رسالة أبي غالب الزراري إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين‏

- أبو غالب أحمد بن محمد الزراري المزيد...
356 /
3

[المدخل‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد الأنبياء و المرسلين محمّد خاتم النبيّين، و على آله الأئمّة المنتجبين المعصومين‏

4

الإمام السيّد بحر العلوم:

«آل أعين أكبر بيت في الكوفة من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، و أعظمهم شأنا، و أكثرهم رجالا و أعيانا، و أطولهم مدّة و زمانا، و كان فيهم العلماء، و الفقهاء، و القرّاء، و الأدباء، و رواة الحديث» (1).

الإمام الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ:

«إنّ هذه الإجازة المبسوطة أنفس إجازة وصلت إلينا من القدماء» (2).

____________

(1) رجال السيّد بحر العلوم (1/ 222- 223).

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (1/ 143).

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الإهداء

إلى رئيس الطائفة في عصره:

معلّم الفقهاء، و استاذ المتكلّمين، و شيخ المحدّثين، زعيم الامّة، و مجدّد الإسلام في القرن الخامس الهجريّ، الإمام الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ، أبي عبد اللّه، البغداديّ (336- 413).

اهدي هذا التحقيق.

باعتباره من تلامذة المؤلّف الشيخ أبي غالب الزراريّ (ت 368) و المكثرين من النقل عنه.

بمناسبة وقوفنا على أعتاب الذكرى الألفيّة لوفاته (قدّس اللّه نفسه الشريفة).

إسهاما في تخليد ذكراه، و أداء لشكر بعض ما أسداه الى الامّة من أياد عظيمة، و للإسلام و المسلمين من خدمات جلىّ.

و تشحيذا للهمم العالية لإحياء ما خلّده هذا العظيم من فكر و تراث، في كلّ المجالات.

فإلى كلّ ذوي القابليّات، من العلماء، و المفكّرين و الأدباء، ممّن يحسّون بضرورة التبليغ العمليّ الجادّ، لإثارة امجاد أمّتنا على المستويات العالمية، نرفع هذا النداء للتهيّؤ لإحياء هذه الذكرى العظيمة المطلّة علينا في سنة (1413) بكلّ ما لديهم من إمكانات لاستيعاب كلّ جوانب الشيخ المفيد:

6

التاريخية، و العلمية، و الفكرية، و نشاطاته و آثاره في العلوم من العقائد، و الفقه، و الأصول، و الحديث، و الرجال، و التاريخ، و علوم اللغة و الأدب.

و عرض مؤلّفاته و تراثه بأروع ما يمكن، من إخراج جيّد، و تحقيق علمي، و فهرسة واسعة، و تحليل عميق.

و الكتابة عن ما يخصّه بأقلام عصريّة، لنشر معارفه على أوسع مدى.

و كذلك اهدي هذا العمل‏

الى الشيخ الأجلّ، المحدّث الأعظم، الحافظ، الرجاليّ، الفقيه، الحسين ابن عبيد اللّه، الواسطيّ، البغداديّ (ت 411 ه).

شيخ الشيعة، و فخر الإماميّة، الذي خدم العلم للّه، و كان حكمه أنفذ من حكم الملوك.

باعتباره خصّيصا بالمؤلّف أبي غالب الزراريّ، و راوية لكتبه، و بواسطته- فقط- وصلت إلينا هذه الرسالة.

و يصادف هذا العام (1411 ه) ذكرى مرور ألف سنة على وفاته في (411 ه).

و بهذه المناسبة ندعو أصحاب الهمم إلى السعي في تكريم هذه الشخصية اللامعة في سماء الولاء و العلم، و الذي كان قرينا للشيخ المفيد، في المقام و العظمة، و إثارة أمجاده التي هي من صميم تراثنا المجيد.

و اللّه وليّ التوفيق و التسديد.

المحقق.

7

دليل الكتاب‏

1- تقديم 9- 13

نماذج مصورة من الكتاب 15- 25

2- المقدّمة في فصلين: 27- 106

أ- المؤلّف. 29- 70

ب- الكتاب. 71- 106

3- متن الرسالة، للزراريّ. 107- 155

4- فهرست الزراريّ، أو: ثبت الكتب. 157- 184

5- تكملة الرسالة، للغضائريّ. 185- 194

6- معجم الأعلام من آل أعين الكرام. 195- 232

7- الخرائط المرفقة. 233- 238

8- الفهارس. 239- 356

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

1- تقديم‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة التامّة، و السلام الدائم، على أشرف البريّة سيّدنا و نبيّنا رسول اللّه، محمّد بن عبد اللّه، الصادق الأمين. و على الأئمّة المعصومين من آله الميامين.

و بعد:

فإنّ البيوت التي التزمت التشيّع مذهبا- على مرّ القرون- كثيرة جدّا، و منها أسر التزمت المنهج العلميّ، و زاولت المهمّات الثقافيّة، و في قمّتها رواية الحديث، و يبرز بينها:

آل أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، المدنيّون.

و الأشعريّون: و هم من أصل يمانيّ، و مهجرهم مدينة قم المقدّسة، و هم أوّل من مصّرها، و وضع الحجر الأساس للصرح العلميّ فيها، فكانت من أوليات الجامعات الإسلامية في المشرق، و لا تزال هذه المدينة الإسلامية قائمة على رفات تلك العصبة المؤمنة، تضمّ أقدم جامعة علمية إسلامية في تلك الربوع، و أنشطها حركة، و أوسعها شهرة و نفوذا في هذه العصور.

و آل أبي شعبة، الحلبيّون.

و آل أبي الجهم، بنو قابوس، اللخميّون.

و آل نعيم الأزديّ، الغامديّون.

و آل الزبير، الأسديّون، الكوفيون.

و منهم «آل أعين» الذين ألّف هذا الكتاب في التعريف بهم.

12

و الأمر الأهمّ في هذا الكتاب، أنّ مؤلّفه كان من أبناء هذا البيت و لا بدّ أنّه تسنّى له جمع ما لم يتسنّ لغيره، بفرض مداخلته الأكثر مع أفراده، و اتصاله بذويه، و اهتمامه في ضبط كلّ ذلك، حتّى قال عنه تلميذه الغضائريّ- بعد أن ذكر شيئا فات أبا غالب- ما نصّه: و لم يقع لأبي غالب رضي اللّه عنه، و لو وقع إليه، أو كان سمعه من عمّ أبيه، لحدّثنا به، و لذكره في هذه الرسالة، لأنّه كان شديد الحرص على جمع شي‏ء من آثار أهله (رحمهم الله)(1).

فالكتاب يعتبر «ترجمة ذاتيّة» مستقلّة، ترجم فيها المؤلّف لنفسه و لأعيان بيته، بل هو أقدم ما بأيدينا من التراجم الذاتية المستقلّة.

