هداية العقول في شرح كفاية الأصول‏ - ج3

- السيد محمد علي‏ الموسوي الحمامي المزيد...
298 /
3

الجزء الثالث‏

[تتمه مقصد الثانى‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف النبيين و خاتم المرسلين أبي القاسم محمد و آله الطاهرين و بعد- فهذا الجزء الثالث من «هداية العقول» بين يدي أهل العلم و حملة فقه أهل البيت (عليهم السلام) سائلا منه تعالى أن يقع موضع قبولهم و محل استفادة الجميع منه و ان يوفقنا لانجاز بقية الاجزاء أنه ولي السداد:

«المؤلف»

4

«فصل» في أن النهي عن الشي‏ء هل يقتضي فساده أم لا و ليقدم أمور «الاول» أنه قد عرفت في المسألة السابقة الفرق بينها و بين هذه المسألة و أنه لا دخل للجهة المبحوث عنها في احداهما بما هو جهة البحث في الأخرى و ان البحث في هذه المسألة في دلالة النهي بوجه يأتي تفصيله على الفساد بخلاف تلك المسألة فان البحث فيها في أن تعدد الجهة يجدي في رفع غائلة اجتماع الأمر و النهي في مورد الاجتماع أم لا

____________

فصل في أن النهي عن الشي‏ء هل يقتضي فساده أم لا

مثلا لو قال المولى: «لا تصلى في النجس» فلو صلى فيه هل تكون صلاته باطلة أم لا (و ليقدم أمور) مهمة قبل بيان المختار و هي الأمر (الأول: انه قد عرفت في المسألة السابقة) و هي مسألة جواز اجتماع الامر و النهي أو عدمه (للفرق بينها و بين هذه المسألة) أي مسألة اقتضاء النهي للفساد أم لا (و) للذي يدل على هذا للفرق ما تقدم من (أنه) أي مناط الفرق بين المسألتين هو أن تعدد المسألة بتعدد الجهة و ما نحن فيه كذلك حيث (لا دخل للجهة المبحوث عنها في احداهما بما هو جهة للبحث في الأخرى و) خلاصته (ان للبحث في هذه المسألة في دلالة للنهى بوجه يأتي) في المباحث الآتية (تفصيله على الفساد بخلاف تلك المسألة) و هي مسألة جواز الاجتماع أو عدمه (فان للبحث فيها في أن تعدد الجهة) و العنوان على معنون خارجي واحد هل (يجدي في رفع غائلة اجتماع الأمر و النهي) بحيث لا يلزم اجتماع الضدين (في مورد الاجتماع) بان تكون الجهتان على استقلالهما موضوعين للحكم من غير أن يسرى الى معنون واحد (أم لا) يجدي بأن تكون الجهتان مرآتين لملاحظة المعنون فالحكم عليهما

5

«الثاني» أنه لا يخفى عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ انما هو لأجل أنه في الاقوال قول بدلالته على الفساد في المعاملات مع انكار الملازمة بينه و بين الحرمة التي هي مفاده فيها

____________

يسري اليه فالغائلة لا ترتفع، و الحاصل: أن الكلام في اجتماع الأمر و النهي في أصل إمكان التعلق و في مسألتنا في انه بعد التعلق هل يكون الشي‏ء فاسدا أم لا

الأمر (الثاني) أنه قد توهم بعض المحققين أن النزاع في هذه المسألة عقلي كالمسألة السابقة و مسألة مقدمة الواجب و لا ارتباط لها باللفظ فالنزاع في أن العقل هل يحكم بالملازمة بين الحرمة- و لو كانت مستفادة من الاجماع أو الضرورة- و بين الفساد و يدفع التوهم بقوله: (انه لا يخفى) امكان (عدّ هذه المسألة) عقلية بملاحظة أن النزاع فيها في أنه هل يكون تلازم بين الحرمة و الفساد مطلقا أم لا يكون أم يكون التلازم في العبادات لا في المعاملات و لا فرق فيما ذكر بين استفادة النهي من اللفظ أم من غيره و أما عدّ هذه المسألة (من مباحث الألفاظ) فهو (إنما هو لأجل انه في الأقوال) المذكورة في هذه المسألة (قول بدلالته) أي بدلالة النهي (على الفساد في المعاملات) فيما لو ورد نهي عن معاملة (مع إنكار) هذا القائل لاصل (الملازمة بينه) أي بين الفساد (و بين الحرمة التي هي) أي الحرمة (مفاده) أي مفاد النهي (فيها) أي في المعاملات و بعبارة اوضح: لا يرى هذا القائل تلازما بين الفساد و الحرمة في المعاملات فعنده أن المعاملة تقع فاسدة من غير استلزام لذلك أن يكون فاعلها مرتكبا للحرام اصلا فاذا لم تكن ملازمة بين الحرمة و الفساد و المفروض ليس هناك شي‏ء يستدل به على فساد المعاملة سوى وجود النهي عنها و حينئذ فالدال على الفساد فيها منحصر بصيغة

6

و لا ينافي ذلك أن الملازمة على تقدير ثبوتها في العبادة انما تكون بينه و بين الحرمة و لو لم تكن مدلولة بالصيغة و على تقدير عدمها تكون منتفية بينهما لا مكان أن يكون البحث معه في دلالة الصيغة بما تعم دلالتها بالالتزام‏

____________

النهي فيكون هذا المفاد مدلولا للنهي اللفظي فتكون المسألة- على هذا- لفظية.

(و) ان اشكل بانه (لا) يمكن عدّ هذه المسألة بباب الألفاظ لانه (ينافي ذلك) أي عدها بباب الألفاظ هو (أن الملازمة على تقدير ثبوتها في العبادة انما تكون بينه) اي بين الفساد (و بين الحرمة و لو لم تكن) الحرمة (مدلولة بالصيغة) بل استفيدت من اجماع أو ضرورة أو عقل (و على تقدير عدمها) أي عدم الملازمة (تكون) الدلالة على الفساد (منتفية بينهما) أي بين الفساد و الحرمة و الحاصل: أنه في المعاملات يوجد قول بعدم الملازمة بين الحرمة و الفساد و انما النهي اللفظي يدل على الفساد و أما في العبادات فنظر العلماء الى الملازمة بين الحرمة و الفساد و ان استفيدت الحرمة من غير اللفظ فكيف يمكن تخصيص المسألة بباب الالفاظ.

و الجواب عنه: بانه لا تنافي بين كون النزاع في العبادة من جهة الملازمة و بين عدّ المسألة لفظية و ذلك (لا مكان أن يكون البحث معه) أي مع هذا القائل بدلالته على الفساد في المعاملات مع انكار الملازمة المذكورة فيها (في دلالة الصيغة) أي صيغة النهي على الفساد (بما تعم دلالتها بالالتزام) فالنزاع في اللفظ و انه هل للفظ دلالة و لو التزامية ناشئة من الملازمة العقلية على الفساد أم لا و على هذا يكون مجمع الأقوال‏

7

فلا يقاس بتلك المسألة التي لا يكاد يكون لدلالة اللفظ بها مساس فتأمل جيدا.

«الثالث» ظاهر لفظ النهي و ان كان هو النهي التحريمي إلّا أن ملاك البحث يعم التنزيهي‏

____________

هنا فالعلماء يقولون بوجود الدلالة الالتزامية في العبادات و هذا القائل يقول بعدمها و يدعي الدلالة في المعاملات لا بنحو الالتزام.

و على أي حال (فلا يقاس) مسألة اقتضاء النهي للفساد الممكن عدّها لفظية (بتلك المسألة) و هي مسألة جواز اجتماع الامر و النهي و عدمه (التي) كان البحث فيها في امكان الاجتماع و عدمه عقلا بحيث (لا يكاد يكون لدلالة اللفظ بها مساس) اصلا بل هي عقلية صرفة (فتأمل جيدا) لتعرف الفرق بين المسألتين.

الأمر (الثالث) و يشتمل على بيان امرين «الاول» ان النهي الذي هو محل الكلام يراد منه الأعم من النهي التحريمي الدال على حرمة الشي‏ء و النهي التنزيهي الدال على مرجوحية الشي‏ء بدون الحرمة خلافا لما عن الأنصاري في تقريراته: من تخصيص النزاع بالتحريمي «الثانى» أن النهي هنا يراد منه الأعم من النفسي و من الغيري و الغيري اعم من التبعي و الأصلي خلافا للقمي في قوانينه و اشار المصنف الى الأمر الأول بقوله: (ظاهر لفظ النهي و ان كان هو النهي التحريمي) لتبادر التحريمي من اطلاق النهي و انصرافه منه لأنه اشخص معانيه و اظهرها (إلا ان ملاك البحث) الذي نحن فيه و الجهة المقصودة منه هي منافاة النهي للصحة أو عدم المنافاة (يعم التنزيهي) و هو أن المرجوحية الصرفة مستلزمة للفساد في الفساد حيث أنها لا تقع عبادة إلا اذا كانت‏

8

و معه لا وجه لتخصيص العنوان و اختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به كما لا يخفى، كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي فيعم الغيري‏

____________

راجحة فهذه تكون قرينة صارفة للفظ النهي عن الظهور المذكور في التحريمي (و معه) أي مع عموم الملاك الذي يصلح قرينة صارفة (لا وجه لتخصيص العنوان) أي عنوان البحث بالنهي التحريمي فقط بل يعم النهي التحريمي و التنزيهي.

(و) أن اشكل: بانه لا وجه لتعميم النهي حتى يشمل التحريمي و التنزيهي (اختصاص عموم ملاكه) أي ملاك البحث (بالعبادات) فقط و توضيحه: أن النهي على قسمين- كما تقدم- و المنهي عنه ايضا على قسمين عبادة و معاملة فالاقسام تكون اربعة الأول: العبادة المنهي عنها بالنهى التحريمي، الثانى: العبادة المنهي عنها بالنهي التنزيهي الثالث المعاملة المنهي عنها بالنهي التحريمي، الرابع: المعاملة المنهي عنها بالنهي التنزيهي و منافاة النهي التنزيهي للصحة انما يكون في العبادة دون المعاملة لأن المعاملة المكروهة صحيحة قطعا فالنهي التنزيهي خاص بالعبادات و حينئذ فالاولى أن يكون المراد من النهي النهي التحريمي فقط حتى يعم النزاع كلّا من العبادات و المعاملات.

فيجاب عنه بان اختصاص عموم الملاك بالعبادة (لا يوجب التخصيص) أي تخصيص عنوان البحث (به) أي بالنهي التحريمي (كما لا يخفى) حيث يكفي في عموم ملاك البحث كون العبادات في ضمن جميع محتويات البحث و لا يمنع ذلك خروج المعاملات عن سعة دائرة هذا العموم (كما لا وجه لتخصيصه) أي لتخصيص النهي الواقع في عنوان المسألة (بالنفسي) و ان كان ظاهر لفظ النهي فيه (فيعم الغيري) أيضا

9

اذا كان اصليا و اما إذا كان تبعيا فهو و ان كان خارجا عن محل البحث لما عرفت أنه في دلالة النهي و التبعي منه من مقولة المعنى إلا أنه داخل فيما هو ملاكه فان دلالته على الفساد على القول به فيما لم يكن للارشاد اليه‏

____________

(اذا كان) نهيا (اصليا) بان كان مدلولا للخطاب كما لو قال:

«لا تصلي في المسجد اذا رأيت النجاسة فيه» بحيث كان النهي غيريا مقدمة للازالة الواجبة و انما قلنا بتعميم النهي للغيري لما تقدم من عموم الملاك و أنه هل ينافي النهي الغيرى الصحة أم لا (و أما إذا كان) النهي الغيري (تبعيا) و هو الذي لا تكون الدلالة عليه مقصودة من اللفظ بل هو لازم للمراد باللزوم العقلي كما لو أمر بازالة النجاسة و قلنا أن من مقدماته ترك الصلاة فتكون الصلاة منهيا عنها تبعا من باب مقدمية ترك الضد لفعل الضد الآخر (فهو) أي مثل هذا النهي (و ان كان خارجا عن محل البحث لما عرفت انه) أي محل البحث انما هو (في دلالة النهي) نفسه على الفساد و هذه الدلالة من مقولة اللفظ (و التبعي منه) أي من النهي (من مقولة المعنى) المستفاد من حكم العقل فلا نهي هناك لفظا حتى يدل على الفساد (إلا انه) أي النهي التبعي (داخل فيما هو ملاكه) أي داخل في ملاك البحث- لما تقدم- من ان ملاك البحث أنه هل ينافي النهي الصحة أم لا سواء كان النهي مستفادا من الدلالة اللفظية أو كان مستفادا من حكم العقل بسبب الملازمة العقلية باعتبار أن ترك الضد مقدمة لفعل ضده و الذي يدل على دخول النهي التبعي ملاكا في البحث قوله:

