دراسات تاريخية من القرآن الكريم‏ - ج4

- محمد البيومي مهران المزيد...
212 /
7

[الجزء الرابع‏]

الباب الأوّل سيرة نوح (عليه السلام)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأول دعوة نوح (عليه السلام)

(1) نوح (عليه السلام):-

نوح (عليه السلام) نبي اللّه و رسوله، شيخ المرسلين، و أول رسل اللّه إلى الأرض، و أطول الأنبياء عمرا، و أكثرهم جهادا، و أحد أولى العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الأنبياء في آيتين من القرآن الكريم، و هما قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (1)، و قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏ (2).

و قال الإمام البيضاوي في تفسيره: خصّهم اللّه (أي أولى العزم الخمسة) بالذكر، لأنهم أولو العزم، و مشاهير أرباب الشرائع، و قدّم نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) سورة الأحزاب: آية 7.

(2) سورة الشورى: آية 13، و انظر: تفسير القرطبي ص 5829- 5830، تفسير ابن كثير 7/ 182- 183، تفسير النسفي 4/ 102.

10

(في آية الأحزاب) تعظيما له، و تكريما لشأنه‏ (1)، و روى أبو بكر البزار عن أبي هريرة قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و خيّرهم محمد، (صلى اللّه عليه و سلم)(2).

هذا و قد وردت قصة نوح (عليه السلام) في القرآن الكريم في ثلاثة و أربعين موضحا، و إن ذكرت بشي‏ء من التفصيل في سورة الأعراف و هود و المؤمنون و الشعراء و القمر و نوح‏ (3).

هذا و قد لبث نوح في قومه- بنص القرآن الكريم- ألف سنة إلا خمسين عاما، قال تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً، فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ (4).

و قد اختلف المفسرون في مبلغ عمر نوح (عليه السلام)، فقيل مبلغ عمره ما ذكره اللّه تعالى في كتابه، قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، و دعاهم ثلاثمائة سنة، و لبث بعد الطوفان ثلاثمائة و خمسين سنة، و قال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة، و لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، و عاش بعد الغرق ستين سنة، حتى كثر الناس و فشوا، و عنه أيضا: أنه بعث و هو ابن‏

____________

(1) تفسير البيضاوي 1/ 114.

(2) تفسير ابن كثير 3/ 748 (ط بيروت 1986).

(3) انظر: سورة آل عمران. و النساء (آية 163) الأنعام (84) و الأعراف (59، 69) و التوبة (70) و يونس (71- 73) و هود (25- 48) و إبراهيم (9) و الإسراء (3، 17) و مريم (58) و الأنبياء (76- 77) و الحج (42) و المؤمنون (23- 30) و الفرقان (37) و الشعراء (105- 122) و العنكبوت (14- 15) و الأحزاب (7) و الصافات (75- 16) و الحديد (26) و التحريم (10) و كذا سورة نوح.

(4) سورة العنكبوت: آية 14، و يقول الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير (25/ 42) و في قوله تعالى: وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ إشارة لطيفة، و هي أن اللّه لا يعذب على مجرد وجود الظلم، و إنما يعذب على الإصرار على الظلم، و لهذا قال تعالى: وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ يعني أهلكم و هم على ظلمهم.

11

مائتين و خمسين سنة، و لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين، و عاش بعد الطوفان مائتي سنة، و قال وهب: عمّر نوح ألفا و أربعمائة سنة، و قال كروب الأحبار: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، و عاش بعد الطوفان سبعين عاما، فكان مبلغ عمره ألف سنة و عشرين عاما، و قال عون بن أبي شداد: بعث نوح، و هو ابن خمسين و ثلاثمائة سنة، و لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، و عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة و خمسين سنة، فكان مبلغ عمره ألف سنة و ستمائة و خمسين سنة، و نحوه عن الحسن (أي الحسن البصري) (1).

(2) معبودات قوم نوح:-

تعرض القرآن الكريم لمعبودات قوم نوح في قوله تعالى: وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً (2)، و هكذا يبيّن لنا القرآن الكريم أن الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح، هي ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر، و هي من أقدم الأصنام‏ (3) التي عبدت قاطبة، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق، و أن ذلك‏

____________

(1) تفسير القرطبي ص (5048- 5049) (ط الشعب- القاهرة 1970).

(2) سورة نوح: آية 23.

(3) يرى علماء اللغة أن كلمة «الأصنام» ليست عربية أصيلة، و إنما هي معربة من كلمة «شنم»، و رغم أنهم لم يذكروا لنا اسم اللغة التي عربت منها، فربما كانت من الآرامية «صلموا» أو العبرية «صلم»، و على أية حال، فإن الكلمة قد وردت في النصوص العربية الجنوبية تحت اسم «صلمو»، بمعنى «صنم» و «تمثال»، و في الكتابات العربية الشمالية من أعالي الحجاز، تحت اسم «صلم» كاسم لإله علم ازدهرت عبادته في «تيماء» حوالي عام 600 ق. م، هذا و يبدو أن العرب كانوا يغرقون بين الأصنام و الأوثان، فالصنم، فيما يرى علماء اللغة، هو ما اتخذ إلها من دون اللّه، و ما كان له صورة كالتمثال، و عمل من خشب أو ذهب أو فضة أو و عرّف بعضهم الصنم بأنه ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو «وثن»، و أما «ابن الكلبي» فالتمثال عنده إذا كان معمولا من خشب أو ذهب أو فضة أو غيرها من جواهر الأرض في صورة الإنسان فهو «صنم»، و إذا كان من حجارة فهو «وثن» و أما النصب فهي حجارة غفل ليست على صورة معينة تجرى عليه قبيلة من القبائل أوضاع العبادة لما تزعمه من أصلها السماوي، إن كانت حجرا بركانيا أو ما يشبهه، و لعل أدق الأصنام صنعا ما

12

يرجع إلى ما قبل طوفان نوح، و ذلك حين صوّر القوم بعض الصالحين منهم، ثم وضعوا لهم الصور و التماثيل لإحياء ذكراهم و الاقتداء بهم، ثم بعد ذلك عبدوا هذه الصور، و تلك التماثيل‏ (1).

هذا و يحاول بعض الباحثين إيجاد صلة بين المعبودين الوثنيين، «ود» العربي، و «إيروس» اليوناني، و أن الأول مستورد من بلاد اليونان، إلا أن هناك في الوقت نفسه من يعارض هذا الاتجاه، لانتفاء التشابه بينهما (2)، كما أن «ود» هذا هو إله «معين» الكبير، فضلا عن أنه قد عرف منذ ما قبل الطوفان، كما أشار القرآن الكريم، بين قوم نوح (عليه السلام).

و على أية حال، فالذي لا شك فيه أن هذه الأصنام إنما كان يعبدها قوم نوح (عليه السلام)، روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال:

صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب‏ (3)، أما ود كانت لكلب‏

____________

كان لأهل اليمن، و لا عجب، فخطهم من الحضارة لم يعرفه أهل الحجاز، و لا عرفه أهل نجد و كندة.

انظر: القاموس المحيط 4/ 141، 274، اللسان 12/ 349، 15/ 141، تاج العروس 8/ 371، ابن الكلبي: كتاب الأصنام- القاهرة 1965 ص 53، محمد عبد المعيد خان:

الأساطير العربية قبل الإسلام- القاهرة 1936 ص 113، السهيلي: المروض الأنف- القاهرة 1971- الجزء الأول ص 62، محمد حسين هيكل: حياة محمد- القاهرة 1970 ص 99، محمد مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام- القاهرة 1952 ص 163، و كذا:

J. A. Montgomery, Arabia and the Bilbe, 4391, P. 76.

و كذا:

W. R. Smith, Lectures on the religion of the semites, london, 7291, P. 97- 08.

و كذا(G .A .Cook ,Palmyra ,EB ,71 ,4691 ,P .591 -691 .

(1) انظر: تفسير المنار 7/ 454، 8/ 436، تفسير البيضاوي 2/ 508، تفسير الألوسي 29/ 77، تفسير الطبري 29/ 71، تفسير النسفي 4/ 297، تفسير ابن كثير 4/ 666- 667.

(2) انظر:

J. Welhausen, Reste Arabischen Heidentums. Berlin. 7291, P. 71.

و كذاJ .Hastings ,ERE ,8 ,P 081 .

(3) انظر: عن عبادة هذه الأصنام في بلاد العرب (محمد بيومي مهران: الديانة العربية القديمة- الإسكندرية 1978 ص (44- 47)، (93- 99).

13

بدومة الجندل، و أما سواع كانت لهذيل، و أما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف في الجوف عند سبأ، و أما يعوق فكانت لهمدان، و أما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا و سموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك و تنسخ العلم عبدت‏ (1).

و هكذا يبيّن لنا عبد اللّه بن عباس، حبر الأمة و ترجمان القرآن، في هذا الحديث أن هذه الأسماء كانت لرجال صالحين من قوم نوح، و أنهم لما ماتوا سوّل الشيطان لقومهم و زيّن لهم أن ينصبوا لهم صورا، و يسموها بأسمائهم حتى ينشطوا في العبادة إذا رأوهم و لم يعبدوهم آنذاك حتى إذا هلك أولئك القوم الذين نصبوا تلك الأنصاب و عمّ الجهل فيمن خلفهم عبدوهم من دون اللّه تعالى.

و ذكر ابن عباس في هذا الحديث أن الأوثان صارت في العرب بعد ذلك، و أن «ودا» كان لقبيلة كلب في دومة الجندل، و «سواعا» لقبيلة هذيل، و «يغوث» لقبيلة مراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، و «يعوق» لقبيلة همدان، و «نسرا» لقبيلة حمير (2).

هذا و قد جاء في تفسير القرطبي: قال عروة بن الزبير و غيره: اشتكى آدم (عليه السلام)، و عنده بنوه، ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر، و كان ود أكبرهم و أبرهم به، قال محمد بن كعب: كان لآدم (عليه السلام) خمس بنين:

ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر، و كانوا عبادا فمات واحد منهم فحزنوا

____________

(1) صحيح البخاري 6/ 199.

(2) تفسير ابن عباس و مروياته في التفسير من كتب السنة- الجزء الثاني- الرياض 1987 ص 910- 911 (نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة).

14

عليه. فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا افعل فصوّره في المسجد من صفر و رصاص، ثم مات آخر، فصوره، حتى ماتوا كلهم فصوّرهم، و تنقصت الأشياء كما تنتقص اليوم إلى أن تركوا عبادة اللّه تعالى بعد حين، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئا، قالوا و ما نعبد، قال: آلهتكم و آلهة آبائكم، أ لا ترون في مصلاكم، فعبدوها من دون اللّه، حتى بعث اللّه نوحا فقالوا: «لا تذرن آلهتكم و لا تذرن ودا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا، و قال محمد بن كعب و محمد بن قيس أيضا: بل كانوا قوما صالحين من آدم و نوح، و كان لهم تبع يقتدون بهم، فلما ماتوا زيّن لهم إبليس أن يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، و ليتسلوا بالنظر إليها، فصوروهم، فلما ماتوا هم و جاء آخرون قالوا: ليت شعرنا، هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها، فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم و تسقيهم المطر، فعبدوها، فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت.

و يقول الإمام القرطبي: و بهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة: أن أم حبيبة و أم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن أولئك كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، و صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة» (1).

و من أجل هذا كله، جاءت الشريعة الإسلامية الغراء تحظر التصوير باليد لكل ذي روح، و تحرم اتخاذ التماثيل أيا كان الغرض منها، روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس عن أبي طلحة رضي اللّه‏

____________

(1) تفسير القرطبي ص (6786- 8687)، تفسير ابن كثير (4/ 666- 667)، تفسير النسفي 4/ 297، صفوة التفاسير 3/ 454، تفسير جزء تبارك ض (135- 137).

15

عنهم قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب و لا تصاوير» (1)، و روى البخاري أيضا في صحيحه عن الأعمش عن مسلم قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في صفته تماثيل، فقال: سمعت عبد اللّه، قال سمعت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إن أشد الناس عذابا عند اللّه يوم القيامة المصورون»، و روى أيضا عن نافع أن عبد اللّه بن عمر، رضي اللّه عنهما، أخبره أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم احيوا ما خلقتم، و في رواية «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، و يقال لهم احيوا ما خلقتم»، و روى أيضا عن ابن عباس قال: سمعت محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من صوّر صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، و ليس بنافخ» (2).

(3) دعوة نوح (عليه السلام):-

كانت دعوة نوح (عليه السلام)- كما يقول صاحب تفسير جزء تبارك- مؤسسة على ثلاثة أركان كما جاء في قوله تعالى:

أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ‏ (3): الركن الأول: ترك عبادة الأصنام (ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر) التي كان يعبدها أهل ذلك الزمان من دون اللّه، فكان نوح يأمرهم بخلعها، و عبادة اللّه وحده، و هذا معنى قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏، و الركن الثاني: تقوى اللّه و اجتناب المعاصي و الذنوب و الفواحش التي تفسد عليهم صحتهم و أخلاقهم و آدابهم، و تفكك روابط الألفة و عرا النظام بينهم، و هذا معنى قوله تعالى: وَ اتَّقُوهُ‏، و الركن الثالث: إطاعة ولي الأمر فيهم، و هو نوح (عليه السلام) نفسه، و هذا معنى قوله تعالى: وَ أَطِيعُونِ‏.

____________

(1) صحيح البخاري 7/ 214- 215 (دار الجيل- بيروت 1986).

و انظر: صحيح مسلم 14/ 81- 86 (بيروت 1981).

(2) صحيح البخاري 7/ 214- 217، و انظر: صحيح مسلم 14- 90- 94.

(3) سورة نوح: آية 3.

16

فالدعوة السماوية التي هي أول ما أنزل على البشر، و بلغ إليهم، هي مطوية في ثلاث كلمات فقط: إيمان و تقوى و طاعة، بالإيمان ينتظم أمر عقائد الأمة فتسلم من الخرافات و الأوهام، و بالتقوى ينتظم أمر أخلاقها و آدابها فتسلم من السقوط و الفساد، و بالطاعة ينتظم أمر اتحاد كلمتها و علو شأنها، فتسلم من الانحلال و الضياع، و ما زالت الأمم على سلم هذه الأركان السماوية تعلو في الحياة الاجتماعية و تسقط، و ترقى في العزة و الغلبة و تهبط، و آية ذلك التاريخ، فهو الشاهد العدل، و إليه في هذه المسألة القول الفصل‏ (1).

