دراسات تاريخية من القرآن الكريم‏ - ج1

- محمد البيومي مهران المزيد...
440 /
5

[الجزء الاول‏]

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

و الصلاة و السلام على محمد المبعوث رحمة للعالمين لا ريب في أن القرآن الكريم كمصدر تاريخي، إنما هو أصدق المصادر و أصحها على الإطلاق، فهو موثوق السند، ثم هو قبل ذلك و بعده، كتاب الله الذي‏ «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)».

و من ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، ذلك لأن القرآن الكريم إنما دون في البداية بإملاء الرسول- صلوات الله و سلامه عليه- و تلي فيما بعد و حمل تصديقه النهائي قبل أن ينتقل- عليه أفضل الصلاة و السلام- إلى الرفيق الأعلى‏ (2)، و لأن القصص القرآني إنما هو أنباء و أحداث تاريخية لم تلتبس بشي‏ء من الخيال، و لم يدخل عليها شي‏ء غير الواقع‏ (3).

ثم إن الله سبحانه و تعالى قد تعهد بحفظه دون تحريف أو تبديل، يقول عزّ من قال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (4)»، و يقول‏ «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ (5)»، و من ثم فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف و التبديل و انقطاع السند، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال‏

____________

(1) سورة فصلت: آية 42

(2) محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 49

(3) عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني ص 52

(4) سورة الحجر: آية 9

(5) سورة القيامة: آية 17- 19

6

تعالى: «وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ‏ (1)»، أي بما طلب إليهم حفظه.

و السر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جي‏ء بها على التوقيت لا التأييد، و أن هذا القرآن جي‏ء به مصدقا لما بين يديه من الكتب، و مهيمنا عليها، و صدق الله العظيم حيث يقول‏ «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ‏ (2)» و من هنا كان القرآن الكريم جامعا لما في هذه الكتب من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، و كان سادا مسدها، و لم يكن شي‏ء منها يسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، و إذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه، و هو الحكيم العليم‏ (3).

و مع ذلك كله- و يا للعجب- فإن ميدان الدراسة في التاريخ القديم، قد حرم من هذا المنهل الغزير، ربما لأن هذا الميدان إنما قد ظلّ إلى عهد قريب يكاد يكون مقصورا على المستشرقين، و تلاميذهم من العرب غير المسلمين، و إن هؤلاء و أولئك لم يتطرقوا في دراساتهم إلى الأحداث التاريخية التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، ربما لأن هذه الدراسة بعيدة عن أغراضهم، أو لأن مجال البحث فيها قد لا يستهويهم لسبب أو لآخر، أو لأن العرب منهم إنما كانوا يحسون بحرج إن تناولوا أحداث القرآن التاريخية بالبحث و الدراسة.

و أيا ما كان السبب، فإن ميدان البحث في التاريخ القديم، إنما قد

____________

(1) سورة المائدة: آية 44

(2) سورة المائدة: آية 48

(3) محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 13- 14

7

خسر بذلك أصح مصادره و أصدقها على وجه الإطلاق، هذا فضلا عن أن الموقف إنما بقي كما هو، حتى بعد أن دخل نفر من المسلمين ميدان التخصص في التاريخ القديم، و حتى بعد أن حاولت قلة نادرة منهم- ربما لا يتجاوز عددها الواحد أو الاثنين- أن تعتمد في كتاباتها على ما جاء من محكم التنزيل، فقد ظل المتخصصون في تاريخ الشرق الأدنى القديم، يعتمدون على المصادر التقليدية لدراسة هذا الفرع من فروع الدراسات التاريخية، و لم يكن القرآن الكريم منها، على أي حال.

و من عجب، فإن المؤرخين المحدثين- الاوربيين منهم و الشرقيين، المسلمين و غير المسلمين- إنما ينظرون إلى التوراة، و كأنها المصدر الأساسي لدراسة فترات معينة من تاريخ الشرق الأدنى القديم، رغم أنهم يجمعون- او يكادون- على أنها غير موثوقة السند، و رغم ان هناك مئات من الأبحاث التي كتبها المؤمنون بالتوراة- فضلا عن غير المؤمنين بها- و هي جميعا إنما تثير جدلا طويلا حول وثاقة نصها، بل حول نسبة هذا النص لهذا الشخص أو ذاك‏ (1).

و رغم ذلك كله، لم يفكر واحد من هؤلاء المؤرخين في أن يرجع إلى القرآن الكريم، ذلك الكتاب السماوي العظيم، الذي تجمع آراء العلماء في العالم كله على وثاقة نصه، أو كما يقول «سير وليم موير»- و هو من أشد المتعصبين ضد الإسلام- «إن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن الكريم ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه و دقته» (2)

____________

(1) أنظر عن التوراة كتابنا «إسرائيل» ص 19- 159 (القاهرة 1973)

(2) محمد حسين هيكل: الصديق ابو بكر، القاهرة 1964 ص 323 و كذا

Sir William Muir, The Life of Mohammad and History of Islam, Edinburgh, 3291

8

و يعود العالم الإنكليزي مرة أخرى ليؤكد أن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، و أنه قد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها و المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية في كل العصور و كل الأزمان‏ (1)، و هذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع يعدّ أكبر حجة و دليل على صحة النص المنزل الموجود معنا (2).

و يؤكد «لوبلوا» أن القرآن الكريم هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير (3)، كما يقرر «نولدكه» أن النص القرآني (1) قارن ذلك بما هو معترف به عن التوراة من جميع المؤمنين بها، حيث ترى أن هناك نسختين للتوراة عند اليهود، الواحدة لليهود و العبرانيين، و الأخرى لليهود السامريين، و كل منهما تختلف عن الأخرى في عدد أسفارها و في كثير من نصوصها، و لم يكن الأمر عند المسيحيين- و هم من المؤمنين بها إيمانهم بأناجيلهم المختلفة- بأفضل منه عند اليهود، ذلك لأن هناك على الأقل طبعتين للتوراة (العهد القديم)، الواحدة تستعملها الكنائس البروتستانتية، و الأخرى تستعملها الكنائس الكاثوليكية و الارثوذكسية الشرقية، و التي تزيد عن الأولى بأسفار عدة، اعتبرها البروتستانت أسفارا زائفة (أبو كريفا)، هذا فضلا عن الاختلاف في عدد إصحاحات أسفار توراة البروتستانت عنها في توراة الكاثوليك، بل إن أسماء الأسفار نفسها كانت- و لا تزال- موضع خلاف بينهما، و اخيرا فهناك الاختلاف في ترتيب الأسفار عند اليهود عنها عند المسيحيين (انظر: كتابنا «إسرائيل» ص 20- 21، قاموس الكتاب المقدس 1/ 451 (بيروت 1964) حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي، القاهرة 1971، ص 248- 249، حبيب سعيد: المدخل الى الكتاب المقدس، القاهرة ص 67- 68، فؤاد حسنين: التوراة الهيروغليفية، القاهرة 1968 ص 14- 15، و كذا-

____________

(1)

M. F. Unger, Unger`s Bible Dictionary, Chicago, 0791, P. 441

(2) محمد عبد اللّه دراز: مدخل الى القرآن الكريم ص 40، و كذا

W. Muir, The Life of Mohammad. B. St. Hilaire, Mahomat et Le Koran, P. 33

(3) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 40 و كذا.

Lebbois, le Koran et la Bible Hebraique, Paris, 7881, P. 74

9

إنما بقي على أحسن صورة من الكمال و المطابقة (1).

هذا و يؤكد العلماء في كل أنحاء الدنيا أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر الصديق، هو نفس المصحف الذي كتب على أيام الرسول- (صلوات الله و سلامه عليه)- و هو نفس المصحف الذي كتب على أيام عثمان، و بالتالي فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، و أن الشك فيه كفر، و أن الزيادة عليه لا تجوز، و أنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة (2).

و ليس من شك في أن القرآن الكريم، أنما يقدم لنا- عن طريق القصص القرآني- معلومات هامة و صحيحة تماما عن عصور ما قبل الإسلام، و أخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، و على سبيل المثال، فإنه يقدم لنا- عن طريق قصة الكليم (عليه السلام)- كثيرا من المعلومات الملكية الإلهية في مصر الفرعونية، و عن الأحوال السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فيها (3)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى قصة الخليل- (صلوات الله و سلامه عليه)- حيث يقدم لنا الكثير من المعلومات عن العراق القديم‏ (4).

____________

(1) أنظر:T .Noeldeke ,Geschichie des Quarans ,1691 ,P .61

(2) محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1/ 80- 86، فتاوى ابن تيمية 13/ 420- 421، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 51- 55، و انظر كذلك:W .Muir op -cit ,P .P .XIV -XIXX

(3) انظر عن قصة موسى (البقرة: آية 47- 74، الأعراف: آية 103- 155، يونس: آية 75- 93، طه: آية 9- 99، الشعراء: آية 10- 68، القصص: آية 3- 44، غافر:

آية 23- 54)

(4) انظر عن قصة إبراهيم (البقرة: آية 258، الأنعام: آية 74- 83، إبراهيم: آية 35- 41، مريم: آية 41- 50، الأنبياء: آية 51- 73، الشعراء: آية 69- 89، الصافات: آية 83- 113.

10

و أما عن بني إسرائيل، فليس هناك من شك في أنه ليس هناك كتاب سماوي- حتى التوراة نفسها- قد فصل الحديث عن بني إسرائيل، و أفاض في وصف يهود و أحوالهم و أخلاقهم، و أبان مواقفهم من الأنبياء، كما فعل القرآن الكريم، و صدق الله العظيم حيث يقول‏ «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (1)».

و أما عن بلاد العرب، فإنك تجد في كتاب الله الكريم تعالى جملة من الآيات الكريمة، تتحدث عن مملكة سبأ- في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد- دون غيره من الكتب المقدسة المتداولة اليوم- بذكر أقوام عربية بادت- كقوم عاد (2) و ثمود (3)- فضلا عن قصة أصحاب الكهف‏ (4)، و سيل العرم‏ (5)، و قصة أصحاب الأخدود (6)، إلى جانب قصة أصحاب الفيل‏ (7)، و هجرة الخليل و ولده إسماعيل (عليهما السلام)، إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك‏ (8) و صدق الله العظيم حيث يقول‏ «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ‏ (9)»، و حيث يقول‏ «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ‏

____________

(1) سورة النمل: آية 76

(2) انظر: الأعراف: آية 65، هود: آية 50- 60، الشعراء: آية 123- 140

(3) انظر: الأعراف: آية 73- 79، هود: آية 61- 68، الشعراء: آية 141- 159

(4) سورة الكهف: آية 9- 26

(5) سورة سبأ: آية 15- 19

(6) سورة البروج: آية 4- 10

(7) سورة الفيل‏

(8) انظر: سورة البقرة: آية 124- 131، سورة إبراهيم: آية 35- 41

(9) سورة هود: آية 49

11

لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ (1)».

غير أن ذلك كله لا يعني بحال من الأحوال، أن القرآن الكريم كتاب تاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، و إنما هو كتاب هداية و ارشاد للتي هي أقوم‏ (2)، أنزله اللّه سبحانه و تعالى ليكون دستورا للمسلمين، و منها جا يسيرون عليه في حياتهم، و يدعوهم إلى التوحيد (3)، و إلى تهذيب النفوس، و إلى وضع مبادئ للأخلاق‏ (4)، و ميزان للعدالة (5)، و استنباط لبعض الأحكام‏ (6)، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فانما للعبرة و العظة (7).

