رحلة الصفار إلي فرنسا

- محمد بن عبد الله الصفار المزيد...
324 /
5

هذه ترجمة لكتاب:

Disorienting Encounters: Travels of a Moroccan Scholar in France in 5481- 6481. Translated and Edited by Gilson Miller. University of California Press, 2991.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

Ouvrez un guide de voyage, vous y trouverez d`ordinaire un petit lexique, mais ce lexique portera bizarrement sur des choses ennuyeuses et inutiles: la douane, la poste, l`ho? tel, le coiffeur, le me? decin, les prix. Cependant, qu`est ce que voyager? Rencontrer. Le seul lexique important est celui du rendez- vous.-

افتح دليلا للسفر تجد فيه كالعادة معجما صغيرا، لكن الغريب أنه ينصب على أمور مملة لا تفيد: من ديوانة و بريد و فندق و حلاق و طبيب و أثمان. و مع ذلك، ما هو السفر؟ إنه اللقاء.

و المفردة الوحيدة المهمة هي مفردة الموعد.

رولان بارت‏Roland Barthes

L`Empire des signes

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

«... و في وسط هذا النهر جزيرة هي أصل باريز القديم ... و لهم بهذه الجزيرة كنيسة قديمة أكبر و أقدم ما عندهم من الكنائس بباريز. و هذا النهر تسافر فيه المراكب و الفلايك و البابورات كبارا و صغارا، فهو مشحون بها في داخل المدينة. و فيه بيوت عظام من الخشب على شكل السفن الكبار، إلا أنها مسقفة من فوق بسقف منها، مفتوح وجهها الذي لجهة النهر، مرساة في طرفه ثابتة، معدة لغسل الثياب، تعلوا عند زيادة النهر و تنزل عند نقصانه كما هو شأن المراكب ...».

نص الرحلة- ص 168

«... و من منتزهاتهم أيضا، جنان السلطان الذي فيه النباتات و الوحوش بحرية و برية حية و ميتة. و استعملوا للميتة حيلا حتى صارت ترى كأنها حية، فترى الحوت لا تشك أنه الساعة أخرج من البحر. و ذلك أنهم سلخوه من جلدته و أخرجوها صحيحة و ملئوها بتبن أو نحوه حتى صارت كأنها سمكة بلحمها طريا، و يزيدونها أنواع الأطلية التي تصبر معها الجثة ...».

نص الرحلة- ص 177

«... و من محال فرجاتهم المحال المسماة بالتياتروا، و تسمى الكومزية و تسمى الأوبرة، و هو محل يلعب فيه بمستغربات اللعب و مضحكاته، و حكاية ما وقع من حرب أو نادرة أو نحو ذلك. فهو جد في صورة هزل، لأنه قد يكون في ذلك اللعب اعتبار أو تأديب أو أعجوبة أو قضية مخصوصة، و يكتسبون من ذلك علوما جمة ...».

نص الرحلة- ص 182- 183

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

استهلال‏

أعلن عن جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي سنة 2003 و تهدف إلى تشجيع أعمال التحقيق و التأليف و البحث في أدب السفر و الرحلات و اليوميات، و هو ميدان خطير و مهمل، و قد تأسست الجائزة إيمانا من «المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق» و «دار السويدي» بضرورة الإسهام في إرساء تقاليد حرّة في منح الجوائز، و تكريسا لعرف رمزي في تقدير العطاء الفكري، بما يؤدي بالضرورة إلى نبش المخبوء و المجهول من المخطوطات العربية و الإسلامية الموجود في كنف المكتبات العربية و العالمية، و إخراجه إلى النور، و بالتالي إضاءة الزوايا الظليلة في الثقافة العربية عبر علاقتها بالمكان، و السفر فيه، و الكشف عن نظرة العربي إلى الذات و الآخر، من خلال أدب الرحلة بصفته من بين أبرز حقول الكتابة في التراث العربي، لم ينل اهتماما يتناسب و الأهمية المعطاة له في مختلف الثقافات. مع التنويه بتزايد أهمية المشروع و جائزته في ظل التطورات الدراماتيكية التي يشهدها العالم، و تنعكس سلبا على علاقة العرب و المسلمين بالجغرافيات و الثقافات الأخرى، فالأدب الجغرافي العربي (و ضمنا الإثنوغرافيا العربية) من شأنه أن يكشف عن طبيعة النظرة و الأفكار التي كوّنها العرب و المسلمون عن «الآخر» في مختلف الجغرافيات التي ارتادها رحالتهم و جغرافيوهم و دوّنوا انطباعاتهم‏

12

و تصوراتهم الخاصة بهم عن الحضارة الإنسانية و الاختلاف الحضاري حيثما حلّوا.

في دورتها هذه كما في دوراتها السابقة تواصل الجائزة التوقعات المتفائلة لمشروع تنويري عربي يستهدف إحياء الاهتمام بالأدب الجغرافي من خلال تحقيق المخطوطات العربية و الإسلامية التي تنتمي إلى أدب الرحلة و الأدب الجغرافي بصورة عامة، من جهة، و تشجيع الأدباء و الكتاب العرب على تدوين يومياتهم المعاصرة في السفر، و حض الدارسين على الإسهام في تقديم أبحاث و دراسات رفيعة المستوى في أدب الرحلة.

*** مكتبة عربية لأدب الرحلة ... من كان يصدق؟ موسيقى لا تهدأ، و صخب لا ينتهي، و سطور الرحالة مدونات هي لوحات فنية مدهشة و مشاعر حميمة و خلجات وجدانية فياضة، خواطر و انطباعات و صور ترصد المرئيات، حدس شاعري و ابتكار فني و جمال في التعبير، خيال يعانق الواقع و يوقظ الذاكرة فيأتي بالممتع و المدهش. مرايا تتعاكس، بلدان قريبة و بعيدة، أماكن جديدة و زوايا لم تستكشف يرتادها عاشق مغامر كما يسري تحت جناح الليل للقاء الحبيبة. و هو لا يكتفي بعناقها و البوح بمكنونات قلبه و فكره إليها، بل يستغرق في ملامحها، يناجيها و يسعد باستجلاء خفاياها و كأنه يتأمل نفسه في مراياها ... تلك هي الرحلة، و من هنا يبدأ الاكتشاف و التغيير، اكتشاف المكان و اكتشاف الذات سعيا وراء فهم حقيقي لها. هكذا تنبثق الرؤى من معاشرة المدن و الأنهار و الجبال، و ترتسم في صياغات جديدة للوجدان و النظر و التعبير في نصوص حية عابرة للزمان كما هي عابرة للمكان.

***

13

بدأنا برحلة، و قلنا إننا سنختم معا مائة رحلة، أما و قد وقفنا على أعتاب الكتاب المائة فأي معجزة هذه ... و لم يمض على مشروع «ارتياد الآفاق» أربعة أعوام؟!

إنني لأحيي أولئك المغامرين القدامى من أبطال الرحلة، فرسانا امتطوا صهوات الجياد و اقتحموا غمار الموج، سالكين دروب الدهشة و الخطر؛ و أتطلع بفرح غامر إلى هذه الكوكبة الجديدة من الرحالة المعاصرين، الذين واكبوا مشروع «ارتياد الآفاق» و تألقوا في مسالكه. أطالع عشرات الأسماء و العناوين التي تزدان بها أغلفة الكتب، و هي تنقلنا بين المدن و البلدان و القارات، هؤلاء هم غواصو لآلئ الرحلة العربية و مبدعو أدبها الروائي الجميل. إنهم ثروة الأمة من الناظرين في كل جهات الأرض، و سفراؤها إلى العالم، العائدون بالرؤى و المعارف و الخبرات، أهل المشاهدة و أهل الحوار مع الآخر بصفته أنا أخرى و شريكا على هذا الكوكب.

في أسواق المدن و أكشاك المطارات و الموانئ و محطات القطار نمر بألوان من كتيبات السياحة و صور المنتجعات و إعلانات الفنادق و شركات السفر. هذا شي‏ء آخر غير أدب الرحلة؛ و اليوم، فإن المكتبات الحديثة المنتشرة بين المدارس و الجامعات و المراكز الثقافية لم يعد في مقدورها أن تستغني عن كنوز أدب الرحلة و روائعها، بل أفردت لها رفوفا خاصة بها.

الرحلة، كما آلت إليه، سفر في الأرض و سفر في المخيلة، و بالتالي فإن نصوصها مغامرة في اللغة و في الوجود.

*** تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية

14

لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

*** و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها

15

من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

*** أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسة التي شارفت اليوم على المائة كتاب أسست، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

*** ختاما، أحيي رحالة من طراز آخر، أولئك المثقفين المبدعين القائمين على مشروع ارتياد الآفاق و العاملين فيه و المتحلقين حوله من الباحثين الذين استكشفوا هذه المنطقة المطموسة و المغفلة من ثقافتنا العربية بقدرات المغامرين من العلماء و دأب المستكشفين، فالتمسوا المخطوطات و النصوص النادرة في مكتبات العالم و رجعوا بها كما يرجع الغواصون باللآلئ، و سهروا على فك رموزها و تحقيقها و إخراجها إلى النور ليكون لنا من وراء جهودهم‏

16

المضيئة مكتبة متعاظمة من أدب الرحلة ما تزال عناوينها تتوالى و سلاسلها تتعدد، ليكون في وسع ثقافتنا العربية أن تبرهن من خلال هذا اللون الممتع و الخطير من الأدب أنها ثقافة إنسانية فتحت نوافذها على ثقافات العالم و تجارب شعوبه، و دون رحالتها مشاهداتهم وثائق أدبية و تاريخية ترقى إلى ما يربو على ألف من السنين، فأنجزوا مع ريادتهم الآفاق ريادتهم في أدب السفر.

فهنيئا للقارئ العربي الجاد بهذه المكتبة الجديدة، و للأجيال التي ستقرؤنا بعد مائة عام.

محمد أحمد السويدي‏

أبو ظبي- يونيو/ حزيران 2006

17

المقدمة

يعود الفضل إلى الأستاذ الفقيه محمد المنوني في إرشاد الباحثة الأمريكية سوزان ميلار و تنبيهها إلى وجود نسخة فريدة من رحلة الصفار إلى فرنسا ضمن محفوظات الخزانة الحسنية بالرباط. و يتكون هذا المخطوط في مجموعه من مائة و تسع و ثلاثين صفحة، يبلغ طول كل منها 5، 21 سنتمترا، و عرضها 17 سنتمترا. و يتضمن نص كل صفحة واحدا و عشرين سطرا، كتبت بخط مغربي متأن جله واضح المعالم. و لم يكن هذا المخطوط يحمل توقيعا أو اسما للمؤلف، غير أن قرائن عديدة، لا تدع مجالا للشك في أن الرحلة من تأليف الفقيه محمد بن عبد الله الصفار الأندلسي التطواني.

أما موضوع المخطوط، فهو تقرير عن رحلة قام بها المؤلف إلى باريز في دجنبر/ كانون الأول من سنة 1845، حين عين كاتبا للسفير المغربي عبد القادر أشعاش، الذي بعثه السلطان عبد الرحمن بن هشام في مهمة دبلوماسية إلى فرنسا. و أثناء الرحلة، حرص الصفار على تسجيل مشاهداته، و بعد عودته إلى المغرب كتب تفاصيلها، ربما بإيعاز من عبد القادر أشعاع امتثالا لأمر السلطان.

