أسس الحدود والتعزيرات

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
481 /
5

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

انّ من أهم المباحث الفقهية و أكثرها ارتباطا بحياة الناس و سلامتهم و أمنهم مباحث القضاء و الشهادات و الحدود و التعزيرات و القصاص و الديات المعبّر عنها بالسياسات.

و قد منّ اللّه عليّ بالبدء بإلقاء هذه البحوث خلال سنوات عديدة على طلاب الخارج في الحوزة العلمية المباركة في قم المشرّفة، و وفّقني لإخراج الكتاب الأول منها «أسس القضاء و الشهادة». و هذا هو الكتاب الثاني في هذه المباحث و هو كتاب «الحدود و التعزيرات» فقد تعرضت فيه الى أهم فصوله و أدّق مسائله جاعلا من كتاب شرائع الإسلام متنا لهذه الأبحاث رغبة منّي في خدمة تراثنا الفقهي العظيم و تشييدا لذكري علمائنا الأجلاء (قدس اللّه‌

6

أسرارهم) الذين أتعبوا أنفسهم الزكية في سبيل نشر حقائق هذا الدين الحنيف على طريق مذهب أهل البيت ((عليهم السّلام)). أسال اللّه تعالى أن ينفع به طلاب العلم و روّاد الحقيقة و أن ينفعني به يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

قم المشرّفة- غرّة صفر- 1417 ه‍. ق.

جواد التبريزي‌

7

كل ما له عقوبة مقدّرة يسمّى حدا، و ما ليس كذلك يسمى تعزيرا (1).

____________

(1) الحدّ لغة بمعنى المنع، و يطلق في الشرع على العقوبة المقدّرة التي تجري على مرتكبي بعض المعاصي.

و التعزير لغة بمعنى التأديب، و يطلق على العقوبة غير المقدّرة، و وجه الإطلاق أنّ العقوبة تمنع الناس عن ارتكاب تلك المعاصي و توجب الأدب لمرتكب المعصية.

و ما في المتن: أنّ كلّ ما له عقوبة مقدّرة ..، لا يخلو عن مسامحة، فإنّ ما له عقوبة مقدّرة أو غير مقدرة موجب الحد أو التعزير لا نفسها، و ذكر في المسالك:

أنّ كلّ ما يدخل في الحدّ فالتقدير في تلك العقوبة حاصل، بخلاف ما يدخل في التعزير، فانّ عدم التقدير فيه غالبي و يكون في بعض أفراد التعزير تقدير، و عيّنها في خمسة مواضع:

8

..........

____________

الأوّل: من جامع زوجته في نهار شهر رمضان و هما صائمان، فانّ على كلّ منهما تعزيرا بخمسة و عشرين سوطا، على ما في خبر مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) (1)، و قد ذكر في المعتبر أنّ الخبر و إن كان ضعيفا سندا إلّا أنّ علمائنا ادّعوا إجماع الإماميّة بمضمونه.

الثاني: من تزوّج أمّة على حرّة و دخل بها قبل الاذن من الحرّة، فإنّ عليه أدبا اثني عشر سوطا و نصف ثمن حدّ الزاني، على ما في خبر منصور بن حازم (2).

الثالث: الرجلان أو المرأتان فيما اجتمعا مجرّدين تحت ستر واحد، فإنّهما يضربان من ثلاثين إلى تسعة و تسعين سوطا على قول (3).

الرابع: من افتضّ بكرا بإصبعه، فإنه قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة و سبعين، و قال المفيد: إلى ثمانين (4)، و قال ابن إدريس: من ثلاثين إلى تسعة و تسعين.

الخامس: ما إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد و إزار مجرّدين، فإنّهما يعزران من عشرة إلى تسعة و تسعين (5)، قاله المفيد، و أطلق الشيخ التعزير.

أقول: إذا لم يكن الفرق بين الحدّ و التعزير بعد كون كلّ منهما عقوبة‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب بقية الحدود، الحديث 1: 585.

(2) الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4: 419.

(3) الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب حد الزنا، الحديث 18: 367.

(4) الوسائل: 18، الباب 39 من أبواب حد الزنا، الحديث 4: 410.

(5) الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 364.

9

..........

____________

دنيوية، إلّا بكون الأوّل مقدرا و الثاني غير مقدر، فكيف لا يدخل ما له تقدير في الحدّ، و لعل نظره (قدّس سرّه) إلى موارد إطلاق الأدب و التعزير في الروايات و كلمات الأصحاب، فإن كلّ مورد أطلق فيه الحدّ على العقوبة ففيه تقدير بخلاف موارد إطلاق الأدب و التعزير، فإنّه ليس في غالبها تقدير و إن كان في بعض موارد إطلاقهما تقدير، كما في المواضع الخمسة التي ذكرها، و لكن لا يخفى ما فيه:

أمّا أولا: فإنّه لا ينحصر تلك المواضع بالخمسة التي ذكرها، كما فيمن جامع زوجته في حيضها، فإنّ العقوبة فيه أيضا مقدّرة، و في خبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي الحسن (عليه السّلام): «رجل أتى أهله و هي حائض، قال: يستغفر اللّه و لا يعود، قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حدّ الزاني» (1).

و ثانيا: فإنّه لا ينبغي التأمّل في أنه قد أطلق التعزير و الأدب في الروايات على العقوبة المقدرة باستعمالهما في المعنى العام، يعني مطلق العقوبة، كما أنّه قد استعمل الحدّ في هذا المعنى العام، كما في مثل قوله (عليه السّلام): «ان اللّه جعل لكلّ شي‌ء حدّا و لمن جاوز الحدّ حدّا» (2).

و الكلام في أنّه إذا ورد في خطاب الشرع عنوان الحد موضوعا لحكم، كنفي الحلف في الحدود و عدم مورد للشفاعة فيها، و جواز عفو الحاكم عن‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب الدفاع الحديث 3: 586.

(2) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 3: 586.

10

و أسباب الأوّل ستّة (1): الزنا و ما يتبعه، و القذف و شرب الخمر و السرقة و قطع الطريق، و الثاني أربعة: البغي و الردّة و إتيان البهيمة و ارتكاب ما سوى ذلك من المحارم.

____________

الحدّ إذا ثبت موجبه بالإقرار دون البينة، أو انّ الشبهة تدرء الحدّ، و لم يكن في البين قرينة على كون المراد المعنى العام، يقتصر في الحكم بمجرد كون العقوبة فيه مقدّرة، كما انّه إذا ورد لعنوان التعزير و الأدب حكم يقتصر فيه على مورد عدم التقدير، الّا مع القرينة على العموم.

و يمكن أن يكون نظره (قدّس سرّه) أنّ كل مورد أطلق فيه الحدّ في كلمات الأصحاب يكون التقدير في العقوبة عليه ثابتا بلا خلاف، بخلاف موارد إطلاق التعزير، فإنّه يمكن أن يكون في بعض تلك الموارد تقدير و لو بحسب بعض الانظار، و هذا أيضا غير تامّ كما يأتي.

(1) ذكر (قدّس سرّه) أنّ أسباب الحدّ ستة، جعل أولها الزنا، و ثانيها ما يتبع الزنا أيّ اللواط و السحق، و الثالث القذف، و الرابع شرب الخمر، و الخامس السرقة، و السادس قطع الطريق، و لكن لا يمكن المساعدة عليه، فانّ موجب الحدّ يزيد على الستّة.

كما لا يمكن المساعدة على ما ذكره من أنّ أسباب التعزير أربعة: البغي و الردّة و إتيان البهيمة و ارتكاب ما سوى ذلك من المحارم، و الوجه في عدم المساعدة أنّ ما يجرى على المرتد حدّ عيّنه الشارع بالقتل ابتداء أو بعد الاستتابة و بالحبس إلى أن يموت، و كذا الأمر في المحارب المراد من الباغي.

11

فانفرد لكل قسم بابا عدا ما يتداخل أو ما سبق.

____________

و دعوى أنّه إذا كانت العقوبة موتا فلا يصحّ أن يطلق عليها بأنّها مقدّرة، فإنّ التقدير هو تعيين الكم، لا يمكن المساعدة عليها، فان التعيين بالعنوان كاف في كونه حدّا و إن لم يكن فيه تقدير بحسب الكم، و لذا أدرج العلامة و غيره المحارب و المرتد فيمن عليه موجب الحدّ، و إطلاق الحدّ على القتل في الزاني المحصن، و كذا في اللائط و الملوط، ممّا لا ينبغي التأمل فيه بحسب كلمات الأصحاب.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[القسم الأوّل الحدود]

القسم الأوّل الحدود و فيه أبواب:

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[الباب الأول: في حدّ الزنا]

الباب الأول:

في حدّ الزنا، و النظر في الموجب و الحد و اللواحق.

[النظر الأوّل في الموجب]

النظر الأوّل في الموجب،

[اما الموجب]

اما الموجب: فهو إيلاج الإنسان ذكره في فرج امرأة محرمة من غير عقد و لا ملك (1) و لا شبهة، و يتحقّق بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا.

____________

(1) عرّف الزّنا، و هو المحرم كتابا و سنة و معدود من الكبائر، بل حرمته من ضروريات الدين بل الأديان، بأنّه إيلاج انسان ذكره في فرج امرأة محرمة عليه، من غير عقد و لا ملك و لا شبهة عقد أو ملك، فان لم يكن الإيلاج كذلك فلا يكون زنا، سواء كان محرّما واقعا، كما في وطئ الحائض أو حال الإحرام أم لا.