و من جهة أخرى، فإنّ الكتاب احتوى على مادّة علمية مهمّة، و هي (إجازة الحديث) باعتبار كونه من أقدم الإجازات العلميّة الواصلة الينا، بل هي أطول إجازة من القرن الرابع على الإطلاق، حتى قال فيها شيخنا العلّامة الورع آغا بزرك الطهرانيّ رحمة اللّه عليه: إنّ هذه الإجازة المبسوطة أنفس إجازة وصلت إلينا من القدماء (2).

و الكتاب يعدّ من عيون كتب التراث التي سلمت من عوارض الدهر، و وصلت إلينا مصونة، فقد ألّف سنة (356).

و أصبح منذ تأليفه معتمد أهل الفنّ في الحديث و الرجال فمن تحدّث عن آل أعين، فإليه يرجع، و منه يأخذ.

كلّ ذلك دفعني إلى إنجاز تحقيق هذا الكتاب الجليل معتمدا أحدث أساليب التحقيق، بما يبرز قيمته، و يأخذ بذلك موقعه اللائق من التراث المجيد.

و كانت نتيجة ما بذلته من الجهد، ما يلي:

1- المقدّمة، الحاوية لترجمة المؤلّف بما تيسّر من خلال كتب الرجال، و الحديث،

____________

(1) هذا الكتاب، الفقرة (5) من التكملة، ص (192).

(2) الذريعة (ج 1 ص 143).

13

و التاريخ.

و للحديث عن الكتاب و نسخه، و منهج تحقيقه، و العمل فيه.

2- متن الرسالة، محقّقا.

3- الفهارس العلميّة المتنوّعة.

و اللّه هو المسئول أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، و أن يتقبّله بأحسن القبول.

و الحمد له وحده أولا و آخرا.

و كتب‏

السّيّد محمّد رضا الحسيني الجلاليّ‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

نماذج مصوّرة من مخطوطات الكتاب‏

16

النموذج (1) للصفحة الأولى من نسخة شيخنا الطهرانيّ بخطه‏

17

النموذج (2) للصفحة (18) من نسخة العلّامة الطهرانيّ بخطّه.

18

النموذج (3) للصفحة الأخيرة من نسخة شيخنا العلّامة الطهرانيّ بخطّه.

19

النموذج (4) للصفحة الأولى من نسخة «نش».

20

النموذج (5) للصفحة الأخيرة من نسخة «نش».

21

النموذج (6) للصفحة الأولى من نسخة «ضو».

22

النموذج (7) لبعض الصفحات من أواخر نسخة «ضو».

23

النموذج (8) للصفحة الأولى من نسخة «ضا» و هي بخط السيّد الروضاتي.

24

النموذج (9) للصفحتين الأولى و الثانية من متن نسخة «ضا» بخط السيّد الجهارسوقي الأصفهانيّ.

25

النموذج (10) للصفحة الأخيرة من نسخة «ضا».

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

2- المقدّمة

أ- المؤلّف‏ ب- الكتاب‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

أ- المؤلّف:

أبو غالب الزراريّ‏

أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين، الكوفيّ، البغداديّ (285- 368).

1- نسبه و نسبته و كنيته.

2- عصره.

3- بيته.

4- سطور من تأريخه.

5- مكاتبته مع الناحية المقدّسة.

6- ذرّيته.

7- مكانته عند الأعلام.

8- مدرسته.

9- مؤلّفاته.

30

1- نسبه و نسبته و كنيته:

أبو غالب الزراريّ، أحمد بن محمّد بن محمّد أبي طاهر بن سليمان بن الحسن ابن الجهم بن بكير بن أعين بن سنسن.

هكذا أورد الرجاليّ الكبير الشيخ النجاشيّ نسبه‏ (1).

و هو المذكور في صدر بعض نسخ هذا الكتاب من كلام الغضائري تلميذ المؤلّف؛ و هو الرجاليّ الشهير (2).

لكن سقط اسم الجدّ «محمّد» من صدر بعض نسخ الكتاب، و كذلك في مواضع من كتابي الفهرست‏ (3) و الرجال‏ (4) للشيخ الطوسيّ.

و قد التزم أكثر علماء الرجال بصحّة ما ذكره النجاشيّ.

و أكّد الشيخ سليمان البحرانيّ صاحب (المعراج في شرح فهرست الطوسيّ) على أنّ الذي أورده النجاشيّ هو الصحيح الوارد في أكثر من نسخة من هذا الكتاب وقف عليها، و أطال الاستدلال لذلك‏ (5).

و مثله فعل السيّد الأمين‏ (6).

و المؤلّف يذكر نسبه، كما أثبتنا، مصرّحا بأنّ جدّه يسمى ب «محمّد بن سليمان» في عدّة مواضع من هذا الكتاب: عند ذكر أولاد جدّه الأعلى سليمان‏ (7) و عند ذكر موت‏

____________

(1) رجال النجاشيّ (ص 83) رقم (201).

(2) هذا الكتاب، الفقرة [1] ص (111).

(3) الفهرست للطوسيّ (ص 55).

(4) رجال الطوسيّ (ص 443) رقم (34).

(5) تنقيح المقال (ج 1 ص 86) نقلا عن المعراج.

(6) أعيان الشيعة (ج 3 ص 150) من الطبعة الحديثة، و (ج 10 ص 68) من الطبعة الثانية.

(7) هذا الكتاب، الفقرة [5] ص (118).

31

جدّه محمّد (1) و في ثبت الكتب مكرّرا (2).

و قد نسب المترجم إلى عدّة أسماء و مواضع نذكرها تباعا:

1- البكيريّ:

نسبة إلى جدّه: بكير بن أعين.

كذا نسبه الشيخ الطوسيّ كما نقل عن فهرسته‏ (3).

و الوجه في النسبة أنّه من أولاده، و النسبة إلى الجدّ- إذا كان معروفا- متداولة.

و الشيخ الطوسيّ، يقول: و بذلك كانوا يعرفون، إلى أن خرج توقيع من أبي محمّد (عليه السلام) فيه: «فأمّا الزراريّ» فذكروا انفسهم بذلك‏ (4).

أقول: انّ النسبة إلى زرارة إنّما تناسبها النسبة سابقا إلى بكير.

و أوضح من ذلك قول المؤلّف في هذه الرسالة: كانت أمّ الحسن بن الجهم ابنة عبيد بن زرارة، و من هذه الجهة نسبنا إلى زرارة و نحن من ولد بكير، و كنّا قبل ذلك نعرف بولد الجهم‏ (5).

فكانوا ينسبون إلى جدّهم الجهم، و أبيه بكير على حسب المعتاد في نسبة الأولاد إلى أبيهم.

فما جاء في مطبوعة الفهرست من قوله «البكري» (6) فهو خطأ واضح.

على أنّه مخالف لأكثر النسخ المصحّحة التي أثبتت «البكيريّ».

و احتمال أن تكون النسبة إلى (بكر بن وائل) الذي هو الجدّ الأكبر لقبيلة

____________

(1) هذا الكتاب، الفقرة [9/ أ] ص 149.