و مع ذلك فيجب ألا يغيب عن بالنا- دائما و أبدا- أن القصص القرآني إن هو الا الحق الصراح، و صدق الله العظيم حيث يقول‏ «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (8)» و يقول‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ‏ (9)» و يقول‏ «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ‏ (10)» و يقول‏ «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ‏

____________

(1) سورة آل عمران: آية 44

(2) سورة الإسراء: آية 9

(3) انظر مثلا: في قصة نوح (سورة نوح: آية 2- 20) و في قصة يوسف (سورة يوسف آية 37- 40) و في قصة عيسى (النساء: آية 171- 172، آل عمران: آية 59، المائدة: آية 71، 76)

(4) انظر مثلا: سورة البقرة: آية 44، الأعراف: آية 85- 87، هود: آية 84- 88

(5) انظر مثلا في قصة داود (سورة ص: آية 21- 26)

(6) انظر مثلا في قصة هابيل و قابيل: سورة المائدة: آية 27- 32، 42- 50، البقرة: آية 178- 179

(7) انظر: عن أهداف القرآن و مقاصده: تفسير المنار 1/ 206- 293

(8) سورة النساء: آية 87

(9) سورة آل عمران: آية 62

(10) سورة الكهف: آية 13

12

الكتاب هو الحق‏ (1)» و يقول‏ «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ‏ (2)» و يقول‏ «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ‏ (3)» و يقول‏ «وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ‏ (4)» و يقول‏ «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (5)» و يقول‏ «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ‏ (6)».

و يعلم الله، أنني منذ التحقت بقسم التاريخ في جامعة الاسكندرية، في الخمسينات من هذا القرن العشرين، كنت أسائل نفسي- عند ما أدرس أحداثا تاريخية تعرض لها القرآن الكريم بالإيجاز أو التفصيل- لم لم يرجع المؤرخون المسلمون- و فيهم الكثيرون ممن حفظوا كثيرا أو قليلا من القرآن الكريم بحكم نشأتهم الدينية، و عرفوا الكثير مما جاء من محكم التنزيل بحكم دراساتهم العلمية- أقول لم لم يرجعوا إلى ما جاء في القرآن الكريم عن هذه الأحداث؟ على الأقل ليتثبتوا من صحتها او عدم صحتها، طبقا لما جاء عنها في كتاب الله الكريم، و لكني لم أكن أهتدي إلى نوع من الإجابة يرضيني، أو على الأقل ينير أمامي الطريق، أزاء موقفهم هذا.

و بقيت كذلك في حيرة من أمري، حتى أكملت دراساتي العليا، و عينت مدرسا للتاريخ القديم بجامعة الإسكندرية في أخريات الستينات من هذا القرن العشرين، و بدأت اتجه نحو القرآن العظيم، نحو المصدر

____________

(1) سورة فاطر: آية 31

(2) سورة الزمر: آية 2، و انظر الآية 41

(3) سورة الجاثية: آية 6

(4) سورة محمد: آية 2

(5) سورة البقرة: آية 252

(6) سورة آل عمران: آية 3

13

الذي يعلو فوق كل المصادر، و يبدو أنه مما يسر لي ذلك أن تخصصي إنما كان في تاريخ مصر و الشرق الأدنى القديم، فضلا عن نشأتي في بيئة إسلامية محافظة، في الصعيد الاقصى من أرض الكنانة، هيأت لي المناخ المناسب لحفظ القرآن الكريم، و لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري بكثير، هذا إلى جانب دراسات إسلامية، قضيت فيها الشطر المبكر من حياتي العلمية في معاهد المعلمين، و أخيرا فلقد كان وجودي بين اعضاء هيئة التدريس في قسم التاريخ، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فرصة طيبة، و حاسمة، للاتجاه إلى دراسة الأحداث التاريخية، التي جاءت في القرآن الكريم.

و هكذا عقدت العزم- بعد أن استخرت اللّه سبحانه و تعالى- على أن أكتب في الأحداث التاريخية التي تعرض لها القرآن الكريم- دون غيرها- سلسلة من الأبحاث تحت عنوان «دراسات تاريخية من القرآن الكريم‏ (1)» في خمسة أجزاء، و التي أرجو أن يوفقني اللّه إلى اخراجها في صورة طيبة، و على النحو التالي:- 1- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الأول- في بلاد العرب 2- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الثاني- في العراق‏

____________

(1) يعني هذا العنوان أن هذه الدراسة في أجزائها الخمسة، لن تتعرض للأحداث التاريخية التي جاءت في غير القرآن الكريم، و إنما سوف تكون مقصورة- إن شاء اللّه- على ما جاء من محكم التنزيل من أحداث دينية و سياسية، و اقتصادية و اجتماعية ... الخ، في بلاد العرب و في العراق و في مصر و في سورية، ثم يكون ختام المسك من هذه السلسلة، سيرة أشرف الأولين و الآخرين، نبي الرحمة و رسول السلام، رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، كما جاءت في القرآن الكريم: و لعل هذه الإشارة الموجزة إنما توضح عنوان هذه السلسلة (دراسات تاريخية من القرآن الكريم)، أي التاريخ الذي جاء في القرآن الكريم فحسب، دون التعرض فيها لما جاء في المصادر التاريخية التقليدية، و لم يرد له ذكر في القرآن العظيم.

14

3- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الثالث- في مصر 4- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الرابع- في سورية (فلسطين).

5- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الخامس- في السيرة النبوية الشريفة.

و أما هذا الجزء الأول من هذه السلسلة، فإنما يتعرض للأحداث التي أشار إليها القرآن، و التي كانت أرض العروبة، و موطنها الأول، مسرحا لها، و من ثم فإننا نراه يتحدث عن إبراهيم الخليل، و عن الكعبة المشرفة، ثم عن العاديين قوم هود، و الثموديين قوم صالح، و المديانيين قوم شعيب، فضلا عن أحداث أخرى كان لها دوي كبير في تاريخ العرب قبل الإسلام، كسيل العرم، و قصة أصحاب الأخدود، و أخيرا غزوة الفيل، و التي كانت واحدة من إرهاصات كثيرة، سبقت مطلع النور من مكة المكرمة، حيث ولد خاتم النبيين، و سيد المرسلين، و رسول رب العالمين، محمد رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) و أما الفصول الثلاثة الأولى، فكانت دراسة في القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف، و اخيرا علم التفسير، حيث اعتمدت هذه الدراسة على القرآن الكريم، بصفته مصدرها الأول و الأساسي، ثم على حديث رسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و تفسير القرآن الكريم، بصفتهما المفسرين الأساسيّين لكتاب الله الكريم، و من هنا كان لزاما علينا أن نقدم للقارئ صورة موجزة عن مصادرنا الأساسية لهذه الدراسة.

و أما غير القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف و علم التفسير من مصادر، لا شك أنها أفادتنا كثيرا في دراستنا هذه، فلم تقدم عنها دراسة مستقلة لأنها مصادر مساعدة أو مصادر ثانوية، لم يكن عمادنا عليها إلا في‏

15

تفسير بعض الأحداث، أو تقديم و جهات نظر مختلفة، قد نتفق معها أحيانا، و قد نختلف معها أحيانا أخرى، و لكنها في كل الأحوال مصادر إنسانية- و ليست سماوية- ثم إنها ليست مصادر أصيلة في هذه الدراسة التي تبحث في «الدراسات التاريخية من القرآن الكريم».

و بعد: فلعل من حسن الطالع أن يسبغ اللّه فضله على صاحب هذه الدراسة، و أن تشملها هي عناية الرحمن، فتهيأ لها وسيلة النشر عن طريق جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لتخرجها إلى الناس في ثوب قشيب، جزى الله القائمين بالأمر في هذه الجامعة الإسلامية عن صنيعهم الجميل هذا خير الجزاء.

و أخيرا، فهذا نوع جديد من الدراسة التاريخية، تهيبت كثيرا قبل أن أخوض في غمار بحره المتلاطم، و لكني وجدت آخر الأمر أن التردد ليس في مصلحة البحث العلمي في كل الأحوال، ثم إنني ما زدت عن كوني باحثا يستحث خطاه في أول الطريق، و من ثم فعليه أن يضع لبنة في بناء هذا الصرح الشامخ، و على غيره من الباحثين أن يضعوا لبنات أكثر قوة، و أشد رسوخا، حتى تأتي أجيال أخرى فتقيم صرح الدراسات التاريخية القرآنية، كما أقامت أجيال سبقت صرح الدراسات اللغوية و الفقهية و غيرها من الدراسات التي اعتمدت على محكم التنزيل، فالقرآن الكريم كان- و ما يزال و سيظل أبد الدهر- «لا يشبع منه العلماء، و لا يمله الاتقياء، و لا يخلق على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه».

و أملي من الله كبير أن تنال هذه الدراسة بعض الرضا.

«وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ».

محمد بيومي مهران‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الفصل الأول القرآن الكريم‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

(1) التدوين في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)

القرآن الكريم كتاب الله الذي‏ «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)»، نزل على رسول اللّه- (صلوات اللّه و سلامه عليه)- منجما في ثلاث و عشرين سنة (2)، حسب الحوادث و مقتضى الحال‏ (3)، و كانت الآيات و السور تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) إذا ما انزلت عليه آية أو آيات، قال: «ضعوها في مكان كذا ... من سورة كذا»، فقد ورد أن جبريل- (عليه السلام)- كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي، فيقول له، يا محمد إن اللّه يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا»، و لهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن «توقيفي»، بمعنى أن ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هو بأمر و وحي من اللّه‏ (4)

____________

(1) سورة فصلت: آية 42

(2) قارن صحيح البخارى 6/ 96

(3) نزل القرآن منجما فيما بين عامي 13 ق. ه، 11 ه (610- 632 م) لأسباب: منها تثبيت قلب النبي أمام أذى الكافرين، و منها التلطف بالنبي عند نزول الوحي و منها التدرج في تشريع الأحكام السماوية، و منها تسهيل حفظ القرآن و فهمه على المسلمين، و منها مسايرة الحوادث و الوقائع و التنبيه عليها في حينها، و منها الارشاد إلى مصدر القرآن و انه تنزيل الحكيم الحميد (محمد علي الصابوني: التبيان في علوم القرآن ص 40- 49، محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 33، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن ص 36- 41) و منها أن العرب كانوا أمة أمية، و الكتابة ليست فيهم رائجة، بل يندر فيهم من يعرفها، و أندر منه من يتقنها، فما كان في استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله إذا نزل جملة واحدة، إذ يكون بسوره و آياته عسيرا عليهم أن يكتبوه و إن كتبوه لا يعدموا الخطأ و التصحيف و التحريف (محمد أبو زهرة: القرآن ص 23- 24)

(4) نفس المرجع السابق ص 27، 47- 49، السيوطي: الاتقان في علوم القرآن 1/ 48، 63، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 234، 237، 241، السجستاني: كتاب المصاحف ص 31، مقدمتان في علوم القرآن ص 26- 32، 40، 41، 58، تفسير القرطبي 1/ 60، محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 59

20

و هكذا تمر الأيام بالرسول الكريم- (صلوات الله و سلامه عليه)- و هو على هذا العهد، يأتيه الوحي نجما بعد نجم، و كتاب الوحي يسجلونه آية بعد آية (1)، حتى إذا ما كمل التنزيل، و انتقل الرسول الأعظم- عليه الصلاة و السلام- إلى الرفيق الأعلى كان القرآن كله مسجلا في صحف- و إن كانت مفرقة لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين، و لم يلزموا القراء توالي سورها (2)- و في صدور الحفاظ من الصحابة- (رضوان اللّه عليهم)- هؤلاء الصفوة من أمة محمد النبي المختار، الذين كانوا يتسابقون إلى تلاوة القرآن و مدارسته، و يبذلون قصارى جهدهم لاستظهاره و حفظه، و يعلمونه أولادهم و زوجاتهم في البيوت، حتى كان الذي يمر ببيوت الأنصار في غسق الدجى، لا يسمع فيها إلا صوت القرآن يتلى، و حتى كان المصطفى- (صلوات الله و سلامه عليه)- يمر على بعض دور الصحابة، فيقف عند بعضها يستمع القرآن في ظلام الليل، و حتى روي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «إني لأعرف أصوات رفقة الاشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، و أعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن، و إن كنت لم أر منازلهم بالنهار» [رواه الشيخان‏].

