نزهة الأمم في العجائب والحكم‏

- محمد بن أحمد ابن أياس المزيد...
349 /
5

[مقدمة المحقق‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏ و به نستعين

و الصلاة و السلام علي أفضل خلق الله سيدنا محمد الصادق الأمين، و على آله و صحابته أجمعين ..

و بعد ..

فإن التراث كنز الشعوب و الأمم الخالد و الباقى على مر عصور الزمان، و تتمتع الأمة الإسلامية بثراء هذه الكنوز، فالتاريخ مرآة الأمم و الشعوب، فكل شى‏ء فى الدنيا له تاريخ، و كل علم من العلوم له تاريخ، و التاريخ من العلوم الإنسانية فى حياة كل فرد، و كل شعب و كل أمة. فلهذا حرصت كل الحرص على دراسة هذا العلم الواسع عن طريق الإمعان فى فحص مصادره و مراجعه.

فنقدم للمكتبة العربية كتابا من كتب التراث الهامة و هو كتاب:

«نزهة الأمم فى العجائب و الحكم»

للمؤرخ ابن إياس‏

هو محمد بن أحمد بن إياس الحنفى أبو البركات مؤرخ بحاث مصرى من المماليك، كان أبوه أحمد متصلا بالأمراء و رجال الدولة، و توفى فى شعبان سنة 908 ه، و جده الأمير إياس الفخرى الظاهرى، من مماليك الظاهر برقوق و قرر دوادرا ثانيا في دولة الناصر فرج بن برقوق. و كان صاحب الترجمة من تلاميذ جلال الدين السيوطى، ولد سنة 852 ه/ 1448 م و حج سنة 882 ه، له تاريخ ابن إياس المسمى «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» «و نشق الأزهار فى العجائب» «و مرج الزهور»، ثم المخطوطة التى بين أيدينا «نزهة الأمم فى العجائب و الحكم» التى تقع فى 267 قطعة و قمت بتصويرها من المكتبة المركزية بجامعة القاهرة عن مكتبة أيا صوفيا، و بها بعض الصفحات المطموسة و قد راجعت إلى المصادر القريبة من‏

6

المؤلف لتكملتها، و خاصة كتاب «الخطط» للمقريزى، «و النجوم الزاهرة» لابن تغرى بردى، «و نهاية الأرب» للنويرى.

تتناول هذه المخطوطة حياة مصر منذ الخلق حتى نهاية القرن العاشر الهجرى سواء من الناحية التاريخية، أو الأثرية أو الجغرافية، أو الفلكية، فيعتبر هذا الكتاب موسوعة تاريخية علمية، و فى نفس الوقت ملخصا لأمهات الكتب ..

و قد قمت بنسخ هذا المخطوطة و إضافة بعض التعليقات و الهوامش و عمل فهارس عامة للتاريخ الإسلامى ..

و أسأل الله العون و المغفرة ..

القاهرة- السكاكينى 1413 ه- 1993 م‏

الدكتور محمد زينهم محمد عزب‏

7

إهداء أهدى هذا الكتاب لأمى و ابنى أحمد .. و لكل باحث و دارس فى التاريخ و عاشق للتراث ..

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[مقدمة المؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏ [ق 2 أ]

الحمد لله الذي عرّف و فهم، و علم الإنسان ما لم يكن يعلم و اسبغ‏ (1) علي عباده نعما باطنه و ظاهره، و والي عليهم من مزيد الائه مننا متظافرة متواترة، و بثهم في أرضه حينا يتقلبون، و استخلفهم في ماله فهم به يتنعمون، و هدي قوما إلي اقنتاص شوارد (2) المعارف و العلوم، و شوقهم للتفنن في مسارح التدبر و الركض‏ (3) بميادين الفهوم، و أرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه، و وفقهم للاعتماد في كل أمر عليه، و صرف أخرون عن كل مكروه و فضيلة، و قيض لهم قرنا قادوهم إلى ذميمة من الأخلاق و رذيلة، و طبع على قلوب أخرين، فلا يكادون يفقهون قولا، و ثبطهم عن سبل الخيرات فما استطاعوا قوة و لا حولا، ثم حكم على الكل بالفناء، و نقلهم جميعا من دار التمحيص‏ (4) و الإبتلاء إلى برزخ‏ (5) البيود و البلاء، و سيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء، ليوفى كل عامل منهم عمله، و يسأله عما أعطاه و خوله، و عن موقفه بين يديه سبحانه و ما أعدله لا يسأل عما يفعل [ق 2 ب‏] و هم يسألون.

أحمده سبحانه حمد من علم، أنه إله لا يعبد إلا إياه، و لا خالق للخلق سواه، حمدا يقتضى المزيد من النعماء و يوالى المنن بتجدد الآلاء. و صلى الله على سيدنا محمد عبده و نبيه و رسوله و خليله سيد البشر، و أفضل من مضي و غبر، الجامع لمحاسن الأخلاق و السير،

____________

(1) سبغ، شى‏ء سابغ أى كامل واف، و سبغ الشى‏ء يسبغ سبوغا: طال إلى الأرض و اتسع، و أسبغ فلان ثوبه أى أوسعه.

انظر: لسان العرب لابن منظور- طبعة دار المعارف- القاهرة «مادة سبغ» المجلد الثالث 1927- 1928.

(2) هنا بمعني أنواع.

(3) ركض الدابة يركضها ركضا ضرب جنبيها برجله و مركضة القوس معروفة و هما مركضتان، و فلان يركض دابته و هو ضربه مركلييها برجليه ..

أنظر: لسان العرب 3/ 1718- 1719.

(4) بمعنى الشدايد.

(5) البرزخ ما بين كل شيئين من حاجز، و فى الصحاح الحاجز بين الشيئين، و البرزخ ما بين الدنيا و الأخرة قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ.

10

و المستحق لاسم الكمال على الأطلاق من البشر، الذي كان نبيا و آدم بين الماء و الطين، و رقم اسمه من الأزل في عليين، ثم نقل من الأصلاب الفاضلة الزكية إلي الأرحام الطاهرة المرضية، حتى بعثه الله عز و جل إلي الخلائق أجمعين، و ختم به الأنبياء و المرسلين أعطاه ما لم يعط من الفضل أحدا من العالمين، و على آله و صحابته و التابعين، و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

و بعد ..

فأني لما طالعت كتب تواريخ الأمم الخالية و رأيت ما فيها من العجائب المتوالية، استخرت الله‏ (1) أن أجمع كتابا لطيفا أذكر فيه من أغرب ما سمعته، و أعجب ما رأيته قاصدا فيه الاختصار لكي لا يطول فى التأليف مجموعة، و فى المثل الساير أقصر الكلام منفوعه، و قد ذكرت فيه من عجائب مصر و أعمالها، و ما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات [ق 3 أ] المحكمة و البرابى و الأهرام و غير ذلك، و ذكرت طرف يسيرة من سير ملوكها، و ذكر شى‏ء من عجائب نيلها، و ذكر شي‏ء من خططها و آثارها، و ذكر سعت أقليمها و أقطارها، و قد ذكرت في كتابي من أجل ما سطره، و أفخر ما ذكره قاصدا فيه الاختصار كما تقدم، و سميته «نزهة الأمم فى العجائب و الحكم» و المستعان بالله فى المبدأ و الختام ..

و من هنا نشرع في الكلام على مبتدأ خلقة الأرض في الأزل، و ما فيها من عجائب صنع الله عز و جل.

أقول الجهات من الأرض ستة، و هى الشرق حيث تطلع الشمس و القمر و سائر الكواكب فى كل قطر من الأفق، و الغرب و هو حيث تغرب فيه، و الشمال و هو حيث مدار الجدى و الغرقدين، و الجنوب و هو حيث مدار سهل و هو ما يلى السماء و التخت و هو ما يلى كرة الأرض.

و الأرض جسم مستدير كالكرة و قيل ليست بكرية الشكل، و هي واقعة في الهواء بجميع جبالها و بحارها و عامرها و غامرها. و الهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمح في البيضة. و ذهب الجمهور إلي أن الأرض كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالمح في البيضة و أنها في‏

____________

(1) وردت هذه الكلمة على هامش المخطوطة.

11

الوسط و بعدها في الفلك من جميع الجوانب علي التساوي، و زعم هشام بن الحكم‏ (1) أن تحت الأرض [ق 3 ب‏] جسما من شأنه الأرتفاع، و هو المانع للأرض من الأنحداد و هو ليس محتاجا إلى ما نعهده، لأنه ليس بطلب الانحدار، بل الأرتفاع.

و قال أخرى: وافقه علي مدار واحد من كل جانب و القلك يجد بها من وجه، فلذلك لا يميل إلي ناحية من الفلك دور أخرى، لأن قوة الأجزاء متكافية و ذلك كحجر المغناطيس في جذبه للحديد، فإن الفلك بالطبع مغناطيس الأرض فهو يجذبها، فهي واقفة في الوسط، و سبب وقوفها في الوسط سرعة تدور الفلك و دفعه أياها من كل جهة إلى الوسط، كما إذا أوضعت ترابا في قارورة، وادرتها بقوة فإن التراب يقوم في الوسط. و قد اختلف الناس في مسافة الأرض، فقيل مسافتها خمسمائة عام ثلث عمران و ثلث خراب و ثلث بحار، و قيل المعمور من الأرض مائة و عشرون سنة تسعون لياجوج و مأجوج، و أثنا عشر للسودان و ثمانية للروم و ثلاثة للعرب، و سبعة لسائر الأمم. و قيل الدنيا سبعة أجزاء ستة ليأجوج و مأجوج و واحد لسائر الناس.

و قال ازدشير بن بابل‏ (2): الأرض أربعة أجزاء، جزء منها للترك و جزء للعرب و جزء للفرس و جزء للسودان، و قيل الأقاليم سبعة و الأطراف أربعة، و النواحى خمسة و أربعون [ق 4 أ] و المدائن عشرة آلاف مدينة، و الرساتيق مائتا ألف و ستة و خمسون ألفا، و قيل المدن و الحصون أحد و عشرون ألفا و ستمائة مدينة،

ففى الأقليم الأول: ثلاثة آلاف و مائة مدينة و قرية كبيرة. و فى الأقليم الثانى:

ألفان و سبعمائة و ثلاثة عشر مدينة و قرية كبيرة. و فى الأقليم الثالث ثلاثة آلاف و تسع و سبعون مدينة و قرية كبيرة، و فى الأقليم الرابع: و هو (بابل) ألفان و تسعمائة و أربع و سبعون‏

____________

(1) هو هشام بن الحكم الشيبانى بالولاء الكوفى أبو محمد، متكلم مناظر، كان شيخ الإمامية فى وقته.

ولد بالكوفة و نشأ بواسط، و سكن بفداد. و إنقطع إلى يحي بن خالد البرمكى، فكان القيم بمجالس كلامه و نظره. و صنف كتبا، منها الإمامية و القدر و الشيخ و الغلام و الدلالات على حدوث الأشياء، و الرد على المعتزلة فى طلحة و الزبير و الرد على من قال بإمامة المفضول و الرد على هشام الجواليقى و الرد على شيطان الطاق. مات فى سنة 190 ه.

(2) هذا ما ورد فى كتاب البلدان لليعقوبى، طبعة دار صادر- بيروت جزءان.

12

مدينة و قرية كبيرة. و في الأقليم الخامس: ثلاثة آلاف مدينة و ست مدن. و في الأقليم السادس ثلاثة آلاف و أربعمائة مدينة و ثمان مدن. و في الأقليم السابع ثلاثة آلاف مدينة و ثلاثة مدينة فى الجزاير ..

و قال في كتاب هروشيش‏ (1): لما استقامت طاعة يوليش الملقب قيصر الملك في عامة الدنيا، تخير أربعة من الفلاسفة فأمرهم أن يأخذوا له وصف حدود الدنيا و عدة جبالها و بحارها و كورها أرباعا، فولى أحدهم أخذ وصف جزء المشرق، و ولى آخر أخذ وصف جزء المغرب، و ولى آخر أخذ وصف جزء الشمال، و ولى آخر وصف جزء الجنوب، فتمت كتابة الجميع على أيديهم في نحو من ثلاثين سنة، فكانت جملة البحار المسماة في الدنيا تسعة و عشرون بحرا منها في جزء المشرق [ق 4 ب‏] ثمانية و فى جزء الغرب ثمانية، و فى جزء الشمال أحد عشر و في جزء الجنوب أثنان، و عدة الجزاير المعروفة إحدى و سبعون جزيرة، منها فى الشرق ثمانية، و في الغرب ستة عشر، و في جهة الشمال أحد و ثلاثون، و في جهة الجنوب ستة عشر.

و عدة الجبال الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة و ثلاثون جبلا منها في الشرق سبعة، و في الغرب خمسة و عشرون، و فى الشمال أثني عشر، و في الجنوب أثنان.

و البلدان الكبار ثلاثة و ستون بلدا منها في الشرق سبعة و في الغرب خمسة و عشرون، و في الشمال تسعة عشر، و في الجنوب أثنى عشر ..

و الكور الكبار المعروفة تسع و مائتان كورة، منها في الشرق خمس و سبعون، و في الغرب ستة و ستون، و في الشمال ستة، و في الجنوب أثنان و ستون كورة.

و الأنهار الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة و خمسون نهرا، منها لجزء الشرق سبعة عشر. و لجزء الغرب ثلاثة عشر و لجزء الشمال تسعة عشر و لجزء الجنوب سبعة.

و الأقاليم السبعة كل أقليم منها كأنه بساط قد مد طوله من المشرق و إلى المغرب و عرضه من الشمال إلى الجنوب. و هذه الأقاليم مختلفة الطول و العرض.

و بالجملة هذه [ق 5 أ] الأقاليم خطوط متوهمة لا وجود لها في الخارج، و قد وضعوها القدماء الذين جالوا في الأرض ليقفوا علي حقيقة حدودها، و يتيقنوا مواقع البلدان منها و يعرفوا طرق مسالكها، هذا حال الربع المسكنون، و أما الثلاثة أرباع الباقية قأنها خراب فجهة الشمال واقعة تحت مدار الجدي فكذا فرط هناك البرد و صار ستة أشهر ليلا مستمرا،

____________

(1) هذا ما ذكره المقدسى فى كتابه «أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم».

13

و هى مدة الشتاء و عندهم لا يعرف فكذا فرط هناك البرد و صار ستة أشهر ليلا مستمرا، و هي مدة الشتاء و عندهم لا يعرف فيها نهار و يظلم الهواء فيها ظلمة شديدة، و تجمد المياة لقوة البرد فلا يتكون هناك نبات و لا حيوان، و يقابل هذه الجهة الشمالية ناحية الجنوب حيث مدار سهل فيكون النهار ستة أشهر، نهار بغير ليل، و هى مدة الصيف عندهم فيحمي الهواء و يصير سموما محرقا يهلك بشدة حرة الحيوان و النبات، فلا يمكن سلوكه و لا السكن فيه.

