب و المعلى. فالفذّ (5) له سهم، و التوأم له سهمان، و المسبل له ثلاثة أسهم، و النّافس له أربعة أسهم، و الحلس له خمسة أسهم، و الرّقيب له ستّة أسهم، و المعلى له سبعة أسهم. و الّتي لا أنصباء لها، فالسّفيح و المنيح و الوغد. و ثمن الجزور على من لا يخرج‏ (6) له من الأنصباء شي‏ء، و هو القمار، فحرّمه اللّه- تعالى-.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (7) مثله.

و في من لا يحضره الفقيه و التّهذيب‏ (8) عن الجواد- (عليه السلام)- ما يقرب منه، إلّا قال: وَ الْمَوْقُوذَةُ الّتي مرضت و قذّها المرض حتّى لم يكن بها حركة.

قال: و كانوا في الجاهليّة يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس و يستقسمون عليه بالأقداح- ثمّ ذكر أسماءها السّبعة و الثّلاثة كما ذكر- قال: فكانوا يجيلون السّهام بين عشرة، فمن خرج باسمه سهم من الّتي لا أنصباء لها الزم ثلث ثمن البعير، فلا يزالون كذلك حتّى تقع السّهام الثّلاثة الّتي لا أنصباء لها إلى ثلاثة منهم فيلزمونهم ثمن البعير، ثمّ ينحرونه و يأكل السّبعة الّذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا و لم يطعموا منه الثّلاثة الّذين‏

____________

(1) المصدر: يقتله. أ: يأكله.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فيدفعونها.

(3) المصدر: السهام.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فالقذ.

(5) المصدر: و الفذ. أ: فالقذ.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم يخرج.

(7) تفسير القمي 1/ 161.

(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 216، ح 1007 و تهذيب الأحكام 9/ 83، ح 354.

31

أنقدوا (1) [ثمنه‏] (2) شيئا. فمّا جاء الإسلام حرّم اللّه- تعالى ذكره- ذلك فيما حرّم، فقال- عزّ و جلّ-: وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ‏.

ذلِكُمْ فِسْقٌ‏؛ يعني: حرام.

و معنى تجزئته عشرة أجزاء: اشتراؤه فيما بين عشرة أنفس. كما ذكر

في حديث الجواد- (عليه السلام)- (3) لا تجزئة لحمه.

و الفذّ، بالفاء و الذّال المعجمة المشدّدة. و التّوأم، بالتّاء المثنّاة الفوقانيّة و الهمزة.

و المسبل، كمحسن، بالسّين المهملة و الباء الموحّدة. و النّافس، بالنّون و الفاء و السّين المهملة. و الحلس، بكسر الحاء و سكون الّلام و السّين المهملة، و قد يحرّك. و الرّقيب، بالرّاء و القاف، على وزن فعيل. و المعلى بضمّ الميم و سكون العين و فتح الّلام.

و السّفيح، بالسّين المهملة و الفاء و الحاء المهملة، على وزن فعيل. كالمنيح‏ (4)، بالنّون و الحاء المهملة. و الوغد، بالواو و الغين المعجمة و الدّال المهملة.

و قيل‏ (5): معنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسّم لهم بالأقداح، يعني:

السهام. و ذلك أنّهم إذا قصدوا فعلا، ضربوا ثلاثة أقدام مكتوب على أحدها: أمرني ربّي. و على الآخر: نهاني عنه. و على الثّالث: غفل. فإن خرج الأمر مضوا على ذلك، و إن خرج النّاهي تجنّبوا عنه، و إن خرج الغفل أجالوها ثانيا (6).

و في بعض الأخبار إيماء إلى ذلك، كما يأتي في أواخر السّورة. و يمكن التّوفيق بالتّعميم.

الْيَوْمَ‏، أي: الآن. و لم يرد به يوما معيّنا، و إنّما أراد الحاضر و ما يتّصل به من الأزمنة الآتية.

و قيل‏ (7): أراد يوم نزولها. و قد نزلت بعد عصر يوم الجمعة، عرفة حجّة الوداع.

____________

(1) هكذا في الفقيه: و في أ: «نقدوا».

و في سائر النسخ و التهذيب: وفروا.

(2) من كلا المصدرين.

(3) مرّ آنفا عن الفقيه و التهذيب.

(4) كذا في النسخ و الظاهر أنّه: و المنيح.

(5) أنوار التنزيل 1/ 262.

(6) أنظر مجمع البيان 2/ 158.

(7) أنوار التنزيل 1/ 262.

32

يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ‏: انقطع طمعهم من دينكم، أن تتركوه و ترجعوا منه إلى الشّرك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: ذلك لمّا نزلت: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: يوم يقوم القائم- (عليه السلام)- ييأس بنو اميّة. فهم الّذين كفروا يئسوا من آل محمّد- (عليهم السلام)-.

فَلا تَخْشَوْهُمْ‏: أن يظهروا على دين الإسلام، و يردّوكم عن دينكم.

وَ اخْشَوْنِ‏: إنْ خالفتم أمري، أن تحلّ بكم عقوبتي.

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً:

في مجمع البيان‏ (3)، عنهما- (عليهما السلام)-: إنّما نزل بعد أن نصّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- علما للأنام يوم غدير خمّ عند منصرفه عن حجّة الوداع. قالا: و هي آخر فريضة أنزلها اللّه- تعالى- ثمّ لم ينزل بعدها فريضة.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية قالوا جميعا: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لا انزل عليكم بعد هذه الفريضة، قد أكملت لكم الفرائض.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (5) و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن‏

____________

(1) تفسير القمي 1/ 162.

(2) تفسير العياشي 1/ 292، ح 19.

(3) مجمع البيان 2/ 159.

(4) الكافي 1/ 289، ح 4.

(5) نفس المصدر 1/ 290، ح 6.

33

إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏: فرض اللّه- عزّ و جلّ- إلى قوله: ثمّ نزلت الآية، و إنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.

و كان كمال الدّين بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

فقال عند ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّتي حديثو عهد بالجاهليّة.

و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل و يقول قائل؟ فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني. فأتتني عزيمة من اللّه- عزّ و جلّ- بتلة أوعدني إن لم أبلّغ أن يعذّبني.

فنزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ- (عليه السلام)- فقال: يا أيّها النّاس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلّا و قد عمّره اللّه ثمّ دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعى فأجيب. و أنا مسؤول و أنتم مسؤولون، فما ذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك.

فجزاك اللّه أفضل جزاء المرسلين.

فقال: اللّهمّ اشهد- ثلاث مرّات- ثمّ قال: يا معشر المسلمين، هذا وليّكم من بعدي. فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب.

و في روضة الكافي‏ (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها- (عليه السلام)- بعد أن ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين تكلّمت طائفة، فقالوا: نحن موالي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى حجّة الوداع، ثمّ صار إلى غدير خمّ فأمر. فأصلح له شبه المنبر. ثمّ علاه و أخذ بعضدي حتّى رئي‏ (2) بياض إبطيه، رافعا صوته قائلا في محفله:

من كنت مولاه فعليّ مولاه. اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه. و كانت على ولايتي ولاية اللّه و على عداوتي عداوة اللّه. و أنزل اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك اليوم‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. فكانت ولايتي كمال‏

____________

(1) نفس المصدر 8/ 27، ح 4.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: رأى.

34

الدّين و رضا الرّب- جلّ ذكره-.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى إسحاق بن إسماعيل النّيسابوري‏: أنّ العالم كتب إليه، يعني: الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بمنّه و رحمته لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه إليكم لا إله إلّا هو، ليميز الخبيث من الطّيّب، و ليبتلي ما في صدوركم، و ليمحص ما في قلوبكم، و لتتسابقوا (2) إلى رحمته، و لتتفاضل‏ (3) منازلكم في جنّته. ففرض عليكم الحجّ و العمرة و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة و الصّوم و الولاية، و جعل لكم بابا لتفتحوا به أبواب الفرائض و مفتاحا إلى سبيله. و لو لا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأوصياء من ولده كنتم‏ (4) حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضا من الفرائض. و هل تدخل قرية إلّا من بابها؟

فلمّا منّ اللّه عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال اللّه- عزّ و جلّ-:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: آخر فريضة أنزلها (6) اللّه- تعالى- الولاية، ثمّ لم ينزل بعدها فريضة، ثمّ أنزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ بكراع الغميم‏ (7). فأقامها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالجحفة (8). فلم ينزل بعدها فريضة.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (9) بإسناده إلى الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

يوم غدير خمّ أفضل أعياد أمّتي، و هو اليوم الّذي أمرني اللّه- تعالى ذكره- فيه بنصب‏

____________

(1) علل الشرائع 1/ 249، ح 6.