و من هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) لا يحصون، و تلك- ويم الله- عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن‏

____________

(1) لعل أشهر كتاب الوحي- و الذين يقال أن عددهم بلغ تسعة و عشرين كاتبا- الخلفاء الاربعة و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و المغيرة بن شعبة و الزبير بن العوام و شرحبيل و عبد اللّه بن رواحه (أنظر فتح الباري 9/ 18) و كانوا يضعون ما يكتبونه في بيت النبي عليه الصلاة و السلام، ثم يكتبون لأنفسهم منه صورا أخرى يحفظونها لديهم (البرهان 1/ 238، الاتقان 1/ 58، محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 34- 35، من روائع القرآن ص 49- 51)

(2) الاتقان في علوم القرآن 1/ 59، البرهان في علوم القرآن ص 235، مقدمتان في علوم القرآن ص 32، مقدمة كتاب المصاحف لآرثر جفري ص 5، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 49- 50

21

العظيم، حين يسره للحفظ، «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (1)»، فكتب له الخلود، و حماه من التحريف و التبديل، و صانه من تطرق الضياع إلى شي‏ء منه، عن طريق حفظه في السطور، و حفظه في الصدور (2) مصداقا لقوله تعالى‏ «وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (3)»، و قوله تعالى‏ «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (4)»، و قوله تعالى‏ «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ (5)».

و لعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أن القرآن الكريم، إنما كان مكتوبا كله عند الصحابة، قد لا يكون الأمر كذلك عندهم جميعا، أو عند واحد منهم بعينه، و لكنه كذلك عند الجميع، و أن ما ينقص الواحد منهم يكمله الآخر، و من ثم فقد تضافروا جميعا على نقله مكتوبا، و إن تقاصر بعضهم عن كتابته كمل الآخر، و كان الكمال النقلي جماعيا، و ليس أحاديا على أن هناك بعض المؤرخين- و كذا بعض المستشرقين- إنما يذهبون إلى أن القرآن الكريم، إنما بقي حتى انتقال الرسول- (صلوات الله و سلامه عليه)- إلى الرفيق الأعلى، لم يجمع سورا، و لم ينتظم كتابا، فبقيت الآيات التي نزلت فرادى لم تضم إلى غيرها على الصورة التي نراها

____________

(1) سورة القمر. آية 32

(2) أنظر: الدكتور محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 12- 14

(3) سورة فصلت: آية 41- 42

(4) سورة الحجر: آية 9

(5) سورة القيامة: آية 17- 19، و انظر: تفسير الطبري 1/ 95- 97 (6) محمد أبو زهرة: القرآن ص 28 (7) انظر: عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية 1/ 250- 251 (8)R .Blachere ,Introduction au Coran ,9591 P .22 و كذا.T .Noeldeke ,Geschichte des Quarans ,1691 ,P .61

22

اليوم، فلما كان الجمع رتبت السور و نظمت في كتاب‏ (1)، بل إن بعضهم ليذهب إلى حد ان ينسب إلى زيد بن ثابت، أنه قال: «قبض النبي و لم يكن القرآن جمع في شي‏ء» (2) .... إلى غير ذلك من ادعاءات لا يقصد بها وجه الله، فضلا عن البحث العلمي لذاته.

و الحق أن هؤلاء و أولئك قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه، فالأمر الذي لا شك فيه أن الآيات إنما جمعت سورا على عهد رسول اللّه- (صلوات الله و سلامه عليه)- و بتوقيفه، لأسباب كثيرة، منها (أولا) أن الإمام مالك- رضي الله عنه- كان يقول: «إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) (3)»، و منها (ثانيا) أن عبد اللّه بن مسعود يقول: «قرأت من فيّ رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، بضعا و سبعين سورة، و قرأت عليه من (سورة) البقرة إلى قوله تعالى‏ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (4)» (أي إلى آخر الآية: 222)، و منها (ثالثا) ما رواه البخاري و مسلم، عن أنس بن مالك، أنه قال: «جمع القرآن على عهد النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، أربعة كلهم من الأنصار (5)».

و منها (رابعا) أن زيد بن ثابت قد قرأ القرآن كله على رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، و منها (خامسا) ما تظاهرت عليه الروايات بأن الأئمة الأربعة قد جمعوا القرآن على عهد النبي- عليه الصلاة و السلام- لأجل سبقهم‏

____________

(1) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 307

(2) أنظر:

Sir William Muir, The Life of Mohammad, Edinburgh, 3291

(3) تفسير القرطبي 1/ 60، محمد أبو زهرة: القرآن ص 48، قارن: مقدمتان في علوم القرآن ص 49

(4) نفس المرجع السابق ص 30، تفسير القرطبي 1/ 58

(5) الزركشي: البرهان في علوم القرآن 1/ 241- 243

23

للإسلام، و إعظام الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، لهم‏ (1)، و منها (سادسا) ما ورد عن رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلم)- من طريق عثمان رضي الله عنه- من أنه «كان (صلى اللّه عليه و سلم)، تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشي‏ء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا»، و منها (سابعا) قول زيد بن ثابت:

«كنا عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، نؤلف القرآن من الرقاع‏ (2)، مما يدل على أن كتبة الوحي كانوا يتحرون أن تكون آيات كل سورة مجموعة مرتبة، بعضها إلى بعض، في مكان خاص، حتى يسهل عليهم تنفيذ أمر النبي عند ما ينزل الوحي، ليوضع في مكانه المحدد (3).

و منها (ثامنا) ما روي عن ابن عباس من أن النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، كان أجود الناس بالخير، و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي- (صلى اللّه عليه و سلم) القرآن‏ (4)، و في حديث فاطمة الزهراء- رضي اللّه عنها و أرضاها- قالت: «أسر إلي النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، و أنه عارضني العام مرتين، و لا أراه إلا حضور أجلي» (5).

و منها (تاسعا) ما جاء في قصة إسلام عمر بن الخطاب، من أن الرجل قد شكا له ما أحدثه الدين الجديد من فرقة بين أهل مكة،

____________

(1) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 308- 309

(2) الاتقان في علوم القرآن 1/ 60، مقدمتان في علوم القرآن ص 41- 42

(3) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن. القاهرة 1966 ص 78- 79

(4) نفس المرجع السابق ص 52، صحيح البخاري 1/ 287 (طبعة المطبعة البهية 1299 ه).

(5) ابن كثير: فضائل القرآن ص 44، البرهان 1/ 232، مقدمتان في علوم القرآن ص 26، مدخل إلى القرآن الكريم ص 36، مجموع فتاوى شيخ الإسلام احمد بن تيمية 13/ 395

24

اضطرت كثيرين منهم إلى الهجرة إلى الحبشة، فهداه تفكيره إلى أن الخلاص من هذه الأزمة الحادة، إنما يكمن في «قتل محمد الذي فرق أمر قريش و عاب دينها»، و من ثم فقد خرج متوشحا سيفه، فلقيه نعيم بن عبد الله، و أخبره أن اخته فاطمة و زوجها سعيد بن زيد بن الخطاب، قد أسلما و تابعا محمدا، فما كان من عمر إلا أن أسرع إليهما، و هناك سمع عندهما من يقرأ القرآن، فبطش بهما حتى شج أخته، غير أنه ما لبث غير قليل، حتى ندم على ما أصابها، و طلب منها أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون فيها- و كان بها سورة طه- و قرأ ابن الخطاب ما بالصحيفة، فأخذه إعجازها و جلالها و سمو الدعوة التي تدعو إليها، فذهب إلى الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم) و أسلم على يديه‏ (1)، و ليس من شك في أن هذه الصحيفة لم تكن إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين أيدي الذين أسلموا من أهل مكة، سجلت سورا أخرى من القرآن الكريم، و لقد ظل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) بين المسلمين في مكة و المدينة ثلاث عشرة سنة بعد إسلام عمر، كان يقول خلالها لأصحابه «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه»، و كان طبيعيا أن يكتب الصحابة كل ما يستطيعون كتابته من القرآن لتلاوته في الصلاة، و لمعرفة أحكام الدين الذي يؤمنون به، كما كان يكتب القرآن كذلك أولئك الذين كان يوفدهم النبي إلى القبائل لتعليم أهلها القرآن، و تفقيههم في الدين، و هم لم يكونوا يكتبونه آيات متقطعة، بل سورا متصلة، يمليها رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلم) (2).

و منها (عاشرا) أن ما كان يوحي إلى النبي متصلا بوحي سبق إليه‏

____________

(1) ابن الاثير: الكامل في التاريخ 2/ 84- 87، ابن الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب ص 11- 12، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 173- 174

(2) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 309- 310

25

كان الوحي يلحقه به، و من ذلك أن جبريل قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) حين أوحى إليه قوله تعالى‏ «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» «يا محمد ضعها في رأس ثمانين و مائتين من البقرة (1)»، و منها (حادي عشر) إن ترتيب السور و وضع البسملة في الأوائل، إنما هو توقيف من النبي، عليه الصلاة و السلام، حتى أنه عند ما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة، تركت بلا بسملة، و الأمر كذلك بالنسبة إلى تقديم سورتي البقرة و آل عمران، رغم نزول بضع و ثمانين سورة قبلهما، ذلك لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يقول: «ضعوا هذه السورة موضع كذا و كذا من القرآن‏ (2)».

و منها (ثاني عشر) أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، كثيرا ما كان يتلو في الصلاة- و في غير الصلاة- سورة كاملة، منها البقرة و آل عمران و النساء و الاعراف و النجم و الرحمن و القمر و الجن و غيرها، و هذا كله صريح في الدلالة على أن ترتيب الآيات في السور قد تمّ بتوقيف النبي، و أنه قبض و هذا الجمع تام معروف للمسلمين، ثابت في صدور القراء و الحفاظ (3)، و منها (ثالث عشر) ما نقله الرواة من أن رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: اقرأ القرآن في كذا ليلة يدعوه إلى التيسير، و هو يقول: إني اطيق أكثر من ذلك، إلى أن قال له: اقرأ القرآن في ثلاث ليال‏ (4)، و منها (رابع عشر) أن هناك كثيرا من أحاديث الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، تتحدث عن فضائل سور معينة (5).