و يلزم على ذلك أن لا يكون إدخال الصبيّ أو المجنون أو المكره ذكره في فرج امرأة من غير عقد و لا ملك و لا شبهة عقد أو ملك زناء، و مع أنّ الإدخال المزبور زنا و لكن لا يجري عليهم الحدّ، لأنّ البلوغ و العقل و الاختيار من شرائط تعلّق الحدّ.

و بتعبير آخر ما هو المحرّم على البالغ العاقل المختار، يعني الزنا، حرمته مرفوع عن الصبي و المجنون و المكره، فلا يمكن أن يكون التحريم دخيلا في عنوان الزنا، و لذا لم يذكر بعض الأصحاب في تعريفه قيد التحريم.

و قيل: إنّ من ذكر القيد فسّره بما بعده من غير عقد و لا ملك و لا شبهة،

16

..........

____________

بجعل كلمة من بيانية، كما في عبارة الماتن (قدّس سرّه)، و لكن لا يخفى أنّ ما ذكروا في تعريفه، و لو بملاحظة التوجيه، لا يعم زنا المرأة.

و الأولى أن يقال: زنا المرأة تمكينها من الأجنبي حتّى يولج في فرجها، و المراد من الأجنبي من لا يكون بينها و بينه نكاح أو ملك يوجب مشروعية الإيلاج، و لا شبهة نكاح أو ملك، و زنا الرجل إيلاجه كما ذكر.

و على الجملة، وقوع الوطء بنحو الفجور مقوّم لعنوان الزنا، و الفجور لا يتحقّق بلا تعمّد و التفات، و لذا لا يصدق الزنا في موارد الوطء بالشبهة.

ثم انّه لا يعتبر في الإيلاج غير غيبوبة الحشفة في قبل المرأة أو دبرها، بلا خلاف يعرف إلّا في الإدخال في دبرها، فإنّ المحكم عن الوسيلة أنّ فيه قولين:

أحدهما أنّه زنا و هو الأثبت، و الثاني أن يكون لواطا، و استظهر من عبارة المقنعة و النهاية نفي الزنا عنه، قال في الأول: الزنا الموجب للحدّ وطء من حرّم اللّه تعالى وطئه من النساء بغير عقد مشروع، إذا كان الوطء في الفرج خاصّة دون ما سواه، و في الثاني: الزنا الموجب للحدّ هو وطء من حرم اللّه من غير عقد و لا شبهة عقد، و يكون في الفرج خاصّة.

و لكن يحتمل كون المراد ما يعم دبرها، و دعوى أنّه لو كان المراد في كلامهما العموم فلا موجب للتقييد بقولهما: إذا كان في الفرج خاصة، لا يخفى ما فيها.

و الحاصل: الفرج في بعض استعمالاته أو أكثره خصوص القبل، كما يظهر‌

17

..........

____________

بملاحظة ما ورد فيما يحلّ من الحائض لزوجها.

و يستدل على المشهور بأنّ الوارد في خطابات الحدّ عنوان الزنا و الفجور، و اصابة الفاحشة و المجامعة و المواقعة و الإتيان، و صدق هذه العناوين على الإتيان بالمرأة في دبرها ظاهر.

و يمكن المناقشة بالقطع بان ما ورد في الروايات من العناوين كناية عن الإيلاج المعهود، و الكلام في أنّ المكنّى عنه خصوص الإيلاج في القبل أو ما يعم الإيقاب في الدبر، و لا يبعد أن يستشهد للعموم بالإطلاق في مثل صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السّلام) قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة، فقال: «إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم» (1)، مع ملاحظة انصرافها عن الإدخال في غير الموضعين.

و لا ينافي هذا الإطلاق ما في صحيحة ابن بزيع من تحديد الجماع الموجب للغسل بالتقاء الختانين المتحقّق بغيبوبة الحشفة في قبلها، قال سألت الرضا (عليه السّلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: «إذا التقى الختانان وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم» (2).

و الوجه في عدم المنافاة أنّها و ما في معناها ناظرة إلى تحديد الدخول في قبلها، حيث يكون الغالب وطئها في قبلها، فالخطاب الوارد في بيان حكم الفرد‌

____________

(1) الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 1: 469.

(2) الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 2: 469.

18

و يشترط في تعلّق الحد العلم بالتحريم (1)

____________

الغالب لا يمنع عن الأخذ بالإطلاق في غيره الدالّ على أنّ إدخال الرجل ذكره يوجب الغسل و استقرار المهر و جريان الحدّ، غاية الأمر يدعى أنّ الدخول في الدبر أيضا يكفي فيه غيبوبة الحشفة، فإنّ المتفاهم العرفي من التحديد أنّه لا يلزم في ترتب أحكام الدخول إدخال الذكر بتمامه.

و لذا يمكن الالتزام بأنّ الدخول من غير ذي الحشفة لا يتوقّف أيضا على إدخال تمام ذكره، لأنّ الفرق باحتمال إدخال التمام، كما هو أحد الوجهين في كشف اللثام، خلاف المتفاهم المزبور، مع ملاحظة صدق الدخول من غير ذي الحشفة إذا أدخل مقدارها، بل يصدق الدخول و لو لم يكن بمقدارها، و تحديده بغيبوبة الحشفة تحديد في حق شخص ذي حشفة، فلا يكون تحديد بالإضافة إلى غير ذيها، فيؤخذ فيه بالإطلاق المتقدم، كما تعرّضنا لذلك في بحث غسل الجنابة.

(1) لا خلاف في أنه يعتبر في تعلّق الحدّ بالزنا العلم بحرمته حال العمل، و لو فرض الجهل بها في مورد لا يجري معه الحدّ، و لعلّه بلا فرق عندهم بين الجهل قصورا أو تقصيرا، و في صحيحة محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام) رجل دعوناه إلى جملة الإسلام فأقرّ به ثم شرب الخمر و زنى و أكل الربا و لم يتبيّن له شي‌ء من الحلال و الحرام أقيم عليه الحد إذا جهله؟ قال: لا إلّا ان تقوم بيّنة أنه كان قد أقرّ بتحريمها» (1)، و نحوها صحيحة أبي عبيدة الحذاء (2) و غيرها.

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 2: 324.

(2) الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 3: 324.

19

..........

____________

و أمّا إذا كانت حرمة الزنا محرزة، و كان الجهل بحرمة المرأة على الرجل، و أنّها لا تصير بالعقد زوجة له، سواء كان الجهل بحرمتها من جهة الجهل بالموضوع، كمن عقد على امرأة كانت أختا له رضاعا مع عدم علمه بالرضاع، أو كان جهله بحرمتها لعدم علمه بان الرضاع يوجب التحريم، فالوطء في كلا الفرضين داخل في الشبهة، و قد تقدّم أنّ عنوان الزنا يعتبر في تحققه صدور الوطء فجورا، و لا يتحقّق الفجور مع الشبهة يعني مع عدم إحراز فساد النكاح و الملك.

و على الجملة، تحقق الشبهة مع الجهل بالموضوع ظاهر، سواء كان مع الاعتقاد بعدمه أو احتماله واقعا مع إحراز عدمه و لو بالأصل، و كذا في موارد الجهل بالحكم قصورا أو تقصيرا مع الاعتقاد بعدمه.

نعم، إذا كان الجهل بالحكم باحتماله و عدم كونه معذورا في مخالفته، كمن تزوّج بامرأة ارتضعت من امّه مع جهله بأنّها تصير أخته رضاعا و الرضاع يوجب المحرمية، فمع احتماله أنّ الرضاع كذلك، قد يقال إنّ وطيها و لو بالعقد لا يدخل في الوطء شبهة، و لكن لا يبعد تحقّق الشبهة في هذا الفرض أيضا.

و في صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن امرأة تزوجت رجلا و لها زوج، قال: «فقال: إن كان زوجها الأوّل مقيما معها في المصر التي هي فيه تصل اليه و يصل إليها، فإن عليها ما على الزاني المحصن الرجم، و ان كان زوجها الأوّل غائبا عنها كان أو مقيما معها في المصر لا يصل إليها و لا‌

20

..........

____________

تصل إليه، فإنّ عليها ما على الزانية غير المحصنة و لا لعان بينهما، قلت: من يرجمها و يضربها الحدّ و زوجها لا يقدّمها إلى الإمام و لا يريد ذلك منها، فقال:

ان الحدّ لا يزال للّه في بدنها حتّى يقوم به من قام أو تلقى اللّه و هو عليها، قلت:

فان كانت جاهلة بما صنعت؟ قال، فقال: أ ليس هي في دار الهجرة؟ قلت: بلى، قال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلّا و هي تعلم أنّ المرأة المسلمة لا يحل لها أن تتزوّج زوجين، قال: و لو أنّ المرأة إذا فجرت قالت: لم أدر أو جهلت أنّ الذي فعلت حرام و لم يقم عليها الحدّ إذا لتعطّلت الحدود» (1)، فان ظاهرها أنّه لو علم صدقها و انها لم تكن عالمة بالحكم تدرء عنها الحدّ، غاية الأمر بما أنّها في دار الهجرة و لا يحتمل جهلها بالحكم لم تسمع دعواها الجهل، فهي زانية.

