الهدايا لشيعة أئمة الهدى - ج2

- محمد مجذوب التبريزي المزيد...
508 /
5

الجزء الثاني‏

فهرس أبواب كتاب التوحيد من أجزاء كتاب الهدايا على نسق أبواب الكافي، و هي خمسة و ثلاثون‏

باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

باب إطلاق القول بأنّه تعالى شي‏ء.

باب أنّه تعالى لا يُعرَف إلّابهِ.

باب أدنى المعرفة.

باب المعبود.

باب الكون والمكان.

باب النسبة.

باب النهي عن الكلام في الكيفيّة.

باب في إبطال الرؤية.

باب النهي عن الصِّفة بغير ما وصفَ به نفسه جلّ وتعالى.

باب النهي عن الجسم والصورة.

باب صفات الذات.

باب آخر وهو من الباب الأوّل.

باب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل.

باب حدوث الأسماء.

باب معاني الأسماء واشتقاقها.

باب آخر وهو من الباب الأوّل إلّاأنّ فيه زيادة، وهو الفرق ما بين المعاني التي‏

6

تحت أسماء اللَّه وأسماء المخلوقين.

باب تأويل الصمد.

باب الحركة والانتقال.

باب العرش والكرسيّ.

باب الروح.

باب جوامع التوحيد.

باب النوادر.

باب البداء.

باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.

باب المشيئة والإرادة.

باب الابتلاء والاختبار.

باب السعادة والشقاء.

باب الخير والشرّ.

باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.

باب الاستطاعة.

باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة.

باب (بلا عنوان).

باب حجج اللَّه على خلقه.

باب الهداية أنّها من اللَّه عزّ وجلّ.

7

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الجزء الثاني من كتاب الهدايا

كتاب التوحيد

و هو يشتمل مطابقاً للكافي على خمسة و ثلاثين باباً

كِتَابُ التَّوْحِيدِ

الباب الأوّل بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَ إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ‏

و أحاديثه كما في الكافي ستّة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي بإسناده عَنْ عَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ بِمِصْرَ زِنْدِيقٌ يَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَشْيَاءُ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُنَاظِرَهُ، فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ خَارِجٌ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلى‏ مَكَّةَ وَنَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَصَادَفَنَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي الطَّوَافِ، وَكَانَ اسْمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكُنْيَتَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «مَا اسْمُكَ»؟ قالَ: اسْمِي عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: «فَمَا كُنْيَتُكَ؟» قَالَ:

كُنْيَتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «فَمَنْ هذَا الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ عَبْدُهُ؟ أَمِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ، أَمْ مِنْ مُلُوكِ السَّمَاءِ؟ وَأَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ: عَبْدُ إِلَهِ السَّمَاءِ، أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ؟ قُلْ‏

8

مَا شِئْتَ تُخْصَمْ». قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ: فَقُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ: أَمَا تَرُدُّ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَقَبَّحَ قَوْلِي، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «إِذَا فَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ، فَأْتِنَا». فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)(1):

«أَتَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَفَوْقاً؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَمَا يُدْرِيكَ مَا تَحْتَهَا؟» قَالَ: لَاأَدْرِي، إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْ‏ءٌ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«فَالظَّنُّ عَجْزٌ لِمَا لَايَسْتَيْقِنُ‏ (2)».

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «أَفَصَعِدْتَ السَّمَاءَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَتَدْرِي مَا فِيهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «عَجَباً لَكَ! لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ، وَلَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ، وَلَمْ تَنْزِلِ الْأَرْضَ، وَلَمْ تَصْعَدِ السَّمَاءَ، وَلَمْ تَجُزْ هُنَاكَ؛ فَتَعْرِفَ مَا خَلْفَهُنَّ وَأَنْتَ جَاحِدٌ بِمَا فِيهِنَّ؟! وَهَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ؟».

قَالَ الزِّنْدِيقُ: مَا كَلَّمَنِي بِهذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «فَأَنْتَ مِنْ ذلِكَ فِي شَكٍّ، فَلَعَلَّهُ هُوَ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ». فَقَالَ الزِّنْدِيقُ: وَلَعَلَّ ذلِكَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «أَيُّهَا الرَّجُلُ، لَيْسَ لِمَنْ لَايَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلى‏ مَنْ يَعْلَمُ، وَلا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ، يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، تَفَهَّمْ عَنِّي؛ فَإِنَّا لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً، أَمَا تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَلِجَانِ فَلَا يَشْتَبِهَانِ، وَيَرْجِعَانِ قَدِ اضْطُرَّا لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا، فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلى‏ أَنْ يَذْهَبَا، فَلِمَ يَرْجِعَانِ؟ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرَّيْنِ، فَلِمَ لَايَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً، وَالنَّهَارُ لَيْلًا؟ اضْطُرَّا- وَاللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ- إِلى‏ دَوَامِهِمَا، وَالَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَأَكْبَرُ». فَقَالَ الزِّنْدِيقُ: صَدَقْتَ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، إِنَّ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، وَتَظُنُّونَ أَنَّهُ الدَّهْرُ، إِنْ كَانَ الدَّهْرُ يَذْهَبُ بِهِمْ، لِمَ لَايَرُدُّهُمْ؟ وَإِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ، لِمَ لَايَذْهَبُ بِهِمْ؟ الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، لِمَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ، وَالْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ؟ لِمَ لَايَنْحَدِرُ (3) السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ؟ لِمَ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «للزنديق».

(2). في الكافي المطبوع: «لا تستيقن».

(3). في الكافى المطبوع: «لا تسقط».

9

لَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ طاقَتِهَا، (1) وَلَا يَتَمَاسَكَانِ، وَلَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهَا؟». قَالَ الزِّنْدِيقُ:

أَمْسَكَهُمَا اللَّهُ رَبُّهُمَا وَسَيِّدُهُمَا.

قَالَ: فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ عَلى‏ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلى‏ يَدَيْكَ فَقَدْ آمَنَ الْكُفَّارُ عَلى‏ يَدَيْ أَبِيكَ.

فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلى‏ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ، خُذْهُ إِلَيْكَ وَعَلِّمْهُ»، فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ؛ وَكَانَ مُعَلِّمَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ مِصْرَ الْإِيمَانَ، وَحَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتّى‏ رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام).

هديّة:

اوحّد اللَّه تبارك وتعالى توحيداً، أي اقرّ بوحدانيّته معتقداً إيّاها على ما علّمنا حجج اللَّه المعصومون المنصوصون القائلون عنه تبارك وتعالى.

وقد روي عن أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه) أنّه قال: «التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه». (2)

وعن الصادق (عليه السلام): «التوحيد أن لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك، والعدل أن لا تثبت لخالقك ما لامك عليه». وفي بعض النسخ: «أن لا تنسب إلى خالقك». (3)

قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى:

القائلون بامتناع تخلّف المعلول عن علّته التامّة طائفتان: قالت إحداهما بقدم العالم، وقول ثقة الإسلام- طاب ثراه- في عنوان الباب: «حدوث العالم» ردّ عليهم.

والاخرى بحدوث العالم بدون القول بانتماء تخصيص زمان الحدوث إلى تدبير المدبّر

____________

(1). في الكافى المطبوع: «طباقها».

(2). نهج البلاغة، ص 558، الحكمة 470؛ وعنه في البحار، ج 5، ص 52، ح 86.

(3). التوحيد للصدوق، ص 96، باب معنى التوحيد والعدل، ح 1؛ معاني الأخبار، ص 11، باب معنى التوحيد والعدل، ح 2؛ و عنهما في البحار، ج 4، ص 264، ح 13. و في المصادر: «أن لاتنسب إلى خالقك» ولم أجد في المصادر التي راجعت: «أن لا تثبت لخالقك».

10

لقولهم بعدم زمان قبله، وقوله: «وإثبات المحدث» ردّ عليهم.

أقول‏

: إنّما قال- طاب ثراه-: (

حدوث العالم‏

) للإشارة إلى أنّ حدوث جميع ما سوى اللَّه تعالى ثابت ضرورة؛ إذ الجميع مخلوق مدبَّر، وكلّ مدبَّر حادث قطعاً. ثمّ قال:

(

وإثبات المحدث‏

) أي مَن أحدث جميع ما سواه؛ للإشارة إلى وحدة المدبِّر للجميع، والممتاز عن الجميع قديم البتّة، والقديم لا يكون إلّاواحداً؛ لأنّ لغير الواحد مبدأ لا محالة.

و «الزنديق» بالكسر: الديصاني، يعني الملحد.

قال الفاضل الإسترابادي (رحمه الله):

«الزنديق» من لم يقل بعبادة أحد أصلًا، فعبدة الأوثان وأشباههم واليهود والنصارى والمجوس وكلّ من يعبد شيئاً ليسوا بزنادقة. (1)

وقال في القاموس:

«الزنديق» بالكسر: من الثنويّة، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبيّة، أو من يبطن الكفر ويُظهر الإيمان، أو هو معرّب «زن دين» أي دين المرأة. (2)

وهو ناقص كعقلها. وقيل: هو معرّب «زنديّ» نسبة إلى «زند» كتاب إبراهم زردهشت في المجوس. (3)

(

أشياء

) أي من العلوم القاهرة، والمعجزات الباهرة، والدلالات الظاهرة.

«صادفه»: وجده ولقيه.

(

بمكّة

) أي بعزمها، أو «الباء» بمعنى «إلى» كقولك: أحسن بي، أي أحسن إليّ.

قال في القاموس: وقد يكون الباء للغاية، (4) فذكر هذا المثال.

(

قل ما شئت تُخْصم‏

) على من لم يسمّ فاعله؛ أي تغلب. «خصمتَه في البحث»:

غلبتَ عليه.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 101.

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 242 (زندق).

(3). راجع الوافي، ج 1، ص 312.

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 408 (الباء).

11

وقرأ الفاضل الإسترابادي: على المعلوم، قال بخطّه: أي تخصم نفسك كما سيجي‏ء في حديث العالم الشامي في أوّل كتاب الحجّة. (1)

وضبط برهان الفضلاء كالأوّل.

قال الفاضل صدر الدين محمّد الشيرازي:

سلك (عليه السلام) في الاحتجاج ثلاثة مسالك: الجدل أوّلًا، والخطابة ثانياً، والبرهان ثالثاً؛ تدرّجاً به في الهداية والإرشاد، وعملًا بما أمر اللَّه به الرسول (صلى الله عليه و آله) في قوله عزّ وجلّ في سورة النحل: «ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (2)، فقوله (عليه السلام): «ما اسمك؟- إلى قوله-: قل ما شئت تخصم» هو طريق المجادلة بالتي هي أحسن. وقوله: «أتعلم أنّ للأرض تحتاً- إلى قوله-: وهل يجحد العاقل ما لا يعرف» حجّة على طريق الخطابة. وقوله: «أ ما ترى الشمس والقمر» شروع في البرهان.

فقال بعض المعاصرين:

أمّا المجادلة فظاهرة، وأمّا الحجّة الخطابيّة فتقريرها أن يقال: إنّك إنّما تجحد الربّ الصانع لأنّك لم تره، فإنّك لو كنت رأيته لما جحدته، فلعلّه يكون في موضع لم تشهد أنت ذلك الموضع حتّى تدري ما فيه، فإنّك ما استقصيت الأماكن كلّها بالشهود. (3)

أقول‏

: سبحان اللَّه، لا يذهب عليك أنّ قوله عزّ وجلّ: «وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» هو الأمر بالإتيان بالجدل الممنوع في المناظرة، بل مفسّر بالأمر بإلزام المجادلين بخصلة حسن الخلق. نعم، لا بأس بإتيان المعصوم لإلزام الخصم البرهانَ الجدلي الممدوح الملتئم من المشهورات المسلّمات وفاقاً، أو من الخصم، كحسن الإحسان عند الجميع، وقبح ذبح الحيوانات عند جمع من الهنود، فقوله (عليه السلام): «ما اسمك؟- إلى- تخصم»، برهان جدلي على المنكر بإقراره الذي لا يمكنه إنكاره، وتثريبٌ بتنبيه‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 101.

(2). النحل (16): 125.

(3). الوافي، ج 1، ص 512.

12

منه (عليه السلام) بأنّ العاقل ما أقبح عليه أن ينكر ربّه وسمّاه أبوه وهو ابن سبعة أيّام بأنّه عبده رجاء أن يبقيه و يرزقه ويحفظه ويرحمه بعدما يأتيه اليقين، وسمّى جدّه أباه وهو لم يشعر بعبد الرزّاق، وجدُّ جدِّ جدَّ أبيه بعبد الغفّار، وهكذا إلى أبيه آدم (عليه السلام).

أو برهان خطابي مؤلّف من المقبولات والمظنونات، يعني القضايا المأخوذة ممّن يقبل قوله البتّة، كزعيم كلّ قوم عندهم، والتي تحكم العقول بها راجحاً غير جازم.

أو حجّة برهانيّة منتظمة من اليقينيّات بلزومها المطلوب يقيناً، كقوله (عليه السلام) فيما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال أبو شاكر الديصاني لأبي عبداللَّه (عليه السلام): ما الدليل على أنّ لك صانعاً؟ فقال (عليه السلام): «وجدتُ نفسي لا تخلو من أحد جهتين: إمّا أن أكون صنعتُها أنا، أو صنعها غيرى، فإن كنت صنعتها أنا، فلا أخلو من أحد المعنيين: إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودة، أو صنعتها وكانت معدومة؛ فإن كنت صنعتها وكانت موجودة استغنيت بوجودها عن صنعتها، وإن كانت معدومة فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً، فقد ثبت المعنى الثالث: أنّ لي صانعاً هو اللَّه ربّ العالمين». (1)

قال السيّد الأجلّ النائيني ميرزا رفيعا (رحمه الله):

قوله: «أتعلم أنّ للأرض تحتاً وفوقاً» ابتدأ (عليه السلام) بإزالة إنكار الخصم وإخراجه عن مرتبة الإنكار إلى مرتبة الشكّ؛ ليستعدّ نفسه للإقبال على الحقّ وقبول ما جُبِلت العقول السليمة على قبولها والإذعان بها، فأزال الإنكار بأنّه غير عالم بما في الأرض وتحتها، وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شي‏ء.