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 310، تفسير القرطبي 1/ 60- 61، مقدمتان في علوم القرآن ص 41،

(2) تفسير القرطبي 1/ 59- 60، 8/ 61

(3) مقدمتان في علوم القرآن ص 26- 27، 29- 31، الصديق ابو بكر ص 311

(4) انظر روايات أخرى للحديث الشريف (مقدمتان في علوم القرآن) ص 27- 28

(5) مقدمتان في علوم القرآن ص 29- 30، 64- 74 [مقدمة كتاب المباني و مقدمة ابن عطية، و قد صححه و نشره الدكتور آرثر جفري- القاهرة 1954 م‏]

26

و منها (خامس عشر) ما تدل عليه الأخبار المروية عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، في تسمية سورة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» فاتحة الكتاب، فلو لا أنه (صلى اللّه عليه و سلم)، أمر اصحابه بأن يرتبوا هذا الترتيب عن أمر جبريل (عليه السلام)، عن اللّه عز و جل، لما كان لتسمية هذه السورة «فاتحة الكتاب» معنى، إذ قد ثبت بالإجماع أن هذه السورة ليست بفاتحة سور القرآن نزولا، فثبت أنها فاتحته نظما و ترتيبا و تكلما، (1)، و منها (سادس عشر) ما يروى عن ابن عباس أن النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، لم يكن يعلم ختم السورة حتى نزل‏ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، و هذا أيضا من أدل الدليل على أن ترتيب السور التي في أيدينا هو ما كان عليه في اللوح المحفوظ (2)، و أن السورة كانت تنزل في أمر يحدث، و الآية جوابا لسؤال، و يوقف جبريل رسول الله على موضع السورة و الآية، فاتساق السور كاتساق الآيات و الحروف، فكله عن رسول الله، عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات، و غير الحروف و الكلمات‏ (3).

(2) جمع القرآن في عهد أبي بكر

و جاء الصديق- رضي اللّه عنه و أرضاه- (11- 13 ه- 632- 634 م)، و كانت حروب الردة التي أبلى المسلمون فيها بلاء حسنا، و ليس من شك في أن أشدها عنفا و ضراوة، تلك التي دارت رحى الحرب فيها بين المسلمين- بقيادة خالد بن الوليد من ناحية، و بين المرتدين- بقيادة مسيلمة بن حبيب الكذاب- من ناحية أخرى، في‏

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 41- 42

(2) نفس المرجع السابق ص 41

(3) تفسير القرطبي 1/ 50- 51، 61 (القاهرة 1967)

27

مكان من الصحراء في طرف اليمامة يسمى «عقرباء» (1)، و انتهت بفرار مسيلمة و أتباعه، إلا أن المسلمين تبعوه، و اشتبك الفريقان من جديد، و قتل مسيلمة و عشرة آلاف من أتباعه، كما استشهد كثير من وجوه المسلمين و قراء القرآن الكريم- قيل سبعون، و قيل قريب من خمسمائة، و قيل سبعمائة- و سمي المكان الذي دارت فيه المعركة «حديقة الموت»، كما سمي يوم المعركة «بيوم اليمامة» (2).

و بدأ عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- يحس بالخطر الداهم، الذي لاحت نذره في معركة اليمامة، و يوشك أن يلتهم كل حفاظ القرآن من الصحابة- رضي اللّه عنهم- و هم الشهود العدول على وثاقة النص المكتوب، و قد كان مفرقا في لخاف و كرانيف و عسب. أضلاع و أكتاف، إلى جانب ما كان في الصدور، و لم يأخذ بعد صورة الكتاب الواحد، اللهم إلا في صدور الصحابة الذين جمعوه حفظا في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد بدأت الحرب تقرضهم واحدا إثر واحد (3).

و هكذا- و كما يروي الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت‏ (4)- أن الفاروق عمر جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، و إني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في كل المواطن،

____________

(1) أنظر عن «عقرباء»: ياقوت 4/ 135، البكري 3/ 950، كتاب الحربي ص 616 (حيث يضعها مكان بلدة الجبيلية الحالية على ضفة وادي حنيفة) ثم قارن: صحيح الأخبار 1/ 196، 2/ 169، 5/ 93

(2) ياقوت 2/ 232، 4/ 442، مروج الذهب 2/ 303، تاريخ ابن خلدون 2/ 74- 76 من القسم الثاني، صحيح الأخبار 1/ 196، ابن الاثير 2/ 360- 367، تاريخ الطبري 3/ 281- 301، الاتقان 1/ 59، تفسير القرطبي 1/ 50، فضل القرآن ص 15- 17، الصديق ابو بكر ص 152- 168

(3) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 102

(4) صحيح البخاري 2/ 196 (طبعة البهية)

28

فيذهب من القرآن كثير، و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن»، و يتردد الصديق بعض الوقت، خشية إن يفعل ما لم يفعله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ما يلبث أن يشرح اللّه صدره لهذا العمل الجليل، فيأمر باستدعاء زيد بن ثابت، حيث يكلفه بجمع القرآن، و يتردد زيد- كما تردد الصديق من قبل- لأنه لا يريد كصحابي أن يقوم بعمل ما لم يقم به النبي أو يأمر به، و لأنه كمؤمن يتحاشى مثل هذا العمل الخطير خشية أبسط الأخطاء و أتفهها في تنفيذ مهمته، و أخيرا يشرح اللّه صدره لذلك، و يتم الأمر بما كان محفوظا في صدور الرجال، و بما كان يكتب بين يدي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم) و يحفظ المصحف الشريف عند الصديق، ثم عند الفاروق عمر (13- 23 ه- 634- 644 م) من بعده، ثم عند أم المؤمنين «حفصة بنت عمر»- رضي اللّه عنهم أجمعين‏ (1).

و لعل هدف الفاروق- رضي اللّه عنه و أرضاه- من هذه الطريقة لم يقتصر على حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار، و في صورة يسهل الرجوع اليها، و إنما كان يقصد ايضا إقرار الشكل النهائي لكتاب اللّه الكريم و توثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة، و اعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاء كبيرة أو صغيرة (2).

____________

(1) الاتقان 1/ 59- 60، ابن الاثير 3/ 112، تفسير الطبري 1/ 59- 62، كتاب المصاحف ص 5- 10، 20، فضائل القرآن ص 14- 16، مقدمتان في علوم القرآن ص 17- 21 و كذا البرهان في علوم القرآن ص 233- 234، 239، تفسير القرطبي 1/ 49- 50، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 50- 51، الصديق أبو بكر ص 303- 312، محمد أبو زهرة القرآن ص 30- 31، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 251- 252 و كذاEI ,41 ,PP .1621 -2

(2) محمد عبد اللّه دراز: مدخل الى القرآن الكريم ص 36، و انظر: م. ج رستوفدوني: تاريخ القرآن و المصاحف ص 26- 27 (مترجم).

29

و لعل من الأهمية بمكان هنا الاشارة إلى أن الخليفة الراشد أبا بكر الصديق كان موفقا التوفيق كل التوفيق في مهمته الجليلة- و الخطيرة كذلك- لثقة الناس فيه‏ (1)، ثم لاختياره للصحابي الجليل «زيد بن ثابت»، ذلك الاختيار الذي توفرت له كل عوامل النجاح، لأسباب منها (أولا) أن زيدا كان شابا، و من ثم فهو أقدر على العمل من غيره، و هو لشابه أقل تعصبا لرأيه و اعتزازه بعلمه، و ذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة من القراء و الحفاظ، و التدقيق في الجمع دون إيثار لما حفظه هو، و منها (ثانيا) أن زيدا إنما كان من حفاظ القرآن الكريم، فقد وعاه كله، و رسول اللّه حي، ثم هو (ثالثا) من كتاب الوحي لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو فوق ذلك، كان معروفا بشدة ورعه، و عظم أمانته، و كمال خلقه، و استقامة دينه، فضلا عن نبوغ و ذكاء، و لعل كل ذلك، ما كان يعنيه الصديق من قوله: «إنك رجل شاب عاقل و لا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، فتتبع القرآن فأجمعه» (2)، و منها (رابعا) أنه من المتواتر أن زيدا إنما حضر العرضة الاخيرة للقرآن، حين عرضه رسول اللّه على جبريل للمرة الثانية، في السنة التي كانت فيها وفاته، (3)، و منها (خامسا) أن زيد بن ثابت- و إن كان في حداثة من السن في جانب أكابر الصحابة- فقد كان من أكابرهم في الفقه و الرأي، و كانت الرئاسة له بالمدينة في القضاء و الفتيا،

____________

(1)T .Noeldeke ,po -cit ,P .502

(2) الاتقان 1/ 59 البرهان ص 233، تفسير القرطبي 1/ 50، فضائل القرآن ص 14، تاريخ القرآن للزنجاني ص 17، مقدمتان في علوم القرآن 18، 25، 26، 51، 52، و أنظر لوبلوا حيث يقول- بعد أن أورد هذه الرواية- «من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة»-

( Leblois, le Koran et la Bible Hebraique, Paris, 7881, P. 74 )

(3) تفسير القرطبي 1/ 53، محمد أبو زهرة: القرآن ص 28، عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 107، محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 321

30

و القراءة و الفرائض في عهد عمر و عثمان و علي‏ (1).

و بدهي أن عملية جمع القرآن لم يقم بها زيد بن ثابت وحده، و إنما عاونه فيها الحفظة الكرام من صحابة النبي الاعلام، و أن زيدا سلك في سبيل الجمع الخطة المثلى، فما كان ليعتمد على حفظه- و إنه لحافظ- و لا على حفظ من استعان بهم- و انهم لحفاظ أمناء- و لكنه كان لا بد أن يعتمد على أمر مادي، يرى بالحس و لا يحفظ بالقلب وحده، فكان لا بد أن يرى ما حفظه مكتوبا في عصر النبي، (صلى اللّه عليه و سلم) و أن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي، و بإملائه عليه الصلاة و السلام، و قد تتبع القرآن بذلك آية آية، لا يكتب إلا ما رآه مكتوبا عن النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، في عهده، و يشهد شاهدان أنهما رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي و نقلاه، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين، فهو شهادة كاملة منهما (2)، و يروي ابن أبي داود- من طريق هشام بن عروة عن أبيه- أن أبا بكر قال لعمر و زيد: «أقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شي‏ء من كتاب اللّه فاكتباه» (3).

و هكذا يمكننا القول أن زيدا اتبع طريقة في الجمع نستطيع أن نقول عنها في غير تردد، أنها طريقة فذة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، و أنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث، و أن الصحابي الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، و أن هذه الدقة في جمع القرآن، متصلة بايمان زيد باللّه، فالقرآن كلام اللّه جل شأنه، فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وزر ما كان أحرص زيدا- في حسن إسلامه و جميل صحبته لرسول اللّه- أن يتنزه عنه، و لقد شهد المنصفون من‏

____________

(1) احمد أمين: فجر الاسلام ص 175، مقدمتان في علوم القرآن ص 50- 51

(2) محمد أبو زهرة: القرآن ص 31- 32، الاتقان في علوم القرآن 1/ 60

(3) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 106، الاتقان 1/ 60

31

المستشرقين جميعا بهذه الدقة، حتى ليقول «سير وليم موير»، «و الأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه و دقته» (1).