نعم، ربّما يستظهر من صحيحة يزيد الكناسي أنّ الجاهل المقصر المحتمل حرمة المرأة يجري عليه الحدّ و لا يدخل وطؤه في الشبهة الدارئة للحدّ، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن امرأة تزوجت في عدتها، فقال: «ان كانت تزوجت في عدّة طلاق لزوجها عليها الرجعة، فانّ عليها الرجم، و ان كانت تزوجت في عدّة ليس لزوجها عليها الرجعة، فانّ عليها حدّ الزاني غير المحصن، و ان كانت تزوجت في عدّة بعد موت زوجها من قبل انقضاء العدّة الأربعة أشهر و العشرة أيام فلا رجم عليها، و عليها ضرب مائة جلدة، قلت: أ رأيت‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 395.

21

..........

____________

ان كان ذلك منها بجهالة، قال: فقال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلّا هي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت، و لقد كنّ نساء الجاهليّة يعرفن ذلك، قلت: فان كانت تعلم أن عليها عدة و لا تدري كم هي، فقال: إذا علمت أنّ عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم» (1).

فانّ ظاهر الذّيل أنّ مع احتمال الحرمة و إمكان العلم بها لا يكون الجهل رافعا للحد، و ربّما يضاف إلى ذلك أنّ الجاهل المزبور يعلم بالحكم الظاهري حال العمل، و إن كان جاهلا بالإضافة إلى الحكم الواقعي.

أقول: لا بدّ من أن يكون بالحكم الظاهري تنجز الحرمة الواقعية على تقديرها لكون الشبهة في الحكم قبل الفحص، و إلّا فلا يمكن أن يراد منه الاستصحاب، فإنّه لا يجري قبل الفحص كان نافيا للتكليف أو مثبتا.

و لكن لا يبعد أن يكون المراد من ذيلها أيضا عدم سماع دعوى الجهل بمقدار العدّة، كعدم سماع دعوى الجهل بلزوم العدّة في طلاق أو موت، و لو جمعا بينها و بين ما تقدم من عدم تعلّق الحد مع الجهل كان قصورا أو تقصيرا، كما يقتضي ذلك أيضا ما ورد في صحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة فيمن أحرم في قميصه للحج من قوله (عليه السّلام): «أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‌ء عليه».

و على تقدير الإغماض عن ذلك، فيلتزم بثبوت الحد على المرأة الجاهلة‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 396.

22

و الاختيار (1)

____________

بمقدار العدّة بالشبهة الحكمية إذا تركت تعلم مقدارها و ان لم تكن زانية، كما يلتزم بثبوت الرجم عليها في التزويج في عدة الطلاق الرجعي مع عدم كونها محصنة فيها.

و دعوى أنّ ما ورد في ذيل هذه الصحيحة الظاهر في جريان الحدّ على الجاهل المقصر مع احتماله التكليف حال العمل موافق لإطلاق الكتاب المجيد، فيقدّم على الاخبار المتقدّمة المشار إليها، الظاهرة في عدم الحد مع الجهل و لو كان تقصيرا، لا يمكن المساعدة عليه، فانّ تعلّق الحدّ في الكتاب على عنوان الزنا، و هذا العنوان لا يتحقّق مع احتمال الزوجية أو ثبوت ملك اليمين.

(1) يعتبر في تعلّق الحدّ الاختيار بمعنى عدم الإكراه، و تحقق الإكراه على المرأة و كونه رافعا الحدّ عنها متسالم عليه، لحديث رفع الإكراه و غيره، و في صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «انّ عليا (عليه السّلام) أتى بامرأة مع رجل فجر بها، فقالت: استكرهني و اللّه يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد، و لو سئل هؤلاء عن ذلك قالوا: لا تصدق، و قد و اللّه فعله أمير المؤمنين (عليه السّلام)» (1).

و في صحيحة محمّد عن أحدهما (عليه السّلام) في امرأة زنت و هي مجنونة، قال:

«انها لا تملك نفسها و ليس عليها رجم و لا نفي، و قال: في امرأة أقرّت على نفسها انّه استكرهها رجل على نفسها، قال: هي مثل السائبة لا تملك نفسها و لو شاء‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 382.

23

..........

____________

قتلها، و ليس عليها جلد و لا نفي و لا رجم» (1)، فإنّه لو لم يكن الإكراه مسقطا للحد لم يكن لسماع قولها معنى.

و أمّا بالإضافة إلى الرجل، فقد يقال: لا يتحقّق الإكراه عليه، فإنّه لا ينتشر العضو مع الإكراه، فانتشاره كاشف عن عدم تحقّقه، حيث إنّ الانتشار الناشئ من الخوف من الوعيد غير ممكن عادة، و يعتبر في الإكراه الانبعاث إلى الفعل خوفا من الضرر المتوعّد به.

و فيه، انّه لا يعتبر في الإكراه على الفعل الحرام الّا أنّه لو لا خوف الضرر المتوعد به لم يفعل، سواء كان له ميل نفساني للفعل، بحيث لو لا النهي عنه شرعا ارتكبه، أم لم يكن له ميل نفساني.

و على الجملة المطلوب في النواهي الشرعية الانتهاء عن الفعل و عدم ارتكابه، لازالة الميل النفساني، فانّ إزالته من مراتب كمال النفس، و غير داخلة في متعلّق النواهي و لا في معنى النواهي.

و هذا مراد الماتن فيما يأتي، من تعليله تحقّق الإكراه على الرجل بأنّه يمكن الإكراه لما يعرض للمكلّف الميل النفساني مع فرض الانتهاء عن الفعل للمنع الشرعي، و إلى ذلك يرجع ايضا ما في كشف اللثام، من أنّ التخويف بالإضافة إلى ترك الفعل، و أمّا الفعل فلا يخاف منه، فيمكن انتشار العضو الناشي‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 383.

24

و البلوغ (1)،

____________

من الميل النفساني.

و ما قيل: من أنّ المراد بالإكراه على الزنا غير المراد منه في سائر الأفعال، فإنّ المراد منه في غير الزنا ارتكاب الإنسان فعلا يكرهه و يكون الموجب لارتكابه خوف الضرر المتوعد به، لا يمكن المساعدة عليه، فانّ المحقّق للإكراه الارتكاب خوفا من الضرر المتوعّد به، بحيث لولاه لم يرتكبه.

(1) لا يتعلّق الحد بالصبي و لا بالصبيّة، بلا خلاف معروف أو منقول، لرفع القلم عنها و للروايات، منها: صحيحة يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم و زوّجت و أقيم عليها الحدود التامة لها و عليها، قال: قلت: الغلام إذا زوّجه أبوه و دخل بأهله و هو غير مدرك أ تقام عليه الحدود على تلك الحال، قال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا و لكن يجلّد في الحدود كلّها على مبلغ سنه- الحديث» (1).

و في رواية حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامّة و يقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: «إذا خرج عنه اليتم و أدرك، قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ قال: إذا احتلم أو بلغ خمسة عشر سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك أقيمت عليه الحدود و أخذ بها و أخذت له، قلت: فالجارية متى يجب عليها الحدود التامة و تؤخذ بها و يؤخذ لها، قال: إنّ الجارية ليست كالغلام‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9: 209.

25

و في تعلّق الرجم مضافا إلى ذلك الإحصان (1).

____________

إنّ الجارية إذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم- الحديث» (1)، إلى غير ذلك.

و لا يخفى أنّ عدم تعلّق الحد بالصبي أو الصبية لا يوجب سقوط الحد عن البالغ و البالغة في زناهما، كما إذا زنى الصبي بامرأة أو زنى الرجل بالصبية، و أما سقوط الرجم عن المرأة المحصنة إذا زنى الصبي بها فهو لصحيحة أبي بصير، فيقتصر على الرجم و يؤخذ في غيره بالإطلاق.

(1) اعتبار الإحصان في تعلّق الرجم بالزاني أو الزانية متسالم عليه في كلمات الأصحاب، و النصوص على اعتباره في الرجم متظافرة.

و قد ذكر الماتن (قدّس سرّه) فيما يأتي من كلامه أنّه لا يثبت الإحصان الّذي يجب معه الرجم حتى يكون الواطئ بالغا حرّا و يطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرّق، متمكن منه يغدو عليه و يروح، و في رواية مهجورة دون مسافة التقصير.

و يستفاد ممّا ذكر اعتبار أمور في إحصان الرجل زائدا على الشرائط المتقدمة، منها كون الرجل حرّا فلا يتعلّق الرجم بالعبد بلا خلاف، و يشهد لذلك جملة من الروايات، كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة، و ان كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا و لا يرجم و لا ينفى» (2).

____________

(1) الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2: 30.

(2) الوسائل: 18، الباب 31 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 402.

26

..........

____________

و في خبر الحسن بن السري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا زنى العبد و الأمة و هما محصنان فليس عليهما الرجم، انما عليهما الضرب خمسين نصف الحدّ» (1).