(فان دلالته) أي دلالة النهي (على الفساد على القول به) أي على القول بان النهي يدل على الفساد (فيما لم يكن) مسوقا (للارشاد اليه) أي الى الفساد و أما إذا أحرز أن داعي النهي هو صرف الارشاد بسببه‏

10

إنما يكون لدلالته على الحرمة من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك كما توهمه القمي و يؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الامر بالشى‏ء يقتضي للنهي عن ضده فساده اذا كان عبادة

____________

الى فساد ما تعلق به كان النهي المزبور دالا على الفساد قطعا من دون حاجة الى دعوى ملازمة الحرمة التي هي مفاد النهي للفساد- نعم النهي في غير صورة الفرض- دلالته على الفساد (انما يكون لدلالته على الحرمة) الملازمة للفساد و الحرمة موجودة في النهي للغيري التبعي كما هي موجودة في النهي النفسي (من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته) أي مخالفة النهي (في ذلك) أي في دلالته على الفساد لأن الملازمة المدعاة انما هي بين الحرمة و بين الفساد من غير أن يشترط في الحرمة كونها موجبة للعقاب أو غير موجبة فالنهي للغيرى يوجب الحرمة إلا أنها فيه لا توجب للعقاب اذ لا ثواب و لا عقاب على الغيرى كما تقدم في مبحث مقدمة الواجب- و المتحصل: أن مدار النزاع على التحريم و هو موجود في التبعي و ليس مدار النزاع على العقوبة حتى يخرج التبعي (كما توهمه) المحقق (القمي) مرتئيا أن ما لا يوجب عقابا لا يستلزم فسادا (و يؤيد ذلك) أي التعميم للتبعي (أنه) أي المحقق القمي (جعل ثمرة النزاع في) مسألة (أن الأمر بالشى‏ء يقتضي النهي عن ضده) أم لا يقتضي (فساده اذا كان) الضد المنهي عنه (عبادة) و وجه التأييد أن النهي المتوجه الى الصلاة فيما اذا أمر بالإزالة نهي تبعي غيرى و مع ذلك حكم العلماء باقتضائه الفساد للصلاة بناء على القول باقتضاء النهي الفساد و لو كان مدار النزاع في الفساد و عدمه على العقاب كما زعمه القمي- لم يكن وجه لبطلان الصلاة لأن النهي المتوجه اليها ليس موجبا للعقوبة

11

فتدبر جيدا «الرابع» ما يتعلق به النهي أما أن يكون عبادة أو غيرها و المراد بالعبادة هاهنا ما يكون بنفسه و بعنوانه عبادة له تعالى موجبا بذاته للتقرب من حضرته لو لا حرمته كالسجود و الخضوع و الخشوع له و تسبيحه و تقديسه أو

____________

لأنه نهي غيري (فتدبر جيدا) لكي تعرف ان كلام القوم لا يساعد مقالة القمي بل صريح في خلافه، و قس على ما ذكرنا سائر اقسام النهي من العيني و الكفائي و التعييني و التخييرى و غيرها فكلما كان ملاك البحث موجودا جرى فيه النزاع و كلما لم يكن موجودا فيه الملاك لا يجري فيه النزاع:

الامر (الرابع) لا يخفى أن (ما يتعلق به النهي) لا يخلو (أما ان يكون عبادة أو) يكون (غيرها) من المعاملات و غيرها (و المراد بالعبادة هاهنا) أي في هذا الباب لا يخلو عن أحد أمرين الأول (ما يكون بنفسه) و ذاته (و بعنوانه عبادة له تعالى) سواء وقع موردا لأمر شرعي او نهي شرعي أو لم يقع موردا لأحدهما نعم يكون (موجبا بذاته للتقرب من حضرته لو لا حرمته) أي لو لا النهي الوارد عليه لأن القرب يدور مدار المحبوبية فلا يكون التقرب بشي‏ء محرم مبغوض، فالحرمة مانعة عن التقرب به و ان كانت غير مانعة عن صدق العبادة (كالسجود و الخضوع و الخشوع له) سبحانه و تعالى (و تسبيحه و تقديسه أو) نحو ذلك فان هذه الافعال لو قام بها العبد نحو ذاته تعالى و لو من دون تعلق الأمر بها لكانت عبادة بنفسها فان الصيغة التي عليها هي صيغة عبادية فلو نهى الشارع عن فعل من هذه الأفعال في زمان أو مكان مخصوص لحرم قطعا و ان كان الفعل بنفسه عبادة ذاتا و مقربا من المولى تعالى، الثانى: العبادة

12

ما لو تعلق الأمر به كان أمره أمرا عباديا لا يكاد يسقط إلّا إذا أتى به بنحو قربى كسائر امثاله نحو صوم العيدين و الصلاة في أيام العادة لا ما أمر به لأجل التعبد به و لا ما يتوقف صحته على النية و لا ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شي‏ء

____________

التعليقية و اللولائية و هي التي (ما لو تعلق الامر به كان أمره أمرا عباديا) بحيث (لا يكاد بسقط إلّا إذا اتي به بنحو قربى كسائر امثاله) من العبادات فانها لا يسقط الامر المتعلق بها إلا إذا أتي به بنحو قربي فمعنى النهي عن العبادة في هذا القسم الثاني هو النهي عن شي‏ء لو تعلق الأمر به لكان عبادة و ذلك (نحو صوم) يومي (العيدين) الفطر و الاضحى (و الصلاة في ايام العادة) للحائض فان صوم يومي العيدين لو تعلق به أمر لكان أمره عباديا لانه لا يفترق عن صوم شهر رمضان من جميع جهاته و انما الذي ميّزه عنه وقوعه متعلقا للنهي و هكذا صلاة الحائض فانها لو تعلق بها أمر لكان عباديا لأنها لا تفترق عن الصلاة ايام الطهر و الذي ميزها عن نظائرها وقوعها موردا للنهي فالمراد من العبادة هاهنا ما كان واحدا من هذين القسمين (لا ما أمر به لاجل التعبد به) كما عن الانصاري في تقريراته، أي إنما تعلق حتى يتعبد به المكلف و انما لا يجوز تفسير العبادة بهذا المعنى لان من لوازمها كون متعلق الأمر فعلا متعلقا للنهي ايضا و لا ما لا يجوز لأنه طلب حكمين متضادين على موضوع واحد و قد عرفت امتناعه (و لا ما يتوقف صحته على النية) اي اقترانه بالنية كما عن القمي في قوانينه، لأنه الذي يميزه عن غير العبادي و فيه ما في الأول فان النية هنا من معناها قصد الامتثال و لا معنى للقصد المزبور إلا كون الفعل مأمورا به فعلا مع فرض تعلق النهي به فعلا و هذا ما لا يجوز كما عرفت (و لا ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها فى شي‏ء) اى‏

13

كما عرّف بكل منها العبادة، ضرورة أنها بواحد منها لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي مع ما اورد عليها بالانتفاض طردا أو عكسا أو بغيره‏

____________

لا يدري أن موجب الأمر بها أي شي‏ء هو و أي مصلحة دعت الى الامر بها، و فيه: ما في السابقين فان الجهل بالمصلحة الداعية منفرع عن تعلق الأمر بها يقينا و انما المجهول داعي هذا الامر و باعثه و هذا معناه أنه في حال كونه مأمورا به هو منهي عنه و هذا ما لا يجوز كما تقدم عن المحقق القمي أيضا (كما عرّف بكل منها) اي من هذه التعاريف (العبادة) و انما لا يصح تعريفها بتلك التعاريف:

(ضرورة أنها) أي العبادة (بواحد منها) أي من هذه التعاريف الثلاثة (لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي) اذ لا يصدق شي‏ء منها على الصلاة في حال الحيض و امثالها مما نهي عنها، أما على التعريف الأول فلأنه لم يأمر بالصلاة في الحيض حتى يصدق عليها أنها مما أمر بها لأجل للتعبد، و أما على التعريف الثاني فلأن المراد بالنية قصد امتثال الامر و هو فرع تحقق الأمر و حيث لا أمر لا تصح النية فلا تصدق العبادة و أما على التعريف الثالث: فلأن عدم العلم بانحصار المصلحة فرع المصلحة و الصلاة في حال الحيض لا مصلحة فيها اصلا بل الموجود فيها هو المفسدة فقط فكيف ينطبق عليها هذه التعاريف.

و الحاصل: ان ما ذكر من التعاريف الثلاثة لا يشمل ما نحن فيه (مع ما اورد عليها بالانتقاض طردا او عكسا) كما في الفصول ردا على القمي نقضا بالوضوء حيث أنه عبادة متسالم عليها مع أن مصلحته الداعية الى الأمر به معلومة و هي الطهارة لأجل الدخول في الصلاة و طردا بتوجيه الميت الى القبلة حيث أنه لم يعلم المصلحة فيه مع أنه ليس بعبادة (او بغيره)

14

كما يظهر من مراجعة المطولات و ان كان الاشكال بذلك فيها في غير محله لأجل كون مثلها من التعريفات ليس بحد و لا برسم بل من قبيل شرح الاسم كما نبهنا عليه غير مرة فلا وجه لاطالة الكلام بالنقض و الابرام في تعريف العبادة و لا في تعريف غيرها كما هو العادة:

«الخامس» انه لا يدخل في عنوان النزاع‏

____________

من الاشكالات الأخر (كما يظهر من مراجعة المطولات و ان كان الاشكال بذلك) أي الانتفاض طردا أو عكسا او بغيره (فيها) أي في هذه التعاريف (في غير محله) رأسا (لأجل كون مثلها من التعريفات ليس بحد و لا برسم) حقيقة كي يجب مراعاة شرائطها المقررة فى محله (بل من قبيل شرح الاسم) الذي هو تبديل لفظ بلفظ أقرب الى الذهن (كما نبهنا عليه غير مرة) و حينئذ فيجوز أن يكون بالأعم أو الأخص و لا يجب مراعاة شرائط الحدود (فلا وجه لإطالة الكلام بالنقض و الابرام في تعريف العبادة و لا في تعريف غيرها كما هو العادة) المألوفة في ترك هذه الاطالة.

الأمر (الخامس) لا يخفى أن الاشياء لا تخلو عن أحد قسمين الأول: ما يكون أمره دائرا بين الوجود و العدم فيؤثر كلما وجد و لا يؤثر كلما عدم بحيث لا يعقل فيها الصحة و الفساد كالملكية مثلا: فانها اما موجودة أو معدومة و لا يعقل في الملكية كونها صحيحة أو فاسدة و كذلك الزوجية و الحرية و نظائرها، الثاني: ما يتصور فيه الصحة و الفساد كالمركبات فان للموجود منها قسمين صحيح و فاسد كالبيع مثلا: فانه ان اجتمعت شرائطه كان صحيحا و إلّا كان فاسدا.