و أما ناحية الغرب فيمنع البحر المحيط من السلوك فيه لتلاطم أمواجه و شدة ظلماته، و أما ناحية الشرق يمنع من سلوكه الجبال الشامخة و صار الناس بأجمعهم قد انحصروا فى الربع المسكون من الأرض و لا علم لأحد منهم بالثلثة أرباع الباقية و الأرض كلها بجميع ما عليها من الجبال و البحار نسبتها إلي الفلك كنقطة في دائرة [ق 5 ب‏] و قد أعتبرت حدود الأقاليم السبعة بساعات النهار، و ذلك أن الشمس إذا دخلت بربع الحمل يساوي طول النهر و الليل في سائر الأقاليم كلها، فإذا انتقلت في درجات برج الحمل و الثور و الجوزاء، و أختلفت ساعت نهار كل أقليم فإذا بلغت أخر الجوزاء.

و أول برج السرطان بلغ طول النهار في وسط الأقليم الأول ثلاث عشرة ساعة سواء، و صارت في وسط الأقليم الثانى ثلاث عشرة ساعة و نصف ساعة، و في وسط الأقليم الثالث أربع عشرة ساعة، و في وسط الأقليم الرابع أربع عشرة ساعة و نصف ساعة و في وسط الأقليم الخامس عشرة ساعة و نصف ساعة، و فى وسط الأقليم السادس خمسة عشر ساعة و نصف ساعة، و في وسط الأقليم السابع ستة عشرة ساعة سواء، و ما زاد على ذلك إلي عرض تسعين درجة يصير نهارا كله، و مضى طول البلد من أقصى العمارة في الغرب و عرضها من خط الأستواء، و خط الأستواء هو الموضوع الذي يكون فيه الليل و النهار طول الزمان هو أفكل بلد علي هذا الخط لا عرض له، و كل بلد في أقصي الغرب لأطول [ق 6 أ]. و من أقصي الغرب إلي أقصي الشرق مائة و ثمانون درجة، و كل بلد يكون طوله تسعين درجة فإنه في الوسط ما بين الشرق و الغرب، و كل بلد كان طوله أقل من تسعين درجة فأنه أقرب إلى الغرب و بعد من الشرق، و ما كان طوله من البلاد أكثر من تسعين درجة فإنه أبعد عن الغرب، و أقرب من الشرق و قد ذكر يعض القدماء أن العالم السفلي مقسوم علي سبعة أقسام، كل قسم يقال أيضا كما في أعلا الأرض.

***

14

ذكر حدود أرض مصر و جهاتها و أقطارها على سبيل الاختصار

أعلم أن التحديد هو صفة المحدود و هو نهاية الشي‏ء. قال أبو الصلت‏ (1) أمية الأندلسي:

أن حد مصر في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الرومي إلي إيلة (2) من ساحل الخليج، الخارج من بحر الحبشة و الزنج‏ (3) و الهند و الصين، و مسافة ذلك قريب من أربعين يوما، وحدها في العرض من مدينة أسوان و أعمالها من الصعيد الأعلى المزاحم لأرض النوبة إلي رشيد و ما حاداها من مسافة النيل في البحر الرومي، و مسافة ذلك من ثلاثين يوما و يكنفها في العرض إلي منتهاها جبلان أحدهما في الضفة الشرقية من النيل و هو من المقطمة و الآخر من الضفة الغربية و ضيعهما من لدن أسوان إلى أن ينتهيا إلي الفسطاط، إلي حين و يمر بسبع مسافة ما بينهما، و ينفرج قليلا تأخذ المقطمة منها شرقا و الآخر مغربا، ثم يتسع في أرض مصر من الفسطاط إلي ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرما و تنيس و دمياط و رشيد و الأسكندرية، و من هنا ينقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أويلها في الجنوب [و أوغلها] (4) في الشمال.

***

____________

(1) هو أمية بن عبد العزيز الأندلسى الدانى أبو الصلت: حكيم، أديب من أهل دانية بالأندلس. ولد فيها و رحل إلي المشرق فأقام بمصر عشرين سنة عاما، سجن فى خلالها و نفاه الأفضل شاهنشاه منها فرحل إلي الأسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية (من أعمال المغرب) فأتصل بأميرها يحيي بن تميم الصنهاجي، و أبنه على بن يحيي، و من تصانيفه «الحديقة» و رسالة عن الأسطراب و الوجيز فى علم الهيأة و الأدوية المفردة و تقويم الذهن في علم المنطق، و له شعر فيه رقة وجودة. ولد سنة 460 ه/ 1068 م و مات سنة 529 ه/ 1135 م.

(2) بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام، قال أبو عبيدة: أيلة مدينة بين الفسطاط و مكة علي شاطي‏ء بحر القلزم، تعد فى بلاد الشام ..

(3) بضم أوله و سكون ثانيه و آخره جيم من قرى نيسابور عن العمرانى.

(4) إضافة من خطط «المقريزى»

15

ذكر بحر القلزم و ما فى من العجائب‏

أعلم أن هذا البحر فما عرف في ناحية ديار مصر بالقلزم، لأنه كان بساحله الغربي في شرقى أرض مصر مدينة تسمى القلزم، و قد خربت فسمى هذا البحر باسم تلك المدينة، و هذا البحر إنما هو خليج من البحر الكبير المحيط بالأرض الذي يقال بحر اقيانس، و يعرف أيضا بحر الظلمات لتكاثف المياه المتصاعدة منه و ضعف الشمس عن حله، فيغلظ و تشتد الظلمة فيه و تعظم أمواجه و تكثر أهواله، و لم يقف أحد علي خبره سوى على ما عرف من بعض سواحله و ما قرب من جزائره، و قد قيل فيه ست جزائر (1) يسكنها قوم متوحشون. و في جانب هذا البحر الشرقي مما يلي الصين [ق 7 أ] ست جزائر أيضا تعرف بجزائر السبلى و قد نزل بها بعض العلويين في [أول‏] الرسلام خوفا على أنفسهم من القتل.

و يخرج من هذا البحر المحيط ستة أبحر أعظمها أثنان و هما اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ (2) الآية. و قوله‏ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً (3) فأحدهما من جهة الشرق و الأخر من جهة الغرب. فالخارج من جهة الشرق يقال له البحر الصينى و الهندى و الفارسي و اليمني و الحبشي بحسب ما يمر عليه من البلدان. و أما الخارج من الغرب فيقال له البحر الرومى.

***

____________

(1) ورد عند المقريزى فى الخطط جزائر الخالدات.

(2) 19 م الرحمن: 55.

(3) 61 ك النمل: 27.

16

ذكر بركة غرندل‏

أعلم أن أيلة (1) مكانا كان يعرف قديما بمدينة أيلة، و مكانا أيضا بمدينة فاران‏ (2)، و عندها جبل لا يكاد ينجو منه مركب لشدة إختلاف الريح و قوة ممرها من بين شعبتي جبلين، و هي بركة سعتها ستة أميال تعرف ببركة الغرندل، و يقال أن فرعون غرق فيها، فإذا هبت ريح الجنوب لا يمكن سلوك هذه البركة. و يقال أن الغرندل اسم صنم كان في القديم هناك، قد وضع ليحبس من خرج من أرض مصر مغاضبا للملك، أو فارا منه و أن موسى (عليه السلام) لما خرج ببنى إسرائيل من مصر، و سار بهم مشرقا أمره الله تعالى [ق 7 ب‏] أن ينزل تجاه هذا الصنم، فلما بلغ ذلك فرعون ظن أن الصنم قد حبس موسى و من معه من بنى إسرائيل، كما يعهدون من الصنم قديما فخرج بجنوده في طلب موسي و قومه ليأخذهم بزعمه، فكان من غرقه ما قصته مشهورة.

*** ذكر البحر الرومى‏

و لما كانت عدة بلاد من أرض مصر ملطة على البحر الرومي كمدينة و إسكندرية و دمياط و تنيس و الفرما و العريش و غير ذلك. و كان حد أرض مصر في الجهة الشمالية إلي هذا البحر، و كان النيل يصب فيه فحسن أن نذكر شيئا من أخباره، و قد تقدم في الأقاليم أن يخرج البحر الرومي من جهة الغرب، و هو يخرج في الأقليم الرابع بين الأندلس و الغرب و سائرا إلي القسطنطينية، و يقال إن هركنش‏ (3) الجبار حفره و أجراه من البحر المحيط الغربي، و أن جزيرة الأندلس و بلاد البربر كانت أرضا واحدة يسكنها الأشبان و البربر، و كان بعضهم يغير على بعض إلي أن ملك هركنش الجبار بن ملك بن سلقوس بن اغريقش بن دوبان فرغب‏

____________

(1) بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام و قيل هي أخر الحجاز و أول الشام و اشتقاقها قد ذكر في اشتقاق إيلياء بعده.

(2) بعد الألف راء و أخره نون كلمة عبرانية معربة، و هي من أسماء مكة ذكرها في التوراة قيل هو اسم لجبال مكة.

(3) ورد فى الخطط (إسكندر).

17

إليه [ق 8 أ] الأشبان في أن يجعل بينهم و بين البربر خليجا من البحر يمكن به احتراز كل طائفة عن الأخري، فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر (1) ميلا في عرض أثني عشر ميلا، و بني بجانبيه السكرين و عقد بينهما قنطرة، يجاز عليها و جعل عندها حرسا يمنعون من البربر الجواز عليها إلا بإذن منه، و كان قاموس البحر أعلى من أرض هذا الزقاق فطما الماء حتى غيطي السكرين مع القنطرة، و ساق بين يديه بلادا كثيرة، و طغي علي عدة بلاد، و يقال أن المسافرين في هذا الزمان بالبحر يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها مع وجود الريح، فيجد دون المانع لها لكونها قد سلكت بين شرافات السور و بين حايطين القنطرة، ثم عظم هذا الرفاق في الطول و العرض حتي صار بحرا عرضه ثمانية عشر ميلا.

و يذكرون أن البحر إذا جزر تري القنطرة فيه، و هذا الزقاق صعب السلوك شديد الهول متلاطم الأمواج، و هذا البحر من هذا الزقاق مشرقا في بلاد البربر و شمال الغرب الأقصي إلي أواسط بلاد المغرب علي أفريقية و برفة و إسكندرية و شمال اليته و أرض فلسطين و سواحل بلاد الشام، ثم يعطف من هناك إلي العلايا و انطاكية (2) إلي ظهر بلاد القسطنطينية حتي ينتهي إلي البحر المحيط الذى خرج منه، و طول هذا البحر [ق 8 ب‏] خمسة آلاف ميل، و قيل ستة آلاف ميل و عرضه من سبعمائة ميل إلي ثلاثمائة ميل، و فيه مائة و سبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة منها صقالية و بيروقة و اقربطش‏ (3) و قباله البحر الهندى من جهة المغرب بحر خارج من المحيط في مغرب بلاد الزنج ينتهى إلي قريب من جبل القمر، و فيه مصب النيل المار علي بلاد الحبشة، و في أسفله جزائر الخالدات التي هي منتهي الطول فيالمغرب، و بقابل البحر الشامي من ناحية المشرق و بحر جرجان، و قيل أنه متصل بالبحر امحيط من بين جبال شاقة و بحر الصقالب، يخرج من جهة المغرب بين الأقليم السادس و الأقليم السابع و هو متسع فيه جزائر كثيرة، منها جزيرة الأندلس إلا أنها متصلة بالبر الكبير، و هو جبل كالذراع يتصل بهذا البر عند برسلونة، و لهم بحر يعرف بيأجوج و مأجوج و هو غزير و فيه عجائب كثيرة.

____________

(1) ورد عند المقريزى (أثنى عشر).

(2) بالفتح ثم السكون و الياء مخففة قصبة العواصم من الثغور الشامية و هى من أعيان البلاد و أمهاتها موصوفة بالنزاهة و الحسن و طيب الهواء و عذوبة الماء و كثرة الفواكه وسعة الخير.

(3) بفتح الهمزة و تكسر و القاف ساكنة و الراء مكسورة و ياء ساكنة و طاء مكسورة و شين معجمة اسم جزيرة في بحر المغرب يقابلها من بر أفريقية لوبيا و هى جزيرة كبيرة فيها مدن و قري و ينسب إليها جماعة من العلماء.

18

و قال أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونى‏ (1) في كتاب «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن» و قد كان حرص بعض ملوك الفرس على من كان بمصر على أن يحفروا ما بين البحرين القلرم و الرومي [ق 9 أ] و يرفعوا البرزخ من بينهما، و كان أولهم شاسيس بن طراطيس الملك، ثم من بعده دارنوش الملك، فلم يتمكن لهم ذلك لأرتفاع ماء القلزم على أرض مصر.

فلما كانت دولة اليونانيين جاء بطليموس الثالث ففعل ذلك على يد الملك ارسمدس بحيث يحصل الغرض بلا ضرر. فلما كانت دولة الروم القياصرة طموه منعا لمن يصل إليهم من أعدائهم.

و ذكر بعض أصحاب السير من الفلاسفة أن ما بين الأسكندرية و بلادها و بين القسطنطينية كان في قديم الزمان أرضا تنبت الجميز، و كانت مسكونة و خمة الأرض، و كان أهلها قوما من اليونان، و أن الإسكندر خرق إليها البحر فغلب على تلك الأرض. كان بها فيما يزعمون أن الطائر الذى يقال له القفنس، و هو طائر حسن الصوت و إذا حان موته زاد حسن صوته قبل ذلك بسبعة أيام، حتى لا يمكن أحد أن يسمع صوته لأنه يغلب علي قلبه من صوته ما يميت السامع، و أنه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم و سرور فلا يهدأ من الصباح، و زعموا أن الموسيقى من الفلاسفة أراد أن يسمع صوت قفنس في تلك الحال، فخشي أن يقتله حسن صوته فسد أذنيه [ق 9 ب‏] سدا محكما ثم قرب إليه فجعل بفتح من أذنية شيئا بعد شي‏ء حتي استكمل فتح الأذن في ثلاثة أيام إلي أن وصل إلي سماعه رتبة بعد رتبة، و زعموا أن ذلك الطائر هلك و لم يبق منه و لا من فراخه شى‏ء لهجومه ماء البحر عليه و على فراخه بالليل في الأوكار، فلم يبق له و لا لفراخه بقية. و يقال أن بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله فأعطاه قدحا فيه سم ليشربه، و أعلمه بذلك فظهرت منه مسرة و فرح، فقال له: ما هذا أيها الحكيم؟

فقال هل أعجز أن أكون مثل قفنس.

____________

(1) هو محمد بن أحمد أبو الريحان البيرونى الخوارزمى: فيلسوف رياضى مؤرخ، من أهل خوارزم.

أقام فى الهند بضع سنين و مات فى بلده. أطلع على فلسفة اليونانيين و الهنود، و علت شهرته، و أرتفعت منزلته عند ملوك عصره. و صنف كتبا كثيرة جدا متقنة. له عدة مصنفات منها «الآثار الباقية عن القرون الخالية» و «الاستيعاب فى صنيعة الأسطراب» و «الجماهير فى معرفة الجواهر» و «تاريخ الأمم الشرقية» و «القانون المسعودى» فى الهيئة و النجوم و الجغرافيا و «تاريخ الهند» و «الإرشاد» فى أحكام النجوم و «التفهيم لصناعة التنجيم» فى الفلك و «استخراج الأوتار» هندسة. ولد سنة 362 ه/ 973 م و مات سنة 440 ه/ 1048 م.