و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة قال: فقال: «لا رجم عليه حتى يواقع الحرّة بعد ما يعتق، قلت فللحرة خيار عليه إذا أعتق؟ قال: لا قد رضيت به و هو مملوك فهو على نكاحه الأول» (2)، فإن هذه الصحيحة أيضا كالصريحة في ان الإحصان الموجب لتعلّق الرجم لا يتحقق في العبد، نعم يحصل بعد عتقه مع دخوله بزوجته الحرة بعد انعتاقه و لا عبرة بالدخول قبله.

و في صحيحة بريد العجلي عن أبي عبد اللّه (جعفر) (عليه السّلام) في الأمة تزني قال: «تجلد نصف الحدّ كان لها زوج أو لم يكن لها زوج» (3).

و على الجملة يستفاد ممّا ذكر من الروايات و غيره أنّ الإحصان الموجب للرجم لا يتحقّق في العبد و الأمة.

و منها: أن يكون للحرّ البالغ زوجة بالنكاح الدائم عند فجوره و قد دخل بها قبل فجوره، فلا يكفي في الإحصان أن يكون عنده الزوجة متعة، و قد ذكر في الانتصار أنّ الرجل لا يخرج إلى الإحصان بالزوجة متعة على الأصح، و في‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 31 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 402.

(2) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 358.

(3) الوسائل: 18، الباب 31 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 401.

27

..........

____________

تعبيره بالأصح اشعار بالخلاف في الحكم، و لكن لم يتحقّق خلاف بل و لا ينقل.

و في موثقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن الرجل إذا زنى و عنده السرية و الأمة يطأها تحصنه الأمة و تكون عنده؟ فقال: «نعم انما ذلك لانّ عنده ما يغنيه عن الزنا، قلت: فان كانت عنده أمة زعم أنّه لا يطأها؟، فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة أ تحصنه؟ فقال: لا انما هو على الشي‌ء الدائم عنده» (1)، و نحوها موثقته الأخرى، و لا يبعد كونهما رواية واحدة قد وصلت عن إسحاق بن عمار بطريقين إلى الكليني (قدّس سرّه).

و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا يرجم الغائب عن أهله و لا المملك الذي لم يبن بأهله و لا صاحب المتعة» (2).

و على الجملة المستفاد من هذه الروايات و نحوها عدم كفاية النكاح متعة في حصول الإحصان، و لو كان في بعض الروايات إطلاق يقتضي كفايته، فلا بدّ من رفع اليد عن الإطلاق المزبور، كصحيحة إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: قلت له و ما المحصن رحمك اللّه؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن» (3)، حيث انّه لا يبعد شمولها لمن عنده الزوجة متعة عند فجوره.

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 352.

(2) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 355.

(3) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 351.

28

..........

____________

و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن هشام و حفص بن البختري، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يتزوج متعة أ تحصنه قال: «لا انما ذلك على الشي‌ء الدائم» (1).

نعم، إذا كانت المدّة للمتعة بحيث تكون المرأة عند الرجل دائما، كما إذا تزوج بالمرأة البالغة عشرين سنة إلى مائة سنة منعا عنها عن الإرث، فإن قيل بأنّ هذا من العقد دواما و ان أتى بصورة المتعة، لأنّ الملاك في العقد دواما إنشاء الزوجية بينهما ما دام حياتهما، و هذا أيضا كذلك، فحصول الإحصان بالمتعة المزبورة ظاهر، و ان قيل بأنّ مجرد ثبوت الزوجية ما دام حياتهما لا يكون نكاحا دائما بل المعتبر في إنشائه عدم ذكر المدّة، كما أنّ المميز للمتعة ذكرها و لذا لا يترتب عليه اثر النكاح الدائم من التوارث و لزوم النفقة، فلا يبعد ايضا حصول الإحصان بها، لما ورد في الروايات: أن يكون عنده الشي‌ء الدائم، و هذه منه.

ثم إنّه قد تقدّم عدم كفاية مجرّد النكاح دواما في تحقق الإحصان، بل يعتبر الدخول بها عند فجوره، و ظاهر جملة من الأصحاب ذلك، بل يقال انّه مراد كلّهم، و ورد اعتبار ذلك في صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة، حيث ذكر (سلام اللّه عليه): «و لا يرجم المملك الذي لم يبن بأهله».

و في صحيحة رفاعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يزني قبل ان‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 352.

29

..........

____________

يدخل بأهله أ يرجم، قال: لا» (1)، و صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الرجل يزني و لم يدخل بأهله أ يحصن، قال: «لا، و لا بالأمة» (2).

و كما لا يحصن الرجل بمجرد العقد الدائم كذلك لا تصير المرأة محصنة إلا بالدخول بها، و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السّلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ «فَإِذٰا أُحْصِنَّ»، قال: إحصانهنّ أن يدخل بهنّ، قلت: فان لم يدخل بهنّ اما عليهن حدّ، قال: «بلى» (3)، و مقتضى ملاحظة الصدر و الذيل كون المراد بتعلق الحدّ بهنّ مع عدم الدخول تعلق حدّ الجلد.

و على الجملة، فلا ينبغي التأمّل في اعتبار الدخول بالمرأة في إحصانها و إحصان زوجها، مع انحصار زوجيتها بنكاح دائم عليها، و الا يكفي في إحصانه الدخول بالمنكوحة الأخرى، و احتمال أنّ المراد بالدخول بها في الروايات مجرّد الزفاف و إدخال المنكوحة بيت زوجها لا أساس له، و قد صرّح (عليه السّلام) في صحيحة أبي بصير المتقدّمة: «انّ العبد الذي له زوجة حرّة لا يكون محصنا بعد عتقه، الّا أن يواقع زوجته الحرّة بعد عتقه» (4).

نعم، لا يعتبر الدخول في قبلها، بل يكفي في الإحصان الدخول بها في دبرها، كما هو مقتضى الإطلاق في الروايات المتقدمة و غيرها، بل لا يبعد القول‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 358.

(2) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 9: 359.

(3) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 4: 358.

(4) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 358.

30

..........

____________

بالإطلاق حتّى ما إذا كان الدخول بها على الوجه المحرّم، كالدخول بها أيّام حيضها أو نهار شهر رمضان و نحو ذلك.

بقي في هذا الأمر شي‌ء، و هو انّ ظاهر عبارة الماتن (قدّس سرّه) عدم اعتبار خصوص الزوجة الدائمة في إحصان الرجل، بل يكفي فيه أن يكون له فرج مملوك، و لو بان كانت له أمة قد وطأها عند فجوره، و هذا هو المشهور بين الأصحاب، خلافا لجماعة من عدم تحقّق الإحصان بملك اليمين، كما هو المحكي عن القديمين و الصدوق و الديلمي.

و يدل على ما هو المشهور موثقة إسحاق بن عمار المتقدّمة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن الرجل إذا هو زنى و عنده السرية و الأمة يطأها تحصنه الأمة و تكون عنده؟ قال: «نعم انّما ذلك لانّ عنده ما يغنيه» (1)، و في صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السّلام) قال: سألته عن الحر تحته المملوكة، هل عليه الرجم إذا زنى؟ قال: «نعم» (2)، إلى غير ذلك ممّا يأتي.

و لكن في البين روايات يقال بدلالتها على عدم حصول الإحصان بملك اليمين.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام)، حيث ورد فيها:

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 352.

(2) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 11: 354.

31

..........

____________

«و كما لا تحصنه الأمة و اليهودية و النصرانية إن زنى بحرة كذلك لا يكون عليه حدّ المحصن إذا زنى بيهودية أو نصرانية أو امة و تحته حرّة» (1)، فإنّ ظاهرها اعتبار أمرين: أحدهما ان يكون عنده الحرة المسلمة عند فجوره، و ثانيهما أن يكون زناه بالحرة المسلمة.

و في صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (عليه السّلام) عن الرجل يزني و لم يدخل بأهله أ يحصن، قال: «لا، و لا بالأمة» (2).

و في صحيحته الثالثة قال سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الحر أ تحصنه المملوكة قال: «لا يحصن الحر المملوكة و لا يحصن المملوك الحرة و النصراني يحصن اليهودية و اليهودية تحصن النصراني» (3).

و يحتمل أن يكون الجواب في هذه الصحيحة ناظرا إلى أنّ الزوج الحر أو المولى لا يجعل المملوكة محصنة و لا يحصن الزوج المملوك الحرة محصنة، نظير ما ورد في صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لا يحصن الحر المملوكة و لا المملوك الحرة» (4).

نعم، في صحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل الحر‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 9: 354.

(2) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد الزنا، الحديث 9: 359.

(3) الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 357.

(4) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 7: 353.

32

..........

____________

أ يحصن المملوكة؟ قال: «لا يحصن الحر المملوكة، و لا يحصن المملوكة الحر، و اليهودي يحصن النصرانية، و النصراني يحصن اليهودية» (1)، و يتعيّن أن تكون المملوكة في الجملة الثانية بالرفع و الحرّ بالنصب، و الا كان تكرارا للجملة الأوّلى، هكذا.

و قد تقدّم أنّ المستفاد من الصحيحة الأوّلى لمحمّد بن مسلم اعتبار أمرين في تعلق الرجم بالزاني الحرّ: كون المرأة المزني بها حرة مسلمة و أن يكون عنده عند فجوره الزوجة الدائمة الحرة.