و هكذا أرسل اللّه تعالى نوحا إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة اللّه وحده، و إفراده بالشكر و الضراعة، و ترك ما هم عليه من عبادة الموروثات الباطلة، و أفرغ عليهم من طيب كلامه ليستميلهم إليه، و يذعنوا لدعوته، و يؤمنوا بها، و كان نوح (عليه السلام)، رجلا فتيق اللسان، عظيم الأناة، صابرا على الجدل، بصيرا بمسالك الإقناع، قادرا على تصريف الحجج، لكن روح الضلال و التقليد المتسلطة على المعاندين المستكبرين من قومه أبت عليهم أن يعرفوا طريق الهداية، و تحجرت قلوبهم فلم تلن لدعوته، و لم تنقد لرجائه، كان، (عليه السلام)، كلما دعاهم إلى اللّه أعرضوا، و إذا أنذرهم بالعذاب و الويل عموا و صموا، و إذا رغبهم في ثواب اللّه و رضائه استهانوا و سخروا منه و استكبروا و وضعوا أصابعهم في آذانهم‏ (2)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً، وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (3).

____________

(1) عبد القادر المغربي: تفسير جزء تبارك- المطبعة الأميرية- القاهرة 1947 ص 122.

(2) سعد صادق: من قصص الأنبياء في القرآن- القاهرة 1969 ص 37.

(3) سورة نوح: آية 5- 7.

17

و رغم ذلك كله، فقد صابرهم و طاولهم، و مدّ لهم في حبل صبره و أناته، و ناضلهم و أخذ يفنن في الدعوة، من غير يأس و لا ملل، دعاهم ليلا و نهارا، و سرا و علانية، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (1).

كان نوح (عليه السلام) يتكتم في أول الأمر في عرض الدعوة على قومه، فكان يدلي لهم بالمناصحة سرا، مستغرقا في ذلك جميع وقته، ليله و نهاره، كما هو شأن الداعي الحريص على بث دعوته، الحاذق في أدائها، العالم بطرق تبليغها، يتحين لها الفرص، و يختار لها الأوثق فالأوثق من الرجال، و لا يتسرع في إفشائها خشية أن يكاد لها، و تقام العواثير دونها، و مع كل ذلك لم تنجح دعوة نوح (عليه السلام) في القوم لفرط عتوهم، و تحجر العناد في نفوسهم، و هذا ما حمل نوحا على سلوك طريق آخر في الدعوة، و هو مصارحتهم بها، و تبليغهم إياها جهارا، من دون تكتم و لا خوف و لا تقية، و هو معنى قوله تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً، إذ ربما فرط تكتمه في أمره، و استخفائه بدعوته، يجعلهم يظنونها باطلة، و إلا فما الذي يمنعه من الجهر بها؟ أو يظنون أنه عاجز جبان عن تبليغها فهو يكتمها خشية إيقاعهم به، و هذا مما يزيدهم نفورا و عنادا، و من ثم قام نوح (عليه السلام) يصدعهم بدعوته صدعا، شأن الواثق من صدقها، المعتمد على ربه في حياطته و حياطتها، كأنه يقول: «هاكم دعوتي أبلغكموها على رءوس الأشهاد، فإن كان لكم سلطان بيّن على بطلانها فهاتوه، أو كنتم تريدون قتلى و صدى بالقوة فافعلوه‏ (2).

____________

و انظر: تفسير القرطبي ص (6779- 7780)، تفسير ابن كثير 4/ 664- 665، تفسير النسفي 4/ 294- 295، تفسير جزء تبارك ص 123- 125.

(1) سورة نوح: آية 8- 9.

(2) عبد القادر المغربي: تفسير جزء تبارك ص 125.

18

غير أن القوم لجوا في عنادهم، و أجابوه بأربع حجج، ظنوا كذبا أنها داحضة، الأولى: أنه بشر مثلهم، فساووه بأنفسهم في الجملة، و هذا يدل على أنه (عليه السلام) كان من طبقتهم أو ما يقرب منها في بيته و في شخصه، و هكذا كان كل رسول من وسط قومه‏ (1)، و وجه الجواب: أن المسألة تنافي دعوى تفوق أحد المتساويين على الآخر، بجعل أحدهما تابعا طائعا، و الآخر متبوعا مطاعا، لأنه ترجيح بغير مرجح.

و الثانية: أنه لم يتبعه منهم إلا أرذلهم في الطبقة و المكانة الاجتماعية «بادي الرأي» لا بديل من العقل و العلم، و بهذا تنتفي المساواة فينزل هو عن‏

____________

(1) من المعروف أنه من فضل اللّه تعالى على رسله و أنبيائه، و سنته في اصطفائهم أن يختارهم من أكرم البيوت و أشرف الظهور، و أطهر البطون و أبعدها عن الدنايا، و ألصقها بمكارم الأخلاق، على ما يقوله اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏، و على ما يقول جل شأنه: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏. و قد بيّن سيدنا و ملانا و جدنا محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، هذا المعنى بقوله الشريف، فيما رواه مسلم و الترمذي، «إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار»، و أخرج ابن مردوية عن أنس أنه قال: «قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، «لقد جاءكم من أنفسكم، بفتح الفاء»، و قال: «أنا أنفسكم نسبا و صهرا و حسبا»، و روى الحاكم و البيهقي عن عائشة إنها قالت، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): قال لي جبريل قلبت الأرض من مشارقها و مغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، و قلبت الأرض من مشارقها و مغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم (و رواه أيضا الطبراني في الأوسط و ابن عساكر).

و في الواقع فلقد كان بنو هاشم في ميزان المجتمع العربي سادته و قادته و أشرافه، و كانوا في ميزان القيم أجود الناس كفا، و أوفاهم ذمة، و أنداهم عطاء، و أكثرهم في سبيل الخير بلاء، و أحماهم للذمار، و بكلمة واحدة هم في قومهم و زمانهم ضمير أولئك القوم و ذلك الزمان، و هكذا كان بنو هاشم، كما يقول ابن تيمية، أفضل قريش، و قريش أفضل العرب، و العرب أفضل بني آدم، و هكذا كان منبت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، كما يقول الأستاذ الغزالي، في أسرة لها شأنها، بعض ما أعده اللّه لرسالته من نجاح، و لعل هذا كله يبيّن لنا الحكمة في اختيار الرسل من أواسط أقوامهم، و من الجبهة القوية فيهم، حتى يكونوا لهم سندا و عضدا، ضد سفاهة السفهاء و بغي الباغين، (انظر التفصيلات:

محمد بيومي مهران: في رحاب النبي و آل البيت الطاهرين- الجزء الأول- السيرة النبوية الشريفة- الكتاب الأول).

19

رتبة الطبقة العليا إلى رتبة من اتبعه من الطبقات السفلى، و هذا مرجح لرد دعوته و التولي عنه، و الثالثة: عدم رؤية فضل له مع جماعته هؤلاء عليهم من قوة عصبية أو كثرة غالبة، أو غير هذا من المزايا التي ترفع الأرذال من مقعدهم من السفلة، فيهون على الأشراف مساواتهم في اتباعه.

و الرابعة: أنهم بعد الإضراب أو صرف النظر عما ذكروا من التنافي و التعارض، يرجحون الحكم عليه و عليهم بالكذب في هذه الدعوى، و هذا هو المرجح الأقوى لرد الدعوة، و قد أخروه في الذكر لأنهم لو قدموه لما بقي لذكر تلك العلل الأخرى وجه، و هي وجيهة في نظرهم لا بد لهم من بيانها، و هذه الأخيرة طعن لهم على نوح (عليه السلام) أشركوه فيه مع اتباعه، و لم يجابهوه به وحده، و لم يجزموا به، كما أنهم لم يجعلوه في طبقتهم من الرذالة (1).

و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا (2)، وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ، وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ‏ (3).

و كان رد نوح (عليه السلام) على قومه، كما جاء في القرآن الكريم:

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ، وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ،

____________

(1) تفسير المنار 12/ 53 (الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1975).

(2) كرر القوم هذا الكلام مع نوح (عليه السلام) كما جاء في سورة المؤمنين (آية 24)، كما كرره فرعون مع موسى و هارون (عليهما السلام)، كما جاء في الآيات 45- 48 من نفس سورة المؤمنين.

(3) سورة هود: آية 27، و انظر: تفسير المنار 12/ 5- 54، تفسير القرطبي ص 3250- 3252، تفسير ابن كثير 2/ 685- 686، تفسير النسفي 2/ 185، تفسير الطبري 15/ 295- 297 (دار المعارف- القاهرة 1960).

20

وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ، وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ، وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً، اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏ (1).

و مع ذلك كله، فلم ينته القوم عن غيّهم، و لم يؤمنوا بنبيّهم، و إنما تمادوا في الكفر و العصيان و التطاول على النبي الكريم (صلى اللّه عليه و سلم)، فاتهموه بالسفه و الضلال، قال تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ، وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2)، ثم اتهموه بالجنون، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَ قالُوا مَجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ (3)، و قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ‏ (4).

ثم اتهموه بكثرة الجدل و الافتراء على اللّه، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (5)، و لم تكف كل هذه الاتهامات الكذوب، في نظر هؤلاء اللئام، فإذا بهم يسخرون من النبي الكريم و يستهزءون، قال تعالى:

وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ، وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا،

____________

(1) سورة هود: آية 28- 31، و انظر: تفسير القرطبي ص 3253- 3255، تفسير الطبري 15/ 297- 303، تفسير المنار 12/ 54- 58، تفسير النسفي 2/ 185- 186، تفسير ابن كثير 2/ 686- 687 (بيروت 1986)، صفوة التفاسير 2/ 14- 15، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/ 195- 197 (مكة المكرمة 1398 ه).

(2) سورة الأعراف: آية 60- 62.

(3) سورة القمر: آية 9.

(4) سورة المؤمنون: آية 25.

(5) سورة هود: آية 32.

21

فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ‏ (1).

و هكذا كانت حياة نوح (عليه السلام)، حياة شاقة مريرة، و محنته مع قومه محنة شريدة أليمة، فقد قام بينهم قرونا و دهورا، بذل فيها أقصى جهده لكي يؤمن قومه باللّه تعالى، و أن يذروا عبادة الأصنام، و طال الزمن و هو يدعو قومه في السر و العلانية، و يضرب لهم الأمثال، و يوجه نظرهم إلى صنع اللّه بخلقهم أطوارا مختلفة، و عنايته بهم في حياتهم الجنينية، و حياتهم في الدنيا، و خلقه السماوات و الأرض، و أن من بدأهم قادر على إعادتهم، ذلك أن من خلق لهم الأرض و متعهم بما خلق فيها، قادر على إعاداتهم و مجازاتهم‏ (2).

و رغم ذلك كله، فإن نوحا (عليه السلام)، لم ير من قومه إلا آذانا صماء، و قلوبا غلفا، و عقولا متحجرة، لقد كانت نفوسهم أيبس من الصخر، و أفئدتهم أقسى من الحديد، لم ينفعهم نصح أو تذكير، و لم يزجرهم وعيد أو تحذير، و كلما ازداد لهم نصحا، ازدادوا في طريق الضلال سائرين، لا يلتفتون إلى دعوة نوح، و لا يبالون بتحذيره و إنذاره و قد أقام بينهم تسعمائة و خمسين عاما داعيا و مذكرا و ناصحا، و سلك جميع الطرق الحكيمة لإنقاذهم، و إبعادهم عن عبادة الأصنام و الأوثان، فلم يفلح معهم أبدا، و كانت دعوته لهم ليلا و نهارا، و سرا و جهارا، و مع ذلك لم تلن قلوبهم، بل قابلوا الإحسان بالشدة، و مالوا عليه بالضرب و الأذى، و هو لا يفتأ يقول:

اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

روى المفسرون أن نوحا (عليه السلام) كان يأتي قومه فيدعوهم إلى‏

____________

(1) سورة هود: آية 38، و انظر: تفسير المنار 12/ 61- 62، تفسير القرطبي ص 3258- 3259، تفسير الطبري 15/ 310- 317، تفسير ابن كثير 2/ 688- 669، تفسير النسفي 2/ 187.

(2) محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم- القاهرة 1970 ص 133- 134.

22

اللّه، فيجتمعون عليه و يضربونه الضرب المبرح، و يخنقونه حتى يغشى عليه ثم يلفونه في حصير و يرمون به في الطريق، و يقولون إنه سيموت بعد هذا اليوم، فيعيد اللّه سبحانه و تعالى إليه قوته فيرجع إليهم و يدعوهم إلى اللّه، فيفعلون به مثل ذلك‏ (1).

و قال مجاهد و عبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

و قال ابن عباس، رضي اللّه عنه، إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه مات، ثم يخرج فيدعوهم، حتى إذا يئس من إيمان قومه، جاءه رجل و معه ابنه و هو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك، قال: يا أبت أمكني من العصا، فأخذ العصا، ثم قال:

ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة موضحة في رأسه، و سالت الدماء، فقال نوح: «رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خير فاهدهم، و إن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم و أنت خير الحاكمين» (2).

و هكذا بقي النبي الكريم يؤذى و يعذب، و هو مع ذلك صابر، لا يدعو على قومه بالعذاب، و إنما كان يؤمل فيهم أو في أبنائهم الخير و الصلاح، و يقول: لعل اللّه يخرج من أصلابهم من يستجيب لدعوتي و يؤمن باللّه، و لكن مع هذه المدة الطويلة لم يؤمن معه إلا القليل منهم، و كان كلما انقرض جيل جاء من بعده جيل أخبث و ألعن، فلقد كان القوم يوصون أولادهم بعدم الإيمان به، و كان الوالد يقول لولده إذا بلغ و عقل: يا بني احذر هذا لا يغرنك عن دينك و ألهتك‏ (3).

____________

(1) محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء- بيروت 1970 ص 150.

(2) تفسير القرطبي ص 3271.

(3) محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 150- 151.

