حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - ج1

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
472 /
5

[الجزء الاول‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

التعريف بالمؤلّف‏

هو عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ الهمام الخضيري الأسيوطي.

- ولد جلال الدين السيوطي مؤلف هذا الكتاب يوم الأحد مستهلّ رجب من سنة 849 ه، و توفي كما ذكر ابن إياس يوم الخميس في التاسع من شهر جمادى الأولى من سنة 911 ه، حيث دفن بجوار خانقاه قوصون خارج باب القرافة.

كان أجداده من أهل الوجاهة و الرئاسة حكما و حسبة و تجارة و اهتماما ببناء المدارس.

أما بالنسبة لجدّه الخضيري فعلى الأغلب نسبة إلى الخضيريّة التي هي محلّة ببغداد، أمّا جدّ الخضيري فكان أعجميا أو من الشرق.

أمّا عنه شخصيّا فقد حفظ القرآن و له من العمر أقل من ثماني سنين، كما حفظ العمدة و منهاج الفقه و الأصول و ألفية ابن مالك، و تبحّر في عدّة علوم: كالتفسير و الحديث و الفقه و النحو و المعاني و البيان و البديع، علاوة على ما دونها- كما قال- من أصول الفقه و الجدل و التصريف و الإنشاء و التوسل و الفرائض و دونها القراءات و الطبّ، و أجيز له تدريس العربية و الإفتاء.

و كان السيوطي- (رحمه اللّه)- يحب الابتعاد في حياته عن أصحاب السلطان و الجاه، في الوقت الذي كان يأتيه الوزراء و الأمراء لزيارته. و لقد سافر إلى عدّة بلاد مثل الشام و الحجاز و اليمن و الهند و المغرب، كما لازم كثيرا من الشيوخ مثل محمد المجذوب و البلقيني و المناوي و الشبلي الحنفي و الكافيجى، بحيث كان عدّة شيوخه‏

6

حوالي مائة و خمسين.

أما مؤلّفاته فكثيرة جدا، فقد بلغت حوالي ثلاثمائة كتاب سوى ما غسله و رجع عنه.

7

التعريف بكتاب حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة

قال الشيخ السيوطي في بداية هذا الكتاب:

لقد سمّيته حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة، أوردت فيه فوائد سنيّة و غرائب مستعذبة مرضية، تصلح لمسامرة الجليس و تكون للوحدة نعم الأنيس.

لقد اطّلع المؤلّف قبل البدء بوضع هذا الكتاب المفيد الذي رجع إليه المؤرخون و المحقّقون على كتب أخرى- كما قال- فساهمت في مضمون الكتاب، مثل: فتوح مصر و فضائل مصر و تاريخ مصر و الخطط المقريزية و القضاعية و ... الخ، بحيث كان عدد مراجعه التي اعتمد عليها أكثر من ثلاثين.

و ضمّن كتابه هذا أسماء المواضع التي ذكرت فيها مصر في القرآن و الحديث، ثم تحدّث عن إقليم مصر و من نزلها من أولاد آدم (عليه السلام)، و من ملكها قبل و بعد الطوفان، و من دخلها من الأنبياء و الصدّيقين و من كان بها من الحكماء. ثم عرّج المؤلف على عجائبها القديمة و ذكر الاسكندرية و منارتها، و كتاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المقوقس، ثم فتح مصر و بناء المساجد و اختطاط الجيزة و فتح الفيوم و برقة و النوبة.

كما تطرق المؤلف إلى الخليج الذي يربط نهر النيل بالبحر الأحمر و الذي سمّي بخليج أمير المؤمنين، دون أن ينسى ذكر من دخل مصر من الصحابة و من سكنها من التابعين و رواة الحديث و حفّاظه، و فقهاء المذاهب الأربعة و من كان بها من أئمة العلوم الأخرى المختلفة مستمرا في ذلك إلى العهد الفاطمي فالأيوبيين و المماليك مع ذكر تفاصيل كتقليد الخلافة أو خطب الجمعة و بعض الحوادث التاريخية و الطبيعية و المجاعات و خلافات الأسرة الحاكمة مرورا بالجانب العمراني من جوامع و مدارس و خانقاهات و طريق الحج و البريد الجوي (الحمام الزاجل) مما يعطينا فكرة دقيقة عن بعض جوانب الحياة تهمّ المؤرّخ و القارئ.

8

و إذا كان المؤرخ اليوناني هيرودوت قد قال قديما: مصر هبة النيل؛ فإنّ السيوطي قد أفرد للنيل بحثا مطوّلا و غنيا بفوائده.

أما المهتمّون بذكر الرياحين و الأزهار و ما قيل في ثمار مصر من شعر فسوف يجدون ضالتهم في هذا الكتاب لأن المؤلف أفرد لذلك صفحات قيّمة.

لن نطيل عزيزي القارئ في ذكر المزيد من مضمون هذا الكتاب القيّم الذي اعتمده كثير من المؤرخين و المحققين، متمنين أن نكون قد وفقنا في إعادة تحقيقه بالشكل المناسب، و اللّه ولي التوفيق.

9

مقدمة المؤلّف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلّم تسليما كثيرا دائما أبدا.

الحمد للّه الّذي فاوت بين العباد، و فضّل بعض خلقه على بعض حتّى في الأمكنة و البلاد، و الصّلاة و السلام على سيّدنا محمد أفصح من نطق بالضّاد، و على آله و صحبه السّادة الأمجاد.

هذا كتاب سمّيته: «حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة»، أوردت فيه فوائد سنيّة، و غرائب مستعذبة مرضيّة، تصلح لمسامرة الجليس، و تكون للوحدة نعم الأنيس، وفّقنا اللّه لما يحبّه و يرضاه، و جعلنا ممّن يحمد قصده و لا يخيب مسعاه؛ بمنّه و كرمه.

و قد طالعت على هذا الكتاب كتبا شتّى؛ منها فتوح مصر لابن عبد الحكم، و فضائل مصر لأبي عمر الكنديّ، و تاريخ مصر لابن زولاق، و الخطط للقضاعيّ، و تاريخ مصر لابن ميسّر، و إيقاظ المتغفّل و إيعاظ المتأمّل لتاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج الزّبيريّ، و الخطط للمقريزيّ، و المسالك لابن فضل اللّه، و مختصره للشيخ تقيّ الدين الكرمانيّ، و مباهج الفكر، و مناهج العبر لمحمد بن عبد اللّه الأنصاريّ، و عنوان السّير لمحمد بن عبد الملك الهمذانيّ، و تاريخ الصّحابة الّذين نزلوا مصر لمحمّد بن الربيع الجيزيّ، و التجريد في الصحابة للذهبيّ، و الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر، و رجال الكتب العشرة للحسينيّ، و طبقات الحفّاظ للذّهبيّ، و طبقات القرّاء له، و طبقات الشافعيّة للسّبكيّ، و للإسنويّ، و طبقات المالكيّة لابن فرحون، و طبقات الحنفيّة لابن دقماق، و مرآة الزّمان لسبط ابن الجوزيّ، و تاريخ الإسلام للذهبيّ، و العبر له، و البداية و النّهاية لابن كثير، و إنباء الغمر بأنباء العمر لابن حجر، و الطالع السعيد في أخبار الصعيد للأدفويّ، و سجع الهديل في أخبار النيل لأحمد بن يوسف التّيفاشيّ، و السكردان لابن أبي حجلة، و ثمار الأوراق لابن حجّة.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ذكر المواضع التي وقع فيها ذكر مصر في القرآن صريحا أو كناية

قال ابن زولاق‏ (1): ذكرت مصر في القرآن في ثمانية و عشرين موضعا.

قلت: بل أكثر من ثلاثين.

قال اللّه تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‏ [البقرة: 61]، و قرى‏ء:

اهْبِطُوا مِصْراً بلا تنوين، فعلى هذا هي مصر المعروفة قطعا؛ و على قراءة التنوين، يحمل ذلك على الصرف اعتبارا بالمكان، كما هو المقرّر في العربيّة في جميع أسماء البلاد، و أنّها تذكّر و تؤنّث، و تصرف و تمنع. و قد أخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي العالية في قوله: اهْبِطُوا مِصْراً قال: يعني مصر فرعون.

و قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يونس:

87].

و قال تعالى: وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ‏ [يوسف: 21].

و قال تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة و السلام: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ [يوسف: 99].

و قال تعالى حكاية عن فرعون: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي‏ [الزخرف: 51].

____________

(1) أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد ... بن زولاق الليثي مولاهم المصري، له كتاب في خطط مصر، و كتاب أخبار قضاة مصر، ولد سنة 306 ه و توفي سنة 387 ه. [وفيات الأعيان: 2/ 91].

12

و قال تعالى: وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا [يوسف: 30].

و قال تعالى: وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [القصص: 15].

و قال تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏ [القصص: 18].

و قال تعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ [القصص: 20].

في تفسيره عن السّدّيّ أنّ المدينة في هذه الآية منف‏ (1)، و كان فرعون بها.

و قال تعالى: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ [المؤمنون: 50]. أخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية، قال: هي مصر، قال: و ليس الرّبا إلا بمصر، و الماء حين يرسل، تكون الرّبا عليها القرى، و لولا الرّبا لغرقت القرى. و أخرج ابن المنذر في تفسيره، عن وهب‏ (2) بن منبّه، في قوله: إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏، قال: مصر. و أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق، من طريق جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، أنّ عيسى كان يرى العجائب في صباه إلهاما من اللّه، ففشا ذلك في اليهود، و ترعرع عيسى، فهمّت به بنو إسرائيل، فخافت أمّه عليه، فأوحى اللّه إليها أن تنطلق به إلى أرض مصر؛ فذلك قوله تعالى: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ؛ قال: يعني مصر. و أخرج ابن عساكر، عن زيد بن أسلم في قوله: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏، قال: هي الإسكندرية.

و قال تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة و السلام: قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏ [يوسف: 56]، أخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة بأرض مصر، فأسلمها سلطانه إليه.

و قال تعالى: وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ‏ [يوسف: 56]، أخرج ابن جرير، عن السّدّيّ في الآية قال: استعمله الملك على مصر، و كان صاحب أمرها.

و قال تعالى في أوّل السّورة: وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ [يوسف: 21].

و قال تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي‏ [يوسف: 80]، قال ابن‏

____________

(1) منف: بينها و بين الفسطاط ثلاثة فراسخ، و بينها و بين عين شمس ستة فراسخ. [معجم البلدان‏].

(2) وهب بن منبّه اليماني أبو عبد اللّه صاحب الأخبار و القصص، توفي في المحرم سنة عشر، و قيل أربع عشرة، و قيل ست عشرة و مائة بصنعاء اليمن. [وفيات الأعيان: 6/ 35، 36].

13

جرير: أي لن أفارق الأرض الّتي أنا بها- و هي مصر- حتّى يأذن لي أبي بالخروج منها.

و قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ‏ [القصص: 4].

و قال تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ [القصص: 5، 6].

و قال تعالى: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ‏ [القصص: 19].

و قال تعالى: لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ‏ [غافر: 29].

و قال تعالى: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر: 26].

و قال تعالى: أَ تَذَرُ مُوسى‏ وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ... [الأعراف: 127]، إلى قوله: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ... [الأعراف: 128]، إلى قوله: قالَ عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ‏ [الأعراف: 129].

المراد بالأرض في هذه الآيات كلّها مصر.

و عن ابن عبّاس- و قد ذكر مصر-، فقال: سمّيت مصر بالأرض كلّها في عشرة مواضع من القرآن.

قلت: بل في اثني عشر موضعا أو أكثر.

و قال تعالى: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الأعراف: 137]؛ قال اللّيث‏ (1) بن سعد: هي مصر؛ بارك فيها بالنّيل.

حكاه أبو حيّان في تفسيره.

و قال القرطبيّ في هذه الآية: الظّاهر أنّهم ورثوا أرض القبط (2). و قيل: هي أرض الشام و مصر؛ قاله ابن إسحاق و قتادة و غيرهما.

و قال تعالى في سورتي الأعراف و الشعراء: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ‏ [الأعراف: 110، و الشعراء: 35].

و قال تعالى: إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها [الأعراف:

123].

____________

(1) أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن إمام أهل مصر في الفقه و الحديث، أصله من أصبهان، ولد سنة 92 ه أو 94 ه، توفي سنة 175 ه، و دفن في القرافة الصغرى. [وفيات الأعيان: 4/ 127، 128].

(2) في معجم البلدان: و هي مسمّاة بقفط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، و قبط أخو قفط.

14

و قال تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ [الشعراء:

57، 58].

و قال تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ [الدخان:

25، 26]؛ قال الكنديّ: لا يعلم بلد في أقطار الأرض أثنى اللّه عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، و لا وصفه بمثل هذا الوصف، و لا شهد له بالكرم غير مصر.

و قال تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ [يونس: 93]، أورده ابن زولاق. و قال القرطبيّ في تفسيره: أي منزل صدق محمود مختار- يعني مصر. و قال الضّحّاك: هي مصر و الشام.

و قال تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة: 265]، أورده ابن زولاق و قال: الرّبا لا تكون إلّا بمصر.

و قال تعالى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ [المائدة: 21]، أورده ابن زولاق أيضا، و حكاه أبو حيّان في تفسيره قولا إنّها مصر، و ضعّفه.

و قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ (1) [السجدة:

27]. قال قوم: هي مصر، و قوّاه ابن كثير في تفسيره.

و قال تعالى: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10]، قال عكرمة: منها القراطيس‏ (2) التي بمصر.

و قال تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [الفجر: 7، 8]. قال محمد بن كعب القرظيّ: هي الإسكندريّة.

لطيفة

قال الكنديّ‏ (3): قالاللّه تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة و السلام: وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف: 100]، فجعل الشام بدوا؛ و سمّى مصر مصرا و مدينة.

____________

(1) الجرز: اليابسة التي لا نبات فيها.

(2) القراطيس: البرد المصري الذي يصنع منه الورق و غيره.

(3) أبو عمر الكندي صاحب كتاب فضائل مصر. [مقدمة المؤلف‏].

15

فائدة

اشتهر على ألسنة كثير من النّاس في قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ‏ [الأعراف: 145]، أنّها مصر (1)؛ و قد نصّ ابن الصلاح و غيره على أنّ ذلك غلط نشأ من تصحيف؛ و إنّما الوارد عن مجاهد و غيره من مفسّري السّلف: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ‏، قال: مصيرهم؛ فصحّف بمصر.

ذكر الآثار التي ورد فيها ذكر مصر

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم‏ (2) في فتوح مصر: حدّثنا أشهب بن عبد العزيز و عبد الملك بن مسلمة، قالا: حدّثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا؛ فإنّ لهم ذمّة و رحما». قال ابن شهاب:

و كان يقال: إنّ أمّ إسماعيل عليه الصلاة و السلام منهم. و أخرجه أيضا اللّيث، عن ابن شهاب، و في آخره: قال الليث: قلت لابن شهاب: ما رحمهم؟ قال: إنّ أمّ إسماعيل منهم. و أخرجه أيضا من طريق ابن عيينة و ابن إسحاق عن ابن شهاب. و هذا حديث صحيح، أخرجه الطّبراني في معجمه الكبير، و البيهقيّ و أبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوّة.

و أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ستفتحون مصر، و هي أرض يسمّى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيرا؛ فإنّ لهم ذمّة و رحما».

و أخرج مسلم، و ابن عبد الحكم في الفتوح، و محمد بن الربيع الجيزيّ في كتاب: من دخل مصر من الصحابة، و البيهقيّ في دلائل النبوّة، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنّكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإنّ لهم ذمة و رحما؛ فإذا رأيت رجلين يقتتلان على موضع لبنة، فاخرج منها». قال: فمرّ أبو ذرّ بربيعة و عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة و هما يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها.