19

ذكر اشتقاق مصر و معناها و تعداد أسماءها

و يقال كان اسمها في الدهر الأول قبل الطوفان «جزله»، ثم سميت «مصر»، و قد اختلف أهل العلم عن المعني الذي من أجله سميت هذه الأرض بمصر. فقال قوم سميت بمصر ابن مركابيل بن دوابيل بن عريان بن آدم (عليه السلام)، و هو مصر الأول، و قيل، بل سميت بمصر الثانى و هو مصرام بن نقراوش الجبار بن مصريم بن تيصر بن حام بن نوح (عليه السلام) و ذلك بعد الطوفان و هو اسم أعجمي لا ينصرف.

و قال آخرون هو اسم عربي مشتق فأما من ذهب إلي [ق 10 أ] أن مصر اسم أعجمى فأنه أستدل إلي ما رواه أهل العلم بالأخبار من نزول مصريم بن بنيصر بهذه الأرض، و قسمها بين أولاده فعرفت به.

و ذكر أبو الحسن المسعودى‏ (1) في كتاب أخبار الزمان: أن بني نوح (عليه السلام) لما تحاسدوا و بغي بعضهم علي بعض، ركب نقراوش في نيف و سبعين من كبار قومه جبابرة، و كلهم يطلبون موضعا من الأرض يقطنون فيه، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلي النيل، فلما طالوا في المشي رأوا سعة البلد و حسنها أعجبهم، و قالوا: هذا بلد زرع و عمارة أقاموا فيه و استوطنوه و بنوا فيه الأبنية المحكمة و المصانع العجيبة، و بني نقراوش مصر، و نزل بها فلم يزل مطلعا.

____________

(1) هو علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودى، من ذرية عبد الله بن مسعود، مؤرخ رحالة بحاثة من أهل بغداد، أقام بمصر و توفي بها. قال الذهبي «عداده فى أهل بغداد، نزل مصر مدة. و كان معتزليا» من تصانيفه «مروج الذهب» و «أخبار الزمان و من أباده الحدثان» و «التنبية و الإشراف» و «أخبار الخوارج» و «ذخائر العلوم و ما كان فى سالف الدهور» و «الرسائل» و «و الاستذكار بما مر في سالف الأعصار» و «أخبار الأمم من العرب و العجم» و «خزائن الملوك و سر العالمين» و «المقالات في أصول الديانات» و «البيان» فى أسماء الأئمة و «المسائل و العلل فى المذاهب و الملل» و «الإبانة عن أصول الديانة». و «سر الحياة» و «الاستبصار» في الإمامة، و «السياحة المدنية» فى السياسة و الاجتماع، و هو غير المسعودى الفقيه الشافعى و غير شارح المقامات الحريرية.

20

و قد كان وقع إليه من العلوم التى كان رواميل قد علمها لآدم (عليه السلام)، فلم يزل يقهر الجبابرة الذين‏ (1) كانوا قبله و ملوكهم، ثم أمر أن تبنا له مدينة مكان خيمته، فقطعوا الصخور من الجبال و آثار و معادن الرصاص، و بنوا و زرعوا و عمروا الأرض، ثم أمر ببناء المدائن و القرى و اسكن كل ناحية من الأرض أقاربه و أصحابه، ثم أمر بحفر النيل حتى أخرجوا ماء إليهم و لم يكن قبل ذلك [ق 10 ب‏] معتدل في مجريانه، و إنما كان ينبطح و يتفرق فى الأرض حتي وجه إلي النوبة، و هندسوه و ساقوا منه أنهارا إلي مواضع كثيرة من المدن.

و قيل أن قليمون الكاهن خرج من مصر و الحق بنوح (عليه السلام)، و أمن به هو و أهله و ولده و تلاميذه، و ركب معه في السفينة و زوج ابنته بنيصر بن حام بن نوح (عليه السلام)، فلما خرج نوح من السفينة و قسم الأرض بين أولاده و كانت أبنة قليمون قد ولدت لبنيصر ابنا سماه مصرايم، فقال قليمون لنوح: ابعث معى يا نبي الله ولد أبنتي حتي أمضي به بلدي «يعنى مصر»، و أظهره علي كنوزه و أوقفه علي علومه و رموزه. فأرسله نوح (عليه السلام) مع جماعته من أهل بيته، فلما قرب من مصر بني له عريشا من أغصان الشجر و ستره بحشيش الأرض، ثم بني له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة سماها درسان أى الجنة، و زرع و غرس فيها الأشجار فصارت هناك زروع و عمارة، و كان الذي مع مصرايم جبابرة فقطعوا الصخور و ينوا المعالم و المصانع و أقاموا أرغد عيش، و يقال أن لما غرست الأشجار بمصر فكانت ثمارها [ق 11 أ] عظيمة بحيث تشق الأترجة نصفين فيحمل البعير نصفها، و كان القثاء فى طول أربعة عشر شبرا.

و قيل أن مصرايم أول من صنع السفن بالنيل، و أن سفينة كانت طولها ثلاثمائة ذراع في عرض مائة ذراع، و يقال أن مصرايم نكح امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا، يقال له قبطيم، و نكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة فولدت له أربعة نفر: أنه قبطيم و أشمون و أتريب وصا، فكثروا و عمروا الأرض و بورك فيها، و قيل إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثين رجلا، فبنوا مدينة سموها ناقة، و معنى ناقة يعني مدينة ثلاثون بلغتهم و هي منف، و كشف أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر و علومها و آثار المعادن و عمل الطلسمات و عمل الكيمياء، ثم أن مصرايم أمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا، و أن يفرشوه بالمرمر الأبيض، و يجعلو فيه جسده و يدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب و الجوهر، و كتبوا عليه أسماء الله‏

____________

(1) وردت فى الأصل «الذى».

21

المانعة تمنع من أخذه فحفروا له سربا طوله مائة و خمسون ذراعا، و جعلوا في وسطه مجلسا مصفحا [ق 11 ب‏] بصفائح الذهب، و جعلوا له أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ذهب، عليه تاج مرصع بالجواهر، و هو يجالس علي كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، و كتبوا في صدر كل تمثال آيات مانعة و جعلوا جسده في جرن‏ (1) مرمر مصفحة بالذهب، و كتبوا على مجلسه مات مصرايم بن حام بن نوح (عليه السلام) بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، و مات و لم يعبد الأصنام و لم يصل إلى هذا المكان أحدا إلا من يكون ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الديان و ذلك أخر الزمان، و جعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط و ألف تمثال من الجوهر النفيس و ألف برينة مملوءة من الدر الفاخر و الصنعة الإلهية، و من العقاقير و الطلمسات العجيبة و سبائك الذهب و سقفوا ذلك بالصخور و هالوا فوقها الرمال و ذلك عند دير أبي هرمس غربي الأهرام، و هو أول قبر بأرض مصر، و ولى أبنه قبطيم الملك.

و قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم‏ (2) في كتاب فتوح مصر و أخبارها عن عبد الله [ق 12 أ] بن عباس رضي الله عنه أنه قال كان لنوح (عليه السلام) ثلاثة (3) من الولد و هم: سام و حام و يافث و أن نوحا رغب إلي الله تعالي و سأله أن يرزقه الإجابة في ولده و ذريته حين تكاملوا بالنماء و البركة فوعده بذلك، فنادي نوح ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ولده سام فانطلق به معه حتي أتا الجبل فوضع نوح (عليه السلام) يمينه علي سام و شماله علي أرفخشد بن سام و سأل الله تعالي أن تبارك في سام أفضل البركة و أن يجعل الملك و البنوة في ولده أرفخشد، ثم نادي حاما و تلفت يمينا و شمالا فلم يجبه و لم يقيم إليه هو و لا أحد من ولده فدعا الله تعالي أن يجعل أولاده أذلا، و أن يجعلهم عبيد لولد سام، و كان مصر بن بنبصر بن حام نائما إلي جنب جده، فلما سمع دعاء نوح (عليه السلام) قام يسعي إليه.

و قال: يا جدى قد اجبتك إذ لم يجبك جدي، و لا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعائك ففرح نوح بذلك و وضع يده علي رأسه، و قال: اللهم أنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه و في ذريته و أسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد و غوت العباد التي نهرها [ق 12 ب‏] أفضل الأنهار

____________

(1) وردت فى المخطوطة (أحمد).

(2) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى الفقيه، روى عن أبيه و الشافعى و القعنبى و خلق، و عنه النسائى و وثقه. و قال ابن يونس: كان المفتى بمصر فى أيامه. مات سنة 268 ه.

(3) وردت عند المقريزى (أربعة) و الصواب فى المتن.

22

فيها أفضل البركات و سخر له و لولده الأرض و ذللها لهم وقوهم عليها. ثم دعا ولده يافث فلم يجبه و لا أحد من ولده فدعا الله عليهم أن يجعلهم شرار الخلق. و عاش سام مباركا حتى مات، و كان الملك و النبوة و البركة في ولده أرفخشد بن سام، و كان أكبر ولده.

*** ذكر طرف يسيرة من فضائل مصر

أعلم أن لمصر فضائل كثيرة منها أن الله عز و جل ذكرها في كتابه العزيز في نيف و عشرين موضعا، تارة بصريح اللفظ و تارة إيماء فقال تعالي‏ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‏ (1) و قال تعالى‏ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ (2) و قال تعالى مخبرا عن فرعون إنه قال‏ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ (3) و قيل لم يكن في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، و كان جميع أهل الأرض يحتاجون إلي مصر. و أما الأنهار فكانت قناطر و جسور بتقدير و تدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها و افندتها فيحبسونه حيث شاءوا. و أما ذكره الله تعالي فيها [ق 13 أ] بالإشارة من الآيات فمن ذلك قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ (4) تعني مصر .. و قال تعالي‏ وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (5) قال ابن عباس و سعيد بن المسيب‏ (6) و وهب بن منبه‏ (7) هي مصر. و قال‏

____________

(1) 61 البقرة: 2.

(2) 99 ك يوسف 12.

(3) 51 ك الزخرف 43.

(4) 93 ك يونس: 10.

(5) 50 ك المؤمنون: 23.

(6) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى أبو محمد المدنى سيد التابعين، ولد لسنتين مضتا- و قيل لأربع- من خلافة عمر.

قال يحيى بن سعيد عنه: كان أحفظ الناس لأحكام عمر و أقضيته، كان يسمى راوية عمر، مات سنة 94 ه و قيل سنة 93 ه.

(7) و هو وهب بن منبه بن كامل اليمانى الصنعانى الذمارى أبو عبد الله الأبناوى، ولد سنة 34 ه و مات سنة 116 ه بصنعاء، و قيل سنة 113 ه و قيل أيضا سنة 114 ه.

23

تعالي: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ (1) و قال أبو رهم‏ (2) كانت الجنات بحافتى النيل من أوله إلي أخره في الجانبين جميعا ما بين أسوان إلي رشيد و هي سبعة خليج، خليج الأسكندرية، و خليج سخا، و خليج سردوس، و خليج منف، و خليج الفيوم، و خليج المنته ..

متصلة لا ينقطع منها شي‏ء عن شي‏ء و زروع ما بين الخليجين كله من أول مصر إلى أخرها مما يبلغه الماء و كان جميع أرض مصر كلها تروى يؤمئذ من ستة عشر ذراعا عالما قد دبروا من قناطرها و جسورها، قيل و المقام الكريم هو الفيوم و قيل المنابر و قد كان بها ألف منبر، و قال سعيد بن كثير (3) بن عفير: كنا بقية الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا ما أدري ما أعجب فرعون مصر حيث يقول أليس لي ملك مصر. فقلت: يا أمير المؤمنين [ق 13 ب‏] أن الذى يري بقية ما قد كان لأن الله تعالى يقول: وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏ (4) .. فقال: صدقت يا سعيد، ثم أمسك عن الكلام. قال الله تعالى مخبرا عن قوم فرعون‏ أَ تَذَرُ مُوسى‏ وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ‏ (5) يعنى أرض مصر. و قال تعالي حكاية عن يوسف (عليه السلام) أنه قال‏ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ (6) و قال مخبرا عن موسي (عليه السلام) إنه قال‏ رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ (7).

و قال تعالى‏ عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ (8) و قال تعالي‏ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ‏ (9) يعني أرض مصر. و قال ابن عباس‏

____________

(1) 58: الشعراء 26.

(2) هو أحزاب بن أسيد بفتح الهمزة و يقال بالضم قاله البخارى و يقال ابن أسد أبو رهم السماعى و يقال السمعى فى صحبته، روى عن النبى (صلى الله عليه و سلم) و عن أبى أيوب و العرباص بن سارية، ثقة تابعى.

(3) هو سعيد بن كثير بن عفير الأنصارى مولاهم المصرى الحافظ، روى عن مالك و الليث و ابن لهيعة و ابن وهب و طائفة، و عنه ابناه عبيد الله و أسد و الذهلى و البخارى و أخرون. قال ابن عدى: هو عندنا صدوق ثقة، و قد حدث عنه الأئمة من الناس. قال ابن يونس: كان من أعلم الناس بالأنساب و الأخبار الماضية و أيام العرب و التواريخ، أديبا فصيح اللسان حاضر الحجة لا تمل مجالسته، ولد سنة 146 ه و مات سنة 226 ه.

(4) 137 ك الأعراف: 7.

(5) 127 ك الأعراف: 7.

(6) 55 ك يوسف: 12.

(7) 88 ك يونس: 10.

(8) 129 ك الأعراف: 7.

(9) 19 ك القصص: 28.

24

رضي الله عنه سميت مصر بالأرض في عشرة مواضع من القرآن العظيم، فهذا ما يحضرني فيما ذكرته هنا من الآيات كفاية.

و أما ما جاء فيها من الأحاديث فقد روى عن عمرو بن العاص‏ (1) أنه قال حدثنى عمر بن الخطاب‏ (2) [ق 13 أ] رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول «إذا فتح الله عليكم بعدى مصر فأتخذوا منها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض» (3).

و قال أبو بكر (4) رضي الله عنه و لم ذلك يا رسول الله. قال «لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة» .. و عنه صلى الله عليه و لم أنه قال:

«ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة و رحما» (5) و فى رواية ذمة و صهرا.

قال الليث بن سعد (6) قلت لابن شهاب‏ (7) ما رحمهم قال أن أم اسماعيل بن إبراهيم (صلوات الله عليهم) كانت منهم.

____________

(1) هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم السهمى أسلم سنة ثمان قبل الفتح و قيل بين الحديبية و خيبر، و روى عن النبى (صلى الله عليه و سلم) و عن عائشة، مات سنة 43 ه و قيل سنة 42 ه و قيل سنة 51 ه.

(2) هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو حفص العدوى الفاروق وزير رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، و من زيد الله به الإسلام، و فتح به الأمصار، و هو الصادق المحدث الملهم و هو الذى سن للمحدثن التثبت فى النقل، مات سنة 23 ه.

(3) ورد فى صحيح البخارى و مسلم و ابن حبان و سنن الترمذى و البيهقى.