إذا عرفت هذا فنقول: (انه لا يدخل في عنوان النزاع) و هو

15

إلا ما كان قابلا للانصاف بالصحة و الفساد بان يكون تارة تاما يترتب عليه ما يترقب منه من الأثر و أخرى لا كذلك لاختلاف بعض ما يعتبر في ترتبه اما ما لا أثر له شرعا أو كان أثره مما لا يكاد ينفك عنه كبعض اسباب الضمان فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم طرو الفساد عليه كي ينازع في أن النهي عنه يقتضيه أولا فالمراد بالشي‏ء في العنوان‏

____________

اقتضاء النهي عن الشي‏ء فساده أولا (الا ما كان قابلا للانصاف بالصحة و الفساد) و هو ما يوصف بالصحة تارة و بالفساد اخرى (بان يكون) من القسم الثاني و هو الذي يكون (تارة تاما يترتب عليه ما يترقب منه من الأثر) لأن التمام الملحوظ فيه قاض يترتب الاثر المترقب ترتبه عليه و ذلك هو الصحيح (و اخرى لا كذلك) بان لا يكون تاما حتى يترتب عليه ما يترقب منه من الأثر و ذلك هو الفاسد (لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه) أي في ترتب الأثر عليه لعدم تمامية اجزائه و شرائطه (اما ما لا أثر له شرعا) كشرب الماء بما هو شرب مع قطع النظر عما يعرض عليه مما يجلب له حكما بحسبه، و كالنظر الى السماء بما هو كذلك (أو) كان من القسم الاول بان (كان أثره مما لا يكاد ينفك عنه) اذا وجد قاله متى يتحقق يكون معه أثره (كبعض اسباب الضمان) كاتلاف مال الغير فانه دائما لا ينفك عن الضمان (فلا يدخل) أي ما تقدم من القسمين و هما الذي لا أثر له شرعا و الذي له أثر مما لا ينفك عنه (في عنوان النزاع) و ذلك (لعدم طرو الفساد عليه) اصلا فلا يكون قابلا للاتصاف به (كي ينازع في ان النهي عنه يقتضيه) أي يقتضي الفساد (اولا فالمراد بالشي‏ء في العنوان) أي عنوان هذه المسألة

16

هو العبادة بالمعنى الذي تقدم و المعاملة بالمعنى الأعم مما يتصف بالصحة و الفساد عقدا كان او ايقاعا أو غيرهما فافهم‏

«السادس» ان الصحة و الفساد وصفان اضافيان يختلفان بحسب الآثار و الانظار فربما يكون شي‏ء واحد صحيحا بحسب أثر أو نظر و فاسد بحسب آخر

____________

(هو العبادة بالمعنى الذي تقدم) في الامر الرابع (و المعاملة بالمعنى الأعم) الشامل للعقود و الايقاعات (مما يتصف بالصحة) تارة (و الفساد) اخرى (عقدا كان) كالبيع (او ايقاعا) كالطلاق (أو غيرهما) كالرضاع فان صحيحه ما يترتب عليه الحرمة و فاسدة ما لا يترتب عليه ذلك (فافهم) و اغتنم لنقف على الفرق بين الاقسام الأمر (السادس) في تحقيق معنى الصحة و الفساد و ان مفهومهما واحد و هو التمامية بالنسبة الى العبادة و المعاملة و انما الاختلاف في المصاديق لذلك يقول المصنف: (أن الصحة و الفساد وصفان اضافيان) كالملكية و الزوجية و نحوهما (يختلفان بحسب الآثار) التى تترتب على الصحيح و الفاسد (و الأنظار) التي تحكم بان واجد العنوان الكذائى صحيح و فاقده فاسد و ليس للصحة و الفساد ميزان حقيقي واحد معلوم معين في نفسه بحسب الواقع ليكون مقياسا لهما (فربما يكون شي‏ء واحد صحيحا بحسب أثر او نظر) لأنه واجد لكل ما يراد به (و فاسد بحسب آخر) أي بحسب أثر او نظر آخر لأنه بحسبهما غير واجد لما يراد به- مثلا:

العقد بالفارسية صحيح بنظر فقيه و فاسد بنظر فقيه آخر و كذلك الصوم الذي أفطر فيه ففي بعض الصور يكون فاسدا بحسب القضاء و صحيحا بحسب الكفارة فلا يحتاج اليها فان الصحيح المطلق مالا يحتاج اليهما معا و الفاسد المطلق ما يحتاج اليهما معا.

17

و من هنا صح أن يقال أن الصحة في العبادة و المعاملة لا تختلف بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية و انما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية و عدمها و هكذا الاختلاف بين الفقيه و المتكلم في صحة العبادة انما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الأثر

____________

(و من هنا) أي مما ذكرناه من كونهما اضافيين مختلفين بحسب الأثر و النظر (صح أن يقال أن الصحة في العبادة و المعاملة لا تختلف) مفهوما بحيث يكون معنى الصحة في العبادة غير معناها في المعاملة (بل) هي (فيهما بمعنى واحد و هو التمامية) أي تمامية الأجزاء و الشرائط فالصحيح على الاطلاق عبادة كان أو معاملة ما تمت اجزاؤه و شرائطه و الفاسد ما لم تتم (و انما الاختلاف) بين العبادة و المعاملة (فيما هو المرغوب) المطلوب المحبوب (منهما) من العبادة و المعاملة (من) ناحية (الآثار التي بالقياس عليها) أي على تلك الآثار (تتصف بالتمامية و عدمها) ففي العبادات تكون الصحة عبارة عن حصول الامتثال و سقوط القضاء و الكفارة و في المعاملات عبارة عن حصول الاثر المطلوب كالزوجية فى النكاح و الانتقال في البيع و قطع العلقة في الطلاق (و هكذا الاختلاف بين الفقيه و المتكلم) في معنى الصحة و الفساد فليس الاختلاف في المفهوم بل هو راجع الى الاختلاف في التعبير عن المعنى الواحد المسلم بين الفريقين فكل منهما قد عرف الصحة و الفساد باثرهما المرغوب فيه عنده لا أنه عرفهما بمفهومهما حتى يقع الاختلاف بينهما:

و بالنتيجة: أن الاختلاف بينهما (في) سوقهما وصف (صحة العبادة) لها ليس باختلاف في معنى الصحة بل (انما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما) أي من الفقيه و المتكلم (من الأثر) الذي هو محط نظر الفقيه‏

18

بعد الاتفاق ظاهرا على انها بمعنى التمامية كما هي معناها لغة و عرفا فلما كان غرض الفقيه هو وجوب القضاء او الاعادة أو عدم الوجوب فسّر صحة العبادة بسقوطهما و كان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلا لاستحقاق المثوبة فسّرها بما يوافق الأمر تارة و بما يوافق للشريعة أخرى و حيث‏

____________

و المتكلم (بعد الاتفاق ظاهرا) بينهما (على أنها) أي الصحة (بمعنى التمامية) و الفساد بمعنى عدم التمامية (كما هي) أي التمامية (معناها) أي معنى الصحة (لغة و عرفا) و عدم التمامية معنى الفساد لغة و عرفا (فلما كان نظر الفقيه) من العبادة الفاسدة أو الصحيحة (هو وجوب القضاء أو الاعادة) فيما لو كانت فاسدة (أو عدم الوجوب) لا للقضاء و لا للإعادة فيما لو كانت صحيحة (فسّر) الفقيه (صحة العبادة بسقوطهما) أي سقوط القضاء و الإعادة و عدم صحتها بعدم سقوطهما.

(و) لما (كان غرض المتكلم) من صحة العبادة (هو حصول الامتثال الموجب عقلا لاستحقاق المثوبة فسّرها) أي الصحة (بما يوافق الأمر تارة و بما يوافق الشريعة أخرى) و التعبيران هما على حدّ واحد (و) بالعكس بالنسبة الى الفساد و بما ذكرناه تحقق أنه لا اختلاف بين الفقيه و المتكلم في معنى الصحة و الفساد.

ثم أن المصنف أخذ في بيان النسبة بين تعريف الفقهاء و المتكلمين و ربما يقال: بان النسبة بينهما عموم مطلق (حيث) أنه كلما يسقط القضاء و الاعادة يوافق الامر و لا عكس فانه ليس كل موافق للامر يكون مسقطا للقضاء و الاعادة كما لو استصحب وجوب صلاة الجمعة فانه موافق للامر الظاهري مع أنه ليس مسقطا واقعا هذا و لكنه لا يخفى عدم صحة هذا للقول-.

19

أن الأمر في الشريعة يكون على اقسام من للواقعي الأولي و الثانوي و الظاهري و الانظار تختلف في ان الأخيرين يفيدان الاجزاء أولا يفيدان كان الاتيان بعبادة موافقة لأمر و مخالفة لآخر أو مسقطا للقضاء و الاعادة بنظر و غير مسقط لهما بنظر آخر فالعبادة الموافقة للامر الظاهري تكون صحيحة عند المتكلم و الفقيه بناء على أن‏

____________

و توضيح بطلانه ببيان مقدمتين-:

الأولى: (أن الأمر في الشريعة يكون على اقسام) ثلاثة (من الواقعي الأولي) كالأمر بصلاة الظهر مثلا (و) الواقعي (الثانوي) كالأمر بالوضوء منكوسا في حال التقية و الصلاة قاعدا في حال الاضطرار (و الظاهري) كالأمر بصلاة الجمعة للناشئ من استصحاب للوجوب في ظرف يكون هو صلاة الظهر (و) الثانية أن (الانظار) أي انظار العلماء (تختلف في ان الأخيرين) و هما الثانوي و الظاهري (يفيدان الاجزاء) في الواقع فلا يجب على المصلي متكتفا تقية او مصلي الجمعة استصحابا اعادة الصلاة بعد رفع التقية و معلومية الواقع (اولا يفيدان) بل يجب الاعادة في الفرضين: اذا عرفت ما قدمناه من المقدمتين فنقول:

حيث (كان الاتيان بعبادة موافقة لأمر) و هو الظاهري مثلا (و مخالفة لآخر) و هو الواقعي لو فرض هذا عند المتكلم و بحسب اصطلاحه (أو) كان الاتيان بعبادة (مسقطا للقضاء و الاعادة بنظر و غير مسقط لهما بنظر آخر) هذا عند الفقيه و بحسب اصطلاحه فقد يكون بين نظر الفقيه و المتكلم تساويا و قد يكون نظر الفقيه أعم مطلقا و قد يكون نظر المتكلم أعم مطلقا (فالعبادة الموافقة للامر الظاهري تكون صحيحة عند المتكلم و الفقيه) بحيث يكون بينهما تساويا مطلقا (بناء على أن) مراد المتكلم‏

20

الأمر في تفسير الصحة بموافقة الأمر أعم من الظاهري مع اقتضائه الاجزاء و عدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته بناء على عدم الأجزاء و كونه مراعى بموافقة الأمر الواقعي و

____________

من (الأمر) الواقع (فى تفسير الصحة ب) أنها (موافقة الأمر) يراد به ما هو (اعم من الظاهري) و الواقعي (مع) قول الفقيه ب (اقتضائه) أي اقتضاء هذا الأمر أعم من الظاهري و الواقعي (الاجزاء) فانه كلما كان الفعل موافقا للأمر كان مجزيا و بالعكس و حينئذ يتحقق التساوى بين النظرين لا العموم المطلق كما ادعاء بعضهم مطلقا و كذلك يتحقق التساوي بين القولين لو كان مراد المتكلم من الأمر خصوص الأمر الواقعي و لم يقل الفقيه بالاجزاء إلا في الأمر الواقعي اذ كلما وافق الأمر الواقعي كان مجزيا و كلما لم يوافق لم يكن مجزيا.

هذا كله بالنسبة الى صورة التساوي و أما صورة العموم المطلق مع كون العموم من طرف المتكلم (و عدم اتصافها) اي عدم اتصاف العبادة (بها) أي بالصحة (عند الفقيه بموافقته) أي بموافقة الامر الظاهري انما يكون (بناء على) قول الفقيه من (عدم الاجزاء) في الأمر الظاهري (و كونه) أي كون الأجزاء و الاتصاف بالصحة للعمل المأتي به على طبق الأمر الظاهرى (مراعى بموافقة الأمر الواقعي) مع قول المتكلم بأن الامر في تفسير الصحة بموافقة الأمر أعم من الظاهري و غيره فانه كلما اجزأ كان موافقا للامر و ليس كلما وافق الأمر كان مجزيا فالاجزاء و هو قول الفقيه أخص من موافقة الامر و هو قول المتكلم:- (و) اما الصورة الثالثة و هي أن يكون بين النظرين عموما مطلقا مع‏

21

عند المتكلم بناء على كون الأمر في تفسيرها خصوص الواقعي، «تنبيه» و هو انه لا شبهة في أن الصحة و الفساد عند المتكلم وصفان اعتباريان ينتزعان من مطابقة المأتي به مع المأمور به و عدمها و أما الصحة بمعنى سقوط القضاء و الاعادة

____________

كون العموم من طرف الفقيه فهي عدم اتصاف العبادة بالصحة (عند المتكلم) مع اتصافها به عند الفقيه (بناء على كون الأمر) الواقع (في تفسيرها) أي تفسير الصحة بانها موافقة الأمر يراد به (خصوص) الأمر (الواقعي) لا الأعم منه و من الظاهري مع كون الفقيه يقول بالأجزاء في مطلق الامر اذ كلما كان موافقا للامر كان مجزيا و ليس كلما كان مجزيا كان موافقا للامر و الحاصل: أن الفقيه او قال بعموم الاجزاء و المتكلم قال بعموم الأمر أو قال كل منهما بالخصوص تحقق التساوي بين القولين و لو قال الفقيه بالعموم و قال المتكلم بالخصوص أو بالعكس تحقق العموم المطلق.