____________

(1) كذلك شرحها السيوطي في تفسير الجلالين.

(2) عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع، توفي سنة 257 ه، و قبره إلى جانب قبر أبيه إلى جانب قبر الإمام الشافعي. [وفيات الأعيان: 3/ 34، 35].

16

و أخرج ابن عبد الحكم من طريق بحير بن ذاخر المعافريّ، عن عمرو بن العاص، عن عمر بن الخطاب، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا؛ فإنّ لكم منهم صهرا و ذمّة».

و أخرج الطّبرانيّ في الكبير، و أبو نعيم في دلائل النّبوّة، بسند صحيح، عن أمّ سلمة، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أوصى عند وفاته، فقال: «اللّه اللّه في قبط مصر؛ فإنّكم ستظهرون عليهم، و يكونون لكم عدّة و أعوانا في سبيل اللّه».

و أخرج أبو يعلى في مسنده، و ابن عبد الحكم بسند صحيح؛ من طريق ابن هانى‏ء الخولانيّ، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ و عمرو بن حريث و غيرهما، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيرا؛ فإنّهم قوّة لكم؛ و بلاغ إلى عدوّكم بإذن اللّه»- يعني قبط مصر.

و أخرج ابن عبد الحكم، من طريق ابن سالم الجيشانيّ و سفيان بن هانى‏ء، أنّ بعض أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخبره أنّه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إنكم ستكونون أجنادا، و إنّ خير أجنادكم أهل المغرب؛ فاتّقوا اللّه في القبط، لا تأكلوهم أكل الحضر (1)».

و أخرج ابن عبد الحكم، عن مسلم بن يسار، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنّكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوّكم».

و أخرج ابن عبد الحكم، عن موسى بن أبي أيّوب الغافقيّ، عن رجل من المربد (2)، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرض، فأغمي عليه ثمّ أفاق، فقال: «استوصوا بالأدم‏ (3) الجعد»؛ ثم أغمي عليه الثانية، ثمّ أفاق، فقال مثل ذلك، ثمّ أغمي عليه الثالثة فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن الأدم الجعد! فأفاق، فسألوه فقال: «قبط مصر؛ فإنّهم أخوال و أصهار، و هم أعوانكم على عدوّكم، و أعوانكم على دينكم»، فقالوا: كيف يكونون أعوانا على ديننا يا رسول اللّه؟

فقال: «يكفونكم أعمال الدّنيا فتتفرّغون للعبادة؛ فالرّاضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم، و الكاره بما يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزّه عنهم».

و أخرج ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة، قال: حدّثني عمر مولى غفرة، أنّ رسول‏

____________

(1) في المنجد: الحضر- الطفيلي- الذي يتحيّن طعام الناس حتى يحضره.

(2) في معجم البلدان: مربد النعم: موضع على ميلين من المدينة. و مربد البصرة على بعد ثلاثة أميال منها ينسب إليها جماعة من الرواة.

(3) الذين لونهم أسمر.

17

اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اللّه اللّه في أهل الذمّة، أهل المدرة (1) السّوداء، السّحم‏ (2) الجعاد، فإنّ لهم نسبا و صهرا». قال عمر مولى غفرة: صهرهم أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تسرّى منهم، و نسبهم أنّ أمّ إسماعيل عليه الصلاة و السلام منهم. فأخبرني ابن لهيعة أنّ أمّ إسماعيل هاجر أمّ العرب من قرية كانت من أمام الفرما (3) من مصر.

و قال ابن عبد الحكم: حدّثنا عمر بن صالح، أخبرنا مروان القصّاص، قال:

صاهر إلى القبط ثلاثة أنبياء: إبراهيم عليه الصلاة و السلام تسرّى هاجر، و يوسف عليه الصلاة و السلام تزوّج‏ (4) بنت صاحب عين شمس‏ (5)، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تسرّى مارية (6).

و قال: حدثنا هانى‏ء بن المتوكّل، حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن قرية هاجر ياق‏ (7)، التي عند أمّ دنين‏ (8).

و أخرج الطّبرانيّ عن رياح اللخميّ، أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إنّ مصر ستفتح فانتجعوا خيرها، و لا تتّخذوها دارا؛ فإنّه يساق إليها أقلّ النّاس أعمارا». و في إسناده مطهّر بن الهيثم، قال فيه أبو سعيد بن يونس: إنّه متروك. و الحديث منكر جدّا، و قد أورده ابن الجوزيّ في الموضوعات.

و أخرج مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). «منعت العراق درهمها و قفيزها (9)، و منعت الشّام مديها (10) و دينارها، و منعت مصر إردبّها (11) و دينارها، و عدتم من حيث بدأتم».

و أخرج الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه في الأمّ، عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ‏

____________

(1) المدرة: الطين العلك الذي لا يخالطه رمل.

(2) السحم: مفردها أسحم و هو ذو الوجه الأسود.

(3) الفرما: مدينة على الساحل من ناحية مصر، بين العريش و الفسطاط قرب قطية و شرقي تنيس.

[معجم البلدان‏].

(4) في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 1/ 374: تزوّج من ازليخا و أولدها اثني عشر ولدا.

(5) عين شمس اسم مدينة فرعون موسى بمصر، بينها و بين الفسطاط ثلاثة فراسخ. [معجم البلدان‏].

(6) مارية القبطية أم إبراهيم بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

(7) ياق: قرية كانت بمصر عند أمّ دنين، منها كانت هاجر أم إسماعيل. [معجم البلدان‏].

(8) أمّ دنين: موضع بمصر، و هي قرية كانت بين القاهرة و النيل. [معجم البلدان‏].

(9) القفيز: مكيال. [المنجد].

(10) المدّ: ضرب من المكاييل يساوي 18 ليترا إفرنجيا على التقريب. [المنجد].

(11) الإردب: مكيال ضخم في مصر يساوي 24 صاعا. [المنجد].

18

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، و لأهل الشام و مصر و المغرب الجحفة.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أنّ المقوقس أهدى إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عسلا من عسل بنها (1)، فأعجب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فدعا في عسل بنها بالبركة (2).

و أخرج ابن عبد الحكم، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إذا فتح اللّه عليكم مصر؛ فاتّخذوا فيها جندا كثيفا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال أبو بكر: و لم يا رسول اللّه؟ قال: «لأنّهم و أزواجهم في رباط إلى يوم القيامة».

و أخرج ابن عبد الحكم، عن عليّ بن رباح، قال: خرجنا حجّاجا من مصر، فقال له سليم بن عتر: اقرأ على أبي هريرة السلام، و أخبره أنّي قد استغفرت له و لأمّه الغداة، فلقيته فقلت له ذلك، فقال: و أنا قد استغفرت له و لأمّه الغداة. ثمّ قال أبو هريرة: كيف تركت أمّ خنّور (3)؟ قال: فذكرت له من خصبها و رفاغتها، فقال: أما إنّها أوّل الأرضين خرابا، و على أثرها إرمينية. قلت: أسمعت ذلك من رسول اللّه أو من كعب؟.

و أخرج الدّيلميّ في مسند الفردوس، و أورده القرطبيّ في التذكرة من حديث حذيفة مرفوعا: «يبدو الخراب في أطراف البلاد حتّى تخرب مصر، و مصر آمنة من الخراب حتّى تخرب البصرة، و خراب البصرة من العراق، و خراب مصر من جفاف النيل، و خراب مكّة من الحبشة، و خراب المدينة من الجوع، و خراب اليمن من الجراد، و خراب الأيلة (4) من الحصار، و خراب فارس من الصّعاليك، و خراب الترك من الدّيلم، و خراب الديلم من الأرمن، و خراب الأرمن من الخزر، و خراب الخزر من الترك، و خراب الترك من الصّواعق، و خراب السّند من الهند، و خراب الهند من الصّين، و خراب الصّين من الرّمل، و خراب الحبشة من الرّجفة (5)، و خراب العراق من القحط».

____________

(1) بنها: من قرى مصر، بينها و بين الفسطاط ثمانية عشر ميلا. [معجم البلدان‏].

(2) و في مادة بنها بمعجم البلدان: روى الليث بن سعد عن ابن شهاب قال: بارك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في عسل بنها.

(3) في معجم البلدان: أمّ خنّور اسم لمصر.

(4) في معجم البلدان: أيلة مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، و هي آخر الحجاز و أول الشام.

(5) الرجفة: الزلزال.

19

و أخرج الحاكم في المستدرك عن كعب، قال: «الجزيرة آمنة من الخراب حتّى تخرب إرمينية، و مصر آمنة من الخراب حتّى تخرب الجزيرة، و الكوفة آمنة من الخراب حتّى تخرب مصر، و لا تكون الملحمة حتّى تخرب الكوفة، و لا تفتح مدينة الكفر حتّى تكون الملحمة، و لا يخرج الدّجّال حتّى تفتح مدينة الكفر».

و أخرج البزّار في مسنده و الطّبرانيّ بسند صحيح، عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «إنّكم ستجنّدون أجنادا؛ جندا بالشام و مصر و العراق و اليمن».

و أخرج الطّبرانيّ و الحاكم في المستدرك، و صحّحه ابن عبد الحكم و محمد (1) بن الربيع الجيزي في كتاب: «من دخل مصر من الصحابة»، عن عمرو بن الحمق‏ (2)، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «تكون فتنة، يكون أسلم النّاس فيها الجند الغربيّ»، قال ابن الحمق:

فلذلك قدمت عليكم مصر.

و أخرج محمد بن الربيع الجيزيّ من وجه آخر عن عمرو بن الحمق، أنّه قام عند المنبر بمصر؛ و ذلك عند فتنة عثمان رضي اللّه عنه، فقال: يا أيّها الناس؛ إنّي سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «تكون فتنة، خير الناس فيها الجند الغربيّ، و أنتم الجند الغربيّ، فجئتكم لأكون معكم فيما أنتم فيه».

و أخرج الطّبرانيّ في الكبير و الأوسط، و أبو الفتح الأزديّ عن ابن عمر أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «إنّ إبليس دخل العراق، فقضى حاجته منها، ثمّ دخل الشام فطردوه حتى بلغ ميسان‏ (3)، ثم دخل مصر، فباض فيها و فرّخ، و بسط عبقريّه».

قال الحافظ أبو الحسن الهيثميّ في مجمع الزوائد: رجاله ثقاة إلّا أن فيه انقطاعا؛ فإنّ يعقوب بن عبد اللّه بن عتبة بن الأخنس لم يسمع من ابن عمر. انتهى.

و أفرط ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، و قال: فيه عقيل بن خالد، يروي عن الزهريّ مناكير، و ابن لهيعة مطروح.

قلت: عقيل من رجال الصحيحين، و ابن لهيعة من رجال مسلم، و هو حسن الحديث.

____________

(1) أبو عبد اللّه محمد بن الربيع بن سليمان، روى عن أبيه و عن الربيع بن سليمان المرادي. مادة جيزة في معجم البلدان.

(2) عمرو بن الحمق بن كاهن بن حبيب الخزاعي. [الأعلام للزركلي‏].

(3) في معجم البلدان: ميسان كورة واسعة كثيرة القرى و النخل بين البصرة و واسط.

20

و أخرج الخلّال في كرامات الأولياء و ابن عساكر في تاريخه، عن عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه قال: «قبّة الإسلام بالكوفة، و الهجرة بالمدينة، و النّجباء بمصر، و الأبدال‏ (1) بالشام».

و أخرج ابن عساكر من وجه آخر عن عليّ، قال: «الأبدال من الشام، و النجباء من أهل مصر، و الأخيار من أهل العراق».

و أخرج ابن عساكر من طريق أحمد بن أبي الحواري، قال: «سمعت أبا سليمان يقول: الأبدال بالشام، و النجباء بمصر، و القطب باليمن، و الأخيار بالعراق».

و أخرج الخطيب البغدادي و ابن عساكر من طريق عبيد اللّه بن محمد العيسيّ قال:

سمعت الكتّاني يقول: النّقباء ثلاثمائة، و النّجباء سبعون، و البدلاء أربعون، و الأخيار سبعة، و العمد أربعة، و الغوث واحد؛ فمسكن النّقباء الغرب، و مسكن النّجباء مصر، و مسكن الأبدال الشام، و الأخيار سيّاحون في الأرض، و العمد في زوايا الأرض، و مسكن الغوث مكّة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامّة ابتهل فيها النقباء، ثمّ النجباء، ثمّ الأبدال، ثمّ الأخيار، ثمّ العمد، فإن أجيبوا؛ و لا ابتهل الغوث فلا تتمّ مسألته حتّى تجاب دعوته.

قال الحافظ الدّمياطي في معجمه: قرأت على أبي الفتح الباورديّ‏ (2) بحلب، أخبرني يحيى بن محمود بن سعد أبو الفرج الثّقفي الأصفهانيّ، أنبأنا أبو عليّ الحدّاد، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن القاسم بن الريّان، حدّثنا أحمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعيّ، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه نبيط، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «الجيزة روضة من رياض الجنة، و مصر خزائن اللّه في أرضه».

فصل في آثار موقوفة

أخرج ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قال: خلقت الدّنيا على‏

____________

(1) الأبدال: قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم فإذا مات واحد أبدل اللّه مكانه آخر.

[المنجد].

(2) الباوردي: نسبة إلى باورد، و هي بلد بخراسان بين سرخس و نسا. [معجم البلدان‏].

21

خمس صور: على صورة الطائر؛ برأسه و صدره و جناحيه و ذنبه، فالرّأس مكّة و المدينة و اليمن، و الصّدر الشام و مصر، و الجناح الأيمن العراق، و الجناح الأيسر السّند و الهند، و الذّنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، و شرّ ما في الطائر الذنب.

و أخرج محمد بن الربيع الجيزيّ و ابن عبد الحكم، عن أبي قبيل، أنّ عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ قدم من الشام إلى عبد اللّه بن عمرو، فقال له عبد اللّه: ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: أنت، قال: لماذا؟ قال: كنت تحدّثنا أنّ مصر أسرع الأرضين خرابا، ثمّ أراك قد اتخذت فيها الرّباع، و بنيت القصور، و أطمأننت فيها. قال: إنّ مصر قد أوفت خرابها، دخلها بخت‏ (1) نصّر، فلم يدع فيها إلّا السّباع و الرباع، و قد مضى خرابها؛ فهي اليوم أطيب الأرض ترابا، و أبعدها خرابا، و لن تزال فيها بركة ما دام في شي‏ء من الأرضين بركة.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قبط مصر أكرم الأعاجم كلّها، و أسمحهم يدا، و أفضلهم عنصرا، و أقربهم رحما بالعرب عامة، و بقريش خاصّة.

و من أراد أن يذكر الفردوس، أو ينظر إلى مثلها في الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين يخضرّ زرعها، و تنوّر ثمارها.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن كعب الأحبار، قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة، فلينظر إلى أرض مصر إذا أخرفت‏ (2). و في لفظ: «إذا أزهرت».

و أخرج ابن عبد الحكم، عن كعب الأحبار، قال: مثل قبط مصر كالغيضة (3)، كلّما قطعت نبتت حتّى يخرب اللّه بهم و بصنعتهم جزائر الروم.

و أخرج ابن الحكم عن ابن لهيعة، كان عمرو (4) بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة.

و أخرج ابن عبد الحكم من طريق عبد الرّحمن شماسة النّهديّ، عن أبي رهم‏

____________

(1) بخت نصّر أو نبوخذ نصر حكم بين عامي 605- 562 ق. م و هو أحد ملوك الدولة البابلية الثانية. [تاريخ الشرق الأدنى القديم لعبد العزيز عثمان ص 368].

