الاعتصام بالكتاب والسنة

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
361 /
3

[مقدمات التحقيق]

مقدّمة المجمع العالمي لَاهل البيت

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و له الحمد و الصلاة و السلام على سيّد الانبياء و المرسلين محمّد و آله الطيبين الطاهرين و صحبه المنتجبين.

و بعد؛

فإنّ الوحدة الاسلامية هي من أهم خصائص الامّة الاسلامية التي أكّد عليها القرآن الكريم و دعا كل مسلم للعمل على تحقيقها، و خطّط لها بشتّى الاساليب.

و أعلن أنّ هذه الوحدة ليست وحدة مصالح، و لا وحدة مكان أو عنصر و إنّما هي وحدة قلوب، وهبها اللّه تعالى التآلف و التحابّ و هو أمر لا يتحقّق عبر الوسائل المادية مهما تعاظمت ... و بها تمّ الانتصار الاسلامي الاوّل على كل طواغيت الكفر و أساطين الاستكبار فقال تعالى:" هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ* وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (الانفال 6362).

4

و قد ظن البعض أنّها وحدة عاطفية ممّا يجعلها واهيةً أيضاً إلّا أنّ الحقيقة هي أنّها وحدة قلوب، و ليس القلب عاطفة لا تقوم على أُسس عقلية كما أنّه ليس عقلًا مجرّداً يبتعد عن التجسّد العاطفي، إنّه التحام الوعي بالاحساس ... و هكذا الوحدة الاسلامية .. انّها تنطلق من أُسس عقائدية متينة واقعية تنير الوجود الانساني بأنوارها و تصوغ الاحاسيس بلطفها كما تصوغ المفاهيم عن الكون و الحياة و الانسان تماماً، و حينئذ يشكل المجموع (العقيدة، و المفاهيم و الاحاسيس) القاعدة الاساسية لقيام المجتمع الاسلامي الرصين الواحد.

و لا ريب في أنّ الاسلام أراد من كل نظمه أن تساهم في إغناء هذه الحقيقة و المساهمة الفاعلة في إيجاد أُمّة موحّدة تغييرية تعمل جادة لتحقيق هدف الخلقة على المستوى الحضاري التاريخي الممتد. و من هذه النظم الاسلامية نفس نظام الاجتهاد الذي يعبّر عن أروع صورة للمرونة الاسلامية كما تعبّر عن أرضية الخصوبة الفكرية المستمرة و طبيعي أن يعلن الاسلام و هو المبدأ الواقعي حرية الاجتهاد و الاستنباط نظراً لَانّه دين الحياة، و نظراً لَانّه يعطي رأيه في كل واقعة، و الوقائع متكثّرة و الاسلام إذ يفتح باب الاجتهاد يمنح المتخصّصين و العلماء كل القواعد و كل المنابع الواضحة، و يعيّن كل الشروط التي تضمن للعملية الاجتهادية أن تبقى في الخط العام تنتج و تثمر و تتعامل مع الواقع منطلقة من الروية المبدئية فإذا الاجتهاد، انطلاقة مبدئية، و ثراء علمي و قدرة على استيعاب الجديد و امتداد مع المسيرة الفطرية الصافية نحو الغد المرسوم هكذا شاء اللّه تعالى للاجتهاد أن يكون مصدر عظمة، و مصدر توحّد، و لا خير في أن تختلف النتائج و تختلف الآراء إن كانت جميعاً في الخط العام .. و ما ورد من النصوص الناهية عن الاختلاف إنّما تنصب على الموقف العملي الاجتماعي و السياسي للَامّة في حين تصوّر البعض أنّها تشير للاختلاف الاستنباطي الفقهي أو المفهومي و ليس الامر كذلك.

5

هذه الحقائق كان ينبغي للقادة و العلماء أن يعلنوها بكل صراحة و أن يمرّنوا الامّة عليها و هذا هو ما أكّده الاسلام و رسوله العظيم و أهل بيته الطاهرون، و من هنا أمكننا أن نقول إنّ مدرسة أهل البيت- (عليهم السلام)- كانت من أهم المدارس مرونة و رحابة صدر، يجلس فيها أئمّة المذاهب لينهلوا من علومها و يرشفوا من معينها الصافي بروح الاخوة و المحبة الخالصة.