(تنبيه) في بيان أن صفتي الصحة و الفساد هل هما من الاحكام الشرعية أو العقلية أو هما من الأمور الانتزاعية و الحق هو التفصيل كما يقوله المصنف:

(و هو أنه لا شبهة في أن الصحة و الفساد عند المتكلم) في العبادات المفسر للصحة بما يوافق الأمر و للفساد بما لا يوافقه (وصفان اعتباريان ينتزعان من) الموارد بعد ملاحظة العقل (مطابقة المأتي به) من العمل الخارجي (مع المأمور به) في الصحة (و عدمها) في الفساد و ليسا من المجعولات الشرعية لأن الموافقة منتزعة من الافعال التكوينية للعبد لا ترتبط بالمولى اصلا فبمجرد اتيان العبد للفعل ينتزع أحد وصفين الناشئ من المطابقة و عدمها (و اما الصحة بمعنى سقوط القضاء و الاعادة)

22

عند الفقيه فهي من لوازم الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي عقلا حيث لا يكاد يعقل ثبوت الاعادة أو القضاء معه جزما فالصحة بهذا المعنى فيه و ان كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه او بتبع تكليف إلّا انه ليس بامر اعتباري ينتزع كما يتوهم بل‏

____________

أي عدم ثبوتهما كما هو المفسر (عند الفقيه) حيث فسّرها بذلك (فهي) أي الصحة بناء على هذا التفسير (من لوازم الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الاولي عقلا) قيد لقوله: «من لوازم» أى سقوط القضاء و الاعادة يلزمان ماهية المأتي به من المأمور به بالأمر الواقعي الاولي (حيث لا يكاد بعقل ثبوت الاعادة أو القضاء معه) أي مع الاتيان بالمأمور به (جزما) لأنه من باب الامتثال بعد الامتثال الموجب لتحصيل الحاصل المحال، و ذلك لأنه لو أتى بالفعل ثانيا فاما أن يحصل عين الأول فهو تحصيل الحاصل أو غيره فهو غير المأمور به- خلافا لعبد الجبار- كما سبق- (فالصحة بهذا المعنى) و هو سقوط القضاء و الاعادة (فيه) أي في المأمور به بالأمر الواقعي الأولي (و ان كان ليس بحكم وضعي مجعول) اذ لا جعل في لوازم الماهية بعد جعلها لا (بنفسه) مستقلا (أو بتبع تكليف) اما الحكم الوضعي المجعول بنفسه كما اذا قال (ع) «السورة جزء للصلاة» و أما الحكم الوضعي المجعول يتبع التكليف كما اذا أمر (عليه السلام): بقراءة السورة في الصلاة» و يتبع جعل الوجوب لها قد جعلت الجزئية (لا أنه) و ان لم يكن مجعولا لا بالاستقلال و لا بالتبع لكنه (ليس بامر اعتباري ينتزع) كما قيل في حق الصحة بمعناها عند المتكلم (كما يتوهم) في التقريرات (بل) الصحة بالمعنى المزبور عند

23

مما يستقل به العقل كما يستقل باستحقاق المثوبة و في غيره فالسقوط ربما يكون مجعولا و كان الحكم به تخفيفا و منّة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوتهما

____________

الفقيه و هو اسقاط القضاء و الاعادة (مما) أي من الآثار الوضعية التي (يستقل به العقل) بعد الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي (كما يستقل باستحقاق المثوبة) عليه لأنه عمل قربي و كل عمل قربي يقطع العقل بالمثوبة عليه حين الموافقة فحيث يرى العقل الموافقة يحكم بسقوط الأمر و بسبب سقوطه يسقط القضاء و الإعادة و هكذا سائر الاحكام العقلية كمثل حسن الاحسان و العدل و قبح الظلم و الجور.

(و) اما الصحة بمعنى سقوط القضاء و الاعادة (في غيره) أي في غير المأمور به بالأمر الواقعي بل بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري المعبر عنه بالواقعي الثانوي (ف) الصحة المستلزمة ل (السقوط) أي سقوط القضاء و الاعادة (ربما يكون مجعولا) و ربما لا يكون مجعولا و توضيحه:

أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري مسقط للقضاء و الاعادة بالنسبة الى أمرهما قطعا و هذا ليس بمجعول بل من لوازم الاتيان به عقلا كما أن اسقاط الاتيان بالمأمور به الواقعي مسقط لأمره عقلا- كما تقدم- و أما مسقطية الاضطراري أو الظاهري بالنسبة الى الأمر الواقعي فهو مجعول من الشارع باكتفائه بما يؤتى به من المأمور به الاضطراري او الظاهري و ان لم يسدّ الفراغ الواقعي (و كان الحكم به) أي بسقوط القضاء و الاعادة بالنسبة الى الأمر الواقعي (تخفيفا و منّة) منه تعالى (على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوتهما) أي لثبوت القضاء و الاعادة فانهما انما يسقطان حتما من طريق العقل اذا جي‏ء بالمأمور به طبقا للواقع و أما اذا لم‏

24

كما عرفت في مسألة الاجزاء كما ربما يحكم بثبوتهما فيكون الصحة و الفساد فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين نعم الصحة و الفساد في الموارد الخاصة

____________

يؤت به كذلك فمقتضى القضاء و الاعادة ثابت حتى مع الاتيان بالعمل على طبق الأمر الاضطراري او الظاهري (كما عرفت في مسألة الاجزاء) تفصيل الكلام و حاصل الكلام في الاوامر الاضطرارية و الظاهرية هو: أن اسقاطهما يكون على ثلاثة اقسام الاول: اسقاط امرهما و هذا عقلى، الثاني: اسقاط الأمر الواقعي في صورة عدم وفائهما بمعظم مصلحة الواقع، و هذا شرعي امتناني، الثالث: اسقاط الأمر الواقعي في صورة وفائهما بمعظم مصلحة الواقع بحيث لا يبقى مقدار قابل للتدارك و هذا عقلي ايضا

(كما ربما يحكم بثبوتهما) أي ثبوت القضاء و الاعادة بالنسبة الى الأمر الواقعي فيما اذا أتى بالأمر الاضطراري أو الظاهري إذا لم يسدّ فراغ الواقع و كانت مصلحته قابلة للاستيفاء و التدارك (فتكون الصحة و الفساد فيه) أي في المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري (حكمين مجعولين) من الشارع قال بعضهم: لأن الصحة عين سقوط الاعادة و القضاء و الفساد عين ثبوتهما و هما شرعيان (لا وصفين انتزاعيين) كما هما عند المتكلم كذلك فتدبر.

هذا كله بالنسبة الى الكلام في الكليات بمعنى أنه يحكم الشرع أو العقل بالصحة فيما لو توافق المأتي به بعنوانه الكلي للمأمور به و يحكمان بالفساد في صورة عدم الموافقة أما شخص هذه الصلاة الخارجية التي هي فرد من أفراد المأتي به الكلي فالمدار في صحتها و فسادها ما اشار اليه المصنف بقوله:

(نعم الصحة و الفساد في الموارد الخاصة) و الافراد الخارجية التي‏

25

لا يكاد يكونان مجعولين بل انما هي تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به، هذا في العبادات و أما الصحة في المعاملات فهي تكون مجعولة حيث كان ترتب الأثر على معاملة انما هو بجعل الشارع و ترتيبه عليها و لو امضاء ضرورة أنه لو لا جعله لما كان يترتب عليه لأصالة الفساد

____________

يوجدها المكلف بها (لا يكاد يكونان مجعولين) شرعا (بل انما هي) أي الموارد الخاصة (تتصف بهما) أي بالصحة و الفساد (بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به) فكلما انطبق الكلي على هذا الفرد الخارجي كان صحيحا و كلما لم ينطبق كان فاسدا و من المعلوم بالبداهة أن انطباق الكلي على الفرد و عدمه ليس من المجعولات الشرعية بل هو أمر قهري، و اتصاف الموارد الشخصية بهما ليس أمرا مستقلا في قبال اتصاف الكلي كما لا يخفى على المتأمل.

(هذا) تمام الكلام (في العبادات و أما الصحة) و الفساد (في المعاملات) في كونها مجعولة بجعل مستقل تشريعي او بتبع التكليف أوامرا اعتباريا وجوه و المختار عند المصنف التفصيل بين صحة الكلي و فساده و بين صحة الشخص الخارجي و فساده اما صحة الكلي (فهي تكون مجعولة) لأن معنى الصحة فيها هو ترتب الأثر عليها و هذا ليس من لوازمها القهرية كما في المأتي به بالأمر الواقعي الأولي (حيث كان ترتب الاثر على معاملة) كالصرف و السلم مثلا (انما هو بجعل الشارع) لها (و ترتيبه) الأثر (عليها) أي على المعاملة (و لو امضاء) لها كالمعاملات العرفية لأن الامضاء قسم من الجعل و نوع منه و الذي يدل على توقف صحة المعاملة على جعل الشارع هو (ضرورة أنه لو لا جعله) لها و لو بنحو الامضاء (لما كان) الأثر (يترتب عليه لأصالة الفساد) فان الأصل بقاء مال البائع على ملكيته‏

26

نعم صحة كل معاملة شخصية و فسادها ليس إلا لأجل انطباقها على ما هو المجعول سببا و عدمه كما هو الحال في التكليفية من الأحكام، ضرورة أن اتصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس إلّا لانطباقه مع ما هو الواجب او الحرام «السابع» لا يخفى أنه لا أصل في المسألة يعول عليه‏

____________

و بقاء الثمن على ملكية المشترى مع الشك في النقل و الانتقال و هكذا سائر العقود و الايقاعات كما اثبته الانصاري في مكاسبه أول كتاب البيع. و أما صحة المعاملة الشخصية الخارجية و فسادها فهو المشار اليه بقوله: (نعم صحة كل معاملة شخصية) و هي المعاملات الصادرة في الخارج (و فسادها) ليست من الأمور الشرعية المجعولة بل هي أمر عقلي اذ (ليس إلا لأجل انطباقها على ما هو) أي الكلي (المجعول سببا و عدمه) فالكلي هو المجعول دون الجزئي الخارجي (كما هو الحال في التكليفية من الاحكام) حيث ان كلياتها هي المجعولة دون جزئياتها (ضرورة أن اتصاف) الفرد الشخصي الخارجي (المأتي به) في الخارج الصادر من المكلف (بالوجوب أو الحرمة) في العبادات و في بعض المعاملات و بالصحة و الفساد في جميعها (أو غيرهما) من الاحكام كالكراهة و الاستحباب و الاباحة (ليس إلا لانطباقه) أي انطباق هذا الفرد (مع ما) أي الكلي الذي (هو الواجب او الحرام) أو غيرهما (السابع) لو حصل الشك في دلالة النهي على الفساد في العبادات و المعاملات مع فرض عدم تمامية دليل القول بالفساد و غيره فهل لدينا اصل يعول عليه مما يدل على الصحة أو الفساد أم لا أصل في البين فنقول:

(لا يخفى أنه لا أصل) لفظيا و لا عقليا إذ لم تثبت الملازمة بين الحرمة و الفساد عقلا (في المسألة) التي بايدينا (يعول عليه) و يرجع اليه‏

27

لو شك في دلالة النهي على الفساد نعم كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك اطلاق او عموم يقتضي الصحة في المعاملة و أما العبادة فكذلك لعدم الأمر بها مع النهي عنها

____________

(لو شك في دلالة النهي على الفساد) بحيث لم يحرز من دليل عقلي أو قرينة خارجية أن النهي يدل على الفساد فمع هذا الفرض لو شككنا في أن النهي الوارد على العبادة او المعاملة هل يدل على فسادها أولا يدل لم يكن لنا من طريق اللفظ و لا من طريق العقل اصل يعول عليه في اثبات الاقتضاء أو عدمه (نعم كان الأصل في المسألة الفرعية) الفقهية (الفساد) اما في المعاملة فلأن ترتيب الأثر عليها لم يحرز موجبه، و سببه غير حاصل و كان مسبوقا بالعدم فيستصحب حتى يثبت من طريق معلوم غير مشكوك و أما العبادة فكذلك لأنها مع فرض وجود النهي عنها فعلا يستحيل أن تكون في عرض الفعلية المزبورة موردا للامر فاذا تخلف الأمر عنها و كانت بالفعل منهيا عنها لم يكن هناك أقل مشعر لصحتها ان لم نجزم من طريق اللفظ بالاشعار بفسادها و هذا الأصل يجري في جميع ابواب العقود و الإيقاعات لكن انما يجري (لو لم يكن هناك) في المعاملة (اطلاق) نحو: «أحل اللّه البيع» (او عموم) نحو: «أوفوا بالعقود» بحيث (يقتضي الصحة في المعاملة) حتى في مورد النهي و أما لو كان عموم أو اطلاق فهو مقدم على الأصل اذ لا شك حينئذ، هذا كله بالنسبة الى المعاملة (و أما العبادة فكذلك) أي أن الاصل فيها الفساد (لعدم الأمر بها مع النهي عنها) و عدم الامر بها يكفي في الفساد هذا و لكن لا يخفى: أن اصالة الفساد انما تجري في العبادة فيما لو كان الشك من حيث الشك في أصل الأمر او من حيث الشك في مطابقة المأتي به للمأمور

28

كما لا يخفى «الثامن» أن متعلق النهي اما أن يكون نفس العبادة أو جزءها او شرطها الخارج عنها أو وصفها الملازم لها كالجهر و الاخفات للقراءة أو وصفها الغير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها

____________

به اما لو كان الشك من جهة الشبهة الحكمية أي الشك في الاجزاء و الشرائط فالبراءة حاكمة على هذا الأصل (كما لا يخفى) على المتأمل (الثامن: أن متعلق النهي) يكون على أقسام خمسة لأنه (أما ان يكون) النهي متعلقه (نفس العبادة) كالصلاة في ايام الحيض و الصوم في يومي العيدين (او جزءها) كقراءة سورة العزيمة في الصلاة أو السجود رياء فيها (او شرطها الخارج عنها) وجودا كالصلاة بالطهارة بالماء المغصوب فان فعل الوضوء خارج في الوجود عن فعل الصلاة (او وصفها الملازم لها) بحيث لا توجد العبادة بدونه (كالجهر و الاخفات للقراءة) فان الجهر المنهي عنه في الصلوات الاخفاتية و الاخفات كذلك في الصلوات الجهرية هما وصفان ملازمان للقراءة كما علّله المصنف في المقام بقوله:

«فان كلا منهما لا يكاد ينفك عن القراءة و ان كانت هي تنفك عن احدهما فالنهي عن ايهما يكون مساوقا للنهي عنها كما لا يخفى انتهى.