و ينقسم المخطوط في مجموعه إلى ستة أقسام بدأها المؤلف بتوطئة و أنهاها بخاتمة. و تتوسطها أربعة فصول أساسية تتناول مواضيع مختلفة. و من حيث البنية، تجمع رحلة الصفار بين خصوصيات أدبيات الرحلة في شكلها الكلاسيكي و عناصر جديدة أكثر حداثة. و في سنة 1834، صدر عن مطبعة

18

بولاق المصرية كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز لمؤلفه رفاعة الطهطاوي الذي قضى في باريز خمس سنوات. و قد تأثر محمد الصفار إلى حد كبير بهذا الكتاب شكلا و مضمونا، لكن دون أن يكون مجرد مقلد له. إذ تمكن الصفار بفضل اتساع آفاقه الأدبية من إثراء مؤلفه بأشياء أصيلة، كأبيات شعرية و مقتبسات من القرآن و الحديث، و أقوال مأثورة و أمثال و نوادر، و بغيرها من المؤشرات الدالة على مكانته العلمية و الأدبية. و يخبرنا الصفار نفسه بأن إنجازه لعمله هذا قد تطلب منه شهورا عديدة.

و أمام هذه المعطيات المغرية، لم تتردد الباحثة سوزان ميلار في اختيار مخطوطة الصفار موضوعا لأطروحة نالت بها درجة الدكتوراه من شعبة التاريخ بجامعة ميشغن الأمريكية سنة 1976. و تطلب منها بلوغ هذا الهدف بذل جهود كبيرة، و مواجهة العديد من الصعوبات. إذ أصبحت ملزمة بتقوية معرفتها باللغة العربية، و بالاستئناس بقراءة الخط المغربي لتستطيع النفاذ إلى مضامين الرحلة و فهم معانيها، حتى تنقلها إلى الإنجليزية نقلا أمينا خاليا من العيوب. و كان عليها أيضا أن تلم بأدبيات الرحلة عند الغربيين و المسلمين على السواء. هذا، علاوة على الإحاطة بما كتبه النقاد الأدبيون و الأنثربولوجيون في موضوع الرحلة بوجه عام، مع التركيز على خصوصيات الرحلة المغربية، حتى تضع رحلة الصفار في إطارها الصحيح. و هذا بالإضافة إلى اقتفائها آثار البعثة السفارية المغربية، سواء أفي الأرشيف الفرنسي أم في الوثائق المغربية. و بفضل المساعدات التي تلقتها سوزان ميلار من الجانبين المغربي و الأمريكي، فقد حالفها النجاح و التوفيق في مواجهة كل الصعوبات.

غير أنها احتفظت بعملها مرقونا على أحد رفوف مكتبتها مدة قاربت عقدين من الزمن، فظل الاطلاع على نتائجه مقتصرا على الباحثين المتخصصين. و لم يكتب له أن ينشر ليصبح رهن إشارة عموم القراء الأنكلوساكسونيين إلا في سنة 1992، و ذلك تحت العنوان الآتي:

Disorienting Encounters: Travels of a Moroccan Scholar in France in 5481- 6481. The Voyage of Muhammad As- Saffar. Translated and Edited by Susan Gilson Miller. University of California Press, 2991.

و مما يثير الاستغراب أيضا، أن هذه الرحلة المهمة لم يسبق نشرها في نصها العربي الأصلي بالرغم من اكتشاف وجودها ضمن محتويات الخزانة الحسنية منذ

19

مدة ليست باليسيرة. و كان هذا الاعتبار من الأسباب التي دفعتني، بمناسبة صدور الكتاب أعلاه، إلى الإقدام على مفاتحة سوزان ميلار في الموضوع و الإلحاح عليها في تعريب عملها و نشره، حتى تعم فائدته غير قراء الإنجليزية في المغرب و في العالم العربي. و حين سألتني عن استعدادي لأكون طرفا في المشروع، لم أتردد في القبول على الرغم من ضيق الوقت و كثرة الانشغالات.

و قد اعتقدنا في البداية أن إنجاز العمل بحكم وجود النص العربي للرحلة سيكون سهل المنال، إذ يكفي تعريب الستين صفحة و الهوامش المحررة بالإنجليزية في الدراسة و التحقيق. إلا أننا وجدنا أنفسنا أمام مهمة لا تخلو من صعوبات، نشير في عجالة إلى البعض منها.

لقد حرصنا على تعريب الأفكار الواردة في الدراسة تعريبا سليما و أمينا دون المس بمضامينها أو التصرف فيها. غير أن الكتاب في نسخته الإنجليزية كان يستهدف بطبيعة الحال جمهورا من القراء غالبيته العظمى من الغربيين. و لذا نجد سوزان ميلار عند ترجمتها لنص الرحلة إلى الإنجليزية تعمل قدر المستطاع على ترجمتها بطريقة حرفية حفاظا على أمانة النص الأصلي. و كلما اعترضتها كلمة عربية فصيحة كانت أم دارجة، إلا و حاولت إيجاد مقابل لها في الإنجليزية، مع تقديم شروح وجيزة لها في الهوامش لتيسير فهمها، و هذا لم يكن أمرا سهلا. غير أنها اضطرت في بعض الأحيان إلى الوقوف عند أشياء تبدو بسيطة، لكن القارئ الغربي يحتاج إلى شروح لفهمها لأنها غريبة عن ثقافته المادية و الدينية. و عند تعريب التحقيق و مراجعة النص العربي للرحلة، اضطررنا إلى التدخل من جديد خاصة في الهوامش، إما لحذف بعضها بحكم أن ما تتضمنه من شروح يعتبر بديهيا و من باب تحصيل الحاصل لدى القارئ العربي عامة و المغربي خاصة؛ و إما لإضافة هوامش جديدة تتعلق بشرح بعض المفردات التي و إن كانت قد كتبت بالعربية فهي لا تخلو من لبس و غرابة. و حتى نميز بين الهوامش الأصلية و مثيلاتها المضافة، وضعنا بين قوسين كلمة معرب كلما أضيف هامش جديد، سعيا إلى تقديم عمل متكامل قدر الإمكان.

و من الصعوبات التي واجهتنا عند تعريب هذا العمل، اعتماد الباحثة في بعض الاقتباسات الواردة في الدراسة على الترجمات الإنجليزية لبعض أمهات الكتب العربية مثل مقدمة ابن خلدون أو غيرها. و حتى يمكن العثور على الاقتباس نفسه في لغته الأصلية، كان لا بد من الرجوع إلى النسختين العربية و الإنجليزية معا. و للغرض‏

20

نفسه كان لا بد من الرجوع إلى المصادر العربية و المغربية التي أخذت منها بعض المقتبسات بالعربية و نقلت إلى الإنجليزية. و إن زاد ذلك في متاعبنا، فإنه لم يكن خاليا من المتعة و الفائدة.

و تجدر الإشارة إلى أن تعريب هذا الكتاب قد تحقق بمساندة من برنامج الدراسات المغربية بمركز الدراسات الشرقية بجامعة هارفارد الأمريكية الذي يولي اهتماما خاصا للبحث في تاريخ المغرب و مجتمعه. و تعمل الدكتورة سوزان ميلار اليوم أستاذة محاضرة متخصصة في الحضارات الإسلامية في قسم حضارات الشرق الأدنى و لغاته بجامعة هارفارد. كما تشغل منصب مديرة لبرنامج الدراسات المغربية بمركز الدراسات الشرقية بالجامعة نفسها منذ تأسيسه.

و يسعدنا في نهاية هذه المقدمة أن نتوجه بالشكر و الامتنان إلى كل الذين ساعدوا على إنجاز هذا العمل في كل مراحله. و نخص منهم بالذكر الفقيد الأستاذ الفقيه محمد المنوني، (رحمه الله)، الذي سبقت الإشارة إلى تفضله بإثارة انتباه سوزان ميلار إلى وجود نسخة من رحلة الصفار بالخزانة الحسنية في الرباط؛ و الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور الذي مكن هذه الدراسة مشكورا من كل الوثائق المغربية المتصلة بالموضوع؛ و الفقيد عبد القادر الرزيني بطنجة الذي مد الدراسة أيضا بعينات من وثائقه العائلية. و في مرحلة التعريب لم يبخل علينا زملاؤنا و أصدقاؤنا الأساتذة بتوجيهاتهم و اقتراحاتهم و تشجيعاتهم. و نخص منهم بالذكر، الأستاذ فوزي عبد الرزاق من جامعة هارفارد، و الأساتذة عمر أفا و محمد معتصم و محمد أعفيف و جامع بيضا و سعيد بن سعيد العلوي من كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط، و كذا الأستاذ محمد حميدة من كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالقنيطرة.

21

رموز مختصرةAbre ?viations

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

خريطة: مراحل رحلة محمد الصفار من تطوان إلى باريز

24

لوحة 1: افتتاحية مخطوط رحلة محمد الصفار

25

القسم الأول الدراسة

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

تمهيد

في يوم من أيام ربيع سنة 1846، و بعد أن عاد محمد الصفار من رحلته إلى فرنسا، حمل القلم و شرع في الكتابة في جو مفعم بالروائح الزكية المنبعثة من الأزهار المتفتحة لأشجار البرتقال المنبثة في البساتين المحيطة بتطوان، مسقط رأسه. و قد استعان في ذلك بحزمة ضخمة كانت أمامه تضمنت العديد من المعطيات التي تذكره بالناس و الأماكن، و بمختلف العجائب التي رآها أو سمع عنها خلال رحلته.

و بعد أن دعا الله و طلب منه العون و التوفيق، شرع بكامل الصبر و الأناة في العمل، و بدأ في تحرير انطباعاته على الورق بأسلوب ثابت هادئ، معتمدا في ذلك على خبرته الطويلة في ميدان الكتابة.

و عند بداية شهر شتنبر/ أيلول، حين بدأت أزهار الربيع اليانعة تتحول إلى دوائر ذهبية اللون، كتب الصفار السطور الختامية لمخطوطته معبرا عن تلك الفرحة الكبيرة التي تهز الفرد كلما فرغ من عمل عسير و شاق بالعبارات التالية: «و هذا ما تيسر للعبد الضعيف جمعه مع تشويش البال و تزاحم الأشغال، و لو لا مساعدة من تجب إجابته و تتحتم طاعته، لما كدت و لا قررت أن أفعل شيئا من ذلك» (1). و توحي هذه الكلمة الختامية، إلى جانب السرعة التي حررت بها، بأن الطلب الذي كان الصفار بصدد الاستجابة إليه، نابع لا محالة من شخص السلطان نفسه.

لماذا كان المولى عبد الرحمن- أمير المؤمنين و سليل نبي الله محمد (صلى الله‏ عليه و سلم)،

____________

(1) انظر الصفحات الأخيرة من نص الرحلة في نهاية هذا الكتاب.

28

و أحد أعلام سلاطين الأسرة العلوية التي حكمت المغرب خلال فترة تجاوزت قرنين من الزمن- متعطشا هذا التعطش لقراءة ما دونه محمد الصفار في رحلته من أخبار؟ قد يكون من بين تلك الأسباب، أن السلطان كان يتوقع العثور في الصفحات التي ملأ الصفار سطورها بشكل مكثف على أجوبة قد تشفي غليله حول بعض التساؤلات المحيرة التي كانت تشغل باله بصفة لا تخلو من الإزعاج: أين يكمن سر قوة الفرنسيين؟ كيف تمكنوا من الوصول إلى ذلك المستوى من القوة؟ كيف استطاعوا قهر الطبيعة و إحكام قبضتهم على مسارها بطرق و أساليب ما زالت خافية عنا؟ كيف يعيش الفرنسيون حياتهم اليومية، و كيف يربون أبناءهم و خدامهم؟ ما هي أحوالهم التعليمية، و كيف يسلون أنفسهم و يروحون عنها، و ماذا يأكلون؟ و باختصار، ما هو وضع حضارتهم، و ما هي أوجه اختلافها عن حضارتنا؟

تكمن أهمية رحلة الصفار في قدرة كاتبها على تقديم أجوبة عن مثل هذه الأسئلة، و على تسجيل تجربته في صور دقيقة الرسم و ذات عمق إنساني. و كانت له القدرة على فتح نافذة على عالم بعيد عن عالمه هو، و نقل مشاهدته إلى غيره. و من خلال وصفه الدقيق لما هو جديد، و يكاد يكون كل شي‏ء جديدا، نحس بنسيج اللقاء الثقافي: و بقراءتنا لما دونه عن رحلته، نجد أنفسنا أمام فرصة نادرة تتاح لنا لتقمص شخصية أحد رجال الفكر المغاربة في لحظة حرجة تمتحن معتقداته و مشاعره و توجهاته.