فلمّا تقرّر هذا في ذهنه زاده بياناً بأنّ السماء التي لم يصعدها كيف يكون له الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها.

ولمّا تقرّر هذا أيضاً في ذهنه، وأقرَّ بأنّه ليس له معرفة بما فيها، أقبل (عليه السلام) عليه يوبّخه لإنكاره وجودَ إله وصانع السماوات والأرضين وما فيهنّ، ووجود آياته وآثار ربوبيّته وصنعه فيهما التي لو اطّلع عليها لانقلب الشكّ يقيناً والجهل علماً، فلمّا عرف قبح‏

____________

(1). التوحيد، ص 290، باب أنّه عزّوجلّ لا يعرف إلّابه، ح 10.

13

إنكاره لما لا معرفة له بحجّةٍ، وأقرّ بأنّه شاكّ بقوله: «ولعلّ ذلك» تصديقاً لقوله (عليه السلام):

«وأنت من ذلك في شكّ فأخذ (عليه السلام) في هدايته وقال: ليس للشاكّ [دليل‏] (1) وللجاهل حجّة، فليس لك إلّاطلب الدليل على ما هو الحقّ، فكن طالباً واستمع وتفهّم عنّي، فإنّا نتيقّن بوجود الصانع ولا نشكّ فيه أبداً.

فاستدلّ (عليه السلام) على مطلوبه بوجود حوادث من أحوال العالم من السماء وكواكبها والأرض وعوارضها، وقال: «أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار». (2) إلى آخره.

(

فالظنّ عجز لما لا يستيقن‏

) على المجهول. وفي بعض النسخ: «لمن لا يستيقن» على المعلوم بكلمة «من» مكان «ما» يعني فظنّك هذا شكّ؛ لعدم الاستيقان، وعجزِك عن دليل طرف الرجحان، فإنكارك على الاحتمال لما نحن فيه من الأمر العظيم بذلك العظم ليس أمراً سهلًا يمكن لأحد التساهل فيه، فلعلّ الطرف الآخر فمن ينجيك؟

فمثل هذا العجز في مثل هذا النظام يلجأ صاحبه إلى الإقرار بما أخبرك به على ما أخبر ذوو المعجزات الباهرة والدلالات الظاهرة والآيات المتواترة ليأمن من البلاء الذي عرفت عظم شأنه بالاحتمال، وأيضاً سمعت من عظماء العقلاء في كلّ زمان من القديم أنّه حقّ من القديم المتعال.

(

ولم تجز

) بضمّ الجيم من الجواز.

و «ما» في (

ما خلفهنّ‏

) موصولة أو استفهاميّة.

(

فلعلّه هو، ولعلّه ليس هو

) يعني: فلعلّ ما أنت جاحده هو الحقّ وأنت جاحده.

(

وهل يجحد العاقل ما لا يعرف‏

) أي ما لا يعرف حجّة لإنكاره.

(

ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم‏

) يعني:

ليس لعديم الحجّة للمدّعى على القاطع به بالبرهان القاطع، بل له طلب الدليل من العالم ليعلم، فاطلب وتفهّم.

____________

(1). أضفناه من المصدر.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 238- 239.

14

(

أما ترى الشمس والقمر

) إلى آخره. حاصل هذا البرهان: أنّه لا شكّ أنّ هذا النظام مدبّر مملوء من تدبيرات محكمة وتقديرات متقنة بصنائع عجيبة وأفاعيل غريبة، وأنّ كلّ مدبّر لابدّ له من مدبّر قبله. وأيضاً لا شكّ في اضطرار المدبّر الذي أفاعيله على نسق واحد، وأنّ كلّ مضطرّ في فعله لفوائد ظاهرة وغايات باهرة لابدّ له من قاهر عليه أكبر منه، سيّما إذا كان استمرار اضطراره لفوائد مثل هذا النظام العظيم ومصالح هذا النسق القويم، كالشمس والقمر باختلاف مكانيهما ومنطقتيهما وحركتيهما، سرعةً وبطؤاً، للليل والنهار، والفصول والأهلّة وسائر الآثار.

(

يلجان‏

) أي يدخل كلّ واحد منهما في صاحبه ويدخل صاحبه فيه، وذلك بزيادة بعض من هذا على هذا في ثلاثة أشهر وبالعكس في ثلاثة اخرى، وهكذا في ستّةٍ اخرى. وبهذا لا تكرار في قوله (عليه السلام) في الصحيفة الكاملة في دعاء الصباح والمساء:

«يولج كلّ واحدٍ منها في صاحبه، ويولج صاحبه فيه». (1) ولعلّ هذا مراد السيّد الأجلّ النائيني ميرزا رفيعا (رحمه الله) بقوله: أي يدخل شيئاً من الوقت والقدر الذي كان داخلًا في الليل في النهار وبالعكس. (2)

وقال الشيخ بهاء الملّة والدِّين (رحمه الله):

لا تكرار في إيلاج كلّ واحد منهما في صاحبه وصاحبه فيه؛ لأنّ أحدهما بحسب الآفاق الجنوبيّة في عرض السنة، والآخر بحسب الآفاق الشماليّة فيها بعكس الأوّل. (3)

وقال الفاضل الإسترابادي (رحمه الله): «يلجان» معناه أنّ كلّ يوم محفوف بليلتين وبالعكس. (4)

وقرأ برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى: «يلحّان» بالحاء المهملة على المضارع المعلوم من الإفعال، للصيرورة، أي يصيران مجدّاً في السير ومستمرّاً فيه.

____________

(1). الصحيفة السجاديّة، ص 47، الدعاء 6.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 239.

(3). لم نعثر عليه، نعم قال ما يقرب منه في مفتاح الفلاح، ص 136- 137 ولعلّ المصنّف نقل عنه بالمعني.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 102.

15

و «الفاء» في (

فلا يشتبهان‏

) بيانيّة؛ أي قدراً ونسقاً، بل محفوظ ذلك على نسق واحد ونظام محفوظ حتّى يعود إلى مثل ما كان عليه.

وضبط برهان الفضلاء: «ولا يستبهان» بالواو والسين المهملة، أي لا يفتران بطول الدهور مرّاً ومرّاً للأدوار كرّاً. من الاستباه بمعنى شدّة فتور الجسد من فرط الهَرَم.

(

إن كان الدهر يذهب بهم‏

) إلى آخره؛ برهان آخر. حاصله: أنّ الأفاعيل في العالم من الحركات والسكنات وغيرهما في العناصر والمواليد والأفلاك والفلكيّات والفصول والأزمان إن كان من الدهر وكان هو يذهب بالناس حكماً حكي في قوله تعالى في سورة الجاثية: «وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ» (1) وهي على زعم الدهريّة أيضاً على نسق واحد ونظامٍ مضبوطٍ، فلِمَ لا يردّهم إلى الدنيا على ما ذهب بهم من الصور والأذهان والشؤون والأكوان؟! وإن كان يردّهم فلِمَ لا يذهب بهم على ما كانوا عليه من الأعمار؟ فثبت أيضاً أنّ القوم مضطرّون في الإقرار بربوبيّة ربّ العالمين، ومثل هذا العالم بمثل هذا النظام العظيم والنسق المضبوط القويم ينادي كلّ ذرّة منه بأنّه مصنوع مدبَّرٌ مستقيمٌ لصانعٍ مدبّرٍ حكيمٍ عظيمٍ.

وقال بعض المعاصرين:

يعني أنّ إذهابهم وردّهم متساويان في الجواز، فلابدّ في وقوع أحدهما من مرجّح موجب، وينتهي لا محالة إلى واجب بالذات.

ثمّ قال: وكان المراد بإذهابهم إذهابهم إلى العدم والفناء، وبردّهم ردّهم إلى الوجود على سبيل التناسخ كما كانوا يعتقدونه. (2)

أقول‏

: ليس بيانه هذا بيان كلام الحجّة المعصوم في إبطال مذهبهم كما بيّنّا، بل تقرير لمذهبهم بزيادة تثبيت له؛ فإنّ اعتقادهم أنّ المرجّح الموجب للعود بعد آلاف من السنين إلى وضع الدور السابق بعينه هو الدهر. والجواب القاصم ظهورهم: أن ما

____________

(1). الجاثية (45): 24.

(2). الوافي، ج 1، ص 313.

16

اعتقدوا عليه بلا حجّة ثبوته وبطلانه متساويان احتمالًا، وما أبين أنّ ثبوته مجرّد قول بلا حجّة، ومحض خيال بلا بيّنة، وبطلانه ثابت بآيات ثابتات بيّنات، ومعجزات ظاهرات متواترات، ودلالات باهرات متظافرات.

(

لِمَ السماء مرفوعة

؟) يعني السحاب بفوائده المعلومة ومصالحه المنظومة من غير نسق مضبوط في وقته وقدره، والدّهر ومثله والطبيعة ونحوها لا تكون الأفاعيل باعتقادهم إلّاعلى نسق واحد.

(

والأرض موضوعة

) أي بما فيها من العيون والأنهار والبحار بفوائدها ومصالحها بلا نسق مضبوط في القلّة والكثرة والزيادة والنقصان والتكوّن والانعدام، والاختلاف في الأمكنة، والتغيّرات فيها.

(

لِم لا ينحدر السماء على الأرض؟

)؛ أي لِمَ لا ينحدر السحاب بثقله ويمطر دفعة؟

بل بأنحاء مختلفة غير منضبطة، لمصالح بيّنة وفوائد معلومة.

(

لِمَ لا تنحدر الأرض فوق طاقتها؟

) أي أزيد من القدر الذي انغمست به في الماء.

وفي بعض النسخ: «فوق أطباقها» أي بتمامها.

وحاصل المعنى عليهما، أنّ ذلك بتلك الفوائد والمصالح آية بيّنة أيضاً على أنّ المدبِّر حكيم قادر مختار لا مُوجَبٌ، كما ذهب إليه الدهري وغيره من زنادقة الفلاسفة.

في بعض النسخ: «ولا يتماسكان» بالواو للحال مكان الفاء للبيان؛ أي فلو صار كذلك لا يتماسكان ولا يتماسك من عليها، أي فمن يمسكهما ومن على الأرض؟

«أمسكه» و «تماسكه» فتماسك، يعدّى ولا يتعدّى.

وللأصحاب في شرح هذا الحديث، سيّما برهان الفضلاء بيانات مفيدة لم نذكر إلّا يسيراً منها.

(

وحسنت طهارته‏

) أي من رجس الكفر والزندقة. ولا شكّ أنّ حساب من آمن من الزنادقة مع اللَّه سبحانه، فما ذهب إليه جماعة من المتكلِّمين- منهم الشارح‏

17

القوشجي، (1) و [ال] علّامة التفتازاني، (2) والسيّد الشريف من أنّ المعجزات لا يثبت الرسالة إلّا لمن اعتقد وجود الربّ العالم القادر (3)- من الأباطيل.

الحديث الثاني‏

روى في الكافي بإسناده، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَسِّنٍ الْمِيثَمِيِّ، (4) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُتَطَبِّبِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: تَرَوْنَ هذَا الْخَلْقَ؟- وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلى‏ مَوْضِعِ الطَّوَافِ- مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ لَهُ اسْمَ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا ذلِكَ الشَّيْخُ الْجَالِسُ- يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)- فَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَرَعَاعٌ وَبَهَائِمُ.

فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: وَكَيْفَ أَوْجَبْتَ هذَا الِاسْمَ لِهذَا الشَّيْخِ دُونَ هؤُلَاءِ؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: لَابُدَّ مِنِ اخْتِبَارِ مَا قُلْتَ فِيهِ مِنْهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: لَاتَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ مَا فِي يَدِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَا رَأْيَكَ، وَلكِنْ تَخَافُ أَنْ يَضْعُفَ رَأْيُكَ عِنْدِي فِي إِحْلَالِكَ إِيَّاهُ الْمَحَلَّ الَّذِي وَصَفْتَ، فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: أَمَا إِذَا تَوَهَّمْتَ عَلَيَّ هذَا، فَقُمْ إِلَيْهِ، وَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الزَّلَلِ، وَلَا تَثْنِي عِنَانَكَ إِلَى اسْتِرْسَالٍ؛ فَيُسَلِّمَكَ إِلى‏ عِقَالٍ، وَسِمْهُ مَا لَكَ و عَلَيْكَ. (5)

قَالَ: فَقَامَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ، وَبَقِيتُ أَنَا وَابْنُ الْمُقَفَّعِ جَالِسَيْنِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْنَا ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ، قَالَ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ الْمُقَفَّعِ، مَا هذَا بِبَشَرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا رُوحَانِيٌّ يَتَجَسَّدُ إِذَا شَاءَ ظَاهِراً، (6) وَيَتَرَوَّحُ إِذَا شَاءَ بَاطِناً، فَهُوَ هذَا، فَقَالَ لَهُ: وَكَيْفَ ذلِكَ؟ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا

____________

(1). شرح تجريد العقائد، ص 312.

(2). شرح المقاصد، ج 4، ص 94.

(3). شرح المواقف، ج 8، ص 218.

(4). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن‏عبدالرحمن بن محمّد بن أبي هاشم، عن أحمد بن مُحَسِّنِ الميثمي».

(5). في الكافي المطبوع: «أو عليك».

(6). في «ب»: «ظهر».

18

لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرِي، ابْتَدَأَنِي، فَقَالَ: «إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى‏ مَا يَقُولُ هؤُلَاءِ- وَهُوَ عَلى‏ مَا يَقُولُونَ، يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ- فَقَدْ سَلِمُوا وَعَطِبْتُمْ، وَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى‏ مَا تَقُولُونَ- وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ- فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ، وَهُمْ»، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَأَيَّ شَيْ‏ءٍ نَقُولُ؟ وَأَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُونَ؟ مَا قَوْلِي وَقَوْلُهُمْ إِلَّا وَاحِداً، فَقَالَ: «وَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُكَ وَقَوْلُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لَهُمْ مَعَاداً وَثَوَاباً وَعِقَاباً، وَيَدِينُونَ بِأَنَّ فِي السَّمَاءِ إِلهاً، وَأَنَّهَا عُمْرَانٌ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ؟!».