(2) هذا الكتاب، ثبت الكتب بالارقام [17] و [18] و [44] و غيرها، و يعبّر عنه أحيانا بقوله: جدّي أبو طاهر.

(3) رجال ابن داود (ص 43) و أعيان الشيعة (ج 3 ص 151).

(4) الفهرست (ص 55- 56).

(5) الرسالة- كتابنا هذا- الفقرة [4].

(6) الفهرست للطوسيّ (ص 55) رقم [94].

32

(شيبان) (1) الذي ينتسب إليها أبو غالب، احتمال بعيد جدّا.

2- الزراري:

نسبة الى زرارة أخي بكير بن أعين.

و الوجه في النسبة- كما يقول المؤلّف نفسه- أنّه: كانت أمّ الحسن بن الجهم- من أجداد المؤلّف- ابنة عبيد بن زرارة، قال: و من هذه الجهة نسبنا إلى «زرارة» و نحن من ولد «بكير» (2).

و قال: و أوّل من نسب منّا إلى «زرارة» جدّنا «سليمان» نسبه إليه أبو الحسن علي بن محمّد (عليه السلام) صاحب العسكر، فكان إذا ذكره في توقيعاته إلى غيره قال:

«قال الزراريّ» تورية عنه و سترا له، ثمّ اتسع ذلك و سمّينا به‏ (3).

أقول: و هذا أشهر أوصافه، و ألصق به من غيره، خاصّة إذا قرن بكنيته «أبي غالب» فإنّه لا مشارك له حينئذ فيهما.

و كثيرا ما تشتبه هذه النسبة ب «الرازيّ»:

قال ابن داود: و بعض فضلاء أصحابنا أثبته في تصنيفه «أبو غالب الرازيّ» و أنّ الإمام (عليه السلام) قال: «و أمّا الرازيّ» و هو غلط، إنّما هو الزراريّ، نسبة الى زرارة ابن أعين‏ (4).

اقول: و لعلّ الشيخ ابن شهرآشوب استند الى هذا النصّ المغلوط فنسبه رازيّا و صرّح بأنّه قطن بالريّ‏ (5) فالنسبة إليها رازيّ.

____________

(1) لسان العرب (ج 5 ص 47) و لاحظ الاشتقاق، لابن دريد (ص 360).

(2) هذا الكتاب، الفقرة [4] ص (116).

(3) هذا الكتاب، الفقرة [4] ص (117)، و انظر ما علّقنا على هذا الموضع من المتن‏

(4) رجال ابن داود (ص 43). و انظر أعيان الشيعة (ج 10 ص 70) من الطبعة الثانية، و (ج 3 ص 151) من الطبعة الحديثة، فقد نقل مثل هذا التصحيف عن العلّامة الحلّي في رجاله: (الخلاصة)!.

(5) معالم العلماء- النجف- (ص 19). رقم 85.

33

و قد تفرّد ابن شهرآشوب بهذا فيما أعلم.

لكن كلمة (الرازيّ) وردت في بعض المواضع من فهرست الشيخ‏ (1) بينما النسخ المخطوطة المضبوطة من الفهرست جاءت الكلمة فيها (الزراري) على الصحة، و مهما كان، فإعراض العلماء عن ذكر ذلك يكفي دليلا على عدم ثبوته.

3- الشيباني:

نسبة الى قبيلة شيبان، و الوجه في النسبة ما ذكروه من أنّ أعين كان غلاما روميا اشتراه رجل من بني شيبان من الجلب، فربّاه و أعتقه و تبنّاه‏ (2)، فنسب الى شيبان.

و المفهوم من هذا أنّ آل أعين شيبانيّون بالولاء- ولاء العتق-.

و روي عن عمّ أب المؤلّف؛ علي بن سليمان: أنّ أعين كان رجلا من الفرس فقصد أمير المؤمنين (عليه السلام) ليسلم على يديه، و يتوالى إليه، فاعترضه في طريقه قوم من بني شيبان، فلم يدعوه حتّى توالى اليهم‏ (3).

و على هذا فهم شيبانيّون بعقد الموالاة.

و على كلا التقديرين، فهم شيبانيون بالولاء، فلا يصحّ أن يقال في أحدهم انه «شيباني» بإطلاق الكلمة، و من دون التصريح بالولاء، لكن الاكثرين اطلقوها عليهم، فلاحظ (4).

و سيأتي ذكر القبيلة التي ينتمي إليها، بعنوان: بيته.

____________

(1) الفهرست، للطوسيّ (ص 161) رقم (603).

(2) هذا الكتاب، الفقرة [7/ ج‏] ص (128).

(3) هذا الكتاب الفقرة [4] من تكملة الغضائريّ ص (1- 192)

(4) منهم تلميذه في صدر هذا الكتاب، الفقرة [1] و انظر بحثنا: التسميات طلائع المؤلّفات (ص 40- 41) من مجلة (تراثنا) العدد (15) السنة الرابعة.

34

4- الكوفيّ:

نسبوه كوفيا، و الوجه في ذلك أنّ الكوفة هي موطنه، بل موطن آبائه، و لهم فيها محلّة و دور و ضياع‏ (1) و لعلّها هي مسقط راسه.

5- البغداديّ:

لأنّه كان يسكنها (2) و كانت داره بسويقة غالب‏ (3) و مات بها (4).

لكن لم نجد له ذكرا في ما بأيدينا من تواريخ بغداد، و ترجم الخطيب في تاريخه لابنه عبيد اللّه؛ كما سيأتي، و لم يترجم لأبي غالب نفسه! فهو ممّا يستدرك عليه.

كنيته: أبو غالب:

يكنّى بها خاصّة، و لم أجد في رواة حديثنا- في طبقته- من آل أعين و لا من غيرهم من كنّي بهذه الكنية، فهي خاصّة به، و أخصّ به إذا قرنت بنسبته إلى زرارة فقيل «أبو غالب الزراريّ» فلا يقصد إلّا هو.

وقفتا تأمّل:

أولا- مع مطبوعة (الرجال) للنجاشيّ:

جاء ذكر أبي غالب في غير موضع من مطبوعة كتاب الرجال للنجاشيّ باسم «أحمد بن محمّد بن سليمان» (5).

فجعل فيها «سليمان» جدّا لأبي غالب.

____________

(1) هذا الكتاب، الفقرة [7/ ب‏] (ص 7- 128).

(2) رجال الطوسيّ (ص 443) رقم 34، معالم العلماء (ص 19) رقم [85].

(3) الغيبة للطوسيّ (ص 185).

(4) هذا الكتاب الفقرة [5] من تكملة الغضائريّ.

(5) كما في التراجم المرقمة [427 و 613 و 925 و 937 و 1072 و 1205] و غيرها.