و يعلق الاستاذ أبو زهرة على هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه الشيخان- أبو بكر و عمر- و حمل عبأه زيد بن ثابت، مع جمع من المهاجرين و الأنصار، بحقيقتين هامتين، تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف و التغيير و التبديل، و أنه مصون بصيانة اللّه سبحانه و تعالى له، و محفوظ بحفظه، و إلهام المؤمنين بالقيام عليه و حياطته، أما أولى الحقيقتين، فهي أن عمل زيد هذا لم يكن كتابة مبتدأة، و لكنه إعادة لمكتوب، فقد كتب القرآن كله في عهد النبي، (صلى اللّه عليه و سلم) و عمل زيد الابتدائي هو البحث عما كتب عليه و التأكد من سلامته، بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات، و بحفظ زيد نفسه، و بالحافظين من الصحابة- و قد كانوا الجم الغفير و العدد الكبير- فما كان لأحد أن يقول إن زيدا كتب من غير أصل مادي قائم، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي، و أما الحقيقة الثانية، فهي أن عمل زيد لم يكن عملا آحاديا، بل كان عملا جماعيا من مشيخة صحابة رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شي‏ء مكتوب أن يجي‏ء به إلى زيد، و إلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه، و اجتمع لزيد من الرقاع و العظام و جريد النخل و رقيق الحجارة، و كل ما كتب أصحاب رسول اللّه، و عند ذلك بدأ زيد يرتبه و يوازنه و يستشهد عليه، و لا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى اثباتها، كما أوحيت إلى رسول اللّه، و استمر الأمر كذلك، حتى إذا ما أتمّ زيد ما

____________

(1) محمد حسين هيكل: المرجع السابق ص 323، و كذا

Sir William Muir, The Life of Mohammad and History of Islam, Edinburgh, 3291

32

كتب، تذاكره الناس، و تعرفوه و أقروه، فكان المكتوب متواترا بالكتابة، و متواترا بالحفظ في الصدور، و ما تمّ هذا لكتاب في الوجود غير القرآن، و تلك- ويم اللّه- عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن العظيم‏ (1).

(3) مصحف عثمان‏

و تمر الأيام، و تمضي السنون، و في عهد ذي النورين- عثمان بن عفان، رضي اللّه عنه و أرضاه- (24- 35 ه- 644- 656 م) تتسع الفتوحات الإسلامية، و يتفرق المسلمون في الأقطار و الأمصار، و يشرح اللّه صدر الخليفة الراشد إلى جمع القرآن الكريم في مصحف واحد، و ذلك في العام الرابع و العشرين (أو أوائل الخامس و العشرين) من هجرة المصطفى- عليه الصلاة و السلام- ثم كتب منه سبعة مصاحف‏ (2)، و بعث منها إلى كل من مكة و الشام و اليمن و البحرين و البصرة و الكوفة، و حبس بالمدينة واحدا (3)، و يبدو أن عبد اللّه بن مسعود، قد خالطه شي‏ء من غضب- كما سنوضح ذلك فيما بعد- و من ثم فقد أمر أصحابه بغل مصاحفهم، لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، غير أن الصحابي الجليل سرعان ما عاد إلى رأي جماعة المسلمين، و يروى أن الإمام علي- (كرم اللّه وجهه)- قال: «لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا»، و هكذا يتفق الأئمة الأربعة (أبو بكر و عمر و عثمان و علي)، على أن ذلك العمل العظيم، إنما كان من‏

____________

(1) محمد أبو زهرة: القرآن ص 33- 35، الصديق أبو بكر ص 322- 323

(2) اختلف العلماء في عدد هذه المصاحف، فمن قائل أنظر أربعة، و أن الخليفة بعث بها إلى الكوفة و البصرة و الشام، و ترك واحدا بالمدينة، و من قائل خمسة، و من قائل أنها سبعة (الاتقان 1/ 62، البرهان 2/ 240 و كذاT .Noeldeke ,op -cit ,P .432 )

(3) كتاب المصاحف ص 34

33

مصلحة الدين‏ (1) و يرى العلماء أن الفرق بين جمع أبي بكر و جمع عثمان، أن الأول كان عبارة عن جمع القرآن و كتابته في مصحف واحد مرتب الآيات على ما وقفهم عليه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خشية أن يذهب من القرآن شي‏ء، بسبب موت كثير من الحفاظ بعد موقعة اليمامة، و أن الثاني كان عبارة عن نسخ عدة نسخ من المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر لترسل إلى البلاد الإسلامية، و أن السبب في ذلك، إنما هو إختلاف بعض القراء في قراءة آيات من القرآن الكريم، ذلك أن «حذيفة بن اليمان»- فيما يروي الإمام البخاري في باب فضل القرآن، عن أنس بن مالك- قدم علي على عثمان بن عفان، بعد غزوة في أذربيجان و أرمينية، رأى فيها القوم من أهل العراق و الشام مختلفين على قراءة القرآن، فأخبره بالذي رأى، و طلب منه أن يدرك الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن إختلاف اليهود و النصارى في الكتب، و من ثم فإن الخليفة سرعان ما يرسل في طلب المصحف الذي عند حفصة، و يأمر زيد بن ثابت و سعيد بن العاص و عبد اللّه بن الزبير و عبد الرحمن بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، و قال لهم: «إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم»، ففعلوا ذلك حتى كتبت في المصاحف‏ (2)، و يروى أن هناك خلافا قد حدث على كتابة كلمة

____________

(1) فضائل القرآن ص 18- 19 البرهان 1/ 230، تفسير القرطبي 1/ 52- 55، فتاوى ابن تيمية 4/ 399- 400، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44- 46، و كذا

Schwally, Geschichte des Qurans, 8391. 2, P. 29

(2) الإتقان 1/ 60- 63، فتاوى ابن تيمية 15/ 251- 252، تفسير القرطبي 1/ 60- 62، السجستاني ص 18- 26 صحيح البخاري 6/ 98، فضائل القرآن ص 19، مقدمتان في علوم القرآن ص 51- 52، فتاوى ابن تيمية 13/ 396، قارن 13/ 409- 410، و كذاR .Blachere ,op -cit ,P .35 و كذاEI ,P .8701 و كذا عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 250- 252

34

«التابوت» التي جاءت في قوله تعالى: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» (1)، أ يكتبونه بالتاء أو الهاء، فقال زيد: إنما هو «التابوة»، و قال الثلاثة القرشيون: إنما هو «التابوت»، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم» (2).

و القضية التي ينبغي أن نناقشها الآن- فيما يرى الدكتور عبد الصبور شاهين- هي أهمية عمل عثمان من الناحية القرائية، فإذا كان عمل عثمان مقتصرا على نسخ مصاحف عدة من المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر، فأية قيمة يمكن أن تكون لهذا العمل؟ و قد يزداد الأمر أهمية، إذا ما علمنا أن مصحف أبي بكر كان مكتوبا- كما هو المنطق- على حرف واحد، و الأمر كذلك بالنسبة إلى كتاب الوحي على عهد رسول اللّه، و إذا كان زيد بن ثابت- طبقا لما ورد في الأحاديث الصحيحة- من أكثر كتاب الوحي ملازمة لرسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) ثم هو قد قام بكتابته على عهد أبي بكر، و على عهد عثمان، فان ذلك يدلنا على أن منهج الكتابة كان واحدا في المراحل الثلاثة تقريبا، إلا ما ارتآه عثمان من تجريد رسمه من الإعجام حتى يتسع الرسم لكثير من الوجوه التي صح نقلها عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أي إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون، و لها أصل نبوي مجمع عليه، ثم إن هدفا آخر قد تحقق بعمل عثمان، هو التقريب اللغوي ما بين وجوه القراءة المتلوة آنذاك في الأمصار المختلفة، و القضاء على الخلاف الذي كاد أن يعصف‏

____________

(1) سورة البقرة: آية 248 و انظر: و تفسير الطبري 5/ 315- 328، تفسير الكشاف 1/ 293- 294 (دار الكاتب العربي- بيروت)، تفسير ابن كثير 1/ 445- 446، تفسير و جدي ص 51

(2) تفسير القرطبي 1/ 54، فضائل القرآن ص 20، البرهان 1/ 376، الاتقان 1/ 98، مدخل الى القرآن الكريم ص 38- 39، مقدمتان في علوم القرآن ص 19، محمد أبو زهرة ص 39

35

بوحدة الجماعة، أي أن عمل عثمان كان من مقاصده أساسا نشر النص القرآني بلسان قريش، و إرساء هذا التقليد اللغوي الذي سبقته مقدمات كثيرة في عهد أبي بكر و عمر، رضي اللّه عنهما، ذلك لأن الخليفة الراشد إنما كان يعتبر التمارى في القرآن نوعا من الكفر (1).

و من ثم فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من أنه قد يكون هناك غرض سياسي بقصد التقليل من نفوذ القراء الذي تزايد بسبب أنهم وحدهم الذين يعرفون مضمون القرآن، بأن يوجد له نصا مقروءا (2)، فما كان للسياسة دخل عند صحابة رسول اللّه في شئون القرآن الكريم.

و على أي حال، فلقد ساعد عثمان على تحقيق أهدافه من جمعه للقرآن، أنه قد أمر بإحراق كل ما عدا مصحفه من صحف أو مصاحف كان قيّدها الصحابة و الآخذون عنهم، و قد انصاع الناس لأمره في سائر الأمصار، فيما عدا ما روي عن عبد اللّه بن مسعود من أنه عارض ذلك، و أمر الناس في الكوفة بالتمسك بمصحفه- كما أشرنا آنفا- لشبهة اعترته، هي ظنه أن زيدا قد انفرد بالعمل، و قد كان هو أولى من يقوم به، فلما علم بعد ذلك أن موقفه قائم على شبهة لا أكثر، و أن المصحف الذي أرسله عثمان هو نسخة من جمع أبي بكر، الذي أخذ عن صدور الرجال، و عن العسب و اللخاف، التي كتبت على عهد رسول اللّه و بإملائه، و إن زيدا لم ينفرد بالعمل، بل شاركه فيه جمع كبير من الصحابة، و أجمع عليه المسلمون جميعا، وافق اقتناعا أولا، و حفاظا على وحدة الأمة ثانيا، و بذلك تمت موافقة الأمة كلها على مصحف عثمان، حتى قال مصعب بن‏

____________

(1) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 116- 117، البرهان 1/ 235- 236، البخاري 3/ 196- 197

(2) عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 252، قارن‏R .Blachere ,oc -cit PP .65 -06

36

سعد: «أدركت الناس متوافرين حين أحرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، و قال: لم ينكر ذلك منهم أحد»، و قال الإمام علي- (كرم اللّه وجهه)- لرجل كوفي عاب عثمان بجمع الناس على المصحف، «اسكت، فمن ملأ منا فعل ذلك، فلو وليت منه ما وليّ عثمان لسلكت سبيله» (1).

و يقرر «نولدكه» أن ذلك كله يعد أقوى دليل على أن النص القرآني على أحسن صورة من الكمال و المطابقة (2)، كما يؤكد «لوبلوا» أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير (3)، و كان «سيروليم موير» قد أعلن من قبل: أن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، و لقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها و المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، و هذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة و دليل على صحة النص المنزل الموجود معنا (4).