(2) أخرفت: حان جني ثمرها. [المنجد].

(3) الغيضة: الأجمة أو مجتمع الشجر في مفيض الماء. [المنجد].

(4) كان واليا على مصر، و توفي يوم الفطر سنة 43 ه، و كان عمل عليها لعمر أربع سنين، و لعثمان أربع سنين إلا شهرين، و لعماوية سنتين إلا شهرا. [الكامل لابن الأثير: 3/ 212].

22

السّماعيّ الصحابيّ رضي اللّه عنه قال: كانت لمصر قناطر و جسور بتقدير و تدبير، حتّى إنّ الماء ليجري تحت منازلها و أقنيتها، فيحبسونه كيف شاؤوا، و يرسلونه كيف شاؤوا؛ فذلك قوله تعالى فيما حكى من قول فرعون: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ [الزخرف: 51]، و لم يكن في الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر. و كانت الجنّات بحافّتي النيل من أوّله إلى آخره من الجانبين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد (1)، و سبعة خلج: خليج الإسكندرية، و خليج سخا (2)، و خليج دمياط، و خليج منف، و خليج الفيّوم، و خليج المنهى‏ (3)؛ و خليج سردوس‏ (4)؛ جنّات متّصلة لا ينقطع منها شي‏ء عن شي‏ء، و الزرع ما بين الجبلين، من أوّل مصر إلى آخرها ممّا يبلغه الماء، و كان جميع مصر كلّها تروى من ستّة عشر ذراعا لما قدروا و دبّروا من قناطرها و خلجها و جسورها، فذلك قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ [الدخان: 25، 26]، قال: و المقام الكريم المنابر (5) كان بها ألف منبر.

فصل في آثار أوردها المؤلفون في أخبار مصر

و لم أقف عليها مسندة في كتب أهل الحديث، أوردها ابن زولاق و غيره، عن عبد اللّه بن عمر.

قال: لمّا خلق اللّه آدم مثّل له الدنيا شرقها و غربها، و سهلها و جبلها، و أنهارها و بحارها، و بناءها و خرابها، و من يسكنها من الأمم، و من يملكها من الملوك. فلمّا رأى مصر رأى أرضا سهلة، ذات نهر جار، مادّته من الجنّة، تنحدر فيه البركة، و تمزجه‏

____________

(1) في معجم البلدان: رشيد بليدة على ساحل البحر و النيل قرب الإسكندرية.

(2) في معجم البلدان: سخا كورة بمصر و قصبتها سخا بأسفل مصر.

(3) في معجم البلدان في مادة فيّوم: فوضع يوسف العمال فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون إلى اللاهون.

(4) في معجم البلدان: سردوس من خلجان مصر، قال عمرو بن العاص: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس ... فلا يعلم في مصر خليج أكثر عطوفا من سردوس.

(5) في تفسير الجلالين: المقام الكريم: المجلس الحسن.

23

الرّحمة، و رأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا، لا يخلو من نظر الربّ إليه بالرّحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنّة، تسقى بماء الرّحمة. فدعا آدم في النيل بالبركة، و دعا في مصر بالرّحمة و البرّ و التقوى، و بارك على نيلها و جبلها سبع مرّات، و قال: يا أيّها الجبل المرحوم، سفحك جنّة، و تربتك مسك، يدفن فيها غراس الجنّة، أرض حافظة مطيعة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، و لا زال بك حفظ، و لا زال منك ملك و عزّ. يا أرض فيك الخباء و الكنوز، و لك البرّ و الثروة، سال نهرك عسلا، كثّر اللّه زرعك، و درّ ضرعك، و زكّى نباتك، و عظمت بركتك و خصبت؛ و لا زال فيك الخير ما لم تتجبّري و تتكبّري، أو تخوني و تسخري، فإذا فعلت ذلك عراك شرّ، ثمّ يعود خيرك.

فكان آدم أوّل من دعا لمصر بالرحمة و الخصب و البركة و الرأفة.

و أورد غيره عن عبد اللّه بن سلام، قال: مصر أمّ البركات، تعمّ بركتها من حجّ بيت اللّه الحرام من أهل المشرق و المغرب، و إنّ اللّه يوحي إلى نيلها في كلّ عام مرّتين؛ مرة عند جريانه، فيوحي إليه: إنّ اللّه يأمرك أن تجري كما تؤمر، ثم يوحي إليه ثانية:

إنّ اللّه يأمرك أن تفيض حميدا، فيفيض. و إن بلد مصر بلد معافاة، و أهلها أهل عافية، و هي آمنة ممّن يقصدها بسوء، من أرادها بسوء كبّه اللّه على وجهه، و نهرها نهر العسل، و مادّته من الجنّة، و كفى بالعسل طعاما و شرابا.

و أورد عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، أنّه لما بعث‏ (1) محمد بن أبي بكر الصديق إلى مصر، قال: إني وجّهتك إلى فردوس الدنيا.

و عن سعيد بن هلال، قال: اسم مصر في الكتب السّالفة أمّ البلاد. و ذكر أنّها مصوّرة في كتب الأوائل، و سائر المدن مادّة أيديها إليها تستطعمها.

و عن كعب قال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلّها، فمن أراد بها سوءا قصمه اللّه.

و عن كعب قال: لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلّا مصر. قيل: و لم؟

قال: لأنّها بلدة معافاة من الفتن، و من أرادها بسوء كبّه اللّه على وجهه؛ و هو بلد مبارك لأهله فيه.

____________

(1) أرسل عليّ بن أبي طالب محمد بن أبي بكر واليا على مصر سنة 36 ه بعد عزله قيس بن سعد. [انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3/ 139].

24

و عن أبي بصرة الغفاريّ، قال: مصر خزائن الأرض كلّها، و سلطان مصر سلطان الأرض كلّها.

و عن أبي رهم السماعيّ، قال: لا تزال مصر معافاة من الفتن، مدفوعا عن أهلها كلّ الأذى؛ ما لم يغلب عليها غيرهم؛ فإذا كان كذلك لعبت بهم الفتن يمينا و شمالا.

و عن عبد اللّه بن عمر، قال: البركة عشر بركات؛ ففي مصر تسع، و في الأرض كلّها واحدة؛ و لا تزال في مصر بركة أضعاف ما في جميع الأرضين.

و عن حيوة (1) بن شريح، عن عقبة بن مسلم، يرفعه: «إنّ اللّه يقول يوم القيامة لساكني مصر يعدّد عليهم: «أ لم أسكنكم مصر، فكنتم تشبعون من خبزها و تروون من مائها!»».

و عن أبي موسى‏ (2) الأشعريّ رضي اللّه عنه، قال: أهل مصر الجند الضعيف، ما كادهم أحد إلا كفاهم اللّه مؤنته. قال تبيع بن عامر الكلاعيّ: فأخبرت بذلك معاذ بن جبل، فأخبرني أنّ بذلك أخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و عن شفيّ بن عبيد الأصبحيّ: قال: بلد مصر بلد معافاة من الفتن، لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه اللّه، و لا يريد أحد هلكهم إلّا أهلكه.

و قال أبو الربيع السّائح: نعم البلد مصر، يحجّ منها بدينارين، و يغزى منها بدرهمين. يريد الحجّ في بحر القلزم، و الغزو إلى الإسكندرية و سائر سواحل مصر.

و قيل: إنّ يوسف عليه الصلاة و السلام لمّا دخل إلى مصر، و أقام بها قال: اللهمّ إنّي غريب فحبّبها إليّ و إلى كلّ غريب؛ فمضت دعوة يوسف، فليس يدخلها غريب إلا أحبّ المقام بها.

و عن دانيال (عليه السلام): «يا بني إسرائيل، اعملوا للّه، فإنّ اللّه يجازيكم بمثل مصر في الآخرة»- أراد الجنّة.

____________

(1) حيوة بن شريح بن مسلم الحضرمي المصري توفي سنة 158 ه. [الكامل لابن الأثير: 5/ 51].

(2) في الكامل لابن الأثير: 3/ 233. توفي سنة 50 ه، أو سنة 52 ه.

25

ذكر إقليم مصر

قال ابن حوقل‏ (1) في كتاب الأقاليم: اعلم أنّ حدّ ديار مصر الشمالي بحر الروم رفح من العريش ممتدّا على الجفار إلى الفرما، إلى الطّينة (2)، إلى دمياط، إلى ساحل رشيد، إلى الإسكندرية و برقة على الساحل، آخذا جنوبا إلى ظهر الواحات، إلى حدود النّوبة، و الحدّ الجنوبيّ من حدود النوبة المذكورة، آخذا شرقا إلى أسوان، إلى بحر القلزم‏ (3). و الحدّ الشرقيّ من بحر القلزم قبالة أسوان إلى عيذاب‏ (4)، إلى القصير (5)، إلى القلزم‏ (6)، إلى تيه بني إسرائيل، ثمّ يعطف شمالا إلى بحر الروم، إلى رفح، حيث ابتدأنا، و بقاعها كثيرة.

و قال غيره: مصر هي إقليم العجائب، و معدن الغرائب؛ و كانت مدنا متقاربة على الشّطّين؛ كأنّها مدينة واحدة، و البساتين خلف المدن متّصلة كأنّها بستان واحد، و المزارع من خلف البساتين، حتى قيل: إنّ الكتاب كان يصل من إسكندرية إلى أسوان في يوم واحد، يتناوله قيّم البسّاتين واحد إلى واحد. و قد دمّر اللّه تلك المعالم، و طمس على تلك الأموال و المعادن.

حكي أنّ المأمون‏ (7) لمّا دخل مصر، قال: قبّح اللّه فرعون إذ قال: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: 51]، فلو رأى العراق! فقال له سعيد بن عفير: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنّ اللّه تعالى قال: وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏ [الأعراف: 137]، فما ظنّك بشي‏ء دمّره اللّه هذه بقيّته؟! فقال: ما قصّرت يا سعيد. قال سعيد: ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين؛ لقد بلغنا أنّه لم تكن أرض أعظم من‏

____________

(1) محمد بن حوقل، توفي سنة 367 ه.

(2) في معجم البلدان: الطينة بليدة بين الفرما و تنّيس من أرض مصر.

(3) البحر الأحمر.

(4) في معجم البلدان: عيذاب بليدة على ضفة بحر القلزم هي مرسى المراكب التي تقدم من عدن إلى الصعيد.

(5) القصير: موضع قرب عيذاب. [معجم البلدان‏].

(6) القلزم: بلدة قرب أيلة و الطور و مدين. [معجم البلدان‏].

(7) بويع المأمون بالخلافة عقب مقتل أخيه الأمين سنة 198 ه حتى وفاته سنة 218 ه. [الكامل لابن الأثير: 5/ 227].

26

مصر، و جميع الأرض يحتاجون إليها، و كانت الأنهار بقناطر و جسور بتقدير؛ حتّى إنّ الماء يجري تحت منازلهم و أفنيتهم يحبسونه متّى شاؤوا، و يرسلونه متى شاؤوا، و كانت البساتين بحافّتي النيل من أوّله إلى آخره ما بين أسوان إلى رشيد لا تنقطع؛ و لقد كانت المرأة تخرج حاسرة و لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر، و لقد كانت المرأة تضع المكتل‏ (1) على رأسها فيمتلى‏ء ممّا يسقط فيه من الشجر، و كان أهل مصر ما بين قبطيّ، و يونانيّ و عمليقيّ؛ إلّا أنّ جمهورهم قبط، و أكثر ما يملكها الغرباء. و كانت خمسا و ثمانين كورة (2)، منها أسفل الأرض خمس و أربعون كورة، و منها بالصّعيد أربعون كورة؛ و كان في كلّ كورة رئيس من الكهنة- و هم السّحرة- و كانت مصر القديمة اسمها أقسوس، و كانت منف مدينة الملوك قبل الفراعنة و بعدهم إلى أن خرّبها بخت نصّر؛ و كان لها سبعون بابا، و حيطانها مبنيّة بالحديد و الصّفر (3)، و كان يجري تحت سرير الملك أربعة أنهار، و كان طولها اثني عشر ميلا. و كان جباية مصر تسعين ألف ألف دينار مكرّرة مرّتين بالدينار الفرعونيّ، و هو ثلاثة مثاقيل.

و قال صاحب مباهج الفكر و مناهج العبر (4): حدّ مصر طولا من ثغر أسوان، و هو تجاه النّوبة إلى العريش، و هو مدينة على البحر الروميّ، و مسافة ذلك ثلاثون مرحلة، و حدّه عرضا من مدينة برقة الّتي على ساحل البحر الروميّ إلى أيلة التي على بحر القلزم، و مسافة ذلك عشرون مرحلة. و تنسب إلى مصر. و قيل: مصر بن بيصر بن حام. و يسمّي اليونان بلد مصر مقدونية، و أوّل مدينة اختطّت بمصر مدينة منف، و هي في غربيّ النيل، و تسمّى في عصرنا بمصر القديمة. و لما فتح‏ (5) عمرو بن العاص مصر أمر المسلمين أن يحيطوا حول فسطاطه‏ (6)، ففعلوا، و اتّصلت العمارة بعضها ببعض، و سمّي مجموع ذلك الفسطاط. و لم يزل مقرّا للولاية و الجند إلى أن وليه أحمد (7) بن‏

____________

(1) المكتل زنبيل من خوص يحمل فيه التمر و غيره.

(2) في معجم البلدان: الكورة كلّ صقع يشتمل على عدّة قرى، و لا بدّ لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر، يجمع اسمها ذلك اسم الكورة.

(3) الصفر: النحاس الأصفر.

(4) و هو الوطواط 1234- 1319 م. [المنجد في الأعلام‏].

(5) في الكامل لابن الأثير 2/ 394: في سنة عشرين هجرية فتحت مصر على يد عمرو بن العاص، و فتحت الإسكندرية سنة خمس و عشرين.

(6) في المنجد: الفسطاط بيت من شعر.

(7) أصبح أحمد بن طولون واليا سنة 254 ه. [انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 339].

27

طولون، فضاق بالجند و الرعيّة، فبنى في شرقيّة مدينة، و سمّاها القطائع، و أسكنها الجند، يكون مقدارها ميلا في ميل. و لم تزل عامرة إلى أن هدمها محمد بن سليمان الكاتب في أيّام المكتفي، حنقا على بني طولون سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و أبقى الجامع. ثمّ ملك العبيديّون‏ (1) مصر في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، فبنى جوهر (2) القائد مولى المعزّ مدينة شرقيّ مدينة ابن طولون، و سمّاها القاهرة، و بنى فيها القصور لمولاه، فصارت بعد ذلك دار الملك و مقرّ الجند.

قال في السّكردان‏ (3): و كان جوهر لمّا بنى القاهرة سمّاها المنصورة، فلمّا قدم المعزّ غيّر اسمها، و سمّاها القاهرة؛ و ذلك أن جوهرا لمّا قصد إقامة السّور جمع المنجّمين، و أمرهم أن يختاروا طالعا لحفر الأساس، و طالعا لريّ حجارته، فجعلوا قوائم من خشب، بين القائمة و القائمة حبل فيه أجراس، و اعلموا البنّائين أنّه ساعة تحريك الأجراس يرمون ما بأيديهم من الطّين و الحجارة، فوقف المنجّمون لتحرير هذه الساعة، و أخذ الطّالع، فاتّفق وقوع غراب على خشبة من الخشب، فتحرّكت الأجراس، فظنّ الموكّلون بالبناء أنّ المنجّمين حرّكوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين و الحجارة في الأساس، فصاح المنجّمون: «لا، لا»، القاهر في الطالع، فمضى ذلك فلم يتم لهم ما قصدوه؛ و كان الغرض أن يختاروا طالعا لا يخرج عن نسلهم، فوقع أنّ المرّيخ كان في الطالع؛ و هو يسمّى عند المنجّمين القاهر؛ فعلموا أنّ الأتراك لا بدّ أن يملكوا هذه القرية، فلما قدم‏ (4) المعزّ، و أخبر بهذه القضيّة- و كان له خبرة تامّة بالنّجامة- وافقهم على ذلك و أنّ التّرك تكون لهم الغلبة على هذه البلدة، فسمّاها القاهرة، و غيّر اسمها الأول.