(2) ر: لتسابقوا.

(3) روأ: لتفاضل.

(4) من المصدر و أ.

(5) تفسير القمي 1/ 162.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنزل.

(7) المصدر: «الغنم» و أشار إلى أنّه في خ. ل.

: الغميم.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: بالحجة.

(9) أمالي الصدوق/ 109، صدر حديث 8.

35

أخي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- علما لأمّتي يهتدون به من بعدي، و هو اليوم الّذي أكمل اللّه فيه الدّين و أتمّ على أمّتي فيه النّعمة و رضي لهم الإسلام دينا.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)(1)-، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و حب أهل بيتي و ذرّيّتي استكمال الدّين، و تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً إلى آخر الآية.

و في تهذيب الأحكام‏ (2)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق: شهادة الإخلاص‏ (3) لك بالوحدانيّة بأنّك أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت، و أنّ محمّدا عبدك و رسولك، و عليّا أمير المؤمنين، و أنّ الإقرار بولايته تمام توحيدك و الإخلاص بوحدانيتك و كمال دينك و تمام نعمتك و فضلك على جميع خلقك و بريّتك. فإنّك قلت و قولك الحقّ:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. اللّهمّ فلك الحمد على ما مننت به علينا من الإخلاص لك بوحدانيّتك، إذ هديتنا لموالاة وليّك الهادي من بعد نبيّك النّبيّ المنذر، و رضيت لنا الإسلام دينا بموالاته.

و في عيون الاخبار (4)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أنزل في حجّة الوداع و هي في آخر عمره- (صلّى اللّه عليه و آله)- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و أمر (5) الإمامة من تمام الدّين.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن يزداد بن إبراهيم، عمّن حدّثه من أصحابنا، عن أبي‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 3/ 145، ضمن حديث 317.

(2) نفس المصدر/ 161، ضمن حديث.

(3) المصدر: بالإخلاص.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 216، ضمن حديث 1.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأمر.

(6) الخصال/ 415، ذيل حديث 4، و أوّله في ص 414.

36

عبد اللّه- (عليه السلام)- عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه في آخره: و إنّ بولايتي أكمل‏ (1) لهذه الأمة دينهم و أتمّ عليهم النّعمة (2) و رضي إسلامهم، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخبرهم يا محمّد (3)، أكملت لهم اليوم دينهم و أتممت عليهم نعمتي و رضيت لهم الإسلام دينا (4). كلّ ذلك من منّ اللّه به‏ (5) عليّ، فله الحمد.

و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي‏ (6) قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن جعفر- (عليه السلام)-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏ قال: بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (7): و روى أبو نعيم: عن رجاله، عن أبي سعيد الخدريّ‏ أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا النّاس إلى عليّ يوم غدير خمّ، و أمر بقلع ما تحت الشّجر من الشّوك، و قام فدعا [عليّا-] (8) (عليه السلام)- فأخذ بضبعيه حتّى نظر [النّاس‏] (9) إلى إبطيه و قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله. ثمّ لم يفترقا حتّى أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (فقام) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: اللّه أكبر على إكمال الدّين و إتمام النّعمة، و رضا الرّبّ برسالتي و بولاية عليّ من بعدي.] (10).

فَمَنِ اضْطُرَّ: متّصل بذكر المحرّمات، و ما بينهما اعتراض، و المعنى: فمن اضطرّ إلى تناول شي‏ء من هذه المحرّمات.

فِي مَخْمَصَةٍ: مجاعة.

____________

(1) المصدر: أكمل اللّه.

(2) المصدر: النعم.

(3) المصدر: «يا محمّد أخبرهم أنّي» بدل «أخبرهم يا محمّد».

(4) المصدر: «رضيت لهم الإسلام دينا و أتممت عليهم نعمتي» بدل‏ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

(5) ليس في المصدر.

(6) تفسير فرات/ 37.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 53.

8 و 9- من المصدر.

(10) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

37

غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ‏: غير مائل للإثم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: غير متعمّد لإثم‏

(انتهى) و ذلك بأن يأكلها تلذّذا. أو مجاوزا حدّ الرّخصة. و هذا كقوله: غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ و قد مرّ تفسيرهما في سورة البقرة.

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (3): لا يؤاخذه بأكله.

يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ‏: لما تضمّن السّؤال معنى القول أوقع على الجملة.

و قد سبق الكلام في «ما ذا». و إنّما قال: «لهم» و لم يقل: «لنا» على الحكاية، لأنّ «يسألونك» بلفظ الغيبة. و كلا الوجهين شائع في أمثاله. و المسئول. ما احلّ لهم من المطاعم لمّا تلا ما حرّم عليهم منها.

قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ‏: ما لم تستخبثه الطّبائع السّليمة، و لم تتنفّر عنه.

و فيه دلالة على حرمة مستخبثات الطّبائع السّليمة بالمفهوم، و دلالة صريحة على أنّ ما لم ينصّ الشّرع على حرمته و لم تستخبثه الطّبائع حلال، لا يحتاج في تناوله إلى نصّ عليه بخصوصه، و المحتاج إلى النّصّ إنّما هو المحرّم.

وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ‏: عطف على «الطّيّبات» إن جعلت «ما» موصولة، على تقدير: و صيد ما علّمتم. و جملة شرطيّة إن جعلت شرطا، و جوابها «فكلوا». و «الجوارح» كواسب الصّيد على أهلها، من السّباع ذوات الأربع و الطّير.

مُكَلِّبِينَ‏: معلّمين إيّاه الصّيد. و «المكلّب» مؤدّب الكلب، و مغريها بالصّيد. مشتقّ، من الكلب. و انتصابه على الحال من «علّمتم». و فائدتها، المبالغة في التّعليم.

و في الكافي‏ (2): حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى التّلعكبريّ قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبين و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: في كتاب عليّ- (عليه السلام)- في قول اللّه‏

____________

(1) تفسير القمي 1/ 162.

(2) الكافي 6/ 202، ح 1.

38

- عزّ و جلّ-: وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ‏ قال: هي الكلاب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روي عن موسى بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في صيد الكلب: إن أرسله صاحبه و سمّى فليأكل كلّ ما أمسك عليه و إن قتل، و إن أكل فكل ما بقي. و إن كان غير معلّم فعلّمه ساعته حين يرسله فليأكل منه، فإنّه معلّم. فأمّا ما خلا الكلاب ممّا تصيده الفهود و الصّقور و أشباهه فلا تأكل من صيده إلّا ما أدركت ذكاته، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال: مُكَلِّبِينَ‏ فما خلا الكلاب، فليس صيده بالّذي يؤكل إلّا أن تدرك ذكاته.

و بهذا المعنى أخبار كثيرة. و الأخبار الّتي وردت بخلاف ذلك محمولة على التّقيّة، يدلّ على ذلك‏

ما رواه في الكافي‏ (2): عن أبي عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان أبي- (عليه السلام)- يفتي و كان يتّقي و نحن نخاف في صيد البزاة و الصّقور، فأمّا الآن فإنّا لا نخاف و لا يحلّ صيدها إلّا أن تدرك ذكاتها، فإنّه في كتاب عليّ- (عليه السلام)- إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال:

وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ‏ في الكلاب.

تُعَلِّمُونَهُنَ‏: حال ثانية. أو استئناف.

مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ‏: من طرق التّأديب، فإنّ العلم إلهام من اللّه أو مكتسب بالعقل الّذي هو منحة منه. أو ممّا علّمكم اللّه أن تعلّموه، باتّباعه الصّيد بإرسال صاحبه و ينزجر بزجره و ينصرف بدعائه. و بمسك عليه الصّيد و لا يأكل [منه.] (3).

فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏:

قيل‏ (4): هو ما لم تأكل منه.

و الظّاهر، أنّه ما احتسبه عليكم و إن أكل بعضه. كما دلّ عليه الخبر السّابق.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 201، ح 911.

(2) الكافي 6/ 207، ح 1.

(3) من أنوار التنزيل 1/ 263.

(4) نفس المصدر و الموضع.

39

و أمّا

ما رواه في تهذيب الأحكام‏ (1): «عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال‏: سألته عمّا أمسك الكلب المعلّم للصّيد و هو قول اللّه- تعالى-: وَ ما عَلَّمْتُمْ‏ (الآية).

قال: لا بأس أن تأكلوا ممّا أمسك الكلب ممّا لم يأكل الكلب منه، فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه»

فمحمول على التّقيّة، لأنّه موافق لمذاهب أكثر العامّة.