و هكذا يبدو واضحا- من كل ما سبق- أنه ليس صحيحا ما يزعمه البعض من أن جمع القرآن قد تأخر إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان‏ (5)،

____________

(1) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 117، كتاب المصاحف ص 13- 18، فضائل القرآن ص 22- 23، تفسير القرطبي 1/ 52- 54، مقدمتان في علوم القرآن ص 45- 46، ابن الاثير 3/ 111- 112، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44، مدخل الى القرآن الكريم ص 49- 50

(2)T .Noeldeke ,op -cit ,P .39

(3) مدخل إلى القرآن الكريم ص 40 و كذا،Leblois op -cit ,

(4) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 40، و كذا

B. St. Hilaire, Mahomet W. Muir, The Life of Mohammad

و كذاet le Koran ,P .33

(5) عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 18، و كذاA .Guiltaume ,Islam .P .P .55 -95

37

ذلك لأن القرآن الكريم كان كله مسجلا في صحف- و إن كانت مفرقة- و في صدور الصحابة، قبل أن ينتقل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلى، و أنه قد جمع في مصحف واحد على أيام الصديق، و أن هذا المصحف قد أودع عنده، ثم عند الفاروق من بعده، ثم عند حفصة أم المؤمنين‏ (1)، و في عهد عثمان- رضي اللّه عنهم أجمعين- نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى الآفاق الإسلامية، بمشورة من حضره من صحابة رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، و أن الإمام علي- (كرم اللّه وجهه)- قد ارتضى هذا العمل الجليل و حمد أثره‏ (2)، و معنى هذا ببساطة أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر- هو نفس المصحف الذي كتب على أيام الرسول- (صلوات اللّه و سلامه عليه)- و هو نفسه الذي كتب على أيام عثمان‏ (3)، و بالتالي فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، و أن الشك فيه كفر، و أن الزيادة عليه لا تجوز، و أنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة (4).

____________

(1) فضائل القرآن ص 15، كتاب المصاحف ص 5، مقدمتان في علوم القرآن ص 23، البرهان 1/ 59

(2) هناك رواية تنسب فضل السبق في جمع القرآن إلى الإمام علي (كرم اللّه وجهه)، إذ يروي أشعث عن ابن سيرين أنه لما توفي الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، أقسم على ألا يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل أبو بكر إليه بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا و اللّه، إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع، و يقول السجستاني: أن أحدا لم يذكر كلمة مصحف إلا أشعث، و هو لين الحديث، و إنما رووا حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن، قد جمع القرآن (انظر: كتاب المصاحف ص 10، الاتقان 1/ 59، تاريخ القرآن ص 104- 105) و الأمر كذلك بالنسبة الى جمع عمر بن الخطاب (كتاب المصاحف ص 10- 11) إلا إذا كان المراد أول من أشار بجمعه (الاتقان 1/ 58)

(3) للمقارنة بين تدوين القرآن الكريم و غيره من الكتب المقدسة، أنظر عن التوراة (كتابنا إسرائيل ص 24- 45) و عن الانجيل (المدخل الى الكتاب المقدس، احمد شلبي:

المسيحية ص 153- 160)

(4) محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1/ 80- 86، فتاوى ابن تيمية 13/ 420- 421، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 51- 55، و كذاW .Muir ,op -cit ,P .XIV -XIXX

38

(4) القرآن كمصدر تاريخي‏

القرآن الكريم كمصدر تاريخي لا ريب أنه أصدق المصادر و أصحها على الاطلاق، فهو موثوق السند- كما بينّا آنفا- ثم هو قبل ذلك و بعده كتاب اللّه الذي‏ «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)»، و من ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه‏ (2) بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، فقد دون في البداية بإملاء الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، و تلي فيما بعد و حمل تصديقه النهائي قبل وفاته‏ (3)، و لأن القصص القرآني إنما هو أنباء و أحداث تاريخية، لم تلتبس بشي‏ء من الخيال، و لم يدخل عليها شي‏ء غير الواقع‏ (4)، و أنه كما يقول سبحانه و تعالى‏ «وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ» (5)، ثم أن اللّه عز و جل قد تعهد- كما أشرنا من قبل- بحفظه دون تحريف أو تبديل.

و يرى الدكتور دراز أن تسمية القرآن الكريم، بالقرآن و بالكتاب، إنما تعني الأولى كونه متلوا بالألسن، بينما تعني الثانية كونه مدونا بالأقلام، و أن في تسمية القرآن الكريم بهذين الاسمين، إشارة إلى أن اللّه سوف يحفظه في موضعين، لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور و السطور جميعا، أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى، فلا ثقة لنا لحفظ حافظ، حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، و لا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح‏

____________

(1) سورة فصلت: آية 42

(2) طه حسين: في الأدب الجاهلي- القاهرة 1933 ص 68

(3) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 49

(4) عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني، القاهرة 1964 ص 52

(5) سورة الإسراء: آية 105

39

المتواتر (1).

و بهذه العناية المزدوجة التي بعثها اللّه في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها، بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد اللّه الذي تكفل بحفظه، حيث يقول‏ «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (2)، و لم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف و التبديل و انقطاع السند، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها، بل و كلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: «وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ» (3)، أي بما طلب إليهم حفظه، و السر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جي‏ء بها على التوقيت لا التأييد، و أن هذا القرآن جي‏ء به مصدقا لما بين يديه من الكتب و مهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء اللّه زيادته، و كان سادا مسدها و لم يكن شي‏ء فيها يسد مسده، فقضى اللّه أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، و إذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه، و هو الحكيم العليم‏ (4).

غير أني أودّ أن أنبه- بعد أن أستغفر ربي العظيم كثيرا- إلى أن القرآن الكريم لم ينزّل كتابا في التاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، و إنما هو كتاب هداية و إرشاد للتي هي أقوم‏ (5)، أنزله اللّه، سبحانه و تعالى- ليكون دستورا للمسلمين، و منهاجا يسيرون‏

____________

(1) محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم، و نظرات جديدة في القرآن من 12، 13

(2) سورة الحجر: آية 9

(3) سورة المائدة: آية 44

(4) محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 13، 14

(5) سورة الإسراء: آية 9

40

عليه في حياتهم، يدعوهم إلى التوحيد (1) و إلى تهذيب النفوس، و إلى وضع مبادئ للأخلاق‏ (2)، و ميزان للعدالة في الحكم‏ (3)، و استنباط لبعض الأحكام‏ (4)، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فإنما للعبرة و العظة (5).

و في الواقع إن في القرآن الكريم لقصصا شتى من غير قصص الدعوة، أو قصص الجهاد في تبليغ الرسالة، و لكنها تراد كذلك لعبرتها، و لا تراد لأخبارها التاريخية، و منها قصة يوسف، و قصة إسماعيل (عليهما السلام)، فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية، من حسد الأخوة، إلى غواية المرأة، إلى ظلم السجن، إلى تكاليف الولاية و تدبير المصالح في إبان الشدة و المجاعة، و قصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية من عهد الطفولة كذلك، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة و عن الزاد و الماء، و إن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء، و هي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت- في معظم مجتمعات الشرق القديم- لا تتورع عن الذبائح البشرية، و بين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة، و لكنها تتورع عن ذبح الإنسان، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، أن تنتمي إليه أمة ذات شعوب و قبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام‏ (6).

____________

(1) انظر مثلا في قصة نوح (سورة نوح آية 2- 20) و في قصة يوسف (يوسف: آية 37- 40) و في قصة عيسى (النساء: آية 171- 172، آل عمران: آية 59، المائدة: آية 71، 76)

(2) أنظر مثلا (البقرة: آية 44، الاعراف: آية 85- 87، هود: آية 84- 88)

(3) أنظر مثلا في قصة داود (ص: آية 21- 26)

(4) أنظر مثلا في قصة هابيل و قابيل (المائدة: آية 27- 32، 42- 50، البقرة: آية 178- 179)

(5) راجع عن أهداف القرآن و مقاصده: تفسير المنار 1/ 206- 293

(6) عباس العقاد: الإسلام دعوة عالمية ص 218- 219

41

و هكذا، و عن طريق القصص القرآني، يقدم لنا كتاب اللّه العزيز، معلومات هامة عن عصور ما قبل الإسلام و أخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، فيقدم لنا- عن طريق قصة موسى- كثيرا من المعلومات عن الملكية الإلهية في مصر الفرعونية، و عن الأحوال السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فيها (1)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى قصة إبراهيم، حيث تقدم لنا الكثير عن العراق القديم‏ (2).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أبرز قصص الأنبياء في القرآن الكريم، إنما هما قصتا إبراهيم و موسى (عليهما السلام)، فهما قصتان مسهبتان في أجزائه، ربما لأنهما ترويان نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارة الإنسانية و هما أمة وادي النهرين و أمة وادي النيل، و من أجل ذلك كانت القصتان أو في القصص بين جميع قصص الأنبياء، و كانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم‏ (3).

و أما عن بني إسرائيل، فليس هناك من شك في أنه ليس هناك كتاب سماوي- حتى التوراة نفسها- قد فصل الحديث عن بني إسرائيل، و أفاض في وصف يهود و أحوالهم و أخلاقهم، و أبان مواقفهم من الأنبياء، كما فعل القرآن الكريم، و صدق اللّه العظيم، حيث يقول: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (4).

____________

(1) انظر عن قصة موسى (البقرة: آية 47- 74، الأعراف: آية 103- 155، يونس: آية 75- 93، طه: آية 9- 99، الشعراء: آية 10- 68، القصص: آية 3- 44، غافر:

آية 23- 54)

(2) أنظر عن قصة إبراهيم (البقرة: آية 258، الإنعام: آية 74- 83، مريم: آية 41- 50، الأنبياء: آية 51- 73، الشعراء: آية 69- 89، الصافات: آية 83- 113

(3) عباس العقاد: المرجع السابق ص 218

(4) سورة النمل: آية 76

42

و أما عن بلاد العرب، فإنك تجد في كتاب اللّه الكريم سورة تحمل اسم مملكة في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام- و أعني بها سورة سبأ- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد- دون غيره من الكتب المقدسة- بذكر أقوام عربية بادت، كقوم عاد (1) و ثمود (2)، فضلا عن قصة أصحاب الكهف‏ (3) و سيل العرم‏ (4)، و قصة أصحاب الأخدود (5) إلى جانب قصة أصحاب الفيل‏ (6)، و هجرة الخليل و ولده إسماعيل (عليهما السلام) إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك‏ (7)، و صدق اللّه العظيم، حيث يقول‏ «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» (8)، و يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ» (9)، و يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» (10)، و يقول: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ، وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً

____________

(1) الاعراف: آية 65، هود: آية 50- 60، الشعراء: آية 123- 140

(2) الاعراف: آية 73- 79، هود: آية 61- 68، الشعراء: آية 141- 159

(3) سورة الكهف: آية 9- 26

(4) سورة سبأ: آية 15- 19

(5) سورة البروج: آية 4- 10

(6) سورة الفيل‏

(7) سورة البقرة: آية 124- 131، سورة إبراهيم: آية 35- 41

(8) سورة هود: آية 49

(9) سورة يوسف آية 102

(10) سورة آل عمران: آية 44

43

ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (1) و يقول: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ» (2) و يقول‏ «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ» (3) و يقول‏ «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (4).

و صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حيث يقول في وصف القرآن:

«كتاب اللّه تبارك و تعالى، فيه نبأ من قبلكم، و خبر ما بعدكم، و حكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، و من ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه، هو حبل اللّه المتين و نوره المبين، و هو الذكر الحكيم، و هو الصراط المستقيم، و هو الذي لا يزيغ به الأهواء، و لا تلتبس به الألسنة، و لا تتشعب معه الآراء، و لا يشبع منه العلماء، و لا يمله الأتقياء، و لا يخلق على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه، و هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، و من قال به صدق، و من حكم به عدل، و من عمل به أجر، و من دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم‏ (5)».