____________

(1) سميت الدولة الفاطمية بالعبيدية نسبة إلى أول خلفائها عبيد اللّه المهدي. [انظر الكامل لابن الأثير: 6/ 124].

(2) هو أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه القائد المعزّي المعروف بالكاتب مولى المعزّ لدين اللّه أبي تميم معد العبيدي الفاطمي. [الكامل لابن الأثير: 7/ 31].

(3) صاحبه ابن حجلة كما جاء في مقدّمة المؤلف.

(4) قدم المعزّ من الغرب إلى مصر سنة 361 ه. [انظر الكامل لابن الأثير: 7/ 45].

28

قال صاحب مباهج الفكر و مناهج العبر: و لمّا انقضت دولة العبيديّين و ملك المعزّ مصر سنة أربع و ستّين و خمسمائة، بنى صلاح‏ (1) الدين يوسف بن أيّوب سورا (2) جامعا بين مصر و القاهرة و لم يتمّ؛ يبتدئ من القلعة و ينتهي إلى ساحل النيل بمصر، فطول هذا السّور تسعة و عشرون ألف ذراع و ثلاثمائة ذراع بالهاشميّ، و عمل ديار مصر مقسوم بين المصريّين؛ فالذي في حصّة مصر من الكور أربع و عشرون كورة، تشتمل على تسعمائة و ستّ‏ (3) و خمسين قرية، قد جعلت هذه الكور صفقات، في كلّ صفقة منها والي حرب و قاض و عامل خراج، كلّ صفقة تشتمل على ولايات.

منها الجيزيّة؛ منسوبة إلى مدينة تسمّى الجيزة على ضفة النيل الغربية تجاه الفسطاط، و ولايتها وسيم‏ (4)، و منية القائد (5) غربيّ النيل و إطنيح شرقيّه.

و الفيّومة تنسب إلى مدينة الفيّوم‏ (6).

و البهنسى‏ (7) و ولايتها الغرسة و ناق الميمون، و شمسطا، و دهروط، و قلوسنا، و شرونة، و أهناس، و الأشمونين.

و منية بني‏ (8) خصيب و ولايتها طحا، و دروة، و سريام، و منفلوط.

و الأسيوطيّة لمدينة أسيوط (9) و ولايتها بوتيج، و أبوبط.

و الإخميمية لمدينة إخميم‏ (10) و ولايتها ساقية قلتة، و البيّارات، و سلاق،

____________

(1) أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أبي الشكر أيوب بن شادي بن مروان الكردي. [الخطط للمقريزي: 233].

(2) و فيه أيضا: فأمر ببناء سور يحيط بالقاهرة و مصر و قلعة الجبل و أقام على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي.

(3) في مادة مصر بمعجم البلدان: منها: الصعيد تسعمائة و سبع و خمسون قرية.

(4) في معجم البلدان: و سيم كورة في جنوبي مصر تخرج من الفسطاط و تصير إلى الجيزة و هي في الضفة الغربية من النيل و بقرب الفسطاط على رأس ميل منه قرية يقال لها وسيم.

(5) في معجم البلدان: منية القائد و هو القائد فضل: في أول الصعيد قبلي الفسطاط، بينها و بين مدينة مصر يومان.

(6) في معجم البلدان: الفيوم ولاية غربية بينها و بين الفسطاط أربعة أيام.

(7) في معجم البلدان: البهنسا مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي النيل.

(8) في معجم البلدان: منية أبي الخصيب مدينة كبيرة على شاطى‏ء النيل في الصعيد الأدنى.

(9) في معجم البلدان: أسيوط مدينة في غربي النيل من نواحي صعيد مصر.

(10) في معجم البلدان: إخميم بلد بالصعيد على شاطى‏ء النيل.

29

و سوهاي، و جزيرة شندويد، و سمنت، و قلفاو (1)، و المنشيّة، و المراغة.

و القوصيّة لمدينة قوص‏ (2)؛ و ولايتها مرج بني هميم، و قصر ابن شادي، و فاو، و دشنا، و قنا، و أبنوب، و قفط- و كانت المصير قبل قوص- و دمامين، و الأقصر، و طود، و أسوان، و فرجوط، و البلينا، و سمهود (3)، و هوّ، و دندرة، و قمول‏ (4)، و أرمنت، و الدمقران‏ (5)، و أصفون، و إسنا، و إدفا، و عيذاب و هي على ساحل بحر القلزم، و لها فرضة تسمّى القصير.

و الذي في حصّة القاهرة من الكور ستّ و ثلاثون كورة، تشتمل على ألف و أربعمائة و تسع و ثلاثين قرية، يجمع ذلك من الصّفق صفقة القليوبيّة، تنسب لمدينة عامرة كثيرة البساتين، تضاهي دمشق في التفاف شجرها، و اختلاف ثمارها؛ و ليس لها ولايات.

و الشرقيّة، و قصبتها مدينة بلبيس و ولايتها المشتولية (6)، و السّكونية، و الدقدوسيّة (7)، و العبّاسيّة، و الصّهرجتيّة (8).

و صفقة المنوفية، و ولايتها: تلوانة، و سبك الضحّاك، و البتنون، و شبين الكوم.

و صفقة إبيار: و ليس لها ولاية؛ و هذه المدينة دمشق الصغرى، لكثرة ما بها من الفواكه.

و صفقة الغربيّة؛ و قصبتها مدينة المحلّة، و تعرف بمحلّة دنقلا، و ولايتها السّنهورية، و السخاوية، و الدنجاوية و الدميرتان، و الطمويسيّة، و البرماوية، و الطنتناويّة، و السمنوديّة؛ و جزيرة قويسنا، و منية زفتى.

____________

(1) في معجم البلدان: قلفاو: بكسر أوله و سكون ثانيه وفاء و آخره واو معرية صحيحة: قرية بالصعيد على غربي النيل.

(2) في معجم البلدان: قوص: مدينة شرقي النيل تعتبر قصبة صعيد مصر.

(3) في معجم البلدان: سمهوط: قرية كبيرة على شاطى‏ء غربي النيل بالصعيد دون فرشوط.

(4) في معجم البلدان: قمولة: بليدة بأعلى الصعيد من غربي النيل كثيرة النخل و الخضرة.

(5) في معجم البلدان: دمقرات: قرية كبيرة مشهورة في الصعيد الأعلى قرب إسنا على غربي النيل، فيها نخل و كروم كثيرة.

(6) في معجم البلدان: مشتول: قريتان: مشتول الطواحين و مشتول القاضي و كلتاهما من كورة الشرقية.

(7) في معجم البلدان: دقدوس: بليدة من نواحي مصر في كورة الشرقية.

(8) في معجم البلدان: صهرجت: قريتان بمصر متاخمتان لمنية غمر شمالي القاهرة معروفتان.

30

و صفقة الدقهليّة و المرتاحيّة، و ولايتها: طناح، و تلبانة، و بارنبالة، و المنزلة، و المنصورة، و منية بني سلسيل، و شارمساح، و قصبتها أشموم.

و صفقة البحيرة و قصبتها: دمنهور الوحش، و ولايتها: لقانة، و تروجة، و العطف، و درشابة، و الزّاوية، و دميسا، و الطرانة، و فوّه، و رشيد.

و ممّا هو معدود في كور إقليم مصر: كورة القلزم على ثلاثة أيّام من مصر- خربت- و كورة فاران، و كورة الطور، و كورة أيلة- خربت-.

و من أعمال مصر الجليلة و احات تحيط بها المفاوز بين الصّعيد و المغرب، و نوبة، و الحبشة؛ و هي ثلاث واحات:

أولى، و هي الخارجة و قصبتها تسمّى المدينة.

و وسطى، و فيها المدينتان القصر و هندي.

و الثالثة تسمّى الداخلة، و فيها مدينتان، أريس و ميمون.

و لإقليم مصر من الثغور على ساحل بحر الروم الفرما و تنّيس، و كانت مدينة عظيمة لها بحيرة مالحة يصاد بها السمك البوري و قد خربت و ذهبت آثارها، هدمها الملك الكامل سنة أربع و عشرين و ستّمائة خوفا من استيلاء الفرنج عليها، فتجاوره في ديار مصر، و كانت من العظم بحيث أنّه ألّف في أخبارها كتاب في مجلّدين، فيه قضاتها و ولاتها و سراتها؛ ذكر فيه أنّ خراجها جي‏ء في أيّام أحمد بن طولون خمسمائة ألف دينار، و أنّه كان بها ثلاثة و ثمانون ألف محتلم يؤدّون الجزية- خربت- وسطا- خربت- و دبيق. و دمياط، و لها من الولايات: فارسكور، و البرلس، و بورة- خربت- و رشيد، و الإسكندريّة، و لها فيما بينها و بين برقة كورتان على ساحل بحر الروم: كورة كونية و كورة مراقية.

هذا كلّه كلام صاحب مباهج الفكر في إقليم مصر و كوره. و سأعقد بابا في سرد أسماء البلاد و القرى التي بإقليم مصر على سبيل الاستيفاء، و أذكر ما في كلّ بلد من نادرة، و من خرج منها من النبلاء، و ما قيل فيها من الشعر.

و قال ابن زولاق: كلّ كورة بمصر فإنّما هي مسمّاة باسم ملك جعلها له أو لولده أو زوجته، كما سمّيت مصر باسم ملكها مصر بن بيصر.

و قال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي العراق: سألت محمد بن المدبّر عن مصر قال: كشفتها، فوجدت غامرها أضعاف عامرها، و لو عمّرها السّلطان لوفت له‏

31

بخراج الدنيا. قال: و قلت: كيف عمرت ولاية مصر حتّى عقدت على مصر تسعين ألف ألف دينار مرّتين كما مرّ؟ قال: في الوقت الذي أرسل فرعون بويبة قمح إلى أسفل الأرض و الصعيد فلم يوجد لها موضع تبذر فيه لشغل سائر البلاد بالزرع.

أورده ابن زولاق.

ذكر من نزل مصر من أولاد آدم عليه الصلاة و السلام‏

قال أحمد بن يوسف التّيفاشيّ‏ (1) في كتابه سجع الهديل في أوصاف النيل:

ذكر أئمة التاريخ أنّ آدم عليه الصلاة و السلام أوصى لابنه شيث، فكان فيه و في بنيه النبوّة، و أنزل اللّه عليه تسعا (2) و عشرين صحيفة، و أنّه جاء إلى أرض مصر، و كانت تدعى باب لون‏ (3)، فنزلها هو و أولاد أخيه، فسكن شيث فوق الجبل و سكن أولاد قابيل أسفل الوادي. و استخلف شيث ابنه أنوش، و استخلف أنوش ابنه قينان، و استخلف قينان ابنه مهليائيل‏ (4)، و استخلف مهليائيل ابنه يرد (5)، و دفع الوصيّة إليه، و علّمه جميع العلوم، و أخبره بما يحدث في العالم، و نظر في النجوم و في الكتاب الذي أنزل على آدم، و ولد ليرد أخنوخ، و هو هرمس، و هو إدريس النبيّ عليه الصلاة و السلام؛ و كان الملك في هذا الوقت محويل بن أخنوخ‏ (6) بن قابيل، و تنبّأ إدريس و هو ابن أربعين سنة، و أراده الملك محويل بن أخنوخ بن قابيل بسوء فعصمه اللّه، و أنزل عليه ثلاثين صحيفة، و دفع إليه أبوه وصيّة جدّه، و العلوم التي عنده. و ولد بمصر، و خرج منها، و طاف الأرض كلّها، و كانت ملّته الصّابئة، و هي توحيد اللّه و الطهارة و الصلاة و الصّوم و غير ذلك من رسوم التعبّدات. و كان في رحلته إلى المشرق أطاعه جميع ملوكها و ابتنى مائة و أربعين مدينة أصغرها الرّها (7) ثم عاد إلى مصر فأطاعه ملكها، و آمن به، فنظر في تدبير أمرها، و كان النّيل يأتيهم سيحا، فينحازون من مساله إلى أعالي الجبل و الأرض‏

____________

(1) أحمد بن يوسف التيفاشي المتوفى سنة 651. [انظر الديباج المذهب: 74].

(2) في مرآة الزمان لسبط بن الجوزي 1/ 223: سبعين صحيفة.

(3) لعلّها بابليون، و هو اسم عام لديار مصر بلغة القدماء. [معجم البلدان‏].

(4) في مرآة الزمان 1/ 224: مهلائيل.

(5) في مرآة الزمان 1/ 224: يرذ أو يرد.

(6) في مرآة الزمان 1/ 226: أخنوخ، و قيل أحنوخ.

(7) في معجم البلدان: الرها مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام.

32

العالية حتّى ينقص، فينزلون فيزرعون حيثما وجدوا الأرض نديّة، و كان يأتي في وقت الزراعة و في غير وقتها، فلمّا عاد إدريس جمع أهل مصر، و صعد بهم إلى أوّل مسيل النيل، و دبّر وزن الأرض و وزن الماء على الأرض، و أمرهم بإصلاح ما أرادوا من خفض المرتفع و رفع المنخفض و غير ذلك ممّا رآه في علم النجوم و الهندسة و الهيئة (1).

و كان أوّل من تكلّم في هذه العلوم و أخرجها من القوّة إلى الفعل و وضع فيها الكتب و رسم فيها العلوم، ثمّ سار إلى بلاد الحبشة و النّوبة و غيرها، و جمع أهلها، و زاد في مسافة جري النيل و نقصه بحسب بطئه، و سرعته في طريقه، حتّى عمل حساب جريه و وصوله إلى أرض مصر في زمن الزراعة على ما هو عليه الآن، فهو أوّل من دبّر جري النيل إلى مصر؛ و مات‏ (2) إدريس بمصر.

و الصّابئة تزعم أنّ هرمي مصر؛ أحدهما قبر شيث، و الآخر قبر إدريس.

و الأصحّ ما هو إدريس؛ إنّما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح.

هذا كلام التّيفاشيّ.

ذكر من ملك مصر قبل الطوفان‏

قال المسعودي‏ (3): أوّل من ملك مصر بعد تبديل الألسن نقراوس، و كان عالما بالكهانة و الطّلسمات، و يقال إنّه بنى مدينة أمسوس‏ (4)، و عمل بها عجائب كثيرة منها أنّه عمل صنمين من حجر أسود في وسط المدينة إذا قدمها سارق لم يقدر أن يزول عنها حتّى يسلك بينهما، فإذا سلك بينهما أطبقا عليه، فيؤخذ، و كان مدّة ملكه مائة و ثمانين سنة.

فلما مات ملك بعده ابنه نقراوس؛ و كان كأبيه في علم الكهانة و الطّلسمات، و بنى مدينة بمصر و سمّاها صلحة (5)، و عمل خلف الواحات ثلاث مدن على أساطين، و جعل في كلّ مدينة خزائن من الحكمة و العجائب.

____________

(1) علم الفلك.

(2) في مرآة الزمان 1/ 229: رفع.

(3) المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي صاحب مروج الذهب.

(4) لم يرد لهما ذكر في معجم البلدان.

(5) لم يرد لهما ذكر في معجم البلدان.