23

و أوحى اللّه تعالى إلى نبيه نوح إنه لن يؤمن من هؤلاء القوم الكافرين أحد بعد ذلك، بل إنه لم يبق في أصلاب الرجال، و لا في أرحام النساء مؤمن‏ (1)، قال تعالى: وَ أُوحِيَ إِلى‏ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏ (2)، قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بذلك فقال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً»، و قيل إن رجلا من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا قال لأبيه: أعطني حجرا، و رمى به نوحا (عليه السلام) فأدماه، فأوحى اللّه تعالى إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏، فدعا عليهم، فكان الطوفان الذي أغرقهم جميعا (3).

(4) قضية ابن نوح:-

اختلف المفسرون في ابن نوح الذي غرق في الطوفان من دون أهله، و قد أشار القرآن الكريم إلى قصته في قوله تعالى:

وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ، قالَ سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ، قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (4).

____________

(1) تفسير القرطبي ص 3271.

(2) سورة هود: آية 36.

(3) سورة نوح: آية 26- 27، تفسير القرطبي ص 3257، 3271، و انظر: تفسير الطبري 15/ 306- 307.

(4) سورة هود: آية 42- 47، و انظر: تفسير ابن كثير 2/ 690- 694، تفسير القرطبي ص 3264-

24

و قد انقسم المفسرون في ابن نوح هذا إلى فرق، ففريق يرى أنه ولد على فراشه و لم يكن ابنه، قال قتادة: سألت الحسن (أي الحسن البصري) عنه فقال:

و اللّه ما كان ابنه، قلت إن اللّه أخبر عن نوح إنه قال: «إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي»، فقال: لم يقل مني، و هذه إشارة إلى أنه كان ابن امرأته من زوج آخر، فقلت له: إن اللّه حكى عنه إنه قال: «إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» و «وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ»، و لا يختلف أهل الكتاب إنه ابنه، فقال الحسن: و من يأخذ دينه عن أهل الكتاب، إنهم يكذبون، و قرأ «فخانتاهما»، و قال ابن جريج: ناداه و هو يحسب أنه ابنه، و كان ولد على فراشه، و كانت امرأته خانته فيه، و لهذا قال:

«فخانتاهما» (1).

هذا و قد استهجن كثير من علماء السلف و الخلف هذا الإتجاه، فقال ابن عباس- حبر الأمة و ترجمان القرآن- «ما بغت امرأة نبي قط»، و قال الإمام الرازي في التفسير الكبير: و القائلون بهذا القول (أي أنه ولد على فراشه لغير رشده) فقد احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح و امرأة لوط «فخانتاهما» فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه، قيل لابن عباس، رضي اللّه عنه، ما كانت تلك الخيانة؟ فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، و امرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا، و في تفسير الطبري:

عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس يسأل، و هو إلى جنب الكعبة، عن قوله تعالى: فَخانَتاهُما، قال: أما إنه لم يكن بالزنا، و لكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، و كانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ «إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ»، ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب، قوله تعالى:

____________

3276، تفسير الطبري 15/ 331- 352، تفسير النسفي 2/ 188- 192، تفسير المنار 12/ 65- 84، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/ 200- 201، صفوة التفاسير 2/ 16- 19، التسهيل 2/ 106- 107.

(1) تفسير القرطبي ص 3274.

25

الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ‏، و قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (1).

و قال الألوسي في روح المعاني: و ما يقال من أنه كان لغير رشده لقوله سبحانه و تعالى: فَخانَتاهُما، فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها، فإن اللّه قد طهر الأنبياء (عليهم السلام) عما هو دون ذلك من النقص بمراحل، فحاشاهم ثم حاشاهم أن يشار إليهم بإصبع الطعن، و إنما المراد بالخيانة في الدين، و نسبة هذا القول إلى الحسن و مجاهد كذب صريح.

و قال أبو السعود في بحره المحيط: و ما يقال إنه كان لغير رشده لقوله «فخانتاهما»، فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن جناب الأنبياء، (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، أرفع من أن يشار إليهم بإصبع الطعن، و إنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين، و قال البيضاوي: و كان لغير رشده لقوله تعالى:

فَخانَتاهُما، و هو خطأ، إذ أن الأنبياء عصمت من ذلك، و المراد بالخيانة الخيانة في الدين.

و أما ما استند إليه البعض في عدم استبعاد أن تكون امرأة النبي زانية من القياس على الكفر، الذي هو أشد ذنبا من الزنا، و امرأة نوح كانت كافرة، و قد ضربها اللّه مثلا في الكفر، و من أتى الذنب الأكبر يهون عليه الإتيان بالأصغر، فواضح البطلان، لأن كفر المرأة، و إن كان من أكبر الكبائر لا يعود ضرره إلا عليها، و لا يلحق الزوج منه عار و لا فضيحة بين الناس، و لذلك أباح اللّه للمسلم أن يتزوج من الكتابيات، بخلاف زناها، فإنه، و إن كان أصغر من الكفر، لا يقصر ضرره عليها وحدها، بل يلحق الزوج أيضا

____________

(1) سورة النور: آية 3، 26، تفسير الطبري 15/ 343، تفسير القرطبي ص 3274، عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء- القاهرة 1966 ص 41.

26

بسببه عار و فضيحة بين الناس في مطرد العادة، بحيث يكون بحالة لا يستطيع معها مجالسة الناس، و من ثم، فقد نص، كما يقول ابن كثير، غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، و إنما كان ابن زانية (1).

و هناك وجه آخر للنظر يذهب إلى أنه كان ابن امرأته، قاله الحسن و مجاهد و عبيد بن عمير و أبي جعفر الباقر و ابن جريج‏ (2)، و في تفسير القرطبي، قرأ عروة بن الزبير: «و نادى نوح ابنها» يريد ابن امرأته، يقول القرطبي: إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليه لها، و اللّه أعلم‏ (3).

على أن هناك وجها ثالثا للنظر، يذهب إلى أنه ابنه من صلبه، و هذا ما نؤمن به الإيمان كل الإيمان، و إنه كان ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره و مخالفته أباه نبيّ اللّه نوحا (عليه السلام)، قال ابن عباس: «ما بغت امرأة بني قط، و أنه كان ابنه لصلبه، و كذلك قال الضحاك و عكرمة و سعيد بن جبير و ميمون بن مهران و غيرهم، و إنه كان ابنه لصلبه، و قيل لسعيد بن جبير يقول نوح: «إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» أ كان من أهله؟ أ كان ابنه؟ فسبح اللّه طويلا ثم قال: لا إله إلا اللّه، يحدث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، إنه ابنه، و تقول إنه ليس ابنه، نعم كان ابنه، و لكن كان مخالفا في النية و العمل و الدين، و لهذا قال اللّه تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏ (4).

و يقول القرطبي: و هو الصحيح في الباب إن شاء اللّه تعالى لجلالة من قال به، و إن قوله‏ «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» ليس مما ينفي عنه أنه ابنه، و قوله «فخانتاهما»، يعني في الدين، لا في الفراش، و ذلك أن هذه كانت تخبر

____________

(1) انظر: عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 41- 45.

(2) تفسير ابن كثير 2/ 693.

(3) تفسير القرطبي ص 3275.

(4) تفسير القرطبي ص 3274.

27

الناس أنه مجنون، و ذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها نعم، قالت فمتى، قال: إذا فار التنور، فخرجت تقول لقومها: يا قوم و اللّه إنه مجنون، يزعم أنه لا ينصره اللّه إلا أن يفور هذا التنور، فهذه خيانتها، و خيانة الأخرى إنها كانت تدل على الأضياف‏ (1).

و روى الطبري في تفسيره عن فضالة بن الفضل الكومي قال قال بزيغ: سأل رجل الضحاك عن ابن نوح، فقال: أ لا تعجبون إلى هذا الأحمق، يسألني عن ابن نوح، و هو ابن نوح، كما قال اللّه تعالى: (قال نوح لابنه)، و عن جويبر عن الضحاك قال: هو و اللّه ابنه لصلبه، و روى الطبري أيضا عن الضحاك إنه قرأ «وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ»، و قوله‏ «لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ»، قال يقول: ليس هو من أهلك، قال يقول: ليس هو من أهل ولايتك، و لا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك‏ «إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ»، قال يقول: «كان عمله في شرك» (2).

و روى النسفي في تفسيره، قال الشيخ أبو منصور (رحمه اللّه)، كان عند نوح (عليه السلام) أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق، و إلا لا يحتمل أن يقول ابني من أهلي، و يسأله نجاته، و قد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ‏، فكان يسأله على الظاهر الذي عنده، كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة لنبينا عليه الصلاة و السلام، و يضمرون الخلاف له، و لم يعلم بذلك حتى أطلعه اللّه عليه، و قوله: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏ أي من الذين و عدت النجاة لهم، و هم المؤمنون حقيقة في السر و الظاهر (3).

____________

(1) تفسير القرطبي ص 3275.

(2) تفسير الطبري 5/ 345.

(3) تفسير النسفي 2/ 191- 192.

28

و أولى الأقوال بالصواب، عند الإمام الطبري، قول من قال: تأويل ذلك، إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، لأنه كان لدينك مخالفا، و بي كافرا، و كان ابنه، لأن اللّه تعالى ذكره، قد أخبر نبيه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه ابنه، فقال: «وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ»، و غير جائز أن يخبر أنه ابنه، فيكون بخلاف ما أخبر، و ليس في قوله‏ «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» دلالة على إنه ليس بابنه، إذ كان قوله‏ «لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» محتملا من المعين ما ذكرنا، و محتملا «إنه ليس من أهل دينك»، ثم يحذف الدين، فيقال: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ»، كما قيل‏ «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها» (1).

____________

(1) تفسير الطبري 15/ 346 (دار المعارف- القاهرة 1960.

29

الفصل الثّاني قصّة الطّوفان بين الآثار و التّوراة

من المعروف منذ زمن طويل أن قصص الطوفان الكبير الذي هلك فيه كل الناس على وجه التقريب، تنتشر انتشارا واسعا في جميع أنحاء العالم، فهناك قصص عن الطوفان، في بعض مجتمعات الشرق الأدنى القديم، و في الهند و بورما و الصين و الملايو و استراليا و جزر المحيط الهادي، و في مجتمعات الهنود الحمر (1).

و قد قدم لنا «السير جيمس فريزرsir James Frazer » دراسة عن قصص «الطوفان الكبير» في أساطير الأمم المختلفة، نستنتج منها أنها كانت منتشرة في قارة آسيا و في استراليا و في أمريكا الشمالية و الوسطى و الجنوبية- فيما قبل العهد الأوربي- و لكنها قليلة نسبيا في قارة أوربا، و أقل منها في إفريقيا (2).

و لعل من الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه رغم كثرة قصص الطوفان و انتشارها، فإنها تختلف فيما بينها اختلافات كثيرة، كما أن قسما منها أساطير وضعت وضعا لتفسير بعض العوارض الأرضية كالمنخفضات الواسعة في البلاد التي وضعت فيها تلك الأساطير (3) أضف إلى ذلك أنه ليست هناك رواية واحدة أصيلة عن الطوفان الكبير دونت في إفريقيا، فمثلا لم يكتشف أثر لهذه الحكاية في الأدب المصري القديم- و هو دون شك أهم الآداب الأفريقية و أكثرها أصالة دون منازع- أما عن رواية الطوفان التي تنسب‏

____________

(1)Sollerder .E .The Fiood ,londoon ,2691 ,,P .11

(2) جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم، ترجمة نبيلة إبراهيم، مراجعة حسن ظاظا، ص 91- 219

(3) طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارة القديمة- الجزء الأول- العراق، ص 460.

30

إلى «غينيا الشمالية» فهي أسطورة أكثر منها قصة، اختلطت فيها الخرافات بالمعجزات حتى بات من الصعب علينا مقارنتها بغيرها من قصص الطوفان، هذا إلى أنها نقلت إلينا عن طريق المبشرين الأوربيين، حتى أصبحنا لا نستطيع الحكم عليها و إرجاعها إلى أصل غيني أو أوربي، أضف إلى ذلك أن هناك رواية أخرى تذهب إلى أن الرجال قد تحولوا بعد الطوفان إلى قرود، كما تحولت النساء إلى سحالي، و أن ذيل القرد هو بندقية الرجل، مما يدل بوضوح على مدى التأثير الأوربي الحديث في هذه الأسطورة الأفريقية عن الطوفان، كما أن الروايات التي اكتشفها الكتاب الألمان عن الطوفان الكبير بين سكان إفريقيا الشرقية ليست سوى روايات مختلفة لقصة الطوفان في الكتاب المقدس (التوراة و الإنجيل) و التي تسربت إلى هؤلاء البدائيين عن طريق المسيحيين‏ (1).

و بديهي أننا لن نناقش هنا كل القصص و الأساطير التي دارت حول الطوفان الكبير الذي أغرق العالم، و لكننا سوف نقتصر على دراسة قصة الطوفان في منطقة الشرق الأدنى القديم، سواء تلك القصص التي روتها المصادر التاريخية، أو تلك التي تحدثت عنها الكتب المقدسة- التوراة و الإنجيل و القرآن العظيم- و كلها- دون استثناء- أنزلت على أرض هذا الشرق القديم، كما أنه ليس واحدا من أصحابها- (صلوات اللّه و سلامه عليهم)- إلا و كان من هذا الشرق الخالد.

و لعل الذي دفعني إلى دراسة هذا الموضوع إحساس عميق بأن تنال الموضوعات التاريخية المتصلة بالكتب المقدسة قسطا وافرا من المؤرخين المسلمين، بعد أن ظل الميدان في العصر الحديث يكاد يكون مقصورا على الغربيين من يهود و نصارى، و ساعدني على هذه المحاولة تخصصي في التاريخ القديم، فضلا عن دراسات إسلامية قضيت فيها الشطر المبكر من حياتي العلمية، و إن كنت لا أزعم لنفسي فيها- بحال من الأحوال- مكانة تعدو مكانة عامة المسلمين الذين تعلموا من أمور دينهم القدر الذي يتعرفون به عليه، و إن كان مما لا ريب فيه أنه لا يصل بهم إلى مكانة الخاصة من المتخصصين في دراسات القرآن الكريم و الحديث الشريف و علومهما، ثم كان لوجودي بين أعضاء

____________

(1) جيمس فريزر: المرجع السابق ص 201- 202.

31

هيئة التدريس بقسم التاريخ في كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية سبب آخر للقيام بهذه الدراسة.