يدلّ على ذلك‏

ما رواه في الكافي‏ (2): عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن جميل بن درّاج قال: حدّثني حكم بن حكيم الصّيرفي‏ (3) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما تقول في الكلب يصيد الصّيد فيقتله؟

قال: لا بأس بأكله.

قال: قلت: فإنّهم يقولون: إنّه إذا قتله و أكل منه، فإنّما أمسك على نفسه فلا تأكله.

فقال: كل، أو ليس قد جامعوكم على أنّ قتله ذكاته؟

قال: قلت: بلى.

قال: فما يقولون في شاة ذبحها رجل، أذكّاها؟

قال: قلت: نعم.

قال: فإنّ السّبع جاء بعد ما ذكّاها فأكل منها بعضها، أ تؤكل‏ (4) البقيّة؟

قلت: نعم. قال: فإذا أجابوك إلى هذا، فقل لهم: كيف تقولون: إذا ذكّى ذلك فأكل منها لم يأكلوا و إذا ذكّى‏ (5) هذا و أكل أكلتم؟

وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ‏: الضّمير «لما علّمتم»، و المعنى: سمّوا عليه عند

____________

(1) تهذيب الأحكام 9/ 27، ح 110.

(2) الكافي 6/ 203، ح 6.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «حكيم بن حكيم الصيرفي». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 1/ 357، رقم 3221.

(4) المصدر: أ يؤكل.

(5) المصدر: ذكّاها.

40

إرساله.

في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن كلب أفلت و لم يرسله صاحبه فصاد و أدركه صاحبه و قد قتله، أ يأكل منه؟

فقال: لا. و قال- (عليه السلام)-: إذا صاد و سمّى فليأكل، و إذا صاد و لم يسمّ فلا يأكل، و هذا ممّا علّمتم من الجوارح مكلّبين.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏: في محرّماته.

إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (4): فيؤاخذكم بما جلّ و دقّ.

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2) قال: عنى بطعامهم هاهنا: الحبوب و الفاكهة غير الذّبائح الّتي يذبحونها، فإنّهم لا يذكرون اسم اللّه خالصا على ذبائحهم. ثمّ [قال:] (3) و اللّه ما استحلّوا ذبائحكم فكيف تستحلّون ذبائحهم.

و في الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن قتيبة الأعشى قال‏: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده، فقال: الغنم يرسل فيها اليهوديّ و النّصرانيّ فتعرض فيها العارضة فتذبح، أ نأكل ذبيحته؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تدخل ثمنها مالك، و لا تأكلها فإنّما هو الاسم، و لا يؤمن عليها إلّا مسلم.

فقال الرّجل: قال اللّه- تعالى-: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان أبي- (صلوات اللّه عليه)- يقول:

إنّما هو الحبوب و أشباهها.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 206، ح 16.

(2) تفسير القمي 1/ 163.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 6/ 240، ح 10.

41

[عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (1)، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن طعام أهل الكتاب و ما يحلّ منه؟

قال: الحبوب.]

(2).

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (3)، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ طَعامُ‏ (الآية) قال: الحبوب و البقول.

أبو عليّ الأشعريّ: عن محمّد بن عبد الجبّار (4)، عن صفوان بن يحيى، عن إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله. ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله. ثمّ سكت هنيئة و قال:

لا تأكله، و لا تتركه تقول: إنّه حرام. و لكن تتركه تنزّها عنه، إنّ في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ‏ قال: العدس و الحبوب و أشباه ذلك، يعني: أهل الكتاب.

وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ‏: فلا عليكم أن تبيعوه منهم و تطعموهم.

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ‏: و أحلّ لكم العقد على العفائف من المؤمنات.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏:

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ‏ قال: هنّ المسلمات.

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏:

____________

(1) نفس المصدر 6/ 263، ح 1.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) نفس المصدر 6/ 264، ح 6.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 9.

(5) تفسير العياشي 1/ 295، ح 36.

(6) نفس المصدر 1/ 235، ح 92.

42

في من لا يحضره الفقيه‏ (1) و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.

قال: هنّ ذوات الأزواج.

قال: قلت: و ما الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏؟

قال: هنّ العفائف.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. قال: نسختها وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: يا أبا محمّد، ما تقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة؟

قلت: جعلت فداك، و ما قولي بين يديك؟

قال: تقولنّ، فإنّ ذلك يعلم به قولي. قلت: لا يجوز تزويج النّصرانيّة على مسلمة و لا غير مسلمة.

قال: لم؟

قلت: لقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏.

قال: فما تقول في هذه الآية: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏.

قلت: فقوله‏ (4): وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‏ نسخت هذه الآية. فتبسّم ثمّ سكت.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 276، ح 1313.

(2) لم نعثر على هذا الحديث في العياشي. و لكن عنه في تفسير البرهان 1/ 449، ح 12. و الظاهر أنّه ساقط من نسخة العياشي.

(3) الكافي 5/ 357، ح 6.

(4) البقرة/ 221.

43

عليّ بن إبراهيم: عن ابن محبوب‏ (1)، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟ فقال: هذه منسوخة بقوله‏ (2): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أحمد بن عمر، عن درست الواسطيّ، عن علي بن رئاب، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب.

قلت: جعلت فداك، و أين تحريمه؟

قال: قوله‏ (4): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (5)، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل المؤمن يتزوّج اليهوديّة و النّصرانيّة؟

قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهوديّة و النّصرانيّة.

فقلت له: يكون له فيها هوى.

فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم أنّ عليه في دينه غضاضة.

و الجمع بين تلك الأخبار، الدّالّ بعضها على نسخ نكاح أهل الكتاب، و الدّالّ بعضها على عدم ابتغاء نكاحها، و الدّالّ بعضها على الجواز إذا كان له فيها هوى، حمل النّسخ على نسخ الإباحة و بقاء الجواز بالمعنى الأعمّ، فيجتمع مع عدم الانبغاء و الجواز مع الهوى. و ينبغي حمل الجواز على جواز النّكاح بالمتعة دون العقد الدّائم، كما يدلّ عليه الخبر الأخير بالفحوى. لأنّ منع الخمر من الكافرة لا يكون دائما. و هذا طريق آخر للجميع. فالمنسوخ عقدهنّ دواما. و الجائز نكاحهنّ متعة.

و في قوله: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ‏: دلالة على هذا الأخير، لأنّ المتبادر من الأجور مهر المتعة، لأنّهنّ مستأجرات كما في الخبر.

____________

(1) نفس المصدر 5/ 358، ح 8.

(2) الممتحنة/ 10.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 7.

(4) الممتحنة/ 10.

(5) نفس المصدر 5/ 356، ح 1.

44

مُحْصِنِينَ‏: أعفّاء.

غَيْرَ مُسافِحِينَ‏: غير مجاهرين بالزّنا.

وَ لا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ‏: مسرّين به.

و «الخدن» الصدّيق. يقع على الذّكر و الأنثى.

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (5):

يريد بالإيمان، شرائع الإسلام. و بالكفر به، إنكاره.

في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد بن معلى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟ قال: ترك العمل الّذي أقرّ به، من ذلك أن يترك الصّلاة من غير سقم و لا شغل.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟

فقال: [من‏] (3) ترك العمل الّذي أقرّ به.

قلت: فما موضع ترك العمل حتّى يدعه أجمع؟

قال: منه الّذي يدع الصّلاة متعمّدا لا من سكر و لا من علّة.

[و أمّا

ما رواه في أصول الكافي‏ (4): «عن عليّ بن إبراهيم، عن ابن محبوب و غيره، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: من كان مؤمنا فعمل خيرا في إيمانه فأصابته‏ (5) فتنة فكفر ثمّ تاب بعد كفره، كتب له و حسب بكلّ شي‏ء عمله في إيمانه و لا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره»

فالمراد بالكفر المذكور فيه، هو شعب الإيمان المذكور في الجزء الأوّل، على أنّ الزّاني لا يزني و هو مؤمن و السّارق لا يسرق و هو مؤمن، و هو لا يقتضي حبط باقي الأعمال، و يزول بالتّوبة و الشّرك.] (6)

____________

(1) نفس المصدر 2/ 384، ح 5.

(2) نفس المصدر 2/ 387، ح 12.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 2/ 461، ح 1.

(5) المصدر: ثم أصابته.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

45

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: من آمن ثمّ أطاع أهل الشّرك، فقد حبط عمله و كفر بالإيمان و هو في الآخرة من الخاسرين.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن أبان بن عبد الرّحمن قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏: أدنى ما يخرج به الرّجل من الإسلام، أن يرى الرّأي بخلاف الحقّ فيقيم عليه. قال: و من يكفر بالإيمان، فقد حبط عمله. و قال: الّذي يكفر بالإيمان، الّذي لا يعمل بما أمر اللّه و لا يرضى به.