(أو وصفها الغير الملازم) بحيث يكون بين المنهي عنه و المأمور به عموم من وجه (كالغصبية لأكوان الصلاة) لأن الصلاة قد تحقق بدون الغصب و بالعكس و قد يجتمعان و على أي حال فالغصبية وصف غير ملازم (المنفكة عنها) اذ ليس من لازم اكوان الصلاة أن تكون في الأماكن المغصوبة بل قد تكون و قد لا تكون و كيف كان فالمتحصل: أن اقسام النهي عن العبادة خمسة-.

29

لا ريب في دخول القسم الأول في محل النزاع و كذا القسم الثاني، بلحاظ أن جزء العبادة إلّا ان بطلان الجزء لا يوجب بطلانها الا مع الاقتصار عليه لا مع الاتيان بغيره مما لا نهي عنه إلا أن يستلزم محذور آخر و أما القسم الثالث فلا تكون حرمة الشرط و النهي عنه موجبا لفساد العبادة

____________

(لا ريب في دخول القسم الاول) و هو النهي عن نفس العبادة (في محل النزاع) و أنه هل النهي عن صلاة الحائض موجب لفسادها أم لا (و كذا القسم الثاني) الذي تعلق النهي بجزء العبادة فانه أيضا لا ريب في دخوله في محل النزاع (بلحاظ أن جزء العبادة عبادة) فالنهي الوارد عليه وارد عليها (إلا أن) هذا الدخول انما يوجب (بطلان الجزء) فيما لو قلنا بأن النهي عن العبادة موجب الفساد و الحال أنه (لا يوجب بطلانها) أي بطلان العبادة بتمامها (الا مع) أحد فرضين في المقام و هما:

الأول: (الاقتصار عليه) اي على الجزء الباطل و عدم اتيانه مكانه بما ليس بباطل كما لو أتى بسورة العزيمة في الصلاة (لا مع الاتيان بغيره) اي بغير هذا الجزء الباطل المنهي عنه (مما لا نهي عنه) أي عن الجزء الذي لا نهي عنه بأن لا يأتي بسورة أخرى مع سورة العزيمه و وجه بطلان العبادة واضح لأن انتفاء الجزء يوجب انتفاء الكل:

الثاني: ان لا يقتصر على الجزء الباطل بل يؤتى بالجزء الحقيقي المطلوب معه ايضا (إلا أن يستلزم) بسبب الاتيان ببدله مما لا نهي عنه (محذور آخر) غير ترك الجزء من فوات الموالاة او حصول الزيادة المخلة بالعبادة أو غير ذلك (و اما القسم الثالث) و هو الذي تعلق النهي بشرط العبادة الخارج عنها (فلا تكون حرمة الشرط و النهي عنه موجبا لفساد العبادة) مطلقا لأن الشرط على نوعين الأول: أن يكون في نفسه عبادة كمثل الطهارات‏

30

إلا فيما كان عبادة كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به و بالجملة: لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن موجبا لفساده كما اذا كان عبادة، و اما القسم الرابع فالنهي عن الوصف اللازم‏

____________

الثلاث، الثاني: أن لا يكون عبادة كالستر في الصلاة و النهي عن الشرط لا يوجب فساد المشروط لكونه امرا خارجا عنه فلا يكون داخلا في محل النزاع (الا في) النوع الاول و هو (ما) اذا (كان عبادة) كما لو نهي عن الوضوء بالمغصوب و انما اختص الفساد بهذا النوع (كي تكون حرمته) أي حرمة الشرط (موجبة لفساده) لأنه عبادة و النهي فيها يقتضي الفساد (المستلزم) فساده (لفساد المشروط به) كالطهارة بالماء المغصوب للصلاة لان المشروط عدم عند عدم شرطه فالوضوء بما أنه في نفسه عبادة فحرمته بسبب النهي عنه توجب فساده فاذا فسد فسد المشروط به لأنه عدم عند عدمه بخلاف النوع الثاني فان النهي عنه لا يوجب فساد المشروط فانه لو نهى عن الصلاة في الحرير ثم صلى المكلف به لم تبطل صلاته إلا أن يرجع النهي إلى عدم جعله سترا شرعيا مع اشتراط الصلاة بالستر الشرعي فيكون بطلان الصلاة حينئذ لفقدانها الشرط.

(و بالجملة: لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن) النهي عن الشرط (موجبا لفساده) أي لفساد نفس الشرط (كما اذا كان) أي الشرط (عبادة) نظير الطهارات الثلاث بالنسبة الى الصلاة فان النهي عنها يقتضي فسادها و بفسادها يفسد المشروط به لعدم وجدانه لشرطه (و اما القسم الرابع) فيما لو كان النهي متعلقا بوصف العبادة الملازم لها (فالنهي عن الوصف اللازم)

31

مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا للنهي عنها لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهبا عنه فعلا كما لا يخفى و هذا بخلاف ما اذا كان مفارقا كما في القسم الخامس‏

____________

الذي لا ينفك (مساوق للنهي عن موصوفه) لفرض عدم انفكاك الوصف عن الموصوف (فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا) و مساويا (للنهي عنها) أي عن نفس القراءة و ذلك (لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها) أي القراءة بوصف الجهر بها (مأمورا بها مع كون الجهر) نفسه (بها) أي بالقراءة (منهيا عنه فعلا) اذ لا يمكن عقلا أن يكون احد المتلازمين واجبا و الآخر محرما (كما لا يخفى) لكن حيث يبقى ملاك الوجوب في القراءة يمكن القول بصحة العبادة- كما تقدم بعض الكلام في مسألة اجتماع الأمر و النهي- نعم اشكل فيما ذكره المصنف بما حاصله: أن الجهر اظهار جوهر الصوت لا الصوت نفسه و القراءة نفسها لا ربط لها بالاظهار المزبور و المأمور به هو القراءة و المنهي عنه هو الإظهار للصوت فلا سراية لأحدهما الى الآخر و ليس الجهر من الاوصاف الملازمة للقراءة فانها كما تكون بجهر تكون باخفات فلا لزوم للجهر بما هو جهر و لا للاخفات بما هو اخفات للقراءة بالمرة و انما اللازم للقراءة هو الصوت لا بوصف مخصوص و لا استحالة في كون القراءة التي تجهر بها مأمورا بها باعتبار نفس القراءة مع كون الجهر منهيا عنه فعلا اذ لا ربط لأحد المتعلقين بالآخر كما لا يخفى.

(و هذا) الذي ذكرناه من سراية النهي عن الوصف بمعنى استحالة كونه مأمورا به هو (بخلاف ما اذا كان) أي الوصف (مفارقا) غير ملازم (كما في القسم الخامس) كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة

32

فان النهي عنه لا يسري الى الموصوف إلا فيما اذا اتّحد معه وجودا بناء على امتناع الاجتماع و أما بناء على الجواز فلا يسري اليه كما عرفت في المسألة السابقة هذا حال النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف و أما النهي عن العبادة لأجل أحد هذه الأمور

____________

عنها (فان النهي عنه) أي عن الوصف المفارق كمثل الغصب (لا يسري الى الموصوف) لأن الأمر قد تعلق بغير ما تعلق به النهي فلا وجه لسراية احدهما الى متعلق الآخر فيكون خارجا عن محل النزاع (إلا فيما اذا اتحد) الوصف (معه) أي مع الموصوف (وجودا) خارجيا (بناء على امتناع الاجتماع) أي امتناع اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد (و أما) لو لم يتحد الوصف مع الموصوف وجودا او اتحدا و لكن (بناء على الجواز فلا يسري) النهي عن الوصف المفارق (اليه) أي الى الموصوف اما في صورة عدم اتحادهما فلوضوح أن الصلاة مثلا واجبة و الغصب غير المرتبط بها محرم و اما في صورة اتحادهما و القول بالجواز فلأن العبادة حينئذ قد تعنونت بعنوانين و اختلاف العنوانين كاف في رفع التضاد (كما عرفت) الكلام عليه (في المسألة السابقة) فراجع و تأمل (هذا) ما ذكرناه من الكلام بالنسبة الى (حال النهي المتعلق بالجزء) نفسه كالقراءة للعزائم (او الشرط) نفسه كالصلاة في الحرير للرجال (او الوصف) الملازم أو المفارق انفسهما كالجهر بالقراءة في الصلوات الاخفاتية (و أما) اذا كان (النهي عن) نفس (العبادة) و لكن لم يرد عليها بما هي و انما تعلق بها نفسها (لأجل احد هذه الامور) الثلاثة من جزء أو شرط أو وصف كأن ينهى عن الصلاة لأجل قراءة العزيمة او لبس الحرير او الجهر في قراءتها و فرق واضح بين أن يقول:

33

فحاله حال النهي عن احدها أن كان من قبيل الوصف بحال المتعلق و بعبارة أخرى كان النهي عنها بالعرض و ان كان النهي عنها على نحو الحقيقة و الوصف بحاله و ان كان بواسطة أحدها إلا أنه من قبيل الواسطة فى الثبوت لا العروض‏

____________

لا تصلى مع لباس الحرير و بين أن يقول: لا تلبس الحرير في الصلاة (فحاله) أي حال النهي المتعلق بذات العبادة (حال النهي عن احدها ان كان) النهي عن العبادة

(من قبيل الوصف بحال المتعلق) بان احرز أن النهي لم يرد عليها إلا باعتبار جزئها أو شرطها او وصفها لا باعتبار نفسها بما هي هي و المراد بحال المتعلق كمثل «زيد قائم أبوه» فكما ان الوصف و لو كان في الصورة راجعا الى الموصوف لكن في الحقيقة راجع الى المتعلق كذلك النهي و ان كان في الصورة راجعا الى الصلاة لكن في الحقيقة يرجع الى ذلك الجزء او الشرط او الوصف (و بعبارة اخرى كان النهي عنها) أي عن العبادة ثانيا و (بالعرض) و المجاز و عن الجزء و الشرط و الوصف أولا و بالذات (و ان كان النهي عنها) أي عن العبادة (على نحو الحقيقة) لا المجاز (و الوصف بحاله) أي بحال نفس الموصوف نحو:

«زيد قائم» أي ورد النهي عليها حقيقة و ان كان من قبيل الوصف بحال المتعلق (و ان كان) النهي عن ذات العبادة (بواسطة احدها) أي الجزء أو الشرط أو الوصف (إلا انه) أي توسط أحد هذه الأمور الثلاثة بين النهي و بين نفس العبادة كان (من قبيل الواسطة في الثبوت) و هي التي تكون علة لعروض العرض على المعروض كالحرارة العارضة على الماء بواسطة النار (لا) الواسطة في (العروض) و هي التي يعرض‏

34

كان حاله حال النهي في القسم الأول فلا تغفل و مما ذكرنا في بيان اقسام النهي في العبادة يظهر حال الاقسام في المعاملة فلا يكون بيانها على حده بمهم كما أن تفصيل الأقوال فى الدلالة على الفساد و عدمها