على أنه يجب أن نلاحظ جيدا، أن هدف القرآن من قصصه، ليس التأريخ لهذا القصص، و إنما عبرا تفرض الاستفادة بما حل بالسابقين،

____________

(1) سورة القصص: آية 44- 46

(2) سورة هود: آية 120

(3) سورة الكهف: آية 13

(4) سورة يوسف: آية 111

(5) الاتقان 2/ 151، سنن الترمذي 2/ 149، مقومتان في علوم القرآن ص 59، تفسير القرطبي 1/ 5، محمد ابو زهرة: القرآن ص 15

44

و زجرا لخصوم الإسلام من قريش، ثم تثبيتا لقلب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أمام أذى الكافرين، حيث شاءت رحمة اللّه بالمصطفى المختار، أن تخفف عنه الشدائد و الآلام، عن طريق قصص الأنبياء و المرسلين، حيث يذكره اللّه- جل و علا- بما لاقاه أخوة كرام له من عنت الضالين، و بغي الكافرين، فما وهنوا و ما استكانوا، و ما ضعفوا و ما تخاذلوا، و لكنهم صبروا و صابروا، و من هنا يخاطب اللّه رسوله الكريم في كتابه العزيز: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ» (1)، كما أن في هذا القصص بيان ما نزل بالأقوياء الذين غرهم الغرور، و الجبابرة الذين طغوا في البلاد، و أكثروا فيها الفساد، و اللّه من ورائهم محيط (2)، و مع ذلك فيجب ألا يغيب عن بالنا- دائما و أبدا- أن هذا القصص إن هو إلا الحق الصراح، و صدق اللّه حيث يقول‏ «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً» (3)، و يقول‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ» (4)، و يقول: «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» (5)، و يقول: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» (6)، و يقول:

«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ» (7)، و يقول: «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ» (8)، و يقول: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» (9)، و يقول‏ «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ‏

____________

(1) سورة هود: آية 120

(2) محمد أبو زهرة: القرآن ص 203

(3) سورة النساء: آية 87

(4) سورة آل عمران: آية 62

(5) سورة البقرة: آية 252

(6) سورة آل عمران: آية 3

(7) سورة الكهف: آية 13

(8) سورة فاطر: آية 31

(9) سورة الرمز: آية 2 و أنظر الآية 41

45

يُؤْمِنُونَ» (1) و يقول‏ «وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» (2).

و من هنا فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض، من أن المنطق العاطفي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن الكريم، و معنى هذا أن القصص التاريخي في القرآن، إنما هو قصص أدبي أولا و أخيرا، و أن الأساس الذي كان يلحظه القرآن دائما في نفوس المعاصرين للنبي عليه الصلاة و السلام، إنما هو القدرة على التأثير (3) و أن مقابلة القصص القرآني و أحداثه و شخصياته بالحقائق التاريخية يكشف عن مفارقات كبيرة تفتح المجال لمن يريدون أن ينالوا من القرآن و أن يشككوا في صحته، و في صدق النبي، و أنه تلقى القرآن من السماء (4)، ذلك لأنك إن قرأت ما ورد في القرآن الكريم من قصص، فإنك لن تجد شيئا من المبالغات التي وصلت إلينا في كتب التاريخ، أو في توراة اليهود المتداولة اليوم، فضلا عن أن ما ذكره القرآن الكريم صحيحا تؤيده الاكتشافات الحديثة (5) و من عجب أن المستشرقين إنما قد سبقوا أصحاب هذا الإتجاه، إلى الشك فيما جاء في القرآن الكريم، و ليس له نظير في التوراة- كقصة عاد و ثمود- ثم سرعان ما تبيّن لهم أن عادا و ثمودا مذكورتان في جغرافية بطليموس، و أن هناك الكثير من النصوص التاريخية التي تتحدث عن ثمود- كما سنرى فيما بعد- فضلا عن أن الكتاب اليونان و الرومان، إنما ذكروا اسم عاد مقرونا باسم إرم، كما جاء في القرآن الكريم‏ (6) و صدق اللّه العظيم، حيث‏

____________

(1) سورة الجاثية: آية 6

(2) سورة محمد: آية 2

(3) محمد احمد خلف اللّه: الفن القصصي في القرآن ص 137- 138، 248، 305، 337

(4) مقدمة كتاب الفن القصصي في القرآن، و كذا ص 174- 177، عبد الكريم الخطيب:

القصص القرآني ص 295، 320- 339. و راجع: محمود شلتوت: تفسير القرآن الكريم، القاهرة 1973 ص 45- 50، 273 (رأيه في الأمثال المضروبة في القرآن).

S. Tisdall, The Sources of the Koran, P. 6 IFF

(5) جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص 13

(6) عباس العقاد: مطلع النور، أو طوالع البعثة المحمدية ص 61

46

يقول: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (1)، و حيث يقول‏ «وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» (2)، و حيث يقول‏ «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» (3).

و ليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه البعض من أنه لا شك أن إشارات القرآن الكريم إلى كثير من القصص، إنما هو دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائد الذي كان يتداوله الناس في بلاد العرب‏ (4)، ذلك لأن العرب ما كانوا يعرفون شيئا عن كثير من قصص القرآن، و على سبيل المثال، فإن القرآن الكريم يختم قصة نوح بقوله تعالى‏ «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا»، فلو كان العرب يعرفون هذه القصة مثلا، و أنها كانت من قصصهم الشعبي الذي يتداولونه في أسمارهم، أ فكان العرب- و فيهم أشد أعداء النبي- من يسكت على قوله تعالى‏ «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا»؟

أ ليس من المنطق أن أعداء المصطفى، (صلى اللّه عليه و سلم)- و قد كانوا دائما على يقظة يتمنون أقل ثغرة، ليوجهوا من خلالها ضرباتهم، و يحولوها إلى سخرية و استهزاء- سوف يجيبونه أنهم يعرفون القصة، بل و أنها من أساطيرهم التي تفيض بها مجالسهم و نواديهم، و لكن التاريخ لم يحدثنا عمن أنكر على الرسول هذه الآية الكريمة، مما يدل على أن ما جاء به القرآن الكريم‏

____________

(1) سورة المائدة: آية 48، و أنظر تفسير أبي السعود 3/ 33 و تفسير الكشاف 1/ 639- 640، تفسير روح المعاني 6/ 151- 155، تفسير الطبرسي 6/ 110- 113، في ظلال القرآن 6/ 178- 182 (دار إحياء التراث العربي- بيروت 1961)، تفسير الطبري 10/ 377- 391 (دار المعارف- القاهرة 1957)

(2) سورة الإنعام: آية 92

(3) سورة فاطر: آية 31

(4) الأدب العربي الحديث ص 302 (من مقررات طلاب البكالوريا الأدبية السورية)، محمد سعيد رمضان البوطي: من روائع القرآن- دمشق 1972، ص 237.

47

من أخبار الأمم البائدة، كان شيئا يكاد يجهله العرب جهلا تاما، و إن كان يعلم بعضا منه أهل الكتاب الذين درسوا التوراة و الإنجيل‏ (1).

(5) القصص القرآني و التوراة

و ليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن القرآن الكريم، قد اعتمد إلى حد كبير في قصصه على التوراة و الإنجيل‏ (2)، و زاد بعض من تابعهم من الباحثين العرب على ذلك أن القرآن الكريم جعل هذه الأخبار مطابقة لما في الكتب السابقة، أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار، حتى ليخيل إلينا أن مقياس صدقها و صحتها من الوجهة التاريخية، و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة، أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار (3)، و ذهب «مالك بن نبي» أن هناك تشابها عجيبا بين القرآن و الكتاب المقدس (التوراة و الانجيل)، و أن تاريخ الأنبياء يتوالى منذ إبراهيم إلى زكريا و يحيى و مريم و المسيح، فأحيانا نجد القرآن يكرر نفس القصة، و أحيانا يأتي بمادة تاريخية خاصة به مثل هود و صالح و لقمان و أهل الكهف و ذي القرنين‏ (4)، و من عجب أن صاحب كتاب «من روائع القرآن» ينقل عنه- فيما يزعم- أن القرآن جاء بقصص الأنبياء السابقين و الأمم الغابرة، على نحو يتفق جملة و تفصيلا مع ما أثبتته التوراة و الإنجيل من عرض تلك الأخبار و القصص، و أن ذلك دليل لا يقبل الشك بأن هذا القرآن ما كان حديثا يفترى‏ (5)، و لكنه وحي من اللّه‏

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 238- 240

(2) جولدتسهير: العقيدة و الشريعة في الإسلام، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى ص 12، 15، و كذا

Alfred Guillaume, Islam,( Pelican Books ), 4691, PP. 16- 26

(3) محمد أحمد خلف اللّه: المرجع السابق ص 22، و أنظر ص 27- 28، 45، 174- 177، 182

(4) مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص 251

(5) محمد سعيد البوطي: المرجع السابق ص 221

48

عز و جل‏ (1).

و الحقيقة غير ذلك تماما لأسباب كثيرة، منها (أولا) أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) لم يغادر مكة، إلا في رحلة يحيط بها الشك، صاحب فيها عمه أبا طالب، و هو في التاسعة من عمره‏ (2)، و ثانية و هو في الخامسة و العشرين في فترة قصيرة كان لا يكاد ينفك فيها عن قومه و رفاقه، و قد ذهب بعض المستشرقين- و منهم جولدتسهير- (3) إلى أن لهذه الرحلة أثرا في نظام النبي الإصلاحي، غير أن بعضا آخر، إنما يشك في ذلك لعدم وجود أية إشارة في القرآن الكريم عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية، و إن كان يتوسع في الحديث عن أعماق روح المسيحية الشرقية (4)، و الواقع أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) حتى لو افترضنا جدلا بأنه قد اتصل بالمسيحية في ذلك الوقت- و هذا ما نرفضه- فإنه سوف لا يجد- فيما يرى سال- إلا ما ينفره من المسيحية، بسبب أطماع رجال الدين، و الانشقاق بينهم و الخلافات على أتفه الأسباب، و كان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم، قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفضل جدالهم المستمر حول‏

____________

(1) من عجب أن الدكتور البوطي ينقل كل ذلك دون تعليق، و المستشرقون المبغضون للقرآن لم يقولوا اكثر من ذلك، فضلا عن أن الجملة التي جاءت في كتاب «الظاهرة القرآنية» لا تعني ما ذهب إليه، و إن اقتربت منه‏

(2) يتفق الباحثون الآن على أن مقابلة بحيري الراهب- إن صحت- فهي لا تعدو نبوءة في مضمونها توقع بعثة هذا الشاب (أي محمد) رسولا في المستقبل (انظر: هيورات: مصدر جديد للقرآن، الجريدة الأسيوية، عدد يوليو- اغسطس 1904)

(3)

Goldziher, le Dogme et la Loide L`Islam, P. 4 Sprenger, Cite Par Huart, one Nouvelle Source Du Koran, P. 821

و كذا

T. Andrae, Mohomet, Sa vie et Sa Doctrine, P. P. 73- 8.

و كذا

49

طريقة فهمها (1)، و هكذا- و كما يقول تايلور- إن كل ما كان يقابله محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أتباعه في كل اتجاه، لم يكن إلا خرافات منفرة، و وثنية منحطة و مخجلة، و مذاهب كنسية مغرورة، بحيث شعر العرب ذو العقول النيرة، بأنهم رسل من قبل اللّه مكلفين بما ألم بالعالم من فساد، و عند ما أراد «موشايم» وصف هذا العصر، رسم صورة مقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل و الأواخر؛ و خرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع الميلادي، كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات و الأوهام، حتى إنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها (2)، و كما يقول الدكتور محمد عبد اللّه دراز، إن هذه الصفحات تبدو، و كأنها كتبت لتفسر الآية الكريمة (3) «وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (4)، و لعل كل هذه الأسباب هي التي دفعت «هوارت» إلى أن يقرر في النهاية أنه مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (يعني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)) قد تأثر بقوة عند ما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسورية، فإنه يتحتم استبعادها، نظرا لضعف الوثائق و الأسس التاريخية الصحيحة (5).