(4) هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه أفضل الأمة و خليفة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و مؤنسه فى الغار و صديقه الأكبر و وزيره الأحزم عبد الله بن أبى قحافة القرشى التيمى، مات سنة 13 ه.

(5) ورد فى سنن ابن ماجه.

(6) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى أبو الحارث المصرى أحد الأعلام، روى عن الزهرى و عطاء و نافع و بكير بن الأشج و خلق. و عنه ابنه شعيب و كاتبه أبو صالح و ابن المبارك و قتيبة و عيسى بن حماد زغبة، ولد سنة 94 ه رمات سنة 175 ه.

(7) هو الزهرى أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب المدنى أحد الأعلام نزل الشام، و روى عن سهل بن سعد و ابن عمر و جابر و أنس. مات سنة 124 ه.

25

و عن مسلم بن يسار (1) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أنه قال استوصوا بالقبط خيرا فأنكم ستجدنونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم» (2).

قال مروان القصاص‏ (3): صاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل تسري هاجر أم إسماعيل، و يوسف تزوج بنت صاحب عين شمس من القبط، و محمد (صلى الله عليه و سلم) تسري بمارية أم ولده إبراهيم و هذا يحضرني فيما ذكرته من الأحاديث الشريفة كفاية.

و قال كعب الأحبار (4): من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلي مصر إذا أزهرت يعني أيام ربيعها [ق 14 ب‏]. و من فضائل مصر أنه كان من أهلها السحرة و قد آمنوا جميعا في ساعة واحدة و لا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، و كانوا في قول يزيد أبي حبيب‏ (5) و غيره أنهم كانوا أثني عشر ساحر، و تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، و تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع من آمن من السحرة مائتا ألف، يعنى ألفا و مائتي و أثنان و خمسين إنسانا بالرؤساء و العرفاء، فلما عاينوا ما عاينوا إيقنوا أن ذلك من السماء، و أن السحر لا يقوم أمر الله فخروا الأثنا عشر رئيسا عند ذلك سجدا فاتبعهم العرفاء و اتبع العرفاء من بقى، و قالوا آمنا برب العالمين رب موسي و هارون.

____________

(1) هو مسلم بن يسار البصرى الأموى المكى أبو عبد الله الفقيه مولى بنى أمية، و قيل مولى طلحة و قل مولى مزينة و يقال له مسلم سكرة و مسلم المصبح، ثقة. مات سنة 102 ه.

(2) ورد فى صحيح البخارى.

(3) هو الفقيه و المحدث مروان بن شجاع الجزرى الحرانى أبو عبد الله الأموى مولى محمد بن مروان بن الحكم، ثقة كثرت روايته، ثقة. مات سنة 184 ه.

(4) هو كعب بن مانع الحميرى أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، من آل ذى رعين و قيل من ذى الكلاع، يقال أدرك الجاهلية و أسلم فى أيام أبى بكر و قيل فى أيام عمر. روى عن النبى (صلى الله عليه و سلم) و عن عمر و صهيب و عائشة، و عنه ابن امرأته تبيع الحميرى و معاوية و أبو هريرة و ابن عباس و مالك بن أبى عامر الأصبحى و عطاء بن أبى رباح و عبد الله بن ضمرة السلولى و عبد الله بن رباح الأنصارى و روح بن زنباع و يزيد بن حمير و شريح بن عبيد، ثقة. مات سنة 32 ه و قيل سنة 34 ه.

(5) هو يزيد بن أبى حبيب و اسمه سويد الأزدى أبو رجاء المصرى، روى عن سالم و نافع و عكرمة و عطاء و خلق، و عنه سليمان التيمى و ابن لهيعة و الليث و آخرون. مات سنة 128 ه.

26

و قال عبد الله بن عمر (1): خلقت الدنيا [على خمس صور] (2)، على صورة الطير برأسه و صدره، و جناحيه، و ذنبه .. فالرأس مكة و المدينة و اليمن، و الصدر الشام و مصر، و الجناح الأيمن العراق، و خلف العراق أمة يقال لها واق، و خلفهم أمة يقال لها واق و خلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله. و الجناح الأيسر السند و خلف السند أمة يقال لها ناسك، و خلف [ق 15 أ] ناسك أمة يقال لها منسك، و خلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالي، و الدنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس و شر ما فى الطير الذنب.

و قال الجاحظ (3): الأمصار عشرة الصناعة بالبصرة و الفصاحة بالكوفة و التخت ببغداد و الغى بالري و الجفا بنيسابور و الحس بهراة و الطرمدة بسمرقند و المروة ببلخ، و التجارة بمصر و البخل بمرو، و قيل إن كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول الله تعالي:

وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ‏ (4)، و من عجائب مصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة و يوقد عليه فيحاكى نار الطبيعة في حضانة الدجاجة، فيخرج منها الفراريخ، و هي من معظم دجاج‏ (5) مصر، و لا يتم عمل هذا بغير مصر ..

و وصف بعضهم فقال ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء و ثلاثة أشهر مسكة سوداء، و ثلاثة أشهر زمردة خضراء، و ثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء.

فأما اللؤلؤة البيضاء فإن في مصر شهر أبيب و مسرى و توت يركبها الماء فترى الدنيا

____________

(1) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العدوى المدنى الفقيه أحد الأعلام فى العلم و العمل، شهد الخندق، و هو من أهل بيعة الرضوان، و ممن كان يصلح للخلافة فعين لذلك يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام على و فاتح العواق سعد و نحوهما رضى الله عنهما. و مناقبه جمة، أثنى عليه النبى (صلى الله عليه و سلم) و وصفه بالصلاح. مات سنة 74 ه.

(2) إضافة من الخطط «للسياق مع المعنى».

(3) هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثى أبو عثمان الشهير بالجاحظ، كبير أئمة الآدب و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. مولده و وفاته في البصرة فلج في آخر عمره، و كان مشوه الخلقة، و مات و الكتاب علي صدره. ولد سنة 163 ه./ 780 م، و مات سنة 255 ه/ 869 م.

(4) 36 ك الشعراء 26.

(5) إضافة من الخطط.

27

بيضاء، و ضياعها علي روابي و تلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، [ق 15 ب‏] فلا سبيل إلي قرية من قراها إلا في الزوارق. و أما المسكة السوداء فإن في أشهر بابة و هاتور و كيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، و في هذه الأشهر تقع الزارعات، و أما الزمردة الخضراء فإن في أشهر طوبة و أمشير و برمهات يكثر نبات الأرض و ربيعها فتصير خضراء كأنها زمردة. و أما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة و بشنس يتورد العشب و يبلغ الزرع الحصاد، فيكون كالسبيكة (1) التى من الذهب منظرا و منفعة.

و قال بعضهم في معني ذلك أن فصل الربيع مليح، تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيث ما ذهبنا، و در حيث درنا و فصة الفضاء.

و يقال لما خلق الله تعالي آدم (عليه السلام) و مثل له الدنيا شرقها و غربها و سهلها و جبلها و أنهارها و بحارها، و بناءها و خرابها و من يسكنها من الأمم و من يملكها من الملوك.

فلما رأى مصر أرضا سهلة ذات نهر جار مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، و رأي جمالا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه [ق 16 أ] أشجار مثمرة، و فروعها في الجنة تسقي بماء الرحمة، فدعا آدم (عليه السلام) في النيل بالبركة و دعا في أرض مصر بالرحمة و البر و التقوى، و بارك في نيلها و جبالها (2) سبع مرات فكان آدم (عليه السلام) أول من دعا لها بالبركة و الرحمة و الخصب و الرأفة، و كذلك نوح (عليه السلام) دعا لها بالبركة.

و قال كعب الأحبار: لو لا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر. فقيل له: لم؟

فقال: لأنها بلد معافاة من الفتن، و من أرادها بسوء قصمه الله تعالى و اكبه الله على وجهه، و هو بلد مبارك لأهله فيه.

و قال: بعضهم لو زرعت مصر كلها لوفيت بخراج الدنيا بأسرها، و من فضائل مصر:

أنه ولد بها من الأنبياء موسي و هارون و يوشع و عيسي بقرية يقال لها اهناس‏ (3) من نواحي صعيد مصر، و بها النخلة المذكورة في القرآن في قوله تعالي‏ وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ (4).

____________

(1) إضافة من عندنا.

(2) إضافة من الخطط.

(3) بالفتح اسم لموضعين بمصر أحدهما اسم كورة فى الصعيد الأدنى يقال لقصبتها أهناس المدينة و أضيفت نواحيها إلى كورة البهنسا، و أهناس الصغرى فى كورة البهنسا أيضا قرية كبيرة.

(4) 25 ك مريم: 19.

28

و دخل مصر من الأنبياء إبراهيم الخليل و يعقوب و يوسف و الأسباط و أرميا، و كان من أهلها مؤمن آل فرعون الذى أثني عليه الله جل جلاله في القرآن، و يقال أنه ابن فرعون لصلبه [ق 16 ب‏] و اظنه غير صحيح. و كان منها جلساء فرعون الذي أبان الله تعالي فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسي و هارون (عليهما السلام) لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالي مخبرا عن فرعون. قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ‏ (1) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ‏ قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏ (2) و أين هذا من قول أصحاب النمرود في أمر إبراهيم الخليل حيث أشاروا بقتله قال تعالي حكاية عنهم: قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ (3) و من أهل مصر امرأة فرعون التي مدحها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله‏ وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (4) و من أهلها ماشطة بنت فرعون حين آمنت بموسي (عليه السلام) فتمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتاب، و هي ثابتة علي إيمانها بالله تعالي.

و قال صاعد اللغوي‏ (5) في [ق 17] في كتاب طبقات الأمم: أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، و هو أول من تكلم في الجوواهر العلوية و الحركات النجومية و أول من ابتني الهياكل و مجد الله فيها، و أول من نظر في علم الطب و ألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء و الأرضية و السماوية. و قالوا:

أنه أول من أنذر بالطوفان. فقال: أنها آفة سماوية تصيب الأرض من الماء و النار، و أخاف أن يذهب العلم و يندرس فبني الأهرام و البرابي في صعيد مصر الأعلي، و صور فيها جميع الصنائع و الآلآت، و رسم فيها صفات العلوم، حرصا على تخليدها لمن بعده و وخيفة أن يذهب رسمها من العالم. و هرمس هذا هو إدريس (عليه السلام).

و من فضائل مصر: أنها تميز أهل الحرمين و توسع عليهم، و مصر فرصة الدنيا، يحمل‏

____________

(1) 34 ك الشعراء: 26.

(2) 36 ك الشعراء: 26.

(3) 68 ك الأنبياء: 21.

(4) 11 م التحريم: 66.

(5) يطلق عليه المؤرخون و الكتاب ابن صاعد الأندلسى.

29

خيرها إلي ما سواها من المدن و البلدان، و قيل إنه لو ضرب بينها و بين بلاد الدنيا بسور لاستغني أهلها بما فيها عن سائر البلاد. و بمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، و صارت ملوك الأرض تطلبه من [ق 17 ب‏] مصر و تعتني به ملوك النصرانية تترامي علي طلبه، و النصاري كافة تعتقد تعظمه، و تري أنه لا يتم تنصير نصراني حتي توضع شيئا من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها.

و من فضائل مصر: السفنقور و منافعه لا تنكر، و بها النمس و العرس و لهما في آكل الثعابين فضيلة لا تنكر، فقد قيل لو لا العرس و النمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين و بها السمك الرعادة و نفعها من الحمي إذا أغلقت علي المحموم بري‏ء، و بها حطب السنط، و لا نظير له في معناه فلو و قد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقى منه رماد.

و هو مع ذلك صلب في الكسر، سريع الأشتغال بطى‏ء الخمود، و يقال أنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر. و بها الأفيون و ذلك عصارة الخشخاش و لا يجهل منافعه إلا جاهل و بها البنج و هو ثمر قدر اللوز الأخضر، و كان محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة. و بها الأترج.

و كان بمصر القثاءة في طوله ثلاثة عشر شبرا [ق 18 أ] و الأترتجة تشق نصفين و تحمل علي بعير مثل العدلين لعظم خلقتها.

قال المسعودى [في‏] التاريخ: و الأترج المدور حمل من أرض الهند إلي البصرة و العراق و الشام، حتي في دور الناس ثم نقل إلي مصر، و لما كان يعهد قبل ذلك في مصر و لا أعمالها.

و من فضائلها: أن بها معدن الزمرد و ليس في الدنيا معدن زمرد إلا بمصر، و قيل أنه في البهنسا و بها معدن الشب و الملح و مقاطع الرخام، و يقال كان بمصر من المعادن ثلاثون معدن، و أهل مصر يأكلون صيد بحر الروم و صيد بحر اليمن طريا، لآن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم و الفرما.

و من محاسن مصر: أنه يوجد بها فى كل شهر من شهور السنة القبطية صنف من المأكول و المشموم دون ما عداه من بقية الشهور، فيقال رطب يوت و رمان بابة و موز هاتور و سمك كيهك و ماء طوبة و خروف أمشير و لبن برمهات و ورد برمودة و نبق بشنس و تين بؤونة و عسل أبيب و عنب مسرى ..

30

و منها أن صيفها خريف لكثرة فواكهه و شتاءها [ق 18 ب‏] ربيع لما يكون بمصر [حينئذ] (1) من القرظ و الكتان.

و من محاسنها: أن الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيام الشتاء يوجد بمصر، و منها أن أهل مصر لا يحتاجون في حر الصيف إلي استعمال الخيش و الدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد و لا يحتاجون في برد الشتاء إلي لبس الفرو و الاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشام كما أنهم أيضا في الصيف غير محتاجين إلي استعمال الثلج. و يقال زبرجد مصر و قباطي مصر و حمير مصر و ثعابين مصر و منافعها إلى الدرياق جليلة.

و من فضائل مصر: أن الرخامة الخضراء التي في الحجر من الكعبة من مصر بعث بها محمد بن طريف مولي العباس بن محمد في سنة إحدي و أربعين و مائتين من الهجرة، و معها رخامة أخرى خضراء وضعت علي سطح جدار الحجر عند الميزاب، و هما من أحسن الرخام و ذرعها ذراع و ثلاث أصابع‏ (2). قال الفاكهي: في أخبار مكة:

و من محاسنها أيضا: أن رسول الله صلي الله عليه و سلم تسرى من أهلها مارية [ق 19 أ] القبطية أم ولده إبراهيم. قال بن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من الهجرة بعث رسوا الله صلي الله عليه و سلم ابن أبي بلتعة (3) إلي المقوقس بكتاب من عند رسول الله صلي الله عليه و سلم فوجد المقوقس في الأسكندرية في مجلس مشرف علي البحر فركب البحر، فلما حاذي مجلسه أشار بكتاب رسول الله صلي الله عليه و سلم بين أصبعيه، فلما رأه أمر به فاوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعوا علي. فقال له الرسول و قيل إن كان اسمه حاطب. و في رواية أخري ما منع عيسي بن مريم أن يدعو علي من أبي عليه.

فسكت المقوقس ساعة ثم استعادها منه فأعادها عليه حاطب، فسكت ساعة، فقال له حاطب:

أنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلي فانتقم الله منه. فاعتبر بغيرك و لا تعتبر بك و إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه و هو دين الإسلام و ما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي‏

____________

(1) إضافة من عندنا للسياق مع المعنى.