33

فلمّا مات ملك بعده أخوه مصرام، و كان حكيما ماهرا في الكهانة و الطّلسمات فعمل أعمالا عظيمة، منها أنّه ذلّ الأسد و ركبه. و يقال إنّه ركب في عرشه و حملته الشياطين حتّى انتهى إلى وسط البحر المحيط، و جعل فيه قلعة بيضاء، و جعل فيها صنما للشّمس و زبر (1) عليها اسمه و صفة ملكه، و عمل صنما من نحاس و زبر عليه: «أنا مصرام الجبّار، كاشف الأسرار، وضعت الطّلّسمات الصّادقة، و أقمت الصّور الناطقة، و نصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة، ليعلم من بعدي أنّه لا يملك أحد ملكي».

ثمّ ملك بعده خليفته عيقام الكاهن، و يقال: إنّ إدريس عليه الصلاة و السلام رفع في أيّامه.

ثم ملك بعده ابنه عرياق، و يقال إنّ هاروت و ماروت كانا في وقته.

ثم ملك بعده لوخيم بن نتراس.

و بعده خصليم، و هو أوّل من عمل مقياسا لزيادة النيل؛ و ذلك أنّه جمع أصحاب العلوم و الهندسة فعملوا له بيتا من رخام على حافة النّيل، و جعل في وسطه بركة من نحاس صغيرة، فيها ماء موزون، و على حافة البركة عقابان من نحاس: ذكر و أنثى، فإذا كان أوّل الشهر الذي يزيد فيه النيل فتح البيت و جمع الكهّان فيه بين يديه، و تكلّم رؤساء الكهّان بكلام لهم حتّى يصفر أحد العقابين، فإن صفر الذّكر كان الماء تامّا، و إن صفر الأنثى كان الماء ناقصا، فيعتدّون لذلك. و هو الّذي بنى القنطرة التي ببلاد النّوبة على النيل.

و ملك بعده رجل، يقال له هوصال؛ و يقال إنّ نوحا عليه الصلاة و السلام كان في وقته.

و ملك بعده ولده قدرسان.

و ملك بعده سرقاق.

و ملك بعده ابنه سلقوف.

و ملك بعده ابنه سوريد؛ و هو أوّل من جبى الخراج بمصر؛ و هو الذي بنى الهرمين، و لما مات دفن في الهرم، و دفن معه جميع أمواله و كنوزه.

و ملك بعده ابنه هو جيت، و دفن أيضا في الهرم.

و ملك بعده ابنه مناوس و يقال منقاوس.

____________

(1) زبر: كتب أو نقش.

34

و ملك بعده ابنه افروس.

و بعده ابنه مالينوس.

و بعده ابن عمّه فرعان. و في أيامه جاء الطوفان، فخرّب ديار مصر كلّها، و زالت معالمها و عجائبها، و أقام الماء ستّة أشهر حتّى نضب.

و ذكر بعض من ألّف في أخبار مصر أنّ سفينة نوح طافت بمصر و أرضها فبارك نوح (عليه السلام) فيها.

ذكر من ملك مصر بعد الطوفان‏

قال ابن عبد الحكم: أنبأنا عثمان بن صالح، أخبرنا ابن لهيعة، عن عيّاش بن عباس العتبانيّ، عن حنش‏ (1) بن عبد اللّه الصّنعانيّ، عن عبد اللّه بن عبّاس رضي اللّه عنهما، قال: كان لنوح عليه الصّلاة و السّلام أربعة من الولد: سام، و حام، و يافث، و يحطون. و إنّ نوحا رغب للّه، و سأله أن يرزقه الإجابة في ولده و ذريّته حتّى يتكاملوا بالنّماء و البركة، فوعده ذلك، فنادى نوح ولده و هم نيام عند السّحر فنادى ساما، فأجابه يسعى، و صاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم إلّا ابنه أرفخشذ، فانطلق به معه حتّى أتياه، فوضع نوح يمينه على سام، و شماله على أرفخشذ، و سأل اللّه أن يبارك في سام أفضل البركة، و أن يجعل الملك و النبوّة في ولد أرفخشذ.

ثم نادى حاما فتلفّت يمينا و شمالا و لم يجبه، و لم يقم إليه هو و لا أحد من أولاده، فدعا اللّه نوح أن يجعل ولده أذلّاء، و أن يجعلهم عبيدا لولد سام. قال: و كان مصر بن بيصر بن حام نائما إلى جنب جدّه حام، فلمّا سمع دعاء نوح على جدّه و ولده، قام يسعى إلى نوح فقال: يا جدّي، قد أجبتك إذ لم يجبك أبي، و لا أحد من ولده، فاجعل لي دعوة من دعوتك. ففرح نوح، فوضع يده على رأسه، و قال: اللّهمّ إنّه قد أجاب دعوتي: فبارك فيه و في ذرّيته و أسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد و غوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدّنيا، و اجعل فيها أفضل البركات، و سخّر له و لولده الأرض، و ذلّلها لهم، و قوّهم عليها.

____________

(1) حنش بن عبد اللّه الصنعاني من صنعاء الشام، سمع فضالة بن عبيد، روى عنه خالد بن معدان و الحلّاج أبو كبير و عامر بن يحيى المعافري. قدم مصر و غزا المغرب و الأندلس، قيل مات بمصر، و قيل: مات بسرقسطة. [صنعاء من معجم البلدان‏].

35

قال صاحب مباهج الفكر: يقال إنّ سبب سكني مصر الأرض التي عرفت به وقوع الصّرح ببابل، فإنّه لما وقع تفرّق من كان حوله ممّن تناسل من أولاد نوح، فأخذ بنو حام جهة المغرب، إلى أن وصلوا إلى البحر المحيط.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن ابن لهيعة و عبد اللّه بن خالد، قالا: كان أوّل من سكن مصر بعد أن أغرق اللّه قوم نوح بيصر بن حام بن نوح، و هو أبو القبط كلّهم، فسكن منفا- و هي أوّل مدينة عمرّت بعد الغرق- هو و ولده و هم ثلاثون نفسا، قد بلغوا و تزوّجوا، فبذلك سميت ماقة- و ماقة بلسان القبط ثلاثون- و كان بيصر بن حام بن نوح قد كبر و ضعف، و كان مصر أكبر ولده، و هو الذي ساق أباه و جميع إخوته إلى مصر، فنزلوا بها، فبمصر بن بيصر سمّيت مصر مصرا، فحاز له و لولده ما بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا، و من برقة إلى أيلة عرضا. ثمّ إنّ بيصر بن حام توفّي فدفن في موضع أبي هرميس‏ (1)، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر، و استخلف ابنه مصر، و حاز كلّ واحد من إخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه؛ سوى أرض مصر الّتي حازها لنفسه و لولده. فلمّا كثر أولاد مصر و أولاد أولادهم، قطع مصر لكلّ واحد من أولاده قطيعة يحوزها لنفسه و لولده، و قسّم لهم هذا النيل، فقطع لابنه قفط (2) موضع قفط فسكنها، و به سمّيت و ما فوقها إلى أسوان و ما دونها إلى أشمون‏ (3) في الشرق و الغرب؛ و قطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق و الغرب، فسكن أشمن أشمون، فسمّيت به. و قطع لأتريب ما بين منف إلى صا؛ فسكن أتريب، فسمّيت به، و قطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن‏ (4) صا؛ فسمّيت به؛ فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، و جزأين بأسفل الأرض. قال: ثمّ توفّي مصر بن بيصر، فاستخلف ابنه قفط.

و في بعض التّواريخ: لمّا مات مصر، كتب على قبره: «مات مصر بن بيصر بن‏

____________

(1) في معجم البلدان: و تحت عنوان أبي هرميس ذكر ياقوت الحموي الأفكار نفسها التي ذكرها ابن عبد الحكم، دون تحديد الموقع.

(2) في مروج الذهب للمسعودي 1/ 396: قبط.

(3) أشمون مدينة قديمة أزلية و هي قصبة كورة من كور الصعيد الأدنى غربيّ النيل، سمّيت باسم عامرها أشمن بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح. [معجم البلدان‏].

(4) في معجم البلدان: صا: كورة بمصر مسمّاة بصا بن مصر، و هي ما بين صا إلى البحر.

36

حام بن نوح بعد ألفين و ستمائة عام من الطوفان، مات و لم يعبد الأصنام، و لا هرم و لا أسقام»؛ و إنّ قفط به سمّيت القبط؛ و هو الذي بنى أهرام دهشور (1)؛ و إنّ هودا (2) بعث في أيّامه، و إنّه أقام في ملكه أربعمائة و ثمانين سنة.

رجع إلى حديث ابن لهيعة و عبد اللّه بن خالد: ثمّ توفيّ قفط، فاستخلف أخاه أشمن، ثمّ توفّي أشمن، و استخلف أخاه أتريب‏ (3)، ثمّ توفّي أتريب، فاستخلف أخاه صا، ثمّ توفّي صا، فاستخلف ابنه تدارس‏ (4).

- و قال غيره: و في زمنه بعث صالح عليه الصلاة و السلام-.

ثمّ توفّي تدارس، فاستخلف ابنه ماليق، ثمّ توفّي ماليق، فاستخلف ابنه خربتا (5)، ثمّ توفّي خربتا بن ماليا، فاستخلف ابنه كلّكن‏ (6)؛ فملكهم نحوا من مائة سنة، ثمّ توفّي و لا ولد له، فاستخلف أخاه ماليا، ثمّ توفّي ماليا فاستخلف ابنه طوطيس‏ (7)، و هو الذي وهب هاجر لسارة امرأة إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام- ثمّ توفّي فاستخلف ابنته خروبا (8)؛ و لم يكن له ولد غيرها و هي أوّل امرأة ملكت، ثمّ توفّيت، فاستخلفت ابنة عمتها زالفا ابنة ماموم بن ماليا، فعمّرت دهرا طويلا، فكثروا و نموا، و ملأوا أرض مصر كلها، فطمعت فيهم العمالقة- و هم من ولد عملاق بن لاوز بن سام- فغزاهم الوليد بن دومغ‏ (9)، فقاتلهم قتالا شديدا، ثمّ رضوا أن يملّكوه عليهم؛ فملكهم نحوا من مائة سنة، فطغى و تكبّر، و أظهر الفاحشة، فسلّط اللّه عليه سبعا، فافترسه فأكل لحمه.

و قال غيره: إنّ الوليد بن دومغ آذاه ضرسه، فنزع؛ فكان وزنه ثمانية عشر منّا (10)

____________

(1) في معجم البلدان: دهشور قرية كبيرة من أعمال مصر في غربي النيل من أعمال الجيزة.

(2) في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 1/ 254: و هو أخو عاد.

(3) في مروج الذهب 1/ 396: إنزيب.

(4) في مروج الذهب 1/ 396: دارس.

(5) في مروج الذهب 1/ 397: حرايا.

(6) في مروج الذهب 1/ 397: كلكي.

(7) في مروج الذهب 1/ 397: لوطس.

(8) في مروج الذهب 1/ 397: حوريا.

(9) في مروج الذهب 1/ 397: دومع.

(10) المنّ: كيل أو ميزان، و هو شرعا 180 مثقالا، و عرفا 280 مثقالا. [المنجد].

37

و ثلثي منّ، و إنّه رئي بعد فتح مصر يوزن به في ميزان الوكالة. انتهى.

فملكهم من بعده الريّان بن الوليد- و هو صاحب يوسف عليه الصلاة و السلام- فلمّا رأى الملك رؤياه الّتي رآها و عبّرها يوسف، أرسل إليه فأخرجه من السجن، و دفع إليه خاتمه، و ولّاه ما خلّف آباؤه، و ألبسه طوقا من ذهب و ثياب حرير، و أعطاه دابّة مسرجة مزيّنة كدابّة الملك، و ضرب بالطبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك.

و ما أحسن قول بعضهم:

أما في رسول اللّه يوسف أسوة* * * لمثلك محبوسا على الظلم و الإفك‏

أقام جميل الصّبر في الحبس برهة* * * فآل به الصبر الجميل إلى الملك‏

قال ابن عبد الحكم: حدّثنا أسد بن موسى، حدّثني الليث بن سعد، حدثني بعض مشيخة لنا، قال: اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطّعام من يوسف بالذهب حتّى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتّى لم يجدوا فضّة، فاشتروا بأغنامهم حتّى لم يجدوا غنما؛ فلم يزل يبيعهم الطّعام حتّى لم يبق لهم فضّة و لا ذهبا و لا شاة و لا بقرة في تلك السنتين، فأتوه في الثالثة، فقالوا له: لم يبق لنا شي‏ء إلّا أنفسنا و أهلونا و أرضونا. فاشترى يوسف أرضهم‏ (1) كلّها لفرعون، ثمّ أعطى لهم يوسف طعاما يزرعونه على أنّ لفرعون الخمس.

قال ابن عبد الحكم: و في ذلك الزّمان استنبطت الفيّوم، و كان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أنّ يوسف عليه الصلاة و السلام لمّا ملك مصر، و عظمت منزلته من فرعون، و جاوزت سنّه مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قد ذهب علمه، و تغيّر عقله، و نفدت حكمته، فعنّفهم فرعون، و ردّ عليهم مقالتهم، فكفّوا؛ ثمّ عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلمّوا ما شئتم من أيّ شي‏ء أختبره به. و كانت الفيّوم يومئذ تدعى الجوبة؛ و إنّما كانت لمصالة (2) ماء الصعيد و فضوله- فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحنون بها يوسف عليه الصلاة و السلام، فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها، و يخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك، و خراجا إلى خراجك. فدعا يوسف فقال: قد تعلم مكان ابنتي فلانة منّي، و قد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا، و إنّي لم أصب لها إلا الجوّبة؛ و ذلك أنّه بلد بعيد قريب، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلّا من غابة أو صحراء، فالفيّوم وسط مصر كمثل مصر في‏

____________

(1) انظر مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 1/ 360، 361.

(2) مصالة الماء: بقيّته القليلة.

38

وسط البلاد، لأنّ مصر لا تؤتى من ناحية من النّواحي إلّا من صحراء أو مفازة، و قد أقطعتها إيّاها فلا تتركنّ وجها و لا نظرا إلّا بلغته، فقال يوسف: نعم أيّها الملك، متى أردت ذلك فابعث لي؛ فإنّي إن شاء اللّه فاعل؛ فقال: إنّ أحبّه إليّ و أوفقه أعجله؛ فأوحي إلى يوسف أنّ يحفر ثلاثة خلج: خليجا من أعلى الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا، و خليجا شرقيا من موضع كذا إلى موضع كذا، و خليجا غربيا من موضع كذا إلى موضع كذا؛ فوضع يوسف العمّال، فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون إلى اللّاهون‏ (1)، و حفر خليج الفيّوم و هو الخليج الشرقيّ، و حفر خليجا بقرية يقال لها تنهمت من قرى الفيّوم، و هو الخليج الغربيّ. فخرج ماؤها من الخليج الشرقي فصبّ في النيل، و خرج من الخليج الغربيّ فصبّ في صحراء تنهمت إلى الغرب، فلم يبق في الجوبة ماء. ثم أدخلها الفعلة، فقطع ما كان فيها من القصب و الطّرفاء (2) و أخرجه منها، و كان ذلك ابتداء جري النّيل، و قد صارت الجوبة أرضا برّيّة، و ارتفع ماء النيل، فدخلها في رأس المنهى‏ (3)، فجرى فيه حتّى انتهى إلى اللّاهون، فقطعه إلى الفيّوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجّة من النّيل. و خرج إليها الملك و وزراؤه، و كان هذا في سبعين يوما. فلمّا نظر إليها الملك قال لوزرائه: هذا عمل ألف يوم، فسمّيت الفيّوم؛ فأقامت تزرع كما تزرع غوائط (4) مصر.