و اعتبار الأوّل ليس في كلام أصحابنا، بل هو منقول عن أبي حنيفة و أصحابه، و ربّما يكون ذلك قرينة على أنّ الثاني أيضا غير معتبر و وروده فيها لرعاية التقية فإنّه أيضا منسوب إلى أبي حنيفة و أصحابه و في رواية إسماعيل بن أبي زياد يعني السكوني، و لا يبعد اعتبارها و ان يكون في سندها محمّد بن عيسى والد احمد بن محمّد بن عيسى، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه انّ محمّد ابن أبي بكر كتب إلى علي (عليه السّلام) في الرجل زنى بالمرأة اليهودية و النصرانية، فكتب اليه: «ان كان محصنا فارجمه و ان كان بكرا فاجلده مائة جلدة ثم انفه، الحديث» (2).

و على ذلك، فلو كان ما ذكر قرينة على ما ورد في عدم كفاية الأمة في‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 8: 353.

(2) الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 361.

33

..........

____________

إحصان الرجل لرعاية التقية فهو، و الا فقد يقال: انّ الطائفتين متعارضتان و الترجيح لما دلّ على كفاية الأمة في الإحصان، لكونه مخالفا للعامة، و لو لم يثبت هذا أيضا تعارضتا و تساقطتا و يرجع إلى العموم أو الإطلاق الدال على الكفاية.

و في صحيحة إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قلت: «ما المحصن رحمك اللّه، قال: من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن» (1).

و في صحيحة حريز قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحصن قال: فقال:

«الذي يزني و عنده ما يغنيه» (2) فإن إطلاقهما يقتضي كفاية الأمة.

أقول: يمكن المناقشة فيه أنّه لو لم يتمّ ما تقدّم من القرينة و كانت الطائفتان متعارضتين، يكون الترجيح لما دلّ على عدم الكفاية، لموافقته للكتاب المجيد الدال على أنّ حدّ الزاني و الزانية هو الجلد بلا تفصيل.

و على الجملة الرجوع إلى الإطلاق المتقدّم مبني على انّ الكتاب عند تعارض الطائفتين مرجع، فإنّه على هذا المبنى لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى إطلاق الكتاب، لكون صحيحة إسماعيل بن جابر و صحيحة حريز أخصّ، و امّا بناء على كون موافقة الكتاب مرجحا لأحد المتعارضين فاللّازم الأخذ بالطائفة الدالة على عدم اكتفاء الأمة في الإحصان.

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 352.

(2) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 352.

34

..........

____________

اللّهم الّا ان يقال: لم يثبت أن موافقة الكتاب هو المرجح الأوّل، بل هي و مخالفة العامة في رتبة واحدة، و مع وجود المرجح في كل من الطائفتين تتكافئان، و يرجع بعد تساقطهما إلى الإطلاق الدال على كفاية الأمة في الإحصان.

و منها: أنّه يعتبر في إحصان الرجل مع ما تقدّم تمكنه من الفرج المملوك له زمان فجوره، فإذا كانت زوجته غائبة عنه بحيث لا يمكن الوصول إليها، أو كان الرجل محبوسا لا يتمكن من الخروج إليها، فلا رجم لعدم الإحصان، و ظاهر جماعة اعتبار وصول الرجل إلى زوجته أو مملوكته في طرفي النهار، و لو لم يصل إلّا في أحد طرفيها فلا رجم.

و الظاهر أنهم استظهروا ذلك ممّا ورد في صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام)، حيث ورد فيها: «من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن».

و ظاهر الرواية اعتبار الفعليّة زمان فجوره، و لكن المذكور في المحكي عن الشيخين و جمع آخر مجرّد التمكن من الفرج المملوك.

و يمكن أن يستظهر من صحيحة حريز التمكن من الوصول إلى زوجته أو مملوكته، بان تكونا عنده عرفا، قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المحصن قال:

35

..........

____________

«الذي يزني و عنده ما يغنيه» (1).

فانّ المتفاهم العرفي منها أن تكون زوجته أو أمته عنده، و لو لم يغدو عليها في بعض الأحيان، كمن كان مشتغلا بعمل في مكان لا يصل إلى أهله في بعض الأحيان في شي‌ء من طرفي النهار، مع تمكنه من الوصول إليها عرفا.

و على الجملة، مقتضى المتفاهم العرفي من ملاحظة الصحيحتين هو اعتبار التمكن من الوصول إلى زوجته أو مملوكته مع وصوله إليها أيضا بحسب الغالب، كما هو ظاهر عبارة الماتن.

و في صحيحة محمّد بن مسلم قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول:

«المغيب و المغيبة ليس عليهما رجم الّا ان يكون الرجل مع المرأة و المرأة مع الرجل» (2).

و صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الرجل الذي له امرأة بالبصرة ففجر بالكوفة أن يدرأ عنه الرجم و يضرب حدّ الزاني»، قال: و قضى في رجل محبوس في السجن و له امرأة حرّة في بيته في المصر و هو لا يصل إليها فزنى في السجن، قال: «عليه الحدود و يدرأ عنه الرجم» (3)، و في خبر عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «لا يرجم الغائب عن‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب حد الزنا، الحديث 4: 352.

(2) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 355.

(3) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 355.

36

..........

____________

اهله» (1).

و الحاصل اعتبار كون الرجل عند امرأته في طرفي النهار حتى في يوم فجوره، بحيث لو كان في ليلة ضيفا عند أحد فزنى في تلك الليلة أن لا يثبت له الرجم لعدم غدوة على الفرج المملوك له، فغير محتمل، و لا يساعده ظاهر ما تقدّم بحسب المتفاهم العرفي، و لذا قيد في الجواهر بأنّه يغدو عليه و يروح إذا شاء.

فلا يبعد أن يقال: مقتضى ملاحظة ما تقدّم من الروايات مع ملاحظة المتعارف بين الرجال و النساء اعتبار كون الرجل متمكنا من الوصول إلى زوجته أو مملوكته، و كونهما تحت اختياره أيضا زمان فجوره عرفا، بان لا يكون هو غائبا أو زوجته غائبة، بحيث لم يمكن له الوصول إليها إلّا بعد مدّة من الزمان بأن يصدق عرفا أنّه غائب عن اهله، و كذا فيما كان محبوسا، و منه أيضا ما إذا كانت زوجته مريضة بحيث لا يمكن له الاستمتاع منها عندما هاجت به شهوته، و لذا يمكن التفرقة بين حيض المرأة و مرضها بالنحو المزبور، حيث يمكن الاستمتاع بها في الأوّل دون الثاني.

و قد ورد في خبر عمر بن يزيد تحديد غيبوبة الرجل عن أهله بالسفر الموجب للقصر و الإفطار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أخبرني عن الغائب عن‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 355.

37

و لو تزوج محرّمة: كالأم و المرضعة و المحصنة، و زوجة الولد و زوجة الأب، فوطأ مع الجهل بالتحريم فلا حدّ (1)، و لا ينهض العقد بانفراده شبهة في

____________

أهله يزني هل يرجم إذا كان له زوجة و هو غائب عنها، قال: «لا يرجم الغائب عن أهله و لا المملك الّذي لم يبن بأهله و لا صاحب المتعة، قلت: ففي أيّ حدّ سفره لا يكون محصنا، قال: إذا قصر و أفطر فليس بمحصن» (1).

و الرواية في سندها عبد الرحمن بن حماد، و لم يثبت له توثيق و لم يعمل بظاهرها ليدعي انجبار ضعفها، و نظيرها مرفوعة محمّد بن الحسين مع إضمارها.

و على ما ذكرنا، فان شك في صدق الغياب عن الأهل و عدم الوصول إليها و عنده الفرج المملوك له عند فجوره يكتفي بالجلد، أخذا بالإطلاق في الآية المباركة بعد إجمال المخصّص المقيّد له كما تقدم.

(1) ما ذكر (قدّس سرّه) تفريع على ما تقدّم، من اشتراط العلم بالحرمة في تعلّق الحد بالزاني و الزانية، و الّا يكون الوطي من الشبهة الدارئة للحدّ.

و المستفاد من كلماتهم في ملاك وطء الشبهة يختلف، و قد ذكر بعضهم أنّ الوطء المحرم مع الظن بالإباحة هو وطء الشبهة، و البعض الآخر أنّ الوطء غير المستحق مع عدم العلم بحرمته وطء الشبهة.

و بعضهم أنّ الوطء غير المستحق مع الاعتقاد بحليّته وطء الشبهة، حتى‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 356.

38

سقوط الحدّ، و لو استأجرها للوطء لم يسقط بمجرده، و لو توهم الحلّ به سقط.

____________

فيما إذا كان مقصرا في تحصيل ذلك الاعتقاد أو كان حليته مقتضى الحكم الظاهري، كما إذا أخبرت بأنها خلية مع احتمال صدقها أو شك في تحقق الرضاع المحرم، فانّ مقتضى اعتبار قول المرأة أو استصحاب عدم تحقّق الرضاع جواز العقد عليها و استحقاق الوطء، و أما إذا لم يكن اعتقاد بالحلية و لا حكم ظاهري، بأن كان عند العمل محتملا حرمة الوطء و عدم استحقاق الاستمتاع بالمرأة، و لم يكن في البين ما يقتضي عذره في حرمتها عليه، فالوطء المزبور مع حرمتها عليه واقعا زناء، فيترتب عليه تعلق الحد، جلدا كان أم رجما.