____________

العارض عليها أولا ثم يعرض على ذى الواسطة ثانيا كالحركة العارضة على جالس السفينة بواسطة السفينة (كان حاله) أي حال النهي في هذا الفرض (حال النهي في القسم الأول) و هو الوارد على العبادة نفسها ثم أن كون النهي على أي النحوين مما يستفاد من الظاهر و لو شك في ذلك فالمرجع الأصول العملية (فلا تغفل) عن ذلك و تدبر (و مما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة يظهر حال الاقسام في المعاملة) من كون النهي تارة يكون واردا عليها نفسها و اخرى على جزئها و ثالثة على شرطها و رابعة على وصفها الملازم و خامسة على وصفها المفارق و يظهر مما تقدم حكم كل واحد من هذه الاقسام الخمسة (فلا يكون بيانها على حدة بمهم) قال العلامة الرشتي في تعليقته على الكفاية ما نصه: و أما الأمثلة في المعاملات على حذو أمثلة العبادات، كنكاح الخامسة لمن عنده أربع و بيع العبد و السفيه في المنهي عنه لذاته، و بيع الغاصب مع جهل المشترى على القول بان البيع هو الايجاب و القبول الناقلين في المنهي عنه لجزئه، و كبيع الملاقيح «و هو جنين الناقة لأنه غرر»- في المنهي عنه لشرطه فان القدرة على التسليم شرط في البيع، و كبيع الحصاة في المنهي عنه لوصفه اللازم فان تعيين المبيع بالحصاة لازم لهذا البيع، و كبيع مال الغير و بيع العنب ليعمل خمرا في المنهي عنه لوصفه المفارق و ان كان ربما يناقش في بعض الامثلة انتهى:

(كما ان تفصيل الاقوال في) المسألة من جهة (الدلالة على الفساد) مطلقا (و عدمها) مطلقا أو غير ذلك من الأقوال المدونة

35

التي ربما تزيد العشرة- على ما قيل- كذلك انما المهم بيان ما هو الحق في المسألة و لا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في الاقوال من بسط المقال في مقامين: «الأول» في العبادات فنقول و على اللّه الاتكال: أن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها و لو كانت جزء عبادة بما هو عبادة كما عرفت- مقتضى لفسادها لدلالته على حرمتها ذاتا و لا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة و كذا بمعني سقوط الاعادة فانه‏

____________

في المطولات (التي ربما تزيد على العشرة) من الاقوال (على ما قيل كذلك) أي ليس بمهم (انما المهم بيان ما هو الحق في المسألة و لا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في) سائر (الأقوال) من الصحة أو البطلان (من بسط المقال في مقامين) المقام (الأول: في العبادات فنقول و على اللّه الاتكال: أن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها) لا يعارضها الذي لا يسري الى ذاتها (و لو كانت) العبادة المفروضة (جزء عبادة) كالنهي عن صلاة الحائض بالنسبة الى العبادة نفسها و النهي عن قراء العزيمة في الصلاة بالنسبة الى جزء العبادة و هو القراءة (بما هو) أي الجزء (عبادة كما عرفت) أن جزء العبادة عبادة (مقتضي لفسادها) و ذلك (لدلالته) أي لدلالته النهي (على حرمتها) أي حرمة العبادة (ذاتا) لا تشريعا كما ان النهي عن شرب الخمر و الزنا و نحوهما يدل على الحرمة الذاتية (و لا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة) لأن معنى الحرمة هو عبارة عن مخالفة الشريعة فالجمع بينهما جمع بين الضدين (و كذا) لو فسرت الصحة (بمعنى سقوط الاعادة) في الوقت و القضاء في خارجه فان الصحة بهذا المعنى أيضا لا تجتمع مع الحرمة (فانه) أي كل من‏

36

مترتب على اتيانها يقصد القربة و كانت مما يصلح لأن يتقرب بها و مع الحرمة لا تكاد تصلح لذلك و لا يتأتى قصدها من الملتفت الى حرمتها كما لا يخفى لا يقال: هذا لو كان النهي عنها دالا على الحرمة الذاتية و لا يكاد يتصف بها العبادة لعدم الحرمة بدون قصد القربة و عدم القدرة عليها مع قصد القربة بها الا تشريعا

____________

الموافقة و السقوط (مترتب على اتيانها) أي اتيان العبادة (بقصد القربة و كانت) أي العبادة (مما يصلح لان يتقرب بها و) من المعلوم أنه (مع الحرمة لا تكاد) العبادة (تصلح لذلك) أي لأن يتقرب بها مطلقا سواء كان الشخص ملتفتا الى حرمتها ام لا (و لا) يكاد (يتأتي قصدها) أي قصد القربة (من الملتفت الى حرمتها) لأن الملتفت الى حرمة الشي‏ء يستحيل في حقه أن يتقرب به الى من يبغضه (كما لا يخفى) ذلك بأدنى التفات (لا يقال: هذا) الذي ذكرتموه من دلالة النهي على الفساد انما يتم فيما (لو كان النهي عنها) أي عن العبادة (دالا على الحرمة الذاتية) بان يكون حال الصلاة في حال الحيض حال شرب الخمر مثلا (و لا يكاد يتصف بها) أي بالحرمة الذاتية (العبادة لعدم الحرمة بدون قصد القربة) كما في صلاة الحائض لتمرين الولد و وجه عدم الحرمة- حين تجردها عن قصد القربة- هو عدم كونها عبادة فلا تكون الحرمة المتعلقة بها متعلقة بالعبادة (و عدم القدرة عليها) أي على العبادة (مع قصد القربة بها) لأن ما ليس بعبادة لا يعقل جعلها عبادة حتى لو أتى بها بقصد القربة و حينئذ فلا يحرم (الا تشريعا) بمعنى أنه يقصد القربة بما يعلم بحرمته و قد سبق أنه يستحيل أن يكون الفعل مقربا مع النهي عنه فمثل هذا القصد المزبور

37

و معه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة و معه لا تتصف بحرمة أخرى لامتناع اجتماع المثلين كالضدين فانه يقال: لا ضير في انصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا به بالحرمة الذاتية مثلا: صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها بمعنى أنه لو أمر به كان عبادة لا يسقط الأمر به إلا اذا أتي به بقصد القربة كصوم- سائر الايام‏

____________

بالعمل المزبور يسمى تشريعا حيث نسب الى الشارع ما ليس منه (و معه) أي مع قصد القربة (تكون) العبادة (محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة و معه) أي مع انصافها بالحرمة التشريعية (لا تتصف بحرمة أخرى) و هي الحرمة الذاتية (لامتناع اجتماع المثلين) في موضوع واحد (ك) امتناع اجتماع (الضدين) و هذا أمر واضح-.

(فانه يقال) في الجواب: باننا نمنع قولكم: «لعدم الحرمة بدون قصد القربة» لأن العبادة المأخوذة في عنوان المسألة في قولنا: «النهي في العبادة يدل على الفساد أم لا» يراد بها ما يعتبر فيه قصد القربة، حتى يرد ما ذكرتم: من ان العبادة بهذا المعنى لا تجتمع مع الحرمة بل المراد بالعبادة الشي‏ء الذي لو امر به لكان عبادة و حينئذ (لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا به بالحرمة الذاتية) فيحرم ذاتا و لو لم يقصد به القربة (مثلا: صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها) و كونه عبادة مع فرض كونه منهيا عنه (بمعنى أنه لو أمر به) اي بصوم العيدين (كان عبادة لا يسقط الأمر به إلا إذا اتي به بقصد القربة كصوم سائر الأيام) غير العيدين حيث أنها لا يسقط الامر الوجوبي او الاستحبابي المتوجه اليها إلا اذا اتي بها بقصد القربة:

و بما ذكرناه تبين بطلان قول المشكل: «لعدم الحرمة بدون قصد القربة»

38

هذا فيما اذا لم يكن ذاتا عبادة كالسجود للّه تعالى و نحوه و إلّا كان محرما مع كونه فعلا عبادة مثلا: اذا نهي الجنب و الحائض عن السجود له تبارك و تعالى كان عبادة محرمة ذاتا حينئذ لما فيه من المفسدة و المبغوضية في هذا الحال مع أنه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة التشريعية بناء على أن الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متصفا بالحرمة بل انما يكون المتصف بها ما هو من افعال القلب‏

____________

(هذا فيما اذا لم يكن) المنهي عنه (ذاتا عبادة) كما لو كانت عباديته متوقفة على الامر و اما اذا كانت عباديته ذاتية (كالسجود للّه تعالى و نحوه) من الاعمال التي عباديتها ذاتية فيها لو لا عارض النهي عنها لداع من الدواعي (و إلّا) بان كان بنفسه عبادة كالسجود للّه تعالى (كان محرما) فعلا للعارض الذي اوجب تحريمه (مع كونه فعلا) ايضا (عبادة) من ناحية ذاته و نفسه و هذا مما يبطل قول المشكل: «لعدم الحرمة بدون قصد القربة» ايضا (مثلا: اذا نهي الجنب و الحائض عن السجود له تبارك و تعالى كان) السجود (عبادة محرمة ذاتا) و معنى تحريمها الذاتي هو ان الحرمة وردت على نفس هذا العمل لا على عارض طرأ عليه (حينئذ) اي حين النهي (لما فيه من المفسدة و المبغوضية في هذا الحال) و هو حال الجنابة أو الحيض مطلقا لما عرفت من أن مثل السجود عباديته ذاتية له (مع أنه) تمنع قول المشكل «و عدم القدرة عليها» حيث (لا ضير في اتصافه) أي اتصاف الشي‏ء (بهذه الحرمة) الثانية مع (الحرمة التشريعية) اذ لا يلزم اجتماع الضدين المستحيل لاختلاف الموضوعين (بناء على أن الفعل فيها) أي في العبادة المحرمة حرمة تشريعية (لا يكون في الحقيقة متصفا بالحرمة) التشريعية (بل انما يكون المتصف بها) أي بالحرمة التشريعية (ما هو من افعال القلب) و هو القصد بها أن تكون مقرّبة

39

كما هو الحال في التجري و الانقياد فافهم. هذا مع انه لو لم يكن النهي فيها دالا على الحرمة لكان دالا على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية فانه لا أقل من دلالته على أنها ليست بمأمور بها و ان عمها اطلاق دليل الأمر بها أو عمومه.

____________

مع الالتفات الى أنها لا تقرب حتى لو قصد بها القربة (كما هو) أي كونه من افعال القلب (الحال في التجري و الانقياد) فمعنى كونه متجرئا انه قادم على ما يعتقده حراما فهو عصيان قلبي و معنى كونه منقادا أنه قادم على ما يراه طاعة و ثوابا و هذا طاعة قلبية و لو لم يصادف معقده الواقع و حينئذ فلا يجتمع التحريم الذاتي و التشريعي في موضوع واحد بل موضوع الحرمة الذاتية هو الفعل و موضوع الحرمة التشريعية هو القصد القلبي (فافهم) يمكن أن يكون اشارة الى أن الحرمة التشريعية- و ان كانت متقومة بالقلب- إلا أن الفعل يتصف بها فيجتمع المثلان و هو باطل كاجتماع الضدين فيتم ما اورده المشكل.

(هذا) خلاصة الجواب عن الاشكال السابق (مع انه لو لم يكن النهي فيها) أي في العبادة المنهي عنها كالصلاة في حال الحيض (دالا على الحرمة) الذاتية (لكان) النهي على الأقل (دالا على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية) و هي كافية في فساد العبادة (فانه لا أقل من دلالته) اى دلالة النهي التشريعي (على انها) أي العبادة مع النهي عنها (ليست بمأمور بها) في عرض النهي المتعلق بها و حيث لا أمر لا وجه للصحة (و ان عمها) أي عمّ هذه العبادة المنهي عنها (اطلاق دليل الأمر بها او عمومه) لو لا عارض النهي فتقيد به أو تخصص قطعا و على هذا يظهر عدم صحة هذه الصلاة على كلا القولين قول‏

40

نعم لو لم يكن النهي عنها إلا عرضا كما اذا نهي عنها فيما كانت ضدا لواجب مثلا لا يكون مقتضيا للفساد بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهي عن الضد إلا كذلك- أي عرضا- فيخصص به أو يقيد «المقام الثاني» في المعاملات و نخبة القول أن النهى الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد لعدم الملازمة فيها لغة و لا عرفا بين حرمتها و فسادها اصلا

____________

من يذهب الى احتياج العبادة الى الأمر- كما عليه البهائي و صاحب الجواهر و جماعة آخرون و قول من يذهب الى كفاية الملاك كما عليه المصنف و جماعة آخرون اذ لا أمر بها و لا رجحان ذاتي فيها (نعم) بناء على كفاية الملاك فى صحة العبادة من غير حاجة الى الأمر بها قد يتصور صحتها مع وجود النهي عنها و ذلك فيما (لو لم يكن النهي عنها إلا عرضا) و تبعا بان كان في الواقع متعلقا بشي‏ء آخر و انما يتعلق بالعبادة مجازا (كما اذا نهي عنها) أي عن العبادة (فيما) لو (كانت ضدا لواجب مثلا) كالصلاة بالنسبة الى الازالة (لا يكون) النهي المزبور حينئذ (مقتضيا للفساد) لأن النهي في الحقيقة متعلق بترك الازالة لا بالصلاة التي هي مقارنة لترك الازالة فنسبة النهي الى الصلاة من باب نسبة حكم احد المقارنين الى المقارن الآخر و هذا انما يتم (بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن الضد الا كذلك- أي عرضا-) و تبعا لا حقيقة و حينئذ (فيخصص) عموم دليل الصلاة أو اطلاقه (به) أي بهذا النهي (أو يقيد) به الاطلاق (المقام الثاني في المعاملات و نخبة القول) فيها (أن النهي الدال على حرمتها) أي على حرمة المعاملة (لا يقتضي الفساد) أي فسادها من طريق النهي عنها (لعدم الملازمة فيها) أي في المعاملات (لغة و لا عرفا بين حرمتها و فسادها أصلا) لأن المراد