أولا: قصة الطوفان السومرية:

كان الناس يعتقدون حتى أواخر القرن الماضي أن التوراة هي أقدم مصدر لقصة الطوفان، و لكن الاكتشافات الحديثة أثبتت أن ذلك مجرد و هم، حيث عثر في عام 1853 م على نسخة من رواية الطوفان البابلية، و في الفترة ما بين عامي 1889، 1900 م، اكتشفت أول بعثة أمريكية قامت بالحفر في العراق اللوح الطيني الذي يحتوي على القصة السومرية للطوفان في مدينة «نيبور» (نفر)، و كان «أرنو بوبل» أول من قام بنشره في عام 1914 م، ثم تبعه آخرون‏ (1)، و إن كانت ترجمة «بوبل» هي الأساس الذي ما يزال يعتمد عليه الباحثون.

و يبدو من طابع الكتابة التي كتبت بها القصة السومرية أنها ترجع إلى ما يقرب من عهد الملك البابلي الشهير «حمورابي» (1728- 1686 ق. م)، على أنه من المؤكد أن القصة نفسها، إنما ترجع إلى عصر أقدم من ذلك بكثير، ذلك لأنه في هذا الوقت الذي كتب فيه اللوح لم يكن هناك وجود للسومريين، بوصفهم عنصرا مستقلا، إذ كانوا قد ذابوا في الشعب السامي، كما أن لغتهم الأصلية كانت قد أصبحت من قبل لغة ميتة، و ذلك على الرغم من أن الكهنة و الكتاب الساميين كانوا لا يزالون يدرسون الأدب القديم و النصوص المقدسة المحفوظة في ثنايا تلك الآداب، و يعيدون كتابتها، و من ثم فإن اكتشاف رواية قصة الطوفان السومرية يدعو إلى افتراض أنها إنما ترجع إلى زمن سابق على احتلال الساميين لوادي الفرات، و أن هؤلاء الساميين قد أخذوا هذه‏

____________

(1) «أ»Arno Poebel ,in ,IV ,Pt .I .P .9 -07 . «ب»

L. W. King, Legends of Babylon and Egypt in Relation to Hebrow Tradition 4191.

«ح»

S. N. Kramer, Sumerian Mythology, Philadelphia. 4491. p. 79- 89.

و كذلك‏ANET ,P .24 /44 .

32

لقصة- فيما يبدو- بعد هجرتهم إلى وادي الفرات عن السومريين‏ (1) الذين سكنوا المنطقة قبلهم‏ (2).

و أما سبب الفيضان، فلا يعسر علينا إدراكه، و لا سيما في بلد تكثر فيه الفيضانات الفجائية كالقسم الجنوبي من العراق، و لكن طوفانا كبيرا كالذي تحدثت عنه المصادر لسومرية و البابلية هو دون شك حدث عظيم وقع قبيل تغلب الإنسان على الأنهار، بما أنشأه من السدود و أعمال الإرواء، و أن هطول الأمطار كان مصحوبا بعواصف مدمرة (3).

و تتضمن قصة الطوفان السومرية عدة وقائع هامة، يتعلق أول ما يمكن قراءته من سطورها بخلق الإنسان و النبات و الحيوان، و بأصل الملكية السماوي، فضلا عن خمس مدن ترجع إلى ما قبل فترة الطوفان، و من أسف أن من بين اللوحات التي تتناول القصة لم تبق سوى لوحة واحدة، و حتى هذه فإن ما بقي منها لا يعدو ثلثها الأخير فحسب، و قد فقدت المقدمة و النهاية الخاصة بذلك النص، و من ثم فإنه غامض في أكثر نواحيه، هذا و يقدر عدد الأسطر التي يتكون منها النص في جملته بحوالي ثلاثمائة سطر، لم يعثر إلا على حوالي المائة منها، و رغم ذلك فانها تقدم لنا الخطوط الرئيسية للنص.

____________

(1) السومريون: يتفق المؤرخون على أن السومريين جنس غير سامي، و أن لغتهم غريبة لا تشبه اللغات السامية، و لا يعلم زمن مجيئهم إلى وادي الرافدين، و إن رأى البعض أن ذلك ربما كان في فترة مبكرة من الألف الرابعة ق. م.، (64- 156.p ، 1948، 52،AJA ) و قد اختلفت الآراء في موطنهم الأصلي، فقد ذكرت أساطيرهم أنهم جاءوا من الجنوب، و من ثم ذهب رأي إلى أنهم مهاجرون من منطقة ما تقع فيما بين شمال الهند و بين أفغانستان و بلوجستان عن طريق الخليج العربي و جزيرة البحرين بعد أن استقروا في غربي إيران فترة ما (عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم ج 1 ص 838)،) E .A .Speiser ,The Sumerian Problem revieved (و ذهب رأي ثان إلى اعتبارهم بدوا مما وراء القوقاز أو مما وراء بحر قزوين، و يرى «روتزني» أنهم جاءوا من آسيا الصغرى، بينما رأى آخرون أنهم جاءوا من السند (أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم ص 28) بل لقد ذهب طه باقر (المرجع السابق ص 89- 90) إلى أنهم من الأقوام التي قطنت العراق في عصور ما قبل التاريخ، و أن حضارتهم أصيلة في العراق، بل و يمكن تسمية أهل حضارة «العبيد» بالسومريين، على الرغم من أننا لا نعرف اللغة التي تكلم بها أهل حضارة العبيد.

(2) جيمس فريزر: المرجع السابق ص 103.

(3) مجلة سومر- المجلد السابع 1951 م- العدد الأول.

33

و على أى حال، فبعد 37 سطرا، نلتقي بمعبود يشير إلى أنه سوف ينقذ البشر من الهلاك و أن الإنسان سوف يبني المدن و المعابد، و يلي ذلك ثلاثة سطور غامضة، ربما كانت تتضمن ما سوف يبذله المعبود في هذا السبيل، ثم الحديث عن خلق الإنسان و الحيوان و ربما النبات ... ثم 37 سطرا ضائعة، نعرف بعدها أن الملكية هبطت من السماء، و أن خمس مدائن أسست ... ثم 37 سطرا ضائعة ... ربما تشير إلى إصرار الآلهة على الإتيان بالفيضان و تدمير البشر، و حين يصبح النص مقروءا نجد بعض الآلهة غير راضين، و تجتاحهم التعاسة بسبب القرار القاسي .... ثم نلتقي ببطل القصة «زيوسودراZiusudra » الذي يوصف بالتقوى، و بأنه ملك يخاف الإله، و يكب على خدمته في تواضع و خشوع، و يطيل النظر إلى المكان المقدس، و هو يقيم بجوار حائط يستمع منه إلى صوت معبوده أنكى الذي أخبره بالقرار الذي اتخذه مجمع الآلهة بإرسال الطوفان «لإهلاك بذرة الجنس البشري».

و لعل من المؤكد أن ما يلي ذلك تعليمات مسهبة إلى «زيوسودرا» ببناء سفينة هائلة لينقذ نفسه من الهلاك، غير أن هذا كله ناقص لوجود كسر كبير في اللوحة، ربما كان يشغل 40 سطرا، و من ثم فنحن ننتقل فجأة من موضوع تحذير الإله للإنسان إلى موضوع الطوفان، فيصف اللوح العاصفة و الأمطار و قد ثارت جميعا، ثم تستمر الرواية فتقول «و بعد أن هبت العاصفة الممطرة على الأرض سبعة أيام و سبع ليال يكتسح الفيضان فيها الأرض، و يدفع الفلك قدما على المياه المضطربة، ثم يظهر بعد ذلك إله الشمس «أوتو» و هو يكسب الضوء على السماء و الأرض، و عند ما تخترق أشعة الشمس السفينة، و يرى «زيوسودرا» نور ربه، و يعلم بصفحة، يخرج من الفلك و يسجد للرب مضحيا له بفحل و شاة».

و يلي ذلك كسر يشغل 39 سطرا، ثم تصف الأسطر الباقية كيف نفث الإله روح الخلود في «زيوسودرا»، مستقرا بأرض دلمون، حيث تشرق الشمس، أي حيث القوة القاهرة للموت‏ (1)، دلمون التي هي مركز الخلق في الأساطير السومرية، جنة الخلد،

____________

(1)

E. O. James, Mythes et Rites dsns le Proche- Oeient Ancien, Paris, 0691, p. 742.

34

«أرض دلمون مكان طاهر، أرض دلمون مكان مقدس‏ (1)»، ثم يوصف «زيوسودرا» بعد ذلك بأنه «الشخص الذي حافظ على سلامة الجنس البشري» (2).

و يحتمل من سياق لوح صغير أن «زيوسودرا» كان قد تلقى الحكمة عن أبيه «شورباك» بن «و بار- توتو» أحد ملوك ما قبل الطوفان، و قد كرر في وصاياه لولده أن يتقبل نصائحه و أن يعمل بها، و ألا يحيد عنها (3) و هاك ترجمة للنص السومري لقصة الطوفان- كما هو موجود الآن‏ (4).

37 سطرا على وجه التقريب مهشمة في بداية النص، ثم يلي ذلك:

إن البشر عبادي، و عن الهلاك المحيق بهم سأعمل ... إلى نينتو ... سأعيد مخلوقاتي.

سأعيد القوم إلى مواطنهم، أما المدن، فحقا سوف يبنون فيها لأنفسهم أماكن للشرائع الإلهية، و سأجعل ظلالها في سلام، و أما عن بيوتنا (ربما يعني أماكن الشرائع الإلهية) فحقا سوف يضعون آجرها في أماكن طاهرة، و هو (أي الإله) قد وجه ... الخاص بالحرم، و أكمل الشعائر، و الشرائع الإلهية المبجلة، و على الأرض ... قد وضع ...

هناك، و بعد أن خلق آتو وانليل وانكى و نينهو رساج البشر «ذوي الرءوس السود (5)»،

____________

(1)

J. Mougayrol et J. M. Aynard, La Mesopotamie, paris, 5691, p. 85- 95

(2) «أ» صمويل نوح كريمر: أساطير العالم القديم، ترجمة د. أحمد عبد الحميد يوسف، مراجعة د.

عبد المنعم أبو بكر، ص 97، «ب» جيمس فريزر: المرجع السابق ص 103- 105، «ج» نجيب ميخائيل: مصر و الشرق الأدنى القديم ج 6 ص 264- 265، «د» رشيد الناضوري: جنوب غربي آسيا و شمال إفريقيا- الكتاب الأول ص 222- 224، و كذلك‏

Samuel Noah Kramer, The Deluge, in ANET, 6691, P. 24- 44.

(3)

W. G. Lambert, Babylonian Wisdom Literature, Oxford, 0691, P. 29 F.

و كذا عبد العزيز صالح: المرجع السابق ص 439.

(4) «أ» محمد عبد القادر محمد: قصة الطوفان في أدب بلاد الرافدين ص 110- 114.

«ب»

Jack Finegan, Light from the Ancient past, 9691, P. 03- 13.

«ج»

S. N. Kramer, in ANET, P. 24- 44, and Sumerian Mythology, P. 79 F.

«د»S .Langdon ,Semitic Mythology ,1391 ,P .602 -8 . و كذلك كريمر: من ألواح سومر ص 252- 259.

(5) أصحاب الرءوس السوداء: أرضهم سومر، و هم ليسوا ساميين و لا آريين، و لغتهم ليست سامية

35

و ازدهر الزرع في الأرض، و أخرجت الحيوانات و مخلوقات السهول ذوات الأربع إلى الوجود بحكمة ... ثم نجابه بحوالي 37 سطرا مهشمة ... و بعد أن أنزلت الملكية من السماء، و بعد أن أنزل «تيارا» المعظم، عرش الملك من السماء ... أكمل الشعائر و الشرائع الإلهية المبجلة، و أسس المدن الخمس في ... مواضع طاهرة، و سماها بأسمائها و جعلها مراكز للعبادة، و كانت أولى هذه المدن «أريدو» فأعطاها إلى «نوديمو» القائد، و الثانية «بادتيبيرا» و أعطاها إلى ...، و كانت الثالثة «لاراك» و أعطاها إلى أندو بيلهور ساج، و أعطى الرابعة «سيبار» للبطل «أوتو»، و أما الخامسة ف «شورباك» و قد أعطاها ل «سود»، و حين سمى هذه المدن و جعلها مراكز للعبادة، فإنه أحضر ...

ثم قرر تطهير الأنهار الصغيرة ... ثم حوالي 37 سطرا مهشمة ...

الطوفان ... هكذا حلّ ب ... ثم بكت نينتو مثل ... و ناحت «أنانا» الطاهرة من أجل أناسها، ثم قام زيوسودرا، الملك، الباشيشو (لقب كهنوتي) و بنى ... ضخما، مطيعا متواضعا في احترام ... حاضرا كل يوم دائما ... محضرا كل أنواع الاحترام ...

ناطقا اسمي السماء و الأرض ... الآلهة حائط ... و كان زيوسودرا واقفا إلى جانبه، و قد سمع ... قف عند الحائط إلى جانبي الأيسر، و عند الحائط سوف ألقي إليك كلمته ... أصغ إلى تعليماتي، بقضائنا ... طوفانا سوف يكتسح مراكز العبادة، و يقضي على بذرة البشر، ذلك قرار، إنها كلمة مجلس الآلهة، بناء على الكلمة التي أمر بها «أنو» و «إنليل» ... و سوف ينتهي ملكها و حكمها ... (حوالي 40 سطرا مهشمة).

وهبت جميع الزوابع بعنف و ضراوة كقوة واحدة، و بعد ذلك و لمدة سبعة أيام و سبع ليال، اكتسح الطوفان الأرض‏ (1) فيها، و تقاذفت الأعاصير السفينة الضخمة فوق المياه‏

____________

أو هندو أوروبية (انظر،

H. Frankfort, the Art and Architecture of the Ancient Orient, )2. n, 235. p

و ربما كانت كتابة الوركاء التصويرية سومرية، و من ثم فإن هؤلاء القوم ربما كانوا في ميزوبوتاميا على الأقل منذ الفترة الأخيرة من عصر الوركاء، و ربما منذ فترة مبكرة من الألف الرابعة ق. م (انظر،J .Finegan ,op -cit ,p .92 ( على أن هذا التعبير، و إن كان يعني السومريين، فربما يعني كذلك سكان سومر و اكد معا، و ربما يشير في هذا النص إلى البشر عامة.

