تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
25

الجزء العاشر

تفسير سورة القصص‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

سورة القصص مكّيّة.

و قيل‏ (1): إلّا قوله: إلا الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله [: لا نبتغي‏] (2) الجاهلين.

و هي ثمان و ثمانون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال بإسناده‏ (3) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الطوّاسين الثّلاثة في ليلة الجمعة (4)، كان من أولياء اللَّه و في جواره‏ (5) و كنفه. و لم يصبه في الدّنيا بؤس أبدا و أعطي في الآخرة (6) حتّى يرضى و فوق رضاه. و زوّجه اللَّه مائة زوجة من الحور العين.

[و في مجمع البيان‏ (7): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ الطّواسين الثّلاث- و ذكر مثله، و زاد في آخره- و أسكنه اللَّه في جنّة] (8) عدن وسط الجنّة، مع النّبيّين و المرسلين و الوصيّين و الرّاشدين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 186.

(2) من المصدر.

(3) ثواب الأعمال/ 136.

(4) ن: يوم الجمعة.

(5) المصدر: جوار اللَّه.

(6) المصدر: في الآخرة من الجنة.

(7) مجمع البيان 4/ 183.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في م.

28

أبيّ بن كعب، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1) قال: و من قرأ طسم القصص، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى و كذّب به. و لم يبق ملك في السّموات و الأرض، إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا. إنّ كلّ شي‏ء هالك إلّا وجهه.

و عن ابن عبّاس‏ (2) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أعطيت طه و الطوّاسين من ألواح موسى.

طسم‏ (1): قد مرّ بعض تفاسيره.

و في كتاب معاني الأخبار (3) بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل يقول- (عليه السلام)-: و أمّا طسم، فمعناه: أنا الطّالب السّميع، المبدئ المعيد.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ وَ فِرْعَوْنَ‏:

بعض نبئهما. مفعول «نتلو».

بِالْحَقِ‏: محقّين صادقين.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (3): لأنّهم المنتفعون به‏ (4).

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ‏: استئناف مبيّن لذلك البعض. و الأرض، أرض مصر. يقال: علا علوّا: إذا تجبّر. و منه: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ‏ (5).

وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً: فرقا يشيعونه فيما يريد. أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته.

أو أصنافا في استخدامه، استعمل كلّ صنف في عمل. أو أحزابا، بأن أغرى بينهم العداوة كي لا يتّفقوا عليه.

يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ‏: و هم بني إسرائيل. و الجملة حال من فاعل «جعل». أو صفة «شيعا». أو استئناف. و قوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ‏: بدل منها.

و كان ذلك، لأنّ كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 238.

(2) نفس المصدر 4/ 183.

(3) معاني الأخبار/ 22، ضمن حديث 1.

(4) أ، م: المشفعون.

س: المشبعون.

(5) القصص/ 83.

29

و قال السّديّ: رأى فرعون في منامه، أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس حتّى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط و تركت بني إسرائيل. فسأل علماء قومه، فقالوا:

يخرج من هذه البلدة رجل يكون هلاك مصر على يده. و ذلك كان من غاية حمقه فإنّه لو صدّق لم يندفع بالقتل، و إن كذّب فما وجهه.

إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ (4): فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيّل فاسد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): ثمّ خاطب اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: نَتْلُوا عَلَيْكَ‏ يا محمّد. إلى قوله: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏. فأخبر اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه بما لقي موسى- (عليه السلام)- و أصحابه من فرعون من القتل و الظّلم، ليكون تعزية له فيما يصيبه في أهل بيته- (صلوات اللّه عليهم)- من أمّته.

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏: أن نتفضّل عليهم بإنقاذهم من بأسه.

«و نريد» حكاية حال ماضية معطوفة على‏ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا. من حيث أنّهما واقعان تفسيرا للنّبأ. أو حال من «يستضعف» و لا يلزم من مقارنة الإرادة للاستضعاف، مقارنة المراد له لجواز أن يكون تعلّق الإرادة به حينئذ، تعلّقا استقباليّا. مع أنّ منّة اللَّه بخلاصهم لمّا كانت قريبة الوقوع منه، جاز أن يجري مجرى المقارن.

وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً: مقدّمين في أمر الدّين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، متّصلا بقوله: من أمّته. ثمّ بشّره بعد تعزيته، أنّه يتفضّل عليهم و يجعلهم خلفاء في الأرض و أئمّة على أمّته، و يردّهم إلى الدّنيا مع أعدائهم حتى ينتصفوا منهم. فقال- جلّ ذكره-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما و هم الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم. و قوله: «منهم»، أي: من آل محمّد. ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏، أي: من القتل و العذاب. و لو كانت هذه نزلت في موسى- (عليه السلام)- و فرعون لقال: و نري فرعون و هامان و جنودهما منه ما كانوا يحذرون، أي: من موسى- (عليه السلام)- و لم يقل:

منهم. فلمّا تقدّم قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.]

____________

1 و 2- تفسير القمي 2/ 133.

30

(1) علمنا أنّ المخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما وعد اللَّه به رسوله. فإنّما يكون بعده و الأئمّة يكونون من ولده. و إنّما ضرب اللَّه هذا المثل لهم في موسى و بني إسرائيل، و في أعدائهم بفرعون و هامان و جنودهما فقال: إنّ فرعون قتل بني إسرائيل، فظفر (2) اللَّه موسى بفرعون و أصحابه حتّى أهلكهم اللَّه. و كذلك أهل بيت رسول اللَّه أصابهم من أعدائهم القتل و الغصب، ثمّ يردّهم اللَّه و يردّ أعداءهم إلى الدّنيا حتّى يقتلوهم.

و في الكافي‏ (3)، بإسناده إلى حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. و إنّ من جزع قليلا، إلى أن قال- (عليه السلام)-: ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة و وصفوا بالصّبر، فقال- جلّ ثناؤه‏ (4)-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ. فعند ذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الصّبر من الإيمان، كالرّأس من الجسد. فشكر اللَّه- عزّ و جلّ- ذلك له، فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (5)-:

وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ [وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ. فقال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّه بشرى و انتقام.] (6)

[أقول: يجوز أن يكون المراد من ظاهر الآية، موسى و فرعون‏] (7) و من باطنه، أهل البيت و أعدائهم و قد مرّ أنّ للقرآن ظهرا و بطنا. و يدلّ عليه- أيضا- ما

رواه في أصول الكافي‏ (8) في كتاب فضل القرآن مسندا: عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر القرآن: و له ظهر و بطن. فظاهره حكم و باطنه علم. ظاهره أنيق و باطنه عميق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، متّصلا بقوله: حتّى يقتلوهم. و قد ضرب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [في أعدائه‏] (10) مثلا، مثل ما ضربه اللَّه لهم في أعدائهم بفرعون و هامان. فقال: يا أيّها النّاس، إنّ أوّل من بغى على اللَّه- عزّ و جلّ- على وجه الأرض عناق بنت آدم- (عليه السلام)- خلق اللَّه لها عشرين إصبعا. لكلّ إصبع منها ظفران طويلان‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: «و ظلم من ظلمهم فأظفر» بدل «فظفر».

(3) الكافي 2/ 88- 89.

(4) السجدة/ 24.

(5) الأعراف/ 137.

(6) ليس في أ.

(7) ليس في أ.

(8) الكافي 2/ 559، ح 2 الذي أوّله في ص 598.

(9) تفسير القمي 2/ 134.

(10) ليس في المصدر.

31

كالمنجلين العظيمين. و كان مجلسها في الأرض موضع جريب. فلمّا بغت بعث اللَّه- عزّ و جلّ- لها أسدا كالفيل و ذئبا كالبعير و نسرا كالحمار- و كان ذلك في الخلق الأوّل- فسلّطهم اللَّه- عزّ و جلّ- عليها، فقتلوها. ألا و قد قتل اللَّه- عزّ و جلّ- فرعون و هامان. و خسف اللَّه- تعالى- بقارون. و إنّما هذا المثل لأعدائه الّذين غصبوا حقّه، فأهلكهم اللَّه.

ثمّ قال عليّ- (صلوات اللّه عليه)- على أثر هذا المثل الّذي ضربه: و قد كان لي حقّ حازه دوني من لم يكن له، و لم أكن أشركه فيه. و لا توبة له إلّا بكتاب منزل، أو برسول مرسل. و أنّى له بالرّسالة بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا نبيّ بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فأنّى يتوب‏] (1) [و هو في برزخ يوم القيامة، غرّته الأماني و غرّه باللَّه الغرور. و قد أشفى‏ (2) على جرف هار، فانهار به [في نار] (3) جهنم‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.] (4) و كذلك مثل القائم- (عليه السلام)- في غيبته و هربه و استتاره، مثل موسى- (عليه السلام)- خائفا مستترا إلى أن يأذن اللَّه في خروجه و طلب حقّه و قتل أعدائه في قوله‏ (5): أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ‏.

و قد ضرب بالحسين بن عليّ- (عليه السلام)- (6) مثلا في بني إسرائيل بذلّتهم من أعدائهم.

حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد (7)، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لقى المنهال بن عمرو عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- فقال له:

كيف أصبحت يا ابن رسول اللَّه؟ قال:

ويحك، أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت؟ أصبحنا (8) في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءنا و يستحيون نساءنا. و أصبح خير البريّة بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يلعن على المنابر. و أصبح عدوّنا يعطى المال و الشّرف. و أصبح من يحبّنا محقودا منقوصا حقّه، و كذلك لم يزل المؤمنون. و أصبحت العجم تعرف للعرب حقّها (9) بأنّ محمّدا

____________

(1) هكذا في تفسير نور الثقلين، 4/ 108- 109، ح 7، نقلا عن المصدر و ليس في المصدر. و في النسخ: فانّه ينوب.

(2) المصدر: أشرف.

(3) ليس في المصدر.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في متن المصدر. و لكن نسخة بدل أوردها في حاشيته.

(5) الحج/ 39- 40.

(6) المصدر: الحسين بن عليّ- (عليه السلام).

(7) نفس المصدر 2/ 134- 135.

(8) ليس في م.

(9) م، ن: حقا.

32

كان منها (1): و أصبحت العرب تعرف القريش حقّها (2) بأن محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان منها [و أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمّدا كان منها] (3) [و أصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان منها] (4) و أصبحنا أهل البيت لا يعرف لنا حقّ. فهكذا أصبحنا، يا منهال.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال سيّد العابدين عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ بشيرا و نذيرا، إنّ الأبرار منّا أهل البيت و شيعتهم بمنزلة موسى و شيعته.

و إنّ عدوّنا و أشياعهم بمنزلة فرعون و أشياعه.

وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (5): لما كان في ملك فرعون و قومه.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها. و تلا عقيب ذلك: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.

و في كتاب الغيبة (7) لشيخ الطّائفة- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليهم السلام)‏- في قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. قال: هم آل محمّد يبعث‏ (8) اللَّه مهديّهم بعد جهدهم، فيعزّهم و يذلّ أعداءهم.

و في أصول الكافي‏ (9): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: نظر أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- يمشي فقال: ترى هذا؟ هذا من الّذين قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.

و في أمالي الصّدوق‏ (10) 1 بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)- قال: هي لنا، أو فينا هذه‏

____________

(1) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: و أصحبت قريش تفتخر على العرب محمّدا كان منها.

(2) ن: حقا.

(3) ليس في المصدر.

(4) من م، ن، و المصدر.

(5) مجمع البيان 4/ 239.

(6) نهج البلاغة/ 506، حكمة 209.

(7) غيبة الطوسي/ 113.

(8) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

يبعثهم.

(9) الكافي 1/ 306، ح 1.

(10) أمالي الصدوق/ 387، ح 26.

33

الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏.

و في كتاب معاني الأخبار، (1) بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر قال:

سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نظر إلى عليّ و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- فبكى و قال: أنتم المستضعفون بعدي.

قال المفضّل: فقلت‏ (2) له: ما معنى ذلك يا ابن رسول اللَّه؟

قال: معناه: أنّكم الأئمّة من بعدي. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (4)، عن إبراهيم بن محمّد، عن يوسف بن كليب‏ (5) المسعوديّ، عن عمر بن عبد الغفّار بإسناده، عن ربيعة بن ناجد قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول‏ في هذه الآية، و قرأها قوله- عزّ و جلّ-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏ و قال: لتعطفنّ هذه الدّنيا على أهل البيت كما تعطف الضّروس على ولدها.

و قال- أيضا- (6) حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن يحيى بن صالح الجزيريّ‏ (7) بإسناده، عن أبي صالح، عن عليّ- (عليه السلام)‏- كذا قال في قوله- عزّ و جلّ-:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة، لتعطفنّ علينا هذه الدّنيا كما تعطف الضّروس على ولدها.