كما يلحق بالزنا ما إذا كان عند العمل غافلا من حرمة الوطي، و لكن كان غفلته بارتكاب المحرم كالسكران، و أمّا إذا لم تكن الغفلة ناشئة عن ارتكاب المحرم كطريان الجنون فلا حدّ لعدم التكليف في حقه.

و قد استظهرنا فيما تقدم أنّ مع الجهل بحرمة المرأة عليه، و لو كان جهله تقصيريا لا يتعلّق به الحد، لعدم كونه زنا و لا أقل من الشك في صدقه، بل استظهرنا سقوط الحدّ بالجهل حتى مع الصدق من صحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة في نفي الكفارة عن مرتكب موجبها حتى مع الجهل تقصيرا.

نعم، لا فرق في تعلق الحدّ بالواطئ مع علمه عند العمل بحرمة المرأة عليه، بين كون علمه وجدانيا أو تعبديا حاصلا من اجتهاده أو تقليده، و احتمال الاختصاص بالأوّل، كما يحتمل في عبارة العلامة (قدّس سرّه) لا وجه له.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ مجرد العقد على الأمّ أو غيره بنفسه لا يحسب شبهة‌

39

و كذا يسقط كل موضع يتوهّم الحلّ، كمن وجد على فراشه امرأة فظنّها زوجته فوطئها، و لو تشبهت له فوطأها فعليها الحدّ دونه، و في رواية: يقام عليها الحد جهرا و عليه سرّا، و هي متروكة، و كذا يسقط لو إباحته نفسها فتوهم الحلّ.

و يسقط الحدّ مع الإكراه: و هو يتحقّق في طرف المرأة قطعا، و في تحقّقه في طرف الرجل تردّد، و الأشبه إمكانه، لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع، و يثبت للمكرهة على الواطئ مثل مهر نسائها على الأظهر (1).

____________

و لا كاشفا عن عدم علم الواطي بالحرمة، و كذلك استئجار المرأة لوطيها، و إذا كان الواطئ من طرف مع الجهل بالحرمة و من الطرف الآخر مع العلم بها يكون الوطي بالإضافة إلى الجاهل شبهة و بالإضافة إلى العالم بها زنا، و لو تشبهت الأجنبية بزوجة الرجل فوطئها تعلّق بها الحد دون الرجل.

و في رواية أبي روح: انّ امرأة تشبهت بأمة الرجل و ذلك ليلا فواقعها، و هو يرى أنّها جاريته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي (عليه السّلام) فقال: «اضرب الرجل حدّا في السر و اضرب المرأة حدا في العلانية» (1)، و لإرسالها و ضعفها و مخالفتها لما تقدم لا يصلح للاعتماد بها.

(1) المنسوب إلى المشهور ثبوت المهر على الزاني إذا استكره المرأة كثبوته على واطئ المرأة شبهة، و الكلام في المقام في جهتين.

الأوّلى: إذا كانت المرأة باكرة و اغتصبها و أزال بكارتها بالدخول بها، و لا‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 38 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 409.

40

و لا يثبت الإحصان الّذي يجب معه الرجم حتّى يكون الواطئ بالغا حرّا،

____________

ينبغي التأمل في الفرض، بأنّ على الزاني في الفرض أرش بكارتها المقدر بمهر المثل.

و في موثقة طلحة بن زيد عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السّلام) قال: «إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر قيمتها، و ان كانت حرة فعليه الصداق» (1).

و ثبوت هذا بعنوان أرش البكارة، و لذا يثبت مع ازالة بكارتها بغير الدخول، في معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه ان عليا رفع اليه جاريتان دخلتا الحمام و افتضت أحدهما الأخرى بإصبعها فقضى على التي فعلته عقرها» (2).

و الجهة الثانية: ما إذا استكره الثيب و دخل بها، فان المنسوب إلى الشهرة ثبوت مهر المثل على الزاني في هذا الفرض، و يستدلّ على ذلك بوجوه ثلاث.

الأول: ما تقدّم من موثقة طلحة بن زيد المتقدّمة التي ذكرنا أنّها ناظرة إلى الجهة الأولى.

الثاني: ما عن الشهيد الثاني و غيره، من أنّ مهر المثل عوض البضع التي استوفاه، و فيه أنّه لم يثبت هذا، فانّ الوارد في وطي الشبهة هو أنّ على الواطي‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 39 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 410.

(2) الباب 45 من أبواب المهور.

41

و يطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق تمكن منه يغدو عليه و يروح، و في رواية مهجورة: دون مسافة التقصير.

و في اعتبار كمال العقل خلاف (1)، فلو وطئ المجنون عاقلة وجب عليه

____________

المهر بما استحلّه من فرجها، و هذا المضمون لا يشمل الإكراه على الزنا.

و الثالث: الأخذ بإطلاق ما دلّ على أنّ الدخول يوجب الغسل فيما وجب فيه الحد، و أنّ مسّ الختانين يوجب الغسل و الحدّ و المهر، غاية الأمر يرفع اليد عن إطلاقها فيما إذا كانت المرأة أيضا مختارة يعني زانية لما دل على عدم المهر لبغي.

و فيه أنّه لا تصل النوبة إلى التمسك بالإطلاق المزبور، مع ما ورد في موثقة أخرى لطلحة بن زيد التي رواها الشيخ و الصدوق (قدّس سرّهما)، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السّلام) قال: «ليس على زان عقر، و لا على المستكرهة حدّ» (1).

فإنها و لو بنقل الشيخ غير خالية عن المناقشة في السند، و لكن لا مناقشة على طريق الصدوق، و إطلاق الزاني يعم المكره بالكسر و غيره، و على الجملة الالتزام بما عليه المشهور على ما قيل لا يخلو عن صعوبة.

(1) الظاهر أنّه لا خلاف في عدم تعلّق الحد بالمجنونة، و يشهد لذلك مضافا إلى ارتفاع التكليف عنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السّلام) في امرأة مجنونة زنت، قال: «انها لا تملك أمرها ليس عليها شي‌ء» (2)، و نحوها‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حد الزنا، الحديث 5: 383.

(2) الوسائل: 18، الباب 21 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 388.

42

الحدّ رجما أو جلدا، هذا اختيار الشيخين رحمهما اللّه، و فيه تردّد.

____________

غيرها، و قد تقدم بعضها في عدم تعلق الحدّ بالمستكرهة.

و أمّا بالإضافة إلى الرجل، فالمشهور أنّ الحدّ لا يتعلق بالمجنون لارتفاع التكليف عنه، و المنسوب إلى الشيخين و الصدوق و بعض آخر أنّه يجري الحدّ على المجنون، فان كان محصنا رجم و ان كان غير محصن جلد.

و يدل على التفرقة بين الرجل و المرأة رواية أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد و إن كان محصنا رجم، قلت: و ما الفرق بين المجنون و المجنونة و المعتوه و المعتوهة، فقال: المرأة إنّما تؤتى و الرجل يأتي، و انمّا يزني إذا عقل كيف يأتي اللذة» (1).

و لكنّ الرواية لضعفها بإبراهيم بن الفضل الراوي عن ابان بن تغلب لا يمكن الاعتماد عليها، و في صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «لا حدّ لمن لا حدّ عليه، يعني لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا و لو قذفه رجل لم يكن عليه حد» (2) و ظاهرها عدم الحد على المجنون، بلا فرق بين حدّ القذف أو غيره، و نحوها موثقة عمار.

ثم انّه اعتبر جماعة في تعلق الرجم بالرجل كون المزني بها بالغة عاقلة، فلو زنى الحر البالغ العاقل الذي له فرج يروح و يغدو عليه بصبية أو مجنونة لا يرجم، و ذكروا في وجه ذلك بنقص اللّذة في الدخول بالصبية و المجنونة،

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 21 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 388.

(2) الوسائل: 18، الباب 19 من مقدمات الحدود، الحديث 1: 332.

43

و يسقط الحدّ بادّعاء الزّوجية، و لا يكلّف المدّعى بينة و لا يمينا (1)، و كذا

____________

و بنقص حرمتهما بالإضافة إلى البالغة العاقلة، و بما ورد في الصبي إذا زنى بالمحصنة بأنّ الصبي يضرب دون الحد و على المرأة الجلد دون الرجم.

و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة، قال: «يجلد الغلام دون الحد، و تجلد المرأة الحدّ كاملا، قيل: و ان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم لأنّ الذي نكحها ليس بمدرك و لو كان مدركا لرجمت» (1).

حيث يقال: مقتضى التعليل اعتبار البلوغ في المزني بها إذا كان الزاني بها محصنا، و لكن لا يخفى أنّ الوجهين الأولين لا يخرجان عن مجرد الاستحسان، و الصحيحة لا دلالة لها على حكم صغر المزني بها مع كون الزاني بها محصنا.

و مقتضى الإطلاق في رجم المحصن إذا زنى، بل إطلاق بعض ما ورد في أنّ الرجل إذا زنى بالصبية حدّ، ثبوت الرجم مع إحصان الرجل، بلا فرق بين بلوغ المزني بها أو عقلها، و بين صغرها أو جنونها، و بلا فرق بين كون الحد جلدا أو رجما.