(2) قال هذه العبارة الفاكهى المؤرخ.

(3) هو حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سلمة اللخمى قديم الإسلام. روى عنه على بن أبى طالب رضى الله عنه كلامه فى اعتذاره عن مكاتبة قريش، مات سنة 30 ه و له 70 عاما.

31

بمحمد (صلى الله عليه و سلم)، و ما دعاؤنا أياك إلي القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلي [ق 19 ب‏] الأنجيل و لسنا ننهاك عن المسيح، ثم قرأ الكتاب فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد صلي الله عليه و سلم إلي المقوقس عظيم القبط و السلام علي من أتبع الهدي.

أما بعد فأني أدعوك بدعائه الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا و بينكم إلا تعبدوا إلا الله و لا تشركوا به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون» .. فلما قرأه أخذه جعله في حق من عاج و ختم عليه.

و عن أبان بن صالح‏ (1) أنه قال أرسل المقوقس إلي حاطب ليلة و ليس عنده أحد، إلا الترجمان، فقال ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فأني أعلم أن صاحبك قد يخبرك.

قلت: لا تسألني عن شي‏ء إلا صدقتك. قال: إلي ما يدعوا محمد؟ قال له: إلي أن تعبد الله و لا تشرك به شيئا و تخلع ما سواه و يأمرك بالصلاة. قال: فكم تصلون. قال له: خمس صلوات فى اليوم و الليلة، و صيام شهر رمضان و حج البيت [ق 20 أ] و أداء الزكاة و ينهى عن أكل الميتة و الدم.

قال: و من أتباعه؟ قال له: الفتيان من قومه و غيرهم. قال: صفه لى: قال فوصفته له بصفته. قال قد بقيت أشياء لم أراك ذكرتها. قلت و ما هي؟ قال في عينيه حمرة قل ما تفارقه و بين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار و يجتزى بالتمرات و الكسر. قلت هذه صفته قال: كنت أعلم زن نبيا قد بقي، و قد كنت أظن أن مخرجه من الشام، و هناك كانت تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج من العرب في أرض جهد وبؤس، و القبط لا تطاوعني في أتباعه و أنا أعلم أن صاحبك سيظهر علي البلاد و ينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتي يظهروا على ما ها هنا من البلاد و إنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا واحدا.

قال ثم دعا المقوقس كاتبا يكتب بالعربية فكتب كتابا و هو يقول فيه: من المقوقس عظيم القبط. أما بعد فقد قرأت كتابك و فهمت ما ذكرت و ما دعوتنا إليه و قد علمت أنك نبي مرسل و قد أكرمت رسولك و بعثت إليك بجاريتين لهما مكان [ق 20 ب‏] عظيم من القبط و كسوة و بغلة و عسل و السلام.

____________

(1) هو أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشى مولاهم، روى عن أنس و مجاهد و عطاء و الحسن بن محمد ابن علي و الحسن البصرى و غيرهم. ولد سنة 60 ه، و مات سنة 110 ه بعسقلان.

32

قال ابن سعد (1): أخبرنا محمد بن عمر الواقدى‏ (2) عن أشياخه قال: أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي صلي الله عليه و سلم في سنة سبع من الهجرة مارية و أختها سيرين و ألف مثقال من الذهب و عسلا و عشرين ثوبا و بغلته الدلدل و حماره عفيرا و خصيا يقال له مابور فعرض خاطب علي مارية الإسلام فأسلمت هى و أختها، ثم أسلم الخصي، و كان بعثه المقوقس مع مارية فقبل النبى (صلى الله عليه و سلم) هديته و نظر إلي مارية و أختها فاعجبتاه و كره أن يجمع بينهما، و كانت أحداهما تشبه الأخرى فقال: «اللهم اختر لنبيك» فاختار الله له مارية، و ذلك أنها أسلمت قبل أختها، و مكثت أختها ساعة، ثم أسلمت فوهبها (3) النبي صلي الله عليه و سلم لحسان‏ (4) بن ثابت و قيل كان الخصي قرابة لمارية و كان كثيرا ما يدخل عليها فوقع في نفس النبي صلي الله عليه و سلم شي‏ء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب فسأله فأخبره بذلك فأخذ عمر السيف، ثم دخل على مارية و قربتها عندها فأهوى ليضربه عمر بالسيف، فلما رأي ذلك كشف عن عورته و كان مجبوبا ليس بين رجليه شى‏ء [ق 21 أ] فلما رآه عمر ذلك رجع إلي النبي صلي الله عليه و سلم فأخبره بذلك فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): «أن جبريل أتاني الساعة فأخبرني و قد برأها الله و قريبها و بشرني أن في بطنها غلاما مني و أنه أشبه الخلق بي و أمرني أن اسميه إبراهيم و كناني بأبي إبراهيم. و كانت مارية من أحب الناس إلي رسول الله صلي الله عليه و سلم حتي مات، و كانت البغلة و الحمار أحب دوابه إليه و سمي البغلة الدلدل و سما الحمار يعفورا و أعجبه العسل، فسأل من أين هذا العسل، فقيل له من بنها.

فقال اللهم بارك في بنها و في عسلها و بقيت عنده من الثياب حتي كفن في بعضها صلي الله علي و سلم أنه قال: «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية» و ماتت مارية في المحرم سنة خمس عشر بالمدينة.

***

____________

(1) هو محمد بن سعد بن منيع البصرى الحافظ كاتب الواقدى نزيل بغداد. روى عن أبى داود الطيالسى و الواقدى و هشيم و ابن عيينة و الوليد بن مسلم و خلق. و عنه أبو بكر بن أبى الدنيا و الحارث بن أسامة، مات سنة 230 ه.

(2) هو محمد بن عمر بن واقد الواقدى الأسلمى مولاهم المدنى قاضى بغداد، روى عن الثورى و الأوزاعى و ابن جربر و خلق، و عنه الشافعى و محمد بن سعد كاتبه و أبو عبيد القاسم و آخرون. مات سنة 207 ه و قيل سنة 209 ه.

(3) ورد عند المقريزى «محمد بن مسلمة».

(4) و هو شاعر النبي صلي الله عليه و سلم.

33

ذكر أخلاق أهل مصر و طبايعهم و أمزجتهم على سبيل الاختصار

أعلم أن طبائع أهل مصر و أخلاقهم فبعضها شيهها ببعض، لأن قوي النفس تابعة لمزاج البدن، فإن أبدانهم سخيفة سريعة التغيير قليلة الصبر و الجلد، و كذلك أخلاقهم [ق 21 ب‏] تقلب عليهم الاستحالة و التنقل من شي‏ء إلى شي‏ء و الدعة و الجبن، القنوط و الشح و قلة الصبر، و الرغبة في العلم و سرعة الحوف و قلة الغيرة و الحسد و الكذب و السعى إلي السلطان و ذم الناس.

و بالجملة فيغلب عليهم الشرور الدنية التي تكون من دناءة النفس و ليس هذه الشرور عامة فيهم و لكنها موجودة في أكثرهم و منهم من خصه الله تعالى بالفضل و حسن الخلق و برأة من الشرور.

و من أجل توليد أرض مصر الجن و الشرور الدنيئة في النفس بأرض مصر لم تسكنها الأسد، و إذا دخلت ذلت و لم تتناسل و لذلك كلابها أقل جراءة من كلاب غيرها من سائر البلدان، و كذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ما خلا ما كان منها في طبعه ملائمة لهذا الحال كالحمار و الأرنب.

و قال بعض الحكماء فمزاج أرض مصر حار رطب بالرطوبة الفضلية، و ما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن و أقل عفنا، و أما ما كان منها في جهة الشمال و لا سيما من كان في شمال الفسطاط فإن طباعهم أغلظ و اليه عليهم أغلب، و ذلك أنهم يستعملون [ق 22 أ] أغذية غليظة جدا و يشربون من الماء الردي، و أما ما كان بالأسكندرية و تنيس و أمثالها هذه فما قرب من البحر و سكون الحرارة و البرد عندهم و ظهور الصبا فيهم، مما يصلح أمرهم و يرق طباعهم و يرفع هممهم، و لا يعرض لهم ما يعرض لغيرهم من غلظ الطبع و الجمادية، و احاطة البحر بمدينة تنيس توجب غلبة الرطوبة عليها و ما يسر أخلاق أهلها.

و قال بعضهم: لما كانت أرض مصر و بجميع ما فيها سخيفة الأجسام سريعا إليها النفير و العفن وجب على الطبيب أن نختار من الأغذية و الأدوية ما كان قريب العهد حديثا، لأن قوته بعد باقية عليه لم تتغير كل التغير، و أن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر و يجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضاد أميل و تجنب الأدوية القوية الأسهال و كل ما له قوة مفرطة فإن نكاية هذه الأبدان سريعة لا سيما و أبدان المصريين سريعة الوقوع في النكايات.

34

و يختار ما يكون من الأدوية المسهلة و غيرها ألين قوة حتي لا يكون علي طبيعة المصريين منها كلفة و لا يلحق أبدانهم مضرة، و لا يقدم علي [ق 22 ب‏] الأدوية الموجودة في كتب أطباء اليونانينن و الفرس. قال: أكثرها عملت لأبدان قوية البنية عظيمة الأخلاط و هذه الأشياء قلما توجد بمصر، فلذلك يجب علي الطبيب أن يتوقف في اعطاء هذه الأدوية للمرضي، و يتار ألينها، و ينقص من مقدار شرباتها و يبدل كثيرا منها بما يقوم مقامها و يكون ألين منه، فيتخذ السكنجبين السكري مكان العسل و الجلاب بدلا من السكنجبين، و إذا لم يكتف في تنقية البدن بالدواء المسهل دفعة واحدة فلا بأس بما عاودته بعد أيام، فإن ذلك أجمل من إيراد الدواء الشديد في دفعة واحدة.

و قال أبو الصلت: و أما سكان أرض مصر فالغالب عليها اتباع الشهوات و الإنهماك في اللذات و الأشتغال بالترهات، و التصديق بالمجالات، و لهم خبرة بالكيد و المكر و فيهم بالفطنة (1) و تلطف و هداية إلي لما (2) فى أخلاقهم من الملق و البشاسة التي أربوا فيها علي من تقدم و تأخر، و خصوا بالأفراط (3) فيها دون جميع الأمم حتي صار أمرهم في ذلك مشهور و المثل بهم مضروبا.

و في خبثهم و مكرهم يقول أبو نواس‏ (4) شعر:

محضتكم‏ (5) يا أهل مصر نصيحتي‏* * * ألا فخذوا من ناصح بنصيب‏

رماكم‏ (6) أمير المؤمنين بحية (7)* * * أكول لحياتي البلاد شروب‏

فإن يك باق افك فرعون‏ (8) فيكم‏* * * فإن عصا موسي بكف خصيب‏

____________

(1) وردت عند المقريزى (الفطرة).

(2) وردت فى الأصل (ما).

(3) وردت فى الأصل (الأفراح) و الصواب ما أثبتناه من المقريزى.

(4) هو الحسن بن هانى بن عبد الأول بن صباح الحكمى بالولاء أبو نواس شاعر العراق فى عصره. ولد فى الأهواز من بلاد خوزستان و نشأ بالبصرة، و رحل إلى بغداد فأتصل فيها بالخلفاء من بنى العباس و مدح بعضهم، ولد سنة 146 ه/ 763 م، و مات سنة 198 ه/ 814 م.

(5) وردت فى الأصل احضتكم.

(6) وردت فى الأصل كم.

(7) إضافة من المقريزى.

(8) إضافة من المقريزى.

35

و قال بعض الحكماء: أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر، فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، و يخبرون بما يكون، و ينذرون بالأمور المستقبلة، و لهم في هذا الباب أخبار مشهورة.

و قال جامع السيرة الناصرية: كنت مع الأمير علم الدين الخازن في العربية، و قد خرج إليها كاشفا- فلما صليت أنا و هو صلاة الجمعة و عدنا إلي البيت، قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنه أشيع بأن فتنة كانت بمكة قتل فيها جماعة من الأجناد، و قتل بها أمير الدمر أمير جندار.

فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟.

قال: لا. فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى إلي مكة إلا بعد ثلاثة أيام من عيد النحر، فكيف صنفتهم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟.

فقال: قد استفيض ذلك بين الناس، و كان الأمر كما أشيع.

و ذكر الشيخ شهاب الدين المقريزى رحمه نظير [ق 23 ب‏] ذلك قال: كنت في شهر رمضان سنة إحدي و تسعين و سبعمائة مارا بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة (1) فإذا العامة تتحدث بأن الملك الظاهر برقوق خرج من سجنه بالكرك‏ (2) و اجتمع عليه الناس فضبطت ذلك، فكان اليوم الذي خرج فيه من السجن، و من هذا الباب في الأتفاقيات شي‏ء كثير و غير ذلك.

و من أخلاق أهل مصر قلة الغيرة، و كفاك ما قصه الله تعالي من خبر يوسف (عليه السلام) و مراودة امرأة العزيز له عن نفسه، و شهد شاهد من أهلها عليها بما بين لزوجها منها السوء، فلم يعاقبها علي ذلك سوي بقوله‏ «اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ».

و حكى الأمير ناصر الدين محمد بن محمد الغرابيلي الكركي عن نفسه أنه منذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه، و ترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة، و مما لم نزل نسمعه دائما بين الناس أن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه.

و من أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب قلا تجزهم يدخرون عندهم رادا

____________

(1) وردت فى الأصل «العشاء».

(2) بفتح أوله و ثانيه و كاف أخرى كلمة عجيبة اسم لقلعة حصينة جدا فى طرف الشام من نواحى البلقاء فى جبالها بين أيلة و بحر القلزم و البيت المقدس، و هي على سن جبل عال تحيط بها أودية إلا من جهة الربض.

36

كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان، بل يتناولون عذية [ق 24 أ] كل يوم من الأسواق بكرة و عشيا.

و من أخلاقهم: الانهماك في الشهوات و الامعان في الملاذ، و كثرة الاستهتار، و عدم المبالاة.

قال ابن خلدون‏ (1): أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب.

و قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان و أخلاق سكانها، فقال: أن الله تعالي لما خلق الأشياء جعل كل شي‏ء لشي‏ء.

فقال العقل: أنا لا حق بالشام، فقالت الفتنة: و أنا معك. و قال الخصب: أنا لا حق بمصر، فقال الذل: و أنا معك. و قال الشقاء: أنا لا حق بالبادية، فقالت الصحة و أنا معك.

و يقال: لما خلق الله الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان و الحياء و النجدة و الفتنة و الكبر و النفاق و الغني و الفقر و الذل و الشقاء. فقال الإيمان: أنا لا حق باليمن، فقال و أنا معك. و قالت النجدة: أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة: و أنا معك. و قال الكبر: أنا لا حق بالعراق، فقال النفاق: و أنا معك. و قال الغنى: أنا لا حق بمصر، فقال الذل: و أنا معك. و قال الفقر: أنا لا حق بالبادية، فقال الشقاء: و أنا معك.