عن محمّد بن مسلم‏ (3)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في هذه الآية قال: هو ترك العمل حتّى يدعه أجمع. قال: منه الّذي يدع الصّلاة متعمّدا لا من شغل و لا من سكر، يعني: النّوم.

عن جابر (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: يعني: ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

عن هارون بن خارجة (5) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟

قال: فقال: من ذلك ما اشتقّ فيه زرارة [بن أعين‏] (6) و أبو حنيفة.

و في بصائر الدّرجات‏ (7): عن عبد اللّه بن عامر، عن أبي عبد اللّه البرقي‏ (8)، عن الحسين بن عثمان‏ (9)، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟

قال: تفسيرها في بطن القرآن: من يكفر بولاية عليّ، و عليّ هو الإيمان.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ:

____________

(1) تفسير القمي 1/ 163.

(2) تفسير العياشي 1/ 297، ح 42.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 43.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 44.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 45.

(6) ليس في المصدر.

(7) بصائر الدرجات 2/ 77، ح 5.

(8) هكذا في أ. و في سائر النسخ: «أبي عبد اللّه الرقي». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 113، رقم 10659.

(9) هكذا في المصدر و في النسخ: «الحسن بن عثمان». و هو وهم. ر. تنقيح المقال 1/ 335.

46

قال المفسّرون‏ (1): أي: أردتم القيام، كقوله‏ (2): فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبّب عنها للإيجاز و التّنبيه، على أنّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكّ الفعل من الإرادة. أو إذا قصدتم الصّلاة، لأنّ التّوجّه إلى الشّي‏ء و القيام إليه قصد له.

ثمّ قالوا: و ظاهر الآية يوجب الوضوء على كلّ قائم إلى الصّلاة و إن لم يكن محدثا، و الإجماع على خلافه.

فقيل‏ (3): مطلق أريد به التّقييد، و المعنى‏ (4): إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين.

و قيل‏ (5): الأمر فيه للنّدب.

و قيل‏ (6): كان ذلك أوّل الأمر ثمّ نسخ، و هو ضعيف.

لقوله- (عليه السلام)(7)- المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها و حرّموا حرامها.

و في تهذيب الأحكام، و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل، ما معنى‏ إِذا قُمْتُمْ‏؟

قال: إذا قمتم من النّوم.

و العيّاشي‏ (9): عن الباقر- (عليه السلام)- سئل، ما عنى بها؟

قال: من النّوم.

فلا حاجة إلى ما تكلّفوه و أضمروه. و أمّا وجوب الوضوء بغير حدث النّوم، فمستفاد من الأخبار، كما أنّ وجوب الغسل لغير الجنابة مستفاد من محلّ‏

____________

(1) أنظر مجمع البيان 2/ 163 و أنوار التنزيل 1/ 264. ضعيف لقوله- (عليه السلام)-».

(2) النحل/ 98.

(3) أنوار التنزيل 1/ 264.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «المقيّد يعني» بدل «التقييد و المعنى».

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فنسخ و ضعف ذلك بقوله- (عليه السلام)-» بدل «ثمّ نسخ و هو

(8) تهذيب الأحكام 1/ 7، ح 9، و تفسير العياشي.

1/ 297، ح 48.

(9) تفسير العياشي 1/ 298، ح.

47

آخر. و كلّ مجملات القرآن إنّما يتبيّن بتفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- و هم أدرى بما نزل في البيت من غيرهم.

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏: أمرّوا الماء عليه. و المراد بالوجه، ما يواجه به. فلا يجب تخليل الشّعر الكثيف، أعني: الّذي لا يرى بشرة خلاله في التّخاطب. إذ المواجهة حينئذ إنّما يكون بالشعر لا بما تحته، كما

روي عن الباقر- (عليه السلام)-: كلّما أحاط به الشّعر، فليس على العباد (1) أن يطلبوا (2) و لا أن يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء. رواه في التّهذيب‏ (3).

و فيه و في الكافي‏ (4): عن أحدهما- (عليهما السلام)- عن الرّجل يتوضّأ: أ يبطّن لحيته؟

قال: لا.

أمّا حدّ الوجه،

ففي من لا يحضره الفقيه و الكافي و العيّاشي‏ (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: الوجه الّذي أمر اللّه بغسله- الّذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر و إن نقص منه أثم- ما دارت عليه السّبّابة و الوسطى و الإبهام من قصاص شعر (6) الرّأس إلى الذّقن، و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا. فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه.

قيل: الصّدغ ليس من الوجه؟

قال: لا.

وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏: لمّا كانت اليد تطلق على ما تحت [الزّند و على ما تحت‏] (7) المرافق و على ما تحت المنكب، بيّن اللّه- تعالى- غاية المغسول منهما. كما تقول:

أخضب يدك إلى الزّند. و للصّيقل: صقّل سيفي إلى القبضة. فلا دلالة في الآية على‏

____________

(1) المصدر: «للعباد» بدل «على العباد».

(2) المصدر: يعلوه.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 364، ح 36.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 360، ح 14، و الكافي 3/ 28، ح 2.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 28، ح 88، و الكافي 3/ 27، و تفسير العياشي 1/ 299، ح 52.

(6) ليس في الكافي.

(7) ليس في أ.

48

ابتداء الغسل بالأصابع و انتهائه إلى المرافق، كما أنّه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخضاب و التّصقيل بأصابع اليد و رفع رأس السّيف. فهي مجملة في هذا المعنى يحتاج إلى تبيين أهل البيت- (عليهم السلام)-.

و المرفق- بكسر أوّله و فتح ثالثه، أو بالعكس- مجمع عظمي الذّراع و العضد. و لا دلالة في الآية على إدخاله في غسل اليد، لخروج الغاية تارة و دخولها أخرى. فهي في هذا المعنى مجملة- أيضا- يتبيّن بتفسيرهم- (عليهم السلام)- و الأخبار تدلّ على أنّ الابتداء في الغسل من المرفق- و «إلى» لانتهاء المغسول، لا لانتهاء الغسل. كما بيّنّا و بعضها يأتي- و ليس في الأخبار ما يدلّ على إدخال المرفق و إخراجه، لكن يجب إدخال جزء من باب المقدّمة لا المغسول بالأصالة.

[و في الكافي‏ (1): محمّد بن الحسن و غيره، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن الحكم، عن الهيثم بن عروة التّميميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ فقلت: هكذا، و مسحت من ظهر كفّي إلى المرفق؟ فقال: ليس هكذا تنزيلها، إنّما هي «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم من المرافق» ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه‏] (2).

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏: و «الباء» مزيدة لإفادة التّبعيض، لا للتّبعيض. كما مرّ بيانه منّا سابقا، فلا ينافيه إنكار سيبويه مجيئها له في سبعة عشر موضعا من كتابه.

و الواجب فيه، ما يقع عليه اسم المسح.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ألا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرّأس و بعض الرّجلين؟ فضحك، ثمّ قال: يا زرارة، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نزل به الكتاب عن اللّه، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ فعرفنا أنّ الوجه كلّه‏

____________

(1) الكافي 3/ 28، ح 5.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) نفس المصدر 3/ 30، ح 4.

49

ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ ثمّ فصل بين الكلامين‏ (1) فقال:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فعرفنا حين قال: بِرُؤُسِكُمْ‏ أنّ المسح ببعض الرّأسّ لمكان الباء، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فعرفنا حين وصلها بالرّأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك للنّاس فضيّعوه.

و للحديث تتمّة، أخذت منه موضع الحاجة.

و

قوله- (عليه السلام)-: «فعرفنا أنّ المسح ببعض الرّأس لمكان الباء»

، معناه: أنّ الفعل متعدّ إلى المفعول بنفسه، فإذا زيد الباء أفاد التّبعيض، لا أنّ الباء للتّبعيض.

وَ أَرْجُلَكُمْ‏: نصبه نافع و ابن عامر و حفص و يعقوب، و جرّه الباقون.

فالنّصب على العطف على محلّ «رؤوسكم» كقولك: مررت بزيد و عمرو. و الجرّ على العطف على لفظه‏ (2).

و في كتاب التّهذيب‏ (3): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ على الخفض هي أم على النّصب؟

قال: بل هي على الخفض.

و العطف على الوجوه على تقدير النّصب، و على الجواز على تقدير الجرّ- كما ذهب إليه العامّة- عربيّ ردي‏ء فلا يصار إليه. و العامّة ذهبوا إلى وجوب غسل الرّجلين إذا لم يكن عليهما شي‏ء، و المسح على ما عليهما من الخفّ و غيره إذا كان عليه.