قَالَ: فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا مَنَعَهُ- إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ- أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلى‏ عِبَادَتِهِ حَتّى‏ لَايَخْتَلِفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ؟ وَلِمَ احْتَجَبَ عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ؟

وَلَوْ بَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ.

فَقَالَ لِي: «وَيْلَكَ، وَكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ؟! نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ، وَكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ، وَقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ، وَضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ، وَسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ، وَصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ، وَرِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ، وَغَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ، وَحَزَنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ، وَفَرَحَكَ بَعْدَ حَزَنِكَ، وَحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ، وَبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ، وَعَزْمَكَ بَعْدَ أَنَاتِكَ، وَأَنَاتَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ، وَشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ، وَكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ، وَرَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ، وَرَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ، وَرَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ، وَيَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ، وَخَاطِرَكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ، وَعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ». وَمَا زَالَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ- الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِي، الَّتِي لَاأَدْفَعُهَا- حَتّى‏ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ.

هديّة:

«محمّد بن عليّ الكوفي الصيرفي» يكنّى أبا سُمَيْنَة مصغّرة، كما عيّنه الصدوق (رحمه الله) في إسناده هذا الحديث في كتاب التوحيد. (1)

في بعض النسخ: «أحمد بن محسِّن».

____________

(1). التوحيد، ص 126، باب القدرة، ح 4.

19

و «المتطبّب»: مبالغة في الطبيب، عالم علم الطبّ. ليس التفعّل هنا للتكلّف.

و «العوجاء» بالفتح والمدّ: تأنيث الأعوج. يقال: سليقته عوجاء. واسم ابن أبي العوجاء: عبد الكريم. كان من تلامذة الحسن البصري من القَدَريّة فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟! فقال: إنّ صاحبي كان مخلّطاً، كان يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه.

و «القدر» يُطلق تارةً على التفويض، واخرى على نسبة التقادير والتدابير إلى الماهيّات الثابتة الخالية عن الوجود، كما ذهبت إليه الصوفيّة، ولذا أيضاً تسمّى بالقدريّة، كما تسمّى بها بتضييقهم على أنفسهم بالرياضات الشاقّة المخترعة والنسك الرهبانيّة المبتدعة، من «القدر» بمعنى الضيق؛ وبإثباتهم الأقدار والأشكال والمنازل للربّ سبحانه في سلسلتي البدء والعود باعتقادهم.

قال بعض المعاصرين في كتابه في بيان الحديث الثاني من الباب الثامن والعشرين، (1) وهو باب السعادة والشقاء:

ما قدّر اللَّه على الخلق الكفر والعصيان من نفسه تعالى، بل باقتضاء أعيانهم وطلبهم بألسنة استعداداتهم أن يجعلهم كافراً أو عاصياً [كما تطلب عين الصورة الكلبيّة الحكم عليها بالنجاسة العينيّة] (2) فما كانوا في علمه ظهروا به في وجوداتهم العينيّة، فليس للحقّ إلّاإفاضة الوجود عليهم، والحكم لهم وعليهم فلا يحمدوا إلّاأنفسهم، ولا يذمّوا إلّا أنفسهم، ولا يبقى للحقّ إلّاحمد إفاضة الوجود؛ لأنّ ذلك له، لا لهم. (3) انتهى.

سمعتَ قال فقرة فقرة، والعن دفعةً دفعة.

وفي الحديث بإسناد السيّد المرتضى علم الهدى‏ (4) عن المفيد بإسناده المتّصل إلى عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) أنّه قال: «أما تدري أنّ أخسّ الطوائف الصوفيّة، والصوفيّة

____________

(1). على حسب وفي ترتيب الكافي المطبوع: «الباب الثالث والثلاثون».

(2). أضفناه من المصدر.

(3). الوافي، ج 1، ص 529- 530.

(4). في المصدر: «سيد مرتضى رازي».

20

كلّهم من مخالفينا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلّانصارى ومجوس هذه الامّة، اولئك الذين يجهدون في إطفاء نور اللَّه واللَّه يتمّ نوره ولو كره الكافرون». (1)

وفي توحيد الصدوق بإسناده في باب القضاء والقدر، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): إنّ القدريّة مجوس هذه الامّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ». (2)

و «ابن المقفّع» على اسم المفعول من التفعيل: هو الذي نقل كتب المنطق لأرسطو من اليونانيّة إلى العربيّة لأبي جعفر المنصور الدوانيقي ثاني خلفاء بني العبّاس.

و «المقفّع»: المنكّس الرأس أبداً.

و «القفع» بالتحريك: الضيق والتعب.

و «الرعاع» بلا نقطة كسحاب: الطغام، بالمهملة ثمّ المعجمة، أي الأرذال الذين يخدمون الأراذل لطعام بطونهم.

(

أمّا إذا توهّمت‏

) «أمّا» بالتشديد فللبيان والتفصيل، أو بالتخفيف، فللتنبيه.

وقال السيّد الأجلّ النائيني: «أمّا» للشرط، وفعله محذوف، ومجموع الشرط والجزاء اللذين بعدها جواب لذلك الشرط. (3)

و «تحفّظ» أي نفسك.

(

ولا تثن‏

) أي ولا تصرف.

«ثناه» كرمى: عطفه.

و (

الاسترسال‏

): الاستيناس والطمأنينة إلى الإنسان، والثقة به فيما يجديه، وأصله السكون والثبات.

____________

(1). حديقة الشيعة، ص 603.

(2). التوحيد، ص 382، باب القضاء والقدر، ح 29. والآية في القمر (54): 49.

(3). الحاشية على اصول الكافي، ص 248.

21

الجوهري: استرسل إليه: انبسط واستأنس. (1) يعني ولا تقبل عليه بالسماع والقبول بل بالمراء والنكول؛ لئلّا يقيّدك إلى عقالٍ عظيمٍ من دينه.

(

فيسلّمك‏

) على المعلوم من التفعيل أو الإفعال. قال ابن الأثير في نهايته: أسلم فلان فلاناً: ألقاه إلى التهلكة ولم يَحْمه من عدوّه. (2)

(

وسمّه‏

) أمّا على الأمر من التفعيل كما قيل، (3) فالضمير للمفهوم من السياق مثل: ما ذكر، وما جرى.

و «ما» في (

مالك‏

) بدل أو عطف بيان، أي أعلمه وعيّنه.

وضبطه برهان الفضلاء. «وسِمَة مالك وعليك» بكسر السين، بمعنى العلامة، قال:

يعني فيسلّمك إلى شيئين: إلى عقال يمنعك من الحركة، وعلامة تنفعك، فتعلم ما يضرّك وما ينفعك.

وضبط السيّد السند أمير حسن القائني (رحمه الله): «وسُمْه» على الأمر من سامه يسومه: إذا عرض عليه.

قال ابن الأثير:

وأصله من السّوم في المبايعة وهو طلب الشراء (4)، والعرض على المشتري، وقيل:

ويحتمل: «وشمّة» بالمعجمة، على الأمر من شمّ الطيب كعضّ. قال ابن الأثير: وفي حديث عليّ (عليه السلام) حين أراد أن يَبرُز لعمرو بن عبد وُدٍّ قال: اخرج فاشامُّة قبل اللقاء:

أختبِره وأنظر ما عنده. يقال: شاممت فلاناً إذا قاربتَه وتعرّفتَ ما عنده بالاختبار، وهي مفاعلة من الشمم، كأنّه يشمّ ما عندك وتشمّ ما عنده لتعملا بمقتضى ذلك. (5)

و «الروحاني» بالضمّ: نسبة إلى الرّوح، بمعنى المَلَك.

____________

(1). الصحاح، ج 4، ص 1709 (رسل).

(2). النهاية، ج 2، ص 985 (سلم).

(3). راجع: الوافي، ج 1، ص 317.

(4). النهاية، ج 2، ص 1039 (سوم).

(5). النهاية، ج 2، ص 1223 (شمم).

22

في بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء- «ظاهراً» مكان «

ظهر

» وهو أظهر.

(

وهو على ما يقولون‏

) للحجج القاطعة.

(

وليس كما تقولون‏

) لأنّه ادّعاء بلا حجّة، ومجرّد قول وخيال بلا بيّنة، والتفسير محتمل.

(

عطب‏

) كعلم: هلك.

و (

عمران‏

) بالضمّ: مصدر بمعنى المفعول، وبالكسر: اسم، أي بأصناف الملائكة والحور والقصور.

(

فاغتنمتها منه‏

) أي هذه الدلالة؛ لعلمي بأنّه أعلم الجميع، وحلّال الشبهات والمعضلات كآبائه (عليهم السلام).

و «النشأ» و «النشوء» كالعقد والعقود: الكون والحدوث، ويتعدّى بالهمزة.

و «الأناة»: اسم التأنّي. الجوهري: تأنّى في الأمر: ترفّق وتنظّر، والاسم الأناة مثال قناة، والأناة: الحلم. والأناة من النساء: التي فيها فتور عند القيام. (1)

وضبط بعض المعاصرين: «أنائك» بالنون والهمزة، قال: اسم المصدر أي الفتور والتأخّر، وقرئ: «بعد إبائك» بالمفردة، أي امتناعك. (2)

وفي كتاب التوحيد للصدوق (رحمه الله) «إينائك» (3) على الإفعال من النأي بمعنى البُعد؛ أي الإبعاد والتأخير.

و «العزوب» بالزاي الغيبة والذهاب.

وحاصل الكلام: أنّ العاقل بظهور أثر ذي أثرٍ له يقطع بوجود المؤثّر بحيث لا يفرق بين الظهورين، كما في ظهور النار بظهور الدخان، فكيف بصاحب هذه الآثار في‏

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2273 (أنا).

(2). الوافي، ج 1، ص 317.

(3). كذا في جميع النسخ. و في التوحيد، ص 127: «إبائك». وقال الفيض في الوافي، ج 1، ص 317: «وفي توحيدالصدوق: «إينائك» وهذا دليل النون؛ لأنّ الإبياء بمعنى الامتناع خطأ بخلاف الإيناء بمعنى التأخّر».

23

شخص واحد من أحواله المتضادّة التي ليست تحت قدرته، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وجميعها مدبَّرةٌ مقدّرةٌ لفوائد جميلة ومصالح جليلة بحيث يتحيّر في صنع مُبدِعها تعالى عقول فحول العقلاء وحلوم رؤوس الحكماء.

(

التي لا أدفعها

) أي لا يمكنني دفعها عنّي، فلابدّ من ربٍّ قاهر ومدبّر قادر تعالى شأنه عمّا يقولون.

ليس في بعض النسخ- كما ضبط برهان الفضلاء-: «التي» قبل «لا أدفعها». وفي بعض آخر بزيادة: «بعد أن لم يكن» بعد تمام الحديث.

الحديث الثالث‏ (1)

روى في الكافي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ الرَّازِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بُرْدٍ الدِّينَوَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ عَلى‏ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): «أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَ رَأَيْتَ، إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ- وَلَيْسَ هُوَ كَمَا تَقُولُونَ- أَ لَسْنَا وَإِيَّاكُمْ شَرَعاً سَوَاءً، لَايَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا وَصُمْنَا، وَزَكَّيْنَا وَأَقْرَرْنَا؟» فَسَكَتَ الرَّجُلُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): «وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَنَا- وَهُوَ قَوْلُنَا- أَلَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَنَجَوْنَا؟».

فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَوْجِدْنِي كَيْفَ هُوَ؟ وَأَيْنَ هُوَ؟

فَقَالَ: «وَيْلَكَ، إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ غَلَطٌ؛ هُوَ أَيَّنَ الْأَيْنَ بِلَا أَيْنٍ، وَكَيَّفَ الْكَيْفَ بِلَا كَيْفٍ، فَلَا يُعْرَفُ بِالْكَيْفُوفِيَّةِ، وَلَا بِأَيْنُونِيَّةٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ، وَلَا يُقَاسُ بِشَيْ‏ءٍ».

____________

(1). ورد في الكافي المطبوع قبل هذا الحديث حديث آخر لم يذكره المصنّف هنا، كما لم يذكره صدرالمتألّهين والمازندراني والفيض. وقال في مرآة العقول، ج 1، ص 249: «وليس هذا الحديث [أي الذي لم يذكره المصنّف هنا] في أكثر النسخ».

24

فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِذاً إِنَّهُ لَاشَيْ‏ءَ إِذَا لَمْ يُدْرَكْ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام):

«وَيْلَكَ، لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِهِ، أَنْكَرْتَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَنَحْنُ إِذَا عَجَزَتْ حَوَاسُّنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ، أَيْقَنَّا أَنَّهُ رَبُّنَا بِخِلَافِ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ».

قَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِرْنِي مَتى‏ كَانَ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): (1) «إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلى‏ جَسَدِي، وَلَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَالطُّولِ، وَدَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْهُ، وَجَرِّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ، عَلِمْتُ أَنَّ لِهذَا الْبُنْيَانِ بَانِياً، فَأَقْرَرْتُ بِهِ؛ مَعَ مَا أَرى‏- مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ، وَإِنْشَاءِ السَّحَابِ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ، وَمَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَاتِ الْمُبَيِّنَاتِ- عَلِمْتُ أَنَّ لِهذَا مُقَدِّراً وَمُنْشِئاً».

هديّة:

(

محمّد بن عليّ‏

) كما عيّنه الصدوق (رحمه الله) في إسناد هذا الحديث هو: «أبو سمينة الكوفي الصيرفي» (2).

و (

أبو الحسن‏

) هو الثاني، يعني الرضا (عليه السلام).

(

وليس هو كما تقولون‏

) لأنّه مجرّد مقال بلا حجّة، ومحض خيال بلا بيّنة.

و «الشرع» بالكسر، ويفتح، وبفتحتين: المثل. والجمع أيضاً بالكسر، وبالفتح أيضاً.