(1) المقصود أرض سومر، و ليس الكرة الأرضية) ANET ,P .34 (.

36

الضخمة، و ظهر «أوتو» الذي يضي‏ء السماء و الأرض، و فتح زيوسودرا كوة (نافذة) في الفلك العظيم، و أنفذ البطل «أوتو» أشعته في الفلك العظيم، و سجد زيوسودرا الملك أمام أوتو العظيم، و في نفس الوقت اكتسح الطوفان مراكز العبادة، و ضحى الملك بفحل و شاة ... (حوالي 39 سطرا مهشمة) تنطق أنت «نسمة السماء» و «نسمة الأرض» حقا، و تبسط نفسها عنه ... و نادى آنو و أنليل نسمة السماء و نسمة الأرض ب ... فبسطت نفسها ... و ازدهر الزرع الذي ينبت من الأرض، و سجد زيوسودرا أمام أنو و إنليل، و رضي أنو و إنليل عن زيوسودرا، الملك، الذي حافظ على اسم الزرع و بذرة البشر، و في أرض دلمون، أرض العبور، حيث تشرق الشمس أسكناه هناك، ... أما بقية اللوح (39 سطرا) فهي مكسورة، و لهذا لا نعرف ما ذا حدث لزيوسودرا بعد ذلك.

و لكن أين أرض دلمون هذه؟

إن العلماء مختلفون في موقع دلمون السومرية هذه، فذهب بعضهم إلى أنها في الجهة الجنوبية الغربية من بلاد فارس (الجزء الشرقي من ساحل الخليج العربي) (1)، و منهم من رأى أنها منطقة وادي السند (2)، و منهم من رأى أنها سهول العراق الكائنة إلى جنوب غرب بابل‏ (3)، و هناك من رأى أنها إنما تقع في القسم الشرقي من جزيرة العرب بين مجان و بيت نبسانو (4)، إلا أن غالبية العلماء يكادون يتفقون على أن موقع دلمون، إنما هو جزيرة البحرين الحالية، أو جزيرة البحرين و الساحل المقابل لها (5).

و سؤال البداهة الآن: هل هناك من الأدلة الأثرية في العراق ما يثبت قصة الطوفان السومرية هذه؟.

____________

(1).

S. N. Kramer, Dilmun, the land of the Living, BASoR, 69, 4491, P. 81- 82.

(2).

S. N. Kramer, the Indus Civilization and Dilmun, the Sumerian Paradise Land Expedition, Philadelphia, 6491, P. 54.

(3) جون ألدر: الأحجار تتكلم- ترجمة عزت زكي- ص 30.

(4).F .Hommel ,Grundriss ,I ,S .052 .

(5).P .B .Cornwell ,On the Location of Dilmun , و كذلك‏

J. Finegan, op- cit., P. 23 BASOR, 301, 6491, P. 3- 11.

37

لقد عثر «سير ليونارد و ولي‏ (1)» في حفائره في «أور» عام 1929 م على طبقة من الغرين السميك الذي يقدر بحوالي ثمانية أقدام و الذي اعتبره دليلا ماديا على الطوفان السومري نظرا لكثافة تلك الطبقة الغرينية و توافقها الزمني إلى حد كبير مع النصوص السومرية، هذا مع ملاحظة أن تلك الطبقة الغرينية تقع فوق و تحت آثار تنتمي إلى عصر حضارة العبيد، و التي تمثل عصر ما قبل الأسرات الأول في جنوب العراق، ثم اتجه «و ولي» بعد ذلك إلى الحفر في موقع بعيد عن «أور» بحوالي ثلاثمائة ياردة من ناحية الشمال الغربي للبحث عن مدى امتداد تلك الطبقة الغرينية، و كانت نتيجة الحفر إيجابية، مما أدى إلى القول بوجهة نظره المشهورة في ارتباط تلك الطبقة الغرينية السميكة بالطوفان الذي ذكرته الكتب المقدسة (2).

و لكن أستاذنا الدكتور رشيد الناضوري يرى أنه لا ينبغي الجزم بصورة حاسمة في هذا الشأن، ذلك لأن جنوب العراق القديم قد واجه الكثير من الفيضانات و الطوفان، فهناك أدلة غرينية على فيضان أو طوفان كبير في شورباك يرجع إلى نهاية عصر «جمدة نصر»، و آخر في «كيش» يرجع إلى فترة لاحقة للفيضان السابق، و هكذا بات من الصعب علينا المقارنة بين تلك الفيضانات، و أيها هو الذي يتفق مع قائمة الملوك السومرية، و لعل فيضان «شورباك» أكثر قربا منها على أساس أن تلك القائمة قد أشارت إلى المدينة الأخيرة، كآخر مدينة قبل حادث الطوفان، و لكن في نفس الوقت علينا ألا نستبعد كلية طوفان «أور» ذي الطبقة السميكة للغاية، أضف إلى ذلك أن عدم العثور على الطبقة الغرينية الموازية في كافة المدن السومرية يدفع إلى الاتجاه باحتمال كون الطبقة الغرينية التي عثر عليها «و ولي» في أور، إنما هي مجرد ترسيب محلي، ليس له الصفة الشاملة (3).

____________

(1)

C. L. Woolley, ur of the Chaldees, London, 0591, P. 22- 92, Excavations at ur, P. 62- 63.

(2) رشيد الناضوري: المرجع السابق ص 225.

(3) نفس المرجع السابق ص 225- 226، و انظر كذلك‏.J .Finegan ,op cit ,P .42 و كذلك‏

H. W. F. Saggs, the Greatness that was Babylon, London, 2691, footnote, P. 43- 53.

38

و هناك من الأدلة كذلك قائمة الملوك السومرية. و المكتوبة بالخط المسماري بعد عام 2000 ق. م‏ (1)، أو في فترة لا تتأخر كثيرا عن منتصف عهد أسره أور الثالثة (حوالي 2112- 2015 ق. م)، و ربما قبيل عهد «أوتوحيجال» من أسرة الوركاء الخامسة، و إن كان يبدو أنها نسخت عن قوائم قديمة ربما ترجع إلى أخريات العهد الأكدي، و على أى حال، فإنها تحتوي على معلومات تاريخية ترجع إلى بداية العصر التاريخي في العراق القديم، و ربما إلى أقدم من ذلك‏ (2).

و تبدأ الوثيقة بالقول أنه «عند ما أنزلت الملكية من السماء كانت في مدينة «أريدو»، ثم تذكر القائمة ثمانية ملوك حكموا قبل الطوفان في خمس مدن هي: أريدو، بادتيبيرا (تل المدائن قرب تللو) لارك (الوركاء: قرب كوت العمارة)، سيبار (أبو حبة) و شورباك (تل فارة)، و أن هؤلاء الملوك قد حكموا 200، 241 سنة، و أن آخر هؤلاء الملوك كان «وبار- توتو» و أنه قد حكم في مدينة شورباك لمدة 600، 18 سنة، ثم جاء من بعدهم الطوفان الذي أغرق الأرض، و بعد زوال الطوفان هبطت الملكية ثانية من السماء إلى «كيش»- و هي تل الأحيمر الآن قرب الحلة- ثم الوركاء (إرك في التوراة)، و هنا تعود القائمة مرة أخرى إلى ذكر أسماء المدن التي حكمت العراق القديم بعد ذلك‏ (3).

و رغم الأرقام الأسطورية التي قدمتها الوثيقة كفترة حكم لملوكها، حتى بات من الصعب علينا أن نعرف منها متى انتهى العصر الأسطوري و متى بدأ العصر التاريخي؟، إلا أن الوثيقة- دون شك- تحمل بين طياتها كثيرا من المعلومات التاريخية الصحيحة، و مع ذلك، فما يهمنا هنا في الدرجة الأولى، أن الوثيقة تتحدث بوضوح عن طوفان يفصل بين فترتي حكم، الأولى سابقة له، و الثانية تالية له، تبدأ بنزول الملكية مرة ثانية

____________

(1)

S. L. Woolley, Excavations At Ur, London, 3691, P. 41.

(2)J .Fin egan ,op .cit .,P .92 . و كذلك‏Ibid .,P .41

(3)J .Fin egan ,op -cit .,P .92 -03 و كذلك‏S .L .Woolley ,op .cit .,P .41 -51 , و كذلك‏A .L .Oppenheim ,in ANET ,P .562 -76 و كذلك‏

Thorkild Jacobson, the Sumerian King List, Assyrian Studies, 11, Chicago, 9391

و كذلك‏

G. A. Barton, the Royal Inscriptions of Sumer and Akkad, P. 643 F.

39

من السماء إلى كيش ثم الوركاء فأور، و لعل في هذا دليلا واضحا على أن قائمة الملوك السومرية إنما تعتبر حادث الطوفان الخطير بمثابة كسر في عملية استمرار تاريخ العراق القديم، و من ثم فهو حد فاصل بين عصور ما قبل التاريخ و العصر التاريخي.

و من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأدلة الأثرية التي عثر عليها في طبقات مدينتي أريدو و الوركاء لتثبت حقيقة ما نصت عليه وثيقة قائمة الملوك السومرية من حيث انتقال السيادة السياسية في جنوب العراق القديم بين تلك المدن‏ (1).

و يتجه «

Sir Leonard Woolley

» إلى اعتبار هذا الطوفان- موضوع الحديث- طوفانا كبيرا لا مثيل له في أي عصر لاحق من تاريخ العراق القديم، صحيح أن هناك في أور، و في مواضع أخرى من ميزوبوتاميا، أدلة على فيضانات مؤقتة و محلية حدثت في أوقات مختلفة من تاريخ العراق القديم، و في بعض الأحايين لم يكن أكثر من نتيجة أمطار هطلت في منطقة محدودة، و لكن صحيح كذلك أن الطوفان الذي وضع نهاية لحضارة «العبيد» إنما يتفق في توقيته مع التاريخ السومري الذي وصل إلينا عن طريق التقاليد، و أنه بعينه الطوفان الذي تحدثت عنه قائمة الملوك السومرية، و هو الطوفان الذي روته التوراة في سفر التكوين، على أنه يجب ألا يفهم أن القصة بحذافيرها صحيحة، صحيح أن الخلفية حقيقة تاريخية، و لكن التفاصيل قد زخرفها المؤلف السومري و العبري ببيانات و أوصاف تتفق و هدف كل منهما من كتابتها، فمثلا تقول التوراة إن الماء قد ارتفع 26 قدما، و هذا ما يبدو صحيحا إلى حد كبير، كما أن القصة السومرية تصف إنسان ما قبل الطوفان بأنه كان يعيش في أكواخ من بوص، و هذا أمر أثبتته الحفائر في العبيد و في أور، و أن نوحا قد بنى فلكه من خشب خفيف لا ينفذ منه الماء و لا يؤثر فيه، و أنه قد طلاه من داخل و من خارج، و هو أمر قد أثبتته الحفائر (2).

و هناك من الأدلة كذلك ما حدثنا عنه «سير ليونارد و ولي» من أنه قد وجد في أمور

____________

(1) رشيد الناضوري: المرجع السابق ص 247.

(2)Sir Leonard Woolley ,op .cit .,P .43 -63 .

40

أسفل طبقة المباني السومرية طبقة طينية مليئة بقدور من الفخار الملون، مختلط بها أدوات من الصوان و الزجاج البركاني، و كان سمك هذه الطبقة حوالي 16 قدما (3 أمتار تقريبا) أسفل المباني الطينية التي يمكن تأريخها بحوالي عام 2700 ق. م، و أن أور قد عاشت أسفل هذه الطبقة في عصر ما قبل الطوفان، و لم تجر حتى الآن أي حفائر على نطاق واسع في هذه المنطقة، و كل ما أمكن إثباته هو وجود مدينة قبل الطوفان ... و أن الفخار الملون قد اختفى، و يستنتج «و ولي» أن سبب اختفاء هذا الفخار الملون الذي كان منتشرا في جنوب بلاد الرافدين قبل الطوفان اختفاء تاما مرة واحدة، هو أن الطوفان قد قضى قضاء تاما على سكان هذه البلاد، و حتى من بقي منهم حيا فقد فقد القدرة على الإنتاج، فجاء شعب جديد، هم السومريون، إلى تلك البلاد الخالية، و أسسوا حضارة جديدة، و كان فخارهم مصنوعا على دولاب الفخار، بدلا من الفخار المصنوع باليد الذي كان سائدا في عصور ما قبل الطوفان، كما استعملوا الأدوات المعدنية بدلا من الصوان‏ (1).

و لعل سائلا يتساءل، و هل كان الطوفان السومري هذا طوفانا عاما أغرق الدنيا كلها، أم أنه كان مقصورا على جنوب العراق؟.

و يجيب «و ولي» بأن الطوفان لم يكن طوفانا عالميا عمّ الكون بأسره، و إنما كان مقصورا على الحوض الأسفل لنهري الدجلة و الفرات، و أنه قد أغرق المنطقة الصالحة للسكنى هناك بين الجبال و الصحراء،- و التي هي بالنسبة إلى السكان الذين يعيشون فيها بمثابة العالم كله- و أن المساحة التي شملها الطوفان ربما كانت 400 ميل طولا، في 100 ميل عرضا، و أن الغالبية العظمى من السكان قد أغرقهم الطوفان، و أن القوم قد رأوا أن هذه الكارثة بمثابة عقاب من الإله بسبب آثام الناس و خطاياهم، و أن قلة نادرة قد نجت، و أن رأس هذه القلة قد نظر إليه كبطل للقصة، و هو هنا «زيوسودرا» (2).

____________

(1) محمد عبد القادر: المرجع السابق ص 96- 97.

(2)Werner Keller ,the Bib As History , و كذلك‏

Sir Leonard Woolley, op. cit., P. 63. London, 7691, P. 05- 51.

41

ثانيا: قصص الطوفان البابلية

1- ملحمة جلجاميش:

لقد ظل العالم لا يعرف شيئا عن قصة الطوفان البابلية إلا من خلال رواية «بيروسوس» التي كتبت باللغة اليونانية- و التي سوف نتحدث عنها فيما بعد- إلى أن عثر «ه. رسام‏

H. Rassam

» في عام 1853 م على نسخة من رواية الطوفان البابلية في مكتبة «آشور بانيبال» (668- 626 ق. م) الشهيرة في العاصمة الآشورية «نينوى» ترجع إلى القرن السابع ق. م.