35

و جاء في موضع- و هو محلّ ترجمة «محمّد بن سليمان» أبي طاهر الزراريّ، جد أبي غالب-: ... أخبرنا محمّد بن محمّد و غيره، قالوا: حدّثنا أبو غالب، أحمد بن محمّد ابن سليمان، قال: أخبرني أبي بها، و مات محمّد بن سليمان في سنة إحدى و ثلاثمائة، و كان مولده سنة سبع و ثلاثين و مائتين‏ (1).

و في هذا النصّ مواقع للتأمّل:

1- إن النجاشيّ نفسه اعتبر «محمّد بن سليمان» جدّا لأبي غالب، في ترجمة أبي غالب برقم [201] كما عرفت، و صرّح- أيضا- بذلك في ترجمة «محمّد بن سنان» برقم [888]. إلّا أنّه ذكر هنا كنية الجد بلفظ «أبي طالب» بينما هي «أبو طاهر»!

2- ذكر أبو غالب في الفقرة [9/ ب‏] من هذه الرسالة: أنّ جدّه هو الذي تولّى أمره، و أحضره لسماع الحديث، و لم يذكر أباه في من سمع منهم الحديث، و لم نعثر على روايته عنه في شي‏ء من الطرق، لا في فهرست ما رواه في هذا الكتاب، و لا في غيره، على كثرة طرقه وسعة رواياته ... بينما صرّح بأنّ سنّه عند وفاة أبيه (خمس سنين و أشهر) (2).

و على العكس من ذلك فإنّه يروي عن جدّه بوفرة، كما أشرنا.

3- أنّ النجاشيّ ذكر وفاة «محمّد بن سليمان» في سنة (301) بينما صرّح أبو غالب بأنّه توفّي سنة (3) في المحرم، و أنّ عمر أبي غالب كان حينذاك (15) سنة،

و قد علّق مؤلّف «مجمع الرجال» على هذا الموضع من نسخة النجاشيّ بما هو حقّ و صواب.

ثانيا- مع مطبوعة (الفهرست) للطوسيّ:

1- جاء في مطبوعة الفهرست للطوسيّ، في الطريق إلى كتب أبان بن عثمان‏

____________

(1) الرجال للنجاشيّ (ص 347) رقم [938].

(2) هذا الكتاب [الفقرة [9] ص 149.

36

الأحمر، قوله: ... و أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه، قال: قرأته عليّ بن أبي غالب أحمد بن سليمان الزراريّ، قال: حدّثنا جدّ أبي محمّد و علي: ابنا سليمان‏ (1).

و فيه تخليط واضح، و صوابه: و أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه، قال: قرأته على أبي غالب، أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان الزراريّ، قال: حدّثنا جدّي، و عمّ أبي، محمد و علي: ابنا سليمان.

و قد جاء هذا النصّ على الصحّة في نسخة مجمع الرجال‏ (2) و كذلك جاء على الصحة في نسخ مخطوطة من الفهرست، إلّا في قوله: «جدّ أبي».

و قد وقع مثل هذا الخلط في مطبوعة النجاشيّ حيث قال في ترجمة «إسماعيل ابن مهران»: ... حدّثنا أبو غالب أحمد بن محمّد، قال: حدّثني عمّ أبي عليّ بن سليمان، عن جدّ أبي محمّد بن سليمان‏ (3).

و الصواب: جدّي.

أما رواية علي- عمّ أبيه- عن محمّد- جدّه- حيث نجد أبا غالب يروي فيها عن جدّه محمد، بواسطة عمّ أبيه علي، و هي رواية غريبة، فهي منحصرة بهذا المورد- حسب اطلاعنا- و الغالب روايته عن عمّ أبيه و جدّه، سويّة، عن مشايخهما.

لكن هذا السند جاء هكذا في ثبت الكتب الوارد في آخر هذه الرسالة، أيضا، فلاحظ الكتاب رقم [71]، و روى عنه بواسطة أخرى في الثبت برقم [79].

2- و جاء في مطبوعة الفهرست- أيضا- في ترجمة البزنطيّ، و البرقيّ و مواضع أخر: «أحمد بن محمّد بن سليمان» (4).

____________

(1) الفهرست، للطوسيّ (ص 42) رقم [62].

(2) مجمع الرجال (ج 1 ص 26).

(3) رجال النجاشيّ (ص 26) رقم [49].

(4) الفهرست، للطوسيّ (ص 43 و 45) رقم [63 و 65].

37

و كذلك جاء في ترجمة أبي غالب نفسه من الفهرست‏ (1) و من الرجال‏ (2).

و قد عرفت أنّ الصواب: أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان.

و يحتمل قويّا أن يكون الأمر في جميع هذه الموارد و غيرها من باب النسبة إلى الجدّ، خصوصا باعتبار خمول اسم الأب و عدم معروفيّته، و عدم ورود ذكره في شي‏ء من الأسانيد أو التراجم!

***

____________

(1) الفهرست (ص 55) رقم [94].

(2) رجال الطوسيّ (ص 443) رقم [34].

38

2- عصره:

ولد أبو غالب الزراريّ سنة (285) (1) و مات سنة (368) (2) فعاش ثلاثا و ثمانين سنة في فترة بالغة الأهمية من تاريخ التشيّع.

و لم يكن بعيدا عن مراكز المسئوليّة و الحوادث، فكان يرتبط- بحكم منزلته العائلية- برجالات الطائفة، و يتصل بأكابر الرواة و علماء المذهب، و أولئك هم الذين تتوجّه اليهم المسئوليّات و تقع على عواتقهم، في مثل تلك الظروف الحرجة.

و بالرغم من المصائب و المتاعب التي تعرّض لها المترجم، و الضياع الذي أصيب به ماله، و الأسر الذي وقع فيه‏ (3) فإنّه تمكّن من تخطّي كلّ ذلك، و المثابرة على طلب العلم، فساهم بذلك في الحركة العلميّة التي بدأت في مطلع القرن الرابع و تكلّلت بتجميع النصوص من الأصول، و ضبطها و تسليمها بالإجازة، فأسدى بذلك إلى العقيدة يدا محمودة.

و بفضل ماله من النسب الرفيع، و ما حصّله من شرف الحسب، و بعد أن حنكته التجارب، و صنعت منه رجلا بمستوى المسئولية و حمل العب‏ء، تصدّى لبثّ العلم و أداء الأمانة التي تحمّلها من سلفه، ليؤدّيها إلى الأجيال في تلك الظروف الحرجة، فكانت مدرسته العامرة، و ألّف الكتب الثمينة، التي أبقى لنا الدهر منها هذه الرسالة الثمينة، الطافحة بألوان من المعرفة، و خاصّة في موضوع رجال الحديث، و طرق الكتب، و تاريخ الإجازة، كما سيأتي ذكر ذلك في هذه المقدّمة.

____________

(1) هذا الكتاب، الفقرة [9/] ص (149)، و قد تحدّث عن ولادته هو بنفسه فلاحظ.

(2) هذا الكتاب، الفقرة [5] من تكملة الغضائريّ، و قد تحدّث عن وفاته و موضع دفنه فراجع.