و في كتاب التّهذيب‏ (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: جمع عمر بن الخطّاب أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيهم عليّ- (عليه السلام)- فقال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟

فقام المغيرة بن شعبة و قال: رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يمسح على الخفّين.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: قبل المائدة أو بعد المائدة؟

____________

(1) المصدر: الكلام.

(2) أنوار التنزيل 1/ 264.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 70، ح 37.

(4) نفس المصدر 1/ 361، ح 21.

50

فقال: لا أدري.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: سبق الكتاب الخفّين، إنّما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة.

و المغيرة بن شعبة، هو أحد رؤساء المنافقين من أصحاب العقبة و السّقيفة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روت عائشة عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: أشدّ النّاس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره.

و روي عنها (2) أنّها قالت: لإن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحبّ إليّ من أن أمسح على خفّي. و لم يعرف للنّبي خفّ إلّا خفّ أهداه له النّجاشي، و كان موضع ظهر القدمين منه مشقوقا، فمسح النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- على رجليه و عليه خفّاه. فقال النّاس: إنّه مسح على خفّيه.

و على أنّ الحديث في ذلك غير صحيح الإسناد. (انتهى كلام الفقيه.).

و في التّهذيب‏ (3): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن مسح الرّجلين؟

فقال: هو الّذي نزل به جبرئيل.

و في الكافي‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه يأتي على الرّجل ستّون و سبعون سنة ما قبل منه صلاة.

فقيل: و كيف ذلك؟

قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ الرّجل ليعبد اللّه أربعين سنة ما يطيعه في الوضوء، لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه.

و قرئ، بالرّفع. على تقدير: و أرجلكم ممسوحة (6).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 30، ح 9.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 10.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 63، ح 26.

(4) الكافي 3/ 31، ح 9.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 24، ح 5.

(6) أنوار التنزيل 1/ 264- 265. و فيه: «مغسولة» بدل «ممسوحة».

51

إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏:

«الكعب» عظم مائل إلى الاستدارة، واقع في ملتقى السّاق و القدم، نات عن ظهره، يدخل نتوه في طرف السّاق، كالّذي في أرجل البقر و الغنم و ربّما يلعب به الأطفال. و قد يعبّر عنه بالمفصل، لمجاورته له. و لمّا كانت [الرّجل‏] (1) تطلق‏ (2) على القدم و على ما تحت الرّكبة و على ما يشمل الفخذ، بيّن اللّه- سبحانه- غاية الممسوح بعضها.

و في الكافي‏ (3): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه وصف الكعب في ظهر القدم.

و فيه‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و بكير أنّهما سألا أبا جعفر- (عليه السلام)- عن وضوء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدعا بطشت أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردّها إلى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق و صنع بها مثل ما صنع باليمنى‏ (5)، ثمّ مسح رأسه و قدمه ببلل كفّه لم يحدث لهما ماء جديدا، ثمّ قال: و لا يدخل أصابعه تحت الشّراك.

قال: ثمّ قال: إنّ اللّه- تعالى- يقول: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ‏ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلّا غسله، و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلّا غسله، لأنّ اللّه- تعالى- يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ ثمّ قال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فإذا مسح بشي‏ء من رأسه أو بشي‏ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.

قال: فقلنا (6): أين الكعبان؟

____________

(1) ليس في أ.

(2) هكذا في أ. و في سائر النسخ: يطلق.

(3) الكافي 3/ 26، ح 7.

(4) نفس المصدر 3/ 25، ح 5.

(5) أ: باليسرى.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قيل» بدل «قال فقلنا».

52

قال: هاهنا، يعني: المفصل، دون عظم السّاق.

قال‏ (1): هذا ما هو؟

فقال: هذا من عظم السّاق، و الكعب أسفل من ذلك.

فقلنا (2): أصلحك اللّه، فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه و غرفة للذّراع؟ قال: نعم، إذا بالغت فيها. و الثّنتان تأتيان على ذلك كلّه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه عن مسائل، فكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمّد، لأيّ علّة توضّأ هذه الجوارح الأربع، و هي أنظف المواضع في الجسد؟ فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا أن وسوس الشّيطان إلى آدم دنا من الشّجرة و نظر إليها فذهب ماء وجهه، ثمّ قام و مشى إليها و هي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده‏ (4) منها ممّا عليها فأكل فطار الحليّ و الحلل عن جسده، فوضع آدم يده على أمّ رأسه و بكى، فلمّا تاب اللّه عليه فرض‏ (5) عليه و على ذرّيّته غسل هذه الجوارح الأربع. و أمره بغسل الوجه لمّا نظر إلى الشّجرة، و أمره بغسل اليدين إلى المرفقين لمّا تناول منها، و أمره بمسح الرّاس لمّا وضع يده على أمّ رأسه، و أمره بمسح القدمين لمّا مشى بها إلى الخطيئة.

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا:

قيل‏ (6): عطف على جزاء الشّرط الأوّل، أعني: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏، يعني:

إذا قمتم من النّوم إلى الصّلاة فتوضّئوا، و إن كنتم جنبا فاغتسلوا.

قال‏ (7): يدلّ عليه قوله- تعالى‏ (8) وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ فإنّه مندرج تحت الشّرط البتّة. فلو كان قوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ‏ معطوفا على قوله: إِذا قُمْتُمْ‏ أو كان مستأنفا، لم‏

____________

(1) أ: قيل.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: قيل.

(3) علل الشرائع 1/ 280.

(4) ليس في ر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فرض اللّه.

(6) تفسير الصافي 2/ 18.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) النساء/ 43.

53

يتناسق المتعاطفان و للزم أن لا يستفاد الارتباط بين الغسل و الصّلاة من الآية، و لم يحسن لفظة «إن» بل ينبغي أن يقال: و إذا كنتم جنبا. كما هو غير خاف على من تتبّع أساليب الكلام.

و مقصوده من ذلك، أنّ وجوب الغسل للجنب ليس لنفس الجنابة بل للصّلاة.

و قال‏ (1): يدلّ عليه‏

ما في الكافي‏ (2): عن الباقر- (عليه السلام)- عن المرأة يجامعها الرّجل فتحيض و هي في المغتسل.

قال: جاءها ما يفسد الصّلاة فلا تغتسل.

و في التّهذيب‏ (3): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن غسل الجنابة؟

فقال: تبدأ فتغسل كفيك، ثمّ تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك و مرافقك، ثمّ تمضمض و استنشق، ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك ليس بعده و لا قبله وضوء، و كلّ شي‏ء أمسسته الماء فقد أنقيته، و لو أنّ رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده.

و في الكافي‏ (4)، مقطوعا: إن لم يكن أصاب كفّه شي‏ء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء أجزأه.

(انتهى كلامه.).

و فيه: أنّ الظّاهر المتناسق، عطفه على مجموع الشّرطيّة، لا على الجزاء.

و ما ذكره من اندراج قوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ تحت الشّرط في محلّ المنع، إذ من المحتمل أن يكون معطوفا على مجموع الشّرطيّة أو على ما عطف عليها، إذ معنى الآية:

إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (إلخ) إن لم يمنع مانع‏ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا كذلك‏ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ و منعكم مانع المرض أو غيره‏ فَتَيَمَّمُوا.

و ما ذكره من أنّه يلزم أن لا يستفاد الارتباط بين الغسل و الصّلاة من الآية، ففيه:

أنّه إذا فهم من الآية وجوب الغسل للجنابة مطلقا فهم وجوبه للصّلاة، لا لأنّه واجب لها بخصوصها، بل لأنّ وقتها من مجمله أوقات وجوب الغسل. و إن أراد الارتباط بالمعنى‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 3/ 83، ح 1.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 148، ح 113.

(4) الكافي 3/ 43، ح 3.

54

الأوّل. فلا ضير في عدم استفادته من الآية بل يكفي استفادة وجوب الغسل من الآية، ففي الصّلاة لو ترك الغسل ارتكب النّهي الّذي في ضمن الوجوب، و النّهي مفسد في العبادات فيبطل الصّلاة بدونه.