(1) يسقط الحد عن الواطئ أو عن الموطوء بادعاء الزوجية بينهما، و لا يطالب عن مدعيها البينة على مدعاه أو اليمين على إنكاره الزنا، بلا خلاف معروف أو منقول، و يشهد لذلك ما تقدم من سماع دعوى المرأة الاستكراه‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 362.

44

بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر الى المدّعى.

____________

عليها، و ان عليا (عليه السّلام) درأ عنها الحد، حيث يظهر منه أن مع احتمال العذر في الارتكاب فضلا عن احتمال عدم الارتكاب لا مورد للحد.

و لكن في صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في امرأة تزوجت و لها زوج، فقال: «ترجم المرأة، و ان كان للذي تزوجها بينة على تزويجها و إلّا ضرب الحد» (1).

و ظاهرها على ما قيل عدم سماع دعوى الزواج بلا بينة بالتزويج، و قد حملها الشيخ (قدّس سرّه) على كون الرجل متهما في دعوى العقد عليها.

أقول: لا يمكن الأخذ بظاهرها، فإن البينة بتزويجها لا تزيد عن العلم الوجداني بإجراء العقد عليها، و قد تقدم أن مجرد اجراء العقد على المدخول بها لا يحسب شبهة، بل لا بدّ من احتمال انّه لم يكن يعلم بأن المرأة ذات بعل، و مع احتماله لا يثبت الزنا، اقام على العقد بينة أم لم يقم.

و كما أن دعوى الزوجية مسقطة للحد كذلك دعوى الشبهة في الوطء، فإنه مع احتمال الصدق يسقط الحد، كما استظهرنا ذلك من الروايات الواردة في تزويج المرأة في عدتها أو دعوى الجهل بحرمة الزنا مع احتماله في حقه، أضف إلى ذلك المرسل المشهور في درأ الحدود بالشبهة.

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 9: 398.

45

و الإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل (1) لكن يراعى فيها كمال

____________

(1) يعتبر في إحصان المرأة كونها حرة لها زوج دائم عند فجورها و قد دخل بها و تمكنت هي من زوجها، بمعنى أن زوجها يطالبها بالفعل بحقه منها، المعبر عن ذلك بوصول زوجها إليها و وصولها إلى زوجها.

و على الجملة يفترق إحصان الرجل عن إحصان المرأة في أمرين:

أحدهما: ما تقدم من انّه لو كان الزاني بها صغيرا لم يتعلق بها الرجم، و قد تقدم أنّ الحكم كذلك لو كان الزاني بها مجنونا عند جماعة من الأصحاب، و هذا بخلاف الرجل فإنّه قد تقدّم تعلّق الرجم عليه إذا كان محصنا، بلا فرق بين كون المزني بها صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة.

الثاني: المعتبر في إحصان المرأة تمكنّها من زوجها، بمعنى أنّ زوجها بالعقد الدائم يطالبها بحقه عليها، لا أنّها تتمكن من المطالبة بالاستمتاع من زوجها متى شاءت، كما كان هذا معتبرا في إحصان الرجل، فإنه لا يجب الإجابة على زوجها بمطالبتها المزبورة بخلاف الزوجة، فإنه تجب عليها الإجابة لزوجها.

و يشهد لما ذكرنا صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن امرأة تزوجت رجلا و لها زوج، قال: «فقال: ان كان زوجها الأوّل مقيما معها في المصر التي هي فيه تصل اليه و يصل إليها فإنّ عليها ما على الزاني المحصن، و ان كان زوجها الأوّل غائبا أو كان مقيما معها في المصر لا يصل إليها و لا تصل اليه‌

46

العقل إجماعا، فلا رجم و لا حدّ على المجنونة في حال الزنا و ان كانت محصنة، و ان زنى بها عاقل، و لا تخرج المطلّقة رجعية عن الإحصان (1).

____________

فإنّ عليها ما على الزانية غير المحصنة» (1).

و يدلّ على اعتبار الحرية في إحصانها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) في مكاتبة زنت- إلى ان قال:- «و ابى ان يرجمها و أن ينفيها قبل ان يبيّن عتقها» (2)، و قريب منها غيرها.

كما يدلّ على اعتبار العقد الدائم ما تقدّم من عدم حصول الإحصان إلّا بالعقد الدائم و الشي‌ء الدائم، و تلك الروايات و ان كانت ناظرة إلى إحصان الرجل، و لكن ظاهرها انّ الإحصان المعتبر في الرجم لا يحصل بالمتعة، بلا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة، و أمّا اعتبار الدخول بها فقد تقدّم أنّ إحصانهنّ أن يدخل بهنّ.

و أمّا اعتبار البلوغ و العقل و الاختيار، بمعنى عدم الإكراه، فهي من شروط تعلّق مطلق الحد، سواء كان حدّ الزنا بالجلد أو بالرجم أو حدّ غيره.

(1) بلا خلاف معروف أو منقول، و يكفي في تعلق الرجم بكلّ من الرجل و المرأة ما دل على أنّ المطلقة رجعية زوجة فيترتب أحكامها، و منها تعلق الرجم بزنا كلّ منهما مع علمه بالحكم و الموضوع.

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 395.

(2) الوسائل: 18، الباب 32 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 404.

47

و لو تزوّجت عالمة كان عليها الحد تاما، و كذا الزوج ان علم التحريم و العدة، و لو جهل فلا حدّ، و لو كان أحدهما عالما حدّ حدّا تامّا دون الجاهل، و لو ادعى أحدهما الجهالة، قيل: إذا كان ممكنا في حقه.

____________

و يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأنّ مع الطلاق و لو رجعيا يرتفع ما يعتبر في الإحصان، من وصول الرجل إلى المرأة و وصولها اليه، و كون الزوج بحيث يغدو و يروح عليها، خصوصا إذا كانت هي الزانية.

و يمكن الاستدلال على الحكم بصحيحة يزيد الكناسي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن امرأة تزوّجت في عدتها، فقال: «ان كانت تزوّجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة، فانّ عليها حدّ الزاني غير المحصن، و إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فانّ عليها الرجم، و ان كانت تزوجت في عدة بعد موت زوجها من قبل انقضاء الأربعة أشهر و العشرة أيام فلا رجم عليها، و عليها الضرب مائة جلدة» (1).

و في موثّق عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل كانت له امرأة فطلّقها أو ماتت فزنى، قال: «عليه الرجم، و عن امرأة كان لها زوج فطلّقها أو مات ثم زنت عليها الرجم؟ قال: نعم» (2).

و يتعيّن حمل الطلاق فيها على الطلاق الرجعي، للتفصيل الوارد في صحيحة يزيد الكناسي، و أمّا الزنا بعد موت الزوج الوارد في الموثقة فلا بدّ من‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 3: 396.

(2) الوسائل: 18، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 8: 398.

48

و يخرج بالطلاق البائن عن الإحصان، و لو راجع المطلق المخالع لم

____________

طرحه، لمعارضته لما ورد في صحيحة يزيد الكناسي، و موافقة الصحيحة لما في الكتاب المجيد، من الإطلاق الدال على أنّ حدّ الزاني و الزانية مائة جلدة.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في روايتي علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السّلام) قال:

«سألته عن رجل طلق أو بانت امرأته ثم زنى ما عليه؟ قال: الرجم» (1)، و سألته عن امرأة طلقت فزنت بعد ما طلقت هل عليها الرجم؟ قال: «نعم» (2).

فإنّه لا بدّ من حمل الطلاق فيهما على الرجعي، و أمّا ما ورد من الرجم فيما إذا بانت امرأته ثم زنى، فيطرح كما عرفت، هذا مع المناقشة في سندهما.

ثم انّه قد ذكرنا عدم خروج الرجل عن الإحصان بطلاق زوجته بطلاق رجعي، و أنّه لو زنى الزوج قبل انقضاء عدة زوجته تعلّق به الرجم، و لكن حيث ذكر الماتن في العبارة العلم بالتحريم و العدة فسره في الجواهر بالزوج الثاني و انه لو كان هذا الزوج جاهلا بأنّ المرأة ذات عدّة أو جهل عدم جواز تزويج المعتدّة لم يثبت عليه الحد و الّا ثبت، سواء كان جلدا أو رجما.

و لو ادعى أحدهما الجهالة بعدّتها أو بحرمة التزويج في العدة، و كانت الجهالة محتملة في حقه، سمعت الدعوى، على ما تقدم من كون الجهالة موجبة لسقوط الحد.

و ذكر الماتن (قدّس سرّه) أنّ الطلاق البائن، و منه الطلاق الخلعي، يوجب خروج‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 357.

(2) الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 357.

49

يتوجّه عليه الرجم إلّا بعد الوطي، و كذا المملوك لو أعتق و المكاتب إذا تحرر.

و يجب الحدّ على الأعمى (1)، فإن ادعى الشبهة، قيل: لا يقبل، و الأشبه

____________

المرأة و الرجل عن الإحصان، و إذا رجعت المرأة في بذلها يحدث الزوجية بينهما برجوعها إلى بذلها، فما لم يدخل بها بعد هذه الزوجية لا يتعلّق بزناه الرجم، و كذا بزنا المرأة حيث أنّه لا إحصان إلّا بالدخول بها.