(3) هذا الكتاب، الفقرة [8/ ج‏] ص (144).

39

3- بيته:

إنّه من عائلة شيعيّة عريقة في العقيدة و العلم، أبا و أمّا:

فهو ينحدر من ناحية الأب من آل أعين، العائلة الشهيرة في المذهب، و الحافلة برجالات العلم من أمثال زرارة و حمران و بكير و أضرابهم من الذين نجدهم في الكتاب.

و يلفّ عرقه من ناحية الأمّ برجال أفذاذ و رواة كبار، سيذكرهم- أيضا-.

و كلّ الرجال الذين احتوشوه كانوا من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، و ممن لهم مكانة مرموقة و منزلة رفيعة عندهم، و بين الرواة.

ففي مثل هذا البيت ولد المترجم، و في أحضان العلم و الفضيلة و العقيدة ترعرع، و بين الكتب و المؤلّفات نشأ و برع، و لكلّ ذلك- مهما كان الأمر- أثره الحسن في نفس ابن البيت، لا سيّما مثل المؤلّف الذي كان يطمح في ذلك منذ صغره، فما الظنّ به؟ إلّا أن يتسنّم شيخوخة الطائفة، و نقابة العصابة، و يخلد مع الخالدين.

و هذه العائلة في الأصل عرب غساسنة، على ما نقله المؤلّف- و هو أحد أبنائها- عن جدّهم الأعلى والد أعين: أنّه من غسّان، ممن دخل بلاد الروم في أوّل الإسلام‏ (1).

لكنّه ذكر- أيضا- أنّ ابنه أعين: كان غلاما روميّا اشتراه رجل من بني شيبان من الجلب‏ (2).

و بنو شيبان حيّ من بكر بن وائل.

و الشيباني الذي اشترى أعين هو من بني عبد اللّه بن عمرو السمين بن أسعد

____________

(1) هذا الكتاب، الفقرة [7/ ج‏] ص (129).

(2) هذا الكتاب (الفقرة السابقة).

40

ابن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان‏ (1) و هو ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل‏ (2).

و من هذه الجهة نسبوا إلى شيبان.

و قد ذكر ابن دريد في (بكر بن وائل): من موالي بني أسعد: آل زرارة بن أعين، و لهم يسار و عدد بالكوفة (3).

و قال المؤلّف أبو غالب: و هم- على ذلك- يستولون على دور بني شيبان، في خطّة بني أسعد بن همام، و لهم مسجد الخطّة يصلّون فيه، و قد دخله سيّدنا أبو عبد اللّه، جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، و صلّى فيه.

و في هذه المحلّة دور بني أعين متقاربة (4).

و لا منافاة بين أن يكون أصلهم من غسّان، ممن ارتحلوا إلى بلاد الروم، و بين أن يؤسر جدّهم أعين في بعض الحروب، أو الظروف الأخرى، فيباع، و يشتريه الشيباني.

و على هذا فتصحّ نسبة آل أعين إلى غسّان، لكنّي لم أجدها في أيّ موضع! أو أن أصلهم من الفرس، على ما ذكره عليّ بن سليمان- عمّ والد أبي غالب- و أنّ اتصالهم ببني شيبان، كان بعقد الموالاة، كما نقله الغضائريّ في تكملة رسالة أبي غالب.

انظر [ف 4].

و أيا ما كان أصل الأسرة، فإنّ آل أعين قد ارتفع شأنهم في العقيدة و العلم، حتى كثرت عبارات التمجيد حولهم.

فأبو جعفر الشلمغاني يقول- حين كان مرجعا أيّام الغيبة الصغرى- عن آل‏

____________

(1) ذكره النجاشيّ في ترجمة (زرارة) في رجاله (ص 175) رقم [463].

(2) عجالة المبتدي، للحازميّ (ص 14) في عنوان (الأسعدي).

(3) الاشتقاق، لابن دريد (ص 360).

(4) هذا الكتاب الفقرة [7/ ب‏] ص (128)، و يلاحظ أن عبارة (لهم محلّة بكذا) تدلّ على سعة ذيول البيت، استعمل ذلك النسّابون، انظر: عجالة المبتدي، في عنوان (الطفاويّ) (ص 85).

41

أعين: أهل بيت جليل، عظيم القدر في هذا الأمر (1)- أي في التشيّع-

و يقول المؤلّف: آل أعين أكبر أهل بيت في الشيعة، و أكثرهم حديثا و فقها، و ذلك موجود في كتب الحديث، و معروف عند رواته‏ (2).

و قال المؤلّف- ايضا-: و قلّ رجل منّا الّا و قد روى الحديث، و حدّثني ابن الحجاج (رحمه اللّه) أنّه جمع من روى الحديث من آل اعين فكانوا ستين رجلا.

و حدّثني أبو جعفر الشيباني عن مشايخه: ان بني اعين بقوا أربعين سنة، أربعين رجلا، لا يموت منهم رجل إلّا ولد فيهم غلام‏ (3).

و قال الشيخ الطوسيّ- بعد أن سمّى جمعا من آل أعين:- و لهم روايات كثيرة و أصول و تصانيف سنذكرها في أبوابها ان شاء اللّه.

و لهم- ايضا- روايات عن‏ (4) عليّ بن الحسين و الباقر و الصادق (عليهم السلام) نذكرهم في كتاب الرجال إن شاء اللّه تعالى‏ (5).

و قال ابن دريد: آل زرارة بن أعين لهم يسار و عدد بالكوفة (6).

و قال فيهم الرجالي الكبير ابن عقدة- و هو يتحدّث عن ولد أعين-: كلّ واحد منهم كان فقيها يصلح أن يكون مفتي بلد (7).

و يقول السيّد بحر العلوم: آل أعين أكبر بيت في الكوفة من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، و أعظمهم شأنا، و أكثرهم رجالا و أعيانا، و أطولهم مدّة و زمانا، أدرك أوائلهم السجّاد، و الباقر، و الصادق (عليهم السلام)، و بقي أواخرهم إلى أوائل الغيبة

____________

(1) الغيبة، للشيخ الطوسيّ (ص 183).

(2) هذا الكتاب، الفقرة [3] ص (114).

(3) الرسالة الفقرة [7/ أ] (127).

(4) كلمة (عن) لم ترد في مطبوعة النجف، لكن وردت في نسخة مجمع الرجال (3/ 50).

(5) الفهرست للطوسيّ، رقم [314] ص (1).

(6) الاشتقاق (36).

(7) انظر تكملة هذه الرسالة الفقرة [3] للغضائري.

42

الصغرى، و كان فيهم: العلماء، و الفقهاء، و القرّاء، و الأدباء، و رواة الحديث‏ (1).

و قال أيضا: و مدائح آل أعين كثيرة (2).

و يدلّ على عظمة آل أعين ما نقل عن الحجّاج لما قدم العراق انه قال: لا يستقيم لنا الملك و من آل اعين رجل تحت حجر (3).