وكعِنَب أيضاً؛ ولكونه مصدراً يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع.

و (

سواء

) إذا مددت فتحت، وإذا قصرت كسرت.

(

وهو قولنا

) لمكان الحجج القاطعة، والمعجزات الساطعة، والآيات الباهرة، والدلالات الظاهرة.

(

ألستم قد هلكتم ونجونا

) قال اللَّه تبارك وتعالى: «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (3).

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «أخبرني متى لم يكن، فاخبرك متى كان؟» قال الرجل: فما الدليل عليه؟ فقال أبوالحسن (عليه السلام)».

(2). التوحيد، ص 250، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 3.

(3). الأنعام (6): 81.

25

(

أوجدني‏

): أفْدِني وأفْهِمني.

وقرأ برهان الفضلاء: «هو أيّن الأيّن» كسيّد، يعني من له الأين؛ «وكيّف الكيّف» يعني من له الكيف.

في توحيد الصدوق (رحمه الله) وعيونه: «بكيفوفيّةٍ» (1) منكّرةً، كنظيرتها هنا في عامّة النسخ.

والوجه لِما في هنا أنّ «الكيف» هنا مراد بجميع أفراده، و «الأين» ببعض أفراده.

(

فاخبرني متى كان‏

) لا خلاف في ظنّهم هنا بسقوط كلمات من قلم سالف من نسّاخ الكافي. وفي التوحيد والعيون هكذا: «قال الرجل فاخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن (عليه السلام):

«أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان»، قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): «إنّي لمّا نظرت». الحديث.

قال السيّد الداماد ثالث المعلّمين (قدس سره):

قد تحقّق في الحكمة الإلهيّة أنّه لا يكون لوجود شي‏ءٍ متى إلّاإذا كان لعدمه متى.

وبالجملة، لا يدخل الشي‏ء في مقولة «متى» بوجوده فقط بل بوجوده وعدمه جميعاً، فإذا لم يصحّ أن يقال لشي‏ء: متى لم يكن وجوده، لم يصحّ أن يقال: متى كان وجوده. (2)

(

ومجرى الشمس والقمر

) أي بقدرته تعالى وتقديره وتدبيره فيهما باختلاف مجراهما ومنطقيهما وحيّزيهما لغرض اختلاف الليل والنهار، وفصول الدهور، وأهلّة الشهور، وسائر الآثار؛ لفوائد عظيمة، وأغراض مستقيمة.

الحديث الرابع‏

روى في الكافي بإسناده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ‏ (3) قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَكَ رَبٌّ؟ فَقَالَ: بَلى‏، قَالَ: أَقَادِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَادِرٌ قَاهِرٌ، قَالَ: يَقْدِرُ أَنْ‏

____________

(1). التوحيد، ص 251، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 3؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 120، الباب 11، ح 28.

(2). التعليقة على اصول الكافي، ص 180.

(3). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسحاق الخفّاف، أو عن أبيه، عن محمّد بن‏إسحاق».

26

يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ، لَاتَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَلَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا؟ قَالَ هِشَامٌ: النَّظِرَةَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ.

فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«عَمَّا ذَا سَأَلَكَ؟» فَقَالَ: قَالَ لِي: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «يَا هِشَامُ، كَمْ حَوَاسُّكَ؟» قَالَ: خَمْسٌ، قَالَ: «أَيُّهَا أَصْغَرُ؟» قَالَ: النَّاظِرُ، قَالَ: «وَكَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ؟» قَالَ:

مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ: «يَا هِشَامُ، فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَفَوْقَكَ وَأَخْبِرْنِي بِمَا تَرى‏» فَقَالَ: أَرى‏ سَمَاءً وَأَرْضاً وَدُوراً وَقُصُوراً وَبَرَارِيَ وَجِبَالًا وَأَنْهَاراً، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَلَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ».

فَأَكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ، وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَانْصَرَفَ إِلى‏ مَنْزِلِهِ، وَغَدَا عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ، إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً، وَلَمْ أَجِئْكَ مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً، فَهَاكَ الْجَوَابَ.

فَخَرَجَ الدَّيَصَانِيُّ عَنْهُ حَتّى‏ أَتى‏ بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ، قَالَ لَهُ: يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، دُلَّنِي عَلى‏ مَعْبُودِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «مَا اسْمُكَ؟» فَخَرَجَ عَنْهُ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: كَيْفَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِاسْمِكَ؟ قَالَ: لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ، كَانَ يَقُولُ: مَنْ هذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ؟ فَقَالُوا لَهُ: عُدْ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: يَدُلُّكَ عَلى‏ مَعْبُودِكَ، وَلَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ.

فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، دُلَّنِي عَلى‏ مَعْبُودِي، وَلَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «اجْلِسْ» وَإِذَا غُلَامٌ لَهُ صَغِيرٌ، فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «يَا غُلَامُ‏نَاوِلْنِي‏ (1) الْبَيْضَةَ»، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «يَا دَيَصَانِيُّ، هذَا

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ناولني يا غلام».

27

حِصْنٌ مَكْنُونٌ، لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ، وَفِضَّةٌ ذَائِبَةٌ، فَلَا الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ، وَلَا الفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ، فَهِيَ عَلى‏ حَالِهَا، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ؛ فَيُخْبِرَ عَنْ صَلَاحِهَا، وَلَا دَخَلَ فِيهَا مُفْسِدٌ؛ فَيُخْبِرَ عَنْ فَسَادِهَا، لَايُدْرى‏ أ لِلذَّكَرِ (1) خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثى‏، تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ، أَتَرى‏ لَهَا مُدَبِّراً؟».

قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيّاً، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ إِمَامٌ وَحُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى‏ خَلْقِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ.

هديّة:

يُقال: فلان دَيَصاني بالتحريك؛ أي زنديقٌ ملحدٌ حاد عن الطريق. داص يديص دَيَصاناً: زاغ وحاد.

قال الشهرستاني في الملل والنحل: الديصانيّة طائفة من الثنويّة القائلين بقدم النور والظلمة. (2)

(

قادر

) على كلّ شي‏ء. (

قاهر

) على جميع ما سواه. وبهذا فُسّر «اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ». (3)

(

لا تكبر البيضة

) على المعلوم من المجرّد، أو التفعيل، أو خلافه منه. وكذا (

ولاتصغر الدنيا

).

و (

النَظِرة

) ككَلِمَة: كالمُهلة، أي ألتمس النَظِرَة.

قال الفاضل الإسترابادي بخطّه: قال هشام النظرة لا يجب علينا دفع شبهة الملاحدة والكامل بذلك هو الإمام (عليه السلام). (4)

____________

(1). في الكافي المطبوع: «للذكر» من دون همزة الاستفهام.

(2). الملل و النحل، ج 1، ص 250.

(3). يوسف (12): 21.

(4). الحاشية على اصول الكافي، ص 103.

28

(

حولًا

) أي سَنة.

(

كيت وكيت‏

) مثلّثة الحركة البنائيّة، لا تستعمل إلّامكرّرة، يكنّى بهما عن الحكاية بتمامها.

(

كم حواسّك‏

) أي الظاهريّة.

(

أيّها أصغر

) أي محلّاً.

(

وكم قدر الناظر

) تميزه محذوف، أي كم شبراً مثلًا.

(

فأكبّ هشام عليه‏

)، يقال: كبّه، أي صرعه بوجهه فأكبّ هو. وهذا من الشواذّ أن يكون «فَعَلَ» متعدّياً و «أفعل» لازماً.

(

حسبي يا ابن رسول اللَّه‏

) في جواب الإمام (عليه السلام). هذا في توجيهه ليندفع به الشبهة بحذافيرها، أقوال وبيانات، وأنا أرجو فهمه بعون اللَّه وتوفيقه.

قال برهان الفضلاء:

في هذا الجواب إشكال، وهو أنّ السؤال إنّما هو عن إمكان تعلّق قدرته تعالى بما هو محال بالذات، والجواب لا يطابقه؛ لأنّه تمثيل بما هو ممكن.

ثمّ أجاب: بأنّ ذلك السؤال صورة محضة لا حقيقة لها؛ إذ لا يمكن الإخبار عن مفهومها بغير قضيّة طبيعيّة؛ لأنّ صدق العنوان المحال ليس على فرد ممكن ليمكن انعقاد قضيّة غير طبيعيّة موجبة أو سالبة، وليس هذا بارتفاع النقيضين؛ لأنّ عدم إمكان أن تنعقد قضيّة متعارفة موجبة سالبة المحمول لا يستلزم إمكان انعقاد قضيّة طبيعيّة سالبة بسيطة، كما اشتهر في المنطقيّين أنّ المجهول المطلق لا يخبر عنه، فثبت أنّه تعالى لا عاجز عن ذلك ولا غير عاجز، ولا قادر ولا غير قادر.

وقال السيّد الأجلّ النائيني نحواً ممّا قال برهان الفضلاء حيث قال في أواخر توجيهه: فمرجع السؤال إلى كون شي‏ء واحد من جهة واحدة كبيراً صغيراً معاً، وهذا لفظ ليس له معنى محصّل. (1)

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 259.

29

وقال الفاضل الإسترابادي، بخطّه:

قصده (عليه السلام) أنّ معنى القادر هو المتمكِّن من خلق الممكن، ومعنى العاجز هو غير المتمكّن من خلق الممكن، والذي يمكن هنا الدخول في المشاعر لا الوجود الخارجي. وإنّما أجمل (عليه السلام) في الكلام؛ لأنّهم مكلّفون بأن يكلّموا الناس على قدر عقولهم. (1)

وقال بعض المعاصرين مطابقاً لما قاله استاذه الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي وجماعة من الفضلاء:

هذه مجادلة بالتي هي أحسن، وجواب جدليّ مسكت يناسب فهم السائل، وقد صدر مثله عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فيما رواه الصدوق في توحيده. (2) والجواب البرهاني أن يقال: إنّ عدم تعلّق قدرته تعالى على ذلك ليس من نقصان في قدرته، ولا لقصور في عمومها وشمولها كلّ شي‏ء، بل إنّما ذلك من نقصان المفروض، وامتناعه الذاتي، وبطلانه الصرف، وعدم حظّه من الشيئيّة، كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير تصغير الدنيا أو تكبير البيضة؟ قال: إنّ اللَّه تعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون». (3) وفي رواية اخرى: «ويلك أنّ اللَّه لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممّن يلطّف الأرض ويعظّم البيضة». (4)

ولنا أن نجعل الجواب الأوّل أيضاً برهانيّاً على قاعدة الانطباع بأن نقول: إنّ ذلك إنّما يتصوّر ويتعقّل بحسب الوجود الانطباعي الارتسامي، واللَّه سبحانه قادر على ذلك؛ حيث أدخل الذى تراه جليدة ناظرك. (5) انتهى كلام بعض المعاصرين.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، 103.

(2). التوحيد، ص 130، باب القدرة، ح 11.

(3). التوحيد، ص 130، باب القدرة، ح 9.

(4). التوحيد، ص 130، باب القدرة، ح 10.

(5). الوافي، ج 1، ص 321- 322.

30

أقول‏

: لا شكّ أنّ الإيمان بمعراجه (صلى الله عليه و آله) على ما امرنا به إنّما هو الإيمان بأمرٍ ممكن مقدور له تعالى مع محاليّة دركنا كيفيّة إمكانه ونَهَج وقوعه ببدن جسماني في قليلٍ من الزمان، سائراً على البُراق من مكّة إلى البيت المقدّس، ومنه من الصخرة إلى الرفيق الأعلى، إلى سدرة المنتهى، إلى الحجب، إلى ما شاء اللَّه تعالى بتلك المكالمات باللسان، والمشاهدات بالبصر، وتفرّس عجائبات الملكوت، وتصفّح سرادقات الجبروت، وتصرّف طرائف الجنان، وإمامة الجماعة في ذلك المكان. فالمحال إدراكنا كيفيّة الإمكان ونهج الوقوع، لا الوقوع والإمكان. (1)

فمعنى الجواب أنّ الذي قدر على هذا بهذا النهج الذي لا يدركه الأكمه قبل وقوعه البتّة قادر على هذا أيضاً، لكن بنهج لا يدرك قبل أن يقع، ولا يقع إلّاأن يشاء اللَّه فيقع ويدرك من غير استبعاد واستحالة، كما في مثال الناظر والمنظور للمبصر بعد كَمَهِه، واللَّه العظيم قادر على أن تنفلق سَفَرْجلةً في كفّ رسوله (صلى الله عليه و آله) عن حورائين مخلوقتين منذ ما شاء اللَّه لسلمان وأبي ذرّ رضي اللَّه عنهما، وأن يحشران الناس جميعاً أوّلًا في صعيدٍ واحدٍ. (2) وفسّر الصعيد الواحد بصخرة بيت المقدّس ألا يرى قول الصادق (عليه السلام):

«قادر» وقول أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه): «إنّ اللَّه تعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون» أي لا يقع، لا أنّه لا يمكن، وعدم الوقوع لا يستلزم عدم الإمكان.

ومعنى قوله (عليه السلام): «ومن أقدر ممّن يلطّف الأرض ويعظّم البيضة» أنّ تقييد السائل سؤاله بقوله: «من غير تصغير الدنيا أو تكبير البيضة» دلالة على إمكان ذلك عنده، وتجويزه أن يكون مقدوراً له تعالى بأحد هذين النهجين، فمن أقدرُ ممّن قدر على ذلك بالتصغير أو التكبير؟ فإذا كان ذلك مقدوراً له بهذا النهج كان مقدوراً له أيضاً بلا تصغير أو تكبير بنهج آخر غيرُ مدرَكٍ قبل الوقوع إلّاأن يشاء اللَّه، فيقع ويدرك من غير استحالة في إدراكه بنهجه، فإن خدشك شي‏ء فاجمع خاطرك بالتأمّل في أنّ إيمانك‏

____________

(1). راجع: البحار، ج 37، ص 101، ح 5؛ و ج 43، ص 307- 308، ح 72.