و كذا كلّ من كانت له زوجة دائمة، و لكن كان عند دخوله بها غير واجد لما يعتبر في تعلّق الحد بالزاني، كما إذا كان عند دخوله بها صغيرا أو مجنونا أو عبدا، فإنّه إذا زنى بعد بلوغه أو إفاقته أو حريته يعتبر في تعلق الرجم بزناه دخوله بزوجته الدائمة بعد بلوغه أو إفاقته أو حريته.

كما يشهد لذلك ما ورد في عتق العبد المزوج من حرّة، من أنّه لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق.

(1) لإطلاق ما دل على تعلّق الحد بالزاني و الزانية و تعلق الرجم بالمحصن و المحصنة، و لم يعرف بل و لم ينقل خلاف في ذلك عن أصحابنا، نعم المحكي عن الشيخين و ابن البراج و سلّار عدم قبول دعوى الشبهة من الأعمى، و لم يعلم دليل على ذلك، و المحكي عن ابن إدريس قبول دعواه الشبهة بشهادة الحال بها ادعاه، بأن تكلم المرأة مماثلا مع تكلم زوجته و جسمها مماثلا لجسم امرأته من حيث السمن و عدمه و المحكي عن بعض سماع دعوى الشبهة إذا كان عدلا، و كلّ ذلك مما لا وجه له مع احتمال صدقه، فإنّه مع احتمال العذر لا يجري على انسان حدّ، و الأعمى و غيره في ذلك سواء.

50

القبول مع الاحتمال.

[و يثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة]

و يثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة،

[امّا الإقرار]

امّا الإقرار فيشترط فيه بلوغ المقر و كماله و الاختيار و الحرية (1)،

____________

(1) يثبت موجب الحدّ باعتراف المرتكب أو قيام البيّنة على ارتكابه، و يعتبر في نفوذ الإقرار بلوغ المقرّ و كمال عقله و عدم الإكراه عليه في إقراره و عدم كونه رقا.

أمّا اعتبار البلوغ، فلأنّ الصبي مرفوع عنه القلم لا يؤخذ على أمره و منه إقراره، و لكن يؤدّب لكذبه أو صدور الفعل عنه، و ممّا ذكر يظهر الحال في اعتراف المجنون و لا أثر لإقراره، و موضوع النفوذ إقرار العاقل.

و ذكروا في نفوذ الإقرار الاختيار، فانّ اعتراف المكره عليه بلا خلاف يعرف، لحكومة حديث رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه، لا اثر له.

و في خبر أبي البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «انّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال:

من أقرّ عند تجريد أو تخويف أو حبس أو تهديد فلا حدّ عليه» (1).

و المنفي نفوذ الإقرار عن إكراه و تخويف و ثبوت الواقع به، و أمّا إذا أحرز الواقع بالقرائن على صدق اعترافه، فهذا أمر آخر غير مربوط بنفوذ الإقرار، كما أنّه لو أحرز الارتكاب بغير إقراره، و لكن طولب منه الإقرار، و لو بالتخويف‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد السرقة، الحديث 2: 497.

51

..........

____________

و التهديد لقطع عذره و قطع السبيل عنه في دعوى أنّ اجراء الحد عليه من الظلم، فلا بأس.

و في صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل سرق فكابر عنها فضرب فجاء بعينها هل يجب عليه القطع، قال: «نعم، و لكن لو اعترف و لم يجي‌ء بالسرقة لم تقطع يده لانّه اعترف على العذاب» (1).

و التعليل فيها مقتضاه عدم اثر للاعتراف مع العذاب و نحوه، إلّا إذا أحرز وقوع الارتكاب، فانّ المجي‌ء بالعين بالمباشرة لا خصوصية له، كما لا يخفى.

و يعتبر في نفوذ الإقرار كون المقر حرّا، فلا اعتبار باعتراف العبد بزناه، إلّا أن يصدّقه مولاه، بلا خلاف عندنا، حيث إنّ الإقرار ينفذ على المقر دون غيره، فإقراره على نفسه اعتراف على مولاه فإنّه مملوكه، فإجراء الحد عليه تصرّف في ملك الغير، بل ربما يعد الحد الجاري عليه عيبا، بل ثبوت زناه عيبا يوجب سقوطه أو تنزلّه عن القيمة التي لمولاه.

و مع الغض عمّا ذكر يشهد للحكم صحيحة الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «إذا أقر المملوك على نفسه بالسرقة لم يقطع و ان شهد عليه شاهدان قطع» (2).

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حد السرقة، الحديث 1: 497.

(2) الوسائل: 18، الباب 35 من أبواب حد السرقة، الحديث 1: 532.

52

..........

____________

و قد يقال بنفوذ إقرار المملوك على نفسه، و يتبع به بعد عتقه أو انعتاقه، و لا يقاس بإقرار الصبي، حيث لا يتبع به بعد بلوغه، و الفارق أنّ اعتراف الصبي ملغى بخلاف اعتراف العبد، فانّ عدم سماعه لكونه إقرارا على الغير لا لسلب اعتبار كلامه، و فيه ما لا يخفى، فإنّه بعد عتقه لم يعترف، و ما اعترف به كان على مولاه فلا ينفذ، نعم لو أعاد اعترافه بعد عتقه ينفذ.

هذا كله مع عدم تصديق مولاه، و أمّا مع تصديقه فيكون تصديقه اعترافا من المولى على نفسه فينفذ، و على هذا تحمل صحيحة ضريس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «إذا أقرّ العبد على نفسه عند الإمام مرة أنّه قد سرق قطعه، و الأمة إذا أقرت بالسرقة قطعها» (1).

و كذا صحيحة الفضيل قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام): «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحق من حدود اللّه مرّة واحدة حرّا كان أو عبدا، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام ان يقيم الحد الذي أقرّ به على نفسه كائنا من كان إلّا الزاني المحصن، فإنه لا يرجمه حتى يشهد عليه أربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحد مائة جلدة ثم يرجمه» (2).

مع أنّ مضمون هذه غير مطابق للمذهب من جهات تأتي الإشارة إليها، و على الجملة قياس اعتراف العبد بزناه باعترافه بإتلاف مال الغير، فإنّ إتلافه‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حد السرقة، الحديث 2: 487.

(2) الوسائل: 18، الباب 32 من مقدمات الحدود، الحديث 1: 343.

53

و تكرار الإقرار أربعا في أربعة مجالس (1).

____________

يكون عليه لا على مولاه فيثبت الضمان عليه، غاية الأمر يستوفى بعد عتقه، غير صحيح، فانّ اعترافه بزناه اعتراف على مولاه كما تقدم، و لذا لو صدق العبد مولاه في إتلاف مال الغير لا يكون ضمانه على المولى، بخلاف جنايته على تقدير تصديقه.

(1) يقع الكلام في المقام في جهتين:

الاولى: عدم كفاية الإقرار مرّة أو أقل من الأربعة في ثبوت الزنا، و لم يعرف الخلاف إلّا عن ابن أبى عقيل، فانّ المنسوب إليه كفاية الإقرار مرّة، كما حكي ذلك عن أكثر العامة، و لا فرق في عدم الكفاية بين كون الحد جلدا أو رجما.

الثانية: كون التكرار في أربعة مجالس، و أنّه لا يكفي تكراره في مجلس واحد.

أمّا الجهة الأوّلى: فقد أشرنا إلى أنّ المشهور عند أصحابنا قديما و حديثا عدم الثبوت بالإقرار مرّة، و يدل على اعتبار التكرار بأربع مرّات، سواء كان الزنا موجبا للجلد أو الرجم صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) في رجل قال لامرأته: يا زانية أنا زنيت بك، قال: «عليه حدّ واحد لقذفه إياها، و امّا قوله:

انا زنيت بك فلا حدّ فيه الّا ان يشهد على نفسه أربع شهادات بالزنا عند الإمام» (1).

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب حد القذف، الحديث 1: 446.

54

و لو أقر دون الأربع لم يجب الحدّ و وجب التعزير، و لو أقر أربعا في

____________

و في مرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السّلام) في رجل قال لامرأته يا زانية، قالت: أنت أزنى مني، فقال: «عليها الحد فيما قذفت به، و أما إقرارها على نفسها فلا تحد حتى تقرّ بذلك عند الإمام أربع مرّات» (1).

و مقتضاهما عدم الفرق بين الزنا الموجب للجلد أو الرجم، في أنّ ثبوته يكون بالإقرار بأربع مرّات عند الإمام.

و يدل على ذلك أيضا صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اتى رجل بالكوفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: اني زنيت فطهرني، قال: «ممّن أنت، قال:

من مزنية، قال: أ تقرأ من القرآن شيئا، فقال: بلى، قال: فاقرأ، فقرأ فأجاد، فقال:

أ بك جنّة، قال: لا، قال: فاذهب عني حتى نسأل عنك إلى ان قال: فرجع إليه الرابعة، فلما أقرّ قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لقنبر: احتفظ به ثم غضب، و فيه أنّه رجمه» (2).

وجه الدلالة أنّه لو كان الإقرار مرّة كافية في ثبوت الجلد لما كان لتأخير الحد وجه، و السؤال عن صحة عقله كان بعد الإقرار الأوّل.

و يدل أيضا على اعتبار الإقرار بأربع مرات صحيحة خلف بن حماد، عن‌

____________

(1) الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب حد القذف، الحديث 3: 447.

(2) الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حد الزنا، الحديث 2: 379.