و يدلّ على ما لهذا البيت الرفيع من جلالة و عظمة أن تصدّى الرجالي العظيم، أبو العبّاس النجاشيّ لتأليف «كتاب جمع فيه أخبارهم» (4).

و جمع أبو عبد اللّه ابن الحجّاج «المحدّثين من آل أعين» فكانوا ستّين رجلا (5).

و كذلك أبو غالب الزراريّ، مؤلّف هذا الكتاب، فقد خصّصه للبحث عن رجالات هذا البيت و شئونهم، كما زانه بكثير من المعلومات المهمّة و المؤثّرة في علم الرجال.

***

____________

(1) رجال السيّد بحر العلوم (ج 1 ص 222).

(2) المصدر نفسه (ج 1 ص 255- 257).

(3) تكملة هذه الرسالة الفقرة [3] (19).

(4) رجال النجاشيّ (ص 184) رقم [201] الذريعة (ج 1 ص 324).

(5) هذا الكتاب الفقرة [7/ أ] ص (127).

43

4- سطور من تأريخه:

ولد في (285) في (27) ربيع الآخر.

و في (29) مات أبوه، و عمره خمس سنوات.

و في (297) سمع الحميريّ و سنّه اثنا عشر عاما.

و في (3) مات جدّه أبو طاهر، و عمره خمسة عشر عاما.

و في (313) ولد ابنه أبو العبّاس عبيد اللّه.

و فيها امتحن محنة أخرجت أكثر ملكه من يده، و أحرجته إلى السفر و الاغتراب، و أشغلته عن حفظ ما جمع، و شغله طلب المعاش، و البعد من مشاهدة العلماء، عن العلم.

و في (314) امتحن محنا أخرى في خراب الكوفة.

و في (325) جرت له مشاكل و محن.

و في (348) كان بالبصرة، حيث جدّد نسخة كتاب داود بن سرحان على الورق.

و في (35) حج بيت اللّه الحرام و جاور سنة كاملة، و زوّج- بعد الرجوع- ابنه عبيد اللّه.

و في (352) ولد حفيده، الذي كتب له هذه الرسالة.

و في (356) كتب الرسالة لحفيده.

و في (367) جدّد كتابة الرسالة.

و في (368) توفّي ببغداد في جمادى الأولى في سنّ الثالثة و الثمانين.

و دفن في مقابر قريش بالكاظميّة، ثمّ نقل إلى الغريّ، بالنجف الأشرف.

(رحمه اللّه)، و جزاه عن الإسلام و أهله خيرا.

44

5- مكاتبته مع الناحية المقدّسة:

و ساهم في مجال العقيدة بالإمام الغائب، في شخص الإمام المنتظر، الحجّة بن الحسن (عليه السلام)، الذي ولد المؤلّف أبو غالب في غيبته الصغرى، فواجه المشكلة التي لا بدّ أن كانت قائمة على قدم و ساق، فلنصغ إلى محاولته بهذا الصدد:

قال الشيخ الطوسيّ: أخبرني جماعة، عن أبي عبد اللّه؛ أحمد بن محمّد بن عيّاش، عن أبي غالب؛ الزراريّ، قال: قدمت من الكوفة و أنا شابّ، إحدى قدماتي، و معي رجل من إخواننا- قد ذهب على أبي عبد اللّه اسمه- و ذلك في أيّام الشيخ أبي القاسم؛ الحسين بن روح (رحمه اللّه)، و استتاره، و نصبه أبا جعفر محمّد بن عليّ؛ المعروف بالشلمغاني- و كان مستقيما، لم يظهر منه ما ظهر من الكفر و الإلحاد- و كان الناس يقصدونه و يلقونه، لأنّه كان صاحب الشيخ ابي القاسم؛ الحسين بن روح، سفيرا بينهم و بينه في حوائجهم و مهمّاتهم.

فقال لي صاحبي: هل لك أن تلقى أبا جعفر، و تحدث به عهدا، فإنّه المنصوب اليوم لهذه الطائفة، فإنّي أريد أن أساله شيئا من الدعاء يكتب به إلى الناحية.

فسلّمنا عليه و جلسنا، فأقبل على صاحبي فقال: من هذا الفتى معك؟ فقال له الرجل: من آل زرارة بن أعين.

فأقبل علي فقال: من أيّ زرارة أنت؟ فقلت: يا سيّدي، أنا من ولد بكير بن أعين، أخي زرارة.

فقال: أهل بيت، جليل، عظيم القدر في هذا الأمر.

فأقبل: عليه صاحبي فقال له: يا سيّدنا، أريد المكاتبة في شي‏ء من الدعاء؟

فقال: نعم.

45

قال: فلمّا سمعت هذا، اعتقدت أن أسال أنا أيضا مثل ذلك، و كنت اعتقدت في نفسي ما لم أبده لأحد من خلق اللّه، حال والدة أبي العبّاس ابني، و كانت كثيرة الخلاف و الغضب علي، و كانت منّي بمنزلة، فقلت في نفسي أسأل الدعاء لي في أمر قد أهمّني و لا أسمّيه، فقلت: أطال اللّه بقاء سيّدنا، و أنا أسأل حاجة؟

قال: و ما هي؟

قلت: الدعاء لي بالفرج من أمر قد أهمّني.

فأخذ درجا بين يديه كان أثبت فيه حاجة الرجل فكتب: و الزراريّ يسأل الدعاء له، في أمر قد أهمّه.

قال: ثم طواه فقمنا، و انصرفنا، فلما كان بعد أيّام، قال لي صاحبي: ألا نعود إلى أبي جعفر، فنسأله عن حوائجنا التي كنّا سألناه!؟

فمضيت معه و دخلنا عليه، فحين جلسنا عنده، أخرج الدرج، و فيه مسائل كثيرة، قد أجيب في تضاعيفها، فأقبل على صاحبي، فقرأ عليه جواب ما سأل، ثم أقبل عليّ- و هو يقرأ-: و أمّا الزراريّ، و حال الزوج و الزوجة، فأصلح اللّه ذات بينهما.

قال: فورد علي أمر عظيم، و قمنا، فانصرفت، فقال لي: قد ورد عليك هذا الأمر!؟

فقلت: أعجب منه!

قال: مثل أيّ شي‏ء؟

فقلت: لأنّه سرّ لم يعلمه إلّا اللّه تعالى و غيري، فقد أخبرني به!

فقال: أتشكّ في أمر الناحية؟ أخبرني الآن ما هو؟ فأخبرته، فعجب منه.

ثمّ قضي أن عدنا إلى الكوفة، فدخلت داري، و كانت أمّ أبي العبّاس مغاضبة لي في منزل أهلها، فجاءت اليّ فاسترضتني، و اعتذرت، و وافقتني، و لم تخالفني، حتى فرّق الموت بيننا (1).

____________

(1) الغيبة للطوسيّ: ص (183- 184).