[ق 24 ب‏] و عن ابن عباس رضي الله عنهما: المكر عشرة أجزاء: تسعة منها فى القبط، و واحد فى سائر الناس.

و يقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السخاء في الروم، و الوفاء في الترك، و الشجاعة في القبط. و العمر في الزنج.

و وصف ابن العربية (2) أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغارا، و أجهلهم كبارا.

____________

(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمى الإشيبلى، من ولد وائل بن حجر: افيلسوف المؤرخ العالم الاجتماعى البحاثة. أصله من إشيبيلية و مولده و منشأه بتونس ولد سنة 732 ه/ 1332 م- 808 ه/ 1406 م.

(2) هو عثمان بن عتيق بن عثمان القيسى أبو عمر المعروف بابن عربية. ولد سنة 600 ه. 1203 م- و مات سنة 659 ه/ 1260 م. شاعر من فضلاء المهدية بالمغرب ولد بها و انتقل إلى تونس و ولي قضاء تبرسق و توفى بها و دفن بجبل الرحمة.

37

و قال المسعودى: لما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه البلاد علي المسلمين من العراق و الشام و مصر و غير ذلك، كتب إلي حكيم من حكماء العصر: أنا الناس عرب قد فتح الله علينا البلاد، و نريد أن تنبوا الأرض و نسكن البلاد و الأمصار، فصف لي المدن و أهويتها و مساكنها، و ما تؤثره الترب و الأهوية في سكانها.

و قال عمر بن شبه‏ (1) ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار، خير نساء على وجه الأرض [ق 25 أ] نساء أهل البصرة، إلا ما ذكره النبي صلي الله عليه و سلم من نساء قريش، و شر نساء على وجه الأرض نساء أهل مصر.

و قال كعب الأحبار أيضا: مصر أرض نجسة كالمرأة العاذل أي الحايض، يطهرها النيل كل عام.

و قال معاوية بن أبي سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس، و ثلث يشبه الناس و ثلث لا ناس.

و أقول و قد أفرط في حق مصر و أهلها مما لا يليق، و لكن جميع ما خلقه الله تعالي من البلدان و غيرها لا بد أن يكون فيه من المدح و الذم و المحاسن و المساوي‏ء، كما قال بعضهم:

و من ذا الذي ترضي سجاياه كلها* * * كفي المرء فخرا أن تعد معايبه‏

و من هنا نذكر طرفا يسيرا من مدح الشعراء فيها ما هو أرق من هواها و أعذب من حلاوة نيلها بحسب ما تيسر لي من ذلك فأحسن ما قال الشيخ زين ابن الوردى‏ (2) في مصر و نيلها شعر:

و كان بمصر السحر قدما فأصبحت‏* * * و أسحارها أشعارها تترقرق‏

و يعجبني منها تملق أهلها* * * و قد زاد حتى ماؤها يتملق‏

____________

(1) هو عمر بن شبه بن عبيدة بن ريطة أبو زيد البصري النميري مولاهم النحوى و اسم أبيه زيد، و إنما قيل له شبه لأن أمه كانت ترقصه. كان أبو زيد راوية للأخبار عالما بالأثار أديبا فقيها صدوقا وثقه الدار قطنى و غيره روى عن يحيى بن سعيد و عنه ابن ماجه، مات سنة 262 ه.

(2) هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبى الفوارس الإمام زين الدين بن الوردى المصرى الحلبى الشافعى، كان إماما بارعا فى الفقه و النحو و الأدب، مفننا فى العلم و نظمه فى الدروة العليا و الطبقة القصوى، و له فضائل مشهورة. مات سنة 749 ه.

38

[ق 25 ب‏] و قوله فيها أيضا:

ديار مصر هى الدنيا و ساكنها* * * و هم الأنام فقابلها بتفضيل‏

يا من يباهى ببغداد و دجلتها* * * مصر مقدمة و الشرح للنيل‏

و قال بعضهم:

أرى أهل الشام يفاخرونا* * * و تلك وقاحة فيهم و خصله‏

و كيف يفاخروا بالشام مصر* * * و شهوة كل من فى الشام تخلة

و قال المعمار:

ما مصر إلا منزل مستحسن‏* * * فأستوطنوه مشرقا و مغربا

هذا و إن كنتم على سفر به‏* * * فيتمموا منه صعيدا طيبا

و قال الشيخ شمس الدين النواجى‏ (1) (رحمه الله تعالى):

مصر قالت دمشق لا* * * تفتخر قط باسمها

لو رأت قوس روضتى‏* * * منه راحت بسهمها

و قال الشيخ صلاح الدين الصفدى شعر:

من شاهد الأرض و أقطارها* * * و الناس أنواعا و أجناسا

و لا رأى مصر أولا أهلها* * * فما رأى الدنيا و لا الناسا

و له أيضا:

لم لا أهيم بمصر* * * و أرتضيها و أعشق‏

و ما ترى العين أحلى‏* * * من مائها إن تملق‏

[ق 26 أ] و قال بعضهم و أجاد شعر:

إن مصر الأطيب الأرض عندى‏* * * ليس فى حسنها البديع التباس‏

____________

(1) هو محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجى شمس الدين عالم الأدب، نقاد، له شعر. من أهل مصر. ولد سنة 788 ه/ 1386 م و مات سنة 859 ه/ 1455 م. نسبته إلى نواج من غريبة مصر. رحل إلى الحجاز حاجا و طاف بعض البلدان و هو صاحب حلبة الكميت.

39

و لئن قستها بأرض سواها* * * كان بينى و بينك المقياس‏

و قال بعضهم:

تقول مصر حين قاسوا القرى‏* * * بها أيا من ضيعوا حرمتى‏

بأى شى‏ء قستمونى به‏* * * و بسطة المقياس فى قبصتي‏

و قال بدر الدين بن الصاحب‏ (1):

كانت لمصر ميزة* * * بالنيل مدلولى خلف‏

كأنه زوج لها* * * من بعده ترملت‏

و قال الشهاب المنصورى‏ (2):

تقول لنا مصر أنا خير موطن‏* * * و لأناس فى الأمصار أظرف من ناس‏

فإن تك أوقات السرور قصيرة* * * فلا تقطعوها فى إلا بمقياس‏

و له أيضا:

[ق 26 ب‏]

أعملوا أهل مصر لله شكرا* * * و قليل من العباد الشكور

إن مصرا سقى الإله ثراها* * * بلد طيب و رب غفور

و قال الصفي الحلى‏ (3):

لله قاهرة المعز فإنها* * * بلد تخصيص بالمسرة و الهنا

أو ما ترى فى كل قطر منية* * * من جانبيها فهي مجتمع المنى‏

و قال بعضهم:

مصر لها الأفضال إذ لم تزل‏* * * على العدا منصورة ظاهرة

____________

(1) له ذكر فى كتب السلوك للمقريزى.

(2) هو على بن سليمان بن عبد الله المنصورى شيخ القراء بالأستانة. مصرى الأصل، مات فى أسكدار.

له كتب، منها «شرح فى صفة سيد المرسلين، و العشرة المبشرة، و تحرير الطرق، و الروايات، و ألفية فى النحو.

(3) وردت هذه الأبيات فى الخطط المقريزية.

40

ما غوليت كلا و لا قوهرت‏* * * إلا و كانت مصر و القاهرة

و قال ابن الصايغ الحنفى‏ (1):

أرض بمصر فتلك أرض‏* * * من كل فن لها فنون‏

أرض العذب ذاك بحر* * * ما نظرت مثله العيون‏

و قال الشيخ ناصر الدين العيزراوى‏ (2):

لعمرك مصر بمصر و إنما* * * هى الجنة الدنيا لمن يتبصر

فأولادها الولدان و الحور عينها* * * و روضتها المقياس و النيل كوثر

قال الشيخ صدر الدين بن عبد الحق‏ (3) (رحمه الله) عليه:

لا تعجبوا من أهل مصر إذ وفوا* * * بعهودهم ما فى الوفا منهم خفا

و فى لهم فى كل عام نيلهم‏* * * فتعلموا من نيلهم ذاك الوفا

و قد قلب بعضهم هذا المعنى و قال:

اتطلب من زمانك ذا وفاء* * * و تأمن ذاك جهلاة من ينيه‏

لقد عدم الوفاء و أنى‏* * * لا عجب من وفاء النيل فيه‏

و قال الشيخ علاء الدين الوداعي‏ (4):

رو بمصر و سكانها شوقى‏* * * و جدد عهدى الخالى‏

وصف لنا القرط و شنف به‏* * * سمعى و ما العاطل كالحالى‏

و أرو لنا يا سعد عن نيلها* * * حديث صفوان ابن عسال‏

____________

(1) هو محمد بن يحيي بن باجه و قد يعرف بابن الصائغ أبو بكر التبحيى، مات سنة 533 ه/ 1139 م.

(2) له ذكر فى المنهل الصافى لابن تغرى بردى.

(3) وردت هذه لأبيات فى وقائع الدهور للمؤلف.

(4) هو على بن المظفر بن إبراهيم الكندى الوداعى علاء الدين و يقال له ابن عرفة: أديب متقن شاعر، عارف بالحديث و القراءات، من أهل أسكندرية أقام بدمشق و توفى فيها سنة 716 ه/ 1316 م و كان قد ولد سنة 640 ه/ 1242 م، له التذكرة الكندية خمسون جزءا، أدب و أخبار و علوم و ديوان شعر فى ثلاثة مجلدات.

41

لابن فضل الله‏ (1) (رحمه الله):

لمصر فضل ظاهرة* * * بعيشها الرغد النضرة

فى كل سفح‏* * * يلتقى ماء الحياة و الحضر

و قال البهاء زهير (2):

[ق 27 ب‏]

يا رعى الله أرض مصر و حيا* * * ما مضى لى بمصر من أوقات‏

جند النيل و المراكب فيه‏* * * مصعدات بنا و منحدرات‏

هات زدنى من الحديث عن آل‏* * * نيل ودعنى من دجلة و الفرات‏

و قال ابن فضل الله (رحمه الله تعالى عليه):

ما مثل مصر فى زمان ربيعها* * * لصفاء ماء و اعتدال نسيم‏

أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها* * * لما نظر إلى جمال و سيم‏

و قال أيضا:

بحق لمصر أن تيته إذا جرى بها* * * النيل و امتدت إليه و عيون‏

فما مثله من زائر لقدومه‏* * * تقر عيون إذ تقره عيون‏

و قال أيضا:

تكرم مصر النيل أن زارها* * * و تفرش الخد له فى سراه‏

لو لم يكن أكرم ضيف أتى‏* * * ما قدمت كل قرأها قرأة

و قال الصلاح الصفدى:

رأيت فى أرض مصر مذ حللت بها* * * عجائب ما رأها الناس فى جيل‏

تسود فى عينى الدنيا فلم أرها* * * تيبض إلا إذا ما كنت فى النيل‏

____________

(1) له ترجمة فى فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى.

(2) هوزهير بن محمد بن علي المهلبى العتكي بهاء الدين شاكر، كان من الكتاب يقول الشعر و يرفعه فتعجب به العامة، ولد بمكة سنة 581 ه/ 1186 م، و مات سنة 656 ه/ 1258 م له ديوان شعر.

42

و قال بعض شعراء الشام مطلع زجل فى مدح الشام:

أن كان حوى النيل السعيد* * * رمضة و ماه يجرى مضون‏

محلق الفيحات حوت‏* * * روضات و كم فيها عيون‏

فأجابه على ذلك بعض شعراء مصر:

نيل مصر من باب الجنان‏* * * يجري و ماه يحيي الغضون‏

فيا لعيون أن قايسوه‏* * * قل ما ترى مثل العيون‏

و مما تفتخر به مصر على سائر البلاد ما ذكره الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة (1) فى «كتاب السكردان فى السبع زهرات» التى تجتمع بمصر فى صعيد واحد و هى:

النرجس و هو أوله ما تقدم ثم البنفسج ثم البان ثم الورد النصيب ثم الزهر و هو زهر [ق 28 ب‏] النارنج ثم الياسمين ثم الورد الجورى و يعرف أيضا القحابي و هو آخرها، فهذه السبع زهرات التى تلهج المصريون بذكرها و يجتمع في وقت واحد بمصر. و أما النسرين و إن كان في مصر من أعظم الزهور و رائحة فإنه غير معدود فى السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد لأنه يأتى في آخر أيام الورد الجوري فلا يلحق النرجس و لا البنفسج، فلم يكن معدودا في جملة السبع زهرات لأجل ذلك و قد قلت في جمع السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد بمصر، شعر:

يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت‏* * * سبع من الزهر تحو بها البساتين‏

بنفسج بنرجس زهر و بان لنا* * * وردا يضى‏ء مرحو ثم اليسمين‏

و مما تفتخر به مصر أيضا بالسلطان خادم الحرمين الشريفين، و هو أفضل من سائر ملوك الأرض بذلك، و فيها يقول الأديب شمس الدين ابن يوسف الدمشقى‏ (2) [ق 29 أ].

____________

(1) هو أحمد بن يحيى أبى بكر التلمسانى أبو العباس شهاب الدين ابن أبى حجلة عالم الأدب شاعر من أهل تلمسان سكن دمشق، و ولى مشيخة الصوفية بصهريج منجك (بظاهر القاهرة) و مات سنة 776 ه/ 1375 م بالطاعون، و كان قد ولد سنة 725 ه/ 1325 م كان حنيفا يميل إلى مذهب الحنابلة و يكثر من الحط على أهل الوحدة و خصوصا ابن الفارض و امتحن بسببه. له أكثر من ثمانين مصنفا منها مقامات و كتاب ديوان الصبابة و منطق الطير و السجع الجليل فيما جرى فى النيل و سكردان السلطان و الطارى‏ء على السكردان و ديوان شعر و الأدب الغض و حاطب ليل عدة مجلدات و غرائب العجائب و عجائب الغرائب.

(2) له ذكر فى الخطط للمقريزى.

43

إذا البلاد افتخرت لم تزل‏* * * مصر على الشام لها فخر

و كيف لا تفخر مصر و فى‏* * * أرجائها السلطان و البحر

*** ذكر عجائب مصر التى كانت بها من الطلسمات و البرابي و غير ذلك على سبيل الاختصار

قال القضاعى‏ (1) ذكر الجاحظ و غيره أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، منها بسائر الدنيا عشر أعجوبات و هى: مسجد دمشق و كنيسة الرها و قنطرة سنجر و قصر غمدان و كنيسة رومية، و صنم الزيتون و إيوان كسرى بالمدائن و بيت الريح بتدمر، و الحورنق، و السدير بالجزاير (2)، و الثلاث أحجار ببعلبك، و ذكر أنها بيت المشترى و الزهرة، و أنه كان لكل كوكب من السبعة بيت بها و بقي هذا. و منها بمصر عشرون أعجوبة فمن ذلك الهرمان و هما [ق 29 ب‏] أطول بناء و أعجبة، ليس على الأرض بناء باليد حجر على حجر أطول منهما، و إذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، و كذلك قال بعض من رأهما: ليس من شي‏ء إلا و أنا أرحمه من الدهر إلا الهرمين، فإنى لارحم الدهر منهما، و من ذلك ضم الهرمين و هو «بلهويه» و يقال «بلهيب» إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على ابليز الجيزة. و من ذلك بربا سمنود و هو من أعاجيبها ذكر عن أبى عمرو الكندى أنه قال: رأيته و قد حزن فيه بعض عمالها قرظا، فرأيت الجمل إذا

____________

(1) هو محمد بن سلامة بن جعفر بن على بن حكمون أبو عبد الله القضاعى مؤرخ مفسر من علماء الشافعية كان كاتبا للوزير الجرجرائى على بن أحمد بمصر، فى أيام الفاطميين و أرسل فى سفارة إلى الروم، فأقام قليلا فى القسطنطينية و تولى القضاء بمصر نيابة و توفى بها. من كتبه تفسير القرآن عشرون مجلدا الشهاب فى المواعظ و الأدب و تواريخ الخلفاء و خطط مصر و عيون المعارف و نزهة الألباب و دقائق الأخبار و حدائق الاعتبار، مات سنة 454 ه/ 1062 م.