و الضّروس: النّاقة يموت ولدها، أو يذبح. فيحشى جلده، فتدنو منه‏ (8) و تعطف عليه.

وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏: أرض مصر و الشّام. و أصل التّمكين، أن تجعل للشّي‏ء مكانا يتمكّن فيه. استعير للتّسليط و إطلاق الأمر.

وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ‏: من بني إسرائيل.

ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (6): من ذهاب ملكهم، و هلاكهم على يد مولود منهم.

____________

(1) معاني الأخبار/ 79، ح 1.

(2) ن: فقلنا.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 149.

(4) المصدر: علي بن عبد اللَّه بن راشد.

(5) المصدر، س، و أ: يوسف بن كلب.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: يحيى بن صالح الحريريّ.

(8) المصدر: فيدنوا منها.

34

و قرئ: «يرى» بالياء و فرعون و هامان، بالرّفع. (1)

و في كتاب إكمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى حكيمة قالت: فلمّا كان اليوم السّابع [من مولد القائم- (عليه السلام)-] (3) جئت إلى أبي محمّد- (عليه السلام)- فسلّمت عليه و جلست: فقال: هلمّي إليّ ابني فجئت بسيّدي- (عليه السلام)- و هو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى. (4) ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّما (5) يغذّيه لبنا أو عسلا. ثمّ قال:

تكلّم يا بنيّ.

فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه. و ثنّى بالصّلاة على محمّد و على أمير المؤمنين و على الأئمّة الطّاهرين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- حتّى وقف على أبيه- (عليه السلام)- ثمّ تلا هذه الآية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الغيبة (6) لشيخ الطّائفة- نوّر اللَّه مرقده- بإسناده إلى حكيمة، حديث طويل يذكر فيه مولد القائم- (عليه السلام)- يقول فيه‏ و قد ذكرت أمر القائم- (عليه السلام)- و جلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة. فقبضت على كفّي و غمزته‏ (7) غمزة شديدة.

ثمّ أنّت أنّه و تشهّدت. و نظرت تحتها، فإذا أنا بوليّ اللَّه- (صلوات اللّه عليه)- متلقّيا (8) الأرض بمساجده. فأخذت بكتفيه‏ (9) و أجلسته في حجري، و إذا هو نظيف مفروغ منه. فناداني أبو محمّد- (عليه السلام)- يا عمّة: هلمّي فآتيني بابني. فأتيته به، فتناوله. و أخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحهما، ثمّ أدخله في فيه فحنّكه، ثمّ أدخله في أذنيه. و أجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليّ اللَّه جالسا. فمسح يده على رأسه، و قال: يا بنّي، انطق بقدرة اللَّه. فاستعاذ وليّ اللَّه من الشّيطان الرّجيم و استفتح: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187. و فيه: و قرأ حمزة و الكسائي «و يرى» بالياء، و «فرعون و هامان و جنودها» بالرفع.

(2) إكمال الدين و إتمام النعمة/ 425- 426.

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: كفعل الأول.

(5) المصدر: كأنه.

(6) غيبة الطوسي/ 141- 142.

(7) المصدر: غمزت.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مستلقيا.

(9) م: بكفيه.

35

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. و صلّى على رسول اللَّه و أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- واحدا واحدا حتى انتهى إلى أبيه. فناولنيه أبو محمّد- (عليه السلام)- و قال: يا عمّة، ردّيه إلى أمّه حتّى‏ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏: بإلهام أو رؤيا.

أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ‏: بأن يحسّ به.

فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ‏: يريد النّيل.

وَ لا تَخافِي‏: عليه ضيعة و لا شدّة.

وَ لا تَحْزَنِي‏: لفراقه.

إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ‏: عن قريب بحيث تأمنين عليه.

وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (7): قيل‏ (1): روي أنّها لمّا ضربها الطّلق، دعت قابلة من الموكّلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها. فلمّا وقع موسى- (عليه السلام)- على الأرض، هالها نور بين عينيه و ارتعشت مفاصلها و دخل حبّه في قلبها بحيث منعها من السّعاية. فأرضعته ثلاثة أشهر. ثمّ ألحّ فرعون في طلب المواليد و اجتهد العيون في تفحّصها.

فأخذت له تابوتا، فقذفته في النّيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب‏ (3)، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ موسى لمّا حملت به أمّه، لم يظهر حملها إلّا عند وضعها له. و كان فرعون قد وكّل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهنّ. و ذلك، أنّه كان لمّا بلغه عن بني إسرائيل أنّهم يقولون: إنّه يولد فينا رجل يقال له: موسى بن عمران، يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده: فقال فرعون عند ذلك:

لأقتلنّ ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون. و فرّق بين الرّجال و النّساء، و حبس الرّجال في المحابس. فلمّا وضعت أمّ موسى بموسى- (عليه السلام)- نظرت إليه و حزنت عليه و اغتمّت و بكت و قالت: يذبح السّاعة. فعطف اللَّه- عزّ و جلّ- قلب‏ (4) الموكّلة بها عليه، فقالت لأمّ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187.

(2) تفسير القمي 2/ 135.

(3) المصدر: الحسين (الحسن ظ) بن محبوب.

(4) المصدر: بقلب.

36

موسى- (عليه السلام)-: ما لك قد اصفرّ لونك؟

فقالت: أخاف أن يذبح ولدي.

فقال: لا تخافي و كان موسى لا يراه أحد إلّا أحبّه. و هو قول اللَّه- تعالى- (1):

وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏. فأحبّته القبطيّة الموكّلة بها. و أنزل اللَّه على أمّ‏ (2) موسى التّابوت، و نوديت أمّه ضعيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ، و هو البحر وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فوضعته في التّابوت، و أطبقته عليه، و ألقته في النّيل.

و في روضة الواعظين‏ (3) للمفيد- (رحمه اللّه)-: عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخاطبا لجمع من الصّحابة: و علمتم أنّ موسى بن عمران- (عليه السلام)- كان فرعون في طلبه، يشقّ بطون الحوامل‏ (4) و يذبح الأطفال ليقتل موسى. فلمّا ولدته أمّه، أمرت أن تأخذه من تحتها و تقذفه في التّابوت و تلقي التّابوت‏ (5) في اليّم‏ (6).

فقالت و هي ذعرة من كلامه: يا بنيّ إنّي أخاف عليك الغرق.

فقال لها: لا تحزني، إنّ اللَّه رادّني إليك. فبقيت حيرانة حتّى كلّمها موسى- (عليه السلام)- فقال لها: يا أمّ اقذفيني في التّابوت، و ألقي التّابوت في اليّم. ففعلت ما أمرت به. فبقي في التّابوت في اليّم إلى أن قذفه‏ (7) في السّاحل و ردّه إلى أمّه برمّته، لا يطعم طعاما و لا يشرب شرابا معصوما.

و روي أنّ المدّة كانت سبعين يوما. و روي: بسبعة أشهر.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: أمّا مولد موسى- (عليه السلام)- فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر بإحضار

____________

(1) طه/ 39.

(2) ليس في المصدر.

(3) روضة الواعظين/ 82- 83.

(4) المصدر: «يبقر بطون النساء الحوامل» بدل «يشق بطون الحوامل.»

(5) بالتابوت.

(6) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: «فبقيت حيرانة حتى كلّمها موسى و قال لها: يا أمّ اقذفيني في التابوت و ألقي التابوت في اليم» و هذا الكلام يأتي بعد قليل بلفظه و لعل لا داعي له.

(7) م: قذف.

(8) كمال الدين و تمام النعمة/ 354، ضمن حديث 50.

37

الكهنة. فدلّوه على نسبه، و أنّه يكون من بني إسرائيل. و لم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل، حتّى قتل في طلبه نيفا و عشرين ألف مولود. و تعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى- (عليه السلام)- بحفظ اللَّه- تبارك و تعالى- إيّاه.

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً: تعليل لالتقاطهم إيّاه بما هو عاقبته و مؤدّاه، تشبيها له بالغرض الحامل عليه. و قراءة حمزة و الكسائيّ: حزنا.

(1) إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ‏ (8): في كلّ شي‏ء. فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله، ثمّ أخذوه يربّونه ليكبر و يفعل بهم ما كانوا يحذرون. أو قتلوا مذنبين، فعاقبهم اللَّه بأن ربّى عدوّهم على أيديهم. فالجملة اعتراض، لتأكيد خطئهم. أو لبيان الموجب، لما ابتلوا به.

و قرئ: خاطين. على التّخفيف، أي: خاطين الصّواب إلى الخطاء. (2).

وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ‏: أي: لفرعون. حين أخرجته من التّابوت.

قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ‏: هو قرّة عين لنا. لأنّهما لمّا رأياه و أخرج من التّابوت أحبّاه.

قيل: أو لأنّه كانت له ابنة برصاء، و عالجها الأطباء بريق حيوان بحريّ يشبه الإنسان. فلطخت برصعا بريقه، فبرئت.

لا تَقْتُلُوهُ‏: خطاب بلفظ الجمع، للتّعظيم.

و في مجمع البيان‏ (3): قال ابن عبّاس: إنّ أصحاب فرعون لمّا علموا بموسى، جاءوا ليقتلوه. فمنعتهم و قالت لفرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ‏ [قال فرعون: قرّة عين لك، و أمّا لي فلا قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) و الّذي يحلف به، لو أقرّ فرعون بأن يكون له قرّة عين كما أقرّت امرأته لهداه اللَّه به كما هداها. و لكنّه أبى للشّقاء الّذي كتبه اللَّه عليه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ يوسف بن يعقوب- (عليه السلام)- حين حضرته الوفاة جمع آل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) مجمع البيان 4/ 241.

(4) ليس في ن.

(5) كمال الدين و تمام النعمة/ 147- 149، صدر حديث 13.

38

يعقوب، و هم ثمانون رجلا فقال: إنّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم و يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏، و إنّما ينجيكم اللَّه من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران- (عليه السلام)- غلام طوال جعد أدم. فجعل الرّجل من بني إسرائيل يسمّي ابنه عمران و يسمّي عمران ابنه موسى.

فذكر أبان بن عثمان‏ (1)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: ما خرج موسى حتّى خرج قبله خمسون كذّابا من بني إسرائيل، كلّهم يدّعي أنّه موسى بن عمران فبلغ فرعون أنّهم يرجفون به و يطلبون هذا الغلام. فقال له كهنته و سحرته: إنّ هلاك دينك و قومك على يدي هذا الغلام، الّذي يولد العام من بني إسرائيل. فوضع القوابل على النّساء و قال: لا يولد العام غلام‏ (2) إلّا ذبح. و وضع على أمّ موسى قابلة. فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان و استحيى النّساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النّساء.

فقال عمران أبو موسى- (عليه السلام)-: بل ائتوهنّ‏ (3)، فإنّ أمر اللَّه واقع و لو كره المشركون. اللّهمّ من حرّمه، فإنّي لا أحرّمه. و من تركه، فإنّي لا أتركه. و وقع على أمّ موسى فحملت به. فوضع على أمّ موسى قابلة تحرسها، إذا قامت قامت، و إذا قعدت قعدت. فلمّا حملته أمّه وقعت عليها المحبّة، و كذلك حجج اللَّه على خلقه.

فقالت لها القابلة: ما لك يا بنيّة تصفرّين و تذوبين؟

قالت: لا تلوميني، فإنّي إذا ولدت أخذ ولدي فيذبح‏ (4).

قالت: لا تحزني، فإنّي سوف أكتم عليك. فلم تصدّقها. فلمّا أن ولدت التفتت إليها و هي مقبلة، فقالت: ما شاء اللَّه. فقالت لها: ألم أقل: إنّي سوف أكتم عليك. ثمّ حملته فأدخلته المخدع و أصلحت أمره. ثمّ خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا- و كانوا على الباب- فإنّما خرج دم مقطّع‏ (5). فانصرفوا فأرضعته. فلمّا خافت عليه الصّوت، أوحى اللَّه إليها: أن اعملي التّابوت، ثمّ اجعليه فيه، ثمّ أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر. فوضعته في التّابوت، ثمّ دفعته في اليمّ. فجعل يرجع إليها، و جعلت تدفعه في الغمر، و أنّ الرّيح ضربته فانطلقت‏

____________

(1) المصدر: فذكر أبان بن عثمان عن أبي الحسين.

(2) المصدر: ولد.

(3) المصدر: باشروهنّ.

(4) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

فذبح.

(5) المصدر: منقطع.

39

به. فلمّا رأته قد ذهب به الماء، همّت أن تصيح، فربط اللَّه على قلبها.

قال: و كانت المرأة الصّالحة امرأة فرعون من بني إسرائيل. قالت لفرعون: إنّها أيّام الرّبيع، فأخرجني و اضرب لي قبّة على شطّ النّيل حتّى أتنزه هذه الأيّام. فضربت لها قبّة على شطّ النّيل، إذ أقبل التّابوت يريدها. فقالت: هل ترون ما أرى على الماء؟

قالوا: إي و اللَّه يا سيّدتنا، إنّا لنرى شيئا.

فلمّا دنا منها سادت‏ (1) إلى الماء فتناولته بيدها. و كان الماء يغمرها، حتّى تصايحوا عليها فجذبته‏ (2) و أخرجته من الماء. فأخذته فوضعته في حجرها، فإذا هو غلام أجمل النّاس و أسرّهم. (3) فوقعت عليها منه محبّة. فوضعته في حجرها و قالت: هذا ابني.

فقالوا: إي و اللَّه يا سيّدتنا، و اللَّه مالك ولد و لا للملك فاتّخذي هذا ولدا.

فقامت إلى فرعون و قالت: إنّي أصبت غلاما طيّبا حلوا نتّخذه ولدا، فيكون قرّة عين لي و لك، فلا تقتله.

فقال: و من أين هذا الغلام؟

فقالت: و اللَّه، ما أدري إلّا أنّ الماء قد جاء به. فلم تزل به حتّى رضي. فلمّا سمع النّاس أنّ الملك قد تبنّى ابنا، لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلّا بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا (4) و تحضنه. فأبي أن يأخذ من امرأة منهنّ ثديا.

فقالت امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا، و لا تحقّروا (5) أحدا. فجعل لا يقبل من امرأة منهنّ.

فقالت أمّ موسى لأخته: قصّيه انظري أ ترين له أثرا.

فانطلقت حتّى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنّكم تطلبون ظئرا، و هاهنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم و تكفله لكم.

فقالت: ادخلوها. فلمّا دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممّن أنت؟

قالت: امرأة من بني إسرائيل.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

ثارت.

(2) س، و أ: فأخذته.

(3) المصدر: أسترهم.

(4) المصدر: أو.

(5) هكذا في م، ن، و المصدر. و في سائر النسخ:

تحضروا.

40

قالت: اذهبي يا بنيّة، فليس لنا فيك حاجة.

فقالت‏ (1) لها النّساء: انظري- عافاك اللَّه- يقبل أم لا.

فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل، هل يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل و المرأة من بني إسرائيل، تعني‏ (2) الظّئر. فلا يرضى.

قلن: فانظري يقبل أو لا (3).

قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها.

فجاءت إلى أمّها و قالت: إنّ امرأة الملك تدعوك. فدخلت عليها. فدفع إليها موسى، فوضعته في حجرها، ثمّ ألقمته‏ (4) ثديها، فازدحم اللّبن في حلقه. فلمّا رأت امرأة فرعون أنّ ابنها قد قبل، قامت إلى فرعون فقالت: إنّي قد أصبت لابني ظئرا و قد قبل منها.

فقال: ممّن هي؟

قالت: من بني إسرائيل.

قال فرعون: هذا ممّا لا يكون أبدا، الغلام من بني إسرائيل و الظّئر من بني إسرائيل. فلم تزل تكلّمه فيه و تقول: لا تخف‏ (5) من هذا الغلام، إنّما هو ابنك ينشأ في حجرك. حتّى قلبته عن رأيه و رضي.

عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا: فإنّ فيه فحايل اليمن و دلائل النّفع.

قيل‏ (6): و ذلك لما رأت من نور بين عينيه، و ارتضاعه إبهامه لبنا، و برء البرصاء بريقه.

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً: أو نتبنّاه. فإنّه أهل له.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (9): حال، من الملتقطين. أو من القائلة و المقول له «و هم لا يشعرون» أنّهم على الخطأ في التقاطه. أو في طمع النّفع منه و التّبنّي له. أو من مفعول «ينفعنا». أو فاعل «نتّخذه».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7) متّصلا بقوله: و ألقته في النّيل- الخبر الّذي نقلنا عنه أوّلا- و كان لفرعون قصر على شط النّيل منتزها (8) فنظر من قصره و معه آسية امرأته إلى سواد في‏

____________

(1) المصدر: فقلن.

(2) المصدر: يعني.

(3) المصدر: أو لا يقبل.

(4) م: و التقمت.

(5) المصدر: ما تخاف.

(6) أنوار التنزيل 2/ 188.

(7) تفسير القمي 2/ 135.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: منزّها.

41

النّيل، ترفعه الأمواج و الرّياح تضربه حتّى جاءت به إلى باب قصر فرعون. فأمر فرعون بأخذه. فأخذ التّابوت، و رفع إليه. فلمّا فتحه، وجد فيه صبيّا فقال: هذا إسرائيليّ. فألقى اللَّه في قلب فرعون لموسى محبّة شديدة، و كذلك في قلب آسية- رحمة اللَّه عليها- و أراد فرعون أن يقتله. فقالت آسية: لا تقتله‏ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ أنّه موسى.

وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً: صفرا من العقل. لما دهمها من الخوف و الحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله‏ (1): وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ، أي: خلاء، لا عقول فيها.

و يؤيّده أنّه قرئ: «فرغا» من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ، أي هدر. أو من الهمّ و الغمّ، لفرط وثوقها بوعد اللَّه. أو لسماعها أنّ فرعون عطف عليه و تبّناه. و قرئ: «موسى» إجراء للضّمّة جار الواو مجرى ضمّتها في استدعاء همزة (2) إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏: إنّها كادت لتظهر بموسى، أي: بأمره و قصّته. من فرط الضّجر، أو الفرح بتبنّيه.

لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها: بالصّبر و الثّبات.

لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (10): من المصدّقين بوعد اللَّه. أو من الواثقين بحفظه لا لتبنّي فرعون و تعطّفه. و هو علّة الرّبط. و جواب «لولا» محذوف، دلّ عليه ما قبله.

وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ‏: مريم.

قُصِّيهِ‏: اتّبعي أثره، و تتبّعي خبره.

فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏: عن بعد.

و قرئ: «عن جانب، و عن جنب»، و هو بمعناه. (3) وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (11): أنّها تقصّ. أو أنّها أخته.

وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ‏: و منعناه أن يرتضع من المرضعات. جمع، مرضع.

و هو الرّضاع. أو موضعه، يعني: الثّدي.

مِنْ قَبْلُ‏: من قبل قصّها أثره.

فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ‏: لأجلكم.

____________

(1) إبراهيم/ 43.

(2) أنوار التنزيل 2/ 188.

(3) نفس المصدر و الموضع.

42

وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏ (12): لا يقصّرون إرضاعه و تربيته.

نقل: أنّ هامان لمّا سمعها قال: إنّها لتعرفه و أهله، خذوها تخبر بحاله. فقالت: إنّما أردت، و هم للملك ناصحون. فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله. فأتت بأمّها، و موسى على يد فرعون يبكي و هو يعلّله. فلمّا وجد ريحها، استانس و التقم ثديها.

فقال لها: من أنت منه، فقد أبى كلّ ثدي إلّا ثديك؟

فقالت: امرأة طيّبة الرّيح طيّبة اللّبن، لا أؤتى بصبيّ إلّا قبلني. فدفعه إليها، و أجرى عليها. فرجعت به إلى بيتها من يومها، و هو قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها.

[و في جوامع الجامع‏ (1): و روي أنّها لمّا قالت: وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏ قال هامان: إنّها لتعرفه و تعرف أهله. فقالت: إنّما أردت، و هم للملك ناصحون‏] (2) و لا تحزن بفراقه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (3) بإسناده إلى حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عمّة أبي محمّد الحسن- (عليهما السلام)- أنّها قالت: كنت عند أبي محمّد- (عليه السلام)- فقال: بيتي اللّيلة عندنا. فإنّه سيولد اللّيلة المولود الكريم على اللَّه- عزّ و جلّ- يحيي به اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض بعد موتها.

فقلت: ممّن يا سيّدي، و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟

فقال: من نرجس لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها فقلّبتها ظهرا لبطن، فلم أر بها أثر الحبل. فعدت إليه- (عليه السلام)- فأخبرته بما فعلت. فتبسّم، ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر، يظهر لك بها الحبل لأنّ مثلها مثل أمّ موسى لم يظهر بها الحبل و لم يعلم لها أحد إلى وقت ولادتها. لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى، و هذا نظير موسى- (عليه السلام).

و قالت حكيمة في أواخر هذا الحديث: لمّا ولد القائم- (عليه السلام)- صاح‏ (4) بي أبو محمّد- (عليه السلام)- فقال: يا عمّتاه‏ (5) هاتيه. فتناولته و أتيت به نحوه. فلمّا مثلته بين يدي‏

____________

(1) جوامع الجامع/ 343.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ن. و توجد في سائر النسخ بعد هذه العبارة: «و لا تحزن بفراقه».

و الظاهر أنّها زائدة.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 427- 429.

(4) المصدر: فصاح.

(5) المصدر: يا عمة تناوليه و.

43

أبيه و هو على يدي سلّم على أبيه. فتناوله الحسن- (عليه السلام)- منّي و الطّير ترفرف على رأسه‏ (1). فصاح بطير منها فقال: أحمله و أحفظه، و ردّه إلينا في كلّ أربعين يوما. فتناوله الطّير و طار به في جوّ السّماء، و اتّبعه سائر الطّير. فسمعت أبا محمّد- (عليه السلام)- يقول: أستودعك‏ (2) الّذي أودعته أمّ موسى‏ (3). فبكت نرجس. فقال: اسكتي، فإنّ الرّضاع محرّم عليه إلّا من ثديك. و سيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمّه. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ‏.

فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها: بولدها.

وَ لا تَحْزَنَ‏: بفراقه.

وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏: علم المشاهدة.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (13): أنّ وعده حقّ، فيرتابون فيه. أو أنّ الغرض الأصليّ من الرّدّ، علمها بذلك. و ما سواه تبع. و فيه تعريض بما فرط منها، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم، (4) متّصلا بقوله: [إنّه موسى‏] (5) و لم يكن لفرعون ولد.

فقال: اطلبوا له‏ (6) ظئرا تربّيه. فجاءوا بعدّة نساء قد قتل أولادهنّ، فلم يشرب لبن أحد من النّساء و هو قول اللَّه- تعالى-: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ‏ و بلغ أمّه أنّ فرعون قد أخذه، فحزنت و بكت كما قال اللَّه- تعالى-: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً [إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏ قال‏] (7): يعني: (8) كادت أن تخبر بخبره. أو تموت، ثمّ حفظت‏ (9) نفسها كما قال اللَّه- تعالى-: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ثمّ‏ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ‏، أي: اتّبعيه. فجاءت أخته إليه‏ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏، أي: عن بعد. وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ. فلمّا لم يقبل موسى بأخذ (10) ثدي أحد من النّساء، اغتمّ فرعون غمّا شديدا.

____________

(1) «و الطير ترفرف على رأسه» في المصدر، بين المعقوفتين و بعدها توجد: و ناوله لسانه فشرب منه.

ثمّ قال: امضى به إلى أمّه لترضعه و ردّيه إليّ.

قالت: فتناولته أمّه. فأرضعته. فرددته إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-.

(2) المصدر: استودعك اللَّه.

(3) المصدر: أمّ موسى موسى.

(4) تفسير القمي 2/ 135- 136.

(5) ليس في النسخ.

(6) المصدر: «ائتوا» بدل «اطلبوا له».

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: ضبطت.

(10) ليس في المصدر و م.

44

فقالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ. فقال: نعم.

فجاءت بأمّه. فلمّا أخذته في حجرها و ألقمته ثديها، التقمه و شرب. ففرح فرعون و أهله، و أكرموا أمّه. فقالوا لها: ربّيه لنا، و لك عن الكرامة ما تختارين‏ (1) و ذلك قول اللَّه- تعالى-:

فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

و فيه قال الرّاوي: فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: فكم مكث موسى غائبا عن أمّه، حتّى ردّه اللَّه عليها؟

قال: ثلاثة أيّام.

و فيه متّصلا بقوله: وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. قريب آخر ما نقلناه عنه قريبا:

و كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلّما يلدون، و يربّي موسى و يكرمه. و هو لا يعلم أنّ هلاكه على يده. فلمّا درج موسى، كان يوما عند فرعون. فعطس موسى فقال: الحمد للَّه ربّ العالمين. فأنكر فرعون ذلك‏ (2) عليه، و لطمه و قال: ما هذا الّذي تقول؟ فوثب موسى على لحيته- و كان طويل اللّحية- فهلبها، أي: قلعها. فألمه ألما شديدا. (3) فهمّ فرعون بقتله.

فقالت له امرأته: هذا غلام حدث لا يدري ما يقول [و قد لطمته بلطمتك إيّاه‏] (4) فقال فرعون: بلى يدري.

فقالت امرأته‏ (5): ضع بين يديه تمرا و جمرا. فإن ميّز بينهما (6)، فهو الّذي تقول.

فوضع بين يديه تمرا و جمرا، و قال له: كل. فمدّ يد إلى التّمر. فجاء جبرائيل- (عليه السلام)- فصرفها إلى الجمر. فأخذ الجمر في فيه، فاحترق لسانه و صاح و بكى.

فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك: إنّه لم يعقل‏ (7)؟ فعفا عنه.

وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏: مبلغه الّذي لا يزيد عليه نشؤه. و ذلك، من ثلاثين إلى أربعين سنة. فإنّ العقل يكمل حينئذ.

____________

(1) المصدر: «فانّا نفعل بك ما نفعل» بدل «و لك من الكرامة ما تختارين.»

(2) ليس في المصدر.

(3) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: بلطمته إيّاه.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر. و في النسخ: له.

(6) من المصدر. و في النسخ: التمر و الجمر.

(7) المصدر: لا يعقل.

45

و

روي: أنّه لم يبعث نبيّ، إلّا على رأس الأربعين‏ (1).

وَ اسْتَوى‏: قدّه أو عقله.

و في مجمع البيان‏ (2): لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏، أي: ثلاثا و ثلاثين سنة. «و استوى»، أي:

بلغ أربعين سنة. عن مجاهد و قتادة و ابن عبّاس.

و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عبد اللَّه بن رباط، عن محمّد بن النّعمان الأحوال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‏ (4) قال: «أشدّه» ثماني عشرة سنة. «و استوى» التحى.

آتَيْناهُ حُكْماً: نبوّة.

وَ عِلْماً.

قيل‏ (5): علما بالدّين. أو علم الحكماء و العلماء و سمتهم قبل استنبائه، فلا يقول و لا يفعل ما يستجهل فيه. و هو أوفق لنظم القصّة، لأنّ الاستنباء (6) بعدا الهجرة في المراجعة.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك، الّذي فعلنا بموسى و أمّه.

نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏ (14): على إحسانهم.

وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ قيل‏ (7): دخل مصر آتيا من قصر فرعون.

و قيل‏ (8): مدينة (9) منف [من أرض مصر] (10). أو حائين‏ (11). أو عين الشّمس من نواحيها.

عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها: في وقت لا يعتاد دخولها، و لا يتوقّعونه فيه.

قيل‏ (12): كان وقت القيلولة. و قيل: بين العشاءين و قيل‏ (13): كان يوم عيد لهم، و قد

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 189.

(2) مجمع البيان 4/ 243.

(3) معاني الأخبار/ 226، ح 1.

(4) ذكر في المصدر بقية الاية.

(5) أنوار التنزيل 2/ 189.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لأنّه استنباءه.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: من.

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: حابين.

(12) نفس المصدر و الموضع.

(13) مجمع البيان 4/ 243.

46

اشتغلوا بلعبهم.

و في مجمع البيان‏ (1): و اختلفوا في سبب دخوله المدينة في هذا الوقت على أقوال:

أحدها: أنّه كان موسى حين كبر يركب في مراكب‏ (2) فرعون. فلمّا جاء ذات يوم قيل له: إنّ فرعون قد ركب. فركب في أثره. فلمّا كان وقت القائلة، دخل المدينة ليقيل. عن السّديّ.

و الثّاني: أنّ بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى و يسمعون كلامه. و لمّا بلغ أشدّه، خالف قوم فرعون. فاشتهر ذلك منه، فأخافوه. فكان لا يدخل مصر، إلّا قائلين‏ (3).

فدخلها على حين غفلة. عن ابن إسحاق.

و الثّالث: أنّ فرعون أمر بإخراجه من البلد، فلم يدخله إلّا الآن. عن ابن زيد.

فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏: أحدهما ممّن شايعه على دينه، و هم بنو إسرائيل. و الآخر من مخالفيه، و هم القبط. قيل‏ (4): يسخرّ القبطيّ الإسرائيليّ ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون.

و الإشارة على الحكاية.

فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏: فسأله أن يغيثه بالإعانة. و لذلك عدّي ب «على» و قرئ: استعانه. (5) فَوَكَزَهُ مُوسى‏: فضرب القبطيّ. بجميع كفّه.

و قرئ: فلكزه، أي: فضرب به صدره‏ (6).

و قيل‏ (7): ضربه بعصاه.

فَقَضى‏ عَلَيْهِ‏: فقتله. و أصله: أنهى حياته. من قوله‏ (8): وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ (9).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: مواكب.

(3) المصدر و م: خائفا.

(4) نفس المصدر 4/ 243- 244.

(5) أنوار التنزيل 2/ 189.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 244.

(8) الحجر/ 66

(9) يوجد في هامش نسخة م: قيل: الذي كان من شيعته هو السامريّ و الاخر طبّاخ فرعون سمعت من م ق ر- ره. قيل: خبّاز فرعون و اسمه خاتون. ف.

47

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال فلم يزل موسى- (عليه السلام)- عند فرعون في أكرم كرامة، حتّى بلغ مبلغ الرّجال. و كان ينكر عليه ما يتكلّم به موسى- (عليه السلام)- من التّوحيد، حتّى همّ به. فخرج موسى من عنده و دخل المدينة، فإذا رجلان يقتتلان. أحدهما يقول بقول موسى، و الآخر يقول بقول فرعون. فاستغاثه الّذي من شيعته. فجاء موسى، فوكز صاحب فرعون، فقضى عليه و توارى في المدينة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: ليهنكم الاسم. قال: قلت: و ما الاسم؟

قال: الشّيعة. أما سمعت- سبحانه- يقول: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏.

قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏: أي: بسببه. حتّى هيّج‏ (3) غضبي، فضربته.

و سمّاه ظلما. و استغفر عنه على عادتهم في استعظام محقّرات فرطت منهم.

و قيل‏ (4): إنّ الأمر الّذي وقع القتل بسببه من عمل الشّيطان، أي: حصل بوسوسة الشّيطان‏ (5).

و ذكر السّيّد المرتضى- قدّس روحه- فيه وجهين آخرين‏ (6):

أحدهما: أنّه أراد أن تزيّن الشّيطان قتلي له، و تركي لما ندبت إليه من تأخّره و تفويته‏ (7) ما أستحقّه عليه من الثّواب «من عمل الشّيطان».

و الآخر: أنّه يريد أنّ عمل المقتول «من عمل الشّيطان» يبيّن أنّه مخالف للَّه- تعالى- مستحقّ [للقتل.

و هاهنا سؤال و هو: إنّ هذا القتل لا يخلو من أن يكون مستحقّا، أو غير مستحقّ.] (8) فإن كان غير مستحقّ، فالأنبياء لا يجوز عليهم ذلك عندكم لا قبل النّبوّة و لا بعدها. و إن كان مستحقّا، فلا معنى لندمه عليه و استغفاره منه.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 137.

(2) مجمع البيان 4/ 244.

(3) م: يهّيج‏

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) يوجد في هامش نسخة م: و يحتمل- و اللَّه يعلم- أن يكون مرجع هذا العدوّ، كقوله تعالى:

إنّه عمل غير صالح. جعفر.

(6) تنزيه الأنبياء/ 68.

(7) المصدر: تأخيره و تفويتي.

(8) ليس في أ.

48

و الجواب: إنّ القتل إنّما وقع على سبيل تخليص المؤمن من يد من أراد ظلمه، و البغي عليه، و دفع مكروهه عنه. و لم يكن مقصودا في نفسه. و كلّ ألم وقع على هذا الوجه، فهو حسن غير قبيح. سواء كان القاتل مدافعا عن نفسه، أو عن غيره. و الوجه في ندمه و استغفاره‏ (1) ما ذكر.

إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏ (15): ظاهر العداوة.

قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي‏: بقتله. فإنّهم لو علموا ذلك، لقتلوني.

و قال المرتضى- (رحمه اللّه)- (2): إنّما قال على سبيل الانقطاع و الرّجوع إلى اللَّه- تعالى- و الاعتراف بالتّقصير عن حقوق نعمه [و إن لم يكن هناك ذنب.] (3) أو من حيث حرم نفسه الثّواب‏ (4) المستحق بفعل النّدب.

فَاغْفِرْ لِي‏: معناه، معنى قول آدم- (عليه السلام)-: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (5).

فَغَفَرَ لَهُ‏: قبل استغفاره.

إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ: لعباده.

الرَّحِيمُ‏ (16): بهم.

قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ‏: قسم محذوف الجواب، أي: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة و غيرها، لأتوبن.

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ (17): أو استعطاف، أي: بحقّ إنعامك عليّ اعصمني، فلن أكون معينا لمن أدّت معاونته إلى جرم.

و عن ابن عبّاس‏ (6): إنّه لم (يستثن و ابتلي) به مرّة أخرى.

و قيل‏ (7): معناه: أنعمت عليّ من القوّة أعين أوليائك، فلن أستعملها في مظاهرة أعدائك.

و في هذا دلالة، على أنّ مظاهرة المجرمين جرم و معصية، و مظاهرة المؤمنين طاعة.

____________

(1) المصدر: «استغفاره منه و ندمه عليه» بدل «ندمه و استغفاره.»

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) الأعراف/ 23.

(6) أنوار التنزيل 2/ 189.

(7) نفس المصدر و الموضع.

49

و إنّما ظاهر موسى- (عليه السلام)- من ظاهره الإيمان و خالف من ظاهره الكفر.

و جاء في الأثر: أنّ رجلا قال لعطاء بن أبي رباح: إنّ فلانا يكتب لفلان، و لا يزيد على كتبه دخله و خرجه، و إن أخذ منه أجرا، كان له غنى. و إن يأخذ، اشتدّ فقره‏ (1) و كثر عياله.

فقال عطاء: أما سمعت قول الرّجل الصّالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ (2).

فَأَصْبَحَ‏ في اليوم الثّاني.

فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً: من قتل القبطيّ. يَتَرَقَّبُ‏: يترصّد الاستقادة.

فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏: يستغيثه. مشتقّ من الصّراخ. معناه: أنّ الإسرائيليّ الّذي قد كان خلّصه بالأمس و وكز القبطيّ لأجله، يستصرخ موسى، فليستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه.

قال ابن عبّاس: (3) لمّا فشا [أمر] (4) قتل القبطيّ، قيل لفرعون: إنّ بني إسرائيل قتلت منّا رجلا.

قال: أ تعرفون من قاتله، و من يشهد عليه؟

قالوا لا. فأمرهم بطلبه. فبيناهم يطوفون، إذ مرّ موسى من الغد الى ذلك الإسرائيليّ يطلب نصرته و يستغيث به.

قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ (18): بيّن الغواية. لأنّك تسبّبت لقتل رجل، و تقاتل آخر مع كثرة آل فرعون. و لم يرد الغواية في الدّين.

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما: لموسى و لإسرائيليّ. لأنّه لم يكن على دينهما. و لأنّ القبط كانوا أعداء بني إسرائيل.

قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏: قاله الإسرائيليّ. لأنّه لمّا سمّاه غويّا، ظنّ أنّه يبطش عليه. أو القبطيّ. كأنّه توهّم من قوله، أنّه الّذي قتل القبطيّ بالأمس لهذا الإسرائيليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصل بقوله: في المدينة. فلمّا كان من الغد، جاء آخر

____________

(1) المصدر: فقر.

(2) مجمع البيان 4/ 245.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمي 2/ 137.

50

فتشبّث بذلك الرّجل الّذي يقول بقول موسى- (عليه السلام)- فاستغاث بموسى. فلمّا نظر صاحبه إلى موسى قال له: أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي، كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏. فخلّى عن صاحبه و هرب.

إِنْ تُرِيدُ: ما تريد.

إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ‏: تتطاول على النّاس، و لا تنظر العواقب.

وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏ (19): بين النّاس. فتدفع التّخاصم بالّتي هي أحسن. و لمّا قال هذا، انتشر الحديث و ارتقى إلى فرعون و ملائه، فهمّوا بقتله.

فخرج مؤمن آل فرعون- و هو ابن عمّ فرعون- اسمه حزقيل.

و قيل‏ (1): رجل اسمه شمعون.

و قيل: شمعان‏ (2). ليخبر موسى كما قال: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏: يسرع. صفة الرّجل. أو حال منه، إذا جعل‏ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ صفة له لا صلة «لجاء». لأنّ تخصيصه بها يلحقه بالمعارف.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، متّصلا بقوله: حتّى قلبته عن رأيه و رضي- آخر ما نقلنا عنه قريبا- فنشأ موسى في آل فرعون. و كتمت أمّه خبره، و أخته و القابلة، حتّى هلكت أمّه و القابلة الّتي قبلته. فنشاء- (عليه السلام)- لا يعلم به بنو إسرائيل.