(2). الكافي، ج 2، ص 107- 108، باب العفو، ح 4؛ الوسائل، ج 12، ص 172- 173، ح 15994؛ البحار، ج 2، ص 14، ح 26.

31

بمعراجه (صلى الله عليه و آله) إيمان بمُحالٍ بالذات، أو بممكن مقدورٍ له عزّ وجلّ‏ «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» (1).

(

مسلّماً

) أي لأسلّم عليك.

(

فهاك الجواب‏

) «ها» مقصورة من أسماء الأفعال يلحق بها كاف الخطاب، أي خذ إليك الجواب.

(

ولم يخبره باسمه‏

) حذراً عن الإلزام، وخفّة عِلاوَة التوبيخ، كما مرّ في هديّة الأوّل.

ولا يبعد أن يقال: حذراً عن أن ينقلب منصبه في ولاية المناظرة، فيصيرَ مستدلّاً بعد كونه مانعاً فيخَبَرَ عن صلاحها.

(

ولا دخل فيها

) في بعض النسخ: «ولم يدخل فيها» يعني ليس لك خبر عن داخل مثل الحصن في الكفّ، لا عن صلاح داخله، ولا عن فساد داخله، فتعريض بأنّ القاصر فهمه عن مثل هذا- فضلًا عن مثل الدنيا بسماواتها وأرضيها وما فيهنّ وما بينهنّ وما فوقهنّ وما تحتهنّ- لا يمكنه درك الخالق المدبّر الحكيم لمثل هذا النظام العظيم بهذا النسق القويم بكنهه، فلا وجه لإنكاره سوى الجهل والحماقة، أو العناد والسفاهة، ودلائل ربوبيّته ظاهرة، وآثار قدرته باهرة، وشواهد صنعته متظافرة، وآيات حكمته متوافرة، وبيّنات حجّته متواترة.

(

فأطرق مليّاً

) أي زماناً طويلًا. بارك اللَّه له في جودة تأمّله وحسن إيمانه.

الحديث الخامس‏

روى في الكافي، عَنْ عَلِيّ، (2) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ؛ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتى‏ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَكَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «لَا يَخْلُو قَوْلُكَ:

«إِنَّهُمَا اثْنَانِ» مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ، أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيّاً وَالْآخَرُ ضَعِيفاً، فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ، فَلِمَ لَايَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَيَتَفَرَّدَ بِالتَّدْبِيرِ؟ وَإِنْ‏

____________

(1). الملك (67): 1.

(2). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم».

32

زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ، وَالْآخَرَ ضَعِيفٌ، ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ كَمَا نَقُولُ؛ لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ فِي الثَّانِي.

فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُمَا اثْنَانِ، لَمْ يَخْلُوا (1) مِنْ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ كُلِّ وجِةٍ، (2) أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً، وَالْفَلَكَ جَارِياً، وَالتَّدْبِيرَ وَاحِداً، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ، وَائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلى‏ أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ.

ثُمَّ يَلْزَمُكَ- إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ- فُرْجَةٌ مَّا بَيْنَهُمَا حَتّى‏ يَكُونَا اثْنَيْنِ، فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا، قَدِيماً مَعَهُمَا، فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ، فَإِنِ ادَّعَيْتَ ثَلَاثَةً، لَزِمَكَ مَا قُلْتُ فِي الِاثْنَيْنِ حَتّى‏ يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَةٌ، فَيَكُونُوا خَمْسَةً، ثُمَّ يَتَنَاهى‏ فِي الْعَدَدِ إِلى‏ مَا لَانِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ».

قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ أَنْ قَالَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ دَلَّتْ عَلى‏ أَنَّ صَانِعاً صَنَعَهَا، أَلَا تَرى‏ أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلى‏ بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ، عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَلَمْ تُشَاهِدْهُ؟» قَالَ: فَمَا هُوَ؟ قَالَ: «شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ؛ ارْجِعْ بِقَوْلِي إِلى‏ إِثْبَاتِ مَعْنىً، وَأَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَاجِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، لَاتُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ».

هديّة:

قد أورد ثقة الإسلام طاب ثراه هذا الحديث في الكافي متفرّقاً، فأورد أوائله هنا، ثمّ أعاد بعضها مع واسطة في الباب التالي تارةً، وفي باب آخر بعد باب صفات الذات اخرى مقتصراً على بعضها، وبعض أواخره في باب الإرادة، وبعضها في باب الاضطرار إلى الحجّة في كتاب الحجّة، وكرّر ذكر الإسناد.

و (

الفُقَيمي‏

) بالتصغير، نسبة إلى فُقَيم بن دارِم بن مالك بن حنظلة: أبو حيّ من تميم‏

و «فُقَمي» ك «هُدلي» نسبة إلى فُقَم، كصُرد: أبوحيّ من كنانة.

(

من أن يكونا قديمين قويّين‏

) إشارة على الاتّفاق من الثنويّة أيضاً على قدم المبدأ؛

____________

(1). في الكافي المطبوع: «لم يخل».

(2). في الكافي المطبوع: «جهةٍ».

33

لحاجة الحادث إلى مؤثّر قديم لامحالة ولو بالواسطة.

(

فلم لايدفع‏

) بيان للزوم فسادين على الفرض:

أحدهما

: محاليّة الفرض؛ لأنّ معنى كون كلّ منهما قويّين قاهريّته على جميع ما سواه، وكلّ منهما داخل فيما سوى الآخر.

والثاني‏

: لزوم التعطيل في التدبير من الجانبين كما إذا كانا عاجزين. فلظهور فساد هذا الشقّ ببيان الطرفين لم يذكر.

فإن قلت‏

: «إنّهما اثنان» دفع دخل في الشي‏ء الأوّل، أي لا يقال: لِمَ لا يجوز أن يكونا قويّين متّفقين في التدبير؛ أو برهان آخر.

وحاصل الجواب على التقديرين: أنّ وحدة نسق التدبير ونظم الانتظام واستمرارهما كما يدلّ على بطلان التخالف المقتضي للاختلاف يدلّ على عدم الحاجة إلى مدبّرين مستقلّين في التدبير مع التساوي في الاستقلال.

(

والفلك جارياً

) يحتمل ضمّ الفاء وسكون اللام، فعلى الاستعارة أو على الحقيقة؛ أي بالرّياح بأمر مدبّرها.

(

ثمّ يلزمك‏

) برهان آخر.

والمراد ب «الفرجة» بالضمّ: ما به الامتياز، واللّازم هنا خلاف الفرض والتسلسل.

قال الفاضل الإسترابادي:

«لا يخلو قولك: إنّهما اثنان» ذكر (عليه السلام) أدلّة ثلاثة [على أنّ خالق الممكنات شخص واحد جلّ جلاله‏] (1) والأوّلان تقريران لبرهان التمانع المذكور في كتاب اللَّه، وهما مبنيّان على أنّ صانع الممكنات منزّه عن النقص، وهذه مقدّمة واضحة. وتقرير برهان التمانع الدالّ على وحدة الخالق مذكور في الكتب الكلاميّة كشرح المقاصد. (2)

وملخّص الدليل الثالث: أنّه يمتنع التعدّد، وإلّا لزم التسلسل؛ لأنّه لو وجد واجبان لوجد

____________

(1). أضفناه من المصدر.

(2). شرح المقاصد، ج 2، ص 63.

34

ذو فرجة، أي مركّب من شخصين متمايزين فيكون واجباً ثالثاً؛ لأنّه وجد من غير تأثير فاعل، فيلزم ذو فرجتين اخريين‏ (1) أحدهما مركّب من الأوّل والثالث، وثانيهما من الثاني والثالث، وهكذا، فيلزم امور قديمة غير متناهية غير ممكنة؛ لأنّها وجدت من غير تأثير فاعل.

فإن قلت: إنّما يكون التركيب بين الأشياء الخارجة بعضها عن بعض، ولولا ذلك لزم وجود امور غير متناهية في كلّ ما وجد فيه أمران، فيمتنع التركيب بين الشي‏ء وجزئه.

قلت: هذه المقدّمة ودليلها صحيحان، لكن يلزم هنا أن يكون الموجود الثالث بسيطاً غير مركّب من الجزئين؛ لأنّه واجب الوجود، وهكذا في باقي المراتب. ومن اطمأنّ قلبه بالبرهان المذكور في كتب القوم الدالّ على أنّ كلّ دور يستلزم تسلسلًا يطمئنّ قلبه بما حرّرناه، وتلخيصه: أنّه لو توقّف «أ» على‏ «ب» و «ب» على «أ» للزم توقّف «أ» على نفسها ولزم وجود «أ» ثانية مغايرة لنفسها؛ للمقدّمة الصادقة في نفس الأمر، وهي أنّ الموقوف غير الموقوف عليه، وللزم توقّف الألف الثانية أيضاً على نفسها لمقدّمة اخرى صادقة في نفس الأمر، وهي أنّ الشي‏ء ليس إلّانفسه، فيلزم ألفات غير متناهية متوقّفة بعضها على بعض، وكذلك يلزم باءات غير متناهية. (2)

أقول‏

: ما أظهر الفرق بين التسلسل في امور قديمة يلزم من اعتبارها كونها أصلًا في الوجود، وبين التسلسل في امور اعتباريّة لا يلزم من اعتبارها كونها كذلك! والامور الاعتباريّة المحضة قد يكون بعض حيثيّاتها صادقاً في نفس الأمر.

و (

الأفاعيل‏

) جمع افعولة بالضمّ؛ أي الأفعال العجيبة والآثار الغريبة، بتدبيرات محكمة وتقديرات متقنة، لفوائد ظاهرة ومصالح باهرة. وهذا البرهان كما يدفع التعطيل يدفع الإيجاب واقتضاء الطبيعة.

(

مشيّد

) مرتفع، مستحكم.

(

مبنيّ‏

) مراعى في بنائه ما يراعى من المصالح والحِكم.

____________

(1). في جميع النسخ: «فرجتان آخران». والصحيح ما أثبتناه؛ لأن «ذو» لا تستعمل إلّامضافة.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 105.

35

(

ارجع بقولي‏

) أي افهم من قولي شي‏ء بخلاف الأشياء.

(

إثبات‏

) مسمّى له الأسماء الحسنى، وهو أحديّ المعنى، بمعنى أنّه لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وهم، كذلك ربّنا، فلا يشاركه شي‏ءٌ في شي‏ء حتّى في مفهوم الشي‏ء؛ فإنّ شيئيّته ليست كشيئيّة الأشياء، كما أنّ وحدته ليست كوحدة الأعداد، وهذا معنى أنّه شي‏ء بحقيقة الشيئيّة.

وفتح الهمزة في «أنّه» أولى لا إثبات مجرّد اسم ملتئم من الحروف.

وقرأ برهان الفضلاء: «أرجع» على المتكلّم وحده. وضبط كما في بعض النسخ بزيادة: «ولا يجسّ» بالجيم بعد «ولا يحسّ»، وصرّح بأنّهما على المعلوم؛ أي لا يحسّ بآلة ولا يجسّ بجارحة يد، وكذا في «ولايدرك» أي ولا يدرك الأشياء بالحواسّ الخمس.

«جسّه» بالجيم، كمدّ: مسّه، ومنه المجسّ، الموضع الذي يجسّه الطبيب. وسنذكر تمام قول برهان الفضلاء.

وقال بعض المعاصرين مطابقاً لما قاله صدر الدِّين محمّد الشيرازي:

قوله (عليه السلام): «لا يخلو قولك- إلى قوله-: فإنّ قلت» مبنيّ على ثلاث مقدّمات مبيّنة في كتب الحكمة مضمّنة في كلامه (عليه السلام)

إحداها: أنّ صانع العالم لابدّ أن يكون قويّاً مستقلّاً بالإيجاد والتدبير لكلّ واحدٍ واحدٍ والجميع.

والثانية: عدم جواز استناد حادثٍ شخصي إلى موجدين مستقلّين بالإيجاد.

والثالثة: استحالة ترجّح أحد الأمرين المتساويّين على الآخر من غير مرجّح، وقد وقعت الإشارة إلى الثلاث بقوله (عليه السلام): «فلِمَ لا يدفع كلّ واحدٍ منهما صاحبه» ثمّ دفع كلّ واحدٍ منهما صاحبه مع أنّه محال في نفسه مستلزم للمطلوب.

وقوله (عليه السلام): «لِمَ لا يخلو» برهان آخر مبنيّ على ثلاث مقدّمات حدسيّة:

إحداها: أنّ كلّ متّفقين من كلّ وجه بحيث لا تمايز بينهما أصلًا لا يكونان اثنين، بل هما واحد ألبتّة، كما قال الشيخ الإلهي صاحب حكمة الإشراق: صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلّما فرضته ثانياً فإذا نظرت فهو هو.

36

والثانية: أنّ كلّ مفترقين من كلّ جهة لايكون صنع أحدهما مرتبطاً بصنع الآخر، ولاتدبيره مؤتلفاً بتدبيره بحيث يوجد عنهما أمر واحد شخصي.

والثالثة: أنّ العالم أجزاؤه مرتبط بعضها ببعض كأنّ الكلّ شخص واحد.

وقوله (عليه السلام): «ثمّ يلزمك» إمّا برهان ثالث مستقلّ على حياله، وإمّا تنوير للثاني وتشييد له على سبيل الاستظهار، بأن يكون إشارة إلى إبطال قسم ثالث، وهو أن يكونا متّفقين من وجه ومفترقين من وجه آخر، فيقال: لو كانا كذلك يكون لا محالة ما به الامتياز بينهما غير ما به الاشتراك فيهما، فيكونوا ثلاثة.

وإلى البرهان الثاني أشار ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد بإسناده عن هشام بن الحكم، قال: قلت لأبي عبداللَّه (عليه السلام): ما الدليل على أنّ اللَّه واحد؟ قال: «اتّصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزّ وجلّ: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»». (1)

وروى فيه أيضاً بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام؛ فوجهان منها لا يجوزان على اللَّه تعالى، ووجهان يثبتان فيه. فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال: ثالث ثلاثة، وقول القائل:

هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه؛ لأنّه تشبيه، وجلَّ ربّنا وتعالى عن ذلك. وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنّه ربّنا أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ» (2). (3) انتهى قول بعض المعاصرين مطابقاً لُاستاذه.