و في الثالث من ديسمبر 1872 م أعلن «سيدني سمث» نجاحه في جمع القطع المتناثرة من ملحمة جلجاميش بعضها إلى بعض، مكتوبة في اثني عشر نشيدا، أو بالأحرى لوحا، و محتوية على قصة الطوفان في لوحها الحادي عشر (1).

و أما «جلجاميش» هذا فهو واحد من الملوك الذين ورد اسمهم في ثبت ملوك الوركاء في عهد أسرتها الأولى التي لا نعرف عنها شيئا سوى أسماء ملوكها، و قد صار بعضهم- مثل جلجاميش- موضوعا لقصص و ملاحم شعرية، و يرجح العلماء الآن أن هؤلاء الملوك قد حكموا في العراق- في مدينة الوركاء- قبل عصور فجر الأسرات أو في بدايته‏ (2)، على أننا نستطيع أن نعين تاريخا تقريبيا لعهد «جلجاميش» هذا عن طريق قطعة من المرمر موجودة بالمتحف العراقي- و إن كانت مجهولة الأصل- كتب عليها «مي- براج- سي» ملك كيش، و قد ثبت أنه الملك الثاني و العشرين من أسرة كيش الأولى «إن مي- براج- سي» هو في نفس الوقت والد «أجا» ملك كيش الذي حارب ضد «جلجاميش» خامس ملوك الوركاء- كما تحدثنا أسطورة جلجاميش و أجا السومرية (3)- و يرى «جورج روكس» أن «إن- مي- براج- سي» هو أقدم حاكم‏

____________

(1)M .F .Unger ,Unger`s Bible Dictionary ,P .173 . و كذا: جيمس فريزر: المرجع السابق ص 96- 97.

(2) طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ج 1 ص 459.

(3)S .N .Kramer ,in ANET ,p .44 -74 . و كذا نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص 265- 267.

42

سومري معروف لنا، و إذا ما اعتبرنا أن «سرجون الأكدي» كان يعيش في الفترة (2371- 2316 ق. م)، فإنه من الممكن تقدير تاريخ حكم «إن- مي- براج- سي» هذا بحوالي عام 2700 ق. م، كما يمكن اعتبار ذلك التاريخ بداية للعصر التاريخي في العراق القديم‏ (1)، و من ثم فإن جلجاميش كان يعيش بعد هذا التاريخ بفترة ليست بعيدة على أي حال.

و قد اشتهر جلجاميش في آداب العراق القديم منذ أقدم عصور التاريخ، و صار موضوعا لعدة ملاحم سومرية و بابلية، تدور حول مغامراته و أعماله البطولية، حتى صار أشبه ما يكون بأبطال اليونان في عهد الأشعار الهومرية، و هرقل و الإسكندر في المآثر العربية، و نمرود الوارد في التوراة (2)، و إن كانت ملحمته المشهورة بقصة جلجاميش، و التي يؤلف خبر الطوفان جزءا منها، أشهر ما عرف عنه من قصص و ملاحم.

و هاك ملخصا لها:

تبدأ قصة الطوفان بعد أن ينتهي جلجاميش من قصته التي فقد في أخرياتها صديقه «أنكيدو»، ذلك أن جلجاميش كان ملكا حكيما واسع المعرفة، شجاعا جريئا، و لكنه كان ظالما مستبدا، و من ثم فإن الآلهة قد خلقت له «أنكيدو» ليدافع عن الناس ضد ظلمه، إلا أن الصراع بينهما لم يحسم في مصلحة واحد منهما، و من ثم فقد تمّ الصلح بينهما، و قام الاثنان بمغامرات كثيرة، ثم مات أنكيدو فجأة، فحزن جلجاميش لفقده، ثم أسلمه الحزن إلى المرض، و ظل خائفا يترقب مصيره المحتوم، و إن كان في الوقت نفسه بدأ يفكر في وسيلة يتقي بها غائلة الموت، و هكذا هداه تفكيره إلى البحث عن جده «أوتنابيشتم» بن «وبار- توتو» ليسأله عن كيفية إمكان أن يكون الإنسان الفاني مخلدا، إذ كان على يقين من أن «أوتنابيشتم» على علم بهذا الأمر، ذلك لأن الآلهة قد رفعته إلى مصافها، و جعلته يسكن بعيدا في مكان ما متمتعا بنعمة الخلود.

و يتحمل جلجاميش من أجل بغيته هذه رحلة مضنية خطيرة، يلتقي في أثنائها

____________

(1) محمد أبو المحاسن عصفور: معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم ص 349- 350. و كذا

George Roux, Ancient Iraq, )Penguin Books(, 6691, P. 911- 021.

و كذاSir Leonard Woolley ,op .cit .,P .41 .

(2) طه باقر: المرجع السابق ص 459.

43

برجل و امرأة في شكل ثعبانين يحرسان جبلا، كما يخترق طريقا مفزعا مظلما لم تطأه قدما إنسان فان من قبل، ثم يعبر بحرا مترامي الأطراف، و أخيرا يلتقي بإحدى الإلهات فيطلب منها أن تدله على مكان جده «أوتنابيشتم»، و لكنها- و قد علمت هدفه- تسدي إليه النصح قائلة: إلى أين تسعى يا جلجاميش؟ إن الحياة التي تبغي لن تجدها، ذلك لأن الآلهة لما خلقت البشر جعلت الموت من نصيبهم، و استأثرت هي بالخلود ...

لتكن مبتهجا ليل نهار، و لتجعل كل يوم من حياتك يوم فرح و حبور ... دلّل الطفل الذي يمسك بيدك، أدخل السرور إلى قلب المرأة التي في أحضانك ... فهذا هو نصيب البشرية»، و مع ذلك فإن جلجاميش يصر على سؤاله، فلا تجد الإلهة إلا أن تجيبه إلى ما يريد.

و يلتقي جلجاميش بجده «أوتنابيشتم» فيطرح سؤاله عن كيفية حصول الإنسان على الخلود، و هنا يجيبه «أوتنابيشتم»: هل بنينا بيتا يقوم إلى الأبد؟ هل عقدنا عهدا على أن نستمر إلى أبد الآبدين؟ لم يكن هناك خلود منذ القدم، ما أعظم الشبه بين الميت و النائم، أ لا تظهر على وجهيهما هيبة الموت؟ و هكذا مصير السيد و العبد حتى ينتهي أجلهما في هذه الدنيا ... و حين يتعجب جلجاميش من هذه الإجابة من شخص كان هو نفسه إنسانا فانيا ثم أصبح مخلدا فيما بعد، كان على «أوتنابيشتم» أن يشرح له كيف استطاع هو نفسه أن يهرب من المصير المحتوم لكل إنسان، فقص عليه قصة الطوفان الكبير التي تجرى على النحو التالي.

و هاك ترجمة (1) لها:

____________

(1)

E. A. Speiser, The Epic of Gilgamesh, in ANET, P. 27- 99.

و كذلك محمد عبد القادر: المرجع السابق ص 98- 110، و كذلك طه باقر: المرجع السابق ص 467- 470، و كذا نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص 347- 359، و كذلك: جيمس فريزر: المرجع السابق ص 97- 101.

و كذلك‏J .Finegan ,op .cit .,P .33 -36 . و كذلك‏J .Gray ,Near Eastern Mythology ,P .84 -15 . و كذاS .Langdon ,Semitic Mythology ,P 012 -32 و كذلك‏

Alexander Heidel, The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels, 9491.

و كذلك‏

E. A. Wallis Budge, the Babylonian story of the Deluge and the Epic of Gilgamesh, 0291

و كذلك‏ANEA ,P .04 F . و كذا

E. Campbell Thompson, the Epic of Gilgamesh, 0391

44

قال أوتنابيشتم له، لجلجاميش، سأكشف لك يا جلجاميش عما خفي من الأمر، سوف أخبرك بسر الآلهة، شورباك مدينة أنت تعرفها على ضفاف الفرات، و هي مدينة قديمة قدم الآلهة التي بها، عند ما انتوت الآلهة إحداث الطوفان، كان من بينهم «آنو» أبوهم، و «انليل» الشجاع مستشارهم، و «نينورتا» مساعدهم، و «إينوجي» مفتش الترع، و «نينجيكو- أيا» كان حاضرا معهم، و أعاد قولهم إلى كوخ القصب (ربما مسكن أوتنابيشتم): يا كوخ القصب، يا حائط، يا حائط، اصغ يا كوخ القصب، استمع يا حائط، يا رجل شورياك، يا ابن «وبار- توتو».

اهدم هذا البيت، و ابن فلكا، دع الأملاك و أنقذ حياتك، اهجر المتاع ودع الروح حية، و احمل على ظهر الفلك بذرة كل شي‏ء حي، و الفلك التي ستبنيها ستكون أبعادها حسب هذا المقياس، عرضها مثل طولها، و اجعل سقفها كسقف الأيسو (العالم السفلي). ففهمت و قلت لمولاي «إيا»: نعم يا مولاي، إن ما تأمر به يشرفني أن أنفذه، لكن بم أجيب المدينة: الناس و الشيوخ.

ففتح «إيا» فاه و أجاب قائلا لخادمه، لي أنا، قل لهم: علمت أن إنليل يعاديني، و من ثم فلا أستطيع أن أقيم في مدينتكم أو أضع قدمي في أملاك أنليل، و لذا فسوف أنزل إلى الأعماق، و أسكن مع مولاي «إيا»، و أما أنتم فسوف ينزل عليكم مطرا مدرارا ... خير الطيور و أندر الأسماك، و سوف تمتلئ الأرض بمحاصيل وفيرة، و مع انبثاق الفجر تجمعت الأرض من حوالي ... النص مهشم، و حمل الصغار القار، و جاء البالغون بكل ما احتجنا إليه.

و في اليوم الخامس أقمت هيكلها (أي السفينة)، و كانت أرضيتها فدانا كاملا، و كان ارتفاع كل حائط من حوائطها 120 ذراعا، و طول كل ضلع من السطح 120 ذراعا، و بنيت هيكل جوانبها و ربطتها إلى بعضها، و جعلت فيها ستة أسطح، قسمتها إلى سبعة طوابق، و قسمت أرضيتها تسعة أجزاء، و دققت سدادات المياه بها، و جهزتها بما نحتاج إليه من المؤن، و صببت في الفرن ست سار (السار- 800 جالون) من القار، كما صببت كذلك ثلاثة سار من الأسفلت، (فضلا) عن ثلاثة سار من الزيت نقله‏

45

حاملو السلال، و سار من الزيت استهلكته القلفطة، كما خزن الملاح سارين من الزيت، و ذبحت ثيرانا للناس، و نحرت ماشية كل يوم، و أعطيت العمال عصير فواكه، و نبيذا أحمر و آخر أبيض، و كأنه مياه النهر، ليشربوا و كأنهم في يوم عيد رأس السنة، و فتحت ... الدهون، لوضعها على يدي.

و اكتمل الفلك في اليوم السابع، و كان إنزاله إلى الماء بالغ المشقة، حتى إنهم اضطروا لدفع ألواح الأرضية من أعلى و من أسفل، حتى أمكن إنزال ثلثي هيكله إلى الماء، و حملتها بكل ما عندي، حملتها بكل ما لذي من فضة، حلمتها بكل ما لدي من ذهب، حمّلتها بكل ما أملك من الكائنات الحية و كل عائلتي و ذوي قرباي، أركبتهم الفلك، و كذا حيوان الحقل و وحوش الحقل، و كل الصناع أركبتهم معي.

و قد حدّد لي «شمس» (شماس) وقتا معينا، عند ما ينزل الموكل بالزوابع ليلا مطرا مهلكا، أصعد إلى الفلك و أوصد بابه. و جاء اليوم الموعود، و أنزل الموكل بالزوابع ليلا مطرا مهلكا، و أخذت أرقب وجه السماء، و كان منظر العاصفة مخيفا يثير الرعب، فصعدت إلى الفلك و أوصدت بابه، و عهدت إلى النوتي «بوزور- أمورى» بقيادة الفلك، و بسد جميع منافذه.

و مع انبثاق الفجر، ظهرت في السماء غمامة سوداء، و أرعد «أداد» من داخلها، و تقدمها «شولات» و «هانيش» كنذيرين فوق التل و السهل، و نزع «إيرجال» (نرجال إله العالم السفلي) الأعمدة (أي الأعمدة الخاصة بسد العالم)، و جاءت «نينورتا» و جعلت السدود تفيض، و حمل «أنوناكي» المشاعل و جعلوا الأرض تشتعل نارا، و وصل الذعر من «أداد» إلى عنان السماء، فأحال النور إلى ظلمة، و انصدعت الأرض الواسعة، و كأنها جرة، وهبت عاصفة الجنوب يوما كاملا بسرعة عنيفة حتى أخفت الجبال، و حلت بالناس و كأنها حرب، فلا يرى الأخ أخاه، و لم يعد الناس يعرفون من في السماء، و خشي الآلهة الطوفان فأجفلوا و صعدوا إلى سماء «أنو» (أعلى سماء في النظرية العالمية عند الأكديين) حيث ربضوا كالكلاب على الأسوار الخارجية، و صرخت عشتار و كأنها امرأة جاءها المخاض، و ناحت سيدة الآلهة ذات الصوت الشجي‏

46

بصوت عال: وا حسرتاه!، لقد تحولت الأيام الخوالي إلى طمي، لأني لعنت الناس في مجمع الآلهة، و لكن: كيف ألعن الناس في مجلس الآلهة، و أعلن حربا لفناء الناس، بينما أنا التي وهبتهم الحياة، إنهم يملئون البحر كبيض السمك، و بكى آلهة «أنوناكي» معها و جلس الآلهة جميعا يبكون في ذلة، و قد التصقت شفاههم بعضها ببعض، و استمرت ريح الفيضان تهب ستة أيام و ست ليال، و عاصفة الجنوب تكتسح الأرض.

و في اليوم السابع سكنت عاصفة الجنوب عن الحرب التي شنتها و كأنها جيش من الخيالة، و هدأ البحر، و سكنت العاصفة و توقف الطوفان، و تطلعت إلى الجو، فإذا السكون شامل، و إذا الناس و قد تحولوا إلى طين، و إذا الأرض قد تشققت و كأنها جرة، ففتحت كوة و سقط الضوء على وجهي، فجلست و بكيت و سالت دموعي على وجهي، و تطلعت إلى الدنيا في عرض البحر، و في كل من الأقاليم الأربعة عشر، (الاثني عشر) طلع نجم.