46

قال الشيخ الطوسيّ: و أخبرني بهذه الحكاية جماعة، عن أبي غالب، أحمد بن محمّد [بن محمّد] (1) بن سليمان، الزراريّ (رحمه اللّه)، إجازة.

و كتب عنه ببغداد أبو الفرج محمّد بن المظفّر، في منزله بسويقة غالب، في يوم الأحد لخمس خلون من ذي القعدة، سنة ست و خمسين و ثلاثمائة:

قال: كنت تزوّجت بامّ ولدي، و هي أوّل امرأة تزوّجتها، و أنا حينئذ حدث السنّ، و سنّي إذ ذاك دون العشرين سنة، فدخلت بها في منزل أبيها، فأقامت في منزل أبيها سنين، و أنا أجتهد بهم في أن يحوّلوها إلى منزلي، و هم لا يجيبوني إلى ذلك، فحملت منّي في هذه المدة، و ولدت بنتا، فعاشت مدّة، ثمّ ماتت، و لم أحضر في ولادتها، و لا في موتها، و لم أرها منذ ولدت إلى أن توفّيت ... ثم اصطلحنا ... و قدّر أن حملت المرأة مع هذه الحال ... فانتقلت عنهم، و ولدت،- و أنا غائب عنها- بنتا.

ثمّ دخلت بغداد، و كان الصاحب بالكوفة في ذلك الوقت أبو جعفر، محمّد بن أحمد الزجوزجي (رحمه اللّه)، و كان لي كالعمّ أو الوالد، فنزلت عنده ببغداد، و شكوت إليه ما أنا فيه من الشرور الواقعة بيني و بين الزوجة و بين الأحماء، فقال لي: تكتب رقعة، و تسأل الدعاء فيها.

فكتبت رقعة و ذكرت فيها حالي، و ما أنا فيه من خصومة القوم لي ... و مضيت بها أنا و أبو جعفر (رحمه اللّه) إلى محمّد بن علي- و كان في ذلك الوقت الواسطة بيننا و بين الحسين بن روح رضي اللّه عنه، و هو إذ ذاك الوكيل- فدفعناه إليه، و سألناه إنفاذها، فأخذها منّي.

و تأخّر الجواب عنّي أياما، فلقيته، فقلت له: قد ساءني تأخّر الجواب عنّي، فقال لي: لا يسوؤك هذا، فإنّه أحبّ إليّ و لك، و أومأ الى أنّ الجواب إن قرب كان من جهة الحسين بن روح رضي اللّه عنه، و إن تأخّر كان من جهة الصاحب (عليه السلام).

فانصرفت، فلمّا كان بعد ذلك- و لا أحفظ المدّة إلّا أنّها كانت قريبة- فوجّه‏

____________

(1) ما بين المعقوفين ساقط من عبارة الطوسيّ، و لكن الصحيح إثباته، كما مرّ.

47

إليّ أبو جعفر الزجوزجي (رحمه اللّه) يوما من الأيّام، فصرت إليه، فأخرج إليّ فصلا من رقعة، و قال لي: هذا جواب رقعتك، فإن شئت أن تنسخه فانسخه، و ردّه، فقرأته، فإذا فيه: «الزوج و الزوجة فأصلح اللّه ذات بينهما» و نسخت اللفظ، و رددت عليه الفصل.

[ثم ذكر أمر رجوعه إلى الكوفة، و إقامة المرأة معه إلى أن فرّق الموت بينهما].

و أضاف الشيخ الطوسيّ في هذه الرواية قوله:

قالوا: قال أبو غالب (رحمه اللّه): و كنت قديما، قبل هذه الحال، قد كتبت رقعة أسأل فيها أن يقبل ضيعتي، و لم يكن اعتقادي في ذلك الوقت التقرّب إلى اللّه عزّ و جل بهذه الحال، و إنّما كان شهوة منّي للاختلاط بالنوبختيّين، و الدخول معهم فيما كانوا فيه من الدنيا، فلم أجب إلى ذلك، و ألححت في ذلك، فكتب اليّ: أن اختر من تثق به فاكتب الضيعة باسمه، فإنّك تحتاج إليها، فكتبتها باسم أبي القاسم، موسى بن الحسن الزجوزجي؛ ابن أخي أبي جعفر (رحمه اللّه)، لثقتي به، و موضعه من الديانة و النعمة، فلم تمض الأيّام حتّى أسروني الأعراب، و نهبوا الضيعة التي كنت أملكها، و ذهب منّي فيها من غلاتي، و دوابّي، و آلتي نحو من ألف دينار، و أقمت في أسرهم مدّة، إلى أن اشتريت نفسي بمائة دينار و ألف و خمسمائة درهم، و لزمني في أجرة الرسل نحو من خمسمائة درهم، فخرجت، و احتجت إلى الضيعة، فبعتها (1).

و هكذا قدّم الرجل المتمتع بجلالة الشأن و رفعة المقام بين الطائفة حجّة مقنعة، ملأ بها صفحات من تاريخ مشكلة الغيبة التي واجهها المذهب.

و قد عرفنا ضمن الحكاية طرفا من قصة أسر الأعراب له، و قد أظهر تأثّره بهذه القضيّة في كتابنا هذا أيضا (2).

***

____________

(1) الغيبة، للطوسيّ ص (185- 186).

(2) كتابنا هذا الفقرة [6/ أ] ص (124) و [8/ ج‏] ص (4- 145).

48

6- ذريّته:

كان له ولد اسمه «عبيد اللّه» و كنيته «أبو العبّاس» ولد سنة (313) و حضر لسماع الحديث، لكنّه لم ينجذب الى العلم، و قد أيس أبو غالب منه، و لذلك أخذ يدعو بولد له ليسلك طريق طلب العلم‏ (1).

و قد ذكر أبو غالب في ثبت الكتب رقم (106) أن ابنه (عبيد اللّه) قد حضر بعض سماع كتاب باسم (خطبة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم الغدير) رواية الخليل، فلاحظ.

و ترجمه الخطيب البغداديّ في تاريخه‏ (2) و سيأتي نقل كلامه.

و قد ولد لعبيد اللّه ابن هو «محمّد» حفيد أبي غالب الذي كتب إليه برسالته هذه، و هو يكنّى «أبا طاهر».

ترجمه النجاشيّ، كما سيأتي نقله أيضا (3).

و قال النجاشيّ: و انقرض ولده إلّا من ابنة ابنه‏ (4).

***

____________

(1) انظر هذا الكتاب، الفقرة [9/ ج‏] ص (151).

(2) تاريخ بغداد (1/ 378) رقم (5542) و سننقل الترجمة في معجم آل أعين.

(3) هذا الكتاب الفقرة [10/ أ] و رجال النجاشيّ (ص 398) رقم [1064] و سننقل نصّ كلامه فيما بعد.

(4) رجال النجاشيّ (ص 84) رقم [201].

49

7- مكانته عند الأعلام:

قال النجاشيّ: كان شيخ العصابة في زمنه، و وجههم‏ (1).