إن «موعد» الصفار مع الجديد، على حد تعبير بارت(Barthes) ، يحدث مواجهة أكبر حجما مجد خلالها تجربته مرات عديدة. و تمثلت خلفيات رحلته في أحداث و وقائع أدت، بشكل عميق، إلى قلب التصور الذي كان لدى النخبة الحاكمة في المغرب عن قوتها إزاء الغرب رأسا على عقب. و في الواقع، كانت الرحلة في حد ذاتها جزءا من ذلك المجهود الذي استهدف القيام بمحاولة لتصحيح الخلل و التبصر بمعرفة الأسباب الكامنة وراء الإخفاقات و الفشل. و قد تميز العصر الذي عاش فيه كاتب الرحلة بالقلق الذي انتاب المغاربة من قدرتهم على مواجهة الغرب المتحكم في جميع مقومات التفوق العسكري. كما تميز أيضا بوجود تخوفات كبيرة من وقع القضايا الخارجية و خطورة تأثيرها على الأحوال الداخلية لنظام اتسم بهشاشته.

و كانت هذه القضايا العريضة مطروحة مسبقا قبل الرحلة، و قد تم صبها في قالب اكتسى دلالات تاريخية ذات أهمية بالغة. و حتى تفهم الرحلة، يجب علينا أن نضعها في إطارها التاريخي و الزمني.

29

علاقة المغرب بفرنسا و الجزائر

كان أبرز حدث هزجيل الصفار هو الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830. و لما تمكن الفرنسيون من توسيع مجال احتلالهم من المناطق الساحلية للجزائر إلى أعماق البلاد ليصبح احتلالهم لها شاملا، أدى ذلك إلى تحطيم مفاجئ لاستمرارية المجال الذي كان بين البلدان الإسلامية الممتدة من مصر إلى المغرب منذ القرون الأولى للعهود الإسلامية. و قد أصبح التوغل الفرنسي يعني للمغرب أن دولة مسيحية أصبحت تجاوره على طول حدود ممتدة على أرض سهلية و أخرى صحراوية بكل ما تسمح به من فسح للمجال المغربي أمام الفرنسيين. إن هذا الواقع الجديد ليعتبر انقلابا حقيقيا لم تشهد البلاد مثله من قبل، و لا بد أن تكون عواقبه متعددة و وخيمة.

و لم تكن تلك أول مرة يجد فيها المغرب نفسه مهددا من الغزاة الوافدين من أوربا، غير أن التهديد كان مختلفا و من نوع جديد. لقد اخترق الإيبيريون أجزاء من السواحل المغربية خلال القرنين الرابع عشر و السادس عشر، إلا أن احتلالهم لها كان في الأغلب احتلالا مؤقتا و عابرا. و في القرن السابع عشر، ارتفعت درجة التوتر بصفة قارة بين المغرب و أوربا في عرض المحيطات، فتبادل القراصنة المغاربة و الأوربيون الهجمات على مراكب بعضهم البعض، محاولين الرفع من مداخيلهم المالية بدعوى الدفاع عن معتقداتهم الدينية (1). و في أواسط القرن الثامن عشر، شهدت عمليات القرصنة تقلصا واضحا، و فسح المجال أمام أشكال التبادل المتسمة بدرجة أقل من العنف. و أصبحت الصراعات العابرة من أحد المظاهر المميزة للعلاقات المغربية الأوربية، كما شكلت التجارة النشيطة و العلاقات الدبلوماسية مظهرا آخر لتلك العلاقات. و شهد عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757- 1790) إنشاء مرسى جديدة بالصويرة على ساحل المحيط الأطلسي لجلب أنظار التجار الأجانب‏

____________

(1)

J. Bookin- Weiner," The`Sallee Rovers`: Morocco and its Corsairs in the

Seventeenth Century", in The Middle East and North Africa: Essays in Honor of J. C. Hurewitz, ed. Reeva S. Simon( New york, 0991 ), p. 713.

30

و تعزيز المداخيل الجمركية لبيت مال المخزن‏ (1). و بعد ذلك، جاءت الثورة الفرنسية و الحروب النابوليونية، فكان لها تأثير حاسم على مستوى العلاقات بين المغرب و أوربا فانقطعت الصلات بينهما. و علاوة على ذلك، أثيرت صراعات شديدة على الحكم في المغرب بعد وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، جعلت البلاد تتخبط في جو من الصدامات و أعمال العنف. و دخلت بذلك الحياة السياسية في مرحلة من التجاوزات بشكل ما تحدثت عنه من قبل أقلام الإخباريين المغاربة و كتاباتهم‏ (2).

و كان لا بد من انتظار حلول عشرينيات القرن التاسع عشر، ليتمكن المغرب و أوربا من تجاوز مرحلة سادت فيها الاضطرابات. و في مختلف أرجاء القارة، احتفل الأوربيون بحلول السلام على طريقتهم الخاصة، فاندفعوا برغبة قوية في تحقيق النمو و التطور في كل المجالات، و شرعوا جادين في البحث عن الأسواق الخارجية و المواد الأولية. و بينما كانت أوربا بصدد الدخول في عهد جديد، كنا نجد المغرب على عكس من ذلك متجها إلى الانطواء على نفسه، بل إنه يقدم، خلال فترة حكم المولى سليمان (1793- 1822)، على قطع جل علاقاته مع الأوربيين. و في سنة 1817، نفذ السلطان قراره القاضي بتفكيك ما تبقى من العناصر المكونة للأسطول البحري المغربي، فوضع بذلك حدا للحركة التجارية البحرية بواسطة المراكب المغربية (3). و في هذا السياق، أغلقت كل المراسي أمام التجارة الأجنبية، و منع‏

____________

(1)

Daniel Schroeter, Merchants of Essaouira: Urban Society and Imperialism in Southwestern Morocco, 4481- 6881( Cambridge, 8891 ), pp. 11- 02.

و انظر نسخته المعربة: دانييل شروتير، تجار الصويرة، المجتمع الحضري و الإمبريالية في جنوب غرب المغرب، 1844- 1886. تعريب خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة نصوص و أعمال مترجمة 6، 1997.

(2) أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تسعة أجزاء، (الدار البيضاء، 1956)، 8: 72- 86.

(3) عن تفكيك الأسطول المغربي عند بداية القرن الثامن عشر، انظر: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث (الرباط، 1973)، 1: 3- 8. (جميع الإحالات إلى هذا الكتاب من طبعة سنة 1973، ما لم يشر إلى خلافه). انظر أيضا:

J. L. Mie? ge," La marine marocaine aux XIXe? me sie? cle", Bulletin de l`enseignement publique au Maroc, 732( 6591 ): 15- 75.

31

المغاربة من السفر خارج البلاد إلا بترخيص من السلطان‏ (1). و حاول خلفه السلطان مولاي عبد الرحمن (1822- 1859) تدارك الموقف و تصحيح الخلل، لكنه فشل في تحقيق ذلك، فعاد المغرب إلى العزلة التي كان قد فرضها على نفسه بمحض إرادته‏ (2).

و دام الانفصام الذي كاد أن يكون تاما في علاقات المغرب مع الغرب مدة تجاوزت جيلا واحدا. و في غضون ذلك، تمكنت أوربا من الدخول في مرحلة حافلة بالتحولات و التطورات الجديدة بأشكال لم يكن بإمكان غالبية المغاربة تصورها آنذاك‏ (3).

و قد أدى الاحتلال الفرنسي للجزائر إلى الإسراع بوضع حد لتلك المرحلة و إنهائها، وزج بالمغرب من جديد في خضم القضايا الأوربية. فوجد السلطان نفسه مكرها على أن يصبح طرفا في قضايا تدخل في اهتمامات جيرانه الجدد المحتلين للجزائر. و كانت بداية التدخل المغربي في تلك القضايا مع الأمير عبد القادر الزعيم الجزائري الذي نظم المقاومة المحلية ضد الفرنسيين ابتداء من 1830. و كان السلطان قد بادر إلى مده بالزاد و السلاح، تعبيرا منه بذلك عن قيامه بواجبه الديني الهادف إلى الوقوف في وجه التهديد المسيحي. لكن السلطان كان في الوقت نفسه، شديد الحذر من جيش الأمير غير النظامي، و كثير الاحتراس من استغاثته الدينية به، و أيضا كان يخشى أن يكون سببا في إثارة فرنسا لتقوم بمهاجمة المغرب‏ (4).

____________

(1) نذكر مثالا على ذلك، الظهير الصادر عن السلطان مولاي ليمان لفائدة الحاج عبد الرحمن أشعاش بتاريخ 28 شوال 1221/ 8 يناير 1807، يسمح له فيه بالسفر خارج المغرب. داود، تاريخ تطوان، 3: 236.

(2)

J. Caille?," Le dernier exploit des corsaires du bou- Regreg", Hesp. 73, 3- 4( 0591 ): 924- 734.

(3) من أجل إلقاء نظرة عامة و شاملة، انظر ما يلي:

J. L. Mie? ge, Le Maroc et L`Europe, 4 vols.( Paris, 1691 ), vol. 2: L`ouverture, pp. 91- 852; L. Valensi, Le Maghreb avant la prise d`Alger) 0971- 0381 (,) Paris, 9691 (.

(4) عن حركة المقاومة التي قام بها عبد القادر بن محيي الدين المختاري (1807- 1883)، ما بين 1832 و إلى حدود 1847، انظر ما يلي:

R. Gallissot," La guerre d`Abd el Kader ou la ruine de la nationalite? alge? rienne( 9381- 7481 )", H- T 5) 1391 (: 14- 911.

32

استمرت تلك العلاقات الطيبة المشوبة بالكثير من المصاعب بين الطرفين طوال المدة التي اقتصرت فيها فصول الحرب على المجال الترابي للجزائر. لكن مع حلول سنة 1841، دخل الصراع الفرنسي المغربي في مرحلة جديدة بصفة مفاجئة. إذ أكد الجنرال بيجو

( Bugeaud )

، فور تعيينه قائدا للجيوش الفرنسية، أنه «لن يسمح للعرب بالقيام بأعمال الحرث أو الحصاد، و لا حتى بالرعي دون حصولهم على تصريح بذلك منا»، أي من الفرنسيين. و في نهاية المطاف، أدى عزمه الشديد على ملاحقة الأمير عبد القادر دون هوادة إلى عبور الزعيم الجزائري للحدود المجاورة و الدخول إلى المغرب‏ (1). و في يوم 6 غشت/ آب 1844، قامت وحدات من الأسطول الفرنسي، دون سابق إنذار بضرب طنجة بالقنابل. و بعد ذلك بأيام قليلة، ضربت مرسى الصويرة بالقذائف إلى أن تحولت المدينة إلى خراب. و في خلال أسبوع واحد، تمكن الفرنسيون من إلحاق الضرر و تعطيل النشاط التجاري بمرسيين هامين، و من توجيه ضربة قوية إلى مداخيل السلطان الجمركية (2). و في غضون ذلك، عبر الجنرال بيجو الحدود فشتت جموع الجيش المغربي في وادي إيسلي؛ و بذلك ألحقت الهزيمة بالمغاربة برا و بحرا.

____________

- أما عن تفاصيل المبادرات ذات الطابع الدبلوماسي، فانظر:

P. de Cosse?- Brissac, Les Rapports de la France et du Maroc pendant la conque? te de l`Alge? rie( 0381- 7491 )) Paris, 1391 (.

و انظر كتاب العروي الذي قدم فيه تأويلات جديدة بعد فترة الحماية:

A. Laroui, History of the Maghrib( Princeton, 7791 ), pp. 992- 103.

و يعتبر كتاب جوليان أساسيا في الموضوع، انظر:

C.- A. Julien, Histoire de l`Alge? rie Contemporaine( Paris, 4691 ), ch. 4.

و يقول بول أزان‏(Paul Azan) إن عبد القادر منح للسلطان «المكانة نفسها التي يستحقها السيد من تابعه»، انظر:

Julien, Histoire, p. 241.

(1) ورد ذلك عند جوليان:Julien ,Histoire ,p .471 .

(2) انظر ما رواه شاهد عيان عن هذه الأحداث في كتابه الآني:

A. H. Warnier, Campagne du Maroc, 4481,( Paris, 9981 ).

33

ثم بدأت فرنسا تسعي في صنع السلام، فكتب الجنرال بيجو ما يلي: «الآن يمكننا أن نكون كرماء دون أن نكون ضعفاء، لأننا ضربناهم بقوة» (1). و أدى إبرام اتفاقية طنجة في شتنبر/ أيلول 1844، و معاهدة لالة مغنية في شهر مارس/ آذار اللاحق، إلى تعزيز النجاح الذي حققه الفرنسيون، في حين كان الثمن الذي دفعه السلطان مقابل كل ذلك غاليا جدا (2). إذ كان عليه أن يوافق على قبول التعاون مع الفرنسيين في القبض على الأمير عبد القادر، و الدخول في مفاوضات لرسم حدود جديدة مع الجزائر. و بذلك وجد السلطان نفسه مرغما دفعة واحدة، على التخلي عن معارضته للفرنسيين، و التسليم بوجوده على التراب الجزائري، و هو اعتراف حقيقي بواقع لم يكن موجودا من قبل.

و في غضون ذلك، حاول المخزن أن يضع حدا للكارثة. و تؤكد الكتابات المعاصرة- حسب ما جاء عند محمد المنوني- على ما تميز به رجال المخزن المركزي و العلماء وقتئذ، من تخبط في الحيرة و عجز عن التفكير السليم‏ (3). و ترتب عن ذلك بروز اتجاهين اثنين: تمثل أولهما في النداء الموجه للقيام بالجهاد. و الثاني، في محاولة للبحث في النصوص التقليدية، عن تفسيرات لفهم أسباب وقوع تلك الكارثة

يا أهل مغربنا حق النفير لكم‏* * * إلى الجهاد فما في الحق من غلط

(4).

و يوحي كلا الاتجاهين، على الأقل، بوجود بعض من عناصر النخبة الذين‏

____________

(1) ورد ذلك عند:Cosse ?-Brissac ,Rapports ,p .69 .

(2) يوجد نص هذه الاتفاقية و المعاهدة أعلاه في:

H. M. P. de la Martinie? re et N. Lacroix, Documents pour servir l`e? tude du nord- ouest african, 4 vols.( Alger, 4981- 79 ), 2: 715- 125.

(3) المنوني، مظاهر 1: 13.

(4) عبر عن الاتجاه الأول من خلال قصيدة تحميسية من نظم الوزير ابن إدريس مطلعها:

يا أهل مغربنا حق النفير لكم‏* * * إلى الجهاد فما في الحق من غلط

المنوني، مظاهر 1: 20؛ و أيضا:

M. Lakhdar, La vie litte? raire sous la dynastie ` Alawide( Rabat, 1791 ), pp. 613- 713, 723- 533.

أما الاتجاه الثاني، فيمكن تلمسه عبر تأليف وضعه أحد علماء فاس محمد بن عبد القادر الكيلاني المعروف بالفقيه الكردودي، تحت عنوان: كشف الغمة ببيان أن حرب النظام حق على* * *

34

حاولوا البحث من الداخل، عن مرشد يرشدهم إلى الكيفية التي يجب أن تتم بها ردود الفعل على التهديدات الفرنسية القادمة من الجزائر. غير أن عناصر أخرى داخل الجهاز المخزني، كانت ترى أن ذلك الاتجاه المستمد لعناصره من السلف، لم يصبح ملائما لمستجدات العصر، و أن الحاجة أصبحت ماسة للبحث عن معلومات و معطيات جديدة. إن أبواب المخزن كانت ما تزال مفتوحة و قابلة لأن تتسرب منها بعض التصورات و الأفكار الجديدة. و منذ أواسط أربعينيات القرن التاسع عشر، بدأ نوع من الرغبة في معرفة أحوال أوربا ينتاب بعض العناصر القليلة ذات النفوذ داخل الجهاز المخزني. و إذا لم تكن قد صارت من دعاة الإصلاح بمعناه الدقيق، فإنما أصبحت تتحمس إلى «البحث» و «المشاهدة و السماع» (على حد تعبير الصفار) لما يمكن للغرب أن يقدمه من أشياء جديدة (1). و لعل هذا الفضول كان قد استمد وجوده من تقارير الرحالة الأوربيين و المغاربة و غيرهم من المسلمين، الذين نقلوا أخبارا عن التحولات العلمية و التقنية العظمى التي تحدث في مختلف أرجاء أوربا. بل لعله كان بسبب ظهور كتب الرحلات كرحلة المصري رفاعة الطهطاوي إلى باريز التي وجدت طريقها إلى مكتبة ابن إدريس وزير السلطان‏ (2)؛ بل الآكد أنه جاء نتيجة الهزيمة العسكرية. في بداية الأمر، بدا أنه من الممكن الخلوص انطلاقا من هذه المصادر، إلى أنها هي التي كانت وراء ظهور فكرة إرسال بعثة إلى أوربا لمعاينة مظاهرها الحضارية. لكنها كانت فكرة مليئة بالتناقضات و مشحونة بكثير من مظاهر الريبة و الشكوك. و مع ذلك، تبين في نهاية المطاف أنها فكرة حان موعد إدخالها حيز التنفيذ.

____________

* * * هذه الأمة، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم 1281D . نشر أيضا في المطبعة الحجرية بفاس، دون تاريخ، و ذكره المنوني في كتابه مظاهر 1: 13- 15. و أيضا عند العروي:

A. Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocaine( 0381- 2191 )) Paris, 7791 (, pp. 672- 872.

(1).Laroui ,Origines ,pp .372 -472 ,872

(2) عن هذه الإشارة إلى خزانة ابن ادريس، انظر الصفحة 215 من المرجع المذكور في الهامش السابق رقم 16. أما عن الطهطاوي، فانظر الهامش رقم 127 فيما سيأتي.

35

الظروف المحيطة بسفارة أشعاش‏

أثيرت فكرة توجيه سفارة مغربية، للمرة الأولى، أثناء المفاوضات التي كانت جارية حول معاهدة لالة مغنية، حينما اقترح الفرنسيون على السلطان إيفاد مبعوث عنه إلى فرنسا قصد إدخال «التغييرات و التحولات التي يتطلبها الوضع الجديد (1)» حيز التنفيذ. إلا أن المخزن أبدى تحفظا من ذلك العرض، فمرت عدة شهور دون أن يصدر عنه جواب في الموضوع، بينما كانت هناك بعض العناصر داخل الجهاز المخزني تتدارس الفكرة. و لم يخف بوسلهام بن علي أزطوط، نائب السلطان و ممثله أمام الهيئة الدبلوماسية، لم يخف عن الوسيط الفرنسي في المفاوضات، أنه يتبنى موقفا مؤيدا للمصالحة مع فرنسا، غير أن وجهات نظره تلك لم تجد بعد آذانا صاغية داخل القصر. و جاء في أحد التقارير، أنه عبر عن موقفه بالعبارات التالية: «إن التحالف مع فرنسا شي‏ء مناسب لنا، و هذه الفكرة ليست مقبولة بعد بشكل تام من طرف الإمبراطور ... غير أنها بدأت تدور في خلده، و سأعمل على رعايتها بكل ما أملكه من وسائل‏ (2)». و نتيجة لهذا الموقف المشجع للفرنسيين، كلف ليون روش‏Le ?on) (Roches الذي اشتهر بموهبته و تمسكه الصارم بمبادئه، بمهمة التحضير لتلك السفارة و تنظيمها (3). و تحقيقا لذلك، ظل روش على اتصال مستمر بكل من النائب‏

____________

(1)AAE /MDM 9 /073 ، رسالة دولاروde la rue إلى ابن ادريس، 22 مارس 1845.

(2)AAE /CPM 41 /911 -221 ، روش‏(Roches) إلى كيزو(Guizot) ، 24 غشت 1845. كان بوسلهام بن علي أزطوط عاملا على طنجة و العرائش، و في الوقت نفسه نائبا و ممثلا للسلطان أمام قناصل الدول الأجنبية المقيمين بطنجة. و ظلت العلاقات الخارجية في المغرب خاضعة في تسييرها لموظفين مخزنيين يقيمون بالشمال، فيقومون بمهمة ربط الصلات بين السلطان و ممثلي الدول الأجنبية دون أن يكون هناك اتصال مباشر و حقيقي بين الأجانب و شخص السلطان و بقية العناصر العليا داخل الجهاز المخزني.

(3) ابتدأ ليون روش‏(Le ?on Roches) حياته مع الجيوش الفرنسية في الجزائر سنة 1832. و في سنة 1837، خلال مرحلة الهدنة، أصبح هو الكاتب الخاص للأمير عبد القادر الجزائري، و اتخذ لنفسه اسم عمر بن الروش. و في 1839 التحق من جديد بحاشية الجنرال بيجو(Bugeaud) ، و لعب* * *

36

السلطاني بوسلهام بن علي في العرائش و بالوزير محمد ابن إدريس في القصر السلطاني‏ (1).

و في غضون ذلك، تزايد تحمس الحكومة الفرنسية للسفارة المغربية، خاصة و أن فوائدها السياسية أصبحت واضحة المعالم. لأن حلول سفير مغربي بالديار الفرنسية، سيقدم للرأي العام الفرنسي الذي كان يعيش نوعا من الانقسام، الدليل القاطع على أن الأهداف المتوخاة من حرب الجزائر الطويلة الأمد و الباهظة التكاليف قد تم بلوغها.

و في هذا الصدد كتب ليون روش ما يلي: «على الإمبراطور أن يقدم لملكنا سلاحا فعالا يمكنه من الصمود أمام الرأي العام لرعيته، و السلاح المطلوب هو السفير» (2).

و أيضا كانت في ذهن ليون روش نظرة أخرى عن المغرب، البلد الذي أدّب و روّض، و بالتالي ألحق هو أيضا، بصفوف الدول الإسلامية الخاضعة منذ زمن إلى فرنسا.

و عبر روش عن وجهة نظره الخاصة التي تقول إنه قد يأتي اليوم الذي يتحالف فيه السلطان تحالفا مماثلا «لما هو موجود بيننا و بين كل من سلطان القسطنطينية و باشا مصر و باي تونس ... عليكم بالقدوم إلى بلدنا للبحث عن المدربين الذين سيزودون تركيا

____________

* * * دورا أساسيا في سفارة أشعاش، حيث كان مرافقا للبعثة المغربية في رحلتها إلى باريز. انظر الملف الخاص عن مساره في:

AAE, Dossier personnel" Le? on Roches"

، بالإضافة إلى ما يلي:

M. Emerit," La le? gende de Le? on Roches"," Revue africaine 19, 014- 114( 7491 ): 18- 501, et Le? on Roches, trente- deux ans travers l`Islam, 2 vols.) Paris, 4881- 78 (.

غير أن هذا الكتاب الذي سجل فيه روش مذكراته لا يغطي الفترة التي تعنينا هنا دراستها.

(1) محمد ابن ادريس (1794- 1847) كان صدرا أعظم خلال فترة حكم السلطان عبد الرحمن بن هشام، و شاعرا ممتازا، و أحد رجال الدولة المحنكين داخل الجهاز المخزني. كان في الأصل و فيا لاتجاهه المعادي لأوربا، إلا أن موقفه قد تغير بعد هزيمة إيسلي، فناصر فكرة توجيه سفارة إلى فرنسا. انظر الناصر الفاسي، «محمد ابن ادريس وزير مولاي عبد الرحمن و شاعره»، البحث العلمي، 1، (يناير- أبريل 1964): 80- 157.

(2)AAE /CPM 41 /281 ، روش إلى ابن ادريس، 12 شتنبر 1845. أما عن موضوع النقاشات السياسية التي أثيرت في فرنسا حول حرب الجزائر، فانظر ما يلي:

F. P. G. Guizot, France under Louis Philippe, 1481- 7481( London, 5681 ), pp. 711, 031.

37

و مصر و تونس بخيرة الفرق العسكرية، و لتتمكنوا من دراسة علومنا و صناعتنا» (1).

هناك ضغوط و أسباب كثيرة، دفعت المغاربة في تلك الظروف إلى التفاوض.

و قد كان أولها الوضعية الخاصة بالأمير عبد القادر، إذ كانت فرنسا تمارس ضغوطها على المغرب لإبعاد الأمير عن التراب المغربي، بينما كان السلطان بحاجة إلى مزيد من الوقت. و حاول روش البرهنة على أن لجوء المغرب إلى المطالبة بالمزيد من الأناة و الصبر بتوجيه الدعوة إلى فرنسا مباشرة من باريز قد تكون درجة إقناعه أقوى من الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة في المغرب‏ (2). علاوة على ذلك، فقد كانت في مشاهدة فرنسا مباشرة مصلحة وفائدة. و من الممكن أن تكون من الأفكار التي أوحت بقبول تلك السفارة، مسألة إتاحة الفرصة أمام إمكانية جمع المعلومات و المعطيات مباشرة، و بواسطة مبعوث يحظى بالثقة الكاملة، بدلا من الاعتماد على وسطاء قد تحوم شكوك كثيرة حول صدقهم و درجة ولائهم. و في الأخير، فإنه من الممكن أيضا أن يكون السلطان قد اقتنع بأن التفاوض في مثل تلك الحالات يمثل أفضل الحلول.

و إذا كان الجهاد هو أحد مظاهر العلاقات مع البلدان غير الإسلامية، فإن الصلح و المهادنة هما أيضا من الوسائل التي يلجأ إليها الحكام المسلمون منذ العهود الباكرة.

و ما دام هناك إجماع على اعتبار الممارسة الدبلوماسية مع غير المسلمين تخدم مصالح الجماعة و ما دامت القضايا المتعاقد عليها ذات طابع مؤقت قصير الأمد، فإنها كانت منذ زمن، من الأدوات السياسية المستحسنة و الجاري بها العمل‏ (3).

____________

(1)AAE /CPM 14/ 182، روش إلى ابن ادريس، 12 شتنبر 1845.

(2)AAE /CPM 41 /251 -351 ، رسالة روش إلى الجنرال دولا مورسيير(de La Morcie ?re) ، 3 شتنبر 1845. و كتب السلطان إلى بوسلهام بأن أهداف السفارة هي «إظهار محو ما كان صدر بين الإيالتين من الغيام و رجوع ما كان بينهما إلى حاله الأول»، بالإضافة إلى احتمال أن الفرنسيين قد «يبطلون شرط الحاج عبد القادر [...] و المقصود الأهم هو اغتنام فك أسارى المسلمين من أيدي أعداء الدين». غير أن المصادر الفرنسية لا تتحدث بتاتا عن هذه النقطة الأخيرة. رسالة السلطان إلى بوسلهام، 22 جمادى الثاني 1261/ 28 يونيو 1845، مسجلة ضمن محفوظات مديرية الوثائق الملكية تحت رقم 17561، و منشورة في الجزء الثاني من دورية الوثائق، ص. 28- 29.

(3) أولى تقاة المسلمين اهتماما خاصا للشروط التي تستوجب السفر إلى بلدان غير البلدان الإسلامية.

و تنص التعاليم الإسلامية على ألا تشد الرحال الا في اتجاه الأماكن التي تقيم بها عناصر* * *

38

و أملت سوابق الماضي كيفية تشكيل الأعراف و التقاليد الدبلوماسية لدى المسلمين. و بخلاف ما كانت عليه الدول الأوربية، التي كانت ترعى مصالحها

____________

* * * الجماعة المسلمة دون غيرها. و المعنى الأساسي لمصطلح الهجرة، هو الهروب بعيدا من دار الكفر، و اللجوء إلى دار الإسلام. و بهذا يكون التوجه في سفر إلى بلاد الغرب، ينطوي في حد ذاته على إشكاليات عدة، كما شكل نقطة هامة أثيرت حولها نقاشات عديدة في أوساط العلماء. انظر ما يلي:

Dale F. Eickelman and James Piscatori, eds., Muslim Travellers: Pilgrimage, Migration, and the Religious Imagination( Berkeley and Los Angeles, 0991 ).

و انظر بوجه خاص المساهمة التي قدمها ضمن المجموعة نفسها خالد مسعود تحت عنوان:

" The Obligation to Migrate: The Doctrine of Hijra in Islamic Law", pp. 92- 94.

و في المجموعة سابقة الذكر نفسها، انظر المساهمة التي قدمها عبد الرحمن المودن تحت عنوان:

" The Ambivalence of Rihla: Community Intrgration and Self- definition in Moroccan Travel Accounts, 0031- 0081", pp. 96- 48.

و لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، انظر:

Laroui, Origines, pp. 023- 123; M. EL- Mansour," Moroccan Perception of E urpean Civilization in the Nintheenth Century" in Morocco and Europe, ed. George Joffe?, Center of Near and Middle Eastern Studies, School of Oriental and African Studies, University of London, Occasional Paper 7( London 9891 ), pp. 73- 54.

بالإضافة إلى مقال لعبد المجيد القدوري تحت عنوان: «صور عن أوربا من خلال ثلاث رحلات مغربية و بعض المراسلات الرسمية»، في: مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية، الرباط، 15 (1989- 1990): 45- 66. و قد أبدى علماء فاس معارضتهم التامة لأي اتصال مع غير المسلمين على جميع المستويات، مما أدى إلى اصطدامهم مع التجار المحليين المتطلعين إلى ممارسة التجارة الخارجية فيما وراء البحار. عن ذلك انظر:

N. Cigar," Socio- economic Structures and the Development of an Urban Bourgeoisie in Pre- colonial Morocco", Maghreb Review 3, 3- 4( May- August 1891 ): 76.

و عن معالجة هذه القضية انطلاقا من رحلة الصفار انظر ما سيأتي في مختلف صفحات هذا الكتاب.

39

الخارجية بالاعتماد في ذلك على قناصل مقيمين في مختلف أرجاء المعمورة، فإن غالبية الدول الإسلامية بما فيها المغرب، لم تكن تعتمد، إلى حين حلول العصر الحديث على وجود هيئة دبلوماسية محترفة، و لم تكن دشنت بعد مسطرة إنشاء السفارات الدائمة خارج حدودها. و جرت العادة دائما على إسناد مهمة القيام بالمفاوضات إلى مبعوثين خاصين يختارهم حاكم البلاد، فيتوجهون في رحلتهم إلى الخارج لتنفيذ المهام المنوطة بهم، ثم يعودون إلى بلدهم الأصلي بمجرد إنهائها. و مع ذلك، فإن وقوع الاختيار على شخص ما ليكون مبعوثا إلى بلد أجنبي، كان تشريفا حقيقيا و كبيرا له. و من ثم فإن وقوع الاختيار على شخص ليتوجه في مهام دبلوماسية كان أمرا مرغوبا فيه بل كان الناس يتهافتون على الفوز بتلك الحظوة. و في ذلك الإطار، ما لبثت أن شاعت فكرة اقتناع السلطان و عزمه على توجيه مبعوث عنه إلى فرنسا، حتى أصبح موضوع انتخابه للشخص المناسب موضوعا للكثير من التخمينات و الأقوال المتضاربة.

بلغ ليون روش، عن طريق مخبريه الموجودين داخل القصر السلطاني، أن موضوع السفارة أصبح حديث الساعة و أن ألسنة الجميع قد أصبحت منشغلة به. و كان لكل فريق مرشحه الخاص به؛ إذ جاء في تقرير للقنصل الفرنسي بطنجة إيدم دو شاستو(Edme de ch teau) ، أن «ابن إدريس اقترح مرشحا واحدا، و أن بوسلهام اقترح واحدا غيره، في حين كان الإمبراطور يميل إلى اختيار أحد أثرياء تجار فاس» (1). و قد حاول ليون روش التأثير على السلطان حتى يقدم على اختيار مبعوث جيد، فعمد إلى التذكير بأيام السلطان المولى إسماعيل و الملك لويس الرابع عشر، حينما اتسمت العلاقات بين بلديهما بمظاهر «العظمة و الأبهة، و النتائج الطيبة»، فبذل قصارى جهده لحث المغاربة على تعيين «شخص تجتمع فيه جميع الصفات‏

____________

(1)AAE /CPM 41 /38 -48 ، دو شاستو(de Chasteau) إلى كيزو، 3 غشت 1845. في البداية أشار الفرنسيون إلى ترشيح كل من مصطفى الدكالي و أحمد التمسماني، و هما تاجران و لهما علاقات قوية مع الخارج. غير أن نية السلطان لم تكن كذلك. و حسب مضمون إحدى الرسائل المحفوظة بمديرية الوثائق الملكية، فإن السلطان كان يفضل مبعوثا له «عارفا بأمور المخزنية ليس واحدا من التجار». رسالة ابن ادريس إلى بوسلهام، 14 رجب 1261/ 19 يوليوز 1845. مسجلة تحت رقم 17571.

40

المميزة: و هي أن يكون ذا مظهر خارجي مهيب، متصفا بالذكاء و اتقاد الذهن، و أن يكون من ذوي الحسب و النسب، و يحتل مكانة سامية في الدولة» (1).

وصلت في آخر الأمر أخبار تفيد أن السلطان اتخذ قراره في الموضوع. و بلغت مسامع ليون روش، من «أحد أصدقائه الموجودين بالقصر السلطاني في فاس»، أن الاختيار قد وقع على عبد القادر أشعاش، عامل تطوان. و في حينه، بادر ليون روش إلى تحرير رسالة وجهها إلى وزير الخارجية الفرنسي كيزو(Guizot) ، تضمنت وصفا يطري شخصية أشعاش، حاول من خلالها تغطية ما كان ينقصه عن فصول حياته و أصوله من دقة، باختلاق نوع من الحماسة المبالغ فيها، نقتبس منها ما يلي:

«كان أسلافه من المورسكيين المبعدين من إسبانيا في القرن الخامس عشر، و استقر في المكان الذي تقع فيه اليوم تطوان، و يعتبرون مؤسسين لها. و منذئذ، آل منصب الباشا لفائدة كبير الأسرة. و أصبحت الباشوية حكرا على عناصرها عن طريق الوراثة ... و تم ذلك بشكل لا مثيل له في المغرب. و هكذا فإن أشعاش من أهل الحسب و النسب، و الجاه الرفيع. و إن كان يكاد يبلغ الخامسة و الثلاثين من العمر، فهو واسع الاطلاع و له ما يكفي من التجربة الدولية. فهو يحظى بكامل الثقة، و علاقاته حميمة بالإمبراطور، و يملك ثروة طائلة، كما سبق له أن زار مكة ... و سيكون من المستحيل حقا العثور في المغرب على رجل أكثر ملاءمة منه» (2).

كان أشعاش الابن البكر لإحدى الأسر التطوانية الثرية ذات النفوذ، و قد سبق لأبنائها تقلد مهام السلطة و السهر على تسيير شؤونها مدة استغرقت ثلاثة أجيال متعاقبة. و كان جده عبد الرحمن أشعاش، أول من اكتسب مكانة سياسية بارزة بين كل أفراد الأسرة، إذ استطاع أن يشغل منصب عامل على تطوان ثلاث مرات. و كان والده محمد أشعاش عاملا على المدينة نفسها، و اشتهر ببأسه الشديد و شخصيته القوية. فكان مهاب الجانب، يخشاه الناس، حتى قيل إنه كان يحكم تطوان بيد من‏

____________

(1)AAE /COM 41 /601 -701 ، روش إلى بوسلهام، 10 غشت 1845.

(2)AAE /CPM 41 /352 -452 ، روش إلى كيزو، 20 أكتوبر 1845. و علل السلطان وقوع اختياره على أشعاش في رسالة وجهها إلى خادمه بوسلهام بن علي في 18 شوال 1261/ 20 أكتوبر 1845، بقوله:

«لما رأينا من رزانته و عقله و لكونه من بيوتات الرياسة و الخدمة»، محفوظة بمديرية الوثائق الملكية، تحت رقم 10795.

41

حديد. و في هذا الصدد كتب عنه مؤرخ مدينة تطوان محمد داود أنه «سدل رداء الأمن على جميع إيالته، حتى بلغ من الأمن في مدته، أن كان النساء يبتن في الجنانات و الغراسي وحدهن بدون رجل لا يخفن إلا الله»، على غرار ما ورد تكراره في الأدبيات التقليدية المتعلقة بموضوع الأمن و السكينة. و كانت صرامته و ولاؤه لشخص السلطان، سببا في تدعيم مكانة أسرته و ضمان إحكام استمراريتها في بسط نفوذها على تطوان.

و عند وفاته في 1845، انتقلت مهام باشوية المدينة إلى ولده البكر عبد القادر (1).

و لم تمض سوى أشهر قليلة على تسلم عبد القادر أشعاش لمهامه الجديدة، حتى كافأه السلطان باختياره مبعوثا عنه في سفارة إلى الخارج. علاوة على ذلك، كان عمره أصغر بكثير مما كتبه ليون روش، إذ يحتمل عدم تجاوزه سن الثامنة و العشرين.

و يمكن أن يتساءل المرء كيف وقع الاختيار على شخص ذي تجربة قليلة لتنفيذ مهمة فائقة الصعوبة، تتطلب من المكلف بها مؤهلات كبيرة. صحيح أن عبد القادر أشعاش لم يكن حديث العهد بشؤون الحياة العامة، بحكم قضائه إلى جانب والده بضع سنوات تتلمذ عليه خلالها في مختلف الجوانب و القضايا المتعلقة بتسيير مصالح المدينة و مرافقها، و أيضا في كل ما له صلة بالأمور السياسية على المستوى المحلي، أو في إطار العلاقات مع القصر السلطاني و المستويات العليا من الجهاز المخزني‏ (2). لكن أشعاش بعيدا عن مستوى تكوينه التعليمي و عن مؤهلاته و قدراته المتنوعة، كان يملك ما هو أهم من ذلك بكثير، ألا و هو ثروته الطائلة التي سمحت له بتحمل كل الأعباء المالية لمصاريف البعثة السفارية. و يبدو أن هذا العنصر كان، إلى جانب عوامل أخرى، هو العامل الأقوى الذي حسم اختيار المخزن دون سواه من أجل تلك المهمة.

____________

(1) محمد داود، تاريخ تطوان، 3: 276- 294. قدم فيها مؤرخ تطوان وصفا مطولا للفترة التي شغل خلالها محمد أشعاش منصب عامل على المدينة.

(2) لم يكن أشعاش على حظ كبير من الثقافة و التعليم، و في ذلك تأييد لما سبق للعروي تأكيده، من أن غالبية السفراء الذين وقع عليهم الاختيار للتوجه في بعثات دبلوماسية إلى الخارج كانوا أشباه أميين، انظر:(Origines ,p .512) .

و يوجد في مجموعة

AAE/ ADM" Voyage de Sidi Aschasch, Pacha de Tetouan, 5481"

، و التي سوف نشير إليها من الآن فصاعدا هكذا:AAE /ADM Voyage ، يوجد تقييد بخط يده الردي‏ء لا يحمل تاريخا.

42

لوحة 2: بيت الباشا أشعاش بمرسى مرتيل‏

رسم بيلير(Lt .Bellaire) ، مجموعة أنكوس(Angus) ، المفوضية الأمريكية القديمة بطنجة

43

لوحة 3: إقامة الباشا أشعاش بتطوان‏

رسم بيلير(Lt .Bellaire) ، مجموعة أنكوس(Angus) ، المفوضية الأمريكية القديمة بطنجة

44

إذ اجتمعت في شخص أشعاش كل الشروط الضرورية: فهو جليل المقام، ذو خبرة و دراية بالشؤون العامة، و في حوزته ثروة مالية تعفي المخزن من تحمل التكاليف الباهظة التي تستلزمها السفارة (1).

و تضمنت الرسالة السلطانية التي عين بموجبها عبد القادر أشعاش مبعوثا إلى الديار الفرنسية، تعليمات إضافية حول كيفية إعداد نفسه للرحلة و التهيؤلها، بالعبارات التالية:

«خديمنا الأنجب عبد القادر أشعاش، وفقك الله و سلام الله عليك و رحمة الله تعالى و بركاته. و بعد، فقد كانت تكررت الإشارة و الطلب قبل بتوجيه باشدور لدولة الفرنصيص لإظهار تقرير الصلح و المهادنة. و كنا استشرنا والدك (رحمه الله) في حياته، فوافق على ذلك، و قال: إن كان يتوجه أحد غيره يحتاج إلى تقويمه بما يحتاج إليه، و إن توجه هو بنفسه لا يحتاج لشي‏ء (2). و كان إذ ذاك لم يظهر لتوجيه الباشدور وجه لما كان وقع من الجنس المذكور، و اليوم أكثر الإلحاح في ذلك.

و قد شرح الله صدرنا لتوجيهك باشدورا لباريز، لما توسمنا فيك من النجاعة و علو الهمة و المعرفة بالأبهة و القوانين. فبوصول كتابنا هذا إليك، اشرع في التأهب لذلك، و عين من يصحبك في وجهتك من ذوي العقل و المروءة و الدين و المعرفة بقوانين الأجناس. و لا بد لك من عالم‏ (3) يقيم أمر الدين من صلاة و قراءة، و ما

____________

(1)AAE /CPM 41 /352 -452 ، روش إلى كيزو، 20 أكتوبر 1845. و في هذا الصدد كتب روش ما يلي:

«إن اقتراحه تحمل كل مصاريف السفارة هو الذي جعل قرار السلطان يكون لصالحه». و كان والده وعد السلطان قبل ذلك بأنه لو اختاره سفيرا، ليتكفلن بكل نفقات السفارة. رسالة مولاي عبد الرحمن إلى عبد القادر أشعاش، 18 رمضان 1261/ 20 شتنبر 1845، مسجلة ضمن محفوظات مديرية الوثائق الملكية تحت رقم 10794.

(2) و في ذلك إحالة إلى رغبة والد عبد القادر أشعاش في تحمل الأعباء المالية للسفارة.

(3) يمكن العودة إلى المراجع التالية لإلقاء نظرة على نماذج من العلماء في المغرب:

E. Burke III," The Moroccan Ulama, 0681- 2191: An Introduction", and K. Brown," Profile of a Nineteenth- Century Moroccan Scholar".

و كلاهما منشور ضمن المجموعة التالية:

Scholars, Saints, and Sufis: Muslim Religious Institutions in the Middle East Since 0051, ed. Nikki R. Keddie( Berkeley, 2791 ), pp. 39- 521, 721- 841.

45

يعرض من جوانب أحبارهم، فإنهم يبحثون المسلمين كثيرا، عموما و خصوصا في أمور الاعتقادات و الديانات، لتوجد جامعا لما لا بد منه من الأمور.

و هي‏ء ذلك على سعة. و حين تبقى عشرة أيام للعيد أقدم لحضرتنا الشريفة لتحضر عيد الفطر، و تتوجه من عندنا قاصدا وجهتك، و تصحب معك ما هيأنا بقصد الإنعام عليهم من سباع و غيرها مما يناسب.

فإنه لا كبير عمل في ذلك، و لا تحتاج إلى عقد و لا حل، و إنما أنت مكلف بإيصال الكتاب و ما معه، ورد الجواب إن شاء الله تعالى. و الله يصلحك، و السلام» (1).

مرت زهاء سنة كاملة على التاريخ الذي اقترحت فيه لأول مرة فكرة توجيه سفارة مغربية، قبل أن يكون أشعاش على استعداد للانطلاق، رفقة أعضاء البعثة إلى باريز. و مع اقتراب الموعد، أصبح ليون روش واثقا بأن مجهوداته سوف تبدأ تؤتي أكلها بعد حين، فكتب مبتهجا العبارات التالية: «إن ثورة قد وقعت في القصر السلطاني ... و هذه الثورة كلها لصالحنا. و إننا على أبواب التمكن من بسط نفوذ فرنسا بشكل يفوق نفوذ بقية جميع الدول، إذا استطعنا معرفة كيفية استغلالها» (2).

المركب ميتيور(Le Me ?te ?ore)

في غضون الأسبوع الأول من شهر نونبر 1845، حلت بطنجة الباخرة التي تقرر ركوب أعضاء البعثة السفارية المغربية المتوجهة إلى فرنسا على متنها. و كان ذلك المركب الذي يحمل اسم ميتيور(Me ?te ?ore) قد جهز بتجهيزات خاصة منذ البداية

____________

(1) رسالة السلطان عبد الرحمن بن هشام إلى عبد القادر أشعاش، 4 رمضان 1261/ 6 شتنبر 1845، و هي مسجلة ضمن محفوظات مديرية الوثائق الملكية تحت رقم 46571. و قد نشرت في المجموعة الثانية من دورية الوثائق، تحت رقم 178، ص. 75- 76 (الرباط، 1976).

(2)AAE /CPM 51 /961 -671 ، روش إلى دو شاستو، 5 نونبر 1845 [؟]، أشير في جانبها إلى عبارة «سرية»» Confidentiel «انظر أيضا كتاب كايي:

J. Caille?, Une mission de Le? on Roches Rabat en 5481( Casablanca, 7491 ).

46

ليتخذ مركبا استشفائيا للعلاجات الأولية للمرضى عند الضرورة. و حصلت الاستفادة من خدماته طوال المدة التي استغرقتها الحملة الفرنسية على الجزائر، فنقلت على متنه الفرق العسكرية من مدينة تولون‏

( Toulon )

، في اتجاه و هران.

و غالبا ما كان يعاد إلى فرنسا محملا بأعداد من المرضى و المصابين. و قام القنصل الفرنسي بجولة تفقدية لمرافق المركب، فكتب في أعقابها إلى باريز رسالة وجهها إلى وزير الخارجية كيزو(Guizot) ، عبر له فيها عن عدم رضاه عن ذلك الاختيار.

فاشتكى إليه صغر حجم المركب، و أن قائده الملازم الأول جويفروي(Goeffrry) كان بمرتبة عسكرية متواضعة لا ترقى إلى المستوى المطلوب، و من ثم فكلاهما غير ملائم و لا يناسب مقام البعثة و جلالها (1). غير أن المركب ذات الحجم الكبير لم تكن متوافرة بكثرة، فكانت الحاجة ماسة إليها بسبب أجواء الحرب في الجزائر، و لا سبيل لتجاوز تلك العقبة. و لذلك لم يجد ليون روش بدا من ضرورة التوجه في رحلة قصيرة إلى جبل طارق، و اقتنائه من هناك لكل ما هو ضروري، لإعطاء المركب مظهرا يليق بمقام تلك المناسبة، بما في ذلك الأثواب التزيينية و الستائر و الأثاث و البسط غيرها.

و كانت الغاية هي تجهيز الجناح المخصص لإقامة السفير المغربي، و تجميله وفقا للطراز المشرقي. فوضعت طاولات قصيرة القوائم على أرضية فرشت أساسا بالزرابي و البسط. و على الرغم من ضيق الغرف، قيل إن جناح إقامة أعضاء البعثة توافرت فيه كل وسائل الراحة، و كان مظهره الخارجي لطيفا (2).

منذ أوائل دجنبر 1845، كان أفراد المجموعة الصغيرة من الفرنسيين الذين أو كلت إليهم مهمة مرافقة البعثة المغربية إلى فرنسا مجتمعين في طنجة. و كان يرأسهم بطبيعة الحال ليون روش، و إلى جانبه أوكست بوميي(Auguste Beaumier) .

و وصف هذا الأخير بأنه «رجل شاب على مستوى كبير من الذكاء، و يتكلم شيئا من‏

____________

(1)AAE /CPM 51 /25 -55 ، دو شاستو إلى كيزو، 5 نونبر 1845.

(2)AAE /CPM 51 /76 -96 ، روش إلى كيزو، 13 نونبر 1845؛ بالإضافة إلى:

AN/ MM/ BB 4- 246, 6481," Missions particulie? res, Me? te? ore, Mission Tanger".

و هو عبارة عن تقرير صفحاته غير مرقمة من إنجاز قائد المرك جويفروي‏(Goeffroy) . أما عن انطباعات الصفار حول السفر بحرا، فهي موجودة في الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

47

العربية» (1). و كان يعمل وقتئذ كاتبا خاصا للقنصل الفرنسي دوشاستو. و في 6 دجنبر غادروا جميعا طنجة بحرا في اتجاه تطوان التي وصلوها في اليوم نفسه. و عند دخولهم المدينة، وجدوا أزقتها و سطوح منازلها ممتلئة عن آخرها بالسكان الذين بدت مظاهر الفضول واضحة على وجوههم، و كان أشعاش ينتظر وصولهم قاعدا في الرياض الموجود بمحل إقامته، فأحدث مظهره وقعا إيجابيا في نفوسهم. و كتب دوشاستو على أثر ذلك قائلا: «إن ابتسامته ظريفة و تصرفاته لبقة؛ و أعتقد أن حكومة الملك ستكون راضية عن اختياره سفيرا إليها» (2).

و سرعان ما تبين أن أعضاء البعثة المغربية لم يكونوا على استعداد للانطلاق في رحلتهم نظرا لهبوب رياح عاصفة في تلك الليلة، مما دفع إلى إبعاد المركب «ميتيور» إلى عرض البحر اتقاء لمخاطر العاصفة. و لمدة أيام عديدة، لم تسمح الأحوال الجوية المضطربة بعودته إلى الساحل. و أخيرا، اجتمع أعضاء السفارة في صبيحة يوم 13 دجنبر على الشاطئ، و أرسل القائد جويفروي زورقا كبير الحجم لحملهم إلى «الميتيور». و ما لبث «أن اكتسح ذلك الزورق جموع المغاربة الذين لا شك في أنهم كانوا يرغبون في ركوبه» حسب ما كتب جويفروي في يوميته. و في غضون ذلك، كان بعضهم الآخر منهمكا في توديع السفير: «فقام أحدهم بتقبيل كسوته، و قبله آخر في كتفه، بينما قبل الثالث يديه». و حين صعد المغاربة على متن «الميتيور»، أمر

____________

(1) ولد أوكست بوميي سنة 1822 في مرسيليا، فدرس العربية و أصبح كاتبا خاصا للقنصل الفرنسي دو شاستو(de Chasteau) سنة 1839. و بعد عودة السفارة المغربية، قضى جل مساره الدبلوماسي في المغرب، فكان نائبا قنصليا في الرباط، ثم قنصلا بالصويرة إلى حين وفاته بها سنة 1876. و كانت له إلى جانب ذلك اهتمامات علمية (انظر: 222- 209/ 4(AAE /MDM فكتب مقالات في مجلة:

Bulletin de la Socie? te? de Ge? ographie

كما ترجم إلى الفرنسية كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس، حول تاريخ فاس لمؤلفه ابن أبي زرع المتوفى في 1325 ه. أنظر أيضا:

AAE, Dossier Presonnel" Beaumier"

، بالإضافة إلى:

J. Caille?," Auguste Beaumier: Consul de France au Maroc", Hesp. 73( 0591: 35- 95

(2) 193- 189/ 15AAE /CPM ، دو شاستو إلى كيزو، 5 دجنبر 1846.

48

القائد ملاحيه بالإقلاع. و على امتداد اليوم الأول، ظل السفير و بقية المرافقين له، واقفين على ظهر المركب محدقين بأعينهم إلى البحر في تأمل عميق هادئ‏ (1).

و بالإضافة إلى شخص السفير، تضمنت لائحة المسافرين على متن «الميتيور» خلال هذه الرحلة، أسماء المغاربة المرافقين له. و كان من بينهم صهر أشعاش محمد اللبادي، و هو رجل مسن عانى كثيرا من ألم دوار البحر. و طوال المدة التي استغرقتها الرحلة، بدا الانشغال الكبير لرئيس البعثة المغربية براحة صهره و سلامة أحواله الصحية. ثم بعد ذلك صهره الآخر، الحاج العربي العطار، الذي وصفه جويفروي «بأنه رجل و سيم، يتراوح سنه بين الأربعين و الرابعة و الأربعين»، يتكلم الإسبانية، و يبدو أنه يفهم الفرنسية أيضا. و قد سبق له القيام برحلات عديدة إلى جبل طارق، علاوة على سفره إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج. و كان الفقيه محمد الصفار، البالغ من العمر حوالي خمس و ثلاثين سنة، ثالث المقربين من الحاشية الضيقة لأشعاش. و قال عنه قائد المركب جويفروي، إنه بدا له «شديد التحفظ، و أقل بشاشة و انشراحا مما كان عليه الآخرون». و كان هؤلاء الثلاثة ينفردون لوحدهم بحظوة تناول وجبات الطعام مع السفير. و هناك شخص رابع اسمه أحمد العياط، وصف بأنه هو «المسؤول عن تدبير شؤون السفير و قضاء حاجياته». غير أنه لم يكن يسمح له بالجلوس على مائدة السفير، بينما كان يقيم معه في الغرفة نفسها. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تسعة مخازنية يرافقون البعثة لخدمة أعضائها (2).

و بعد أن زالت الدهشة عن المغاربة و قل وجلهم من البحر و بدأوا يستأنسون به، عادت الحياة فوق المركب إلى حالتها الرتيبة و العادية. فعند أوقات تناول الوجبات، كان أشعاش و المقربون إليه يجلسون إلى مائدة القائد جويفروي. و على الرغم من‏

____________

(1) 642- 4AN /MM /BB ، تقرير جويفروي‏(Goeffroy) . بالإضافة إلى:

APT/ 2 C 102/ journal du bord, Me? te? ore

، «الميتيور»، 13 دجنبر 1845.

(2) وردت أسماؤهم ضمن لائحة ركاب «المتيور»، و قد كتبت فيما يبدو كما تنطق، و لذا فيها شي‏ء من التحريف البسيط: عبو العطيطر، أحمد الزغل، حجي أحمد اليعقوبي، الطاهر بريول، أبو السالم العمري، محمد القراصي، الحاج عبد الرحمن شولون، محمد علو الدريسي، و محمد مختار الذي أشير إليه بصفة الترجمان. انظر:

APT/ IC 4572/ 5481, Me? te? ore, Ro? le d`e? quipage," passagers la table du commandant".

49

اتخاذ هذا الأخير لكل الاحتياطات الضرورية على مستوى مؤونة التغذية لجعلها رهن إشارة ضيوفه، فإن أشعاش فضل الاعتماد على مؤونته الخاصة المتكونة من: «ثورين اثنين، و أربعين كبشا، وست مائة من الدجاج ... و مقادير من البيض و الخضروات و التفاح و العنب»، فوضع كل ذلك بمخازن المركب الفرنسي قبل انطلاقه من تطوان.

علاوة على ذلك، فإنه لم يظهر المغاربة تحمسا كبيرا لمواد الطبخ الفرنسي، بل فضلوا أن يهيئوا طعامهم بأنفسهم:

«و خاصة الطبق المشهور المسمى بالكسكس الذي لا يمكنهم الاستغناء عن تناوله. فكان يقدم إليهم في ظهيرة كل يوم. إنهم متدينون جدا، و تمسكهم شديد بتعاليم القرآن. فهم لا يشربون الخمر أبدا، و حين كنا نشربه أمامهم، لم يصدمهم ذلك فيما يبدو، و لربما كانت لهم رغبة تذوقه و لو على سبيل التجربة ... و حاول أحد الحاضرين ممازحة الفقيه، بقوله إنه بفضل اطلاعه الواسع لا بد و أن يجد آية من القرآن ترخص له شرب الخمر» (1).

فباستثناء وجبات الطعام، لم يكن هنالك شي‏ء يذكر يمكن القيام به في المركب. و قد قام جويفروي ببرمجة شي‏ء من الفرجة الليلية كالألعاب النارية، تسلية لضيوفه و سعيا منه في جعل الرحلة ممتعة. و في 17 دجنبر، تم بلوغ سواحل فرنسا، و في يوم 19 كان الوصول إلى مرسيليا التي نال فيها الجميع قسطا من الراحة قبل التوجه إلى باريز. و وجهت الدعوة إلى السفير لزيارة المدينة رفقة أعضاء البعثة، غير أن أشعاش رفض الاستجابة لها، ملحا على ضرورة الإسراع بالتوجه إلى باريز دون تأخير. و كان رفض قبوله تلك الدعوة السياحية من الأمور التي أربكت مضيفيهم الفرنسيين، و بدأت تروج في أذهانهم تصورات و انطباعات غامضة عن الطريقة الواجب نهجها مع زوارهم «الشرقيين». و فسر أحد الفرنسيين ذلك الموقف الغريب للسفير المغربي بأنه تعبير إضافي عن حماسة دينية مفرطة: «ككل المسلمين، فقد فهم أن واجبه الأول عند الوصول إلى البلاد هو تقديم نفسه إلى حاكمها، الذي يرى‏

____________

(1)AN /MM /BB 4 -246 ,rapport de Goeffroy . تقرير أنجزه جويفروي.

50

أنه السيد الوحيد و المطلق على كل رعاياه» (1).

غادر أعضاء البعثة المغربية مرسيليا يوم 21 دجنبر، و اتجهوا برا راكبين العربات، في طريقهم نحو الشمال، مخترقين وادي الرون. و في يوم 27 من الشهر نفسه، وصلوا إلى أورليان(Orle ?ans) ، و بها كان مبيتهم قبل الدخول إلى باريز. و في صبيحة اليوم الموالي، و هو اليوم الخامس عشر منذ انطلاقهم من تطوان، ركبوا قطارا خاصا نقلهم من أورليان إلى باريز، فكانت تلك أول رحلة قام بها المغاربة في القطار. و عند وصولهم إلى باريز في وسط النهار، ذهب بهم مباشرة إلى المكان المخصص لإقامتهم و الذي يحمل العنوان التالي: 66 شارع الشانز- إيليزي(Champs -Elyse ?es) .

مشاهدات الصفار في باريز

كانت باريز خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، أكبر العواصم الأوربية و أرقاها على الإطلاق. و ربما كانت لندن هي عاصمة العالم المالية، غير أن باريز كانت قطب الرحى في الثقافة العالمية التي كانت تتدفق منها مشعة بكل ما لديها من ثقة في نفسها بجمالها البالغ أعلى درجات الكمال و النضج. و كانت باريز قد عرفت بعلو كعبها في ميدان الأزياء و الموضة، و برعت فيها بدرجات جعلتها تنصب نفسها حكما فريدا على مسارها و مآلها. و كانت الحشود الكبيرة من الزوار الوافدين على باريز لمشاهدة صناعتها و فنونها، و آخر إبداعاتها في عالم الأزياء و غيرها من مظاهر الأناقة و الجمال، تذكر الباريزيين بتلك الدرجات العليا من التطور و الرقي اللذين بلغهما وقتئذ المجتمع الفرنسي.

و كان وصول البعثة المغربية إلى باريز كافيا لإثارة اهتمام جل الباريزيين على‏

____________

(1) 216- 215AAE /CPM ، بورسي‏(Pourcet) ، إلى كيزو، 19 دجنبر 1845. قارن مع الرحلة المغربية التي قام بها إلى إسبانيا خلال القرن السابع عشر، الوزير الغساني، الذي رفض قبول الدعوات التي وجهت له في طريقه للاستراحة فأجاب بقوله: «لا يمكننا القيام بموضع من المواضع ما لم نصل البلاد التي نحن قاصدون إليها و الطاغية الذي توجهنا إليه». رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ترجمها إلى الإسبانية و حققها ثم قام بنشرها ألفريد البستاني (طنجة، 1940)، ص. 9. و كل الإحالات تتعلق بالنص العربي للرحلة.

51

اختلاف مشاربهم و انشغالاتهم. و ساد في أرجاء المدينة عبير خاص حول مبعوث السلطان، تعلق بالمكانة الخاصة التي كان يحتلها المغرب في ذاكرة الفرنسيين الشعبية. ذلك البلد القريب منهم جدا من الناحية الجغرافية، و البعيد جدا من حيث طريقة عيشه و عقلية سكانه، إلى درجة أن «المغربي أصبح يبدو في نظرهم لا يختلف عن الصيني تماما» (1). و كانت هناك أيضا ملامح السفير الوسيمة اللافتة للنظر، التي أثارت في الأذهان مزيدا من التصورات المفعمة بالرومنسية و روح المغامرة.

«لقد شد المبعوث الوافد من المغرب ... عقول الباريزيين. فكل شي‏ء فيه يذكر بسلاطين المورسكيين في غرناطة و بآل ابن سراج ذوي الأصول العريقة التي انحدر منها هو نفسه» (2). و تمت الإشارة بكامل الدقة إلى ملابسه التي وصفت جميعها من أعلى رأسه إلى قدميه:

____________

(1) حين وردت الأخبار الأولى في جريدة «الإلوستراسيون» الفرنسيةL`Illustration ، بتاريخ 3 يناير 1846، معلنة وصول السفير المغربي، فقد وعدت قراءها بتقديم «كامل التفاصيل، و أكثرها غرابة حول السفير».

(2) الجريدة نفسها، بتاريخ 10 يناير 1846. و يتعلق الأمر بأبطال قصة رومنتيكية- تراجيدية ألف فصولها شاتوبريان (1848- 1767)(FranC ?ois -Auguste -Rene ?de Chateaubriand) . تحت عنوان:

Les aventures du dernier Abencerage( Paris, 6281 )

و استمد و قائعها من الوضع القائم في إسبانيا خلال القرن الخامس عشر. و انظر أيضا:

Hassan Mekouar, Washington Irving the Arabesque Tradition( Ph. D. dissertation, Brown University, 7791 ), pp. 03- 13; EI l, s, v" Abencerages".

(المعرب): و المقصود هنا أسرة بني سراج التي أقامت بالأندلس منذ القرن الثامن الميلادي، و دخلت في صراعات قوية مع الزكريين الذين كانوا سببا في سقوط غرناطة سنة 2941 كما هو معلوم.

و كانت المغامرات الأسطورية لأفراد هذه الأسرة قد وردت روايتها عند:

Gine? s Perez de Hita: Historia de la guerras civiles de Granada( 4061 ).

انظر:

Mourre, Dictionnaire d`histoire universelle, s. v" Abencerage" p. 32

52

لوحة 4: سفير المغرب إلى فرنسا الحاج عبد القادر أشعاش عن جريدة الإلوستراسيون‏

L`Illustration

، 10 يناير 1846

53

«السفير رجل شاب عمره ثمان و عشرون سنة، حسن المنظر متوسط القامة، رقيق الملامح، و عيناه لطيفتان معبرتان، و له يدان صغيرتان جميلتا الشكل. و يلبس ... طربوشا (1) حادا في نهايته، و تحيط به عمامة من الثوب الموصلي الرقيق. و يحيط برأسه ثوب أحمر اللون من الكشمير ... و يرتدي فوق عدة أقمصة قصيرة لباسا فضفاضا، يسمى الجلابة، و هي اللباس الوطني في المغرب. و ذلك الجلباب مثبت على جسده بحزام يشده. و حين كان الباشا يعزم على الخروج، فإنه يضع فوق كل ذلك سلهامين‏ (2) إضافيين، أحدهما من الصوف و الثاني من ثوب ثقيل رمادي اللون.

و يلبس سروالا لطيفا من الحرير الأبيض، و يحتذي بلغة صفراء (3) كان يضغط دائما على مؤخرتها بقدميه».

و بعد مدة قصيرة من وصول أعضاء البعثة المغربية، نشرت جريدة الإلوستراسيون‏L`Illustration مجموعة من الصور للسفير و مرافقيه. فساهمت بتلك الصور المرئية في تعزيز ما تداولته الألسن من كلام عادي في الموضوع. و عبرت باريز عن رغبتها الأكيدة في أن يشكل المغاربة خلال ذلك الخريف، أبرز حدث مثير للاهتمام و الإعجاب داخل الأوساط الاجتماعية الباريزية. فتوالت الدعوات إلى الحفلات الراقصة، و إلى السهرات و مختلف مظاهر الفرجة المقامة لغايات خيرية. كما التمس البعض الحصول من رئيس البعثة على المال و الهدايا، و كتبت في حقه القصائد الشعرية. كما وردت على السفير رسائل ينطوي بعضها على نصائح مسداة إليه و أخرى على تحذيرات. و كان أوكست بوميي(Auguste Beaumier) السكرتير الشاب الذي فوض إليه أمر السهر على تنفيذ الجدول الزمني للبعثة، يحاول جاهدا بذل كل ما في وسعه، لضمان السير العادي لحياة السفير المغربي و مرافقيه تجنبا لكل ما قد

____________

(1) تمت كتابته هكذاsarbush ، و هو القبعة أو غطاء الرأس المصنوع من ثوب اللباد، و يسميها دوزي «بغطاء الرأس الذي يتميز به الأمراء» انظر:

Dozy, Dictionnaire de? taille? des noms des ve? tements chez les Arabes( Beyrouth, s. d ), pp. 222.

(2) و جاءت تسميتها بالفرنسية هكذا بورنوس‏(bournous) ، المعروف في العربية ب «البرنس» و عند المغاربة ب «السلهام».

(3) ورد اسمها بالفرنسية هكذا بابوش‏(babouches) .

54

يزعجهم أو يقلق بالهم. و هذا هو الوصف الذي قدمه بوميي نموذجا لبرنامج يومي بتاريخ 17 يناير 1846:

«أيقظني بعض المتقدمين بملتمسات على الساعة الثامنة، أجبت بعدها على عدد من الرسائل الموجهة إلى سفير المغرب كان لا بد من الرد عليها بلباقة ... فوصل عدد قارب الاثني عشر من الخدم لإطلاعي على جدول الأعمال المخصص لذلك اليوم، ثم أجريت الحسابات الخاصة بالأيام السالفة. و بعد ذلك، قمت بزيارة السفير و مرافقيه لتفقد أحوالهم و الاستجابة لطلباتهم: فمنهم من احتاج إلى طبيب، و آخر إلى حلاق، أو إلى حمام. ثم حضر الجميع لتناول وجبة خفيفة، كنت خلالها ترجمانا لبعض الضيوف المدعوين. و بعد ذلك وصلت تعليمات بالتوجه مباشرة إلى شان دو مارس(Champs -de -Mars) و جاء روش في الوقت و عين لكل من السفير و مرافقيه عربات ركوبهم. و عبرنا باريز محفوفين بجماهير بدت على محياهم مظاهر الفضول و حب الاستطلاع. و عند الوصول إلى المدرسة العسكرية، صعدنا إلى أعالي شرفة هناك. و في الساعة الثالثة، عدنا برفقة السفير، فكتبت ما كان ضروريا من رسائل الشكر ... و بعد ذلك تفحصت من جديد برنامج الأنشطة المخصصة للمساء، و وضعت، في الحدود الممكنة، قائمة بمصاريف ذلك اليوم ... تلا ذلك تناول عشاء فاخر، استغرقت مدته ساعتين، بثمن ستمائة فرنك عن كل يوم.

فأخذت شيئا من القهوة، و أجريت دردشة قصيرة بالعربية، ثم ركبنا العربات في اتجاه المسرح الإيطالي ... و عندنا في الثانية عشرة ليلا ... و من ثم إلى فراش النوم» (1).

و بعد ستة أسابيع من الأنشطة المكثفة بشكل مماثل لهذا البرنامج المرهق، كتب بوميي متأوها: لقد اشتقت جدا إلى «العودة من جديد إلى هدوء طنجة و إلى غرفتي الصغيرة، لأنني أشعر بانهيار كامل لقواي» (2).

خصص السفير المغربي أيامه الأولى في باريز لتنفيذ المهمة الدبلوماسية التي بعثه السلطان من أجلها. ففي يوم 30 دجنبر، قدم أوراق اعتماده إلى الملك الفرنسي‏

____________

(1)AAE /ADM /Voyage ,s .d ، خلال مقامه بباريز، كان بوميي يكتب بطريقة منتظمة إلى دوشاستو في طنجة. و توجد في الملف نفسه مسودات لتلك الرسائل إلى جانب مجموعة كتابات مختلفة جمعت أثناء الرحلة. و عن مشاهدات الصفار لأنشطة ذلك اليوم انظر الصفحات اللاحقة.

(2) نفسها، بوميي إلى دوشاستو، 8 فبراير 1846.