و استوت الفلك على جبل نيصير (1)، و أمسك جبل نيصير بالفلك و لم يدعها تتحرك، و يوم ثم يوم آخر، و جبل نيصير يستمسك بالسفين فلا تحير حراكا، و يوم ثالث و رابع، و جبل نيصير يستمسك بالسفين فلا تحير حراكا و يوم خامس ثم يوم سادس و جبل نيصير يستمسك بالسفين فلا تحير حراكا، فلما كان اليوم السابع أطلقت حمامة فذهبت و عادت و عزّ عليها أن تجد مكانا ظاهرا تحط عليه، ثم أطلقت «سنونو»، إلا أنه عاد، إذ لم يكن ثمة مكان ظاهر يحط عليه، ثم أطلقت غرابا فذهب و رأى الماء يتناقص فأكل و عبّ و دار و لم يعد، ثم أطلقت الجميع إلى الرياح الأربعة، و ضحيت و أرقت سكيبة على قمة الجبل، و نصبت 4 أقدار، و على صحاف قوائمها كومت القصب و خشب الأرز و الآس. فشمت الآلهة الرائحة الزكية، و تكأكأت حول الأضاحي، و عند ما وصلت سيدة الآلهة (عشتار) نزعت المجوهرات العظيمة التي صاغها لها «أنو»

____________

(1) تصف النصوص المسمارية البابلية القديمة موقع جبل نيصير (نيزير) بأنه بين الدجلة و الزاب الأسفل و حيث سلسلة جبال كردستان في شرق الدجلة، و على أى حال فهو يمكن توحيده بجبل بئر عمر جدرون (انظرKeller ,op .cit .,75 و كذاFinegan ,op .cit .,P .53 . و كذاSpeizer ,AASOR ,8 ,6291 -72 ,P .7 ,71 -81 . و محمد عبد القادر: قصة الطوفان في أدب بلاد الرافدين).

47

طبقا لمشتهاها، و قالت: أيتها الآلهة، كما أنني سوف لا أنسى حقا عقد اللازورد الذي في عنقي، فسوف أذكر هذه الأيام و لن أنساها، ليتقدم الآلهة إلى القربان، إلا أنليل، فإنه لا يتقدم، لأنه أحدث الطوفان دون روية، وقاد شعبي إلى التهلكة.

و لما جاء أنليل و رأى الفلك عزّ عليه ذلك، و امتلأ غضبا على آلهة «أجيجي» (آلهة السماء) و قال: هل نجت روح، ما كان للبشر أن يبقى، ففتح «نينورتا» فاه و قال: من غير «إيا» يفشي الخطط، فإنه، يا أنليل الباسل، يعلم كل شي‏ء. و فتح «إيا» فاه و قال لأنليل البطل: أنت يا أحكم الآلهة، أيها البطل، كيف تحدث الطوفان دون روية، على الآثم وزر إثمه، و على المعتدي وزر اعتدائه، كن رحيما و إلا قطع ... كن صبورا و إلا أقضي ...

ليت أسدا هب و قلل من بني الإنسان، بدلا من أن تأتي بالطوفان، ليت ذئبا هب و قلل من بني الإنسان، بدلا من إحداث الطوفان، ليت مجاعة هبت و قللت من بني الإنسان بدلا من إحداث الطوفان، ليت طاعونا هب و قلل من بني الإنسان بدلا من إحداث الطوفان.

لست أنا الذي أفشيت سر الآلهة العظام، بل جعلت «أتراخاسيس» (حكيم الحكماء- أوتنابيشتم) يرى حلما كشف فيه سر الآلهة، فاقض فيه ما أنت قاض، و حينئذ صعد أنليل إلى ظهر السفين و أمسك بيدي و أخذني إلى ظهرها و أخذ زوجتي و جعلها تركع بجانبي و وقف بيننا ليباركنا و قال: لم يعد أوتنابيشتم بشرا، سيكون هو و زوجته أشبه بنا معشر الأرباب، و على ذلك أخذوني و أسكنوني بعيدا عند مصاب الأنهار، و لكن أنت يا جلجاميش من يجمع لك مجمع الآلهة ليهبوا لك الحياة التي تريد؟ ..

2- قصة بيروسوس:

في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد، و على أيام الملك «أنتيوخوس الأول» (280- 261 ق. م)، كان هناك أحد كهنة الإله «مردوك» البابلي، و يدعى «بيروسوس‏Berossos » قد كتب تاريخ بلاده باللغة اليونانية في ثلاثة أجزاء، و من‏

48

أسف أن هذه الكتابات- شأنها في ذلك شأن كتابات الكاهن المؤرخ المصري مانيتو من نفس الفترة- و التي تقدم وجهة النظر القومية حينئذ عن تاريخ العراق القديم لم تصل إلينا كاملة، و كل ما وصلنا منها مقتطفات حفظها لنا المؤرخون المتأخرون من الأغارقة، و من حسن الحظ أن هذه المقتطفات كانت تحتوي على قصة الطوفان البابلية التي تجري أحداثها على النحو التالي:

في عهد الملك «أكسيسوثروس»، و في ليلة ما، رأى هذا الملك فيما يرى النائم أن الإله «كرونوس» يحذره من طوفان سوف يغمر الأرض و يهلك الحرث و النسل، في اليوم الخامس عشر من شهر «دايسيوس»- و هو الشهر الثامن من السنة المقدونية- و من ثم فإن عليه أن يكتب تاريخ البشرية منذ بدايتها، و أن يدفن ما يكتبه في مدينة سيبار، بلد الشمس، حتى لا يضيع في طوفان سوف يدمر كل شي‏ء، كما أمره كذلك أن يبني فلكا يأوي إليه.

و يسأل «أكسيسوثروس» ربه عن المكان الذي يبحر إليه بفلكه هذا، فإذا به يجيبه «إلى الآلهة، و لكن بعد أن تصلي من أجل خير الناس»، و يصدع الملك بأمر إلهه، و يبني فلكا طوله مائة و ألف ياردة، و عرضه أربعمائة و أربعون ياردة، يجمع فيه كل أقربائه و أصحابه، و يختزن فيه زادا من اللحم و الشراب، فضلا عن الكائنات الحية من الطيور و ذوات الأربع.

و يغرق الطوفان الأرض، و عند ما ينحسر عنها يطلق الملك سراح بعض الطيور التي تعود إليه ثانية، ثم يطلقها بعد أيام، فإذا بها تعود و أرجلها ملوثة بالطين، و حين يكرر الأمر مرة ثالثة لا تعود الطيور إلى الفلك، و يعلم الملك أن الماء قد انحسر عن الأرض، و ينظر من كوة في السفين فيرى الشاطئ الذي يتجه إليه، و هناك تستقر الفلك عند جبل، حيث ينزل الملك و زوجته و ابنته و قائد الدفة.

و يسجد الملك لربه و يقدم له القرابين، ثم يختفي هو و من معه، و يبحث الذين ما يزالون في الفلك عن الملك و رفاقه، و لكنهم لا يجدون لهم أثرا، و حين يجدّون في البحث عن المختفين يسمعون صوتا يدوي في الهواء، و يطلب منهم أن يتقوا الآلهة و يكفوا عن‏

49

البحث عن المختفين، لأن الآلهة قد اختارتهم لكي يسكنوا إلى جوارها، ثم يأمرهم الصوت بالعودة إلى بابل و البحث عن الكتابات المدفونة هناك، و أن يوزعوها فيما بينهم، كما أخبرهم الصوت أن الأرض التي يقفون عليها، إنما هي أرض أرمينيا، و هكذا عاد القوم- دون المختفين- إلى بابل، و استخرجوا الكتابات المدفونة في سيبار، و شيدوا مدنا كثيرة، و أعادوا الأرض المقدسة و عمروا بابل بنسلهم‏ (1).

و هناك رواية أخرى لأسطورة الطوفان قديمة كل القدم، اكتشفت في مدينة «نيبور» (2) في أثناء عمليات الحفر التي قامت بها جامعة بنسيلفانيا، و هذه الرواية مدونة على كسرة من الفخار غير المحترق، و قد رأى الأستاذ «ه. و. هيلبرخت» مرتكزا على أسلوب كتابتها، و على المكان الذي عثر عليها فيه، أن هذه الرواية لم تدون بعد عام 2100 ق. م، و قد ورد في هذه الرواية أن الإله ظهر ليذيع نبأ حدوث طوفان سيكتسح الجنس البشري في الحال، و حذر من هذا الطوفان شخصا بعينه، فطلب منه أن يبني فلكا كبيرا، ذا سقف قوي، لينجو فيها بحياته، و أن يأخذ معه فيها صنوف الحيوان الأليفة و طيور السماء (3).

و هكذا فإن هناك الكثير من الشواهد الأثرية لقصة الطوفان البابلية، تؤيدها كتابات على لوح مهشم اكتشف في مدينة «سيبار» أثناء عملية الحفر التي قامت بها الحكومة التركية، و يرجع إلى حوالي عام 1966 ق. م، نستطيع أن نستخلص منه اسم «أثرخاسيس» (أترام خاسيس)، فضلا عن إشارات إلى المطر الغزير، و إلى السفين‏

____________

(1) سير جيمس فريزر: الفلكور في العهد القديم- ترجمة نبيلة إبراهيم- مراجعة حسن ظاظا- ج 1- ص 94- 95.

(2) نيبور: و تقع على مبعدة مائة ميل إلى الجنوب من بغداد، و في منتصف المسافة تقريبا بين كيش و شورباك، و تعتبر نيبور أهم المراكز الثقافية السومرية في العراق القديم، كما أنها أكبر مدينة مقدسة، و ربما أكبر مركز ديني في بابل، كما أن «انليل» إله المدينة كان رئيس مجمع الآلهة البابلي، و قد أمدتنا المدينة بالآلاف من اللوحات المكتوبة و الجذاذات التي صنفت في الألف الثالثة و الثانية ق. م، و التي تدل بوضوح على مدى انتشار الثقافة السومرية (انظرKFTS ,P .772 ) و كذلك‏

J. P. Peters, Nippur, or Explorations on the Euphates, 2 vols., 7981.

و كذك‏

H. W. Hilpecht, the Excavations in Assyeia and Babylonia, 3091, P. 982 FF

(3) جيمس فريزر: المرجع السابق- ص 102.

50

الذي أمر الملك التقي في «شورباك» ببنائه، و إلى الأفراد الذين أنقذوا من الطوفان بواسطة الفلك‏ (1).

هذه هي أهم الروايات لقصة الطوفان في العراق القديم، و قبل أن نعقد مقارنة بين القصص السومرية و البابلية، نودّ أن نشير إلى أنه قد عثر في أرشيف «بوغازكوي» العاصمة الحيثية على نسخة ترجع إلى الألف الثاني ق. م، فضلا عن ترجمة للقصة باللغة الحيثية، و أخرى بالحورية على جزء من لوحة حورية.

يرى «جيمس فريزر (2)» أن قصة الطوفان السومرية تتفق في ملامحها الأساسية مع قصة الطوفان كما جاءت في ملحمة جلجاميش التي تتميز عن أختها السومرية بطولها و كثرة حوادثها، ففي كلتا القصتين قرر إله كبير أن يهلك الجنس البشري عن طريق إغراق الأرض بالأمطار، و في كليتهما حذر إله آخر رجلا من حدوث الكارثة، و قد أنقذ هذا الرجل و من معه عن طريق سفينة أمر ببنائها، و في كلتا الحكايتين بلغ الفيضان ذروته في اليوم السابع، و في كلتا الحكايتين قدم الإنسان ضحيته للآلهة بعد أن انتهى الطوفان، ثم رفعته الآلهة بعد ذلك إلى مصافها.

أما الاختلاف الجوهري الوحيد بين الروايتين، فيتمثل في اسم البطل فيهما، فهو «زيوسودرا» في الرواية السومرية، و هو «أوتنابيشتم» أو «أثرخاسيس» في الرواية السامية.

ثالثا: قصة الطوفان اليهودية كما ترويها التوراة:

وردت هذه القصة في الإصحاحات من السادس إلى التاسع من سفر التكوين، و تجري أحداثها على النحو التالي- كما يصورها النص العربي للتوراة-:

بدأ الناس يتكاثرون على الأرض، و يلدون بنات، و هنا رأى أبناء اللّه أن بنات الناس حسناوات، و من ثم فقد اتخذوا منهن لأنفسهم نساء، و سرعان ما أنجبت النسوة من بنات الناس، أبناء للرجال من أبناء اللّه، «و هم الجبابرة منذ الدهر».

____________

(1) جيمس فريزر: المرجع السابق- ص 102. و كذاE .Sollberger ,The Flood ,P .42 F و كذاe .sollberger ,the flood ,p .42 f

(2) جيمس فريزر: المرجع السابق- ص 105.

51

و هنا رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، فحزن أنه عمل الإنسان في الأرض و تأسف في قلبه، و عزم على أن يمحو الإنسان و البهائم و الدواب و الطيور عن وجه الأرض، و إن استثنى من ذلك نوحا، لأنه «كان رجلا بارا كاملا في أجياله، و سار نوح مع اللّه».

و تزداد شرور الناس، و تمتلئ الأرض ظلما، و يقرر الرب نهاية البشرية، إذ تحدرت إلى شر و غواية، و يحيط نوحا علما بما انتواه، آمرا إياه بأن يصنع فلكا ضخما، «ثلاثمائة ذراع يكون طول الفلك و خمسين ذراعا عرضه، و ثلاثين ذراعا ارتفاعه»، و أن يكون طلاؤها بالقار و القطران من داخل و من خارج، حتى لا يتسرب إليها الماء، و أن يدخل فيها اثنين من كل ذى جسد حي، ذكرا و أنثى، فضلا عن امرأته و بنيه و نساء بنيه، هذا إلى جانب طعام يكفي من في الفلك و ما فيه‏ (1).