قال: و كانت بنو إسرائيل تطلبه و تسأل عنه، فيعمى عليهم خبره. قال: فبلغ فرعون، أنّهم يطلبونه و يسألون عنه. فأرسل إليهم و زاد عليهم في العذاب‏ (4)، و فرّق بينهم، و نهاهم عن الإخبار به و السّؤال عنه.

قال: فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ لهم عنده علم فقالوا: قد كنّا نستريج إلى الأحاديث، فحتّى متى و إلى متن نحن في هذا البلاء؟

قال: و اللَّه، إنّكم لا تزالون فيه حتّى يجيئ اللَّه- تعالى ذكره- بغلام من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران، غلام طوال جعد. فبينا هم كذلك، إذ أقبل موسى- (عليه السلام)- [يسير على بغلة حتّى وقف عليهم. فرفع الشّيخ رأسه فعرفه بالصفة،

____________

(1) مجمع البيان 4/ 246.

(2) المصدر: سمعان.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 149- 150.

(4) المصدر: «فزاد في العذاب عليهم» بدل «و زاد عليهم في العذاب.»

51

فقال له: ما اسمك- يرحمك اللَّه؟ قال: موسى.] (1) قال: ابن من؟

قال: ابن عمران.

قال: فوثب إليه الشّيخ، فأخذ بيده فقبّلها. فثاروا إلى رجله فقبّلوها. فعرفهم و عرفوه، و اتّخذهم شيعة. فمكث بعد ذلك ما شاء اللَّه، ثمّ خرج فدخل مدينة لفرعون فيها رجل من شيعته يقاتل رجلا من آل فرعون من القبط. فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه القبطيّ، فوكزه موسى فقضى عليه. و كان موسى- (عليه السلام)- قد أعطي بسطة في الجسم، و شدّة في البطش. فذكره النّاس و شاع أمره، و قالوا: إنّ موسى- (عليه السلام)- قتل رجلا من آل فرعون. فأصبح في المدينة خائفا يترقّب. فلمّا أصبحوا من الغد، إذا الرّجل الّذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر «ف قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ بالأمس رجل و اليوم رجل‏ فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى محمّد بن الجهم‏ (3) قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)- [فقال له المأمون: يا ابن رسول اللَّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟

قال: بلى.

قال: فأخبرني عن قول اللَّه- تعالى-] (4) فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏.

قال الرّضا- (عليه السلام)- إنّ موسى- (عليه السلام)- دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها. و ذلك بين المغرب و العشاء فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏- (عليه السلام)- على العدوّ بحكم اللَّه- تعالى ذكره- فوكزه فمات‏ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏، يعنى: الاقتتال الّذي كان وقع بين الرّجلين، لا ما فعله موسى- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في ن و س.

(2) عيون الأخبار 1/ 198- 199، و أول الحديث في ص 195.

(3) المصدر: على بن محمد بن الجهم.

(4) ليس في أ.

52

من قتله. «انّه»، يعني: الشّيطان. عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏.

قال المأمون: فما معنى قول موسى- (عليه السلام)-: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي؟ قال: يقول: وضعت نفسي غير موضعها (بدخول) (1) هذه المدينة. فَاغْفِرْ لِي‏، أي:

استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي، فيقتلوني. فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ قال موسى:

رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ‏ من القوّة حتّى قتلت رجلا بوكزه. فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ بل أجاهدهم‏ (2) في سبيلك بهذه القوّة حتّى ترضى. «فأصبح» موسى- (عليه السلام)- فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏ على آخر. قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏. قاتلت رجلا بالأمس، و تقاتل هذا اليوم لأؤدّبنّك. و أراد أن يبطش به.

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما و هو من شيعته. قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.

قال المأمون: جزاك اللَّه عن أنبيائه خيرا، يا أبا الحسن.

قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏: يتشاورون بسببك. و إنّما سمّي التّشاور ائتمارا، لأنّ كلّا من المتشاورين يأمر الآخر و يأتمر.

فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ (20): اللّام، للبيان. و ليس صلة «للنّاصحين». لأنّ معمول الصّلة لا يتقدّم الموصول.

فَخَرَجَ مِنْها: في المدينة. خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏: لحوق طالب.

قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (21): خلّصيني منهم، و احفظيني من لحوقهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بقوله: عن صاحبه و هرب. و كان خازن فرعون مؤمنا بموسى- (عليه السلام)- قد كتم إيمانه ستّمائة سنة. و هو الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ- وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ‏ و بلغ فرعون خبر قتل موسى الرّجل فطلبه ليقتله. فبعث المؤمن إلى موسى- (عليه السلام)-

____________

(1) المصدر: بدخولي.

(2) المصدر: أجاهد.

(3) تفسير القمي 2/ 137.

53

إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فخرج منها كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ- خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏ قال: يلتفت يمنة و يسرة. و يقول: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏: قبالة مدين، قرية شعيب. سمّيت باسم مدين بن إبراهيم. و لم تكن في سلطان فرعون. و كان بينها و بين مصر مسيرة ثمانية أيّام.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كانت عصا موسى قضيب آس بالجنّة أتاه جبرائيل لمّا توجّه تلقاء مدين.

قالَ عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏ (22): توكّلا على اللَّه، و حسن ظنّ به و كان لا يعرف الطّرق. فعنّ له ثلاث طرق، فأخذ بأوسطها. و جاء الطّلاب عقيبه، فأخذوا في الآخرين.

و في إرشاد المفيد (2) في مقتل الحسين- (عليه السلام)-: فسار الحسين- (عليه السلام)- إلى مكّة، و هو يقرأ: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. و لزم الطّريق الأعظم.

فقال له أهل بيته: لو تنكّبت الطّريق الأعظم كما صنع‏ (3) ابن الزّبير، لئلّا يلحقك‏ (4) الطّلب.

فقال: لا و اللَّه، لا أفارقه حتّى يقضي اللَّه ما هو قاض. و لمّا دخل الحسين- (عليه السلام)- مكّة، كان دخوله إليها ليلة الجمعة. لثلاث مضين من شعبان.

دخلها و هو يقرأ: وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏ (الحديث).

فلمّا دعا ربّه، استجاب له و دلّه على الطّريق المستقيم إلى مدين.

و قيل: جاء ملك على فرس و بيده عنزة، فانطلق به إلى مدين.

و قيل: إنّه خرج حافيا. و لم يصل إلى مدين حتّى وقع خفّ قدميه.

(5) وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ‏: وصل إليه. و هو بئر كانوا يستقون منها.

وَجَدَ عَلَيْهِ‏: وجد فوق شفيرها.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 250.

(2) ارشاد المفيد/ 202.

(3) المصدر: فعل.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يلحق.

(5) مجمع البيان 4/ 247.

54

أُمَّةً مِنَ النَّاسِ‏: جماعة كثيرة مختلفين. يَسْقُونَ‏: مواشيهم.

وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ‏: في مكان أسفل من مكانهم.

امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ‏: تمنعان أغنامهما عن الماء لئلّا تختلط بأغنامهم.

و قيل‏ (1): تذودان النّاس عن مواشيهما.

قالَ ما خَطْبُكُما: ما شأنكما تذودان.

قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ: يصرف الرّعاة مواشيهم عن الماء. حذرا عن مزاحمة الرّجال. و حذف المفعول، لأنّ الغرض هو بيان ما يدلّ على عفّتهما و يدعوه إلى السّقي لهما ثمّة دونه.

و قراء أبو عمر و ابن عامر. «يصدر»، أي: ينصرف‏ (2).

و قرئ: «الرّعاء» بالضّمّ.

و هو اسم جمع، كالرّخال. (3) وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23): كبير السّنّ. لا يستطيع أن يخرج للسّقي، فيرسلنا اضطرارا. فَسَقى‏ لَهُما: مواشيهما، رحمة عليهما.

و في جوامع الجامع‏ (4): روي أنّ الرّعاء كانوا يضعون على رأس البئر حجرا، لا يقلّه إلّا سبعة رجال. و قيل: عشرة. و قيل أربعون. فأقلّه وحده. و سألهم دلوا، فأعطوه دلوهم.

و كان لا ينزعها إلّا عشرة. فاستقى بها وحده مرّة واحدة. فروى عنهما و أصدرهما.

و قيل‏ (5): كانت بئر أخرى عليها صغرة، فرفعها و استقى منها.

ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَ‏: لأيّ شي‏ء أنزلت.

مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير. فَقِيرٌ (24): محتاج سائل.

قال ابن عبّاس‏ (6): سأل نبىّ اللَّه فلق خبز، يقيم به صلبه.

قال الأخفش‏ (7): يقال: فقير إليه، و فقير له.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 190.

(3) نفس المصدر 2/ 190- 191.

(4) جوامع الجامع/ 344.

(5) أنوار التنزيل 2/ 191.

(6) مجمع البيان 4/ 248.

(7) نفس المصدر و الموضع.

55

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بقوله: مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. و مرّ نحو مدين.

و كان بينه و بين مدين مسيرة ثلاثة أيّام فلمّا بلغ باب مدين، رأى بئرا يستقي النّاس منها لأغنامهم و دوابّهم. فقعد ناحية، و لم يكن أكل منذ ثلاثة أيّام شيئا. فنظر إلى جاريتين في ناحية و معهما غنيمات، لا تدنوان من البئر.

فقال لهما: ما لكما لا تستقيان؟

فقالتا كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فرحمهما موسى- (عليه السلام)- و دنا من البئر، فقال لمن على البئر: استقي لي دلوا و لكم دلوا.

و كان الدّلو يمدّه عشرة رجال. فاستقى وحده دلوا لمن على البئر، و دلوا لبنتي شعيب- (عليه السلام)- و سقى أغنامهما ثمّ تولّى إلى الظّلّ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و اللَّه، ما سأل اللَّه- عزّ و جلّ- إلّا خبزا يأكله. لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، و لقد رأوا خضرة البقل في صفاق بطنه من هزاله.

و في الكافي: عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ- حكايته عن موسى- (عليه السلام)-: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال: سأل الطّعام.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا و قوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال: إنّما عنى الطّعام. فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ موسى لذو جوعات.

(4)

عن ليث بن سليم‏ (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- شكا موسى- (عليه السلام)- إلى ربّه الجوع في ثلاثة مواضع‏ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللَّه- (عليه السلام)- حيث‏ (7) يقول: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و اللَّه، ما سأله إلّا خبزا

____________

(1) تفسير القمي 2/ 138.

(2) الكافي 6/ 287، ح 5.

(3) تفسير العياشي 2/ 330، ح 44.

(4) المصدر، س، أ، و م: لذو جواعات.

(5) نفس المصدر 2/ 335، ح 50.

(6) نهج البلاغة/ 226- 227، ضمن خطبة 160.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: إذ.

56

يأكله. لأنّه كان يأكل بقلة الأرض. و لقد كانت خضرة البقول ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله و تشذّب‏ (1) لحمه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، متّصلا بقوله: أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏- آخر ما نقلنا عنه سابقا- وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏ فخرج من مصر بغير ظهر و لا دابّة و لا خادم. تخفضه أرض و ترفعه أخرى، حتّى انتهى إلى أرض مدين.

فانتهى إلى أصل شجرة فنزل، فإذا تحتها بئر، و إذا عندها أمّة من النّاس يسقون، و إذا جاريتان ضعيفتان، و إذا معهما غنيمة لهما.

قال: ما خَطْبُكُما قالَتا: أبونا شيخ كبير، و نحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرّجال، فإذا سقى النّاس سقينا. فرحمهما موسى- (عليه السلام)- فأخذ دلوهما و قال لهما:

قدّما غنمكما. فسقى لهما. ثمّ رجعتا بكرة قبل النّاس. ثمّ تولّى موسى إلى الشّجرة، فجلس تحتها، و قال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فروي: أنّه قال ذلك، و هو محتاج إلى شقّ تمرة.

فلمّا رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه السّاعة! قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا.

فقال لإحديهما: اذهبي فادعيه لي.

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ، أي: مستحية، على عادة النّساء المخدّرات.

و قيل‏ (3): أراد باستحيائها، أنّها عظّت وجهها بكمّ ورعها.

قيل‏ (4): كانت الصّغرى منهما. و قيل: الكبرى. و اسمها صفوراء، أو صفراء. و هي الّتي تزوّجها موسى.

قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ‏: ليكافئك.

أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا: جزاء سقيك لنا. و لعلّ موسى إنّما أجابها ليتبرّك برؤية

____________

(1) تشذّب اللّحم: تفرّقه.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 150.

(3) مجمع البيان 4/ 248.

(4) أنوار التنزيل 2/ 191.

57

الشّيخ و يستظهر بمعرفته، لا طمعا في الأجر. بل روى‏ (1): أنّه لمّا جاءه، قدّم إليه طعاما.

فامتنع عنه، و قال: إنّا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدّنيا (2). حتّى قال شعيب: هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا.

فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (25): يريد فرعون و قومه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بقوله: من هذا له- إلى آخر ما نقلنا عنه سابقا- فلمّا رجعت ابنتا شعيب إلى شعيب، قال لهما: سرعتما الرّجوع. فأخبرتاه بقصّة موسى- (عليه السلام)- و لم تعرفاه. فقال شعيب- (عليه السلام)- لواحدة منهنّ: اذهبي إليه، فادعيه، لنجزيه أجر ما سقى لنا. فجاءت إليه كما حكى اللَّه- تعالى- تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فقام موسى معها. و مشت أمامه، فسفقتها الرّياح، فبان عجزها. فقال لها موسى: تأخّري، و دلّيني على الطّريق بحصاة تلقيها أمامي أتّبعها، فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النّساء. فلمّا دخل على شعيب قصّ عليه قصّته.

فقال له شعيب- (عليه السلام)-: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، متّصلا بقوله: أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فروى أنّ موسى- (عليه السلام)- قال لها: وجّهينى إلى الطّريق و امشي خلفي، فإنّا بني يعقوب لا ننظر في أعجاز النّساء فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

قالَتْ إِحْداهُما، يعني: الّتي استدعته.

يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ‏: لرعي الغنم.

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏ (26): تعليل نسائع، يجرى مجرى الدّليل على أنّه حقيق بالاستئجار. و للمبالغة فيه جعل «خير» اسما. و ذكر الفعل بلفظ الماضي، للدّلالة على أنّه امرؤ مجرّب معروف.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) يوجد في هامش نسخة م: فيه إشعار بعدم قبول الهدّية بعد قضاء الحاجة، كما ورد في جامع الأخبار و لّب الأحاديث [جامع الأخبار/ 182، فصل 117، بتغيير في اللفظ]: من قضى حاجة لأخيه فقبل هدّيته فقد أكل بالسحت. جعفر.

(3) تفسير القمي 2/ 138.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 151.

58

نقل‏ (1): أنّ شعيبا- (عليه السلام)- قال [لها:] (2) و ما أعلمك بقوّته و أمانته؟ فذكرت إقلال الحجر، [و أنّه صوّب رأسه‏ (3) حين بلّغته رسالته،] (4) و أمرها بالمشي خلفه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصلا بقوله: مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. قالت إحدى بنات شعيب: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏.

فقال لها شعيب: أمّا قوّته، فقد عرّفتنيه أنّه يستقي الدّلو وحده. فبما عرفت أمانته؟

فقالت: إنّه لمّا قال لي: تأخّري عنّي و دلّيني على الطّريق، فإنّا من قوم لا ينظرون إلى أدبار النّساء عرفت أنّه ليس من الّذين ينظرون أعجاز النّساء. فهذه أمانته.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و روى صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قوله اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏. [قال: قال لها شعيب: يا بنيّة، هذا قويّ قد عرّفتنيه‏ (7) برفع الصّخرة. الأمين‏] (8) من أين عرفته؟

قالت: يا أبة إنّي مشيت قدّامه، فقال: امشي من خلفي، فإن ضللت فارشديني إلى الطّريق، فإنّا قوم لا ننظر في أدبار النّساء.

و في مجمع البيان‏ (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لمّا قالت المرأة هذا، قال شعيب، و ما علّمك بأمانته و قوّته؟

قالت [: أمّا قوّته فلأنّه‏] (10) فرفع الحجر الّذي لا يرفعه و كذا و كذا. و أمّا أمانته، فإنّه قال لي: امشي خلفي، فأنا أكره أن تصيب الرّيح ثيابك فتصف لي عجزك.

(11)

و روى الحسن بن سعيد (12): عن صفوان [عن يحيى،] (13) عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: سئل، أيّتها الّتي قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ‏؟ قال: الّتي تزوّج بها.

قيل: فأي الأجلين قضى؟

قال: أوفاهما، و أبعدهما عشر سنين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 191.

2 و 4- من المصدر.

(3) صوّب رأسه: خفضه، و أماله.

(5) تفسير القمي 2/ 138.

(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 12، ح 7.

(7) المصدر: عرفتيه.

(8) ليس في س.

(9) مجمع البيان 4/ 249. و فيه: عمر بن الخطّاب» بدل «قال أمير المؤمنين علّى- (عليه السلام)-.»

(10) من المصدر. و في أ، م، ن: «فانّه» بدلا منه.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: جسدك.

(12) نفس المصدر 4/ 250.

(13) من المصدر.

59

قيل: فدخل بها قبل أن يمضى الشّرط، أو بعد انقضائه؟

قال: قبل أن ينقضي.

قيل له: فالرّجل يتزوّج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين، أ يجوز ذلك؟

قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- علم أنّه سيتم لّه شرطه‏ (1).

قيل: كيف؟

قال: علم أنّه سيبقى حتّى يفي.

قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي‏: أن تأجر نفسك منّي. أو تكون لي أجيرا.

و قيل‏ (2): معناه: أن تجعل جزائي و ثوابي أيّاك على أن أنكحك إحدى ابنتيّ، أن تعمل لي ثماني سنين. فزوّجه ابنته بمهر و استأجره للرّعي. و لم يجعل ذلك مهرا، و إنّما شرط ذلك عليه. و هذا على وفق مذهب أبي حنيفة. و الأوّل أصحّ و أوفق لظاهر الآية.

ثَمانِيَ حِجَجٍ‏: ظرف على الأوّلين. و مفعول به على الثّالث. بإضمار مضاف، أي: رعية ثماني حجج.

فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً: عمل عشر حجج.

فَمِنْ عِنْدِكَ‏: فإتمامه من عندك تفضّلا. لا من عندي إلزاما عليك.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن ابن سنان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن الإجارة.

فقال: صالح لا بأس به، إذا نصح قدر طاقته. قد آجر موسى- (عليه السلام)- نفسه و اشترط، فقال: إن شئت ثمان‏ (4)، و إن شئت عشرا فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- فيه.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: أنت تدري أن معنى الاجارة نقل المنافع و إنما تجدد المنافع بالتدريج فما ليس بملوك منها لا يصح تعلم، كاجارة الوقف، مثلا: إن مات الموقوف عليه وفق العقد على إجارة الطبقة المستاخرة للانكشاف عدم ملك الموجر للمنفعة فيما بقي من المدة فكون المهر نفقة الرجل في المتعة مشكل لما ذكره- (عليه السلام)- من التعليل فيصدقها ما لا يعلم ملكه. لأنه لا منفعة له بعد الموت و أما في الدائم فليس المهر شرط صحة العقد. فالرواية إما مخصوصة بالمنقطع، أو محمولة على إكراهه، أو فساد المهر دون النكاح.

(2) نفس المصدر 4/ 249- 250.

(3) الكافي 5/ 90، ح 2.

(4) المصدر: ثماني.

60

أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روى إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي جعفر محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: لا يحلّ النّكاح اليوم في الإسلام بإجارة، بأن يقول: أعمل عندك كذا و كذا على أن تزوّجني أختك أو ابنتك. قال: هو حرام، لأنّه ثمن رقبتها. و هي أحقّ بمهرها.

و في حديث آخر (2): إنّما كان ذلك لموسى بن عمران- (عليه السلام)- لأنّه علم من طريق الوحي هل يموت قبل الوفاء أم لا. فوفى بأتمّ الأجلين.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏ فروى: أنّه قضى أتمّهما.

لأنّ الأنبياء- (عليهم السلام)- لا تأخذ (4) إلّا بالفضل [و التّمام.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): قال الحلبيّ: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن البيت، أ كان يحجّ قبل أن يبعث النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)

قال: نعم و تصديقه في القرآن‏] (6) قول شعيب حين قال لموسى حيث تزوّج‏ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ‏ و لم يقل ثماني سنين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى أنس قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بكى شعيب- (عليه السلام)- من حبّ اللَّه- عزّ و جلّ- حتّى عمي، فردّ اللَّه- عزّ و جلّ- عليه بصره. ثمّ بكى حتّى عمي، فردّ اللَّه عليه بصره. [ثمّ بكى حتّى عمي فردّ اللَّه عليه بصره‏] (8) فلمّا كانت الرّابعة، أوحى اللَّه إليه: يا شعيب، إلى متى يكون هذا أبدا منك؟ إن يكن هذا خوفا من النّار، فقد أجرتك. و إن يكن شوقا إلى الجنّة، فقد أبحتك.

قال: (9) إلهي و سيّدي، أنت تعلم أنّي ما بكيت خوفا من نارك و لا شوقا إلى جنّتك، و لكن‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 268، ح 1271.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 1272.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 151.

(4) المصدر: يأخذون.

(5) تفسير العياشي 1/ 60، صدر حديث 99.

(6) ليس في أ.

(7) علل الشرائع/ 57، ح 1.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أجبتك فقال» بدل «أبحتك قال».

61

عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه أمّا إذا كان هذا هكذا، فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ يوشع بن نون وصيّ موسى- (عليه السلام)- عاش بعد موسى ثلاثين سنة. و خرجت عليه صفراء بنت شعيب، زوجة موسى- (عليه السلام)- فقالت: أنا أحقّ منك بالأمر. فقاتلها فقتل مقاتلتها و أحسن أسرها.

و فيه‏ (2): حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد ذكر موسى- (عليه السلام)-: و خرج إلى مدينة مدين، فأقام عند شعيب ما أقام: فكانت الغيبة الثّانية أشدّ عليهم من الأولى و كانت نيفا و خمسين [سنّة.] (3)

و بإسناده إلى عبد اللَّه بن سنان‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول في القائم- (عليه السلام)-: سنّة من موسى بن عمران- (عليه السلام)-.

فقلت: و ما سنّته من موسى بن عمران؟

قال: خفاء مولده، و غيبته عن قومه.

فقلت: و كم غاب موسى عن أهله؟

قال: ثمانية و عشرين سنة.

وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ‏: بإلزام إتمام العشر. أو المناقشة في مراعاة الأوقات، و استيفاء الأعمال. و اشتقاق المشقّة، من الشّقّ. فإنّ ما يصعب عليك [، يصعب‏] (5) اعتقادك في إطاقته و رأيك في مزاولته.

سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (27): في حسن المعاملة، و لين الجانب، و الوفاء بالمعاهدة.

قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ‏، أي: ذلك الّذي عاهدتني فيه قائم بيننا، لا تخرج عنه.

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 27.

(2) نفس المصدر/ 146.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 152، ح 14.

(5) من ن.

62

أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ‏: أطولهما. أو أقصرهما.

قَضَيْتُ‏: وفيتك إيّاه.

فَلا عُدْوانَ عَلَيَ‏: لا تعتدي عليّ بطلب الزّيادة.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الواحديّ بالإسناد: عن ابن عبّاس قال: سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أيّ الأجلين قضى موسى؟

قال: أوفاهما و أبطأهما.

و بالإسناد عن أبي ذرّ (2) قال: قال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إذا سئلت، أيّ الأجلين قضى موسى- (عليه السلام)-؟ فقل: خيرهما و أبرّهما. و إن سئلت، أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصّغرى منهما. و هي الّتي جاءت و قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ‏.

و قرئ: «أيما» بسكون الياء كقوله:

تنظّرت نصرا و السّماكين أيّهما* * * عليّ من الغيث استهلت مواطره‏

(3)

و أيّ الأجلين ما قضيت فيكون «ما» مزيدة لتأكيد الفعل، أي: أيّ الأجلين جروت عزمي لقضائه. «و عدوان» بالكسر.

وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ‏: من المشارطة.

وَكِيلٌ‏ (28) شاهد حفيظ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من خرج في سفر و معه عصا لوز مرّ، و تلا هذه الآية: وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏ إلى قوله: وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏ [آمنه اللَّه من كلّ سبع ضارّ، و من كلّ لصّ عاد، و من كلّ ذات حمّة حتّى يرجع إلى أهله و منزله. و كان معه سبعة و سبعون‏] (5) من المعقّبات يستغفرون له حتّى يرجع و يضعها. (6)

____________

(1) مجمع البيان 4/ 250.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 192.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 176، ح 786.

و للحديث ذيل.

(5) ليس في أ.

(6) يوجد في هامش نسخة م: و

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تنفي [، أى: العصا من لوز مرّ] (ليس في المصدر) الفقر و لا يحاوره الشيطان. و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مرض آدم مرضا شديدا أصابته فيه وحشة. فشكا ذلك إلى جبرئيل- (عليه السلام)-. فقال: اقطع [غصنا

63

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، مثله سواء.

فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ‏: بامرأته.

و روي‏ (2): أنّه قضى أقصى الأجلين. و مكث عنده بعد ذلك عشرا أخر، ثمّ عزم على الرّجوع.

آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً: أبصر من الجهة الّتي تلي الطّور.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث قال: فلمّا رجع موسى إلى امرأته، قالت: من أين جئت؟

قال: من عند ربّ تلك النّار.

قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ: بخبر الطّريق.

و في مجمع البيان‏ (4): و روى أبو منصور، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لما قضى موسى الأجل و سار بأهله نحو بيت المقدس، أخطأ الطّريق [ليلا] (5) فرأى نارا، قال لأهله [: امكثوا،] (6) إنّي آنست نارا.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جميلة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى [بن عمران‏] (8) ذهب يقتبس نارا لأهله، فانصرف إليهم و هو نبيّ مرسل.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه‏ (9)، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عمّن ذكره، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال:

قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى بن‏

____________

من لوز مرّ] (من المصدر) و خذه و ضمّها إلى صدرك. ففعل ذلك. فأذهب اللَّه عنه الوحشة.

فقال: من أراد أن يطوى له الأرض فليتّخذ العصا من لوز مرّ. و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من مشى مع العصا في السفر و الحضر للتواضع يكتب له بكلّ خطوة ألف حسنة و محي عنه ألف سيئة و رفع له ألف درجة. من كتاب لبّ الأحاديث (جامع الأخبار/ 141، ضمن فصل 77).

(1) ثواب الاعمال/ 222، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 2/ 192.

(3) مجمع البيان 4/ 253.

(4) نفس المصدر 4/ 250- 251.

5 و 6- من المصدر.

(7) الكافي 5/ 83، ح 2.

(8) ليس في المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

64

عمران- (عليه السلام)- خرج يقتبس نارا لأهله، فكلّمه اللَّه و رجع نبّيا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

أَوْ جَذْوَةٍ: عود غليظ. سواء كان في رأسه نار، أو لم تكن. و لذلك بيّنه بقوله:

مِنَ النَّارِ: و قرأ عاصم، بالفتح. و حمزة، بالضّمّ. و كلّها لغات.

لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏ (29): تستدفئون بها.

فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ‏: أتاه النّداء من الشّاطئ الأيمن لموسى.

فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ: متّصل «بالشّاطى.» أو صلة «لنودي».

مِنَ الشَّجَرَةِ: بدل من «شاطئ» بدل الاشتمال. لأنّها كانت ثابتة على الشّاطئ.

أَنْ يا مُوسى‏، أي: يا موسى. إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (30):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أيّ الأجلين قضى؟

قال: أتمّها، عشر حجج.

قلت له: فدخل بها قبل أن يقضي الأجل، أو بعده؟

قال: قبل.

قال [قلت:] (2) فالرّجل يتزوّج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين [مثلا،] (3) أ يجوز ذلك؟

قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- علم أنّه يتمّ له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنّه يبقى حتّى يفي؟

قلت له: جعلت فداك، أيّهما (4) (5) زوّجه شعيب من بناته؟

قال: الّتي ذهبت إليه فدعته و قالت لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏. فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ‏ قال لشعيب: لا بدّ لي أن أرجع إلى وطني و أمّي و أهل بيتي، فما لي عندك؟

____________

(1) تفسير القمي 2/ 139- 140.

2 و 3- ليس في المصدر.

(4) النسخ: أيّها.

(5) المصدر: أيتّها.

65

فقال شعيب- (عليه السلام)-: ما وضعت أغنامي في هذه السّنة من غنم بلق فهو لك. فعمد موسى- (عليه السلام)- عند ما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه‏ (1)، فقشر منه بعضه و ترك بعضه و غرزه في وسط مريض الغنم و ألقى عليه كساء أبلق، ثمّ أرسل الفحل على الغنم، فلم تضع [الغنم‏] (2) في تلك السّنة إلّا بلقا. فلمّا حال عليه الحول، حمل موسى امرأته و زوّده شعيب من عنده و ساق غنمه. فلمّا أراد الخروج قال لشعيب: أبغي عصا تكون معي. و كانت عصى الأنبياء- (عليهم السلام)- عنده ورثها مجموعة في بيت.

فقال له شعيب: ادخل هذا البيت، و خذ عصا من بين العصيّ. فدخل فوثب إليه عصا نوح و إبراهيم- (عليهما السلام)- و صارت في كفّه. فأخرجها و نظر إليها شعيب، فقال:

ردّها و خذ غيرها. فردها ليأخذ غيره، فوثبت إليه تلك بعينها فردّها حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات.

فلمّا رأى شعيب- (عليه السلام)- ذلك قال له: اذهب، فقد خصّك اللَّه- عزّ و جلّ- بها. فساق غنمه فخرج يريد مصر. فلمّا صار في مفازة (3) و معه أهله، أصابهم برد شديد و ريح و ظلمة، و جنّهم اللّيل. فنظر موسى- (عليه السلام)- إلى نار قد ظهرت كما قال اللَّه- تعالى-:

فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏. فأقبل نحو النّار يقتبس، فإذا شجرة و نار تلتهب عليها. فلمّا ذهب نحو النّار يقتبس منها، أهوت إليه ففزع و عدا [و رجعت النّار إلى الشّجرة. فالتفت إليها و قد رجعت إلى الشّجرة، فرجع الثّانية ليقتبس فأهوت إليه فعدا] (4) و تركها. ثمّ التفت و قد رجعت إلى الشّجرة، فرجع إليها الثّالثة فأهوت إليه فعدا «و لم يعقّب»، أي: لم يرجع فناده اللَّه- عزّ و جلّ-: أَنْ يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن الحسين بن عليّ بن مهزيار، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن مهزيار، (6) عن الحسين بن سعيد، عن عليّ بن الحكم، عن محزمة بن ربعي قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: شاطئ الوادي الأيمن الّذي ذكره اللَّه‏

____________

(1) المصدر: عصا.

(2) من المصدر

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: مفاوزه.

(4) ليس في الأصل.

(5) تهذيب الأحكام 6/ 38، ح 80.

(6) المصدر: محمد بن الحسن بن عليّ بن مهزيار.

66

في القرآن، هو الفرات. و البقعة المباركة، هي كربلاء. (1)

وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ، أي: فألقاها. فصارت ثعبانا و اهتزّت.

فلمّا رآها تهتزّ.

كَأَنَّها جَانٌ‏: في الهيئة و الجثّة. أو في السّرعة.

وَلَّى مُدْبِراً: مهزوما من الخوف.

وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏: و لم يرجع.

يا مُوسى‏: نودي: يا موسى.

أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ‏ (31): عن المخاوف. فإنّه‏ لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏ (2).

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ‏: أدخلها.

تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ عيب.

و في كتاب طبّ الأئمّة (3)، بإسناده إلى جابر الجعفيّ، عن الباقر- (عليه السلام)- قال: قال اللَّه- عزّ و جلّ- في قصّة موسى- (عليه السلام)-: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، يعني: من غير برص. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ‏: يديك المبسوطتين. تتّقي بهما الحيّة كالخائف الفزع، بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى و بالعكس. أو بإدخالهما في الجيب، فيكون تكريرا لغرض آخر. و هو أن يكون ذلك في وجه العدوّ إظهار جرأة، و مبدأ لظهور معجزة. و يجوز أن يراد بالضّمّ: التّجلّد و الثّبات، عند انقلاب العصا حيّة. استعارة من حال الطّائر. فإنّه إذا خاف نشر جناحيه، و إذا أمن و اطمأنّ ضمّهما إليه.

و قيل‏ (4): أي ضمّ يدك إلى صدرك من الخوف، فلا خوف عليك.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: لعلّ فيه دليل على أنّ كربلاء كانت ذلك اليوم تزار، أيضا. لأنّ بين مدين و مصر ثمانية أيّام كما مرّ في تفسير قوله:

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏- و كربلاء في جانب و مصر في جانب. و ليست على طريق مصر. و لا هي قريبة منه بل الخارج من مديرا كلمّا قرب من كربلاء بعد عن مصر: فلا مناص إلّا أن يقال موسى- (عليه السلام)- كما قصد كربلاء قصدا.

(2) النمل/ 10.

(3) طب الأئمة/ 56.

(4) مجمع البيان 4/ 252.

67

و المعنى: أنّ اللَّه- تعالى- أمره أن يضمّه إلى صدره، يذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحيّة.

مِنَ الرَّهْبِ‏، أي: من أجل الرّهب، أي: إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلّدا، أو ضبطا لنفسك.

و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر، بضمّ الرّاء، و سكون الهاء (1).

و قرئ، بضمّهما. (2) و [قرأ حفص،] بالفتح و السّكون. و الكلّ لغات. (3) فَذانِكَ‏: إشارة إلى العصا و اليد. و شدّده ابن كثير و أبو عمرو و رويس.

بُرْهانانِ‏: حجّتان.

و برهان، فعلان. لقولهم: أبره الرّجل: إذا جاء بالبرهان. من قولهم: بره الرّجل: إذا ابيضّ و يقال: برهاء و برهرهة للمرأة البيضاء.

و قيل‏ (4): فعلال. لقولهم: برهن.

مِنْ رَبِّكَ‏: مرسلا بهما.

إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏ (32): فكانوا أحقّاء بأن ترسل إليهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصلا بقوله: رَبُّ الْعالَمِينَ‏. قال موسى- (عليه السلام)- فما الدّليل على ذلك؟

قال اللَّه- عزّ و جلّ- ما في يمينك يا موسى؟

قالَ هِيَ عَصايَ‏ قالَ أَلْقِها يا مُوسى‏* فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ‏ (6) حَيَّةٌ تَسْعى‏، (7) ففزع منها موسى وعدا.

فناداه اللَّه- عزّ و جلّ-: خذها وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، أي: من غير علّة. و ذلك أنّ موسى- (عليه السلام)- كان شديد السّمرة. فأخرج يده من جيبه‏ (8)، فأضاءت له الدّنيا. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 193.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 140.

(6) المصدر: «فصارت» بدل «فإذا هي».

(7) طه/ 18- 20

(8) أ: فأخرج يده جيبه تخرج بيضاء.

68

قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏ (33): بها.

وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً: معينا و هو في الأصل، اسم ما يعان به. كالدّف‏ء. يقال: فلان ردء لفلان: إذا كان ينصره، و يشدّ ظهره.

و قرأ نافع: «ردا» بالتّخفيف.

يُصَدِّقُنِي‏: بتلخيص الحقّ، و تقرير الحجّة، و تزييف الشّبهة. و إنّما كان سؤاله بعد أن أذن له فيه. لأنّ الإنسان لا يعلم أنّ المصلحة في إرسال نبيّ واحدا و اثنين، إلّا بالوحي.

و قيل‏ (1): معناه: لكي يصدّقني فرعون.

إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏ (34): و لساني لا يطاوعني عند المحاجّة.

و قيل‏ (2): المراد، تصديق القوم لتقرير هارون‏ (3) و توضيحه. [لكنّه أسند إليه إسناد الفعل إلى السّبب.

و قرأ عاصم و حمزة: «يصدّقني» بالرّفع. على أنّه صفة، و الجواب محذوف‏ (4)] (5).

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (6): فقال موسى كما حكى اللَّه: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏.] (7) قال الرّاوي: فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: فكم مكث موسى- (عليه السلام)- غائبا عن أمّه حتّى ردّه اللَّه- عزّ و جلّ- عليها؟

قال: ثلاثة أيّام.

قال: فقلت: فكان هارون أخا موسى- (عليه السلام)- لأبيه و أمّه؟

قال: نعم. أما تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏.

فقلت: أيّهما كان أكبر سنّا؟

____________

(1) مجمع البيان 4/ 253.

(2) أنوار التنزيل 2/ 193.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: لتقريره.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ.

(6) تفسير القمي 2/ 136- 137.

(7) ليس في المصدر.

69

قال: هارون.

قلت: و كان الوحي ينزل عليهما جميعا؟

قال: كان الوحي ينزل على موسى، و موسى- (عليه السلام)- يوحيه إلى هارون.

فقلت له: أخبرني عن الأحكام و القضاء و الأمر و النّهي، أ كان ذلك إليهما؟

قال: كان موسى- (عليه السلام)- الّذي يناجى ربّه، و يكتب العلم، و يقضي بين بني إسرائيل. و هارون يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة.