أقول‏

: سبحان اللَّه غرض صاحب حكمة الإشراق من قوله: صرف الوجود الذي لا أتمّ منه- إلى قوله-: فهو هو- كما صرّح به فيها-: بيان حقيقة التوحيد على معتقده، ولا حقيقة للتوحيد عند الصوفيّة القدريّة القائلين بوحدة الوجود سوى هذا، وتوحيدهم‏

____________

(1). التوحيد، ص 250، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 3، والآية في الأنبياء (21): 22.

(2). التوحيد، ص 83- 84، باب معنى الواحد والتوحيد والموحّد، ح 3.

(3). الوافي، ج 1، ص 330- 331.

37

هكذا كفر باللَّه العظيم. ألا تعجب من استشهاد هذين الفاضلين بقوله، ثمّ بحديث أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه: «أنّه ربّنا أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ». والخالق عند القائلين بوحدة الوجود هو بحت الوجود، والمخلوقات شؤوناته وأكوانه وتشكّلاته في سلسلتي البدو والعود على معتقدهم، وليس بدّ لهم من القول بِقِدَم العالم، والتناسخ صورة الوجود البحت، وبهذيانات آخر، كما عرفت مراراً. سبحان اللَّه «هو خِلْوٌ من خَلقه، وخلقه خِلْوٌ منه». (1) «لا تدركه الأوهام وهو بكلّ شي‏ءٍ محيط، وأنّه شي‏ء بحقيقة الشيئيّة، بمعنى أنّ شيئيّته مباينة بالذات لشيئيّة جميع ما سواه، كما أنّ وحدته لوحدة كلّ واحد من الداخل وحدته في باب الأعداد.

قال برهان الفضلاء:

معنى «شّي‏ء بخلاف الأشياء» أنّ أسماءه جميعاً مشتقّات، والذات- كما ثبت عند أهل العربيّة- مبهمة في المشتقّات وخارجة عن مفهومها، فمعنى «أرجع بقولي إلى إثبات معنى» إلى إثبات مسمّى يكون اسمه غيره؛ أي يكون اسمه مشتقّاً، فإنّ الجامد من الأسماء كالجسم والبلّور والخبز عين مسمّاه. وسيبيّن في الباب الخامس في أوّله إن شاء اللَّه تعالى.

وقول الشيخ إلالهي-: صِرْف الوجود، إلى آخره حجّة ثانية على بطلان وحدة الوجود من حيث لا يَشْعُر؛ لأنّ كلّ شي‏ء كلّما فرضته ثانياً، فإذا نظرت فهو هو، إلّااللَّه سبحانه، وهو «شي‏ء بخلاف الأشياء». وفي الحديث الأوّل من الباب الثاني: «فما وقع وهمك عليه من شي‏ء فهو خلافه، ولا يشبهه شي‏ء، ولا تدركه الأوهام» الحديث.

وليس معنى قوله (عليه السلام): «دلّ بصحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد»:

أنّ العالم بجميع أجزائه المرتبط بعضها ببعض كشخص واحد له أعضاء وشؤونات على قاعدة وحدة الوجود كما صرّحوا به في كتبهم، بل المعنى أنّ كلّ واحد من صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر دلالة التوحيد.

أمّا الأوّل فظاهر؛ لصحّة أمر حجّيّة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) بالمعجزات الظاهرة

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 82- 83، باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء، ح 3 و 5.

38

والدلالات الباهرة.

وأمّا الثاني؛ فلأنّ العالم بنظامه مدبَّرٌ لا محالة، وكلّ مدبَّرٍ حادثٌ قطعاً، وسلسلة الحدوث ينتهي ألبتّة إلى قديم واحد، وإلّا تسلسل بالعلّة في الحدوث، وبالفرجة في التعدّد. وهذا معنى قوله (عليه السلام): «اتّصال التدبير». (1)

وأمّا الثالث، فله معنيان:

الأوّل: عدم الاختلاف بين اولي الأمر ذوي المعجزات المتوافرة والدلالات المتواترة في اصول الدِّين وأصلها التوحيد.

والثاني: اتّفاق جميع الناس في الحكم بأنّ الصنعة في خلقة الماء إنّما هي صنعة من خلق النار، والصنعة في خلقة النار إنّما هي صنعة من خلق الهواء، وهكذا من البَعوضِ إلى الفيل، ومن الأرض إلى السماء، من نجوم الأرض وأشجارها إلى ثوابت النجوم وسيّارها، من ناشطات شواهق الجبال إلى ناشطات أبراج الأطباق، من طرائف لجج البحار ونفائس نتايج المعادن إلى عجائبات أعنان الجوّ وأطراف الآفاق بلاتفاوت في صنائع القدرة ولطائف تدبير الصنع بالاتّفاق. وهذا هو توحيد الفطرة، فطرة اللَّه التي خلق الناس عليها، (2) قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة الملك: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ» (3)، و «الفطور» جمع الفَطْرة بالفتح، وهو الشَقّ، يعني الذي ينافي اتّساق النظام ونسق الانتظام، قال اللَّه عزّ وجلّ في سورة الطول: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ* هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (4).

____________

(1). التوحيد، ص 250، باب الرد على الثنويّة والزنادقة، ح 2.

(2). إشارة إلى الآية 30 من سورة الروم (30).

(3). الملك (67): 1- 4.

(4). غافر (40): 64- 65.

39

ومن بيانات الفاضل الإسترابادي (رحمه الله) أنّه:

قد ظهر من كلامه (عليه السلام) أدلّة اخرى:

منها: أنّه لو وجد واجبان للزم اجتماع الوجوب والإمكان في الموجود الثالث.

ومنها: أنّه لو وجد واجبان للزم وجود ممكن، وهو الموجود الثالث بغير تأثير فاعل؛ لبداهة أنّ وجود المجموع غير محتاج إلى تأثير.

ومنها: أنّه لو وجد واجبان للزم وجود واجب يمتنع أن يكون صانعاً؛ لأنّ الموجود الثالث بمنزلة الحجر الموضوع بجنب الإنسان، وبمنزلة مجموع نفس زيد ونفس عمرو.

وحاصل الدليل الأوّل: أنّه لو كان اثنين لدفع الآخر هذا الإله المُرسِل للرّسلِ؛ لإقرار الناس بأنّه لا شريك له بمثل فعله، ولم يدفع.

وحاصل الثاني: أنّه لو كان اثنين لدفع الآخر آثار هذه الإله ولم يدفع ولم يفعل. ومن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو كان له سبحانه شريك، فأين رسل شريكه؟ تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً». (1)

الحديث السادس‏

روى في الكافي، بإسناده عَنْ ابْنِ مُسْكَانَ‏ (2)، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَفى‏ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِخَلْقِ الرَّبِّ الْمُسَخِّرِ، وَمُلْكِ الرَّبِّ الْقَاهِرِ، وَجَلَالِ الرَّبِّ الظَّاهِرِ، وَنُورِ الرَّبِّ الْبَاهِرِ، وَبُرْهَانِ الرَّبِّ الصَّادِقِ، وَمَا أَنْطَقَ بِهِ أَلْسُنَ الْعِبَادِ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ، وَمَا أَنْزَلَ عَلَى الْعِبَادِ، دَلِيلًا عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ».

هديّة:

(

الزهري‏

) كهذلي: نسبةٌ إلى زهرة. وزهرة بن كلاب: أبو حيّ من قريش. وبنو زهرة: جماعة من الشيعة بحلب.

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 105.

(2). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يعقوب، قال: حدّثني عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن‏البرقي، عن أبيه، عن عليّ بن النُعمان، عن ابن مسكان».

40

«الباء» في (

بخلق الربّ‏

) كما في‏ «وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً» (1).

قال في القاموس: وتكون زيادة واجبة، كأحسن بزيدٍ، أي أحسن زيد، أي صار ذا حسن. وهي في فاعل كفى: ك «كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً». (2)

و (

المسخّر

) على اسم الفاعل من التفعيل. واحتمال اسم المفعول منه حتّى تكون الأوصاف كلّها للمضاف- كما قيل- ليس بشي‏ء، فغير الأوّل كذلك؛ أي بمخلوقاته وهو مسخّر لها وبسلطنته إلى آخر الحديث. يعني كفى لذوي العقول دليلًا على توحيد ربّ العالمين بالتدبير المبين في الصنع المتين كلّ واحد من هذه الثمان من الحجج القاطعة والبراهين الساطعة القاصمة ظهور (3) الزنادقة من الفلاسفة وأهل التناسخ والثنويّة والدهريّة والقدريّة، ومن مذاهبهم حدوث الأفاعيل والآثار باللزوم والإيجاب واقتضاء الطبائع والاتّفاق.

أمّا الحجّة الاولى‏

: فإنّا رأينا وثبت أنّ العالم مسخّر بجميع نظامه من المركز إلى المحدّب في الحركات، والسكنات، والتحيّز، ومقتضى الطبائع والإرادات، فلا الرّبع المسكون يمكنه عدم الانكشاف بمقتضى الطبيعتين، ولا الهواء في الجوّ يمكنه السكون إذا كان مقتضى طبيعته ذلك، ولا التحرّك بنهج واحد وقدر مضبوط ووقت خاصّ كذلك، ولا السحاب المسخّر بين السماء والأرض يمكنه السقوط على الأرض حين تثاقله جدّاً. وأظهر من الشمس، أنّ الشمس لم يتحيّز بمقتضى طبعها في الفلك الرابع في ذلك الحيّز الخاصّ منه، وكذا القمر في السماء الدنيا. وفوائد وضع المنطقتين في نظام المشارق والمغارب، واختلاف الأيّام، وليالي الدّهور، وفصول السنين، وأهلّة الشهور، وغير ذلك من الآثار الظاهرة والآيات الباهرة، بنظم واحد متّسق، ونسق خاصّ متّفق، علمنا وثبت أنّ القاهر لجميع هذه المدبّرات المسخّرات ربٌّ قديم‏

____________

(1). النساء (4): 79.

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 480 (الباء).

(3). جمع «ظَهْر».

41

واحد؛ لوجوب الغلبة بالربوبيّة، والتغاير بالخالقيّة، وبطلان التعدّد عقلًا وجمعاً.

وأمّا الحجّة الثانية

: فيبنى نظامها على الملك والسلطنة، بأنّه ليس بدّ في مثل هذا النظام العظيم بهذا النسق القويم، من ملك قادر وسلطان قاهر؛ لتخصيص كلّ جرم من الأجرام العلويّة بوضع خاصّ وحيّز مخصوص، وكلّ قسم من الأجسام السفليّة بمحاذاة معيّنة ومكان معلوم مع اتّحاد الطبيعة في عامّة الأجزاء في غالب الأجرام، كما في تمام بعض الأقسام في عامّة الأجسام.

والحجّة الثالثة

: ينتظم نسقها على الجلالة والعظمة، بأنّ جلالة الآثار الظاهرة وعظمة الآيات الباهرة بحيث لا تدرك الأوهام قدرها بالأنظار، وتحيّرت عقول الفحول عند ملاحظتها بالأفكار، دلالة ظاهرة على أنّها إنّما هي بتدبير عظيم من ملك عظيم قادر، وتقدير جليل من سلطان جليل قاهر، سبّوح عن العجز والنقصان، قدّوس عن الحاجة إلى الأعوان. وقد ثبت عقلًا وسمعاً- كما باختلاف المنظر في الهندسة- أنّ مقدار جرم الشمس- وهو يرى بالأنظار قدر وأحد من الأشبار- ثلاثمائة وستّون أضعاف كرة الأرض. فانظر إلى فلك القمر وسعته، وهو كحلقة في جيب الثاني، والثاني كحلقة في جيب الثالث وهكذا، فلو جلّلته عدّة من الشموس كما قد يجلّل لبنات من الذهب سقفاً من السقوف يكون مقدار كلّ لَبِنَة من تلك اللّبنات ثلاثمائة وستّين أمثال تمام الأرض، والأرض ربعها مكشوف، ونصف ربعها- لا بل نصف ثمنها تقريباً- سبعة أقاليم من خطّ الاستواء إلى عرض التسعين، ومن الافق الغربي إلى الافق المبين، فتبارك اللَّه ربّ العالمين، عظمت قدرته وجلّت عظمته.

والحجّة الرابعة

: ينوّر برهانها بالنور الباهر الممتاز المتميّز به، لا باقتضاء الطبيعة والإيجاب النور من النور والظلمة، والظلمة من الظلمة والنور، والحقّ من الباطل، والصلاح من الفساد، والإيمان من الكفر والضلال، وهو نور الأنوار، وقد قال (صلى الله عليه و آله): «أوّل ما خلق اللَّه نوري»، (1) و «أنا وعليّ من نور واحد» (2).

____________

(1). عوالي اللآلي، ج 4، ص 100، ح 140؛ وعنه في البحار، ج 1، ص 97، ح 7.

(2). الخصال، ص 31، ح 108؛ وعنه في البحار، ج 35، ص 34، ح 33.

42

والحجّة الخامسة

: يبرهن بالبرهان الصادق القرآن المجيد وقَيِّمَه الناطق.