و ما ذكره من أنّه ينبغي أن يقال: حينئذ «و إذا كنتم» كما هو غير خاف- إلخ- ففيه: أنّه إن كان المراد إذا كنتم جنبا في مدّة العمر، أو في زمان ما، بمعنى: الفرد و المنتشر «فاطّهّروا» لكان المنبغي استعمال «إذا» دون «إذ» كونه جنبا في مدّة العمر، أو في زمان ما مقطوع به أو مظنون. و أمّا إذا كان المراد كونه جنبا في أيّ زمان معيّن من الأزمنة المعيّنة، أي: إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً في أوّل النّهار أو أوسطه أو آخره و كذلك في اللّيل، فالواجب استعمال «إن» إذ كونه جنبا في أحدها متساوي الطّرفين غير مقطوع أو مظنون بأحدهما. نعم، في بعض ما ذكر من الأخبار دلالة على ذلك، فإن لم يعارضه غيره من الأخبار فيحتمل أن تكون الآية مجملة مبيّنة بالخبر، فلا دلالة فيها على ما ذكره من طريق العطف.

و في الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏: سألته، متى يجب الغسل على الرّجل و المرأة؟

فقال: إذا أدخله، فقد وجب الغسل و المهر و الرّجم.

فإنّ قوله: «إذا أدخله» و إن لم يفد العموم مطلقا، أفاده إذا ضمّ إليه القرينة.

و هي هنا وقوعه موقع «متى» و في جوابه. و- أيضا- ترتيب وجوب الغسل و المهر و الرّجم على مجرّد الإدخال مع عدم توقّف الأخيرين على ما يجعل الأوّل متوقّفا عليه، يدلّ على وجوبه بمجرّد الإدخال.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (1)، عن محمّد بن عيسى عن محمّد بن إسماعيل قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟

____________

(1) نفس المصدر 3/ 46، ح 2.

55

فقال: إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟

قال: نعم.

و في هذا الخبر- أيضا- دلالة على وجوب الغسل لنفسه، فيمكن أن يحمل قوله- (عليه السلام)- في الخبر الأوّل: «فجاءها ما يفسد الصّلاة» على أنّ وقت وجوب الغسل هو وقت لا ينافيه شي‏ء، فإنّ وقت الوجوب على المنزل وقت تمام إنزاله، و إن صار جنبا بأوّل الإنزال فلا يغتسل حتّى يتمّ إنزاله، فكذا الجنب الّذي جاءها الحيض وقت وجوبه عليها إنّما هو وقت عدم طريان المنافي، و طريان الحيض مناف.

و يمكن أن يحمل قوله في الخبر الثّاني: «ليس بعده و لا قبله وضوء» على أنّه إن أراد الصّلاة يصلّي بالغسل، و لا يحتاج إلى الوضوء فيه بخلاف باقي الأغسال. و ليس في الخبر الأخير دلالة حتى يحتاج إلى الحمل.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): جاء نفر من اليهود إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال: لأيّ شي‏ء أمر اللّه- تعالى- بالاغتسال من الجنابة و لم يأمر بالغسل من الغائط و البول؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ آدم لمّا أكل من الشّجرة، دبّ ذلك في عروقه و شعره و بشره. فإذا جامع الرّجل أهله خرج الماء من كلّ عرق و شعرة في جسده، فأوجب اللّه- عزّ و جلّ- على ذرّيّته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة.

و البول يخرج من فضلة الشّراب الّذي يشربه الإنسان، و الغائط يخرج‏ (2) من فضلة الطّعام الّذي يأكله الإنسان، فعليه في ذلك الوضوء.

قال اليهوديّ: صدقت، يا محمّد.

وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏: قد مضى تفسيره، و لعلّ تكريره ليتّصل الكلام في بيان أنواع الطّهارة.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 43، ح 1.

(2) ليس في المصدر.

56

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1)، في حديث زرارة السّابق آنفا متّصلا بآخره، ثمّ قال:

فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏ فلمّا وضع الوضوء إن لم يجدوا الماء أثبت بعض الغسل مسحا. لأنّه قال: «بوجوهكم» ثمّ وصل بها «و أيديكم» ثمّ قال‏ (2): «منه»، أي: من ذلك التّيمّم. لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الوجه. لأنّه يعلق من ذلك الصّعيد ببعض الكفّ و لا يعلق ببعضها.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: فرض اللّه الغسل على الوجه و الذّراعين و المسح على الرّأس و القدمين، فلمّا جاء حال السّفر و المرض و الضّرورة وضع اللّه الغسل و أثبت الغسل مسحا فقال: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ إلى‏ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: ملامسة النّساء، هو الإيقاع بهنّ.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (5)، عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن التّيمّم؟ فتلا هذه الآية (6): وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما و قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ قال: فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع. و قال‏ (7): وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.

ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ‏: أي: ما يريد الأمر بالطّهارة للصّلاة، أو الأمر بالتّيمّم تضييقا عليكم.

وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏: من الأحداث و الذّنوب. فإنّ الطّهارة كفّارة للذّنوب، كما هي رافعة للأحداث. فمفعول «يريد» في الموضعين محذوف. و «الّلام» للعلّة.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 57، ح 1.

(2) «ثم قال» ليس في المصدر.

(3) تفسير العياشي 1/ 302، ح 64.

(4) الكافي 6/ 109، ح 4.

(5) نفس المصدر 3/ 62، ح 2.

(6) المائدة/ 38.

(7) مريم/ 64.

57

و قيل‏ (1): مزيدة. و المعنى: ما يريد اللّه أن يجعل عليكم من حرج حتّى لا يرخّص لكم في التّيمّم، و لكن يريد أن يطهّركم. و هو ضعيف، لأنّ «أن» لا تقدّر بعد المزيدة.

وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ‏: ليتمّ بشرعه ما هو مطهّر لأبدانكم و مكفّر لذنوبكم نعمته عليكم في الدّين.

قيل‏ (2): أو ليتمّ برخصة إنعامه عليكم بعزائمه. و هو بعيد.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (6): نعمته.

قيل‏ (3): و الآية مشتملة على سبعة أمور كلّها مثنى: طهارتان أصل و بدل، و الأصل اثنان مستوعب و غير مستوعب، و غير المستوعب باعتبار الفعل غسل و مسح و باعتبار المحل للعدول‏ (4) محدود و غير محدود، و أن آلتهما (5) مائع و جامد، و موجبها حدث أصغر أو أكبر، و أنّ المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، و أنّ الموعود عليهما تطهير الذّنوب و إتمام النّعمة.

وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏: بالإسلام. لتذكّركم المنعم، و ترغّبكم في شكره.

وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ‏:

قيل‏ (6): يعني: الميثاق الّذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على السّمع و الطّاعة في العسر و اليسر و المنشط و المكره. أو ميثاق ليلة العقبة. أو بيعة الرّضوان.

و في مجمع البيان‏ (7): عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ المراد بالميثاق، ما بيّن لهم في حجّة الوداع من تحريم المحرّمات و كيفيّة الطّهارة و فرض الولاية و غير ذلك.

____________

(1) أنوار التنزيل/ 1/ 265.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في المصدر. و الأظهر زائدة.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: آلتها.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 2/ 168.

58

و في تهذيب الأحكام‏ (1)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: و ليكن من قولك إذا التقيتم أن تقولوا: الحمد للّه الّذي أكرمنا بهذا اليوم، و جعلنا من الموفين بعهده إلينا و ميثاقه الّذي واثقنا به من ولاية ولاة أمره و القوّام بقسطه.

إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا:

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2) قال‏: لمّا أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الميثاق عليهم بالولاية قالوا: سمعنا و أطعنا. ثمّ نقضوا ميثاقه‏ (3).

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏: في إنساء نعمته، و نقض ميثاقه.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7): بخفيّاتها. فيجازيكم عليها، فضلا عن جليّات أعمالكم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ: قد مرّ تفسيره.

وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا:

عدّاه «بعلى» لتضمّنه معنى الحمل، و المعنى: لا يحملنّكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحلّ كمثله و قذف و قتل نساء و صبية و نقض عهد، تشفيّا ممّا في قلوبكم.

اعْدِلُوا: في الأولياء و الأعداء.

هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏: أي: العدل أقرب إلى التّقوى. صرّح لهم الأمر بالعدل و بيّن أنّه بمكان من التّقوى، بعد ما نهاهم عن الجور و بيّن أنّه مقتضى الهوى. و إذا كان هنا العدل مع الكفّار، فما ظنّك من العدل بالمؤمنين؟! وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏ (8): فيجازيكم به.

قيل‏ (4): و تكرير هذا الحكم، إمّا لاختلاف السّبب، كما قيل: إنّ الأولى نزلت‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 3/ 144، ح 1.

(2) تفسير القمي 1/ 163.

(3) المصدر: ميثاقهم.

(4) أنوار التنزيل 1/ 265.

59

في المشركين و هذه في اليهود. أو لمزيد الاهتمام بالعدل، و [المبالغة في‏] (1) إطفاء ثائرة (2) الغيظ.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ (9):

قيل‏ (3): إنّما حذف ثاني مفعول وعد، استغناء بقوله: «لهم مغفرة» فإنّه استئناف يبيّنه.

و قيل‏ (4): الجملة في موقع المفعول‏ (5). فإنّ الوعد ضرب من القول. فكأنّه قال:

وعدهم هذا القول.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ‏ (10): قابل الوعد بالوعيد، وفاء بحقّ الدّعوة. و فيه مزيد وعد للمؤمنين و تطييب لقلوبهم، و زيادة عقوبة للكافرين و تحسير لهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ‏: بالقتل و الإهلاك.

يقال: بسط إليه يده، إذا بطش به. و بسط إليه لسانه، إذا شتمه.

فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ‏: منعها أن تمدّ إليكم، و ردّ مضرتّها عنكم.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ (11): فإنّه الكافي لإيصال الخير، و دفع الشّرّ.

قيل‏ (6): إنّ المشركين رأوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه بعسفان قاموا إلى الظّهر معا، فلمّا صلّوا ندموا ألّا [كانوا] (7) أكبّوا عليهم و همّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردّ اللّه [عليهم‏] (8) كيدهم بأن أنزل [عليهم‏] (9) صلاة الخوف. و الآية، إشارة

____________

(1) من المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: نائرة.

(3) نفس المصدر 1/ 266.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: المفعول الثاني.

(6) نفس المصدر و الموضع و فيه: «روي» بدل «قيل».

7 و 8 و 9- من المصدر.

60

إلى ذلك.

و قيل‏ (1): هو إشارة إلى ما روي أنّه- (عليه السلام)- أتى قريظة و معه عليّ- (عليه السلام)- و أبو بكر و عمر و عثمان يستقرضهم لدية مسلمين، [أي: يطلب منهم الدّية] (2). قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتّى نطعمك و نقرضك. فأجلسوه و همّوا بقتله، فعهد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك اللّه يده، فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فأخبره فخرج.

و قيل‏: نزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منزلا و علّق سلاحه بشجرة و تفرّق النّاس عنه، فجاء أعرابيّ فسل سيفه، فقال: من يمنعك؟

فقال: اللّه. فأسقطه جبرئيل- (عليه السلام)- من يده، فأخذه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: من يمنعك منّي؟

فقال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه. فنزلت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): يعني: أهل مكّة من قبل فتحها، فكفّ أيديهم بالصّلح يوم الحديبية.

وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً:

شاهدا من كلّ سبط، ينقّب عن أحوال قومه، و يفتّش عنها. أو كفيلا، يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به.

قيل‏ (4): إنّ بني إسرائيل لمّا فرغوا من فرعون و استقرّوا بمصر، أمرهم اللّه بالمسير إلى أريحا من أرض الشّام، و كان يسكنها الجبابرة الكنعانيّون، و قال: إنّي كتبتها لكم دارا و قرارا، فاخرجوا إليها و جاهدوا من فيها، فإنّي ناصركم. و أمر موسى أن يأخذ من كلّ سبط كفيلا عليهم بالوفاء بما أمروا به، فأخذ عليهم الميثاق و اختار منهم النّقباء و سار بهم، فلمّا دنا من أرض كنعان بعث النّقباء يتجسّسون الأخبار و نهاهم أن يحدّثوا قومهم،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في المصدر.

(3) تفسير القمي 1/ 163.

(4) أنوار التنزيل 1/ 266. و فيه «روي» بدل «قيل».

61

فرأوا أجراما عظيمة و بأسا شديدا فهابوا، فرجعوا و حدّثوا قومهم [فنكثوا الميثاق‏] (1) إلّا كالب بن يوفنا (2) من سبط يهوذا، و يوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف‏ (3).

وَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ‏ بالنّصرة.

لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ‏، أي:

نصرتموهم و قوّيتموهم. و أصله، الذّبّ. و منه: التّعزير.

وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً: بالإنفاق في سبيل الخير.

و «قرضا» يحتمل المصدر، و المفعول.

لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏: جواب للقسم، المدلول عليه بالّلام في «لئن»، سادّ مسدّ جواب الشّرط.

وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ‏، بعد ذلك الشّرط المؤكّد، المعلّق به الوعد العظيم.

مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ‏ (12): ضلالا لا شبهة فيه و لا عذر معه، بخلاف من كفر قبل ذلك، إذ قد يمكن أن يكون لهم شبهة و يتوهّم له معذرة.

فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يعني: نقض عهد أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

لَعَنَّاهُمْ‏: طردناهم من رحمتنا. أو مسخناهم. أو ضربنا عليهم الجزية.

وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً: لا تنفعل عن الآيات و النّذر.

و قرأ حمزة و الكسائيّ: «قسيّة» و هي إمّا مبالغة قاسية. أو بمعنى: رديئة. من قولهم: درهم قسيّ، إذا كان مغشوشا. و هو- أيضا- من القسوة، فإنّ المغشوش فيه يبس و صلابة (5).

و قرئ: «قسية» باتّباع القاف السّين‏ (6).

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: كالب بن يوقنا.

(3) المصدر: إفراثيم بن يوسف.

(4) تفسير القمي 1/ 163.

(5) أنوار التنزيل 1/ 267.

(6) نفس المصدر و الموضع.

62

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ‏: استئناف لبيان قسوة قلوبهم، فإنّه لا قسوة أشدّ من تغيير كلام اللّه- تعالى- و الافتراء عليه. و يجوز أن يكون حالا من مفعول «لعنّاهم» لا من «القلوب» إذ لا ضمير له فيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: من نحّى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن موضعه. و الدّليل على‏ (2) أنّ الكلمة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قوله: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ‏، يعني به: الولاية.

وَ نَسُوا حَظًّا: و تركوا نصيبا وافيا.

مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ‏: من التّوراة. أو من اتّباع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى: أنّهم حرّفوا التّوراة و تركوا حظّهم ممّا أنزل عليهم، فلم ينالوه.

و قيس‏ (3): معناه: أنّهم حرّفوها، فزلّت‏ (4) بشؤمه أشياء منها عن حفظهم، لما روي أنّ ابن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. و تلا هذه الآية.

وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى‏ خائِنَةٍ مِنْهُمْ‏: خيانة. أو فرقة خائنة. أو خائن منهم.

و «التّاء» للمبالغة، و المعنى: أنّ الخيانة و الغدر من عادتهم و عادة أسلافهم، لا تزال ترى ذلك منهم.

إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ‏: لم يخونوا. و هم الّذين آمنوا منهم.

و قيل‏ (5): استثناء من قوله: «و جعلنا قلوبهم قاسية».

فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ‏: قيل‏ (6): إن تابوا و آمنوا. أو إن عاهدوا و التزموا الجزية.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7) قال: منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ (13): تعليل للأمر بالصّفح، و حثّ عليه، و تنبيه‏

____________

(1) تفسير القمي 1/ 163- 164.

(2) المصدر: على ذلك.

(3) أنوار التنزيل 1/ 267.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فذلّت.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 1/ 164.

63

على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره.

وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ‏: أي: و أخذنا من النّصارى ميثاقهم، كما أخذنا ممّن قبلهم.

و قيل‏ (1): تقديره: و من الّذين قالوا إنّا نصارى قوم أخذنا. و إنّما قالوا: إنّا نصارى، ليدلّ على أنّهم سمّوا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة اللّه.

فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ: بالأفعال.

وَ الْبَغْضاءَ: بالقلوب.

إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: فألزمنا. من غرى الشّي‏ء: إذا لصق به. بين فرق النّصارى و هم نسطوريّة و يعقوبيّة و ملكائية. أو بينهم و بين اليهود.

وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏ (14): بالجزاء و العقاب.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ‏ (3)، عن عليّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن الحسين بن خالد، عمّن ذكره، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لا تشتر من السّودان أحدا، فإن كان لا بدّ فمن النّوبة، فإنّهم من الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ‏ أما إنّهم سيتذكّرون ذلك الحظّ، و سيخرج مع القائم- (عليه السلام)- منّا عصابة منهم. و لا تنكحوا من الأكراد أحدا، فإنّهم جنس من الجنّ كشف عنهم الغطاء.

يا أَهْلَ الْكِتابِ‏: يعني: اليهود و النّصارى. و وحّد الكتاب، لأنّه للجنس.

قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 267.

(2) الكافي 5/ 352، ح 2.

(3) المصدر: «إسماعيل بن محمد المكي» و هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن هلال المخزومي أبو محمد. ر. تنقيح المقال 1/ 142، رقم 876.