(2) وردت فى الأصل جزر.

44

دنا من بابه بحمله و أراء أن يدخله سقط كل دبيب فى القرظ لم يدخل منه شي‏ء إلى البريا، ثم خرب عند الخمسين و الثلاثمائة. و من ذلك بريا أخميم عجب من العجيب بما فيه من الصور و أعاجيب و صور الملوك الذين يملكون مصر.

و كان ذى النون الأخميمى‏ (1) بقرأة البراني، فرأى فيها حكما عظيما فأفسد أكثرها.

و من ذلك بريا و دندرة و هو بريا عجيب فيه ثمانون و مائة كوة، قد خل الشمس يوم من كوة منها ثم الثانية حتى تنتهى إلي آخرها ثم تسير راجعة إلي موضع بدائها. و من ذلك حائط العجوز من [ق 30 أ] العريش إلى أسوان تحيط بأرض مصر شرقا و غربا. و من ذلك الأسكندرية و ما فيها من العجائب المنارة و السوارى و الملعب الذى كانوا يجتمعون فيه يوم من السنة، ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر واحد إلا ملك مصر، و حضر عمرو بن العاص عيدا من أعيادهم فوقعت الكرة فى حجره، فملك البلد ذلك فى الإسلام، و كان يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلا ينظر فى وجه صاحبه لا يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية و السفلية يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية و السفلية.

و من عجائبها المسلتان و هما جبلان قائمان على سرطانات نحاس فى أركانها، كل ركن على سرطان. و من عجائبها عمودا لأعياد، و هما عمودان ملقيان وراء كل عمود منهما جبل حصبا كحصي الجمار بمنى يقبل إليها الرجل و يرمى بسبع حصيات و يحمل أحدهما ثم يرمي وراءه السبع حصيات، آخر يقوم و لا يلتفت و يمضي فكأنما يحمل حملا لا يحسن من تعبه بشى‏ء.

و من عجائبها القبة الخضراء و هى أعجب قبة، ملبسة نحاسا كأنه الذهب الأبريز لا يبليه القدم و لا يخلفه الدهر.

و من عجائبها منية عقبة و قصر فارس، و كنيسة أسفل الأرض و هى مدينة على مدينة، ليس على [ق 30 ب‏] وجه الأرض مدينة فى هذه الصفة سواها، و يقال أنها أرم ذات العماد، سميت بذلك لأن عمدها و رخامها الأصفنيدس المخطط طولا و عرضا.

و من عجائب مصر أيضا الجبال التى بصعيدها على نيلها و هى ثلاثة جبال، منها جبل الكهف و يقال الكف. و منها الطيلمون، و منها جبل زماجيز الساحرة، يقال أن فيه حلقة من الجبل ظاهرة مشرفة علي النيل، لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خط محلوق باسمك اللهم.

____________

(1) له ذكر فى حسن المحاضرة للسيوطى.

45

و من عجائبها شعب البؤقيرات بناحية أشمون من أرض الصعيد، و هو شعب فى جبل فيه صدع تأتيه البؤقيرات فى يوم من السنة معروفا، فتعرض أنفسها علي ذلك الصدع، فكلما أدخل بوقير منها منقاره فى الصدع و لا تزال يفعل ذلك حتى يستلقي الصدع على بوقير منها فيحبسه و تمضى كلها، و لا يزال ذلك الذى يحبسه متعلقا حتى يتسلقط و يموت. و من عجائبها عين الشمس و هي هيكل الشمس، و بها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما و لا من شأنهما طولهما فى السماء نحو [من‏] (1) خمسين ذراعا، و هما محمولان على وجه الأرض، و فيهما صورة إنسان على دابة تراه منهما [ق 31 أ] واضحا و تجرى من أسفلهما فينبت في أصلهما العوسج و غيره، و إذا دخلت الشمس دقيقة من الجدى، و هو أقصر يوم فى السنة، إنتهت منهما إلى الجنوب، فتطع على قمة رأسه، و إذا دخلت دقيقة من السرطان و هو أطول يوم فى السنة إنتهت إلى الشمال منهما، فتطلع على قمة رأسه الآخر، و هما منتهى الميلين، و خط الأستواء فى الواسطة فهما ثم تخطر بينهما ذاهبة و راجعة سائر السنة كذا يقول أهل العلم بذلك.

و من عجائبها منف و عجائبها و أصنامها و رخامها و أبنيتها و دفائنها و كنوزها و ما يذكر فيها أكثر من أن يحصي من آثار الملوك و الحكماء [و الأنبياء] (2).

و من عجائبها الفرما و هى أكثر عجائب و أكثر آثارا. من عجائبها الفيوم و من عجائبها نيلها و من عجائبها الحجر المعروف بحجر الخل يطفو على الخل و يسبح فيه كأنه سمكة.

و كان يوجد بها حجر إذا أمسكه الإنسان بكلتا يديه تقايأ كل شى‏ء أكله فى بطنه، و كان بها خرزة إذا جعلتها المرأة فى حقوقها فلا تحبل، و كان بها حجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزة، و كان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تتكسر بالليل فتتقد- كالمصابيح [ق 31 ب‏] و من عجائبها: حوض مدور فى بحر النيل من رخام و يركب فيه الواحد و الأربعة و يحركوه فيعبرون من جانب إلى جانب، لا يعلم من عمله، فأخذه كافور الأخشيدى من الماء فالقى فى البر و كان في أسفله كتابه لا يدرى [ما هي‏] (3) ثم بطل أمره.

و من عجائبها: أن بصعيدها ضيعة بعرف بدشني، فيها سنطة إذا تعددت بالقطع تدبل‏

____________

(1) إضافة من عندنا.

(2) سقطت من الناسخ.

(3) إضافة من عندنا للسياق.

46

و تجتمع و تضمر، فيقال لها عفونا عنك و تركناك فتتراجع، و المشهور- و هو الموجود الآن- سنطة فى الصعيد، إذا تركت اليد على ذبلت، و إذا رفعت عنها تراجعت، و قد حملت إلى مصر و شوهدت. و بها نوع من الخشب يرسب فى الماء كالأبنوس و بها الخشب السنط الذى يوقد منه القدر الكثير في الزمن الطويل فلا يوجد له رماد.

و ذكر ابن نصر المصرى أنه كان على باب القصر الكبير أنه كان على باب القصر الكبير الذى يقال له باب الريحان عند الكنيسة المعلقة، صنم من نحاس على خلقة الجمل، و عليه رجل راكب عليه عمامة [منتكب قوسا عربية] (1) و فى رجليه نعلان كانت الروم و القبط و غيرهم إذا تظالموا بينهم، و اعتدي بعضهم علي بعض تحاكموا [ق 32 أ] إليه حتي يقفوا بين يدى ذلك الجمل، فيقول المظلوم المظالم: أنصفنى قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل فيأخذ الحق لى م‏نك شئت أم أبيت يعنون بالراكب النبي صلي الله عليه و سلم. فلما قدم عمرو بن العاص، غيبت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم.

قال ابن لهيعة (2): بلغني أن تلك الصورة في ذلك الموضع قد أتي عليها سنين لا يدرى عملها.

قال القضاعى: فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمن عدة عجائب، فلو بسطت لجاء منها عدد كثيرة.

و يقال ليس من بلد فيه شى‏ء غريب إلا و في مصر مثله أو شبيه به، ثم تفضل مصر على البدان بعجائبها التي في بلد سواها.

و في كتاب «تحفة الألباب» أنه كان بمصر بيت تحت الأرض، فيه رهبان من النصارى، و في البيت سرير صغير من خشب تحته صبي ميت ملفوف في نطع أديم، مشدود بحبل، و على السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل إذا اشتعل الفتيل بالنار و صار سراجا خرج من ذلك الأنبوب لزيت الصافي الحسن الفائق حتى تمتلى‏ء تلك الباطية و ينطفى‏ء السراج‏

____________

(1) إضافة من الخطط.

(2) هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصرى الفقيه أبو عبد الرحمن قاضى مصر و مسندها، روي عن عطاء ابن أبى رباح و عمرو بن دينار و الأعرج و خلق، و عنه الثورى و الأوزاعى و شعبة و الليث و ابن المبارك، و ثقة أحمد و غيره. مات سنة 174 ه.

47

بكثرة [ق 32 ب‏] الزيت، فإذا إنطفأ لم يخرج منه شى‏ء، فإذا خرج الصبي الميت من تحت السرير لم يخرج من الزيت شى‏ء، و الباطية يريقها الإنسان فلا تحتها شيئا و لا موضعا فيه ثقب. و أولئك الرهبان يتعيشون من ذلك الزيت ... يشتريه الناس منهم فينتفعون به ..

قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف‏ (1) شاه: عديم الملك ابن تقطريم كان جبارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأولون، و كان فى وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، و كانا فى بئر يقال له «افتارة» و كانا يعلمان أهل مصر السحر. و كان يقال أن الملك عديم بن البودشير استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى جبل بابل. و أهل مصر من القبط يقولون أنهما شيطانان يقال لهما «مهلة» و «بهالة» و ليس هما الملكين، و الملكان ببابل فى بئر هناك يغشاها السحرة إلى أن تقوم الساعة و من ذلك الوقت عبدت الأصنام. و قال قوم:

كانت الشيطان يظهر و ينصبها لهم. و قال قوم: أول من نصبها بدوره و أول صنم أقامه صنم الشمس.

و قال آخرون: بل النمرود الأول أمر الملوك بنصبها و عبادتها، و هو أول من صلب، و ذلك [ق 33 أ] أن امرأة زنت برجل [من أهل الصناعات‏] (2) و كان لها زوج من أصحابه، فأمر بصلبهما على منارين، و جعل ظهر كل واحد منهما إلي ظهر الآخر فإنتهى الناس عن الزنا.

و بني أربع مدائن و أودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال و الطلسمات، و كنز فيها كنوزا كثيرة، و عمل فى الشرق منارا و أقام على رأسه صنما موجها إلي الشرق، مادا يديه يمنع دواب البحر و الرمال أن تتجاوز حده، و كتب في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه، و يقال أن هذا المنار قائم إلي وقتنا هذا، و لو لا هذا الغلب الماء الملح من البحر الشرقي على أرض مصر.

و عمل على النيل قنطرة في أول بلد النوبة، و نصب عليها أربعة أصنام موجهة إلي أربع جهات الدنيا في يد كل صنم حربتان يضرب بهما إذا أتاهم آت من تلك الجهة فلم تزل بحالها إلي أن هدمها فرعون- موسي (عليه السلام).

و عمل البريا علي باب النوبة و هو هناك إلي وقتنا هذا. و عمل في إحدي المدائن الأربع‏

____________

(1) له ذكر فى الخطط للمقريزى.

(2) إضافة من النجوم الزاهرة و الخطط.

48

التي ذكرناها حوضا من صوان أسود مملوء ماء، لا ينقص علي طول الدهر و لا يتغير ماؤه لأنه اجتلب إليه من رطوبة الهواء. و كان أهل تلك الناحية و أهل تلك المدينة يشربون [ق 33 ب‏] منه و لا ينقص ماؤه شي‏ء و عمل ذلك لبعدهم عن النيل.

و ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك الماء ثم لقربه من البحر الملح، فإن الشمس ترفع بحرها بخار البحر فينحصر من ذلك البخار جزء بالهندسة أو بالسحر (1) و ينحط فى ذلك الحوض مثل الظل و تمده بالهواء فلا ينقص ماؤه علي الدهر، و لو شرب منه العالم كله.

و عمل قدحا علي مثل هذا العمل و أهداه إلي الأسكندر بن فيليب المقدوني‏ (2)، و لما مات دفن في إحدي المدائن ذات العجائب، و قيل في صحراء قفط.

و ذكر بعض القبط أن ناووس [عديم‏] عمل كان في صحراء قفط علي وجه الأرض تحت قبة عظيمة من زجاج أخضر براق، معقود علي رأسها كرة من ذهب، عليها طائر من ذهب موشح بجواهر، منشور الجناحين يمنع من الدخول إلي القبة، و كلن قطرهما مائة ذراع في مثلها و جعل جسده في وسطها علي سرير من ذهب مشبك و هو مكشوف بالذهب المغروز بالجوهر المنظوم، و طول القبة أربعون ذراعا، و جعل في القبة مائة و سبعين مصحفا من مصاحف الحكمة [و سبع موائد بأوانيها] (3) منها مائدة من حجر الشمس المضي‏ء بأنيتها و هو [ق 34 أ] الزبرجد الذى إذا نظرت إليه الأفاعى سالت أعينها، و مائدة من ملح أبيض مدبر براق بأنيتها و مائدة من زيبق معقود، و جعل فى القبة جواهر كثيرة و برابي صنعة مدبرة، و حوله سبعة أسياف و أتراس من حديد أبيض مدبر و تماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب، و سبعة توابيت من دنانير عليها صورته، و جعل معه من أصناف العقاقير و السمومات و الأدوية في برابي [من‏] حجارة.

و قد ذكر من رأي هذه القبة أنهم أقاموا أياها ما قدروا على الوصول إليها، و أنهم رذا قصدوها و كانوا منها على ثمانية أذرع صارت القبة عن إيمانهم أو عن شمائلهم.

و ذكروا أنهم رأوا وجه الملك قدر ذراع و نصف بالكبير، و لحيته كبيرة مكشوفة و قدروا طول بدنه عشرة أذرع و زيادة.

____________

(1) وردت فى الخطط (الحكمة).

(2) وردت في الأصل (المجدونى).

(3) سقطت من الناسخ.

49

و ذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم خرجوا لحاجة فوجدوها اتفاقا، و أنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا أحدا يعرفها سوي شيخ كبير السن، و قيل أن الذي صنع هذه القبة هو شداد ابن عديم و هو الذي بني مدينة ارمنت و أقام عليها أصناما بأسماء الكواكب من جميع المعادن و زينها بأحسن [ق 34 ب‏] زينة و نقشها بالجواهر و الزجاج الملون و كساه الوشي و الديباج، و عمل في المدائن الداخلة من أنصنا هيكلا شرقي الأسكندرية. و أقام صنما من صوان أسود باسم زحل علي عبور النيل من الجانب الغربي و بني في الجانب الشرقي مدائن في أحداها صورة صنم قائم و له احليل، إذا أتاه المعقود و المسحور و من لا ينتشر ذكره فسحه بكلتا يديه.