و قال الطوسيّ: جليل القدر، كثير الرواية، ثقة (2).

و قال: كان شيخ أصحابنا في عصره، و أستادهم، و ثقتهم‏ (3).

و قال المجلسيّ: كان من أفاضل الثقات و المحدّثين، و كان أستاد الأفاضل الأعلام‏ (4).

و قال السيّد بحر العلوم: كان أبو غالب (رحمه اللّه) شيخ علماء عصره، و بقيّة من آل أعين‏ (5).

هذه الكلمات من مراجع الفنّ المعتمدين تقطع كلام أيّ متكلم عن الإفاضة في وصف الرجل بسائر صفات الوثاقة و الجلالة، فإنّ وصفه بأنّه «شيخ الطائفة» و أنه «ثقة الأصحاب» تبلغ به القمّة من جميع الجهات، بدءا بالوثاقة و الاعتماد، و ختاما بالجلالة و العلم.

و إلقاء نظرة فاحصة في هذا الكتاب يكفي للاقتناع بسموّ مقام هذا الرجل العظيم:

فبالإضافة إلى المجموعة الكبيرة من المؤلّفات التي تصدّى لروايتها من كتب الطائفة.

____________

(1) رجال النجاشيّ (ص 84) رقم [201].

(2) رجال الطوسيّ (ص 443) رقم [34].

(3) فهرست الطوسيّ (ص 56).

(4) بحار الأنوار (ج 1 ص 39).

(5) رجال السيّد بحر العلوم (ج 1 ص 224).

50

و إلى الأسلوب العلميّ الرصين الذي اتّبعه في تحمّلها و المحافظة عليها.

و بالإضافة إلى اتصاله الوثيق برجالات العلم و مشايخ الحديث منذ نعومة أظفاره، و خاصّة في تلك الفترة العصيبة من تاريخ المذهب.

بالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ مجرّد تصدّيه لتأليف هذا الكتاب، ليكشف عن قابلية و سمو يتحلّى بهما، فنلاحظ أنّه يقدم على تأليف هذا الكتاب بتفهّم و استيعاب.

و قد عبّر تلميذه الغضائريّ عن ذلك بقوله: إنّه كان شديد الحرص على جمع شي‏ء من آثار أهله‏ (1).

بل نجده يبثّ شكواه، و يبدي تخوّفه من ضياع ما لديه من كتب العلم، و يستعمل كلّ ما في وسعه من أدوات الصيانة و الحيطة، لحفظ ما بقي منها!

و يدعو بإلحاح و لهفة أن لا يقطع العلم من أسرته و بيته‏ (2).

فكلّ هذا يؤهّله لما قيل فيه أو يقال من كلمات الثناء و جمل الإطراء، إن لم يقصر عن بلوغ شأوه!

***

____________

(1) تكملة الغضائريّ، الفقرة [5].

(2) لاحظ هذا الكتاب الفقرة [10] ص (152)/ و انظر [9/ ب‏] ص (151).

51

8- مدرسته:

إنّ من الفوائد المتوخّاة من تعديد مشايخ الرجل و تلامذته، إنّما هو تحديد طبقته، و لكن عند ما تكون طبقته محدّدة بمعرفة ولادته و وفاته فانّ هذه الفائدة حاصلة بدون الحاجة إلى ذكر المشايخ و الرواة.

1- نشاطه العلمي:

لكنّ الفائدة الأتم من ذكرهم إنّما هي تشخيص (نشاط الراوي) كما نرى أن نسمّيه، حيث يتبيّن بذلك مدى سعة معاطاته للعلم، أخذا و تحمّلا، و نشرا و تحميلا، كما تتحدّد بذلك طبقة أولئك الذين لم تتحدّد طبقتهم من المشايخ أو الرواة.

مع أنّ في ذلك تحديدا للاتجاه المذهبيّ، و المسلك العلميّ للراوي، فإنّ الراوي إنّما يعيش في ما يناسب اعتقاده و مسلكه من بيئة، و يركّز نشاطه على ما يلائم فكره من جهد علمي.

2- وثاقة مشايخه:

و يختص أبو غالب بما قيل فيه من وثاقة جميع مشايخه الذين روى عنهم، و هذا هو الذي يظهر من النجاشيّ في ترجمة «جعفر بن محمّد بن مالك، الفزاريّ» حيث تعجّب من رواية أبي غالب عنه- مع ضعفه-.

فيدلّ على أنّ مشايخ أبي غالب لا يكونون من الضعفاء، و أنّه أجلّ من أن يروي عن ضعيف.

و يؤيّد ذلك أنّ الشيخ الطوسيّ وثّق جعفرا المذكور، مع التفاته إلى تضعيف‏

52

بعض له، كما في رجال الطوسيّ (ص 458) رقم (4).

و كذلك قول أبي غالب نفسه في الفقرة [9/ ب‏] من هذه الرسالة حيث اعتذر عن الرواية عن بعض الواقفة بأنّهم- و إن كانوا من الواقفة- إلّا أنّهم فقهاء ثقات.

حيث يظهر من هذا الكلام تجنّبه الرواية عن غير الثقات.

و إذا لم نعتبر ذلك توثيقا لمشايخه، فلا بدّ من دلالته على عدم القدح فيهم، على الأقل، و كونهم من أصحابنا الإماميّة لو لم يصرّح بالخلاف.

3- مشايخه:

قضى المترجم عمرا طويلا في الحضور لدى العلماء و التنقّل في مجالس السماع و العلم، و لو أخذنا بنظر الاعتبار أنّه كان منذ نعومة أظفاره يتنقّل من مجلس عالم إلى آخر، حتّى كانت تربيته على يد مثل عليّ بن الحسين السعدآبادي، و جدّه أبي طاهر محمّد بن سليمان، و حتّى أنّه سمع الحميريّ و هو ابن اثنتي عشرة سنة، فمن الواضح الاقتناع بكثرة من أخذ عنهم من الشيوخ.

و نحن نذكر هنا أسماء من وقفنا عليه من مشايخه، معقّبين لها بالمواضع التي عثرنا فيها على روايته عن كلّ واحد، من دون تعرّض إلى تراجمهم حذرا من التطويل مكتفين بذكر مصدر لترجمة كل واحد: و هم:

1- أحمد بن إدريس، أبو علي الأشعريّ، القمّيّ (ت 306):

ذكره أبو غالب في من سمع منه من الشيوخ، في الرسالة الفقرة [9/ ب‏].

انظر رجال النجاشيّ (ص 92) رقم [228].

2- أحمد بن محمّد بن سعيد، أبو العبّاس، ابن عقدة، الحافظ، الكوفيّ (ولد سنة 249- ت 332):

روى عنه في الثبت رقم [107] و قال: و على ظهره إجازته لي جميع حديثه، بخطّه.

انظر رجال النجاشيّ (ص 94) رقم [233].

3- أحمد بن محمّد، العاصميّ، أبو عبد اللّه، البغداديّ: