تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج8

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
488 /
25

الجزء الثامن‏

تفسير سورة الكهف‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

سورة الكهف مكّيّة، إلّا قوله: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. فإنّها نزلت بالمدينة في قصة عيينة بن حصين الفزاريّ.

[و هي مائة و إحدى عشرة آية.] (1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة لم يمت إلّا شهيدا، و يبعثه اللّه من‏ (3) الشّهداء، و وقف يوم القيامة مع الشّهداء.

و في الكافي‏ (4): الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن أيّوب عن نوح، عن محمّد بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة كانت كفّارة ما بين الجمعة إلى الجمعة.

قال‏ (5): و روى غيره- أيضا- فيمن قرأها يوم الجمعة بعد الظّهر و العصر، مثل ذلك.

و في مجمع البيان‏ (6): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من‏

____________

(1) ليس في ج.

(2) ثواب الأعمال/ 134.

(3) المصدر: مع.

(4) الكافي 3/ 429، ح 7.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) مجمع البيان 3/ 447.

28

قرأها فهو معصوم ثمانية أيّام من كلّ فتنة، فإن خرج الدّجّال في [تلك‏] (1) الثّمانية أيّام عصمه اللّه من فتنة الدّجّال.

سمرة بن جندب‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ عشر آيات من سورة الكهف [حفظا] (3) لم يضرّه فتنة الدّجال، و من قرأ السّورة كلّها دخل الجنّة.

و عن النّبيّ‏ (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا أدلّكم على سورة شيّعها سبعون‏ (5) ألف ملك حين نزلت، ملأت عظمتها ما بين السّماء و الأرض؟

قالوا: بلى.

قال: سورة أصحاب الكهف، من قرأها يوم الجمعة غفر اللّه له إلى الجمعة الأخرى و زيادة ثلاثة أيّام، و أعطي نورا يبلغ السّماء، و وقي فتنة الدّجّال.

و روى الواحدي‏ (6)، بإسناده إلى أبي الدّرداء: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من حفظ عشر آيات من أوّل‏ (7) سورة الكهف [ثمّ أدرك الدجّال لم يضرّه، و من حفظ خواتيم سورة الكهف‏] (8) كانت له نورا يوم القيامة.

و روى- أيضا-، بالإسناد (9)، عن سعيد بن محمّد الحرمي‏ (10)، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ستّة أيّام من كلّ فتنة تكون، فإن خرج الدّجّال عصم منه.

و في عيون الأخبار (11)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل، و فيه: سأله:

كم حجّ آدم من حجة؟

فقال له: سبعين حجّة ماشيا على قدميه، و أوّل حجّة حجّها كان معه الصّرد يدلّه على مواضع الماء، و خرج معه من الجنّة، و قد نهي عن أكل الصّرد و الخطّاف.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ، ب.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ب.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) المصدر: الجزمي.

(11) العيون 1/ 243.

29

و سأله: ما باله لا يمشي؟

فقال: لأنّه ناح على بيت المقدس فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه، و لم يزل يبكي مع آدم- (عليه السلام)-. فمن هناك سكن البيوت، و معه تسع آيات من كتاب اللّه ممّا كان آدم يقرأها (1) في الجنّة، و هي معه إلى يوم القيامة، ثلاث آيات من أوّل الكهف، و ثلاث [آيات‏] (2) من‏ سُبْحانَ الَّذِي‏ و إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏ (3)، و ثلاث آيات من يس‏ وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (4).

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ‏، يعني: القرآن. رتّب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنّه أعظم نعمائه، و ذلك لأنّه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، و الدّاعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش و المعاد.

وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1): شيئا من العوج، باختلال في اللّفظ و تناقض في المعنى‏ (5)، أو انحراف من الدّعوة إلى جناب الحقّ. و هو في المعاني، كالعوج في الأعيان.

قَيِّماً: مستقيما معتدلا لا إفراط فيه و لا تفريط. أو قيّما بمصالح العباد، فيكون وصفا له بالتّكميل بعد وصفه بالكمال. أو قيّما على سائر (6) الكتب السّابقة يشهد بصحّتها. أو قيّما دائما يدوم و يثبت إلى يوم القيامة، لا ينسخ.

و انتصابه بمضمر، تقديره: جعله قيّما. أو على الحال من الضّمير في «له» أو من «الكتاب» على أنّ الواو في «و لم يجعل» للحال دون العطف، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه، و لذلك قيل: فيه تقديم و تأخير (7).

[قال عليّ بن إبراهيم‏ (8) في تفسيره: هذا مقدّم و مؤخّر،] (9) لأن معناه: الّذي أنزل على عبده الكتاب قيّما و لم يجعل له عوجا، فقد قدّم حرف على حرف.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقرأ بها.

(2) من المصدر.

(3) الإسراء/ 45.

(4) يس/ 8.

(5) لو فسّر العوج في المعنى بما لا يقبله العقل السليم لكان أولى ليعمّ التناقض و غيره.

(6) ليس في أ، ب، ر.

(7) أي: من جعل الواو للعطف و «قيما» حالا من «الكتاب» لزمه أن يقول: بأنّ في هذا التّركيب تقديما و تأخيرا، فيكون «قيّما» حقيقة مؤخّرا لفظا.

(8) تفسير القمّي 2/ 30.

(9) ليس في أ، ب، ر.

30

و قرئ‏ (1): «قيما».

«لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي: لينذر الّذين كفروا عذابا شديدا، فحذف المفعول الأوّل اكتفاء بدلالة القرينة (2)، و اقتصارا على الغرض المسوق إليه.

مِنْ لَدُنْهُ‏: صادرا من عنده.

و قرأ (3) أبو بكر، بإسكان الدّال، و كسر النّون لالتقاء السّاكنين، و كسر الهاء للإتباع.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن البرقيّ، عمّن رواه، رفعه، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ‏ قال: «البأس الشّديد» عليّ، و هو من لدن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاتل معه عدوّه، فذلك قوله: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن محمّد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ‏.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: «البأس الشّديد» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و هو من لدن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و قاتل معه‏ (6) عدوّه، فذلك قوله:

لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.

وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2): هو الجنّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن الحسن بن صالح قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: لا تقرأ «يبشّر» إنّما البشر، بشر الأديم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 4.

(2) فيه أنّ القرينة لا تدلّ على اعتبار خصوص الكافرين، بل على اعتبار عموم العاصين لأنّ الإنذار مناسب لمطلق العصاة، و كذا المقابلة بالذين آمنوا و عملوا الصّالحات و قد يقال: المراد من البأس الشديد: العذاب الذي بلغ الغاية، و هو مخصوص الكافرين.

(3) أنوار التنزيل 2/ 4.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 321، ح 2

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 291.

(6) ليس في المصدر.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 321، ح 3

31

قال: فصلّيت بعد ذلك خلف الحسن، فقرأ: «تبشّر».

ماكِثِينَ فِيهِ‏: في الأجر.

أَبَداً (3): بلا انقطاع.

وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4).

خصّهم بالذّكر، فكرّر الإنذار متعلّقا بهم، استعظاما لكفرهم. و إنّما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدّم ذكره.

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏، أي: بالولد (1). أو باتّخاذه. أو بالقول، و المعنى: أنّهم يقولون عن جهل مفرط و توهّم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الّذي أرادوا به، فإنّهم كانوا يطلقون الأب و الابن بمعنى: المؤثر و الأثر (2). أو باللّه، إذ لو علموه لما جوّزوا نسبة الاتّخاذ إليه‏ (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏ قال‏ (5): [ما] (6) قالت قريش حين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه، و ما قالت اليهود و النّصارى في قولهم: عزير ابن اللّه، و المسيح ابن اللّه.

وَ لا لِآبائِهِمْ‏: لأسلافهم الّذين مضوا قبلهم على مثل ما هم عليه اليوم، و إنّما يقولون ذلك عن جهل و تقليد من غير حجّة.

كَبُرَتْ كَلِمَةً: عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التّشبيه و التّشريك و إيهام احتياجه- تعالى- إلى ولد يعينه و يخلفه إلى غير ذلك من الزّيغ.

و «كلمة» نصب على التّمييز.

____________

(1) أي: ليس لهم علم بما يترتّب على كون الولد للّه- تعالى- من المحالات.

(2) قوله: «من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به ... الخ»، أي: من غير علم الأواخر منهم بالمعنى الذي أرادته الأوائل منهم من اللقط الذي كانوا يقولونه، و أنّهم كانوا يقولون: الابن على الأثر و الأب على المؤثر. فلم يفهم الأواخر ما أراده الأوائل فتوهّموا أنّ مراد الأوائل من لفظ الابن: الولد.

(3) هذا دليل يتعلّق بكلّ من التقادير، أي: لو علموا ما يترتّب على كون الولد ولدا لما جوّزوا ... الخ. أو علموا ما في الاتّخاذ أو لو علموا ما أراد به الأوائل منهم لما جوّزوا.

(4) تفسير القمّي 2/ 30.

(5) ليس في المصدر.

(6) من المصدر.

32

و قرئ‏ (1) بالرّفع، على الفاعليّة.

تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ‏: صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم‏ (2)، و الخارج بالذّات هو الهواء الحامل لها.

و قيل‏ (3): صفة محذوف هو المخصوص بالذّمّ‏ (4)، لأنّ «كبر» هاهنا بمعنى: بئس.

و قرئ‏ (5): «كبرت» بالسّكون مع الإشمام.

إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (5) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏: قاتلها عَلى‏ آثارِهِمْ‏: إذا ولّوا عن الإيمان.

شبّهه لما يداخله من الوجد على تولّيهم بمن فارقته أعزّته، فهو يتحسّر على آثارهم، و يبخع نفسه وجدا عليهم.

و قرئ‏ (6): «باخع نفسك» على الإضافة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏ يقول: قاتل نفسك‏ (8) على آثارهم.

إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ‏: بهذا القرآن.

أَسَفاً (6): للتّأسّف عليهم، أو متأسّفا عليهم‏ (9).

و «الأسف» فرط الحزن و الغضب.

و قرئ: (10) «أن» بالفتح، على «لأن»، فلا يجوز إعمال «باخع» إلّا إذا جعل حكاية حال ماضية (11).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 4.

(2) لمّا كان من المعلوم أنّ الكلمة تخرج من أفواههم، ففائدة التّنبيه بهذه الصّفة تفيد استعظامها فكان كبرها باعتبار هذه الصّفة، أي: هي كلمة يجب أن لا يتكلّم بها أحد، فالتكلّم بها لا يكون إلّا لعظم الجرأة.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) و المعنى: كبرت كلمة قول يخرج من أفواههم‏

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمّي 2/ 31

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لنفسك.

(9) أي: «أسفا» إمّا مفعول له ب «باخع» لأنّ البخع و التأسّف فعلا فاعل واحد، و إمّا حال عنه.

(10) أنوار التنزيل 2/ 4.

(11) يعني: إذا قرئ: «إن» بالكسر كان «باخع» للاستقبال فيوجد شرط عمله فينصب «نفسك».

و أمّا إذا قرئ: «أن» بالفتح كان «باخع» للماضي، لأنّ «إن لم يؤمنوا» للماضي، لأنّ‏

33

إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ‏: من الحيوان و النّبات و المعادن.

زِينَةً لَها: و لأهلها.

لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7): في تعاطيه، و هو من زهد فيه، و لم يغترّ به، و قنع منه بما يزجي به أيّامه، و صرفه على ما ينبغي. و فيه تسكين لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في روضة الكافيّ‏ (1)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، يقول فيه- (عليه السلام)-: و اعلموا أنّ اللّه لم يحبّ زهرة الدّنيا و عاجلها لأحد من أوليّائه و لم يرغّبهم فيها و في عاجل زهرتها و ظاهر بهجتها، و إنّما خلق الدّنيا و خلق أهلها ليبلوهم فيها أيّهم أحسن عملا لآخرته.

وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (8): تزهيد فيه.

و «الجرز»: الأرض الّتي قطع نباتها، [مأخوذ من الجرز] (2) و هو القطع، و المعنى: إنّا لنعيد ما عليها من الزّينة ترابا مستويا بالأرض، و نجعله كصعيد أملس لا نبات فيه.

أَمْ حَسِبْتَ‏: بل حسبت.

أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ‏: في إبقاء حياتهم مدّة مديدة كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (9).

و قصّتهم بالإضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس و الأنواع الفائتة للحصر

____________

نفسك لأجل عدم إيمانهم في الماضي، و لا يعمل في المفعول إلّا إذا جعل «باخع» حكاية حال ماضية، أي: لتصوير تلك الحالة في ذهن المخاطب حتّى كأنّه واقع في ذلك الزّمان فيوجد شرط عمله. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون إن لم يؤمنوا» للماضي و «باخع» للحال و الاستقبال، و المعنى: لعلّك باخع نفسك في الحال أو المستقبل لتولّيهم في الزمان الماضي. قلنا: تفوت المبالغة في وجده- (صلّى اللّه عليه و آله)- على تولّيهم، إذ التأكيد في أن يكون البخع في بدء زمان التّولّي لا بعده. و من هذا يعلم أنّ «لم» لا تقلب المضارع إلى الماضي إذا اجتمعت مع «إن» الشّرطيّة، و إذا اجتمعت مع «أن» الناصبة قلبتها إلى المضيّ، و الفرق أنّ الناصبة قد تدخل على فعل ماضي لفظا و معنى، كقوله- تعالى-: لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا و أمّا «إن» الشّرطية فليست كذلك فلقوتها غلبت على «لم».

(1) الكافي 8/ 75.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 4.

34

على طبائع متباعدة و هيئات متخالفة تعجب النّاظرين من مادّة واحدة ثمّ ردّها إليها ليس بعجيب، مع أنّه من آيات اللّه كالنّزر الحقير.

و «الكهف» الغار الواسع في الجبل، و إذا صغر فهو غار.

و «الرّقيم» اسم الجبل، أو الوادي الّذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، أو لوح [رصاصي أو] (1) حجريّ رقمت فيه أسماؤهم و جعلت على باب الكهف.

و قيل‏ (2): أصحاب الرّقيم قوم آخرون، كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم‏ (3) فأخذتهم السّماء، فآووا إلى الكهف فانحطّت صخرة و سدّت بابه، فقال أحدهم‏ (4):

اذكروا أيّكم عمل حسنة (5)، لعلّ اللّه يرحمنا ببركته.

فقال واحد منهم: استعملت أجراء ذات يوم، فجاء رجل وسط النّهار و عمل في بقيّته مثل عملهم، فأعطيته مثل أجرهم، فغضب أحدهم و ترك أجره، فوضعته في جانب البيت، ثمّ مرّبيّ بقر فاشتريت به فصيلة (6) فبلغت ما شاء اللّه، فرجع إليّ بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه، و قال لي: إنّ لي عندك حقّا. و ذكره لي حتّى‏ (7) عرفته، فدفعتا إليه جميعا، الّلهمّ، إن كنت فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنّا. فانصدع الجبل حتّى رأوا الضّوء.

و قال آخر: كان فيّ فضل، و أصابت النّاس شدّة، فجاءتني امرأة فطلبت منّي معروفا، فقلت: و اللّه‏ (8)، ما هو دون نفسك. فأبت، و عادت ثمّ رجعت ثلاثا، ثمّ ذكرت لزوجها، فقال: أجيبي له و أعيني‏ (9) عيالك. فأتت و سلّمت إليّ نفسها، فلمّا تكشّفتها و هممت بها ارتعدت، فقلت: مالك؟ قالت: أخاف اللّه. فقلت لها: خفته في الشّدّة و لم أخفه في الرّخاء؟

فتركتها و أعطيتها ملتمسها، الّلهمّ، إن [كنت‏] (10) فعلته لوجهك‏ (11) فأفرج عنّا.

فانصدع حتّى تعارفوا.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 5.

(3) أي: يلتمسون شيئا لأهلهم من طعام و غيره.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بحسنة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فصيلته.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و ذكر حتّى.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لا و اللّه.

(9) المصدر: أغيثي.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لأجلك.

35

و قال الثّالث: كان [لي‏] (1) أبوان همّان‏ (2)، و كانت لي غنم، و كنت أطعمهما و أسقيهما ثمّ أرجع إلى غنمي، فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح‏ (3) حتّى أمسيت، فأتيت أهلي و أخذت محلبي فحلبت فيه و مضيت إليهما، فوجدتهما نائمين، فشقّ عليّ أن أوقظهما، فتوقّعت‏ (4) جالسا و محلبي على يدي حتّى أيقظهما الصّبح فسقيتهما، الّلهمّ، [إن كنت‏] (5) فعلته لوجهك، فأفرج عنّا. ففرّج اللّه عنهم فخرجوا ... روى ذلك نعمان بن بشير مرفوعا.

و

في مجمع البيان‏ (6): و قيل‏ إنّ: أصحاب الرّقيم هم النّفر الثّلاثة الّذين دخلوا في غار فانسدّ عليهم، فقالوا: فليدع‏ (7) اللّه- تعالى- كلّ واحد منّا بعمله‏ (8) حتّى يفرّج اللّه عنّا.

[ففعلوا] (9). فنجّاهم اللّه. رواه النّعمان بن البشير مرفوعا.

و في محاسن البرقي‏ (10): عنه، [عن عبد اللّه،] (11) عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن المفضّل بن صالح، عن جابر الجعفيّ، يرفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: خرج ثلاثة (12) نفر يسيحون في الأرض، فبينما هم يعبدون اللّه في كهف في قلّة جبل حين‏ (13) حتّى بدت صخرة من أعلى الجبل حتّى التقمت باب الكهف.

فقال بعضهم لبعض: عباد اللّه، [و اللّه،] (14) ما ينجيكم ممّا وقعتم إلّا أن تصدقوا اللّه فهلمّ ما عملتم للّه خالصا، فإنّما ابتليتم‏ (15) بالذّنوب.

فقال أحدهم: الّلهمّ، أن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها و جمالها، فأعطيت فيها مالا ضخما، حتّى إذا قدرت عليها و جلست منها مجلس الرّجل من المرأة ذكرت النّار

____________

(1) من المصدر.

(2) الهمّ: الشيخ الكبير.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فلم أرح.

و في النسخ: فهم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتوقّفت.

(5) من المصدر.

(6) المجمع 3/ 452.

(7) المصدر: ليدعوا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: كلّ واحد ما يعمله.

(9) من المصدر.

(10) المحاسن/ 253، ح 277.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: ثلاث.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى.

(14) ليس في أ، ب، ر.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: أسلمتم.

36

فقمت عنها فرقا (1) منك، الّلهمّ، فرفع عنّا هذه الصّخرة. فانصدعت، حتّى نظروا إلى الصّدع.

ثم قال الآخر: الّلهمّ، إنّ كنت تعلم أنّي استأجرت قما يحرثون كلّ رجل منهم بنصف درهم، فلمّا فرغا أعطيتهم أجورهم، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين، و اللّه، لا آخذ إلّا درهما واحدا. و ترك ماله عندي، فبذرت بذلك النّصف الدّرهم في الأرض فأخرج اللّه من ذلك رزقا، و جاء صاحب النّصف الدّرهم فأراده، فدفعت إليه عشرة آلاف درهم‏ (2)، فإن كنت تعلم إنّما فعلته مخافة منك فارفع عنّا هذه الصّخرة.

فانفرجت عنهم، حتّى نظر بعضهم إلى بعض.

ثمّ أنّ الآخر قال: اللّهمّ، إنّ كنت تعلم أنّ أبي و أمّي كانا نائمين، فأتيتهما بقعب من لبن، فخفت أن أضعه أن تلج‏ (3) فيه هامّة، و كرهت أن أوقظهما من النّوم فيشقّ ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتّى استيقظا و شربا، الّلهمّ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فارفع عنا هذه الصّخرة. فانفرجت لهم، حتّى سهل لهم طريقهم.

[ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من صدق اللّه نجا.]

(4) و في الخرائج و الجرائح‏ (5): عن المنهال بن عمر قال: و اللّه، أنا رأيت رأس الحسين- (عليه السلام)- حين حمل، و أنا بدمشق، و بين يديه رجل يقرأ الكهف حتّى بلغ قوله:

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. فأنطق اللّه- تعالى- الرّأس بلسان ذرب طلق قال: أعجب من أصحاب الكهف حملي و قتلي.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب: و روى أبو مخنف، عن الشّعبي: أنّه صلب رأس الحسين- (عليه السلام)- بالصّياف‏ (7) في الكوفة، فتنحنح الرّأس و قرأ سورة الكهف إلى قوله: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏.

و سمع أيضا يقرأ: أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام‏

____________

(1) أ، ب: خوفا.

(2) المصدر: فدفعت إليه ثمان عشرة آلاف.

(3) المصدر: تمجّ.

(4) من المصدر.

(5) نور الثقلين 3/ 243، ح 15.

(6) المناقب 4/ 61.

(7) المصدر: بالصيارف.

(8) الكافي 1/ 448، ح 28.

37

بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الإيمان و أظهروا الشّرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن درست الواسطيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: ما بلغت تقيّة أحد تقيّة (2) أصحاب الكهف، إذ كانوا يشهدون الأعياد و يشدّون الزّنانير فأعطاهم‏ (3) اللّه أجرهم مرّتين.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عبد اللّه‏ (5) بن يحيى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه ذكر أصحاب الكهف، فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم؟

فقيل له: و ما كلّفهم قومهم‏ (6)؟

فقال: كلّفوهم الشّرك باللّه العظيم، فأظهروا لهم الشّرك و أسرّوا الإيمان حتّى جاءهم الفرج.

عن أبي بصير (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر، فآجرهم اللّه [مرّتين‏] (8).

عن محمّد (9)، عن أحمد بن عليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً قال: هم قوم فرّوا، و كتب ملك ذلك الزّمان بأسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم في صحف من رصاص، فهو (10) قوله:

أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ‏.

عن أبي بكر الحضرميّ‏ (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خرج أصحاب الكهف على غير معرفة و لا ميعاد، فلمّا صاروا في الصّحراء أخذ بعضهم على بعض العهود و المواثيق، يأخذ هذا على هذا و هذا على هذا، ثم قالوا: أظهروا أمركم. فأظهروه، فإذا على أمر واحد.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 218، ح 8.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ما بلغت فئة أحد فئة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و يشهدون الزنابير و أعطاهم. و الزنانير: جمع الزنّار: حزام يشدّه النصرانيّ على وسطه.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 323، ح 8.

(5) المصدر: عبيد اللّه.

(6) ليس في ب.

(7) نفس المصدر/ 321، ح 4.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 321، ح 5.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فهم.

(11) نفس المصدر/ 322، ح 6.

38

عن الكاهليّ‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر. و كانوا على إجهار الكفر أعظم أجرا منهم على الإسرار بالإيمان.

عن سليمان بن جعفر النّهديّ‏ (2) قال: قال لي جعفر بن محمّد- (عليه السلام)‏-: يا سليمان، من الفتى؟

قال: قلت: جعلت فداك، الفتى عندنا الشّابّ.

قال لي: أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولا فسمّاهم اللّه فتية بإيمانهم، يا سليمان، من آمن باللّه و اتّقى، فهو الفتى.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: لرّجل: ما الفتى عندكم؟

فقال له: الشّابّ.

فقال: لا، الفتى المؤمن، إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسمّاهم اللّه- عزّ و جلّ- فتية بإيمانهم.

و روي‏ (4) عن سدير الصّيرفيّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: حديث بلغني [عن الحسن البصريّ، فإن كان حقّا، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

قال: و ما هو؟

قلت: بلغني‏] (5) أنّ الحسن كان يقول: لو غلى دماغه من حرّ الشّمس ما استظّل بحائط صيرفيّ، و لو تفرّثت‏ (6) كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفيّ ماء. و هو عملي و تجارتي، و عليه نبت لحمي و دمي، و منه حجّتي و عمرتي.

قال: فجلس- (عليه السلام)- ثمّ قال: كذب الحسن، خذ سواء و أعط سواء، و إذا حضرت الصّلاة فدع ما بيدك و انهض إلى الصّلاة، أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة، يعني: صيارفة الكلام، و لم يعن صيارفة الدراهم‏ (7).

____________

(1) نفس المصدر/ 323، ح 10.

(2) نفس المصدر/ 323، ح 11.

(3) الكافي 8/ 395، ح 595.

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 96، ح 370.

(5) من المصدر.

(6) أي: تفرّقت.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و لم يكونوا صيارفة دراهم. أقول: «الصّرف» هو بيع النقود، كبيع الذّهب بالفضّة أو الدّينار بالدّرهم.

و صيارفة- جمع الصيرفيّ-: و هو النّقّاد، و الهاء للنّسبة. ثمّ إنّ المشهور كراهية بيع الصّرف، لأنّه يفضي إلى المحرّم أو المكروه غالبا. و لعلّ هذا

39

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشي:

عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أعبل، عن أبيه، عن أبي رافع‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، قال فيه‏ بعد أن ذكر عيسى، ثمّ يحيى بن زكريّا، ثمّ العزير، ثمّ دانيال، ثمّ مكيخا بن دانيال- (عليهم السلام)- و ملوك زمانهم: فعند ذلك ملك شابور بن هرمز اثنين و سبعين سنّة، و هو أوّل من عقد التّاج و لبسه، و ولي أمر اللّه- عزّ و جلّ- يومئذ (3) أنشوا (4) بن مكيخا. و ملك بعد [ذلك‏] (5) أردشير، أخو شابور سنتين، و في زمانه بعث اللّه الفتية أصحاب الكهف و الرّقيم، و ولي أمر اللّه في الأرض يومئذ و سيخا بن أنشوا (6) بن مكيخا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و قوله- عزّ و جلّ-: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً يقول: قد آتيناك من الآيات‏ (8) ما هو أعجب منه، و هو فتية

____________

الخبر إنّما ورد ردّا على من يرى إباحته متمسّكا بعمل أصحاب الكهف.

و قال المجلسيّ (ره) بعد نقل هذا الخبر: لعلّه- (عليه السلام)- إنّما ذكر ذلك إلزاما عليهم حيث ظنّوا إنهم كانوا صيارفة الدراهم.

(انتهى). و قد رواه الصّدوق (ره) في الفقيه و ليس فيما رواه قوله: «يعني: صيارفة كلام ...

الخ» كما أنّ الظاهر أنّه من كلام الرّاوي أو الكليني (ره). نعم، ورد في بعضها التّصريح بأنهم صيارفة الكلام، كما في حديث العياشي، ثم قال الصدوق (ره) بعد نقل الحديث: يعني:

صيارفة الكلام و لم يعن صيارفة الدراهم.

(انتهى) و ذكر المجلسي (ره) في وجه حمل الصدوق (ره) الخبر على هذا المعنى وجوها يطول المقام بذكرها، و على الطالب أن يراجع البحار.

و عن بعض شرّاح الحديث: أنّ المعنى: كأنّ الإمام- (عليه السلام)- قال لسدير: مالك و لقول الحسن البصريّ؟ أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة الكلام و نقدة الأقاويل، فانتقدوا ما قرع أسماعهم فاتبعوا الحقّ و رفضوا الباطل و لم يسمعوا أمانّي أهل الضلال و أكاذيب رهط النفاهة، فأنت أيضا كن صيرفيّا لما يبلغك من الأقاويل فانتقدوا آخذا بالحقّ رافضا للباطل.

و ليس المراد: أنهم كانوا صيارفة الدراهم، كما هو المتبادر إلى بعض الأوهام، لأنّهم كانوا فتية من أشراف الرّوم مع عظم شأنهم و كبر خطرهم.

(1) كمال الدين/ 227، ضمن ح 20.

(2) المصدر: عمّن حدّثه أسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه أبي رافع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و هو يومئذ.

(4) المصدر: أنشو.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: دسيخا بن أنشو.

(7) تفسير القمّي 2/ 31.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الملك.

40

كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و أما الرّقيم فهما لو حان من نحاس مرقوم، أي: مكتوب فيهما أمر الفتية، و أمر إسلامهم، و ما أراد منهم دقيانوس الملك، و كيف كان أمرهم و حالهم.

و قال عليّ بن إبراهيم‏ (1): فحدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سبب نزول سورة الكهف، أنّ قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران، يعني‏ (2): النّضر بن الحارث بن كلدة، و عقبة ابن أبي معيط، و العاص بن وائل السّهميّ، ليتعلّموا من اليهود و النّصارى مسائل يسألونها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم.

فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل، فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق، ثمّ سلوه عن مسألة واحدة فإن أدّعى علمها فهو كاذب.

قالوا: و ما هذه المسائل؟

قالوا: سلوه عن فتية كانوا في الزّمن الأوّل فخرجوا و غابوا و ناموا، كم‏ (3) بقوا في نومهم حتّى انتبهوا، و كم كان عددهم، و أيّ شي‏ء كان معهم [من غيرهم‏] (4)، و ما كان قصّتهم؟ و اسألوه عن موسى حين أمره اللّه- عزّ و جلّ- أن يتبع العالم و يتعلّم منه من هو، و كيف تبعه، و ما كان قصته‏ (5) معه؟ و اسألوه عن طائف طاف [من‏] (6) مغرب الشّمس و مطلعها حتّى بلغ سدّ يأجوج و مأجوج، من هو، و كيف كان قصّته؟

ثمّ أملوا عليهم أخبار (7) هذه الثّلاث مسائل و قالوا لهم: إن أجابكم بما قد أملينا عليكم فهو صادق، و إن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدّقوه.

قالوا: فما المسألة الرّابعة؟

قالوا: سلوه متّى تقوم السّاعة؟ فإن ادّعى علمها فهو كاذب فإنّ قيام السّاعة لا يعلمها (8) إلّا اللّه- تبارك و تعالى-.

فرجعوا إلى مكّة و اجتمعوا إلى أبي طالب- رضي اللّه عنه- فقالوا: يا أبا طالب،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع‏

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: و كم.

(4) ليس في ب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قصّة.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أحبارهم.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لما يعلمها.

41

إنّ ابن أخيك يزعم أنّ خبر السّماء يأتيه و نحن نسأله عن مسائل، فإن أجابنا عنها علمنا أنّه صادق، و إن لم يجبنا عملنا أنّه كاذب.

فقال أبو طالب: سلوه‏ (1) عمّا بدا لكم.

سألوه عن الثّلاث مسائل. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: غدا أخبركم.

و لم يستثن، فاحتبس الوحي عليه أربعين يوما حتّى اغتمّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و شكّ أصحابه الّذين كانوا آمنوا به، و فرحت قريش [و استهزؤوا] (2) و آذوا، و حزن أبو طالب، فلمّا كان بعد أربعين يوما نزل عليه سورة (3) الكهف. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، لقد أبطأت؟؟

فقال: إنّا لا نقدر أن ننزل إلّا بإذن اللّه- تعالى-. [فأنزل‏] (4): أَمْ حَسِبْتَ‏ يا محمّد أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ‏ و في مجمع البيان‏ (5): قالوا: هذه الفتية قوم آمنوا باللّه- تعالى- و كانوا يخفون الإسلام خوفا من ملكهم، و كان اسم الملك دقيانوس، و أسم مدينتهم أفسوس، و كان ملكهم يعبد الأصنام و يدعو إليها (6) و يقتل من خالفه.

و قيل‏ (7): كان مجوسيّا يدعو إلى دين المجوس، و الفتية كانوا على دين المسيح لما برح‏ (8) أهل الإنجيل.

و قيل‏ (9): كان من خواصّ الملك، و كان يسرّ كلّ واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثمّ اتّفق أنّهم‏ (10) اجتمعوا و أظهروا أمرهم فآووا إلى الكهف.

و قيل‏ (11): إنّهم كانوا قبل بعث عيسى.

فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: توجب لنا المغفرة و الرّزق و الأمن من العدوّ.

وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا: من الأمر الّذي نحن عليه من مفارقة الكفّار.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سألوه.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) المصدر: بسورة.

(4) من المصدر.

(5) المجمع 3/ 452.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و يدعوا لها.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فرج.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أيّهم.

(11) نفس المصدر و الموضع.

42

رَشَداً (10): نصير بسببه راشدين مهتدين. أو اجعل لنا من أمرنا كلّه رشداً (1)، كقولك: رأيت منك أسدا.

و أصل التّهيئة إحداث هيئة الشّي‏ء.

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ‏، أي: ضربنا عليهم حجابا يمنع السّماع، أي: أنمناهم إنامة لا تنبّههم الأصوات. فحذف المفعول، كما حذف في قوله: بنى على امرأته‏ (2).

فِي الْكَهْفِ سِنِينَ‏: ظرفان «لضربنا».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصل بقوله: أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. ثمّ قصّ قصّتهم فقال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً.

فقال الصّادق- (عليه السلام)‏-: إن أصحاب الكهف و الرّقيم كانوا في زمن ملك جبّار عات، و كان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله، و كان هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون اللّه- عزّ و جلّ-. و وكّل الملك بباب المدينة و كلاء لم يدع أحدا يخرج‏ (4) حتّى يسجد للأصنام، فخرج هؤلاء بحيلة الصّيد (5)، و كان قد مرّوا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، و كان من الرّاعي كلب فأجابهم الكلب و خرج معهم.

فقال الصّادق- (عليه السلام)‏-: لا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاثة: حمار بلعم بن باعورا، و ذئب يوسف، و كلب أصحاب الكهف. فخرج أصحاب الكهف من المدينة بعلّة (6) الصّيد هربا من دين ذلك الملك، فلمّا أمسوا دخلوا إلى ذلك الكهف و الكلب معهم، فألقى اللّه- عزّ و جلّ- عليهم النّعاس، كما قال اللّه- تعالى-: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً.

عَدَداً (11)، أي: ذوات عدد. و وصف السّنين به يحتمل التّكثير و التّقليل،

____________

(1) ففيه مبالغتان: إحداهما جعل الأمر نفس الرّشد، فهو كزيد عدل، لأن الرّشد مصدر.

و الثّانية تجريد الرّشد من الأمر و فانتزع من الأمر الرّشد مثله.

(2) أي: بني الحجاب عليها.

(3) تفسير القمّي 2/ 32.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى يخرج.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فخرجوا هؤلاء الأربعة الصّيد.

(6) المصدر: بحيلة.

43

فإنّ مدّة لبثهم كبعض يوم عنده‏ (1).

ثُمَّ بَعَثْناهُمْ‏: أيقظناهم.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الصّادق- (عليه السلام)‏-: يخرج مع القائم- (عليه السلام)- من ظهر الكوفة (3) سبعة و عشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى- (عليه السلام)- الّذين كانوا يهدون بالحقّ و به يعدلون، و سبعة من أهل الكهف، و يوشع بن نون، و سلمان‏ (4)، و أبا دجانة الأنصاريّ، و المقداد، و مالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارا و حكّاما.

لِنَعْلَمَ‏، أي: ليظهر معلومنا على ما علمناه، و المعنى: لننظر أيّ الحزبين من المؤمنين و الكافرين من قوم أصحاب الكهف عدّ أمد لبثهم و علم ذلك.

و قيل‏ (5): يعني بالحزبين: أصحاب الكهف، لما استيقظوا اختلفوا في تعداد لبثهم.

أَيُّ الْحِزْبَيْنِ‏: المختلفين منهم أو من غيرهم في مدّة لبثهم.

أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً (12): ضبط أمدا لزمان لبثهم.

و ما في «أيّ» من معنى الاستفهام علّق عنه «لنعلم»، فهو مبتدأ و «أحصى» [خبره، و هو] (6) فعل ماض و «أمدا» مفعوله. و «لما لبثوا» قيل‏ (7): حال منه‏ (8)، أو مفعول له.

و قيل‏ (9): إنّه المفعول، و «الّلام» مزيدة، و «ما» موصولة، و «أمدا» تمييز.

و قيل‏ (10): «أحصى» اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزّوائد، كقولهم: هو

____________

(1) قوله: «و وصف السّنين به ..» أي: فائدة وصف السّنين به يحتمل أن يكون لإفادة الكثرة، أي: سنين كثيرة. و يحتمل التّقليل، أي: سنين قليلة، و وصفها بالقلّة مع كونها أكثر من ثلاثمائة لأنّها كبعض يوم عنده لقوله- تعالى-: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ و إذا كان يوم عنده- تعالى- كألف سنة ممّا تعدّون كان السّنين المذكورة كبعض اليوم.

(2) روضة الواعظين/ 266.

(3) المصدر: الكعبة.

(4) ليس في ب.

(5) مجمع البيان 3/ 452.

(6) ليس في ب.

(7) أنوار التنزيل 2/ 5.

(8) و التقدير: أمدا كافيا للبثهم، ف «ما» مصدريّة

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع.

44

أحصى للمال و أفلس من ابن المذلق. و «أمدا» نصب بفعل دلّ عليه «أحصى» (1).

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قد رجع إلى الدّنيا ممّن‏ (3) مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف، أماتهم اللّه‏ (4) ثلاثمائة عام [و تسعة] (5)، ثمّ بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع‏ (6) حجّتهم و ليريهم قدرته، و (7) ليعلموا أنّ البعث حقّ.

و في كتاب طبّ الأئمّة (8)- (عليهم السلام)-: عوذة للصّبيّ إذا كثر بكاؤه، و لمن يفزع باللّيل‏ (9)، و للمرأة إذا سهرت من وجع‏ فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً. حدّثنا أبو المقر (10) الواسطي قال:

حدّثنا محمّد بن سليمان، عن مروان بن الجهم، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مأثورة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال ذلك.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ‏: بالصّدق.

إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ‏: شبّان، جمع، فتيّ، كصبيّ و صبية.

وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏ (13): بالتّثبيت.

و في أصول الكافي‏ (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و فيه بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها (12).

قلت: قد فهمت نقصان الإيمان و تمامه، فمن أين جاءت زيادته؟

____________

(1) أي: أحصى أمدا، فيكون «أحصى» الأوّل اسم تفضيل، و «أحصى» الثاني فعلا ماضيا بمعنى: ضبط، كما مرّ.

(2) عنه في نور الثقلين 3/ 256.

(3) المصدر: ممّا.

(4) ليس في ب.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لينقطع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ليريهم قدرتهم أو.

(8) طبّ الأئمّة/ 36.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: به اللّيل.

(10) المصدر: أبو المعز. و في نور الثقلين 3/ 250، ح 32: أبو المغرا.

(11) الكافي 2/ 34 و 37، ح 1.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و بين ذلك.

45

فقال: قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ‏. و قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏. و لو كان كلّه واحد لا زيادة فيه و لا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر، و لاستوت النّعم، و لاستوى النّاس و بطل التّفضيل، و لكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه، و بالنّقصان دخل المفرّطون النّار.

وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏: و قوّيناها بالصّبر على هجر الموطن و الأهل و المال، و مخالفة دقيانوس الجبّار الّذي فتن أهل الإيمان عن دينهم.

إِذْ قامُوا: بين يديه.

فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)، أي: إن دعونا مع اللّه إلها، و اللّه، لقد قلنا قولا ذا شطط، أي: ذا بعد عن الحقّ مفرطا في الظّلم.

و «الشطط» الخروج عن الحدّ بالغلوّ، و أصله: مجاوزة الحدّ في البعد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول- عزّ و جلّ-: لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، يعني: جورا على اللّه- تعالى- إن قلنا أنّ له شريكا.

هؤُلاءِ: مبتدأ. قَوْمُنَا: عطف بيان. اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً: خبره.

و هو إخبار في معنى إنكار.

لَوْ لا يَأْتُونَ‏: هلّا يأتون.

عَلَيْهِمْ‏: على عبادتهم.

بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ‏: ببرهان ظاهر، فإنّ الدّين لا يؤخذ إلّا به.

و فيه دليل على أنّ ما لا دليل عليه من الدّيانات مردود، و أن التّقليد فيه غير جائز (3).

____________

(1) التوبة/ 125- 126.

(2) تفسير القمّي 2/ 34.

(3) قيل: أي: من أصول الدّين مردود، و لا يصحّ التّقليد في الأصول.

46

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15): بنسبة الشّريك [إليه‏] (1).

وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ‏: خطاب بعضهم لبعض.

وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ‏: عطف على الضّمير المنصوب، أي: و إذا اعتزلتم القوم و معبوديهم إلّا اللّه، فإنّهم كانوا يعبدون اللّه و يعبدون الأصنام، كسائر المشركين.

و يجوز أن تكون «ما» مصدرية، على تقدير: و إذا اعتزلتموهم و عبادتهم إلّا عبادة اللّه.

قال ابن عباس‏ (2): و هذا من قول تلميخا، و هو رئيس أصحاب الكهف.

و قيل‏ (3): يجوز أن تكون «ما» نافية، على أنّه إخبار من اللّه- تعالى- عن الفتية بالتّوحيد معترض بين «إذ» و جوابه لتحقيق اعتزالهم.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ‏: يبسط الرّزق لكم، و يوسع عليكم.

مِنْ رَحْمَتِهِ‏: في الدّارين.

وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16): ما ترتفقون به، أي: تنتفعون.

و جزمهم بذلك لنصوع [يقينهم و قوّة وثوقهم بفضل اللّه.

و قرأ (4) نافع و ابن عامر: «مرفقا»: بفتح الميم و كسر] (5) الفاء، و هو مصدر جاء شاذّا، كالمرجع و المحيض، فإنّ قياسه الفتح.

وَ تَرَى الشَّمْسَ‏: لو رأيتهم، و الخطاب لرسول اللّه أو لكلّ أحد.

إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ‏: تميل عنه و لا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأنّ الكهف كان جنوبيّا (6)، أو لأنّ اللّه زوّرها عنهم.

و أصله: تتزاور، فأدغمت التّاء في الزّاء.

____________

و يمكن أن يقال: المراد «من الدّيانات» مطلق الأمور الدّينيّة، أصولا و فروعا، و أمّا كون شخص مقلّدا لآخر في المذهب فليس من التّقليد بلا دليل، بل قول المجتهد دليل عليه.

(1) ليس في ب.

(2) مجمع البيان 3/ 454.

(3) أنوار التنزيل 2/ 6.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) أي: بابه مقابل القطب الشمالي و هو ذاهب إلى جانب الجنوب.

47

و قرأ (1) الكوفيون بحذفها. و ابن عامر و يعقوب تزور، كتحمر.

و قرئ‏ (2): «تزوار»، كتحمار. و كلّها من الزّور بمعنى: الميل.

ذاتَ الْيَمِينِ‏: جهة اليمين، و حقيقتها الجهة ذات اسم اليمين.

وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ‏: تقطعهم و تصرم عنهم.

ذاتَ الشِّمالِ‏، يعني: يمين الكهف و شماله، لقوله: وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ‏، أي: و هم في متّسع من الكهف، يعني: في وسطه، بحيث ينالهم روح الهواء و لا يؤذيهم كرب الغار و لا حرّ الشّمس.

قيل‏ (3): و ذلك لأنّ باب الكهف في مقابلة بنات النّعش‏ (4)، و أقرب المشارق و المغارب إلى محاذاته مشرق‏ (5) رأس السّرطان و مغربه، و الشّمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة [عنه، مقابلة] (6) لجانبه الأيمن و هو الّذي يلي المغرب و تغرب محاذية لجانبه الأيسر، فيقع شعاعها على جانبيه‏ (7) و يحلّل عفونته و يعدل‏ (8) هواءه، و لا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم و يبلي ثيابهم.

ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ‏، أي: شأنهم و إيواؤهم إلى الكهف شأنه كذلك. أو إخبارك قصّتهم. أو ازورار الشّمس عنهم و قرضها طالعة و غاربة من آياته.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ‏: بالتّوفيق.

فَهُوَ الْمُهْتَدِ: الّذي أصاب الفلاح، و المراد به: إمّا الثّناء عليهم، أو التّنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة و لكن المنتفع بها من وفّقه اللّه- تعالى- للتّأمّل فيها و الاستبصار بها.

وَ مَنْ يُضْلِلْ‏: و من يخذله.

فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17): من يليه و يرشده.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 6.

(4) أي: بنات نعش الكبرى و الصّغرى التي تدور قريب القطب الشمالي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: شرق.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في ر: جنبته. و في غيرها:

جنبيه.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتبدل.

48

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الورّاق و محمّد بن أحمد السنائي‏ (2) و عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق- رضي اللّه عنه- قالوا: حدّثنا أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر (3) بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن جعفر بن سليمان البصريّ‏ (4)، عن عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يضلّ الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. و قال اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً: لانفتاح عيونهم. أو لكثرة تقلّبهم.

وَ هُمْ رُقُودٌ: نيام.

وَ نُقَلِّبُهُمْ‏: في رقدتهم.

ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏: كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزّمان.

«و قرئ‏ (7): «يقلّبهم» بالياء، و الضّمير للّه- تعالى-. و «تقلّبهم» على المصدر، منصوبا بفعل يدلّ عليه «و تحسبهم»، أي: و ترى تقلّبهم.

و قيل‏ (8): كانوا يقلبون كلّ عام‏ (9) مرّتين.

و قيل‏ (10): كان تقلّبهم كلّ عام مرّة.

وَ كَلْبُهُمْ‏.

____________

(1) التّوحيد/ 241.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن عليّ الثاني.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بكير.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: النصري.

(5) إبراهيم/ 32.

(6) يونس/ 9.

(7) أنوار التنزيل 2/ 7.

(8) مجمع البيان 3/ 456.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: كانوا يتقلّبون في عام.

(10) نفس المصدر و الموضع.

49

قيل‏ (1): هو كلب مرّوا به فتبعهم، فطردوه مرارا فأنطقه اللّه- تعالى- فقال لهم: ما تريدون منّي؟ فلا تخشون خيانتي، أنا أحبّ أحباء اللّه، فناموا (2) و أنا أحرسكم.

و قيل‏ (3): إنّهم هربوا من ملكهم ليلا فمرّوا براع معه كلب فتبعهم [على دينهم‏] (4) و تبعه كلبه‏ (5).

و يؤيّده قراءة من قرأ (6): «و كالبهم»، أي: [و صاحب‏] (7) كلبهم.

و قد مرّ في رواية عليّ بن إبراهيم‏ (8): أنّ الرّاعي لم يتبعهم و تبعهم كلبه.

و قيل‏ (9): كان ذلك كلب صيدهم.

و قيل‏ (10): كان ذلك الكلب أصفر.

و قيل‏ (11): كان أنمر (12) و اسم قطمير.

و في مجمع البيان‏ (13): و في تفسير الحسن: أنّ ذلك الكلب مكث هناك ثلاثمائة سنة و تسع سنين بغير طعام و لا شراب و لا نوم و لا قيام.

باسِطٌ ذِراعَيْهِ‏: حكاية حال ماضية، و لذلك أعمل اسم الفاعل.

بِالْوَصِيدِ.

قيل‏ (14): بفناء الكهف.

و قيل‏ (15): الوصيد الباب.

و قيل‏ (16): العتبة.

و قيل‏ (17): بباب الفجوة. أو فناء الفجوة لا بباب الكهف، لأنّ الكفّار خرجوا إلى باب الكهف في طلبهم ثمّ انصرفوا، و لو رأوا الكلب على باب الغار لدخلوه، و كذلك لو كان بالقرب من الباب‏ (18) لما انصرفوا آيسين عنهم، فإنّهم سدّوا باب الغار بالحجارة فجاء

____________

(1) يوجد ما في معناه في أنوار التنزيل 2/ 7، و مجمع البيان 3/ 456.

(2) كذا في المصدرين. و في النسخ: فتناموا.

(3) مجمع البيان 3/ 456.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الكلب.

(6) أنوار التنزيل 2/ 7.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) تفسير القمّي 2/ 33.

9 و 10 و 11- مجمع البيان 3/ 456.

(12) أي: على لون النّمر، و هو أن تكون فيه بقعة بيضاء و بقعة أخرى على أيّ لون كان.

(13) المجمع 3/ 456.

14 و 15 و 16 17- نفس المصدر و الموضع.

(18) كذا في المصدر. و في النسخ: بالقرب بالباب.

50

رجل بماشيته إلى باب الغار و أخرج الحجارة و اتّخذ لماشيته كنّا من عند باب الغار، و هم كانوا في فجوة من الغار.

لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ‏: فنظرت إليهم.

و قرئ‏ (1): «لو اطّلعت» بضمّ الواو.

لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً: لهربت منهم.

و «فرارا» يحتمل المصدر، لأنّه نوع من التّولية و العلّة [و الحال‏] (2).

وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18): خوفا يملأ صدرك بما ألبسهم اللّه من الهيبة، أو لعظم أجرامهم و انفتاح عيونهم، أو لطول أظفارهم و شعورهم.

و قيل‏ (3): لوحشة مكانهم.

روى سعيد بن جبير (4)، عن ابن عبّاس قال: غزوت مع معاوية نحو الرّوم، فمرّوا بالكهف [الّذي فيه أصحاب الكهف‏] (5).

فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم.

فقلت له: ليس لك ذلك، و قد منع اللّه- تعالى- من هو خير منك، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً.

فلم يسمع، و بعث ناسا، فلمّا دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم‏ (6).

قيل‏ (7): و لا يمتنع أنّ الكفّار لما أتوا إلى باب الكهف فزعوا من وحشة المكان، فسدّوا باب الكهف ليهلكوا فيه، و جعل- سبحانه- ذلك‏ (8) لطفا بهم‏ (9) لئلّا ينالهم مكروه من سبع و غيره، و ليكونوا محروسين من كلّ سوء.

و قرأ (10) الحجازيان: «لملئت» بالتّشديد للمبالغة، و ابن عامر و الكسائي و يعقوب:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 7.

(2) ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 2/ 7.

(4) مجمع البيان 3/ 456.

(5) من المصدر.

(6) يوجد في المجمع هذه الفقرة هكذا: فقال معاوية: لا أنتهي حتّى أعلم علمهم. فبعث رجالا. فلمّا دخلوا الكهف، أرسل اللّه عليهم ريحا أخرجتهم.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فجعل ذلك سبحانه.

(9) ليس في المصدر.

(10) أنوار التنزيل 2/ 7.

51

«رعبا» بالتّثقيل.

وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ‏: و كما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا.

لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ‏: ليتساءل بعضهم بعضا فيتعرّفوا حالهم و ما صنع اللّه بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة اللّه- تعالى-، و يستبصروا به أمر البعث، و يشكروا ما أنعم اللّه‏ (1) به عليهم.

قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏: بناء على غالب ظنّهم، لأنّ النّائم لا يحصي مدّة نومه، و لذلك أحالوا العلم إلى اللّه- تعالى- قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ‏.

و يجوز أن يكون ذلك قول بعضهم، و هذا إنكار الآخرين عليهم.

و قيل‏ (2): إنّهم دخلوا الكهف غدوة و انتبهوا ظهيرة و ظنّوا أنّهم في يومهم [أو اليوم‏] (3) الّذي بعده قالوا ذلك، فلمّا نظروا إلى طول أظفارهم و أشعارهم قالوا هذا، ثمّ لمّا علموا أنّ الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمّهم و قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

و «الورق» الفضّة مضروبة كانت أو غيرها. و كان معهم دراهم على صورة الملك الّذي كان في زمانهم.

و قرأ (4) أبو عمرو و حمزة و الكسائي و أبو بكر و روح، عن يعقوب، بالتّخفيف‏ (5).

و قرئ‏ (6)، بالتّثقيل و إدغام القاف في الكاف، و بالتّخفيف مكسور الواو مدغما و غير مدغم.

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً، أي: أطهر و أحلّ ذبيحة، لأنّ عامّتهم كانوا مجوسا و فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم.

و قيل‏ (7): أطيب طعاما. [و قيل:] (8) أكثر طعاما، لأنّ خير الطّعام إنّما يوجد عند من كثر طعامه.

____________

(1) من ب.

(2) أنوار التنزيل 2/ 7.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 7- 8.

(5) أي: بتسكين الراء.

(6) نفس المصدر/ 8.

(7) مجمع البيان 3/ 457

(8) من المصدر.

52

و قيل‏ (1): كان من [طعام‏] (2) أهل المدينة ما لا يستحلّه أهل الكهف.

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن إبراهيم بن عقبة، عن محمّد بن ميسر، عن أبيه، عن أبي جعفر أو عن أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- في قول اللّه: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ‏ قال: أزكى طعاما التّمر.

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ‏: و ليتكلّف اللّطف في المعاملة حتّى لا يغبن، أو في التّخفّي حتّى لا يعرّف.

وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19): و لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى الشّعور.

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏: إن يطّلعوا عليكم، أو يظفروا بكم. و الضّمير للأهل المقدّر في «أيّها».

يَرْجُمُوكُمْ‏: يقتلوكم بالرّجم.

أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ‏: أو يصيّروكم إليها كرها، من العود، بمعنى:

الصّيرورة.

و قيل‏ (4): كانوا أوّلا على دينهم فآمنوا.

وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20): إن دخلتم في ملّتهم.

وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ‏: و كما أنمناهم و بعثناهم لتزداد بصيرتهم أطلعنا عليهم أهل المدينة.

لِيَعْلَمُوا: ليعلم الّذين أطلعناهم على حالهم.

أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بالبعث، أو الموعود الّذي هو البعث.

حَقٌ‏: لأنّ نومهم و انتباههم، كحال من يموت ثمّ يبعث.

وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها: و أنّ القيامة لا ريب في إمكانها، [فإنّ من توفّى نفوسهم و أمسكها ثلاثمائة سنين، حافظا أبدانها عن التّحلّل و التّفتّت ثمّ أرسلها] (5) إليها، قدر أن يتوفّى نفوس جميع النّاس ممسكا إيّاها إلى أن يحشر أبدانها فيردّها عليها.

إِذْ يَتَنازَعُونَ‏: ظرف «لأعثرنا»، أي: أعثرنا عليهم حين يتنازعون.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من المصدر.

(3) المحاسن/ 531 و ح 779.

(4) أنوار التنزيل 2/ 8.

(5) ليس في أ، ب، ر.

53

بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏: أمر دينهم، و كان بعضهم يقول‏ (1): تبعث الأرواح مجرّدة دون الأجساد، و بعضهم يقول: يبعثان معا، ليرتفع الخلاف، و يتبيّن أنّهما يبعثان معا.

أو أمر الفتية حين أماتهم اللّه ثانيا بالموت، فقال بعضهم، ماتوا، و قال آخرون:

فاموا نومهم أوّل مرّة. أو قالت طائفة نبني عليهم بنيانا يسكنه النّاس و يتّخذونه قرية، و قال آخرون: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً يصلّى فيه، كما قال- تعالى- فَقالُوا.

و في مجمع البيان‏ (2): أي: قال مشركو (3) ذلك الوقت‏ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي:

استروهم من النّاس، بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان.

رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏: [معناه: ربّهم أعلم بحالهم فيما تنازعوا فيه. و قيل: إنّه قال ذلك بعضهم، و معناه: ربّهم، أي: خالقهم الّذي أنامهم و بعثهم أعلم بحالهم و كيفيّة أمرهم.

و قيل: معناه: ربّهم أعلم بهم أ أحياء نيام هم أم أموات، فقد قيل: إنّهم ماتوا.

و قيل: إنّهم لا يموتون إلى يوم القيامة] (4).

قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ‏.

قيل‏ (5): يعني: الملك المؤمن و أصحابه.

و قيل‏ (6): أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين.

و قيل‏ (7): رؤساء البلد [الّذين استولوا على أمرهم‏].

لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21) [أي معبدا و موضعا للعبادة و السّجود يتعبّد النّاس فيه ببركاتهم، و دلّ ذلك على أنّ الغلبة كانت للمؤمنين.

و قيل: مسجدا يصلّى فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا ... عن الحسن.] (8) و قوله: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏ اعتراض، إمّا من اللّه ردّا على الخائضين.

في أمرهم من أولئك المتنازعين، أو من المتنازعين [في زمانهم، أو من المتنازعين‏] (9) فيهم على عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو من المتنازعين للرّدّ إلى اللّه‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) المجمع 3/ 460.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ بدل هذه العبارة: المشركون في.

4 و 5 و 6 و 7- مجمع البيان 3/ 460.

(8) من المصدر.

(9) من أنوار التنزيل 2/ 8.

54

بعد ما تذاكروا أمرهم و تناقلوا الكلام في أنسابهم و أحوالهم فلم يتحقّق لهم ذلك.

حكي أنّ المبعوث لمّا دخل السّوق و أخرج الدّرهم، و كان عليه اسم دقيانوس، اتّهموه بأنّه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك، و كان نصرانيا موحّدا، فقصّ عليه القصص، فقال بعضهم: إنّ آباءنا أخبرونا أنّ الفتية فرّوا بدينهم من دقيانوس، فلعلّهم هؤلاء. فانطلق الملك و أهل المدينة من مؤمن و كافر و أبصروهم و كلّموهم، ثمّ قالت الفتية للملك: [نستودعك اللّه،] (1) و نعيذك به من شرّ الجنّ و الإنس. ثمّ رجعوا إلى مضاجعكم فماتوا، فدفنهم الملك في الكهف و بنى عليهم مسجدا.

و قيل‏ (2): لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانكم حتّى أدخل أوّلا لئلّا يفزعوا. فدخل فعمي عليهم المدخل، فبنوا ثمّة (3) مسجدا.

سَيَقُولُونَ‏، أي: الخائضون في قصّتهم في عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أهل الكتاب و المؤمنين.

ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ‏، أي: هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم.

قيل‏ (4): هو قول اليهود.

و قيل‏ (5): هو قول السّيّد من نصارى نجران، و كان يعقوبيّا (6).

وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ‏.

قيل‏ (7): قاله النّصارى، أو العاقب منهم و كان نسطوريّا.

رَجْماً بِالْغَيْبِ‏: يرمون رميا بالخبر الخفيّ الّذي لا مطلع لهم عليه و إتيانا به.

أو ظنّا بالغيب، من قولهم: رجم بالغيب: إذا ظنّ.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أي: هناك.

4 و 5- نفس المصدر/ 9.

(6) اعلم أنّ أئمّة النّصارى كانت: يعقوب و نسطور و ملكا، و كلّهم ذهبوا إلى الأقانيم، أي:

الأصول الثّلاثة: الأب و الابن و روح القدس، المعبّر عندهم عن الوجود و الحياة و العلم. و قالوا:

إنّ اللّه- تعالى- جوهر واحد و هو هذه الأقانيم الثلاثة. ثمّ إنّ الملكانيّة قالت: أقنوم العلم اتحّدت بجسد المسيح و تدرّعت بناسوته بطريق الامتزاج، كالحرّ بالماء .. و قالت النّسطوريّة:

اتحّدت بطريق الإشراق، كما تشرق الشّمس من كوّة على بلّور. و قالت اليعقوبية: اتحّد بطريق الانقلاب لحما و دما بحيث صار الإله هو المسيح.

(7) نفس المصدر/ 9.

55

و إنّما لم يذكر بالسّين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه.

وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏.

قيل‏ (1): إنّما قاله المسلمون بإخبار الرّسول لهم عن جبرئيل- (عليه السلام)-، و إيماء اللّه إليه بأن أتبعه قوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ‏. و أتبع الأوّلين قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ‏. و بأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطّوائف في الثّلاثة المذكورة، فإنّ عدم إيراد رابع في هذا المحلّ دليل العدم مع أنّ الأصل‏ (2) ينفيه. ثمّ ردّ الأوّلين بأن أتبعهما قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ‏ ليتعيّن الثّالث، و بأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنّكرة تشبيها لها بالواقعة حالا من المعرفة، لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف، و الدّلالة على أنّ اتّصافه بها أمر ثابت.

و روي بطريق عامّيّ‏ (3)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّهم سبعة و ثامنهم كلبهم، أسماؤهم: تمليخا و مكشلينا و مشلينا (4)، هؤلاء أصحاب يمين الملك، و مرنوش و دبر نوش و سارينوش‏ (5)، أصحاب يساره، و كان يستشيرهم، و السّابع الرّاعي الّذي وافقهم، و اسم كلبهم: قطمير، و اسم مدينتهم: أفسوس.

و روي ذلك عن ابن عبّاس- أيضا-.

و في رواية ابن عباس‏ (6): أنّ اسم الرّاعي كشيوطينوس‏ (7).

و قيل‏ (8): الأقوال الثّلاثة لأهل الكتاب و القليل منهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، في الحديث السّابق المنقول، عن الصّادق، متّصلا بقوله: سِنِينَ عَدَداً. فناموا حتّى أهلك اللّه- عزّ و جلّ- ذلك الملك و أهل مملكته، و ذهب ذلك الزّمان و جاء زمان آخر و قوم آخرون، ثمّ انتبهوا فقال بعضهم لبعض: كم نمنا هاهنا؟ فنظروا إلى الشّمس قد ارتفعت‏ (10) فقالوا: نمنا يوما أو بعض يوم. ثمّ قالوا لواحد منهم: خذ هذا الورق و ادخل في المدينة متنكّرا لا يعرفوك، فاشتر لنا طعاما، فإنّهم إن‏

____________

(1) نفس المصدر/ 9.

(2) أي أصل العدم.

(3) أنوار التنزيل 2/ 9.

(4) المصدر: يمليخا و مكشلينيا و مشلينيا.

(5) المصدر: شاذنوش.

(6) مجمع البيان 3/ 460.

(7) المصدر: كشوطبنونس.

(8) أنوار التنزيل 2/ 9.

(9) تفسير القمّي 2/ 33.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: قد انقضت.

56

علموا بنا و عرفونا، يقتلونا أو يردّونا (1) في دينهم.

فجاء ذلك الرّجل فرأى المدينة بخلاف الّذي عهدها، و رأى قوما بخلاف أولئك لم يعرفهم و لم يعرفوا لغته‏ (2) و لم يعرف لغتهم، فقالوا له: من أنت، و من أين جئت؟ فأخبرهم، فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه و الرّجل معهم حتّى وقفوا على باب الكهف، و أقبلوا يتطلّعون فيه، فقال بعضهم: هؤلاء ثلاثة و رابعهم كلبهم. و قال بعضهم: هم خمسة و سادسهم كلبهم. و قال بعضهم هم سبعة و ثامنهم كلبهم. و حجبهم اللّه- عزّ و جلّ- بحجاب من الرّعب فلم يكن أحد يقدم بالدّخول عليهم غير صاحبهم، فإنّه لمّا دخل عليهم‏ (3) وجدهم خائفين أن يكون أصحاب دقيانوس شعروا بهم، فأخبرهم صاحبهم أنّهم كانوا نائمين هذا الزّمان الطّويل، و أنّهم آية للنّاس، فبكوا و سألوا اللّه- تعالى- أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين، كما كانوا.

ثمّ قال الملك: ينبغي أن يبنى‏ (4) هاهنا مسجد و نزوره، فإنّ هؤلاء قوم مؤمنون.

فلهم في كلّ سنة نقلتان، ينامون ستّة أشهر على جنوبهم اليمنى، و ستّة أشهر على جنوبهم اليسرى، و الكلب معهم قد بسط ذراعيه بفناء الكهف.

فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً: فلا تجادل في شأن الفتية إلّا جدالا ظاهر غير متعمّق‏ (5) فيه، و هو أن تقصّ عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم و الرّدّ عليهم.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-:

إيّاكم و المراء و الخصومة، فإنّهما يمرضان القلب على الإخوان و ينبت عليهما النّفاق.

و بإسناده‏ (7)، قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: ثلاث من لقى اللّه- عزّ و جلّ- بهنّ دخل الجنّة من أي باب شاء: من حسن خلقه، و خشي اللّه في المغيب و المحضر، و ترك المراء و إن كان محقّا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قتلونا أو ردّونا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الفتية.

(3) المصدر: إليهم.

(4) ب: يكون.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 9. و في النسخ: غير متيقّن.

(6) الكافي 2/ 300، ح 1.

(7) نفس المصدر، ح 2.

57

بإسناده‏ (1) إلى عمّار بن مروان‏ (2): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: لا تمارينّ حليما و لا سفيها، فإنّ الحليم يقليك‏ (3) و السّفيه يؤذيك.

و في كتاب التّوحيد (4): عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أنا زعيم‏ (5) بيت في أعلى الجنّة و بيت في وسط الجنّة و بيت في رياض الجنّة لمن ترك المراء، و إن كان محقّا.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من يضمن [لي‏] (7) أربعة بأربعة أبيات في الجنّة؟ من أنفق و لم يخف فقرا.

إلى قوله: و ترك المراء و إن كان محقّا.

عن جعفر بن محمّد (8)، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أربع خصال‏ (9) يمتن القلب: الذّنب على الذّنب، و كثرة منافثة النّساء، يعني: محادثتهنّ، و مماراة الأحمق تقول و يقول و لا يرجع إلى جزاء أبدا.

(الحديث) وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22): و لا تسأل أحدا منهم عن قصّتهم سؤال مسترشد، فإنّ فيما أوحي إليك لمندوحة (10) عن غيره مع أنّه لا علم لهم بها، و لا سؤال متعنّت يريد تفضيح المسئول عنه و تزييف ما عنده فإنّه مخلّ بمكارم الأخلاق.

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: نهي تأديب من اللّه- تعالى- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين‏

قالت اليهود لقريش: سلوه عن الرّوح و أصحاب الكهف و ذي القرنين. فسألوه: فقال: ائتوني غدا أخبركم. و لم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتّى شقّ عليه و كذّبته قريش.

و الاستثناء من النّهي، أي: و لا تقولنّ لشي‏ء تعزم عليه: [إنّي فاعله‏] (11) فيما

____________

(1) نفس المصدر/ 301، ح 4.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 612. و في النسخ: عليّ بن مروان.

(3) كذا في المصدر. أي: يبغضك. و في النسخ:

يغليك.

(4) التوحيد/ 461، ح 34.

(5) أي: كفيل.

(6) الخصال/ 223، ح 52.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 228، ح 65.

(9) ليس في المصدر.

(10) أي: لسعة و فسحة.

(11) ليس في ب.

58

تستقبله إلّا بأن يشاء اللّه، أي: إلّا متلبّسا بمشيئته، قائلا: إن شاء اللّه. أو إلّا وقت أن يشاء اللّه أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه.

قيل‏ (1): و لا يجوز تعليقه «بفاعل» لأنّ استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد، و استثناء اعتراضها دونه لا يناسب النّهي‏ (2).

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم قال: أمر أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بكتاب في حاجة، فكتب ثمّ عرض عليه و لم يكن فيه استثناء.

فقال: كيف رجوتم أن يتمّ هذا و ليس فيه استثناء؟ انظروا إلى كلّ موضع لا يكون فيه استثناء فاستثنوا فيه.

وَ اذْكُرْ رَبَّكَ‏: مشيئة ربّك، و قل: إن شاء اللّه، كما روي‏ (4): أنّه لمّا نزل قال- (عليه السلام)-: إن شاء اللّه.

إِذا نَسِيتَ‏: تركت الاستثناء.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جميلة، المفضّل بن صالح، عن محمّد الحلبي و زرارة عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ قال: إذا حلف الرّجل فنسي أن يستثني فليستثن [إذا ذكر] (6).

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏-

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 9.

(2) فيكون المعنى: أنّي فاعل ذلك إلّا أن يشاء اللّه أن أفعله، فلزم أنّه إن شاء اللّه فعله لم يفعل، و هذا غير سديد، كما لا يخفي. و إن كان المعنى:

إلّا أن يشاء اللّه عدم فعلي، لا يناسبه النّهي، بل لا وجه للنهي عنه، و هذا معنى قوله: و استثناء اعتراضها دونه، أي: اعتراض المشيئة متجاوز عن الفعل بأن يتعلّق بعدمه، أي: لو حمل الاستثناء على استثناء مانعيّة إرادة اللّه- تعالى- لفعله بأن يشاء اللّه عدم فعله، كان هذا الاستثناء لا يناسب النهي.

(3) الكافي 2/ 673، ح 7.

(4) أنوار التنزيل 2/ 9.

(5) الكافي 7/ 447، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر، ح 2.

59

في قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال:

فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا قال لآدم: ادخل الجنّة، قال: يا آدم، لا تقرب هذه الشّجرة.

قال: و أراه إيّاها.

فقال آدم لربّه: كيف أقربها و قد نهيتني عنها أنا و زوجتي؟

قال: فقال لهما: لا تقرباها، يعني: لا تأكلا منها.

فقال آدم و زوجته: نعم، يا ربّنا، لا نقربها و لا نأكل منها (2). و لم يستثنيا في قولهما: نعم. فوكلهما اللّه في ذلك إلى أنفسهما و إلى ذكرهما.

قال: و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه في الكتاب: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ أن لا أفعله، فتسبق مشيئة اللّه في أن لا أفعله فلا أقدر على أن أفعله، فلذلك قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏، [أي: استثن مشيئة اللّه في فعلك.

عدة من أصحابنا (3) (عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن) (4) أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏.] (5).

قال: ذلك في اليمين إذا قلت: و اللّه، لا أفعل كذا و كذا. فإذا ذكرت أنّك لم تستثن‏ (6) فقل: إن شاء اللّه.

عدّة من أصحابنا (7)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: الاستثناء في اليمين متى ما ذكر و إن كان بعد أربعين صباحا. ثمّ تلا هذه الآية: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

____________

(1) طه/ 115.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم نقربها و لم نأكل منها.

(3) نفس المصدر/ 448، ح 3.

(4) من المصدر. و في النسخ بدلها: و.

(5) ليس في ب.

(6) قد ورد ما بين المعقوفتين و ما بعدها إلى هنا في نسخة ب ذيل الرواية الآتية.

(7) نفس المصدر/ 448، ح 6.

60

أحمد بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحسين‏ (2)، عن عليّ بن أسباط، عن الحسن‏ (3) بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

فقال: إذا حلفت على يمين و نسيت أن تستثني، فاستثن إذا ذكرت.

و فيمن لا يحضره الفقيه‏ (4): و روي حمّاد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: للعبد أن يستثني ما بينه و بين أربعين يوما إذا نسى، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتاه أناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غدا أحدّثكم. و لم يستثن، فاحتبس جبرئيل- (عليه السلام)- عنه أربعين يوما، ثمّ أتاه فقال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

و في تهذيب الأحكام‏ (5)، بإسناده إلى عليّ بن حديد: عن مرازم قال: دخل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- يوما إلى منزل معتب و هو يريد العمرة، فتناول‏ (6) لوحا فيه [كتاب فيه‏] (7) تسمية أرزاق العيال و ما يخرج لهم، فإذا فيه: لفلان و فلان [و فلان‏] (8) و ليس فيه استثناء.

فقال: من كتب هذا الكتاب و لم يستثن فيه، كيف ظنّ أنّه يتمّ؟

ثمّ دعا بالدّواة فقال: الحق فيه [في كلّ اسم‏] (9) إن شاء اللّه- تعالى-. فالحق فيه في كلّ اسم إن شاء اللّه.

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن‏ (11) عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)- قال: إذا حلف الرّجل باللّه فله ثنيا (12) إلى أربعين يوما، و ذلك أنّ قوما من اليهود سألوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن شي‏ء،

____________

(1) نفس المصدر/ 449، ح 8.

(2) المصدر: الحسن.

(3) المصدر: الحسين.

(4) الفقيه 3/ 229، ح 1081.

(5) التهذيب 8/ 281، ح 1030.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فناول.

(7) من المصدر.

(8) ليس في ب.

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 324، ح 14.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: ثنياها. و الثنيا: الاسم من الاستثناء.

61

فقال: ائتوني‏ (1) غدا- و لم يستثن- حتّى أخبركم. فاحتبس عنه جبرئيل- (عليه السلام)- أربعين يوما، ثمّ أتاه‏ (2) و قال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

عن أبي حمزة (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- ذكر: أنّ آدم لمّا أسكنه اللّه الجنّة فقال له: يا آدم، لا تقرب هذه الشّجرة. فقال: نعم. و لم يستثن، فأمر اللّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ و لو بعد سنة.

و في رواية عبد اللّه بن ميمون‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-:

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ أن تقول: إلّا. من بعد الأربعين، فللعبد الاستثناء في اليمين ما بينه و بين أربعين‏ (5) يوما إذا نسى.

عن زرارة و محمّد بن مسلم‏ (6)، عن أبي جعفر [و أبي عبد اللّه‏] (7)- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ فقال: إذا حلف الرّجل فنسي أن يستثني فليستثن إذا ذكر.

عن حمزة بن حمران‏ (8) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

فقال: إن لم تستثن‏ (9) ثمّ ذكرت‏ (10) بعد فاستثن حين تذكر.

و في مجمع البيان‏ (11): و قوله: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ فيه وجهان:

أحدهما، أنّه كلام متّصل بما قبله. ثمّ اختلف في ذلك فقيل: معناه:

و اذكر ربّك إذا نسيت الاستثناء ثمّ تذكّرت، فقل: إن شاء اللّه. و إن كان بعد يوم أو شهر أو

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: القوني.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أتى.

(3) نفس المصدر، ح 15.

(4) نفس المصدر، ح 16.

(5) المصدر: الأربعين.

(6) نفس المصدر/ 325، ح 18.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 325، ح 19.

(9) المصدر: لم تستثنى.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ذكر.

(11) المجمع 3/ 461.

62

سنة ... عن ابن عبّاس. و قد روي ذلك عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-.

و يمكن أن يكون الوجه فيه: أنّه إذا استثنى بعد النّسيان فإنّه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثّر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، و إبطال الحنث و سقوط الكفّارة في اليمين، و هو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله.

و قيل‏ (1): و اذكر الاستثناء ما لم تقم عن المحّل‏ (2) ... عن الحسن و مجاهد.

و قيل‏ (3): و اذكر الاستثناء إذا تذكّرت ما لم ينقطع الكلام، و هو الأوجه.

و قيل‏ (4): معناه: و (5) اذكر ربّك إذا نسيت الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر ... عن الأصم‏ (6).

و الآخر (7) أنّه كلام مستأنف غير متعلّق بما قبله. ثمّ اختلف في معناه فقيل:

معناه: و اذكر ربّك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب ... عن عكرمة.

و قيل‏ (8): إنّه أمر بالانقطاع إلى اللّه- تعالى- و معناه: و اذكر ربّك إذا نسيت شيئا بك إليه حاجة تذكرة (9) لك ... عن الجبّائيّ.

و قيل‏ (10): المراد به الصّلاة (11)، و المعنى: إذا نسيت صلاة (12) فصلّها إذا ذكرت ...

عن الضّحاك و السّديّ.

وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي‏: يدلّني.

لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24): لأقرب و أظهر دلالة على أنّي نبي‏ء من نبأ أصحاب الكهف، و قد هداه لأعظم من ذلك، كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيّامهم و الإخبار بالغيوب و الحوادث النّازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام السّاعة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: المجلس.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بدل العبارة الأخيرة: ... بأن يندم على ما نطقت عنه من الجزم على الأمم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا خير.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: يذكره.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: المراد بالصلاة.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: لصلاة.

63

و قيل‏ (1): معناه: ادع أنّ [اللّه‏] (2) يذكّرك إذا نسيت شيئا و [قل‏] (3) إن لم يذكّرني اللّه بذلك الّذي نسيت فإنّه يذكّرني ما هو أنفع لي منه‏ (4) ...

وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (25)، يعني: لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم. و هو بيان لما أجمله قبل.

و قيل‏ (5): إنّه حكاية كلام أهل الكتاب، فإنّهم اختلفوا في عدّتهم، فقال بعضهم: ثلاثمائة. و قال بعضهم ثلاثمائة و تسع سنين.

و قرأ (6) حمزة و الكسائي: «ثلاثمائة سنين» بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد (7)، و يحسّنه- هاهنا- أنّ علامة الجمع فيه جبر لما حذف من الواحد، و أنّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع، و من لم يضف أبدل السّنين من ثلاثمائة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قد رجع إلى الدّنيا ممّن‏ (9) مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف، أماتهم اللّه ثلاثمائة عام و تسعة [ثمّ‏] (10) بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجّتهم، و ليريهم قدرته، و ليعلموا أنّ البعث حقّ.

و في مجمع البيان‏ (11): و روي‏ أنّ يهوديّا سأل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن مدّة لبثهم، فأخبر بما في القرآن.

فقال: إنا نجد في كتابنا ثلاثمائة.

فقال- (عليه السلام)-: ذلك بسني الشّمس، و هذا بسني القمر.

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: له ما غاب فيهما و خفي من أحوال أهلهما، فلا خلق يخفى عليه علما.

____________

(1) مجمع البيان 3/ 464.

2 و 3- من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ما هو أقرب منه.

(5) أنوار التنزيل 2/ 10.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) أي: لفظ «مائة» يضاف إلى المفرد، فإضافته إلى الجمع- هاهنا- و هو «سنين» لجعله بمنزلة المفرد.

(8) الاحتجاج 2/ 344.

(9) المصدر: ممّا.

(10) من المصدر.

(11) المجمع 3/ 463.

64

أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ‏: ذكر بصيغة التّعجّب للدّلالة على أنّ أمره في الإدراك خارج عمّا عليه إدراك السّامعين و المبصرين، إذ لا يحجبه شي‏ء و لا يتفاوت دونه لطيف و كثيف و صغير و كبير و خفيّ و جليّ.

و «الهاء» تعود إلى اللّه- تعالى-. و محلّه الرّفع على الفاعليّة، و «الباء» مزيدة، عند سيبويه، و كان أصله، أبصر، أي: صار ذا بصر، ثمّ نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضّمير لعدم لياق الصّيغة له، أو لزيادة الباء، كما في قوله: «و كفى به».

و النّصب على المفعوليّة، عند الأخفش، و الفاعل ضمير المأمور، و هو كلّ أحد، و «الباء» مزيدة إن كانت الهمزة للتّعدية، و معدّية إن كانت للصّيرورة (1).

ما لَهُمْ‏: الضّمير لأهل السّماوات و الأرض.

مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ‏: متولّي أمورهم.

وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ‏: في قضائه.

أَحَداً (26): منهم، و لا يجعل له فيه مدخلا.

و قرأ (2) ابن عامر و قالون، عن يعقوب، بالتّاء و الجزم، على نهي كلّ أحد عن الإشراك.

ثمّ لما دلّ اشتمال القرآن على قصّة أصحاب الكهف، من حيث أنّها من المغيبات بالإضافة إلى الرّسول على أنّه وحي‏ (3) معجز، أمره أن يداوم درسه و يلازم أصحابه فقال: وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ‏: من القرآن، و لا تسمع لقولهم:

ائت بقرآن غير هذا، أو بدّله.

لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ‏: لا أحد يقدر على تبديلها و تغييرها غيره.

وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27): ملتجأ تعدل إليه إن هممت به.

و في كتاب طبّ الأئمّة (4)- (عليهم السلام)-، بإسناده إلى سالم بن محمّد قال:

____________

(1) قوله: «و الفاعل ضمير المأمور» الغرض أنّ معنى التركيب في الأصل ما ذكر، و إن كان معناه في الحال غيره، بل هو بمعنى التّعجّب.

(2) أنوار التنزيل 2/ 10.

(3) ليس في ب.

(4) طبّ الأئمّة/ 32.

65

شكوت إلى الصّادق- (عليه السلام)- وجع‏ (1) السّاقين و أنّه قد أقعدني عن أمر ربّي‏ (2) و أسبابي.

فقال: عوّذهما.

قلت: بماذا، يا ابن رسول اللّه؟

قال: بهذه الآية سبع مرّات، فإنّك تعافى بإذن اللّه: «و اتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته و لن تجد من دونه ملتحدا».

قال: فعوّذتها سبعا، كما أمرني، فرفع الوجع عنّي رفعا [حتّى‏] (3) لم أحسّ بعد ذلك بشي‏ء منه.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن محمّد بن مسلم‏ (5)، رفعه، إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال عثمان بن عفّان: يا رسول اللّه، ما تفسير أبجد؟

قال: أمّا «الألف» فآلاء اللّه.

... إلى قوله- (عليه السلام)-: و أمّا «كلمن» فالكاف كلام اللّه‏ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ‏ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً.

عن عبد اللّه بن الصّامت‏ (6)، عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)-: أوصاني [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع: أوصاني‏ (7)] (8) بحبّ المساكين و الدّنوّ منهم، و أوصاني أن أقول الحقّ و إن كان مرّا. (الحديث)

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ‏: و احبسها و ثبّتها.

مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏: في مجامع أوقاتهم. أو في [طرفي‏] (9) النّهار.

و قرأ (10) ابن عامر: «بالغدوة». و فيه: أنّ «غدوة» علم في الأكثر، فتكون «الّلام» على تأويل التّنكير.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لوجع.

(2) المصدر: قد أقعدني عن أموري.

(3) من المصدر.

(4) الخصال/ 331- 332، ضمن ح 30.

(5) المصدر: سالم.

(6) نفس المصدر/ 345، ح 12.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أوصاف.

(8) يوجد في ب.

(9) من أنوار التنزيل 2/ 11.

(10) نفس المصدر و الموضع.

66

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏: رضاء اللّه و طاعته.

وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ‏: و لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم.

و تعديته «بعن» لتضمينه معنى: نبا (1).

و قرئ‏ (2): «و لا تعدّ عينيك» «و لا تعد» من عدّاه و أعداه، و المراد: نهي الرّسول أن يزدري بفقراء المؤمنين و تعلو عينه عن رثاثة زيّهم، طموحا إلى طراوة زيّ الأغنياء.

تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا: حال من الكاف‏ (3) في المشهورة، و من المستكنّ في الفعل في غيرها.

وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ‏: من جعلنا قلبه غافلا.

عَنْ ذِكْرِنا: كأميّة بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش.

و فيه تنبيه على أنّ الدّاعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات و انّهما كه في المحسوسات، حتّى خفي عليه أنّ الشّرف بحلية النّفس لا بزينة الجسد، و أنّه لو أطاعه كان مثله في الغباوة.

و إسناد الإغفال إلى اللّه- تعالى- إمّا لأنّه مثل أجبنته: إذا وجدته كذلك، أو نسبته إليه، أو من أغفل إبله: إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بذكرنا كقلوب الّذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، أو لأنّه جعله غافلا بتعريضه للغفلة، أو بخذلانه و التّخلية بينه و بين الشّيطان بتركه الأمر و اتّباعه النّهي.

و قرئ‏ (4): «أغفلنا» بإسناد الفعل إلى القلب، بمعنى: حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إيّاه بالمؤاخذة (5).

____________

(1) أي: من النّبو.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أي: من الكاف في «عيناك» قيل: و هذا خلاف القاعدة المشهورة أنّ الحال يجب أن تكون عن الفاعل أو المفعول به، إلّا أن يقال: إنّ المضاف إليه المذكور يمكن أن يجعل فاعلا بتغيير التركيب و إيراد مراد مقامه، فتأمّل.

(4) أنوار التنزيل 2/ 11.

(5) و بعد كلمة «بالمؤاخذة» ينبغي ذكر بعض الفقرات التي ليست في التفسير و هي:

وَ اتَّبَعَ هَواهُ‏، أي: لا تطع من اتّبع هواه في شهواته و أفعاله.

وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)، أي: تقدّما على الحقّ، و نبذا له وراء ظهره. يقال: فرس فرط، أي: متقدّم للخيل. و منه الفرط. وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً، اي: سرفا و إفراطا ... عن مقاتل‏

67

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فهذه نزلت في سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه- كان عليه كساء يكون فيه طعامه، و هو دثاره و رداؤه، و كان كساء من صوف، دخل عيينة بن حصين على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلمان عنده، فتأذّى عيينة بريح كساء سلمان، و قد كان عرق فيه و كان يوما شديد الحرّ فعرق في الكساء.

فقال: يا رسول اللّه، إذا نحن دخلنا عليك فأخرج هذا و اصرفه من عندك، فإذا نحن خرجنا فأدخل من شئت.

فأنزل اللّه: وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا و هو عيينة بن حصين بن‏ (2) حذيفة بن بدر (3) الفزاريّ.

و في مجمع البيان‏ (4)، عند قوله: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏- إلى قوله- أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ‏: عن ابن مسعود حديث طويل، و هناك: و قال [سلمان و] (5) خبّاب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التّميميّ و عينية بن حصين الفزاريّ و ذووهم من المؤلفة [قلوبهم‏] (6) فوجدوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاعدا مع بلال و صهيب و عمّار (7) و خبّاب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فحقروهم و قالوا (8): يا رسول اللّه، لو نحّيت هؤلاء عنك حتّى نخلو بك.

... إلى قوله: فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام‏ (9) و تركنا، فأنزل اللّه:

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏ (الآية).

فقال: فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقعد معنا و يدنو حتّى كادت‏

____________

. و الجبائيّ.

و قيل: تجاوزا للحدّ ... عن الأخفش.

و قيل: ضياعا و هلاكا ... عن مجاهد و السّديّ.

قال الزّجّاج: و من قدّم العجز في أمره أضاعه و أهلكه، فيكون المعنى في هذا: إنّه ترك الإيمان و الاستدلال بآيات اللّه و اتّبع الهوى.

(1) تفسير القمّي 2/ 34- 35.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بلد.

(4) المجمع 2/ 305- 306.

5 و 6- من المصدر.

(7) كذا في ب، المصدر. و في سائر النسخ:

عثمان.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(9) يوجد في ب، المصدر.

68

ركبتنا تمسّ ركبته، فإذا بلغ السّاعة [الّتي‏] (1) يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم.

و فيه‏ (2) هنا: نزلت الآية في سلمان و أبي ذرّ و صهيب [و عمّار] (3) و خبّاب‏ (4) و غيرهم من فقراء أصحاب الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّ المؤلّفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عينية بن حصين و الأقرع بن حابس و ذووهم، فقالوا: يا رسول اللّه، إن جلست في صدر المجلس و نحيت عنّا (5) هؤلاء و روائح صنانهم‏ (6)، و كانت عليهم جباب‏ (7) الصّوف، جلسنا نحن إليك و أخذنا عنك، فلا يمنعنا من الدّخول عليك إلّا هؤلاء.

فلمّا نزلت الآية قام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يلتمسهم، فأصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون اللّه- عزّ و جلّ- فقال: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبّر نفسي مع رجال من أمّتي، معكم المحيا و معكم الممات.

[عن عبد اللّه بن الصّامت‏ (8)،] (9) عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)-: أوصاني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع: أوصاني بحبّ المساكين و الدّنوّ منهم، و أوصاني أن أقول الحقّ و إن كان مرّا. (الحديث)

وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏: الحقّ من جهة اللّه، لا ما يقضيه الهوى.

و يجوز أن يكون‏ الْحَقُ‏ خبر محذوف، و مِنْ رَبِّكُمْ‏ حالا (10).

فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ: لا أبالي بإيمان من آمن و كفر من كفر.

و في تفسير العيّاشي‏ (11): عن عاصم الكوري‏ (12)، عن أبي عبد اللّه‏ (13)- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول‏ في قول اللّه: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ قال: وعيد.

____________

(1) من المصدر.

(2) المجمع 3/ 465.

(3) من المصدر.

(4) أ، ر: جناب. و في المصدر: حبّاب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(6) الصّنان: نتن الإبط.

(7) المصدر: جبّات.

(8) الخصال 2/ 345، ح 12.

(9) ليس في ب، أ، ر.

(10) أي: خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: الموحى عليك الحقّ كائنا من ربّكم، فيكون «من ربّكم» حالا ن الضمير المستتر في الموحى.

(11) تفسير العيّاشي 2/ 326، ح 26.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «زرارة و حمران» بدل «عاصم الكوري».

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه.

69

إِنَّا أَعْتَدْنا: هيّأنا.

لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها: فسطاطها، شبّه به ما يحيط بهم من النّار.

و قيل‏ (1): «السّرادق» الحجرة التي تكون حول الفسطاط.

و قيل‏ (2): «سرادقها» دخّانها (3).

و قيل: حائط من نار.

و في أصول الكافي‏ (4): أحمد عن‏ (5) عبد العظيم، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية هكذا:

«و قل الحقّ من ربّكم في ولاية عليّ- (عليه السلام)- فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظّالمين آل محمّد نارا.

وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا: من العطش.

يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ‏، كالنّحاس المذاب.

و قيل‏ (6): كدرديّ‏ (7) الزّيت.

و قيل‏ (8): كعكر الزّيت‏ (9)، إذا قرب إليه سقطت فروة رأسه. و في مجمع البيان‏ (10) أنّ ذلك روي مرفوعا.

و قيل‏ (11): هو القيح و الدّم.

و قيل‏ (12): هو الّذي انتهى حرّه.

و قيل‏ (13): هو ماء أسود، و أنّ جهنّم سوداء، و ماءها أسود، و شجرها سود، و أهلها سود.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 11.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: خانها.

(4) الكافي 1/ 424، ح 64.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 11.

(7) الدرديّ: ما رسب أسفل العسل و الزيت و نحوهما من كلّ شي‏ء مائع، كالأشربة و الأدهان.

(8) مجمع البيان 3/ 466.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: كعكرات.

و العكر: الراسب من كل شي‏ء.

10 و 11- نفس المصدر و الموضع.

12 و 13- المجمع 3/ 466.

70

و هو على طريقة قوله:

فأعتبوا بالصّيلم‏ (1) يَشْوِي الْوُجُوهَ‏: إذا قدّم ليشرب من فرط حرارته.

و هو صفة ثانية «لماء». أو حال من «المهل»، أو الضّمير في «الكاف» (2).

بِئْسَ الشَّرابُ‏: المهل.

وَ ساءَتْ‏: و ساءت النّار.

مُرْتَفَقاً (29): متّكئا.

و أصل الارتفاق: نصب المرفق تحت الخدّ، و هو لمقابلة قوله: «حسنت مرتفقا».

و إلّا فلا ارتفاق لأهل النّار (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية هكذا: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏، يعني: ولاية عليّ «فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظّالمين آل محمّد حقّهم نارا أحاط بهم سرادقها و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل» قال: «المهل» الذي يبقى في أصل الزّيت المغليّ‏ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): ابن أبي عمير، عن بشير، عن ابن يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: أصلحك اللّه، إنّه ربّما أصاب الرّجل منّا الضّيق و الشّدّة فيدعى إلى البناء يبنيه أو النّهر يكريه أو المسنّاة (6) يصلحها، فما تقول في ذلك؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم‏

____________

(1) الصّيلم: الأمر الشّديد. و الدّاهية. قال في الصحاح: أعتبني فلان بمعنى: أرضاني، و الصيلم الداهية، فيكون المعنى: ارضوا بالداهية، فيكون تهكّما.

(2) أي: كالمهل لأنّ المعنى: يشابه المهل.

(3) إذ الارتفاق الانتفاع.

(4) تفسير القمّي 2/ 35.

(5) التهذيب 6/ 331، ح 119.

(6) كري الأرض: حفرها. و المسنّاة: العرم، و هو ما يبنى في وجه السّيل.

71

وكاء و (1) أنّ لي ما بين لابتيها (2)، و لا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظّلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم [اللّه‏] (3) بين العباد.

محمّد بن يعقوب‏ (4)، عن الحسين بن الحسن الهاشميّ، [عن صالح بن أبي حمّاد، عن‏] (5) محمّد بن خالد، عن زياد بن سلمة قال: دخلت على أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- فقال لي: يا زياد، إنّك تعمل عمل السّلطان؟

قال: قلت: أجل.

قال لي: و لم؟

قلت: أنا رجل لي مروّة و عليّ عيال و ليس وراء ظهري شي‏ء.

فقال لي: يا زياد، لئن أسقط من حالق‏ (6) فأتقطّع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أ تولّى لأحد منهم عملا و أطأ بساط رجل منهم، إلّا لما ذا؟

قلت: لا أدري.

قال: إلّا لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه. يا زياد، إنّ أهون ما يصنع اللّه- عزّ و جلّ- بمن تولّى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ اللّه- عزّ و جلّ- من حساب الخلائق.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الظّلم ثلاثة: ظلم لا يغفره اللّه، و ظلم يغفره [اللّه‏] (8)، و ظلم لا يدعه، فأمّا الظّلم‏ (9) الّذي لا يغفره اللّه الشّرك، و أمّا الظلم الّذي يغفره فظلم الرّجل نفسه، و أمّا الظّلم الّذي لا يدعه فالذّنب بين العباد.

و في مجمع البيان‏ (10)، عند قوله: فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ‏. و

قد روي‏ أنّ اللّه‏

____________

(1) كذا في نور الثقلين 3/ 259، ح 72. و في النسخ و المصدر: «لو» بدل «و».

(2) و كى القربة: شدّها بالوكاء، و هو رباط القربة. و اللابة: الحرّة، و هي أرض ذات حجارة سود كأنّها أحرقت بالنّار. و قوله- (عليه السلام)-:

«لابتيها»، أي لابتي المدينة، لأنّها ما بين حرتّين عظيمتين تكتنفانها.

(3) من نفس المصدر.

(4) التهذيب 6/ 333، ح 924.

(5) ليس في أ، ر.

(6) الحالق: الجبل المنيف العالي، لا يكون إلّا مع عدم نبات كأنّه حلق.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 326، ح 27.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فالظّلم.

(10) المجمع 4/ 446.

72

- تعالى- يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النّار من شدّة الجوع فيصرخون إلى مالك، فيحملهم إلى تلك الشّجرة، و فيهم أبو جهل، فيأكلون منها فتغلي بطونهم [كغلي الحميم، فيستسقون‏] (1) فيسقون شربة من الماء الحارّ الّذي بلغ نهايته في الحرارة، فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم، فذلك قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ‏.

و روى أبو أمامة (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- في قوله: وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال: يقرّب إليه فيكرهه‏ (3)، فإذا أدني‏ (4) منه شوى وجهه و وقع فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏. و يقول: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ‏

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، [عن أبيه‏] (6)، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

فقال له قائل: إنّهم لفي شغل يومئذ عن الأكل و الشّرب.

فقال له: إنّ ابن آدم خلق‏ (7) أجوف و لا بدّ له من طعام و شراب، أهم أشدّ شغلا (8) أم من في النّار؟ فقد استغاثوا [و اللّه- عزّ و جلّ- يقول:] (9) وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ.

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏. قال: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من الحساب، إنّ ابن آدم خلق أجوف لا بدّ له من الطّعام و الشّراب، أهم أشدّ شغلا أم من في النّار؟ فقد استغاثوا وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 3/ 308.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فيتكرههه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: دنى.

(5) الكافي 6/ 286- 287، ح 4.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: إنّ اللّه خلق ابن آدم.

(8) في ب، ر: زيادة «يومئذ».

(9) من المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 238، ح 56.

و ج 2/ 327، ح 30.

73

عن مسعدة بن صدقة (1)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: إنّ أهل النّار لمّا غلى الزّقّوم و الضّريع في بطونهم، كغلي الحميم، سألوا الشّراب فاتوا بشراب غسّاق و صديد يتجرّعه و لا يكاد يسيغه، و يأتيه الموت من كلّ مكان و ما هو بميّت، و من ورائه عذاب غليظ و حميم، تغلي به جهنّم منذ خلقت‏ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاري، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله- تعالى-: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏ في ولاية عليّ «فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا لظالمي آل محمّد حقّهم نارا أحاط بهم سرادقها.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30):

خبر «إنّ» الأولى هي الثّانية بما في حيّزها، و الرّاجع محذوف، تقديره: من أحسن عملا منهم. أو مستغنى عنه [بعموم من أحسن عملا، كما هو مستغنى عنه‏] (3).

في قولك: نعم الرّجل زيد. أو واقع موقع الظّاهر، فإنّ من أحسن عملا لا بحسن إطلاقه [على الحقيقة] (4) إلّا على الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن همام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر، عن أبيه- (صلوات اللّه عليهما) - في قوله- تعالى-: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏ [في ولاية علي- (عليه السلام)-] (6) فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.

قال: و قرأ إلى قوله: أَحْسَنَ عَمَلًا.

ثمّ قال: قيل للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ في أمر عليّ، فإنّه الحقّ من ربّك‏ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ فجعل [اللّه تركه معصية و كفرا.

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 223، ح 7.

(2) تأويل الآيات 1/ 292، ح 2.

3 و 4- من أنوار التنزيل 2/ 11.

(5) تأويل الآيات 1/ 292، ح 3.

(6) من المصدر.

74

قال: ثمّ قرأ: «إنّا أعتدنا للظالمين- لآل محمّد- نارا أحاط بهم سرادقها» (الآية).

ثمّ قرأ: إِنَ‏] (1) الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، يعني [بهم‏]: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ: استئناف لبيان الأجر، أو خبر ثان.

يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏.

«من» الأولى للابتداء، و الثّانية للبيان صفة «لأساور»، و تنكيره لتعظيم حسنها من الإحاطة به. و هو جمع أسورة، أو أسوار في جمع سوار.

وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً: لأنّ الخضرة أحسن الألوان و أكثرها طراوة.

مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ‏: نمارق من الدّيباج و ما غلظ منه، جمع بين النّوعين للدّلالة على أنّ فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن بعض أصحابه، رفعه، قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: لمّا دخلت الجنّة رأيت شجرة طوبى أصلها في دار عليّ، و ما في الجنّة قصر و لا منزل إلّا و فيها فتر (3) منها، أعلاها أسفاط (4) حلل من سندس و إستبرق، يكون للعبد المؤمن ألف ألف سفط، في كلّ سفط (5) مائة (6) حلّة ما فيها حلّة تشبه الأخرى‏ (7) على ألوان [مختلفة، و هو] (8) ثياب أهل الجنّة. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ‏: على السّرر، كما هو هيئة المتنعّمين‏ (9).

نِعْمَ الثَّوابُ‏: الجنّة و نعيمها.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 336- 337.

(3) في المصدر: «فرع» بدل «فتر».

(4) الفتر: القطع. و الأسفاط- جمع السّفط-: ما يعبّأ به الطّيب و ما أشبه من أدوات النساء، أو وعاء كالقفّة.

(5) يوجد في ب، المصدر.

(6) المصدر: مائة الف.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أخرى.

(8) يوجد في ب، المصدر.

(9) ب، أ: المتعين.