انتشر ذكره و قوي علي الباة، و في أحدهما بقرة لها ضرعان، إذا انعقد لبن امرأة أتتها و مسحتها بيديها، فإنه يدر لبنها لوقتها.

و عمل للتماسيح طلسم بناحية أسيوط، فكانت التماسيح تنصب منها إلي أخميم، و إذا أمسكها فيقتلها و يستعملها جلودا في السفن.

و يقال أن منقاوس الملك عمل بينا تدور تماثيل بجميع العلل و كتب علي رأس كل تمثال ما يصلح من العلاج فانتفع الناس بها زمانا إلي أن أفسدها بعض الملوك و عمل صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همه و نسيه، فكان الناس يتناوبونها و يطوفون حولها ثم عبدوها من بعد ذلك.

و عمل أيضا تمثالا من نحاس مذهب بجناحين لا يمر به زان و لا زانية إلا كشف عورته [ق 35 أ] بيده، فكان الناس يمتحنون به الزناة، فامتنعوا الناس من الزنا في أيامه.

فلما ملك كلكن عشقت حظية رجلا من خدمه، و خافت أن تمتحن بذلك الصنم فأخذت في ذكر الزواني مع الملك و أكثرت من سبهن و ذمهن، فذكر كلكن ذلك الصنم و ما فيه من المنافع.

فقالت: صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب في أمره، لأنه أتعب نفسه و حكماءه فيما حعله لإصلاح العامة دون نفسه، و كان حكم هذا الصنم أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه و جواريه، فإن اقترفت أحداهن ذنبا علم بها فيكون رادعا لهن متي عرض بقلوبهن شي‏ء من الشهوة.

فقال كلكن: صدقت، و ظن أن هذا منها نصح، فأمر بنزع الصنم من موضعه و نقله إلى داره فبطل عمله، و عملت المرأة ما كانت همت به.

50

و بنى أيضا هيكلا على جبل القصير للسحرة فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلا بضريبة [يأخذونها] (1) منهم للملك.

و بني أيضا [مناوس‏] بن منقاوس في صحراء الغرب مدينة بالقرب من مدينة السحرة تعرف بقنطرة، ذات عجائب و جعل في وسطها قبة عظيمة عليها كالسحابة تمطر شتاء و صيفا [ق 35 ب‏] مطرا خفيفا، و تحت القبة مطهرة فيها ماء أخضر يداوى به من كل داء فيبريه.

و فى شرقيها بربا لطيفا لها أربعة أبواب، لكل باب منها عضادتان، في كل عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منهما صاحبه بما يحدث يومه، فمن دخل البربا علي غير طهارة [نفخا فى وجهه فزصابه رعدة فظيعة لا تفارقه حتي يموت‏] (2).

و كانوا يقولون أن في وسطه مهبط النور في صورة العمود من اعتنقه لم يحتجب عن نظرة شى‏ء من الروحانية، و سمع كلامهم، و رأى ما يعملون.

و على كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علم من العلوم فمن أحب معرفة ذلك العلم وضعه على صدره.

و حكي عن رجل أنه أتي عبد العزيز بن مروان‏ (3) و هو أمير مصر فعرفه أنه تاه في صحراء الشرق، فوقع علي مدينة خراب فيها شجرة تحمل كل صنف من الفاكهة، و أنه أكل منها و تزود.

فقال له رجل من القبط: هذه إحدي مدينتي هرمس و فيها كنوز كثيرة. فوجه عبد العزيز معه جماعة معهم ماء و زاد، فأقاموا يطوفون تلك الصحارى نحو شهرا فلم يقفوا لها على أثر.

و عملت أم ميلاطس الملك بركة عظيمة في صحراء الغرب، و جعلت في وسطها عمودا [ق 36 أ] طوله ثلاثون ذراعا، و في أعلاه قصعة من حجارة يفوز منها الماء فلا ينقص أبدا.

____________

(1) إضافة من الخطط.

(2) وردت على هامش المخطوطة.

(3) هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية أبو الأصبع أمير مصر، ولد فى المدينة و ولى مصر لأبيه استقلالا سنة 65 ه، فسكن حلوان و أعجبته، فبنى فيها الدور و المساجد و غرس بها كراما و نخيلا، و توفى فيها فنقل إلى الفسطاط، كان يقظا عارفا بسياسة البلاد، شجاعا جوادا تنصب حول داره كل يوم ألف قصعة للأكلين و تحمل مئة قصعة على العجل إلى قبائل مصر. و استمر إلى أن توفى سنة 85 ه/ 704 م.

51

و جعلت حول تلك البركة أصناما من حجارة ملونة، على صور الحيوانات من الوحش و الطير و البهائم فكان كل جنس يأتي إلي صورته و يألفها فيؤخذ باليد و ينتفع به.

و عملت لولدها متنزها لأنه كان يحب الصيد، فجعلت فيه مجالس مركبة على أساطين من مرمر مصفحا بالذهب، مرصع بالجواهر و الزجاج الملون، و زخرفته بالتصاوير العجيبة و النقوش، فكان الماء يطلع من فورات، و ينصب إلي أنهار قد صفحت الفضة تجرى إلي حدائق فيها بديع الفروشات، و قد أقيم حولها تماثيل تصفر بأصناف اللغات، و أرخت علي المجالس ستورا من ديباج، و اختارت لولدها من حسان بنات عمه و بنات الملوك و أزوجته، و حولته إلى هذه الجنة، و بنت حول تلك الجنة مجالس للوزراء و الكهنة و أشراف أهل الصناعات، فكانوا يرفعون إليه جميع ما يعملونه، فإذا فرغوا من أعمالهم، حمل إليهم الطعام و الشراب.

و كان ميلاطس تقلد الملك بعد أبيه [ق 36 ب‏] و هو صبي و كانت أمه مدبرة الملك- و هي حازمة مجربة- فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه، و أحسنت و عدلت في الرعية، و وضعت عنهم بعض الخراج.

و كانت أيامه سعيدة كلها في الخصب الكثير و السعة للناس و العدل. و كان له يوم يخرج فيه إلي الصيد، و يرجع إلي جنته فيأمر لكل من معه بالجوائز و الأطعمة و يجلس للنظر يوما في مصالح الناس و قضاء حوائجهم، و يخلو يوما بنسائه.

و كان ملكه ثلاث عشرة سنة فلما هلك من بعده فرسول بن قليمون بن أتريب فعمل منارا على بحر القلزم و علي رأسه مرآة تجتذب [بها] المراكب إلي شاطى‏ء البحر فلا يمكنها أن تبرح إلا أن تعشر، فإذا عشرت سارت. و لما مات دفن خلف الجبل الأسود الشرقى، و كان ملكا حكيما محبا للنجوم و العلوم و الحكمة فعمل في أيامه درهم إذا ابتاع [به‏] صاحبه شيئا اشترط أن يزن له يبتاعه منه بوزن الدرهم، و لا يطلب عليه زيادة فيغتر البائع بذلك و يقبل منه الشرط فإذا تم ذلك بينهما، و وقع الوزن بالدرهم فيدخل قبالته جميع الأصناف [ق 37 أ] و لا تعد له، و قد وجد هذا الدرهم في كنوزهم، ثم في خزائن بني أمية و كان الناس يتعجبون.

و وجدوا دراهم أخر قيل أنها عملت في وقته أيضا، و من شأن هذا الدرهم إذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدرهم و قبله و قال له: أذكر العهد و ابتاع به ما أراد. فأذا أخذ

52

السلعة (1) و مضي بها إلي بيته، وجد الدرهم قد سبقه إلي منزله و يجد البائع ذلك الدرهم ورقة آس أو قرطاس أو مثل ذلك الدرهم. و في وقته أيضا عملت الآنية الزجاج التي توزن، فإذا ملئت ماء أو غيره ثم وزنت لم تزد عن وزنها الأول شيئا. و عمل فى وقته الآنية التي إذا جعل فيها الماء صار خمرا في لونه و رائحته و فعله.

و قد وجد من هذه الأنية باطفيح في إمارة هارون بن خماروية بن أحمذ بن طولون، شربة جزع بعروة زرقاء [ببياض‏] (2) و كان الذي وجدها أبو الحسن الصايغ الخراسانى هو و نفر معه، فأكلوا على شاطى‏ء و شربوا بها الماء فوجدوه خمرا سكروا منه و قاموا ليرقصوا. [ق 37 ب‏] فوقعت الشربة فانكسرت عدة قطع، فأغتم الرجل و جاء بها إلي هارون فأسف عليها.

و قال: لو كانت صحيحة لأشتريتها ببعض ملكى.

و أما الآنية النحاسية التي تجعل الماء خمرا، فإنها منسوبة إلي قلوبطرة بنت بطليموس ملكة الأسكندرية.

و في الوقت أيضا عملت الصور الحيثمية من الضفادع و الخنافس و الذباب و العقارب و سائر الحشرات و كانت إذا جعلت في موضع اجتمع إليها ذلك الجنس و لا يقدر علي مفارقة تلك الصورة حتي يقتل، و كأنه يعمل أعماله كلها بصور درج الفلك و أسمائها و طوالعها، فيتم له من ذلك ما يريده.

و عمل في صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملون في وسطه قبة من زجاج أخضر صافي اللون، فإذا طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها علي مواضع بعيدة، و عمل في جوانبه الأربعة مجالس عالية من زجاج، لكل مجلس لون و نقش عليها بغير لونها الأول [ق 38 أ] و عمل طلسمات عجيبة و نقوشات غريبة و صورا بديعة، كل ذلك من زجاج مطبق يشف.

و كان يقيم في هذا الملعب الأيام، و عمل له ثلاثة أعياد في كل سنة، فكان الناس يحجون إليه في كل عيد، و يذبحون له و يقمون فيه سبعة أيام.

____________

(1) وردت فى الأصل (البيعة).

(2) ورد فى الأصل «بيض».

53

و لم يزل هذا الملعب تقصده الأمم، فإنه لم يكن له نظير و لا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله.

و يقال أن العقيان قد كثرت في أيامه بمصر و أضرب بالناس، فأحضر الملك الكاهن و سأله عن سبب كثرتها، فقال: إن إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا و تسجد له.

فقال: إن كان يرضيه ذلك، فأنا أفعله. فقال إن ذلك رضاه فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك، و عمل له و شاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب من جوهر أخضر، و فى منقاره درة معلقة و سروله بأدرك أحمر، و إقامة على قاعدة من فضة منقوشة، قد ركبت علي قائمة من زجاج أزرق، و جعله في أزج- يمين الهيكل و ألقي عليه ستور الحرير و جعل يقرب له عجلا أسود [ق 38 ب‏] و بكارة الفراريح و باكورة الفواكه و الرياحين.

فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود فأجابه الناس، و لم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب و عمل له عيدا.

فلما تم له أربعون يوما نطق الشيطان من جوفه، و كان أول من دعاهم إليه أن يبحر له في أنصاف الشهور بالمندل و يرش العتيق التي يؤخذ من روءس الخوابي و عرفهم أنه قد أزال عنهم العقيان و ضررها، و كذلك يفعل في غيرها مما يخافون.

فسر الكاهن لذلك و توجه إلى أم الملك يعرفها ذلك، فسارت إلي الهيكل و سمعت كلام العقاب، فسرها ذلك و أعظمته، و بلغ ذلك الملك فركب إلى الهيكل حتى خاطبه و أمره و نهاه.

فسجد له و أقام له سدنة، و أمر أن يزين بأصناف الزينة، فكان يقوم بهذا الهيكل و يسجد لتلك الصورة و يسألها عما يريد فتخبره.

و عمل من الكيمياء ما لم يعمله أحد من الملوك، فيقال أنه دفن في صحراء الغرب [خمسمائة دفين‏] (1) و يقال أنه عمل على باب مدينة صا عمودا عليه صنم في صورة امرأة جالسة و في يدها مرآة تنظر إليها، و كان العليل يأتى إلى هذه المرآة و ينظر فيها [ق 39 أ]- أو ينظر له أحد فيها، فإن كان يموت من علته تلك رأوه ميتا، و إن كان يعيش رأه حيا و ينظر فيها أيضا للمسافرين فإن رأوه مقبلا بوجهه علموا أنه راجع، و إن رأوه موليا علموا أنه يتمادى في سفره، إن كان مريضا أو ميتا رأوه كذلك في المرآة.

____________

(1) وردت على هامش المخطوطة.

54

و عمل بالأسكندرية [أيضا] صورة راهب جالس علي قاعدة و علي رأسه صفة برنس، و في يده عكاز فإذا مر به تاجر جعل بين يديه شيئا من المال على قدر بضاعته، فإن تجاوزه و لو يمن بعد من غير أن يضع بين يديه المال، لم يقدر علي الجواز و ثبت قائما مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرق للفقراء و المساكين و عمل في زمنه كل أعجوبة ظريفة، و عمل لنفسه ناووسا في داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام و عمل تحته أزجا طوله مائة ذراع، و أرتفاعه ثلاثون ذراعا و عرضه عشرون ذراعا بالمرمر و الزجاج الملون و سقفه بالحجارة و عمل دار به مساطب من زجاج علي كل مسطبة أعجوبة، و في وسط الأرج دكة من زجاج علي كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنو إليها [ق 39 ب‏] و بين كل صورتين منارة عليها حجر يضى‏ء، و فى وسط الدكة حوض من ذهب فيه جسده بعد ما ضمد بالأدوية الماسكة، و نقل إليه ذخائره من الذهب و الجواهر و غيره، و سد باب الأزج بالصخور و الرصاص، و هيل عليها الرمال.

و كان ملكه ثلاثا و سبعين سنة، و عاش مائتين و أربعون سنة و ملك ولده من بعده ايساد فعمل مرآة في مدينة منف تري الأوقاف التي تخصب فيها مصر و تجدب، و بنى بداخل الواحات مدينة، و نصب قرب البحر أعلاها كثيرة.

و عمل خلف المقطم صنما يقال له صنم الحيلة، فكان كل من تعذر عليه أمر يأتيه و يبخر فيتسر ذلك الأمر له. و جعل بحافة البحر المالح منارا يعلم منه أمر البحر و ما يحدث فيه، من أقصي ما يصل إليه البصر علي مسيرة أيام، و هو أول من أتخذها و يقال أنه بني أكثر مدينة منف.

و لما تدارس‏ (1) بن صا الأحياز كلها بعد أبيه، و صفا له ملك مصر، بني في غربي مدينة منف بيتا عظيما من كوكب الزهرة، و أقام فيه أصناما عظيمة من لاروزد مذهب و سورها بسوارين من زبرجد أخضر [ق 40 أ]. فمنها صنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، و فى رجليها خلخالات من حجر أحمر شفاق و نعلان من ذهب و بيدها قضيب مرجان و هي تشير بسباتها كأنها تسلم على من في الهيكل.

و جعل حداها تمثال بقرة ذات قرنين و ضرعين من نحاس أحمر مملوء بذهب، و فرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها فى كل سبعة أيام.

____________

(1) ورد عند المقريزى (بدراس).