41

كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبيب أو بالتسبب بها اليه و ان لم يكن السبب‏

____________

من الصحة في باب المعاملات هو ترتب الأثر كالملكية و الزوجية مثلا و لا منافاة بين حرمة ايجاد اسباب هذه الاشياء مع حصول هذه الآثار في الخارج لو حصلت أسبابها سواء (كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة) أي متعلقة بالسبب بمعنى أن العقد المعاملي يحرم على المكلف مباشرته كالبيع وقت النداء فانه يحرم ايجاد العقد- أي التلفظ به وقت النداء- و لا ينافي ذلك وقوع النقل و الانتقال في الخارج لو وقعت الفاظ العقد (أو) كانت الحرمة متعلقة (بمضمونها بما هو فعل بالتسبيب) أي متعلقة بالمسبب بمعنى تعلق الحرمة بمضمون المعاملة كحرمة بيع العبد المسلم على الكافر فان المبغوض فى الاول هو عقد البيع و ربطه بين البائع و المشترى و لو كان النقل و الانتقال متأخرا و في الثاني: المبغوض هو تسلط الكافر على المسلم بمعنى حصول ملكيته له في الخارج مبغوض لا نفس انشاء الصيغة (أو) كانت الحرمة متعلقة (بالتسبب بها) أي بالمعاملة (اليه) أي الى الفعل التسبيبي بمعنى ان السبب من طريق خاص الى ما يسببه ذلك الطريق مثلا: ايجاد اسباب الفرقة بين الزوج و الزوجة لدواع عقلائية لا مانع منه شرعا و كذلك ما يتسبب عن هذه الاسباب و هي الفرقة بالدواعي المزبورة غير مبغوض و لا ممنوع منه و انما الممنوع التسبب الى المسبب المزبور من طريق الظهار بقول القائل لزوجته: «أنت عليّ كظهر أمي» فليس سبب الفرقة بما هو مبغوضا و لا الفرقة بما هي مبغوضة و انما المبغوض من ذلك اتخاذ طريق الظهار سببا للتوصل الى الفرقة التي تكون منه و هذا معنى قوله: (و ان لم يكن السبب) المطلق و هو التلفظ

42

و لا المسبب بما هو فعل من الافعال بحرام و انما يقتضي الفساد فيما اذا كان دالا على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها مثل النهي عن اكل الثمن او المثمن في بيع أو بيع شي‏ء نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الارشاد الى فسادها

____________

الغير المقيد بخصوصية (و لا المسبب) و هو مطلق الفرقة (بما هو فعل من الافعال) متعلق بقوله: «و ان لم يكن السبب» (بحرام) شرعا نظير ما مثلنا به (و انما يقتضي) النهي عن المعاملة (الفساد فيما اذا كان دالا على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها) أي مع صحة المعاملة كما اذا نهى الشارع عن شي‏ء و كان ذلك بحيث يلزم من تحريمه فساد المعاملة اذ لا يعقل صحة المعاملة مع تحريم ذلك الشي‏ء لوقوع التلازم بين حرمته و فساد المعاملة سواء كان تلازما حقيقيا أو عرفيا أو شرعيا و حينئذ فالنهي يدل على الفساد بضميمة ذلك التلازم المعلوم خارجا و ذلك (مثل النهي عن اكل الثمن أو المثمن في بيع) كالنهي عن اكل ثمن الخمر و الخنزير و العذرة و الكلب، كقوله (عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» أي حرام و قولهم «ع»: في ثمن الجارية المغنية: «كثمن الكلب» (أو) النهي عن (بيع شي‏ء) كقوله (ص): «لا تبع ما ليس عندك» (نعم لا يبعد) وجود تفصيل آخر في مسألة النهي عن المعاملة و هو:

أن المعاملة تكون على قسمين الأول: العقود و الايقاعات، الثاني: غيرها مما ليس بعبادة، ففي القسم الأول نقول بدلالة النهي على الفساد من جهة (دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الارشاد الى فسادها) وضعا بمعنى عدم ترتب الأثر المطلوب عليها من دون دلالة النهي على حرمتها أو كراهتها نظير الأمر الواقع عقيب الحظر من حيث إنه ارشاد الى رفع المنع‏

43

كما أن الأمر بها يكون ظاهرا في الارشاد الى صحتها من دون دلالته على ايجابها أو استحبابها كما لا يخفى لكنه في المعاملات بمعنى العقود و الايقاعات لا المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات فالمعول هو ملاحظة القرائن‏

____________

(كما أن الأمر بها) أي بالمعاملة (يكون ظاهرا في الارشاد الى صحتها) بمعنى أنها مما يترتب الأثر عليها (من دون دلالته) أي دلالة الأمر بالمعاملة (على ايجابها) من الشارع على المكلف و انه ملزم باتيانها (أو استحبابها) بان يكون من الراجح فعلا فلا يدل على هذا و لا ذاك بل معنى الأمر بها ايجابيا كان او استحبابيا هو إلفات نظر المكلف إلى أن متعلق الأمر المزبور مما يصح لو وقع و يترتب عليه الأثر المطلوب منه فقوله (عليه السلام): «لا تبع ما ليس عندك» يدل على الفساد كما أن قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» يدل على الصحة (كما لا يخفى) هذا و (لكنه) على تقدير التسليم من كون النهي عن المعاملة مرشدا الى فسادها و تعلق الأمر بها مرشدا الى صحتها انما يتم ذلك (في) القسم الأول أي (المعاملات بمعني العقود و الايقاعات لا) القسم الثاني أي (المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات) أي كل ما لم يكن عبادة مثلا: الأمر بغسل الثوب أو الآنية من النجاسة و النهي عنه بالماء المغصوب لا يقتضي ذلك الامر صحة الغسل و لا ذلك النهي يقتضي فساده بل انما يقتضي الأول لزوم الغسل المزبور لا اكثر و الثاني يقتضي حرمة الغصب لا اكثر من دون اشعار بالصحة أو بالفساد.

(فالمعول) عليه حينئذ في القسم الثاني في افادة النهي الفساد ارشادا او استلزام الحرمة له، اولا هذا و لا ذاك قطعا نظير الأمر بغسل الثوب و النهي عن غسله بالمغصوب (هو ملاحظة للقرائن) الحالية او المقالية

44

في خصوص المقامات و مع عدمها لا محيص عن الأخذ بما هو قضية صيغة النهي من الحرمة و قد عرفت أنها غير مستتبعة للفساد لا لغة و لا عرفا نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعا من جهة دلالة غير واحد من الاخبار عليه منها ما رواه في الكافي و الفقيه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) سألته عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال:

____________

(في خصوص المقامات) و اتباعها فانها تختلف كما عرفت اختلافها من الامثلة السالفة و ما اكثر نظائرها، فالأمر في قوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» ارشادي و النهي في قوله تعالى: «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» تحريمي (و مع عدمها) أي مع عدم القرينة الدالة على كون النهي و الامر إرشاديا أو تحريميا (لا محيص عن الاخذ بما هو قضية) اي مقتضى (صيغة النهي من الحرمة) التي هي مفاده لما مر في بحث النواهي من ظهورها في التحريم هذا (و) لكن على تقدير حملها على التحريم (قد عرفت أنها) أي الحرمة التي هي مفاد صيغة النهي (غير مستتبعة للفساد لا لغة و لا عرفا) و لا شرعا:

(نعم ربما يتوهم استتباعها) اي استتباع صيغة النهي (له) أي الفساد (شرعا من جهة دلالة غير واحد من الأخبار عليه) أي على الاستتباع فمن هذه الاخبار المتفرقة يستفاد الملازمة الدائمة الشرعية بين النهي و الفساد (منها ما رواه) الثقة الكليني (قدّس اللّه سره) (في) كتابه (الكافي و) كذلك رواه الصدوق في من لا يحضره (الفقيه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) سألته عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال:

45

ذلك الى سيده ان شاء اجازه و ان شاء فرق بينهما قلت اصلحك اللّه تعالى ان حكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و اصحابهما يقولون ان اصل النكاح فاسد و لا يحل اجازة السيد له فقال ابو جعفر (عليه السلام): إنه لم يعص اللّه انما عصى سيّده فاذا اجازه فهو له جائز، حيث دلّ بظاهره ان النكاح لو كان مما حرمه اللّه تعالى عليه كان فاسدا، و لا يخفى ان الظاهر ان يكون المراد بالمعصية المنتفية هاهنا أن النكاح ليس مما لم يمضه اللّه و لم يشرعه كي يقع فاسدا

____________

ذلك الى سيّده ان شاء اجازه و ان شاء فرق بينهما قلت: اصلحك اللّه تعالى أن حكم ابن عتيبة و ابراهيم النخعي و اصحابهما يقولون إن اصل النكاح فاسد و لا يحل اجازة السيّد له فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنه لم يعص اللّه انما عصى سيّده فاذا اجازه فهو له جائز، حيث دل بظاهره ان النكاح لو كان مما حرمه اللّه تعالى عليه كان فاسدا) بتقريب: انه (عليه السلام) رتب الصحة على عدم معصية اللّه تعالى و مفهومه انه اذا عصى اللّه يكون فاسدا فلو نهى اللّه تعالى عن معاملة فخالف المكلف و أتى بتلك المعاملة فقد عصى اللّه تعالى فتكون فاسدة و هو المطلوب.

هذا (و) لكنه (لا يخفى) ان الاستدلال يمثل هذه الرواية و نحوها فاسد و ممنوع صغرى و كبرى، اما الكبرى فلأنه مع فرض الدلالة لا يثبت بمثل هذه الموارد الجزئية كبرى كلية في جميع ابواب الفقه من العقود و الايقاعات و سائر التوصليات على تلازم النهي و الفساد شرعا و أما الصغرى فلعدم دلالة هذه الرواية على المدعى حيث (أن الظاهر ان يكون المراد بالمعصية المنتفية هاهنا) اي في قول الامام الباقر (عليه السلام): «انه لم يعص اللّه» (ان النكاح) بنفسه (ليس مما لم يمضه اللّه و لم يشرعه كي يقع فاسدا) سواء اجازه المولى أم لم يجزه بل هو غير ممنوع من قبل‏

46

و من المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد كما لا يخفى، و لا بأس باطلاق المعصية على عمل لم يمضه اللّه و لم يأذن به كما اطلق عليه بمجرد عدم اذن السيد فيه أنه معصية، و بالجملة: لو لم يكن ظاهرا في ذلك لما كان ظاهرا فيما توهم و هكذا حال سائر الاخبار الواردة في هذا الباب فراجع و تأمل:

____________

الشارع امضاء و انما يتوقف على اجازة المولى لكونه عقدا فضوليا (و من المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى) و هو العمل الذي لم يمضه اللّه تعالى و لم يشرعه لا بمعنى أنه مما نهى اللّه عنه (للفساد كما لا يخفى) هذا (و) أنه (لا بأس باطلاق المعصية على عمل لم يمضه اللّه و لم يأذن به كما اطلق عليه) اي على العمل المزبور (بمجرد عدم اذن السيد فيه انه معصية) نائب فاعل «اطلق» بمعنى انه لم يمضه لعبده بادئا و لم يأذن به أولا.

(و بالجملة لو لم يكن) هذا الحديث المروي في الكافي و الفقيه (ظاهرا في ذلك) و هو ما ذكرناه من كون العصيان ناشئا من عدم الاجازة لا من النهي (لما كان ظاهرا فيما توهم) من دلالة النهي على الفساد شرعا (و هكذا حال سائر الاخبار الواردة في هذا الباب) أي حالها حال الخبر السابق فانها لا تدل على افادة النهي للفساد كما هو الظاهر في تعليل قول الامام أبي جعفر (ع): انما أتى شيئا حلالا و ليس بعاص للّه و رسوله و انما عصى سيده و لم يعص اللّه ان ذلك ليس كاتيان ما حرم اللّه عزّ و جل من نكاح في عدة و اشباهه (فراجع و تأمل) فيما فصلناه.