قلت: فأيّهما مات قبل صاحبه؟

قال: مات هارون قبل موسى- (عليه السلام)- و ماتا جميعا في التّيه.

قلت: فكان لموسى ولد؟

قال: لا. كان الولد لهارون، و الذّرّيّة له.

قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ‏: سنقوّيك به. فإنّ قوّة الشّخص شدّة اليد على مزاولة الأمور. و لذلك يعبّر عنه باليد، و شدّتها بشدّة العضد.

وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً: غلبة و حجّة.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى الحسينيّ‏ (2)، عن جدّه يحيى بن الحسن، عن أحمد بن يحيى الأزديّ، عن عمر بن حامد بن طلحة، عن عبيد اللَّه بن المهلّب البصريّ، عن المنذر بن زياد الضّبّيّ، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مصدّقا إلى قوم. فعدوا على المصدّق، فقتلوه. فبلغ ذلك النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فبعث إليهم عليّا- (عليه السلام)- فقتل المقاتلة و سبى الذّرّيّة. فلمّا بلغ عليّ- (عليه السلام)- أدنى المدينة، تلقّاه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و التزمه و قبّل بين عينيه، و قال: بأبي و أمّي من شدّ اللَّه به عضدي، كما شدّ عضد موسى بهارون.

فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما: باستيلاء. أو حجاج.

بِآياتِنا: متعلّق بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا. أو «بنجعل»، أي: نسلّطكما بها.

أو بمعنى لا يصلون، أي: تمتنعون منهم بآياتنا. أو قسم جوابه لا يصلون. أو بيان «للغالبون» في قوله: أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏ (35): بمعنى: أنّه صلة لما بينه، أو صلة له. على‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 150.

(2) المصدر: الحسين بن محمّد بن يحيى الحسينىّ.

70

أنّ اللّام فيه للتّعريف، لا بمعنى: الّذي.

و في كتاب طبّ الأئمّة- (عليهم السلام)(1)- بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة السّلميّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال الأصبغ: أخذت هذه العوذة منه- (عليه السلام)- و قال لي: يا أصبغ، هذه عوذة السّحر و الخوف من السّلطان. تقولها سبع مرّات: بسم اللَّه و باللَّه، سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا، أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏. و تقول في وجه السّاحر إذا فرغت من صلاة اللّيل، قبل أن تبدأ بصلاة النّهار سبع مرّات. فإنّه لا يضرّك إن شاء اللَّه.

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى‏ بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً‏: سحر تختلقه، لم يفعل قبل مثله. أو سحر تعمله، ثمّ تفتريه على اللَّه. أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السّحر.

وَ ما سَمِعْنا بِهذا، يعنون: السّحر. أو ادّعاء النّبوّة.

فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ‏ (36): كائنا في أيّامهم. و إنّما قالوا ذلك مع اشتهار قصّة نوح و هود و صالح و غيرهم، لأحد أمرين: إمّا للفترة الّتي بين الوقتين و الزّمان الطّويل.

و إمّا لأنّ آباءهم ما صدّقوا بشي‏ء من ذلك و لا دانوا به. فيكون المعنى: ما سمعنا بآبائنا أنّهم صدّقوا الرّسل فيما جاؤوا به.

وَ قالَ مُوسى‏ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى‏ مِنْ عِنْدِهِ‏: فيعلم أنّه محقّ و أنتم مبطلون.

و قراء ابن كثير «قال» بغير واو. لأنّه «قال» جوابا لمقالتهم. و وجه العطف، أنّ المراد حكاية القولين. ليوازن النّاظر بينهما، فيميّز صحيحهما في الفاسد (2).

وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ: العاقبة المحمودة. فإنّ المراد بالدّار الدّنيا، و عاقبتها الأصليّة هي الجنّة. لأنّها خلقت مجازا الى الآخرة. و المقصود منها بالذّات، هو الثّواب و العقاب و إنّما قصد بالعرض.

و قراء حمزة و الكسائي: «يكون» (3) بالياء.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ (37): لا يفوزون بالهدى في الدّنيا، و حسن العاقبة في‏

____________

(1) طبّ الأئمّة/ 35.

(2) أنوار التنزيل 2/ 194.

(3) نفس المصدر و الموضع.

71

العقبى.

وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏: نفى علمه بإله غيره دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم. و لذلك أمر ببناء الصّرح ليصعد عليه و يطّلع على الحال. بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ‏، أي: فأجّج النّار على الطّين و اتّخذ الآجر.

و قيل‏ (1): إنّه أوّل من اتّخذ الآجر و بنى به.

فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً: قصرا و بناء عاليا.

لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏: كأنّه توهّم أنّه لو كان، لكان جسما في السّماء يمكن التّرقّي إليه. ثمّ قال:

وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ (38): أو أراد أن يبني له رصدا، يترصّد منها أوضاع الكواكب، فيرى هل فيها ما يدّل على بعثة رسول، و تبدّل دولة.

و قيل‏ (2): المراد بنفي العلم، نفي المعلوم. كقوله- تعالى- (3): أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏. فإنّ معناه: بما ليس فيهنّ. و هذا من خواصّ العلوم الفعليّة، فإنّها لازمة لتحقّق معلوماتها. فيلزم من انتفائها، انتفاؤها. و لا كذلك العلوم الانفعاليّة.

و في كتاب سعد السّعود (4) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير الكلبيّ، عن الكلبيّ، (5) عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏ أنّ جبرائيل- (عليه السلام) و سلّم- قال لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا (6) محمّد، لو رأيتني و فرعون يدعو بكلمة الإخلاص‏ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. و أنا أدسّه‏ (7) في الماء و الطّين، لشدّة غضبي عليه، مخافة أن يتوب فيتوب اللَّه- عزّ و جلّ- عليه.

قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ما كان شدّة غضبك عليه يا جبرائيل؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: قيل: أوّل من اتّخذ الآجر فرعون. و لذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمّن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظيم. و لذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) يونس/ 18.

(4) سعد السعود/ 218.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: محمد عن الكلبي.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: أدفنه.

72

قال: لقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و هي كلمته الآخرة منهما، و إنّما قالها حين انتهى إلى البحر. و كلمته الأولى‏ (1): [ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏] (2) فكان بين الأولى و الآخرة أربعين سنة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ‏. فبنى هامان له في الهواء صرحا، حتّى بلغ مكانا في الهواء لا يتمكّن الإنسان أن يقيم‏ (4) عليه من الرّياح القائمة في الهواء. فقال لفرعون: لا نقدر أن نزيد على هذا. فبعث اللَّه- عزّ و جلّ- رياحا فرمت به. فاتّخذ فرعون و هامان عند ذلك التّابوت. و عمدا إلى أربعة أنسر، فأخذا أفراخها و ربّياها. حتّى إذا بلغت القوّة و كبرت، عمدا إلى أربعة أنسر، فأخذا أفراخها و ربّياها حتى إذا بلغت القوّة و كبرت، عمدا إلى جوانب التّابوت الأربعة فغرسا في كلّ جانب منه خشبة. و جعلا على رأس كلّ خشبة لحما، و جوّعا الأنسر. و شدّا أرجلها بأصل الخشبة. فنظرت الأنسر إلى اللّحم، فأصوت إليه [و صفقت‏] (5) بأجنحتها و ارتفعت بهما في الهواء، و أقبلت تطير بومها. فقال فرعون لهامان: أنظر إلى السّماء، هل بلغناها؟ فنظر هامان، فقال: أرى السّماء كما كنت أراها من الأرض في البعد. فقال: انظر إلى الأرض. فقال: لا أرى الأرض، و لكن أرى البحار و الماء.

قال: فلم يزل النّسر ترتفع حتّى غابت الشّمس، و غابت عنهم البحار و الماء. فقال فرعون: يا هامان، انظر إلى السّماء. فنظر السّماء فقال: أراها كما كنت أراها من الأرض.

فلمّا جنهم اللّيل، نظر هامان إلى السّماء. فقال فرعون: هل بلغناها؟ قال: أرى الكواكب كما كنت أراها من الأرض، و لست أرى من الأرض إلّا الظّلمة.

قال: ثمّ جالت الرّياح القائمة في الهواء [فانقلبت‏] (6) فأقلبت‏ (7) التّابوت بهما. فلم يزل يهوي بهما حتّى وقع على الأرض. و كان فرعون أشدّ ما كان عتوّا في ذلك الوقت.

وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏: بغير الاستحقاق.

____________

(1) المصدر: «كلمة ما علمت لكم من إله غيرى» بدل «كلمة الأولى.»

(2) ليس في س، و أ.

(3) تفسير القمي 2/ 141.

(4) المصدر: يقوم.

(5) ليس في المصدر.

(6) من م.

(7) المصدر: بينهما فأقبلت.

73

و في جامع الجوامع‏ (1): و كل متكبّر (2) سوى اللَّه- عزّ و جلّ- فاستكباره بغير الحقّ.

و هو- جلّ جلاله- المتكبّر على الحقيقة، أي: البالغ في الكبرياء (3).

و قال- (عليه السلام)- فيما حكاه عن ربّه- عزّ و جلّ-: الكبرياء ردائي، و العظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما، ألقيته في النّار.

وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ‏ (39): بالنّشور.

و قرأ نافع و حمزة و الكسائيّ، بفتح الياء و كسر الجيم‏ (4).

فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ‏: كما مرّ بيانه. و فيه فخامة و تعظيم لشأن الآخذ، و استحقار للمأخوذين. كأنّه‏ (5) أخذهم مع كثرتهم في كفّ‏ (6) و طرحهم في اليّم.

و نظيره: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏. (7) فَانْظُرْ: يا محمّد.

كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏ (40): و حذّر قومك عن مثلها.

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً: و هذا يحتاج إلى تأويله. لأنّ ظاهره يوجب أنّه- تعالى- جعلهم أئمّة يدعون إلى النّار، كما جعل الأنبياء يدعون إلى الجنّة. و هذا ممّا لا يقول به أحد. فالمعنى: أنّه أخبر عن حالهم بذلك، و حكم بأنّهم كذلك. و قد يحصل الإضافة على هذا الوجه المتعارف. و يجوز أن يكون أراد بذلك أنّه لمّا أظهر حالهم على لسان أنبيائه حتّى عرفوا فكأنّه جعلهم كذلك.

يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ: إلى موجباتها، من الكفر و المعاصي.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال: إنّ الأئمّة في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- إمامان. قال اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لا بأمر النّاس يقدمون أمر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللّه قبل حكمهم. قال:

____________

(1) جوامع الجامع/ 345- 346.

(2) المصدر: كل مستكبر متكبر.

(3) المصدر: «المبالغ في كبرياء الشأن» بدل «البالغ في الكبرياء و».

(4) أنوار التنزيل 2/ 194.

5 و 6- م: كأنهم ... كفهم.

(7) الزمر/ 67.

(8) الكافي 2/ 216، ح 2.

74

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون امر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللَّه قبل حكمهم. قال‏ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون أمرهم قبل أمر اللَّه و حكمهم قبل حكم اللَّه. و يأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ‏ (41): بدفع العذاب عنهم.

وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً: طردا عن الرّحمة، و لعن اللّاعنين. يلعنهم الملائكة و المؤمنون.

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏ (42): من المطرودين. أو ممّن قبّح وجوههم بسواد الوجوه و زرقة الأعين. أو في المقبوحين المموّهين.

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏: التّوراة.

مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏: أقوام نوح و هود و لوط و صالح.

و قيل‏ (1): يجوز أن يريد بالقرون قوم فرعون. لأنّه- سبحانه- أعطاه‏ (2) التّوراة بعد إهلاكهم‏ (3) بمدّة.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاءت الرّواية بالإسناد: عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: ما أهلك اللَّه قوما و لا قرنا و لا أمّة و لا أهل قرّبة بعذاب [من السّماء] (5) منذ أنزل التّوراة على وجه الأرض، غير أهل القرية الّتي مسخوا قردة.

ألم تر أنّ اللَّه- تعالى- قال: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏ (الآية).

بَصائِرَ لِلنَّاسِ‏ أنوارا لقلوبهم. تتبصّر بها الحقائق، و تميّز بين الحقّ و الباطل.

وَ هُدىً‏: إلى الشّرائع، الّتي هي سبل اللَّه.

وَ رَحْمَةً: لأنّهم لو عملوا بها نالوا رحمة اللَّه.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (43): ليكونوا على حال يرجى منهم التّذكّر. و قد فسّر بالإرادة [و فيه ما عرفت.] (6) وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ‏: يريد الوادي. أو الطّور، فإنّه كان في شقّ الغرب‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 256.

2 و 3- هكذا في المصدر. و في النسخ: أعطى ...

إهلاكه.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

(6) من ن.