والحجّة السادسة

: يتنطّق بإحكام الصنع والتدبير في الإنسان، وإتقان الخلق والتقدير، وبتقدير في الأبدان، من حالة العلقة إلى الصورة وتمام الخلقة. والعينان أوّلًا نقطتان في المضعة تدركان بالبصر أم لا، ثمّ يصلان بصنع القدرة في طبقاتهما وجلدتيهما- كما ترى- إلى حيث يصل، ويرى شعاع نورهما في لَمْحة هيئات النجوم وأشكال البروج في فلك البروج. وكذا الاذنان أوّلًا، ثمّ يصلان إلى حيث يسمعان الصوت الذي قد يصير بحركة الشفتين واللِّسان حروفاً مبيّنة سائرة متدرّجة من مبدأ الفم على دُرَج تموّج الهواء إلى منتهى الصماخ. وكذا كلّ عضو من الأعضاء من الفرق إلى القدم بأفاعيله وخواصّه، ثمّ مِنْ أوّل النشوء إلى أرذل العمر، وما أنطق اللَّه به اللّسان انمُوذَج من سائر الصنائع والتدابير في الأبدان. قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة المؤمنون: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ» (1). والجميع في جميع الأحوال باختلافها، وتمام الأوضاع بتغايرها مربوب محتاج في بقاء بنيان البدن وسلامته من الآفات إلى ربٍّ متّصفٍ بما رخّص العباد في الاعتقاد بأنّه متّصف به من الصفات. وقد قال أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه): «من عرف نفسه فقد عرف ربّه». (2)

والأركان الأربعة لبيت المعرفة كما قال الصادق (عليه السلام): «معرفة العبد ربّه، ونفسه، وأنّه لماذا خلقه، وعدوّ دينه» (3). وظاهر أنّ جميع البيانات والكلمات التي صدرت وتصدر

____________

(1). المؤمنون (23): 12- 16.

(2). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ح 20، ص 292، ح 339. ورواه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) في البحار، ج 2، ص 32، ح 22.

(3). لم نعثر عليه.

43

إلى آخر الدنيا من أهل المعارف الحقّة إنّما هو بيان لهذه الكلمات الأربع، ولقد كفى بإيماننا بياناً كافياً لأهل الإيمان.

أمّا معرفة العبد ربّه، فبما عرّفه به نفسه، وأخبر به حججه المعصومون (صلوات اللَّه عليهم).

وأمّا معرفة العبد نفسه، فبما أشرنا إليه من العلم بالنطفة وحالاتها وعجائب صنائع الربّ تعالى، وغرائب تدابيره فيها.

وأمّا معرفة العبد أنّ خالقه لماذا خلقه، فإيمانه بأنّه تبارك وتعالى إنّما خلقه للمعرفة والطاعة بطاعة مفترض الطاعة فيما أمر به ونهى عنه من العقائد والأعمال.

وأمّا معرفة العبد عدوّ دينه، فبما أخبر به الحجج (عليهم السلام) من ذلك أنّ ذلك اللّعين الرئيس للشياطين عدوٌّ مبين غير مبين لأنظار الناظرين يجي‏ء ببغضه وعداوته؛ لكي يضلّ بني آدم من جهات الستّ، وهم لا يرونه ولا يشعرون به، وله مجرى في الأبدان مجرى الدم في العروق، وقد ينفذ الرئيس- وليس لهم سلطان على الذين آمنوا- في بدن رئيس من الصوفيّة وجماعة من أبالسته في طائفة من المريدين فيرقصون ويَرْقُصُونهم، فتجدهم حالة المصروعين الذين يتخبّطهم الشيطان من المسّ، وتحمرّ عيونهم وألوانهم ويجدون فيهم قوّةً وحالة لم تكن من قبل، ولا يشعرون أنّها من الشيطان، بل يقطعون أنّهم شربوا شراب التوحيد واتّصلوا كالقطرة إلى بحر التجريد، وهم واصلون إلى جهنّم وبئس المصير. لا يرضى هؤلاء الملحدون- كما صرّح به ابن العربي في فتوحاته- بمنزلة الإمامة أو بمرتبة النبوّة، ويدّعون ما يدّعون. قال اللَّه عزّ وجلّ في سورة يس: «أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» (1).

والحجّة السابعة

: تعجز الزنادقة بالمعجزات الظاهرة والدلالات الباهرة للحجج المعصومين الممتازين عن الجميع حسباً ونسباً إلى آدم (عليه السلام)، وقد ضبط نسب موسى‏

____________

(1). يس (36): 77.

44

بن جعفر (عليهما السلام) عند فحول العلماء وأهل التاريخ من المؤالف والمخالف في الأصلاب الطاهرة إلى هابيل بن آدم (عليهما السلام)، فأين نسب الثاني وهو شرّ الثلاثة ومعتمدهم؟ نعم، ضبط بالاتّفاق أنّ امرأة واحدة كانت اخته وامّه وعمّته، وأين نسب ابن العربي صاحب الفتوحات المكّيّة، والبسطامي صاحب سبعين معراجاً في ليلة من ليالي الجمعة، والحلّاج وهو على معتقدهم صاحب الصور وآية «وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» (1) في سورة القارعة! وهم لا يشعرون أنّ حلّاجهم صار محلوجاً من قبل في أي جهنّم من دركات النار؟ وأين نسب الرومي؟ وهو عندهم صاحب القرآن الفارسي، وفي الدفتر الخامس من قرآنه: أنّ الشريعة بمنزلة الدّواء للمريض والإكسير لعمل الكيمياء وأنّ السالك يصل برياضته الكاملة إلى حيث يصحّ ويبرأ من الأمراض النفسانيّة، فيصير صفره ذهب، فينجو عن قيد الشريعة وأسْرها، حلالها وحرامها، فيحلّ له ما كان حراماً من شرب الخمر ونكاح الامّ والبنت والاخت ونحو ذلك‏ (2)، كما في شرع المجوس، وقد قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «القدريّة مجوس هذه الامّة» (3). فاعرف عدوّ دينك واستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وتوكّل على العزيز الرحيم.

والحجّة الثامنة

: كما تعاقب الملاحدة بتعاقب العقوبات النازلة العاجلة وتتابع الآفات المتواترة الشاملة على أهل العناد من العباد، كأصحاب الفيل، وقوم ثمود، وعاد، وآل فرعون ذي الأوتاد، تعذّبهم بالكتب النازلة، والآيات الكاملة في كلّ دهرٍ وزمان إلى قيام القيامة بظهور القائم صاحب هذا العصر والزمان (صلوات اللَّه عليه).

____________

(1). القارعة (101): 5.

(2). إشارة إلى ما قاله المّلا الرومي في مقدمة الدفتر الخامس من المثنوي، وما قاله المصنّف هنا وفهم من كلام الملّاالرومي غير صحيح. راجع المثنوى، ص 726.

(3). عوالي اللآلي، ج 1، ص 166، ح 175؛ جامع الأخبار، ص 161، الفصل 126؛ وعنهما في المستدرك، ج 12، ص 317، ح 14190؛ و ج 18، ص 185، ح 22457.

45

الباب الثانى بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تعالى شَيْ‏ءٌ

و أحاديثه كما في الكافي سبعة:

الحديث الأوّل‏

روى في الكافي بإسناده، عَنْ مُحَمَّدُ بْنِ عِيسى‏، عَنْ التميمي‏ (1)، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ التَّوْحِيدِ، فَقُلْتُ: أَتَوَهَّمُ شَيْئاً؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، غَيْرَ مَعْقُولٍ، وَلَا مَحْدُودٍ، فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ، فَهُوَ خِلَافُهُ، لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ؟! إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ».

هديّة:

يعني أبا جعفر الثاني الجواد (عليه السلام).

و «عبد الرحمان بن أبي نجران التميمي» من رجال الرّضا والجواد (عليهما السلام) ثقة ثقة.

(

أتوهّم‏

) على المتكلّم وحده من التفعّل بتقدير الاستفهام، و «إنّما يتوهّم» في آخر الحديث يعضده.

وضبط برهان الفضلاء: «أتوهّم» على المضارع المجهول الغائبة من باب وعد، بمعنى هل تتوهّم الذات.

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن عبدالرحمن‏بن أبي نجران».

46

«شي‏ء» كلمة من العمومات، عمومها كعموم «العين» وعموم نقيضها كعموم «الممتنع» بالاشتراك المعنوي. وقولك: «شي‏ءٌ ممتنع» على نهج التجوّز.

فكما ثبت أنّ الواحد ممّا سوى اللَّه وحدته من باب الأعداد وشيئيّته كشيئيّة الأشياء، ثبت أنّ وحدة الربّ تعالى إنّما هي حقيقة الوحدانيّة المباينة بالذات لوحدة باب الأعداد، وشيئيّته حقيقة الشيئيّة المخالفة من جميع الجهات لشيئيّة سائر الأشياء. وقد عرفت في الخامس من الباب الأوّل، وهديّته أنّه تبارك وتعالى شي‏ء بحقيقة الشيئيّة، وأنّه أحديّ المعنى، لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد». (1)

(

نعم، غير معقول‏

) في الأذهان، (

ولا محدود

) في الأذهان والأعيان. وقال بعض المعاصرين:

«نعم غير معقول» أي يصدق عليه مفهوم شي‏ء وإن لم يكن شيئاً معقولًا لغيره، ولا محدوداً بحدّ؛ وذلك للفرق بين مفهوم الأمر وما صدق عليه، فهو ليس مفهوم الشي‏ء ولا شيئاً من الأشياء المعقولة وإن صدق عليه أنّه شي‏ء. (2) انتهى.

أقول‏

: ظاهر أنّ حاصل بيانه أنّه عزّوجلّ هو ما صدق مفهوم الشي‏ء، لا مفهوم الشي‏ء، وهو- بعد بنائه على ما ذهب إليه القدريّة من وحدة الوجود- مبنيّ على صحّة صدق بعض المفهومات عليه- سبحانه- بالاشترك المعنوي، وهو شي‏ء بخلاف الأشياء بحقيقة الشي‏ء، وكلّ ما وقع عليه الوهم من شي‏ء فهو خلافه، فلا يصدق عليه مفهوم بالاشتراك المعنوي أصلًا، وهو محيط بجميع الأعيان والأذهان بمفهوماتها الخاصّة والعامّة، ولذا من خاصّته- تبارك وتعالى- أنّه ليس لغيره العلم بكنه ما لا يتناهى. نعم، غير الحجّة إذا كان نظره في التحقيق من عند نفسه لا يلتفت إلى حديث الحجّة، وهو يشرحه أنّه حجّة له أو عليه.

____________

(1). التوحيد، ص 83، باب معنى الواحد والتوحيد والموحّد، ح 3؛ الخصال، ص 2، باب الواحد، ح 1؛ إرشاد القلوب، ح 1، ص 166، باب 50؛ البحار، ج 3، ص 206، ح 1.

(2). الوافي، ج 1، ص 333.

47

الحديث الثاني‏

روى في الكافي بإسناده، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ‏ (1)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام): يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلّهِ عزّوجلّ:

إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ: حَدِّ التَّعْطِيلِ، وَحَدِّ التَّشْبِيهِ».

هديّة:

(

محمّد بن إسماعيل‏

) هو البرمكي، صاحب الصومعة، عيّنه الصدوق (رحمه الله) في سند هذا الحديث في كتاب التوحيد (2).

والمضاف في (

حدّ التعطيل‏

) يحتمل الحالات الثلاث. و «التعطيل» عبارة عن زعم الملحد في الصانع ب «ليس». وقيل: أو عبارة عن إيجاب المؤثّر، فردٌّ على الفلاسفة القائلين به، وبأنّ الواحد من جميع الجهات لا يصدر عنه إلّاالواحد، وبانتساب جميع الأفاعيل سوى الأثر الأوّل إلى العقل الفعّال عاشر العشرة عندهم، وإلى المؤثّر الأوّل بواسطة تلك الأعوان، وبتعطيله بالذات عن سوى الأثر الأوّل، قال اللَّه تعالى في المائدة: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (3)».

ونفي التشبيه، عبارة عن القطع بأنّ كلّ ما يخطر بالبال ويقع عليه الوهم ليس عينه ولا مثله.

وقال برهان الفضلاء بعد ضبطه يخرجه على الغيبة:

«التعطيل» هنا بمعنى عدّ الشخص خالياً عن الزينة «عطلت المرأة» كعلم، و «تعطّلت»:

إذا لم يكن عليها حُليّ، فهي عاطل. والمراد تخليته تعالى عن الصفات الكماليّة المختصّة المسمّاة بالنعوت. قال: يعني قال (عليه السلام): نعم القول بأنّه شي‏ء معيّن موجود في‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «محمّد بن أبي عبداللَّه، عن محمّد بن إسماعيل».

(2). التوحيد، ص 107، باب أنه تبارك و تعالى شي‏ء، ح 7.

(3). المائدة (5): 64.

48

الخارج، لا أنّه هو نفس الشيئيّة فيكون من الامور الاعتباريّة الخالية عن الصفات الكماليّة، يخرجه من تعطيله عن تلك الصفات. وكذا القول بأنّه شي‏ء لا كالأشياء، يخرجه عن التشبيه، وهو كونه متّحداً مع الممكنات ذاتاً ومتغايراً بالاعتبار كما قالت الصوفيّة.

وقال السيّد الأجلّ النائيني ميرزا رفيعا (رحمه الله):

أي يجوز أن يُقال للَّه‏عزّ وجلّ: إنّه شي‏ء، ويجب أن يخرجه القائل من الحدّين.

والمراد من التعطيل: الخروج عن الوجود، وعن الصفات الكماليّة والفعليّة والإضافيّة؛ وبالتشبيه: الاتّصاف بصفات الممكن، والاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات. (1)

وقال الفاضل الإسترابادي: أي لا تقل: إنّه لا شي‏ء، ولا تقل: إنّه شي‏ء كالنور أو كالشمس أو كالظلّ أو كغير ذلك من الماهيّات التي أدركناها. (2)

وقال بعض المعاصرين:

لمّا دلّ السؤال على أنّ السائل نفى التشبيهَ عن اللَّه جلّ جلاله أجاب (عليه السلام) بقوله: «تخرجه من الحدّين» وإلّا فإطلاق الشي‏ء عليه إخراج له من حدّ التعطيل فقط، فينبغي أن يُقال:

شي‏ء لا كالأشياء. (3)

أقول‏

: بناءً على توجيه برهان الفضلاء- سلّمه اللَّه تعالى- بل لمّا دلّ السؤال على جواز إطلاق الشي‏ء عليه تبارك وتعالى بالاشتراك المعنوي قال (عليه السلام): نعم، القول بأنّه شي‏ء لا كالأشياء يخرجه من الحدّين.