قال: ثم بلغ يوسف قول وزراء الملك، و أنّه إنما كان ذلك منهم على المحنة منهم له، فقال للملك: إنّ عندي من الحكمة و التّدبير غير ما رأيت؛ فقال له الملك:

و ما ذاك؟ فقال: أنزل الفيّوم من كلّ كورة من مصر أهل بيت، و آمر أهل كلّ بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية- و كانت قرى الفيّوم على عدد كور مصر- فإذا فرغوا من بناء قراهم صيّرت لكلّ قرية من الماء بقدر ما أصيّر لها من الأرض، لا يكون في ذلك زيادة عن أرضها و لا نقصان، و أصيّر لكلّ قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه، و أصيّر مطأطئا للمرتفع، و مرتفعا للمطاطى‏ء بأوقات من الساعات في الليل و النهار، و أصيّر لها مصابّ فلا يقصّر بأحد دون حقّه، و لا يزاد فوق قدره. فقال له فرعون: هذا من‏

____________

(1) لاهون: بلد بصعيد مصر به مسجد يوسف الصّديق و السّكر الذي بناه لردّ الماء إلى الفيّوم.

[معجم البلدان‏].

(2) الطرفاء: شجر، الواحدة طرفة، و بها سمّي طرفة بن العبد. [مختار الصحاح‏].

(3) في معجم البلدان: المنهى بالفتح و القصر: اسم فم النهر الذي احتفره يوسف الصّديق يفضي إلى الفيوم، مأخذه من النيل.

(4) الغوائط: مفردها الغائط و هو المطمئنّ من الأرض.

39

ملكوت السماء؟ قال: نعم، فبدأ يوسف فأمر ببنيان القرى، و حدّ لها حدودا، فكانت أوّل قرية عمّرت بالفيّوم قرية يقال لها شانة (1)، و هي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون. ثم أمر بحفر الخليج و بنيان القناطر، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض و وزن الماء؛ و من يومئذ أحدثت الهندسة، و لم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك.

قال: و كان أوّل من قاس النيل بمصر يوسف عليه الصلاة و السلام، و وضع مقياسا بمنف.

أخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح عن ابن عبّاس، قال:

فوّض الرّيان إلى يوسف تدبير ملك مصر، و هو يومئذ ابن ثلاثين سنة.

و أخرج عن عكرمة أنّ فرعون قال ليوسف: إنّي قد سلطنتك على مصر، إنّي أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيّك بأربع أصابع، قال يوسف: نعم.

قال ابن عبد الحكم: و حدّثنا هشام بن إسحاق، قال: في زمان الرّيان بن الوليد، دخل يعقوب عليه الصلاة و السلام و ولده مصر؛ و هم ثلاثة و تسعون نفسا، بين رجل و امرأة، فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما و هي أرض ريفيّة برّية. قال: فلمّا دخل يعقوب على فرعون، فكلّمه- و كان يعقوب شيخا كبيرا حليما حسن الوجه و اللحية، جهير الصوت- فقال له فرعون: كم أتى عليك أيّها الشيخ؟ قال: عشرون و مائة سنة.

و كان بمين ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب و يوسف و موسى عليهم الصلاة و السلام في كتبه، و أخبر أنّ خراب مصر و هلاك ملكها يكون على يديهم، و وضع الرايات و صفات من تخرب مصر على يديه.

فلمّا رأى يعقوب قام إلى مجلسه، فكان أوّل ما سأله عنه أن قال له: من تعبد أيّها الشيخ؟ قال له يعقوب: أعبد اللّه إله كلّ شي‏ء، قال: كيف تعبد ما لا ترى؟ قال له يعقوب: إنّه أعظم و أجلّ من أن يراه أحد، قال بمين: فنحن نرى آلهتنا، قال يعقوب:

إنّ آلهتكم من عمل أيدي بني آدم، ممّن يموت و يبلى، و إنّ إلهي أعظم و أرفع، و هو أقرب إلينا من حبل الوريد؛ فنظر بمين إلى فرعون، فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه، قال فرعون: في أيّامنا أو في أيام غيرنا؟ قال: ليس في أيّامك و لا أيّام بنيك، قال الملك: هل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم. قال: فكيف نقدر أن نقتل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه! فلا نعبأ بهذا الكلام.

____________

(1) في معجم البلدان: شانة قرية بمصر سمّيت باسم بنت يعقوب النبيّ.

40

و أخرج ابن عبد الحكم عن طريق الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال:

دخل مصر يعقوب و ولده، و كانوا سبعين‏ (1) نفسا، و خرجوا و هم ستّمائة ألف نفس.

و أخرج عن مسروق، قال: دخل أهل يوسف و هم ثلاثة و تسعون إنسانا، و خرجوا و هم ستّمائة ألف نفس.

و أخرج عن كعب الأحبار أنّ يعقوب عاش في أرض مصر ست عشرة (2) سنة، فلمّا حضرته الوفاة قال ليوسف: لا تدفنّي بمصر، فإذا متّ فاحملوني فادفنوني في مغارة جبل حبرون‏ (3). فلمّا مات لطّخوه بمرّ و صبر، و جعلوه في تابوت من ساج‏ (4)، و أعلم يوسف فرعون أنّ أباه قد مات، و أنّ سأله أن يقبره في أرض كنعان، فأذن له، و خرج معه أشراف أهل مصر حتّى دفنه و انصرف.

قال ابن عبد الحكم: و حدثنا عثمان بن صالح، حدّثنا ابن لهيعة، عمّن حدّثه، قال: قبر يعقوب عليه الصلاة و السلام بمصر، فأقام بها نحوا من ثلاث‏ (5) سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس؛ أوصاهم بذلك عند موته.

و أخرج من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، قال: حبرون مسجد إبراهيم اليوم، بينه و بين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا.

رجع إلى حديث ابن لهيعة و عبد اللّه بن خالد: قالا: ثمّ مات الريّان بن الوليد، فملكهم من بعده ابنه دارم؛ و في زمانه توفّي يوسف عليه الصلاة و السلام.

أخرج ابن عبد الحكم، عن كعب قال: لما حضرت يوسف الوفاة، قال: إنّكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم، فاحملوا عظامي معكم. فمات، فجعلوه في تابوت و دفنوه.

____________

(1) في مرآة الزمان 1/ 375: و ذكر الثعلبي بإسناده إلى وهب بن منبّه و قال: دخل يعقوب إلى مصر و ولده اثنان و سبعون إنسانا من رجل و امرأة، و خرجوا منها مع موسى و هم ستمائة ألف و خمسمائة و بضع و سبعون رجلا سوى الذرّية و الهرمى و الزّمنى، و كانت الذرية ألف ألف و مائتي ألف سوى المقاتلة.

(2) في مرآة الزمان 1/ 374: أربعة و عشرين سنة.

(3) حبرون: مدينة الخليل حاليا.

(4) الساج: ضرب من الشجر. [مختار الصحاح‏].

(5) في سفر التكوين أصحاح 50: و بكى عليه المصريون سبعين يوما، و بعدما مضت أيام بكائه كلّم بيت فرعون ... فقال فرعون: اصعد و ادفن أباك ...

41

و أخرج عنه قال: لمّا مات يوسف استعبد أهل مصر بني إسرائيل.

و أخرج عن سماك بن حرب، قال: دفن يوسف عليه الصلاة و السلام في أحد جانبي النيل‏ (1)، فأخصب الجانب الذي كان فيه، و أجدب الجانب الآخر، فحوّلوه إلى الجانب الآخر، فأخصب الجانب الذي حوّلوه إليه، و أجدب الجانب الآخر؛ فلمّا رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد، و جعلوه في سلسلة، و أقاموا عمودا على شاطى‏ء النيل، و جعلوا في أصله سكّة من حديد؛ و جعلوا السلسلة في السكّة، و ألقوا الصندوق في وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا.

رجع إلى حديث ابن لهيعة، و عبد اللّه بن خالد، قالا: ثمّ إنّ دارما طغى بعد يوسف و تكبّر، و أظهر عبادة الأصنام، و ركب النيل في سفينة، فبعث اللّه عليه ريحا عاصفا، فأغرقته و من كان معه فيما بين طرا (2) إلى موضع حلوان‏ (3)؛ فملكهم من بعده كاشم‏ (4) بن معدان و كان جبّارا عاتيا. ثمّ هلك كاشم بن معدان، فملكهم من بعده فرعون‏ (5) موسى من العماليق، فأقام خمسمائة سنة، حتّى أغرقه اللّه.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن ابن لهيعة و اللّيث بن سعد، قالا: كان فرعون قبطيّا من قبط مصر، اسمه طلما (6).

و أخرج عن هانى‏ء بن المنذر، قال: كان فرعون من العماليق، و كان يكنى بأبي مرّة.

و أخرج عن أبي بكر الصدّيق، قال: كان فرعون أثرم‏ (7).

و قال: حدثنا سعيد بن عفير، حدّثنا عبد اللّه بن أبي فاطمة، عن مشايخه، أنّ ملك مصر توفّي، فتنازع الملك جماعة من أبناء الملك- و لم يكن الملك عهد- و لمّا

____________

(1) في مرآة الزمان 1/ 375: فدفن في النيل في الليل في صندوق من مرمر ... ثم أجمعوا على أن يدفنوه في النيل حيث يفترق الماء عليه حتى تصل بركته إلى الجميع، ففعلوا.

(2) في معجم البلدان: طرا قرية في شرقي النيل قريبة من الفسطاط من ناحية الصعيد.

(3) حلوان قرية من أعمال مصر، بينها و بين الفسطاط نحو فرسخين من جهة الصعيد مشرفة على النيل.

(4) في مروج الذهب 1/ 397: كامس.

(5) في مروج الذهب 1/ 397: الوليد بن مصعب، و هو فرعون موسى.

(6) في مروج الذهب 1/ 397: و منهم من رأى أنه من الأقباط و كان يعرف بظلما.

(7) الأثرم: من كسر سنّه من أصلها.

42

عظم الخطب بينهم تداعوا إلى الصّلح، فاصطلحوا على أن يحكم بينهم أوّل من يطلع من الفجّ- فجّ الجبل- فطلع فرعون بين عديلتي‏ (1) نطرون‏ (2)، قد أقبل بهما ليبيعهما، و هو رجل من فران بن بليّ- و اسمه الوليد بن مصعب، و كان قصيرا أبرص، يطأطئ في لحيته- فاستوقفوه، و قالوا: إنّا جعلناك حكما بيننا فيما تشاجرنا فيه من الملك، و أتوه مواثيقهم على الرّضا. فلمّا استوثق منهم، قال: إنّي قد رأيت أن أملّك نفسي عليكم؛ فهو أذهب لضغائنكم، و أجمع لأموركم، و الأمر من بعد إليكم. فأمّروه عليهم لمنافسة بعضهم بعضا، و أقعدوه في دار الملك بمنف، فأرسل إلى صاحب أمر كلّ رجل منهم، فوعده و منّاه أن يملّكه على ملك صاحبه، و وعدهم ليلة يقتل فيها كلّ رجل منهم صاحبه، ففعلوا، و دان له أولئك بالربوبيّة، فملكهم نحوا من خمسمائة سنة، و كان من أمره و أمر موسى ما قصّ اللّه تعالى من خبرهم في القرآن.

و أخرج ابن عبد الحكم عن أبي الأشرس، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو عليه و يروح.

و أخرج عن إبراهيم بن مقسم، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، و كان يملك ما بين مصر إلى إفريقيّة.

و أخرج من طريق الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان يقعد على كراسي فرعون مائتان عليهم الديباج و أساور الذهب.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص؛ أنّ فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس، فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كلّ قرية يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم، و يعطوه مالا؛ فكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق، ثمّ يردّه إلى قرية في المغرب، ثمّ يردّه إلى أهل قرية في القبلة، و يأخذ من أهل كلّ قرية مالا؛ حتّى اجتمع له في ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك كلّه إلى فرعون، فسأله فرعون عن ذلك، فأخبره بما فعل في حفره. قال له فرعون: ويحك! ينبغي للسيّد أن يعطف على عباده، و يفيض عليهم و لا يرغب فيما يأيديهم، و ردّ على أهل كلّ قرية ما أخذ منهم. فردّه كلّه على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر عطوفا منه لما فعل هامان في حفره.

قال ابن عبد الحكم: و زعم بعض مشايخ أهل مصر أنّ الذي كان يعمل به بمصر

____________

(1) العدل: الجوالق (الكيس) لأنه يحمل على جنب البعير، و يعدل بآخر.

(2) النطرون: البورق. (يونانية).

43

على عهد ملوكها، أنّهم كانوا يقرّون القرى في أيدي أهلها، كلّ قرية بكراء معلوم، لا ينقض عليهم إلّا في كلّ أربع سنين من أجل الظمأ و تنقّل اليسار؛ فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك، و عدّل تعديلا جديدا، فيرفق بمن استحقّ الرّفق، و يزاد على من يحتمل الزيادة، و لا يحمل عليهم من ذلك ما يشقّ عليهم؛ فإذا جبي الخراج و جمع، كان للملك من ذلك الرّبع خالصا لنفسه يصنع فيه ما يريد، و الربع الثاني لجنده و من يقوى به على حربه و جباية خراجه و دفع عدوّه، و الربع الثالث في مصلحة الأرض و ما يحتاج إليها من جسورها و حفر خلجها، و بناء قناطرها؛ و القوّة للمزارعين على زرعهم و عمارة أرضهم، و الربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كلّ قرية من خراجها فيدفن ذلك فيها لنائبة تنزل، أو جائحة بأهل القرية؛ فكانوا على ذلك. و هذا الربع الذي يدفن في كلّ قرية من خراجها، هو كنوز فرعون الّتي يتحدّث بها أنّها ستظهر، فيطلبها الذين يتّبعون الكنوز.

حدّثنا أبو الأسود نصر بن عبد الجبار، حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال:

خرج وردان من عند مسلمة بن مخلد- و هو أمير على مصر- فمرّ على عبد اللّه بن عمرو مستعجلا، فناداه: أين تريد؟ قال: أرسلني الأمير مسلمة أن آتي منفا، فأحضر له من كنز فرعون، قال: فارجع إليه، و أقرئه منّي السلام و قل له: إنّ كنز فرعون ليس لك و لا لأصحابك، إنّما هو للحبشة، إنّهم يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط، فيسيرون حتّى ينزلوا منفا، فيظهر لهم كنز فرعون، فيأخذون ما يشاءون، فيقولون: ما نبتغي غنيمة أفضل من هذه، فيرجعون، و يخرج المسلمون في آثارهم فيقتتلون، فيهزم الجيش، فيقتلهم المسلمون و يأسرونهم؛ حتّى إن الحبشيّ ليباع بالكساء.

قال أهل التاريخ: كان فرعون إذا كمل التحضير في كلّ سنة ينفذ مع قائدين من قوّاده اردبّ قمح، فيذهب أحدهما إلى أعلى مصر، و الآخر إلى أسفلها، فيتأمّل القائد أرض كلّ قرية، فإن وجد موضعا بائرا عطلا قد أغفل بذره، كتب إلى فرعون بذلك، و أعلمه باسم العامل على تلك الجهة، فإذا بلغ فرعون ذلك، أمر بضرب عنق ذلك العامل، و أخذ ماله، فربّما عاد القائدان و لم يجدا موضعا لبذر الإردبّ لتكامل العمارة و استظهار الزرع.