____________

(1)

Georges Sale, Observations Historiques et Critiques sur le mahometisme, p. 86- 17

(2) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 135- 138

(3) نفس المرجع السابق ص 138

(4) سورة المائدة: آية 14 و انظر: تفسير الطبري 10/ 135- 140 (دار المعارف- القاهرة 1957)، تفسير الكشاف 1/ 616- 617 (دار الكاتب العربي، بيروت)، تفسير روح المعاني 6/ 95- 97 (دار احياء التراث العربي، بيروت)، تفسير مجمع البيان 6/ 54- 55 (دار مكتبة الحياة، بيروت 1961)، في ظلال القرآن 6/ 104، 107- 108 (دار احياء التراث العربي، بيروت 1961)، تفسير الجواهر (طنطاوي جوهري) 3/ 151 (المكتبة الاسلامية- طبعة ثالثة 1974)

(5) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 138 و كذا

Huart, une nouvelle Source du Koran, 4091, P. 921

50

و منها (ثانيا) أن النبي نشأ أميا لا يقرأ و لا يكتب‏ (1)، و لم تكن نشأته بين أهل الكتاب حتى يعلم بالتلقين علمهم، و الفئة القليلة المستضعفة التي وجدت في مكة منهم، تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، و كانت تعد من أجهل سكان المدينة المقدسة و أحطهم مقاما في المجتمع الانساني، يحترفون بدني‏ء الحرف، كخدمة بعض العرب، أو الاتجار في أشياء حقيرة، كبيع النبيذ، و غير ذلك مما يقوم به المستضعفون الذين يقطنون الأحياء المنزوية (2)، ثم إن هؤلاء المطمورين لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب، و لكن بصفة خاصة- و هنا تتركز حجة القرآن‏ (3) كانت لغتهم الأجنبية حاجزا أمام النبي‏ (4)، و في نفس الوقت كان قوم محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، أميين، لا يسود فيهم علم من أي طريق كان، إلا أن يكون علم الفطرة و البيان، و لم تكن عندهم مدرسة يتعلمون فيها، و لا علماء يتلقونه عليهم، لقد كانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب، و المعرفة في أي باب من أبوابها، يقول سبحانه و تعالى‏ «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (5)، و كانت رحلتا الصيف و الشتاء إلى الشام و اليمن تجاريتين لا تتصلان بالعلم في أي باب من أبوابه، و لا منزع من منازعه‏ (6) و منها (ثالثا) أنه لم يثبت أنه كان بمكة أو ضواحيها أي مركز ثقافي‏

____________

(1) سورة العنكبوت: آية 48

(2) مؤتمر سورة يوسف 2/ 1310، مدخل إلى القرآن الكريم ص 134، و كذاHuart و كذاop -cit .P .131 Masse ,L`Islam ,Paris ,7391 ,P .12

(3) سورة النحل: آية 103

(4) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 135، و كذا

Pere Lammens, L`Islam Croyance et Institution, 6291, P. 82

(5) سورة الجمعة: آية 2

(6) محمد أبو زهرة: القرآن ص 363

51

ديني ليقوم بنشر فكرة الكتاب المقدس التي عبر عنها القرآن‏ (1)، و منها (رابعا) أنه لو كانت الفكرة اليهودية المسيحية قد تغلغلت حقا في الثقافة و البيئة الجاهلية، لكانت هناك ترجمة عربية للكتاب المقدس، الأمر الذي لم يثبت على الإطلاق، بل إن الآية الكريمة «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (2)، نشير إلى أنه لم يكن بين العرب من يعرف العبرية، فضلا عن عدم وجود ترجمة عربية للتوراة (3)، قبل عام 718 م، و أما ترجمة الانجيل، فلم تكن هناك حاجة إليها، إلا في القرن التاسع و العاشر الميلادي، بل إن القس «شيدياك» ليصرح بأنه لم يتمكن من الرجوع بتاريخ أقدم ترجمات العهد الجديد (الانجيل) باللغة العبرية إلى أبعد من القرن الحادي عشر الميلادي‏ (4).

و منها (خامسا) الخلاف الجوهري بين القرآن و الانجيل في أمور

____________

(1) مالك بن نبي: المرجع السابق ص 310

(2) سورة آل عمران: آية 93

(3) مالك بن نبي: المرجع السابق ص 311- 312، راجع ترجمات التوراة في كتابنا «إسرائيل» ص 48- 51

(4) انظر: شيدياك: دراسة عن الغزالي الفصل السابع، مقالة «مس بادويك» عن أصل الترجمة العربية للكتاب المقدس، مجلة «العالم الاسلامي» عدد آبريل 1939، مدخل إلى القرآن الكريم ص 138- 142، و كذاLeblois ,op -cit ,P .53 و كذاS .Tisdll ,op -cit ,P .53

52

رئيسية- كألوهية المسيح و صلبه و عقيدة التثليث‏ (1)- فضلا عما أشار إليه القرآن من تحريف النصارى لإنجيل المسيح (عليه السلام)، و منها (سادسا) أن السور المكية- و هي التي نزلت قبل هجرة الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، الى المدينة، حيث يوجد اليهود، هي التي تعرض أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة (2)، و لم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها و غالبا في تلميحات موجزة (3)، و منها (سابعا) أن القرآن الكريم يختلف اختلافا جوهريا في أمور رئيسية مع التوراة كذلك، و من ثم فإن الخلاف بين قصص القرآن و حكايات التوراة واضح الى حد كبير.

____________

(1) أنظر: النساء: آية 171، المائدة 17، 72- 75، 116 و التوبة: آية 30- 31، النساء:

آية 157 و انظر عن هذه الآيات الكريمة:

تفسير الطبري 9/ 367- 377، 415- 424، 10/ 146- 150، 480- 486، 14/ 201- 212، 11/ 237- 238 (طبعة دار المعارف) تفسير روح المعاني 6/ 10- 12، 24- 40، 98- 103، 207- 211، 7/ 64- 69، تفسير البحر المحيط 3/ 536- 540، تفسير المنار 6/ 81- 98، 479- 487، 7/ 260- 276، تفسير الكشاف 1/ 584- 585، 593- 594، 617- 618، 663- 664، 694، تفسير مجمع البيان 5/ 279- 284، 299- 303، 6/ 57- 60، 161- 168، تفسير ابن كثير 2/ 458- 461، 615- 617، تفسير أبي السعود 2/ 49- 51، تفسير القرطبي 6/ 20- 25، 249- 251، 374- 377 (دار الكتب المصرية- القاهرة 1938)

(2) انظر مثلا: الأعراف عن آدم (11- 25) و موسى (102- 176) يونس عن موسى (75- 92) و هود عن نوح (25- 49) و إبراهيم و لوط (69- 82) و سورة يوسف عن يوسف، و سورة الحجر عن آدم و إبراهيم و لوط (26- 77) و سورة الإسراء عن بني اسرائيل (4- 8) و سورة الكهف عن أهل الكهف (9- 25) و موسى (60- 82) و سورة مريم عن زكريا و يحيى و مريم و عيسى .. الخ (1- 33) و سورة طه عن موسى (9- 98) و سورة الأنبياء عن إبراهيم (51- 70) و داود و سليمان (78- 82) و سورة الشعراء عن موسى و إبراهيم و نوح .. الخ (10- 189) و سورة النمل عن موسى و داود و سليمان (7- 44) و سورة القصص عن موسى (3- 43) و قارون (76- 82) و سورة العنكبوت عن نوح و إبراهيم و لوط (14- 35) و سورة سبأ عن داود و سليمان (10- 14) و سورة ص عن داود و سليمان و أيوب (17- 14) و سورة الذاريات عن إبراهيم (24- 37)

(3) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 156- 157

53

و أخيرا (ثامنا) فإن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، لم يكن له معلم من قومه الأميين قط، بل لم يكن له- عليه الصلاة و السلام- معلم من غيرهم من أمم الأرض قاطبة، و حسب الباحث في ذلك أن نحيله على التاريخ، و ندعه يقلب صفحات القديم منه و الحديث، و الإسلامي منه و العالمي، ثم نسأله: هل قرأ فيه سطرا واحدا يقول: إن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، لقي قبل إعلان نبوته فلانا من العلماء، فجلس إليه يستمع من حديثه عن علوم الدين، و من قصصه عن الأولين و الآخرين‏ (1).

و أما الذين لقوه بعد النبوة، فقد سمع منهم و سمعوا منه، و لكنهم كانوا له سائلين، و عنه آخذين، و كان هو لهم معلما و واعظا، و منذرا و مبشرا (2).

على أنه يجب أن نلاحظ أن قصص التوراة إن كانت تحمل أوجه شبه بالقصص القرآني، فربما يرجع ذلك إلى أن التوراة- في الأصل- كتاب مقدس، و أن الإسلام الحنيف، إنما يؤمن بموسى- كنبي و كرسول و ككليم للّه عز و جل- ثم يقرر بعد ذلك- دونما لبس أو غموض- أن موسى جاءته صحف و أنزلت عليه توراة، إلا أن توراة موسى هذه، سرعان ما امتدت إليها أيد أثيمة، فحرفت و بدلت، ثم كتبت سواها، بما يتلاءم مع يهود، و يتواءم مع مخططاتهم، ثم زعموا- بعد كل هذا- أنها هي التوراة التي أنزلها اللّه على موسى‏ (3)، «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» (4).

و الذي تولى هذا التصحيف و التأويل و التعمية، إنما هي طائفة

____________

(1) محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 56- 57

(2) نفس المرجع السابق ص 57

(3) راجع كتابنا إسرائيل ص 21- 23

(4) سورة الكهف: آية 5

54

متخصصة من أحبارهم، بغية الحفاظ على مكانتها و مكاسبها، و عن هذا يقول القرآن الكريم‏ «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» (1) و يقول‏ «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (2)، و يقول: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» (3).

هذا و قد عمد لفيف من رؤسائهم الدينيين إلى إخفاء بعض الأسفار في الهيكل- و هي التي عرفت بالأسفار الخفية (4)- ثم اختلفت نظرتهم إليها، إذ كان بعضها- فيما يعتقدون- غير مقدس، بينما بعضها الآخر موحى به من عند اللّه، و إن رأي الأحبار إخفاءه في الهيكل حتى لا يطلع عليه العامة من القوم، كما رأوا عدم إدراجه بين أسفار التوراة، ربما

____________

(1) سورة النساء: آية 46

(2) سورة البقرة: آية 79

(3) سورة المائدة: آية 13

(4) انظر عنها كتابنا إسرائيل ص 95- 97