الحديث الثالث‏

روى في الكافي بإسناده، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ رَفَعَهُ، (4) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ‏

____________

(1). الحاشية على اصول الكافي، ص 271- 272.

(2). الحاشية على اصول الكافي، ص 107.

(3). الوافي، ج 1، ص 334.

(4). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المغراء رفعه».

49

خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ» فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ».

هديّة:

«المغر» بالفتح وسكون المعجمة ويحرّك: طير أحمر. «جمل أمغر» كأنّه مصبوغ به. و «ناقة مغراء».

وحميد بن المثنّى العجلي الصّيرفي أبو المغراء من رجال الصادق (عليه السلام) ثقة.

و «الخِلوّ» بالكسر وسكون اللام: «الخالي، يعني أنّ اللَّه خِلْو من خلقه من جميع الجهات والحيثيّات حتّى في صدق مفهوم الشيئيّة، وهو شي‏ء بخلاف الأشياء بحقيقة الشيئيّة. وقد عرفت آنفاً أنّ معنى «أنّه عزّ وجلّ شي‏ء بحقيقة الشيئيّة» أنّ حقيقة شيئيّته متفرّدة عن شيئيّة الأشياء الممكنة، كما أنّ وحدته ممتازة بحقيقتها عن وحدة كلّ واحد منها؛ لعدم كونها من باب الأعداد. وكذا في جميع الصفات، فمعنى قوله (عليه السلام): (

وكلّ ما وقع عليه اسم شي‏ء

) وقع عليه بالاشتراك اللّفظي، والاستثناء منقطع.

وقال برهان الفضلاء:

«خِلْو من خلقه» يعني ليس له ذهن يقع فيه صور الأشياء، وليس محلّاً للعوارض والحوادث.

«وخلقه خلو منه» يعني لا تعقل ذاته تعالى لأحدٍ، ولا يحلّ فيه شي‏ء. ومثل الحديث قامعيّته للزنادقة، وقاصميّته ظهور الملاحدة عامّةً، يعني حجّة على الجميع عند جميع المبتدئين والمنتهين وجميع العقول والأوهام.

وقال بعض المعاصرين:

والسرّ في خِلو كلّ منهما عن الآخر، أنّ اللَّه سبحانه وجود بحت خالص لا ماهيّة له سوى الإنّيّة، والخلق ماهيّات صرفة لا إنّيّة لها من حيث هي، وإنّما وجدت به سبحانه وبإنّيّته فافترقا. (1)

____________

(1). الوافي، ج 1، ص 334.

50

الحديث الرابع‏

روى في الكافي بإسناده، عَنْ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ زُرَارَةَ، (1) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ:

«إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى‏ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ» مَا خَلَا اللَّهَ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، تَبَارَكَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».

هديّة:

في بعض النسخ: «أبا جعفر (عليه السلام)». وبرهان الفضلاء ضبط كالأكثر.

ونسق هذا الحديث أصرح من نظائره في أنّ صدق مفهوم الشيئيّة على الأشياء بالاشتراك اللّفظي وإن كان صدقه على الممكنات منها بالاشتراك المعنوي، كصدق «لا شي‏ء» على الممتنعات. وقد يقال: شي‏ء ممتنع، ولا امتناع في صدق شي‏ء على مفهوم بالاشتراك اللفظي، وصدق نقيضه بالاشتراك المعنويّ؛ لتغاير الاعتبار. وما أصرح‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» (2) في هذا الأصل، وهو اقتباس من سورة الشورى‏ «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» أزلًا وأبداً، لا كخلقه، فردٌّ بعد الردّ على الصوفيّة القدريّة.

و «الكاف» في «كمثله» من الزوائد على المشهور.

وقال برهان الفضلاء: «الكاف» للتشبيه، فعلى الكناية، كمثلك لا يبخل، وإنّما زيد كاف التشبيه لأنّ «ليس مثله شي‏ء» يوهم أنّه ليس بشي‏ء، كما تزعم الزنادقة لعنهم اللَّه.

الحديث الخامس‏

روى في الكافي، عَنْ الثلاثة (3)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَ‏

____________

(1). السند في الكافي المطبوع هكذا: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن النضر بن‏سُويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة بن أعين».

(2). شورى (42): 11.

(3). يعني: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير».

51

اللَّهَ تعالى شأنه خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ» مَا خَلَا اللَّهَ تَعَالى‏، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ».

هديّة:

«الخثم» بالمعجمة والمثلّثة محرّكة: عرض الأنف. و «خيثم» بتقديم الخاتمة على المثلّثة كجعفر: من أسماء الأسد، كخيثمة وأخثم. وبيان الحديث كنظائره.

الحديث السادس‏

روى في الكافي بإسناده‏ (1)، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ حِينَ سَأَلَهُ: فَما هُوَ (2)؟ قَالَ: «شَيْ‏ءٌ (3) بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ، ارْجِعْ بِقَوْلِي إِلى‏ إِثْبَاتِ مَعْنىً، وَأَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَاجِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، لَاتُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ».

فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَتَقُولُ: إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟

قَالَ: «هُوَ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ؛ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ، وَبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ، بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ، وَيُبْصِرُ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ قَوْلِي: إِنَّهُ سَمِيعٌ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ، وَ (4) يُبْصِرُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ، وَالنَّفْسُ شَيْ‏ءٌ آخَرُ، وَلكِنْ أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي؛ إِذْ كُنْتُ مَسْؤُولًا، وَإِفْهَاماً لَكَ؛ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا، فَأَقُولُ: إِنَّهُ سَمِيعٌ بِكُلِّهِ، لَاأَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ لَهُ بَعْضٌ، وَلكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي، وَلَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذلِكَ إِلَّا إِلى‏ أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْعَالِمُ الْخَبِيرُ، بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ، وَلَا اخْتِلَافِ الْمَعْنى‏».

قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَمَا هُوَ؟

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ، وَهُوَ اللَّهُ، وَلَيْسَ قَوْليَ: «اللَّهُ» إِثْبَاتَ هذِهِ الْحُرُوفِ: أَلِفٍ وَلَامٍ وَهاءٍ، وَلَا رَاءٍ وَلَا بَاءٍ، وَلكِنِ ارْجِعْ إِلى‏ مَعْنىً وَشَيْ‏ءٍ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه».

(2). في الكافي المطبوع: «فما هو».

(3). في الكافي المطبوع: «هو شي‏ء».

(4). في الكافي المطبوع: «وبصير».

52

وَصَانِعِهَا، وَنَعْتِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَهُوَ الْمَعْنى‏ سُمِّيَ بِهِ اللَّهُ، وَالرَّحْمنُ، وَالرَّحِيمُ وَالْعَزِيزُ، وَأَشْبَاهُ ذلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ جَلَّ وَعَزَّ».

قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُوماً إِلَّا مَخْلُوقاً.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «لَوْ كَانَ ذلِكَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ التَّوْحِيدُ عَنَّا مُرْتَفِعاً؛ لِأَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ غَيْرَ مَوْهُومٍ، وَلكِنَّا نَقُولُ: كُلُّ مَوْهُومٍ بِالْحَوَاسِّ مُدْرَكٍ بِهَا تَحُدُّهُ الْحَوَاسُّ وَتُمَثِّلُهُ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ [وَلَابُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ صَانِعِ الْأَشْيَاءِ خَارِجاً مِنَ الْجِهَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: النَّفْيُ‏]؛ (1) إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَالْعَدَمَ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: التَّشْبِيهُ؛ إِذْ كَانَ التَّشْبِيهُ هُوَ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ؛ لِوُجُودِ الْمَصْنُوعِينَ وَالِاضْطِرَارِ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مَصْنُوعُونَ، وَأَنَّ صَانِعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَلَيْسَ مِثْلَهُمْ؛ إِذْ كَانَ مِثْلُهُمْ شَبِيهاً بِهِمْ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ، وَفِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُوثِهِمْ بَعْدَ إِذْ لَمْ يَكُونُوا، وَتَنَقُّلِهِمْ مِنَ صِغَرٍ إِلى‏ كِبَرٍ، وَسَوَادٍ إِلى‏ بَيَاضٍ، وَقُوَّةٍ إِلى‏ ضَعْفٍ، وَأَحْوَالٍ مَوْجُودَةٍ لَاحَاجَةَ بِنَا إِلى‏ تَفْسِيرِهَا؛ لِبَيَانِهَا وَوُجُودِهَا».

فَقالَ‏ (2) السَّائِلُ: فَقَدْ حَدَدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «لَمْ أَحُدَّهُ، وَلكِنِّي أَثْبَتُّهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَنْزِلَةٌ».

قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَلَهُ إِنِّيَّةٌ وَمَائِيَّةٌ؟

قَالَ: «نَعَمْ، لَايُثْبَتُ الشَّيْ‏ءُ إِلَّا بِإِنِّيَّةٍ وَمَائِيَّةٍ».

قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَلَهُ كَيْفِيَّةٌ؟

قَالَ: «لَا؛ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ جِهَةُ الصِّفَةِ وَالْإِحَاطَةِ، وَلكِنْ لَابُدَّ عن‏ (3) الْخُرُوجِ مِنْ جِهَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَفَاهُ، فَقَدْ أَنْكَرَهُ وَدَفَعَ رُبُوبِيَّتَهُ وَأَبْطَلَهُ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ، فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِصِفَةِ

____________

(1). ما بين المعقوفتين ليس في النسخ وأضفناه من التوحيد، ص 243، ح 1؛ والاحتجاج، ج 2، ص 331 تبعاً للكافي‏المطبوع.

(2). في الكافي المطبوع: «قال له».

(3). في الكافي المطبوع: «من».

53

الْمَخْلُوقِينَ الْمَصْنُوعِينَ الَّذِينَ لَايَسْتَحِقُّونَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَلكِنْ لَابُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ أَنَّ لَهُ كَيْفِيَّةً لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ، وَلَا يُشَارَكُ فِيهَا، وَلَا يُحَاطُ بِهَا، وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ».

قَالَ السَّائِلُ: فَيُعَانِي الْأَشْيَاءَ بِنَفْسِهِ؟

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُعَانِيَ الْأَشْيَاءَ بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ؛ لِأَنَّ ذلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَاتَجِي‏ءُ الْأَشْيَاءُ لَهُ إِلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُعَالَجَةِ وَهُوَ مُتَعَالٍ، نَافِذُ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ».

هديّة:

في بعض النسخ: «حين سأله فما هو» بزيادة الفاء.

ومن قوله: «هذا» إلى قوله «ولا تغيّره الأزمان» قد ذكر في الخامس من الباب الأوّل، وعلم بيانه في هديّته. وهذا من الخامس. وسيذكر تمامه في أوّل كتاب الحجّة إن شاء اللَّه تعالى.

(

فتقول: إنّه سميعٌ بصير

) يعني فكيف يسمع ويبصر إذا كان غير جسم وغير صورة؟!

وقال برهان الفضلاء: يعني فكيف يسمع ويبصر إذا كان لا يحسّ شيئاً ولا يجسّ شيئاً؟! فظهر وجه ضبطه على المعلوم.

و (

ليس قولي: انّه سميع يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه‏

) دفع لتوهّم السائل أنّ المراد بالنفس الذهن.

(

ولكن أردت عبارةً عن نفسي‏

) يعني بل أردت بقولي بعد قولي (

بغير جارحة

) بغير آلة.

(

إنّه سميع يسمع بنفسه ويبصر بنفسه‏

) التعبير عن نفس المخلوق؛ لأنّ الأشياء تعرف بأضدادها.

فمعنى «قولي هذا»: أنّه يسمع بنفسه لا بجارحة، ويبصر بنفسه لا بآلة.

وقال برهان الفضلاء: يعني ولكن أردت التعبير عمّا في نفسي إفهاماً لك.

ولسائر الأصحاب من الفضلاء في هذه العبارة توجيهات.

54

(

فأقول‏

) أي بعبارة اخرى: إفهاماً لك.

(

إنّه سميع بكلّه لا أنّ الكلّ منه له بعض‏

) سيجي‏ء هذه الفقرات في الثاني من الباب الثالث عشر. وهناك هكذا: «لا أنّ الكلّ له بعض؛ لأنّ الكلّ لنا له بعض» بإسقاط منه وزيادة الفقرة الأخيرة. ولعلّ «منه» بمعنى «عليه». يعني لا أنّ الكلّ الموصوف بأنّه يصدق عليه؛ فقد تكون «من» مرادفة «على» كما في‏ «وَ نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ» (1).

وقال برهان الفضلاء: الظاهر أنّ «من» بمعنى «في» وضمير «ها» راجع إلى اللَّه، وضمير «له» للكلّ.

(

ولكنّي أردت إفهامك والتعبير عن نفسي‏

) بيانه كما عرفت من نظيره.

(

بلا اختلاف الذات‏

) بالتجزّي (

ولا اختلاف المعنى‏

) أي المسمّى بالتعدّد.

وقول الفارابي: وجود كلّه، وجوب كلّه، علم كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، إرادة كلّه وإن كان دلالة على عينيّة الصفات الكماليّة إلّاأنّه ليس بمرخّص فيه، بل الواجب مُوجِد كلّه. وهكذا وما لا رخصة في إطلاقه؛ للنقص؛ أو للمفسدة أو للمصلحة، فإطلاقه من دون توقيف من الشارع شرك شرعاً.

(

قال (عليه السلام): هو الربّ، وهو المعبود، وهو اللَّه‏

) هل سمعت هو الربوبيّة، هو المعبوديّة، هو الالوهيّة؟!

(

قال له السائل: فما هو

) يعني قال: لمّا قلت السميع البصير العالم، الخبر، ذكرت اسمه بحسب الصفات، فما اسمه بحسب الذات؟

وقال برهان الفضلاء: «فما هو» هنا سؤال عن اسم غير مشتقّ، واستفهام إنكاري؛ بقرينة الاستفهام السابق.

و «لا» في (

ولا

) زائدة كما في لا يستوي الظلمات ولا النور. (2)

____________

(1). الأنبياء (21): 77.

(2). إشارة إلى الآية 19- 20، من فاطر (35).