و أخرج الحاكم في المستدرك، و صحّحه عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «إنّ موسى حين أراد أن يسير ببني إسرائيل، ضلّ عنه الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: إنّ يوسف حين حضره الموت، أخذ علينا موثقا من اللّه ألّا نخرج من مصر حتّى ننقل عظامه معنا، فقال موسى: أيّكم يدري‏

44

أين قبره؟ فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلّا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى، فقال: دلّينا على قبر يوسف، قالت: لا و اللّه حتّى تعطيني حكمي، قال: و ما حكمك؟

قالت: أن أكون معك في الجنّة؛ فكأنّه كره ذلك، فقيل له: أعطها حكمها، فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء، فقالت لهم: نضّبوا عنها الماء، ففعلوا، قالت: احفروا، فحفروا، فاستخرجوا عظام يوسف؛ فلما أن أقلّوه من الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار».

و أخرج ابن عبد الحكم، عن سماك بن حرب، مرفوعا نحوه، و فيه: «فقالت:

إنّي أسأل أن أكون أنا و أنت في درجة واحدة في الجنّة، و يردّ عليّ بصري و شبابي، حتّى أكون شابّة كما كنت، قال: فلك ذلك».

و أخرج من طريق الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس نحوه، و فيه: فقالت عجوز يقال لها سارح ابنة آشر بن يعقوب: أنا رأيت عمّي حين دفن، فما تجعل لي أن دللتك عليه؟ فقال: حكمك، قالت: أكون معك حيث كنت في الجنّة.

و أخرج عن ابن لهيعة عمّن حدّثه، قال: قبر يوسف بمصر، فأقام لها نحوا من ثلاثمائة سنة، ثم حمل إلى بيت المقدس.

رجع إلى حديث ابن لهيعة و عبد اللّه بن خالد: قالا: ثمّ أغرق اللّه فرعون و جنوده، و غرق معه من أشراف أهل مصر و أكابرهم و وجوههم أكثر من ألفي ألف، فبقيت مصر من بعد غرقهم؛ ليس فيها من أشراف أهلها أحد، و لم يبق بها إلّا العبيد و الأجراء و النساء، فأعظم أشراف من بمصر من النساء أن يولّين منهنّ أحدا، و أجمع رأيهنّ على أن يولّين امرأة منهنّ يقال لها دلوكة بنت زباء، و كان لها عقل و معرفة و تجارب، و كانت في شرف منهنّ و موضع، و هي يومئذ بنت مائة سنة و ستّين سنة، فملّكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض فجمعت نساء الأشراف، فقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، و لا يمدّ عينه إليها، و قد هلك أكابرنا و أشرافنا، و ذهب السحرة الذين كنّا نقوى بهم، و قد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كلّ ناحية، فإنّا لا نأمن أن يطمع فيها الناس؛ فبنت جدارا (1) أحاطت به على جميع أرض مصر كلّها المزارع و المدائن و القرى، و جعلت دونه خليجا يجري فيه الماء، و أقامت القناطر و التّرع، و جعلت فيه محارس و مسالح على كلّ ثلاثة أميال‏

____________

(1) في مروج الذهب 1/ 398: و أثر هذا الجدار باق إلى هذا الوقت، و هو سنة 332 ه، و يعرف بحائط العجوز.

45

محرس و مسلحة، و فيما بين ذلك محارس صغار على كلّ ميل، و جعلت في كلّ محرس رجالا، و أجرت عليهم الأرزاق، و أمرتهم أن يحرسوا بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بأجراس، فأتاهم الخبر من كل وجه كان في ساعة واحدة، فنظروا في ذلك، فمنعت بذلك مصر من أرادها (1)، و فرغت من بنائه في ستّة أشهر، و هو الجدار الذي يقال له جدار العجوز، و قد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة.

و كان ثمّ عجوز ساحرة، يقال لها تدورة، و كانت السّحرة تعظّمها و تقدّمها في السّحر، فبعثت إليها دلوكة: إنّا قد احتجنا إلى سحرك، و فزعنا إليك، فاعملي لنا شيئا نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، فعملت بربى‏ (2) من حجارة في وسط مدينة منف، و جعلت له أربعة أبواب، كل باب منها إلى جهة القبلة، و البحر و الشرق و الغرب، و صوّرت فيه صورة الخيل و البغال و الحمير و السفن و الرجال، و قالت لهم:

قد عملت لكم عملا يهلك به كلّ من أرادكم من كلّ جهة تؤتون منها برّا أو بحرا، و هذا يغنيكم عن الحصن، و يقطع عنكم مؤنته‏ (3)؛ فمن أتاكم من أيّ جهة، فإنّهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجّالة تحرّكت هذه الصورة من جهتهم التي يأتون منها، فما فعلتم بالصّور من شي‏ء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما يفعلون بهم. فلمّا بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء، طمعوا فيهم، و توجّهوا إليهم؛ فلمّا دنوا من عمل مصر، تحرّكت تلك الصور التي في البربى، فطفقوا لا يهيّجون تلك الصور، و لا يفعلون بها شيئا إلّا أصاب ذلك الجيش الذي أقبل إليهم مثله؛ من قطع رؤوسها أو سوقها أو فق‏ء عينها، أو بقر بطونها. و انتشر ذلك، فتناذرهم النّاس، و كان نساء أهل مصر حين غرق أشرافهم و لم يبق إلّا العبيد و الأجراء لم يصبروا عن الرجال، فطفقت المرأة تعتق عبدها و تتزوّجه، و تتزوّج الأخرى أجيرها، و شرطن على الرّجال ألّا يفعلوا إلا بإذنهنّ، فأجابوهنّ إلى ذلك؛ فكان أمر النساء على الرجال.

قال ابن لهيعة: فحدّثني يزيد بن أبي حبيب، أنّ القبط على ذلك إلى اليوم اتّباعا لما مضى منهم؛ لا يبيع أحدهم و لا يشتري إلّا قال: استأذن امرأتي. فملكتهم دلوكة بنت زباء عشرين سنة تدبّر أمرهم بمصر، حتّى بلغ من أبناء أكابرهم و أشرافهم رجل‏

____________

(1) و فيه أيضا: و قيل: إنّما بنته خوفا على ولدها، و كان كثير القنص، فخافت عليه من سباع البر و البحر و الاغتيال.

(2) في معجم البلدان: برابي جمع بربا- كلمة قبطية، و أظنّه اسما لموضع العبادة أو البناء المحكم أو موضع السحر.

(3) و يقطع عنكم مؤونة من أتاكم. [معجم البلدان‏].

46

يقال له دركون‏ (1) بن بلوطس، فملّكوه عليهم؛ فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة. ثمّ مات دركون بن بلوطس، فاستخلف ابنه بودس‏ (2)، ثمّ توفّي فاستخلف أخاه لقاس‏ (3)، فلم يمكث إلّا ثلاث سنين حتّى مات، و لم يترك ولدا، فاستخلف أخاه مرينا (4)، ثمّ توفّي، فاستخلف ولده استمارس‏ (5)، فطغى و تكبّر و سفك، و أظهر الفاحشة، فأعظموا ذلك، و أجمعوا على خلعه فخلعوه، و قتلوه، و بايعوا رجلا من أشرافهم يقال له بلوطس بن مناكيل، فملكهم أربعين سنة ثمّ توفّي، فاستخلف ابنه مالوس، ثمّ توفّي، فاستخلف أخاه مناكيل‏ (6)، فملكهم زمانا ثم توفّي، فاستخلف ابنه بولة (7)، فملكهم مائة و عشرين سنة؛ و هو الأعرج الّذي سبا ملك بيت المقدس، و قدم به إلى مصر. و كان بولة قد تقدّم في البلاد، و بلغ مبلغا لم يبلغه أحد ممّن كان قبله بعد فرعون، و طغى فقتله اللّه، صرعته دابّته فدقّت عنقه فمات.

أخرج ابن عبد الحكم، عن كعب الأحبار، قال: لمّا مات سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، ملك بعده عمّه مرحب، فسار إلى ملك مصر، فقاتله، و أصاب الأترسة الذّهب الّتي عملها سليمان، فذهب بها.

ثم استخلف مرينوس بن بولة فملكهم زمانا ثمّ توفّي، فاستخلف ابنه قرقورة، فملكهم ستين سنة، ثم توفّي فاستخلف أخاه لقاس؛ و كان كلّما انهدم من تلك البربى شي‏ء لم يقدر أحد على إصلاحه إلّا تلك العجوز و ولدها و ولد ولدها، فكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم، فانقطع أهل ذلك البيت، و انهدم من البربى موضع في زمان لقاس‏ (8)، فلم يقدر أحد على إصلاحه و معرفة علمه، و بقي على حاله، و انقطع ما كان يقهرون به الناس. ثمّ توفّي لقاس، فاستخلف ابنه قومس، فملكهم دهرا. فلمّا ظهر بخت نصّر على بيت المقدس و سبى بني إسرائيل، و خرج بهم إلى أرض بابل، أقام إرميا بإيلياء (9) و هي خراب؛ فاجتمع إليه بقايا من بني إسرائيل كانوا متفرّقين، فقال لهم‏

____________

(1) في مروج الذهب 1/ 404: دركوس.

(2) في مروج الذهب 1/ 404: بورس.

(3) فغامس.

(4) دنيا.

(5) نماريس.

(6) في مروج الذهب 1/ 404: بلوطس بن ميناكيل بن بلوطس.

(7) و فيه أيضا: بلونا.

(8) و فيه أيضا: نقاس.

(9) في معجم البلدان: إيلياء اسم مدينة بيت المقدس.

47

أرميا: أقيموا بنا في أرضنا لنستغفر اللّه، و نتوب إليه، لعلّه أن يتوب علينا، فقالوا: إنّا نخاف أن يسمع بنا بخت نصّر، فيبعث إلينا، و نحن شرذمة قليلون؛ و لكنّا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، و ندخل في ذمّته، فقال لهم أرميا: ذمّة اللّه أوفى الذّمم لكم، و لا يسعكم أمان أحد من أهل الأرض، إذا أخافكم. فسار أولئك النّفر من بني إسرائيل إلى قومس، و اعتصموا به، فقال: أنتم في ذمّتي، فأرسل إليه بخت نصّر أنّ لي قبلك عبيدا أبقوا (1) منّي، فابعث بهم إليّ. فكتب إليه قومس: ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوّة و الكتاب و أبناء الأحرار، اعتديت عليهم و ظلمتهم؛ فحلف بخت نصّر: لئن لم تردّهم لأغزونّ بلادك. و أوحى اللّه إلى أرميا أنّي مظهر بخت نصّر على هذا الملك الذي اتّخذوه حرزا؛ و لو أنّهم أطاعوك و أطبقت عليهم السماء و الأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجا. فرحمهم أرميا، و بادر إليهم، و قال لهم: إن لم تطيعوني أسركم بخت نصّر و قتلكم؛ و آية ذلك أنّي رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر و يملكها. ثمّ عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصّر سريره، و قال: يقع كلّ قائمة من قوائم سريره على حجر منها. فلجّوا في رأيهم، و سار بخت نصّر إلى قومس، فقاتله سنة، ثمّ ظفر به. فقتل و سبى جميع أهل مصر، و قتل من قتل.

فلمّا أراد قتل من أسر منهم، وضع له سريره في الموضع الذي وصف أرميا، و وقعت كلّ قائمة من قوائم سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن؛ فلمّا أتوا بالأسارى، أتى معهم بأرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمّنتك و أكرمتك؟ فقال له أرميا: إنّي أتيتهم محذّرا، و أخبرتهم خبرك، و قد وضعت لهم علامة تحت سريرك، و أريتهم موضعه، فقال له بخت نصّر: و ما مصداق ذلك؟ قال أرميا:

ارفع سريرك، فإنّ تحت كلّ قائمة منه حجرا دفنته، فلمّا رفع سريره، وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا: لو أعلم أنّ فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم و أخرب مدائن مصر و قراها، و سبى جميع أهلها، و لم يترك بها أحدا حتّى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها أحد؛ يجري نيلها، و يذهب لا ينتفع به. و أقام أرميا بمصر، و اتخذ زرعا يعيش به.

فأوحى اللّه إليه: إنّ لك عن الزرع و المقام شغلا، فالحق بإيلياء. فخرج أرميا حتّى أتى بيت المقدس. ثمّ إنّ بخت نصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من حينئذ.

ثمّ ظهرت الرّوم و فارس على سائر الملوك الّذين في وسط الأرض، فقاتلت الروم‏

____________

(1) أبق العبد: هرب من سيّده.

48

أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم. و صابروهم القتال في البرّ و البحر؛ فلمّا رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم، على أن يدفعوا لهم شيئا مسمّى في كل عام، على أن يمنعوهم و يكونوا في ذمّتهم، ثمّ ظهرت فارس على الرّوم، فلمّا غلبوهم على الشام، رغبوا في مصر، و طمعوا فيها؛ فامتنع أهل مصر، و أعانتهم الرّوم، و قاتلت دونهم، و ألحّت عليهم فارس، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس، على أن يكون ما صالحوا عليه الرّوم بين الروم و فارس، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها، فكان ذلك الصلح على مصر، و أقامت مصر بين الرّوم و فارس سبع سنين، ثم استجاشت الرّوم، و تظاهرت على فارس، و ألحّت بالقتال و المدد، حتّى ظهروا عليهم و خربوا مصانعهم أجمع، و ديارهم الّتي بالشام و مصر، و كان ذلك في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و فيه نزلت: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ... [الروم: 1، 2] الآية، فصارت الشام كلّها صلحا و مصر خالصا للروم، و ليس لفارس في الشام و مصر شي‏ء.

قال الليث بن سعد: و كانت الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له سبيل أليون‏ (1)، و هو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم؛ فلمّا انكشف جموع فارس و أخرجتهم الروم من الشام، أتمّت الروم بناء ذلك الحصن، و أقامت به، و أرسل هرقل المقوقس أميرا على مصر، و جعل إليه حربها و جباية خراجها، فنزل الإسكندريّة (2)، فلم تزل في ملك الرّوم حتّى فتحها اللّه تعالى على المسلمين.

قال صاحب مباهج الفكر: هذا الحصن يسمّى قصر الشمع.

ذكر من دخل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام‏

قال أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ في كتاب فضائل مصر: دخل مصر من الأنبياء إدريس و هو هرمس، و إبراهيم الخليل، و إسماعيل، و يعقوب، و يوسف، و اثنا عشر نبيّا من ولد يعقوب- و هم الأسباط- و لوط، و موسى و هارون، و يوشع بن نون، و دانيال، و أرميا، و عيسى بن مريم؛ عليهم الصلاة و السلام.

قلت: أمّا إبراهيم فقال ابن عبد الحكم: كان سبب دخوله مصر كما حدّثنا به أسد بن موسى و غيره، أنّه لمّا أمر بالخروج عن أرض قومه و الهجرة إلى الشام، خرج و معه‏

____________

(1) لعلّ الصواب: بابليون.

(2) في مروج الذهب 1/ 405: ينزل الإسكندرية في بعض الفصول، و في بعضها ينزل مدينة منف، و في بعضها قصر الشمع في وسط مدينة الفسطاط.

49

لوط و سارة؛ حتّى أتوا حرّان‏ (1)، فنزلها، فأصاب أهل حرّان جوع، فارتحل بسارة يريد مصر، فلمّا دخلها ذكر جمالها لملكها، و وصف له أمرها، فأمر بها، فأدخلت عليه، و سأل إبراهيم: ما هذه المرأة منك؟ فقال: أختي؛ فهمّ الملك بها، فأيبس اللّه يديه‏ (2) و رجليه، فقال لإبراهيم‏ (3): هذا عملك، فادع اللّه لي؛ فو اللّه لا أسوؤك فيها. فدعا اللّه فأطلق يديه و رجليه، و أعطاهما غنما و بقرا. و قال: ما ينبغي لهذه أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر.