و حاصل ما تقدم في تقريب الاستدلال بما ذكر من الاخبار هو: أن عصيان العبد لسيده لا يستلزم بطلان النكاح و انما يوجب توقف صحته على اجازة مولاه و بما أن عصيان السيد يلازم عصيانه تعالى المستلزم لفساده بمقتضى‏

47

.........

____________

مفهوم قوله (عليه السلام): «انه لم يعص اللّه» فلا بد من أن يراد به العصيان الوضعى بمعنى أن العبد لم يرتكب ما هو غير مشروع في نفسه كالنكاح في العدة على ما مثل به الامام (عليه السلام) حيث لا يكون قابلا للصحة بعد وقوعه بل ارتكب امرا مشروعا في نفسه قابلا لتعلق الاجازة به من المولى فيصح عند اجازته و أما العصيان التكليفي الذي هو محل الكلام في المقام فهو غير مراد من العصيان المنفي في الرواية قطعا لأن عصيان السيد ملازم لعصيانه تعالى فلا يصح نفيه مع اثبات عصيانه لسيده.

هذا و لكن التحقيق كما عن السيد الخوئي دام ظله في تقريراته هو: أن المراد من لفظ العصيان الوارد في هذه الروايات هو العصيان الوضعي في كل من الموردين بتقريب: ان النكاح المزبور بما أنه كان مشروعا في نفسه لا يكون مانع عن صحته و نفوذه إلا عدم رضاء السيّد به و عدم اجازته له فاذا ارتفع المانع بحصول الاجازة جاز النكاح و الوجه في ذلك ان نكاح العبد بغير إذن سيده ليس من التصرفات المحرمة شرعا و لذا لو عقد العبد لغير نفسه لما احتاج نفوذه الى اجازة السيد قطعا كما أن غير العبد لو عقد للعبد لاحتاج نفوذه الى اجازة السيد بلا اشكال مع أنه لم يتحقق في الفرض عصيان تكليفي من العبد و لا من غيره بالضرورة فيتعين أن يكون المراد من العصيان في الروايات هو العصيان الوضعي، فيكون المتحصل من الروايات و اللّه العالم: ان النكاح لو كان غير مشروع في نفسه كما اذا كان واقعا في العدة و نحوه لكان باطلا و غير قابل للصحة و اما اذا كان في نفسه مشروعا غاية الامر أنه اعتبر في صحته و نفوذه رضاء سيده به و كان فساده دائرا مدار عدم رضاء السيد حدوثا و بقاء و يؤيد ما ذكرناه أنه لو كان العقد محرما لعارض كما اذا قصد به اضرار

48

«تذنيب» حكى عن أبي حنيفة و الشيباني دلالة النهي على الصحة و عن الفخر أنه وافقهما في ذلك و التحقيق أنه في المعاملات كذلك اذا كان عن المسبب أو التسبيب لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر

____________

مسلم و نحو ذلك لما حكم بفساد العقد قطعا مع أن حرمة هذا العقد لا تقبل الارتفاع أبدا فيكشف ذلك عن أن الحرمة التكليفية لا نستلزم فساد العقد أبدا.

فتحصل مما ذكرناه: أنه لا تدل الروايات على دلالة النهي على الصحة كذلك لا تدل على دلالته على الفساد فهي ساكتة عن هذه الجهة و قد عرفت أنه لا دليل آخر على دلالة النهي على الفساد فالصحيح هو القول بعدم دلالته عليه في غير العبادات انتهى.

تذنيب في دفع وهم‏

و هو أنه: (حكي عن أبي حنيفة و) تلميذه محمد بن الحسن (الشيباني دلالة النهي على الصحة و عن الفخر) نجل العلامة الحلي (ره) (أنه وافقهما في ذلك) المدعى لان النهي تكليف و التكليف مشروط بالقدرة فالنهي عن المعاملة يتوقف على القدرة على اتيان المعاملة صحيحة و إلا فلو لم يكن المكلف قادرا على اتيانها كان النهي لغوا:

(و التحقيق) أن هذه الدعوى على اطلاقها مخدوشة و ان المختار هو التفصيل بما حاصله: (أنه) أي النهي (في المعاملات كذلك) أي دال على الصحة (اذا كان) النهي (عن المسبب) كالنهي عن بيع المصحف للكافر الراجع الى مبغوضية تملكه له (أو التسبيب) أي جعل هذا الشي‏ء سببا لهذا الأثر كما تقدم في مثال الظهار و انما قلنا بدلالة النهي في هذين القسمين على الصحة (لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر)

49

و لا يكاد يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة و اما اذا كان عن السبب فلا لكونه مقدورا و ان لم يكن صحيحا نعم قد عرفت أن النهي عنه لا ينافيها و أما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود و الركوع و الخشوع و الخضوع له تبارك و تعالى فمع النهي عنه يكون مقدورا

____________

في اعتبار القدرة على متعلقه على حد سواء فان غير المقدور لا يؤمر به و لا ينهى عنه لعجز المكلف عنه (و لا يكاد يقدر) المكلف (عليهما) أي على المسبب أو التسبيب (الا فيما كانت المعاملة مؤثرة) و كونها مؤثرة هو وقوعها (صحيحة) اذ لو كانت فاسدة لم يقدر على المسبب في الأول و لا على التسبيب في الثاني (و اما اذا كان) النهي (عن السبب) و هو القسم الثالث كالنهي عن البيع وقت النداء الراجع الى النهي عن العقد و اللفظ في هذا الوقت (فلا) يدل النهي على صحتها (لكونه) أي لكون السبب و هو مثل بعت (مقدورا) للمكلف (و ان لم يكن) مؤثرا و (صحيحا) فان المكلف قادر على انشاء لفظ بعت و قدرته على ذلك لا تستلزم كون الانشاء المزبور مؤثرا كما هو واضح (نعم) لا يدل النهي في هذا القسم الثالث على الفساد كما لا يدل على الصحة لما (قد عرفت) سابقا من (ان النهي عنه) أي عن السبب (لا ينافيها) أي لا ينافي الصحة حتى يدل على الفساد، هذا كله فيما اذا كان النهي متعلقا بالمعاملات و قد عرفت أنها على ثلاثة اقسام في قسمين منها يدل على الصحة و القسم الثالث لا يدل على شى‏ء اصلا لا على الصحة و لا على الفساد-:

(و اما) النهي اذا كان متعلقا في (العبادات) ففيه تفصيل (فما كان منها عبادة ذاتية) و هي التي تقع عبادة و لو لم يقصد بها القربة لان عباديتها قائمة بذات الفعل نفسه (كالسجود و الركوع و الخشوع و الخضوع له تبارك و تعالى فمع النهي عنه يكون مقدورا) للمكلف حيث يتمكن‏

50

كما اذا كان مأمورا به و ما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأمورا به فلا يكاد يقدر عليه إلّا اذا قيل باجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و لو بعنوان واحد و هو محال، و قد عرفت ان النهي في هذا القسم‏

____________

من الاتيان به و ان كان بفعله له عاصيا (كما اذا كان مأمورا به) فانه مقدور للمكلف أيضا و في هذا القسم لا يكشف النهي عن الصحة لأن النهي و ان كان مشروطا بالقدرة لكن القدرة لا تلازم الصحة فهذا السجود مثلا يقع باطلا محتاجا الى الاعادة في الوقت أو القضاء في خارجه مع أنه مقدور للمكلف (و ما كان منها) أي من العبادات (عبادة لأ) جل (اعتبار قصد القربة فيه) فمن ناحية هذا الاعتبار صار عبادة لا من ناحية ذاته و نفسه (او كان مأمورا به) بمعنى أن الأمر يتعلق به بشرط قصد القربة فيه كالصلاة مثلا (فلا يكاد) مع النهي (يقدر عليه) المكلف لأن ايجادها عبادة مما يتوقف على قصد القربة و قصد القربة موقوف على الأمر و الأمر و النهي لا يجتمعان في شي‏ء واحد بعنوان واحد اذ يستحيل التقرب بما هو مبغوض للمولى و مبعّد عنه (إلّا اذا قيل باجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و لو بعنوان واحد و هو محال) عند الجميع لما عرفت من ان المجوزين للاجتماع انما يجوزونه فيما اذا كان تعلق الأمر و النهي بعنوانين، و النهي في هذا القسم يكشف عن الصحة لأن النهي مشروط بالقدرة على العبادة و كونها عبادة مما يتوقف على قصد القربة المتوقف على الامر الملازم للصحة، و بعبارة اوضح: ان الصلاة المنهي عنها لو كانت باطلة لم تكن عبادة فعلية و المفروض تعلق النهي بالعبادة الفعلية و بالنتيجة: أن النهي عن العبادة الفعلية يدل على صحتها.

هذا (و) لكن (قد عرفت) فيما سبق (أن النهي في هذا القسم)

51

انما يكون نهيا عن العبادة بمعنى أنه لو كان مأمورا به كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلا بقصد القربة فافهم: «المقصد الثالث في المفاهيم» مقدمة و هي أن المفهوم- كما يظهر من موارد اطلاقه- هو عبادة عن حكم انشائي او اخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي اريد من اللفظ

____________

الأخير من العبادة المحتاجة في عباديتها الى قصد القربة لا يتعلق بالعبادة الفعلية حتى يدل على صحتها و يلزم منه محذور اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد بعنوان واحد بل (انما يكون نهيا عن العبادة) الشأنية (بمعنى أنه لو كان مأمورا به كان الأمر به أمر عبادة) بمعنى انه (لا يسقط إلّا بقصد القربة) لا أنه مع تعلق النهي به يتصف بعنوان العبادية فانه غير جائز لأن عبادية هذا القسم موقوفة على اقتران العمل بقصد القربة و القصد المزبور لا يمكن للمكلف مع النهي عنه و بعبارة أخرى: أن النهي لا يكشف عن صحتها لأن النهي و ان كان مشروطا بالقدرة لكن القدرة على العبادة الشأنية لا تتوقف على قصد القربة حتى يتوقف على الأمر الملازم للصحة (فافهم) ما قدمناه لتقف على المراد و اللّه تعالى الموفق لسبيل الرشاد.

المقصد الثالث فى المفاهيم‏

(مقدمة) في معنى المفهوم (و هي ان) معنى (المفهوم كما يظهر من موارد اطلاقه) لغة و عرفا فى كلماتهم (هو عبارة عن حكم انشائي) فيما اذا كان المنطوق انشاء نحو «ان جاءك زيد فاكرمه» (او اخباري) فيما اذا كان المنطوق خبرا نحو «ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» (تستتبعه) أي تستتبع ذلك الحكم (خصوصية المعنى الذي اريد من اللفظ) فعدم اكرام زيد على تقدير عدم المجي‏ء و عدم وجود النهار على‏

52

بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة و كان يلزمه لذلك وافقه في الايجاب و السلب أو خالفه فمفهوم إن جاءك زيد فاكرمه مثلا لو قيل به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها

____________

تقدير عدم طلوع الشمس، حكمان لازمان لخصوصية معنى «إن» الشرطية (بتلك الخصوصية) متعلق بقوله: «اريد من اللفظ» و الحاصل: أن الخصوصية الموجودة في المقام تكون مدلولا عليها باللفظ لذلك تخرج المداليل الالتزامية مثل وجوب المقدمة، و حرمة الضد، عما نحن فيه لأن اللفظ انما يدل على ذى الخصوصية لا غير، و هي تستفاد من خارج اللفظ، و بالنتيجة: أن خصوصية المنطوق المستتبعة للمفهوم مدلول عليها باللفظ (و لو) كانت دلالة اللفظ على تلك الخصوصية (بقرينة الحكمة) لأن ثبوت الخصوصية للمعنى المنطوق به المستتبعة للمفهوم قد تستند الى التبادر و قد تستند الى الانصراف و قد تستند الى مقدمات الحكمة و هي اضعفها (و كان) المفهوم (يلزمه) أي يلزم المعنى الذي اريد من اللفظ (لذلك) أي كان المفهوم لازما لذلك المعنى لأجل تلك الخصوصية (وافقه) أي وافق المفهوم المنطوق (في الايجاب و السلب) كما في قوله تعالى: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» فان الخصوصية المتركزة في هذه الجملة تستتبع حكما غير مذكور فيها و هو حرمة ما زاد على التأفيف من الضرب و الشتم و ما فوقهما بطريق اولى، و يسمى هذا القسم بمفهوم الموافقة، و لحن الخطاب، و فحوى الخطاب (او خالفه) كما في قولك: «ان جاءك زيد فأكرمه» فان المنطوق ايجابي و المفهوم سلبي و يسمى هذا القسم بمفهوم المخالفة، و دليل الخطاب (فمفهوم ان جاءك زيد فاكرمه مثلا لو قيل به) اي لو قيل بمفهوم الشرط (قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها) بمعنى ان كلا من الشرط و الجزاء