و إما بالنسبة إلى «محمد بن إسماعيل البرمكي» راجع نفس المصدر 2/ 81، رقم 10389.

64

: كنعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و آية الرّجم في التّوراة، و بشارة عيسى بأحمد في الإنجيل.

وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: ممّا تخفونه، لا يخبر به إذا لم يضطرّ إليه أمر دينيّ. أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: يبيّن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كثيرا ممّا أخفيتموه ممّا في التّوراة من إخباره و يدع كثيرا لا يبيّنه.

و في مجمع البيان‏ (2): عن الباقر- (عليه السلام)- عند تفسير يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ (3) من هذه السّورة: أنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم و هما محصنان، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة و كتبوا إليهم أن يسألوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف و كعب بن أسيد و شعبة بن عمرو و مالك بن الضّيف و كنانة بن أبي الحقيق و غيرهم فقالوا! يا محمّد، أخبرنا عن الزّاني و الزّانية إذا أحصنا ما حدّهما؟

فقال: و هل ترضون بقضائي في ذلك؟

قالوا: نعم. فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- بالرّجم فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به.

فقال جبرئيل- (عليه السلام)-: اجعل بينك و بينهم ابن صوريا. و وصفه له.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل تعرفون شابّا أمرد أبيض أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا؟

قالوا: نعم.

قال: فأيّ رجل هو فيكم؟

قالوا: هو أعلم يهوديّ بقي على ظهر الأرض بما أنزل اللّه على موسى- (عليه السلام)-.

____________

(1) تفسير القمي 1/ 164.

(2) مجمع البيان 2/ 193.

(3) المائدة/ 41.

65

قال: فأرسلوا إليه. ففعلوا، فأتاهم عبد اللّه بن صوريا.

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي أنشدك اللّه الّذي لا إله إلّا هو، الّذي أنزل التّوراة على موسى و فلق لكم البحر فأنجاكم و أغرق آل فرعون و ظلّل عليكم الغمام و أنزل عليكم المنّ و السّلوى، هل تجدون في كتابكم الرّجم على من أحصن؟

قال ابن صوريا: نعم، و الّذي ذكّرتني به لو لا خشية أن يحرقني ربّ التّوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك، و لكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمّد؟

قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنّه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة، وجب عليه الرّجم. فقال ابن صوريا: هكذا نزل في التّوراة على موسى.

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فما ذا كان أوّل ما ترخّصتم به أمر اللّه؟

قال: كنّا إذا زنا الشّريف تركناه و إذا أخذنا الضّعيف‏ (1) أقمنا عليه الحدّ، فكثر الزّنا في أشرافنا حتّى زنا ابن عمّ ملك لنا فلم نرجمه، ثمّ زنا رجل آخر فأراد الملك رجمه.

فقال له قومه: لا، حتّى ترجم فلانا، يعنون: ابن عمّه. فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرّجم يكون على الشّريف و الوضيع. فوضعنا الجلد و التّحميم. و هو أن يجلد أربعين جلدة ثمّ يسوّد وجوههما ثمّ يحملان على حمارين و يجعل وجوههما من قبل دبر الحمار و يطاف بهما. فجعلوا هذا مكان الرّجم.

فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به! و ما كنت‏ (2) لما أثنينا عليك بأهل و لكنّك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك.

فقال: إنّه أنشدني بالتّوراة، و لو لا ذلك ما أخبرته به.

فأمر بهما النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرجما عند باب مسجده، و قال: أنا أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأنزل اللّه- سبحانه- فيه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فقام ابن صوريا فوضع يده على ركبتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ قال: هذا مقام العائذ باللّه و بك أن تذكر

____________

(1) المصدر: «إذا زنا الضعيف» بدل «إذا أخذنا الضعيف».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: و ما كنت لنا.

66

لنا الكثير الّذي أمرت أن تعفو عنه. فأعرض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك.

قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ‏ (15):

قيل‏ (1): النّور، محمّد. و الكتاب، القرآن.

و قيل‏ (2): كلاهما من القرآن. و أيّد بتوحيد الضّمير في «به».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) قال: يعني: بالنّور أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-.

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ‏: توحيد الضّمير إمّا لأنّ المراد بهما واحد، أو لأنّهما في الحكم كواحد.

مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ‏: [من اتّبع موجب رضاه. و هو الإيمان‏] (4).

سُبُلَ السَّلامِ‏: طرق السّلامة من العذاب. أو سبل اللّه.

وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: من أنواع الكفر إلى الإسلام.

بِإِذْنِهِ‏: بإرادته و توفيقه.

وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (16): طريق هو أقرب الطّرق إلى اللّه.

و إلى جنّته.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏:

قيل‏ (5): هم الّذين قالوا بالاتّحاد منهم.

و قيل‏ (6): لم يصرّح به أحد منهم، و لكن لمّا زعموا أنّ فيه لاهوتا و قالوا: لا إله إلّا واحد، لزمهم أن يكون هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم و تفضيحا لمعتقدهم.

قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: فمن يمنع من قدرته و إرادته شيئا.

إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:

____________

1 و 2- التفسير الكبير، للفخر الرازي 11/ 189- 190، باختلاف بسيط في بعض الألفاظ.

(3) تفسير القمي 1/ 164.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) أنوار التنزيل 1/ 268.

(6) نفس المصدر و الموضع.

67

استدلّ به على فساد قولهم.

و تقريره: أنّ المسيح مقدور و مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، و من كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهيّة.

وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (17): إزاحة لما عرض لهم في أمره من الشّبهة. و المعنى: أنّه- تعالى- قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السّماوات و الأرض، و من أصل كخلق ما بينهما. فينشئ من أصل ليس من جنسه كآدم و حوّاء و كثير من الحيوان. أو من أصل يجانسه من أنثى وحدها كعيسى. أو منهما كسائر النّاس.

وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ‏:

قيل‏ (1): أشياع ابنيه: عزير و المسيح. كما قيل لأشياع [خبيب عبد اللّه‏] (2) بن الزّبير: الخبيبون. أو المقربون عنده، قرب الأولاد من الآباء (3).

قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ‏: في الدّنيا، بالقتل و المسخ و الأسر. و اعترفتم أنّه سيعذّبكم بالنّار «أيّاماً معدودة» فلا يصحّ ما زعمتم.

بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ‏: ممّن خلقه اللّه.

يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ: منكم. و هو من آمن به و برسله.

وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: و هو من كفر.

و المعنى: أنّه يعاملكم معاملة سائر النّاس، لا مزيّة لكم عليهم.

وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما: كلّها، سواء في كونه خلقا و ملكا.

وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18): فيجازي المحسن بإحسانه، و المسي‏ء بإساءته.

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ‏:

قيل‏ (4): أي: الدّين، و حذف لظهوره. أو ما كتمتم، و حذف لتقدّم ذكره.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: «و الدهم» و هو الظاهر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

68

و قيل: ما يحتاج إلى البيان، و هو أولى. و يجوز أن لا يقدّر مفعول، على معنى:

يبذل لكم البيان. و الجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبيّنا لكم.

عَلى‏ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ‏: متعلّق «بجاءكم»، أي: جاءكم على حين فتور من الإرسال و انقطاع من الوحي.

قيل‏ (1): أو يبيّن حال من الضّمير فيه‏ (2).

قال الصّدوق- (رحمه اللّه)- في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3): معنى الفترة:

أن لا يكون نبيّ و لا وصيّ ظاهر مشهور، و قد كان بين نبيّنا و بين عيسى- (عليهما السلام)- أنبياء و أئمّة مستورون خائفون، منهم خالد بن سنان العبسي لا يدفعه دافع و لا ينكره منكر، و كان بين مبعثه و مبعث نبيّنا خمسون سنة. (انتهى كلامه).

و تصديق ذلك،

قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (4): لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهر مشهور و إمّا خائف مغمور.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن علي بن عمرو بن أيمن جميعا، عن محسن بن أحمد بن معاذ، عن أبان بن عثمان، عن بشير النّبّال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالسا، إذ جاءته امرأة، فرحّب بها و أخذ بيدها و أقعدها، ثمّ قال: ابنة نبيّ ضيّعه قومه، خالد بن سنان دعاهم فأبوا أن يؤمنوا.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا محمّد بن الوليد الخزّاز و السّنديّ بن محمّد البزّاز جميعا، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن‏

____________

(1) نفس المصدر 1/ 269.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أو حال من الضمير في يبيّن.

(3) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 659، بتفاوت في النقل.

(4) نهج البلاغة/ 497، حكمة 147.

(5) الكافي 8/ 282، ح 540.

(6) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 659- 660، ح 3.