و أمّا إسماعيل فرأيت عدّة أيضا من الكتب المؤلّفة في مصر، و لم أقف في شي‏ء من الأحاديث و الآثار على ما يشهد لذلك، و أنا أستبعد صحّته، فإنّه منذ أقدمه أبوه إلى مكّة و هو رضيع مع أمّه، لم ينقل أنّه خرج منها، و لم يدخل أبوه مصر إلّا قبل أن يملك أمّه.

و أمّا يعقوب و يوسف و إخوته فدخولهم مصر منصوص عليه في القرآن.

و كذا موسى و هارون و قد ولدا بها.

و أمّا لوط فيمكن‏ (4) دخوله مع إبراهيم؛ و لكن لم أر التّصريح به في حديث و لا أثر.

و أمّا يوشع فهو ابن نون بن إفراييم بن يوسف. ولد بمصر، و خرج مع موسى إلى البحر لمّا سار ببني إسرائيل. ورد في أثر عن ابن عباس.

و أمّا أرميا فتقدّم دخوله في قصة بخت نصّر.

و أمّا عيسى فتقدّم في قوله تعالى: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ [المؤمنون: 50] إنّها مصر على قول جماعة، و رأيت في بعض الكتب أنّ عيسى ولد بمصر بقرية أهناس‏ (5)، و بها النخلة التي في قوله تعالى: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: 25]، و أنه نشأ بمصر، ثمّ سار على سفح المقطّم ماشيا، و هذا كلّه غريب لا صحّة له، بل الآثار دلّت على أنه ولد ببيت المقدس، و نشأ به، ثمّ دخل‏ (6) مصر.

____________

(1) في معجم البلدان: حرّان و هي قصبة ديار مضر، بينها و بين الرها يوم، و بين الرقّة يومان.

(2) في سفر التكوين أصحاح 12: فضرب الربّ فرعون و بيته ضربات عظيمة.

(3) و كان يسمّى إبراهيم وقتها أبرام. انظر المرجع السابق.

(4) في سفر التكوين أصحاح 13: فصعد أبرام من مصر هو و امرأته و كل ما كان له و لوط معه.

(5) في معجم البلدان: أهناس و هي على غربيّ النيل ليست ببعيدة عن الفسطاط.

(6) في إنجيل متّى أصحاح 2: ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا: قم و خذ الصبيّ و أمّه و اهرب إلى مصر ... فقام و أخذ الصبي و أمه ليلا و انصرف إلى مصر.

50

و أمّا دانيال، فلم أقف فيه على أثر إلى الآن، و عدّه ابن زولاق فيمن ولد بمصر.

و الخلاف في نبوّة إخوة يوسف شهير، ولي في ذلك تأليف مستقلّ؛ و هو مدفون بمصر بلا خلاف؛ و هذه أسماؤهم لتستفاد!

أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم، عن السدّي، قال: بنو يعقوب: يوسف، و بنيامين، و روبيل‏ (1)، و يهوذا، و شمعون، و لاوي، و دان، و قهاث، و كودي‏ (2)، و بانيون‏ (3). هكذا سمّى عشرة و بقي اثنان.

و تقدّم عن ابن عباس أنّ العجوز التي دلّت موسى على قبر يوسف ابنة أشي بن يعقوب؛ فهذا أحدهما، و الآخر بقيا.

و بقي من الأنبياء الذين دخلوا مصر، يوسف المذكور في سورة غافر، على أحد القولين أنّه غير يوسف بن يعقوب، قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر: 34] قال جماعة: هو يوسف بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب؛ لأنّ يوسف بن يعقوب لم يدرك زمن فرعون موسى حتّى يبعثه اللّه تعالى؛ فإن صحّ هذا القول فهو نبيّ رسول، ولد بمصر و مات بها. و لا نظير له في ذلك.

و من الأنبياء الّذين دخلوا مصر سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، و سيأتي في بناء الإسكندريّة ما يدلّ على ذلك.

و رأيت حديثا يدلّ على أنّ أيّوب (عليه السلام)(4) دخلها، أخرج ابن عساكر في تاريخه عن عقبة بن عامر مرفوعا، قال: قال اللّه لأيّوب: أ تدري لم ابتليتك؟ قال: لا يا ربّ، قال: لأنّك دخلت على فرعون، فداهنت عنده بكلمتين؛ يؤيد ذلك أنّ زوجته بنت‏ (5) ابن يوسف. أخرج ابن عساكر، عن وهب بن منبّه قال: زوجة أيّوب رحمة بنت منشا ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة و السلام.

____________

(1) في سفر التكوين أصحاح 37: رأوبين.

(2) لعلّه جاد.

(3) لعلّه زبولون. انظر سفر التكوين أصحاح 46، حيث ذكر فيه: رأوبين، شمعون، لاوي، يهوذا، يسّاكر، زبولون، جاد، أشير، يوسف، دان، نفتالي.

(4) في مرآة الزمان 1/ 376: أيوب بن أموص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم.

(5) و فيه أيضا: رحمة بن منشا بن يوسف بن يعقوب.

51

ثم رأيت أثرا صريحا في دخول أيّوب و شعيب عليهما الصلاة و السلام مصر؛ أخرج ابن عساكر عن أبي إدريس الخولانيّ، قال: أجدب الشّام، فكتب فرعون إلى أيّوب؛ أن هلمّ إلينا، فإنّ لك عندنا سعة، فأقبل بخيله و ماشيته و بنيه، فأقطعهم؛ فدخل شعيب على فرعون، فقال: يا فرعون‏ (1)، أما تخاف أن يغضب اللّه غضبه، فيغضب لغضبه أهل السّماوات و الأرض و الجبال و البحار؟ فسكت أيّوب، فلمّا خرجا من عنده أوحى اللّه تعالى إلى أيّوب: أو سكتّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟! استعدّ للبلاء.

و عدّ بعضهم ممّن دخلها من الأنبياء لقمان‏ (2)؛ و في مرآة الزمان حكاية تقول إنّه من سودان مصر، و في نبوّته خلاف، و القول بأنّه نبيّ قول عكرمة و ليث.

و عدّ الكنديّ و غيره فيمن دخلها من الصدّيقين الخضر (3) و ذا القرنين. و قد قيل بنبوّتهما. و القول بنبوّة الخضر حكاه أبو حيّان في تفسيره عن الجمهور، و جزم به الثعلبيّ، و روى عن ابن عباس. و ذهب إسماعيل بن أبي زياد و محمد بن إسحاق أنّه نبيّ مرسل؛ و نصر هذا القول أبو الحسن بن الرمانيّ، ثمّ ابن الجوزيّ.

و القول بنبوّة ذي القرنين‏ (4) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد اللّه بن عمرو ابن العاص. و دخول ذي القرنين مصر، ورد في حديث مرفوع سيأتي في بناء الإسكندريّة.

و دخول الخضر غير بعيد؛ فإنّه كان في عسكر ذي القرنين، بل أحد الأقوال في الخضر أنّه ابن فرعون لصلبه، حكاه الكنديّ و جماعة، آخرهم الحافظ بن حجر في كتاب الإصابة في معرفة الصحابة؛ فعلى هذا يكون مولده بمصر.

و قال ابن عبد الحكم: حدّثني شيخ من أهل مصر، قال: كان ذو القرنين من أهل لوبية (5)، كورة من كور مصر الغربيّة. قال ابن لهيعة: و أهلها روم.

و أخرج ابن عبد الحكم أيضا عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني من يسوق الحديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه، أنّ ذا القرنين رجل من أهل مصر اسمه مرزبا بن مرزبة اليونانيّ، من ولد يونان بن يافث بن نوح عليه الصلاة و السلام.

____________

(1) لعلّ الصواب: فقال فرعون.

(2) في مرآة الزمان 1/ 261: لقمان بن عاد بن عاديا.

(3) اختلف في اسم الخضر، و هناك عدة منها. [انظر مرآة الزمان: 1/ 456].

(4) انظر الاختلاف في اسمه في مرآة الزمان 1/ 321.

(5) لوبية: ليبيا.

52

و ذكر صاحب مرآة الزمان‏ (1): أنّ ذا القرنين مات بأرض بابل، و جعل في تابوت و طلي بالصّبر و الكافور، و حمل إلى الإسكندرية، فخرجت أمّه‏ (2) في نساء الإسكندرية حتّى وقفت على تابوته، و أمرت به فدفن. و قيل: إنه عاش ألف‏ (3) سنة، و قيل: ألفا و ستّمائة (4) سنة، و قيل: ثلاثة آلاف‏ (5) سنة.

و قد قيل بنبوّة نسوة دخلن مصر: مريم، و سارة زوج الخليل، و آسية (6) امرأة فرعون، و أمّ موسى.

و حكى ذلك الشيخ تقي الدين السّبكيّ‏ (7) في فتاويه المعروفة بالحلبيّات؛ قال:

و يشهد لذلك في مريم ذكرها في سورة الأنبياء مع الأنبياء، و هو قرينة. و أمّ موسى اسمها يوكابد.

و قد تقدّم أن شيث بن آدم نزل مصر و هو نبيّ، و أنّ نوحا طافت به سفينته بأرض مصر.

فتمّت عدّة من دخل مصر باتفاق و اختلاف اثنين و ثلاثين نبيّا غير النسوة الأربع.

و قد نظمت ذلك في أبيات فقلت:

قد حلّ مصر على ما قد رووا زمر* * * من النّبيين زادوا مصر تأنيسا

فهاك يوسف و الأسباط مع أبه‏* * * و حافدا، و خليل اللّه إدريسا

لوطا و أيّوب ذا القرنين خضر سلي* * * مان أرميا يوشعا هارون مع موسى‏

و أمّه سارة لقمان آسية* * * و دانيال شعيبا مريما عيسى‏

شيئا و نوحا و إسماعيل قد ذكروا* * * لا زال من ذكرهم ذا المصر مأنوسا

قال أبو نعيم في الحلية (8): حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر، حدّثنا أحمد بن هارون، حدّثنا روح، حدّثنا أبو سعيد الكنديّ، حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: اجتمع‏

____________

(1) شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاوغلي سبط ابن الجوزي 581- 654. [مقدمة كتابه‏].

(2) في مرآة الزمان 1/ 336: في أحسن زيّ.

(3) قاله ابن إسحاق.

(4) ذكره جد مؤلف مرآة الزمان.

(5) حكاه أهل الكتاب. [المرجع المذكور سابقا].

(6) آسيا بنت مزاحم. [انظر مرآة الزمان: 1/ 410].

(7) في الأعلام 6/ 116. هو علي بن عبد الكافي بن علي الخزرجي.

(8) حلية الأولياء و طبقات الأصفياء. [انظر الأعلام: 1/ 150].

53

وهب بن منبّه و جماعة، فقال وهب: أيّ أمر اللّه أسرع؟ قال بعضهم: عرش بلقيس حين أتي به سليمان، قال وهب: أسرع أمر اللّه أنّ يونس بن متّى كان على حرف السفينة، فبعث اللّه إليه حوتا من نيل مصر؛ فما كان أقرب من أن صار من حرفها في جوفه.

و قال صاحب مرآة الزمان: و أمّا موسى بن يوسف، فنبيّ آخر، قبل موسى بن عمران. و يزعم أهل التوراة أنّه صاحب‏ (1) الخضر.

قلت: و القصّة في صحيح البخاري.

ذكر من كان بمصر من الصديقين كماشطة ابنة فرعون، و ابنها، و مؤمن آل فرعون‏

أخرج الحاكم في المستدرك، و صحّحه عن أبي هريرة، قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لم يتكلّم في المهد إلّا عيسى، و شاهد (2) يوسف، و صاحب جريج، و ابن ماشطة ابنة فرعون».

و أخرج أحمد و البزّار و الطّبرانيّ عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لما كانت ليلة أسري بي، أتيت على رائحة طيّبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟

قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون و أولادها، قلت: و ما شأنها؟ قال: بينما هي تمشّط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقط المدرى‏ (3) من يدها، فقالت: باسم اللّه، فقالت لها ابنة فرعون: أولك ربّ غير أبي؟ قالت: لا، و لكن ربيّ و ربّ أبيك اللّه. قالت: أخبره بذا؟

قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فلانة، أو أنّ لك ربّا غيري؟! قالت: نعم، ربّي و ربّك اللّه، فدعا ببقرة من نحاس، ثمّ أحميت، ثمّ أمر أن تلقى فيها هي و أولادها، فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبيّ لها مرضع، فتقاعست من أجله، قال: يا أمّاه؛ اقتحمي فإنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت».

قال ابن عباس: تكلّم في المهد أربع صغار: عيسى بن مريم، و صاحب جريج، و شاهد يوسف، و ابن ماشطة ابنة فرعون.

____________

(1) انظر مرآة الزمان: 1/ 434، 435.

(2) في سورة يوسف: 26: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، و اختلفوا في الشاهد على أقوال:

- أحدها أنه كان صبيا في المهد أنطقه اللّه تعالى- و الثاني أن الشاهد ابن عمّ راعيل الذي كان قاعدا على الباب مع زوجها ... [انظر مرآة الزمان: 1/ 351، 352].

(3) المشط.

54

و أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏ [غافر: 51]. قال: لم يكن من أهل فرعون مؤمن غيره و غير امرأة فرعون و هو المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏ [القصص: 20].

ذكر السحرة الذين آمنوا بموسى‏ (1) عليه الصلاة و السلام‏

قال الكنديّ: أجمعت الرواة على أنّه لا يعلم جماعة أسلموا في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، و هم السّحرة الذين آمنوا بموسى.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب، أنّ تبيعا كان يقول: ما آمن جماعة قطّ في ساعة واحدة مثل جماعة القبط.

و أخرج ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن هبيرة السبئيّ و بكر بن عمرو الخولانيّ و يزيد بن أبي حبيب، قال: كان السّحرة اثني عشر (2) ساحرا رؤساء، تحت يد كلّ ساحر منهم عشرون عرّيفا، تحت يد كلّ عريف منهم ألف من السّحرة؛ فكان جميع السحرة مائتي ألف و أربعين ألفا و مائتين و اثنين و خمسين إنسانا، بالرؤساء و العرفاء، فلمّا عاينوا ما عاينوا، أيقنوا أنّ ذلك من السماء، و أنّ السّحر لا يقاوم لأمر اللّه، فخرّ الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجّدا فأتبعهم العرفاء. و أتبع العرفاء من بقي، و قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏ [الأعراف: 222].

و أخرج عن يزيد بن أبي حبيب أنّ تبيعا قال: كان السّحرة من أصحاب موسى عليه الصلاة و السلام، و لم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة (3) العجل.

و قال ابن عبد الحكم: حدّثنا هانى‏ء بن المتوكّل، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن تبيع، قال: استأذن جماعة من الذين كانوا آمنوا من سحرة موسى في الرجوع إلى أهلهم و مالهم بمصر، فأذن لهم، و دعا لهم، فترهّبوا في رؤوس الجبال، فكانوا أوّل من ترهّب. و كان يقال لهم الشيعة، و بقيت طائفة منهم مع موسى حتّى توفّاه اللّه، ثمّ انقطعت الرهبانيّة بعدهم؛ حتّى ابتدعها بعدهم أصحاب المسيح عليه الصلاة و السلام.

____________

(1) في مرآة الزمان 1/ 390: نسبه هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، و قيل موسى بن عمران بن يصهير ...، و اسم أمّه يوخابذ.

(2) في مرآة الزمان 1/ 407: قال مجاهد: إنما آمن رؤساؤهم السبعة، و قال قوم: إنّما آمن الكلّ.

(3) انظر ذلك في مرآة الزمان 1/ 424، 425، 426.