و يكرر الرب أوامره لنوح في الإصحاح التالي، فيأمره أن يدخل الفلك و من معه، «و من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة ذكرا و أنثى، و من البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا و أنثى، و من طيور السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا و أنثى لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض»، ذلك لأن الرب قرر أن يغرق الأرض و من عليها و ما عليها بعد سبعة أيام عن طريق مطر يسقط على الأرض أربعين يوما و أربعين ليلة، و يصدع نوح بأمر ربه فيأوي إلى السفين و معه أهله و اثنين من البهائم الطاهرة و غير الطاهرة، فضلا عن الطيور و كل ما يدب على الأرض.

و في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني من عام ستمائة من حياة نوح بدأ الطوفان، «و انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم و انفتحت طاقات السماء، و استمر الطوفان أربعين يوما على الأرض»، و تكاثرت المياه و رفعت الفلك عن الأرض و تغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء، خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه، و مات كل جسد كان يدب على الأرض، من الناس، و الطيور و البهائم و الوحوش و كل‏

____________

(1) تكوين 6: 1- 22.

52

الزحافات، و بقي نوح و الذين معه في الفلك فحسب‏ (1).

و مضت مائة و خمسون يوما نقصت من بعدها المياه، حتى إذا ما كان اليوم السابع عشر من الشهر السابع استقرت الفلك على جبل أراراط، ثم ظهرت رءوس الجبال في اليوم الأول من الشهر العاشر، ثم تمضي أربعون يوما، و بعدها يرسل نوح غرابا ثم حمامة تعود بعد فترة، «لأنها لم تجد مقرا لرجلها»، ثم يعود نوح فيرسلها ثانية بعد سبعة أيام أخر، فتعود و معها ورقة زيتون خضراء، و يكرر نوح المحاولة بعد سبعة أيام أخر، فلا تعود إليه الحمامة.

و في أول الشهر الأول من السنة الواحدة بعد الستمائة من حياة نوح «فإذا وجه الأرض قد نشفت»، و أمر نوحا أن يخرج من السفين، و كذا من معه و كل الحيوانات و الدواب و الطيور، و يبني نوح مذبحا للرب و يصعد له محرقة، «فتنسم الرب رائحة الرضا، و قال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض من أجل الإنسان .. و لا أعود أميت كل حي كما فعلت» (2).

«و بارك اللّه نوحا و بنيه و قال لهم أثمروا و اكثروا و املئوا الأرض، و لتكن خشيتكم و رهبتكم على كل حيوانات الأرض و طيور السماء»، ثم حرم عليهم قتل بعضهم البعض الآخر، لأن «سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه، لأن اللّه على صورته عمل الإنسان»، ثم يقيم اللّه ميثاقه مع نوح و بنيه و مع نسلهم من بعدهم، فضلا عن الطيور و البهائم و كل وحوش الأرض، على ألا يكون هناك طوفان بعد اليوم، ذلك لأن الرب قد وضع قوسه في السحاب كعلامة ميثاق بينه و بين كل ذي جسد على الأرض، و أنه متى نشر السحاب على الأرض و ظهر القوس، تذكر الرب ميثاقه، فلا يكون طوفان يهلك كل ذي جسد على الأرض‏ (3).

و تختم التوراة قصة الطوفان برواية دنيئة كاذبة مؤداها أن نوحا قد شرب مرة بعد

____________

(1) تكوين 7: 1- 23.

(2) تكوين 7: 1- 21.

(3) تكوين 9: 1- 17.

53

نجاته من الطوفان نبيذ العنب الذي غرس كرمه بيده، ففقد وعيه و انكشفت سوأته، فرآه ابنه حام على هذه الصورة فسخر منه و حمل الخبر إلى أخويه سام و يافث، و لكن هذين كانا أكثر منه أدبا، فحملا رداء و سارا به القهقرى نحو أبيهما و سترا عورته دون أن يبصراها، فلما أفاق نوح من خمره، و بان له ما فعله به حام، لعن كنعان و دعا على نسله أن يكونوا عبيدا لعبيد أولاد سام و يافث‏ (1).

و عاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة و خمسين سنة، فكانت كل أيام نوح تسع مائة و خمسين سنة و مات‏ (2).

1- مناقشة قصة التوراة عن الطوفان:

يجمع نقاد التوراة (العهد القديم) (3)، على أن أسطورة الطوفان العبرية كما هي مدونة في سفر التكوين تجمع بين قصتين متميزتين في أصلهما، و متناقضتين تناقضا جزئيا، و قد مزج المؤلف بين القصتين لكي يكون منهما قصة واحدة متجانسة من ناحية الشكل، و مع ذلك فقد مزج المؤلف بينهما بطريقة فجة للغاية، بحيث لا يفوت القارئ ما فيهما من تكرار و تناقض، حتى و إن كان القارئ غير مدقق في قراءته‏ (4).

و أما هذان المصدران اللذان أخذ سفر التكوين قصة الطوفان عنهما، فأولهما:

المصدر اليهوي «Jahvistic Document» و يرمز له بالحرف «J»، و ربما ألف حوالي عام 850 ق. م في يهوذا، و سمي كذلك لأنه يستعمل اسم العلم «يهوه»، و أما ثانيهما فهو المصدر الكهنوتي «Priestly Document» و يرمز له بالحرف‏

____________

(1) تكوين 9: 20- 27 و كذلك علي عبد الواحد وافي: الأسفار المقدسة ص 32.

(2) تكوين 9: 28، 29.

(3) التوراة: كلمة عبرانية تعني الهداية و الإرشاد، و يقصد بها الأسفار الخمسة الأولى (التكوين و الخروج و اللاويين و العدد و التثنية) و التي تنسب إلى موسى- (عليه السلام)- و هي جزء من العهد القديم، و الذي يطلق عليه تجاوزا اسم «التوراة» من باب اطلاق الجزء على الكل، أو لأهمية التوراة و نسبتها إلى موسى- و التوراة، أو العهد القديم- تمييزا له عن العهد الجديد (كتاب المسيحيين المقدس)- هو كتاب اليهود الذي يضم إلى جانب تاريخهم، عقائدهم و شرائعهم، و يقسمه أحبار اليهود إلى ثلاثة أقسام:

الناموس و الأنبياء و الكتابات (راجع كتابنا إسرائيل ص 19 و ما بعدها).

(4) جيمس فريزر: المرجع السابق، ص 106.

54

«P»، و هو حواشي الكهنة التي أضافوها إلى نص التوراة على عهد عزرا و نحميا، و قد أدمج في مصادر التوراة (1) الأخرى حوالي نهاية القرن الخامس، و ربما الرابع ق. م، و ليس من شك أن كلا المصدرين يختلف عن الآخر اختلافا بيّنا في أسلوبه و صيغته، كما أنهما ينتميان إلى عصور مختلفة، كما رأينا، هذا إلى جانب أن الرواية «اليهوية» تنبض بحيوية و خيال، بينا النص «الكهنوتي»، و إن كان جافا بالقياس، فهو يتميز بدقة و تدبر (2).

و تتميز العناصر التفصيلية التي تتألف منها قصة الطوفان في سفر التكوين بعضها عن بعض من حيث اللفظ و المادة (3)، فإذا بدأنا بوجوه الاختلاف الشكلية، فإن أول ما يلفت النظر هو اختلاف اسم الرب في كلا المصدرين فهو في المصدر اليهوي «يهوه»، و هو في المصدر الكهنوتي «إلوهيم»، و كلا الاسمين نقلتهما «الترجمة الإنجليزية المعتمدة» إلى كلمتي «السيد» و «الرب» على التوالي‏ (4)، و أما الترجمة العربية للتوراة، فانها تستعمل كلمة «الرب» و «اللّه» بدلا من «يهوه» و «إلوهيم».

على أن الاختلافات المادية بين الحكايتين- اليهوية و الكهنوتية- لا تزال تلفت النظر إلى أكثر من ذلك، و حيث إن هذه الاختلافات تصل في بعض الحالات إلى حد التناقض القاطع، فإن إثبات أن هذه الحكايات مستمدة من مصدرين منفصلين يصل إلى حد اليقين، و لنقرأ ما جاء في سفر التكوين‏ (5)، من أن اللّه أمر نوحا أن يأخذ «من جميع البهائم الطاهرة سبعة سبعة ذكرا و أنثى، و من البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا و أنثى، و من طيور السماء أيضا سبعة ذكرا و أنثى»، ثم نقرأ بعد ذلك في نفس السفر- بل و في نفس الإصحاح- «و من البهائم الطاهرة و البهائم التي ليست‏

____________

(1) راجع عن «مصادر التوراة» كتابنا إسرائيل ص 45- 48.

(2)

La Sainte Bible )Ecole Biblique de Jer usalem( Ed. du Cerf, Paris, 1691, P. 41.

و انظر التعليق في الهامش، و كذلك: حسين ذو الفقار صبري: توراة اليهود، المجلة، العدد 157، يناير 1970 م.

(3) راجع «التناقضات في التوراة» في كتابنا إسرائيل، ص 97- 109.

(4) جيمس فريزر: المرجع السابق ص 110.

(5) تكوين 7: 2- 3.

55

بطاهرة و من الطيور و كل ما يدب على الأرض، دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكرا و أنثى، كما أمر اللّه نوحا» (1)، فهل أمر اللّه نوحا أن يأخذ «سبعة سبعة» أم «اثنين اثنين»؟ أم أن نوحا- و حاشا نبي اللّه أن يكون كذلك- قد عصى أمر ربه؟

أم أن هذا كان خطأ من الكاتب؟ و إذا كان ذلك كذلك، ففي أي النصين كان الخطأ، أ في نص الأمر، أم في نص التنفيذ؟ علما بأن نص التنفيذ قد تكرر مرة ثانية في التكوين «و دخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة» (2)، كما أن الواضح من نص التكوين هذا أنه يضغط على أن ما أمر به الرب «اثنين اثنين»، و لكنه في التكوين (7: 2) يختلف عن ذلك كثيرا.

و لعل السبب في هذا التناقض- فيما يرى جيمس فريزر (3)- أن الحكاية اليهوية عن الطوفان تميز بين الحيوانات الطاهرة و الحيوانات النجسة، فبينما أخذ نوح معه في الفلك سبعة من كل صنف من صنوف الحيوان الطاهر، لم يأخذ معه سوى زوج من كل صنف من صنوف الحيوان النجس، أما الكاتب الكهنوتي فلم يميز بين صنوف الحيوان على هذا النحو، بل جعلها تدخل الفلك و هي على قدم المساواة مع بعضها البعض، و إن قصر عددها بدون تحيز على زوج من كل صنف، و السبب في هذا الاختلاف البين، هو أن الكاتب الكهنوتي لم يفرق بين ما هو طاهر من الحيوان و ما هو نجس، على أساس أن هذه التفرقة قد أوحى بها الرب لموسى لأول مرة، و من ثم فإن نوحا لم يكن يعرفها، أما الكاتب الكهنوتي فقد رأى أن التفرقة بين صنوف الحيوان على أساس الطهارة و النجاسة كانت معروفة لدى الجنس البشري منذ العصور الأولى.

و مرة أخرى تناقض التوراة نفسها في سبب الطوفان، ففي الرواية اليهوية يعزو «يهوه» القضاء على البشرية، إذ تحدرت إلى شر و غواية (4)، أما في الرواية الكهنوتية، فإن اللّه (إلوهيم)- لاحظ مرة أخرى الاختلاف بين «يهوه» هناك، و بين «إلوهيم»

____________

(1) تكوين 7: 8- 9.

(2) تكوين 7: 15- 16.

(3) جيمس فريزر: المرجع السابق. ص 112.

(4) تكوين 6: 5- 7. كذلك: حسين ذو الفقار صبري. توراة اليهود، المجلة، العدد 157 يناير 1970 ص 11.

56

(اللّه) هنا- إنما يتخذ قراره! إذ يرى الأرض قد فسدت جميعا ... كل من و ما عليها من حي» (1).

و الأمر كذلك بالنسبة إلى مصدر الطوفان، فبينما يعزوه النص اليهوي إلى مطر عارم يتهاطل على الأرض أربعين يوما بلياليها دون انقطاع‏ (2)، يعزوه النص الكهنوتي ليس إلى المطر وحده، و إنما تنفجر أيضا ينابيع الغمر العظيم من أسفل كما من فوق، فكأن قد انهار «الجلد» الذي نصبه الإله عند بدء الخليقة فاصلا بين المياه السفلية و التي في السماء، كما تحدثنا التوراة (3).

ثم إن هناك اختلافا جوهريا آخر بين الكاتبين يتعلق بدوام مدة الطوفان، فقد ظلت الأمطار تهطل في قصة الكاتب اليهوي مدة أربعين يوما و أربعين ليلة (4)، ثم ظل نوح في فلكه بعد ذلك مدة ثلاثة أسابيع قبل أن ينحسر الماء بمقدار يمكنه من الرسو بسفينته، و وفقا لهذا الحساب فإن الفيضان يكون قد دام واحدا و ستين يوما، أما في الحكاية الكهنوتية فقد أخذ الطوفان يهطل مدة مائة و خمسين يوما (5)، و بعده أخذت المياه في الانخفاض، أما مدة الطوفان في العموم فقد استغرقت اثني عشر شهرا و عشرة أيام، و حيث إن الشهور العبرية كانت شهورا قمرية، فإن الاثني عشر تقدر بثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما، و إذا أضفنا إلى هذا الرقم عشرة أيام أخرى، فإن المدة تكون حينئذ سنة شمسية كاملة، أي ثلاثمائة و أربعة و ستين يوما، و حيث إن الكاتب الكهنوتي قد حسب مدة الفيضان بما يساوي سنة شمسية، فإنه يمكننا أن ندعي- و نحن مطمئنون- أن هذا الكاتب قد عاش في الزمن الذي استطاع فيه اليهود أن يصححوا الخطأ الكبير في التقويم القمري عن طريق مراقبتهم للشمس‏ (6).

و أخيرا فإن الكاتب اليهوي- كما يقول جيمس فريزر (7)- عن بناء نوح للهيكل‏

____________

(1) تكوين 6: 11- 13 و كذلك: حسين ذو الفقار: المرجع السابق ص 11.

(2) تكوين 7: 4، 12.

(3) تكوين 1: 6- 7 و كذلك حسين ذو الفقار: المرجع السابق ص 11.

(4) تكوين 7: 5، 13، 17.

(5) تكوين 7: 24، 8: 3.

(6) جيمس فريزر: المرجع السابق ص 112.

(7) نفس المرجع السابق ص 113.