إلّا أنّ عصور الظلمة، و دسائس الاعداء، و جهل البعض حول هذه الحالة الاخوية مع الاسف أدّت إلى حالات تنافر و تباعد، و تصوّر بعض العامة أنّ الاختلاف في الآراء الفقهية يعني الاختلاف في المواقف الاسلامية الاجتماعية.

و هذا الكتاب القيّم يعبّر عن محاولة علمية جادة تجمع بين الرأي العلمي القوي و النظرة الاجتماعية القويمة و اللغة السمحة لبيان الموقف في بعض الموارد الفقهية المختلف فيها ممّا يؤكّد ما قلناه ... و سماحة آية اللّه الشيخ السبحاني رجل غني عن التعريف ... خصوصاً و انّ نتاجه العلمي الثر و قدرته الاستقلالية الفائقة تبدو بوضوح من كتبه الكثيرة و الغزيرة بمعلوماتها.

و إنّنا إذ نسأل اللّه جلّ و علا أن يوفّق كل القرّاء الكرام للانتهال من هذا المنهل العذب لنرجوه عزّ و جلّ أن يوفقنا جميعاً لوعي أهداف رسالتنا و العمل بجد و وعي على تحقيقها بما نستطيع إنّه السميع المجيب.

الشيخ محمّد علي التسخيري الامين العام للمجمع العالمي لَاهل البيت- (عليهم السلام)-

6

مقدمة المؤلف:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المذاهب الفقهية تراث إسلامي ثمين

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على رسوله نبي الرحمة‌

و عترته الاسوة، و على من اهتدى بهداهم و اعتصم بالعروة الوثقى.

بُني الاسلام على دعامتين: العقيدة و الشريعة.

فالعقيدة تتكفّل البحث عن اللّه سبحانه و صفاته و أفعاله. و الشريعة تبحث عن وظائف العباد أمام اللّه و أمام أنبيائه و عباده. فلكل من المجالين رجال و أبطال خدموا الاسلام بآرائهم و أفكارهم و أقلامهم.

فالمناهج الكلامية تحاول أن تشقَّ الطريق وصولًا إلى الواقع كما أنّ المذاهب الفقهية تسعى إلى كشف الستر عن وجه الاحكام الواقعية. و الحقّ لا يتلخّص في منهج دون منهج أو في مذهب دون آخر، إذ لازم ذلك بطلان سائر المناهج و المذاهب من رأس و إن كانت تتميّز بقلّة الخطأ و كثرته. و مع ذلك فللمصيب أجران و للمخطئ أجر واحد.

إنّ الطريق المهيع لكسح الخلاف، و تقريب السُّبل، و تداني الآراء؛ هو دراسة الآراء و المقارنة ما بينها في العقيدة و الشريعة، فعند ذاك يتجلّى الحقّ في اطار النقاش بصورة واضحة و يرجع المخطئ المنصف عن خطئه، و يُدعم الحق برجوع الآخر إليه.

إنّ المذاهب الفقهية ثمرة ناضجة لدراسة الكتاب و السنّة و تراث إسلامي وصل إلينا من المشايخ الكبار فللخلف النظر إليها بالاكبار و التقدير، فإنّها جهود رجال نذروا حياتهم في استثمار تلك الشجرة الطيبة. و لكن ذلك لا يعني عدم جواز النقاش فيها على ضوء المنطق الصحيح فانّ التقاء الفكرين أشبه بالتقاء‌

7

الاسلاك الكهربائية التي يتفجّر منها النور.

ففي ضوء هذا الاصل نستعرض في هذه الرسالة مسائل فقهية اختلف فيها مذهب فقهاء الشيعة مع سائر المذاهب الفقهية و ليس الاختلاف ناجماً عن الرغبة في الاطاحة بالحق. بل هو أمر طبيعيّ في كل علم له مسائل نظرية تستنبط من أُصول و ضوابط. فابتغاء الوفاق في جميع المسائل أمر في غير محلّه.

و قد سبقنا في هذا النمط من البحث سيّدنا الجليل العلّامة الاكبر السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (13771290) المغفور له، فآثرنا مواقفه و خطواته، و مشينا على الخط الذي مشى عليه في النقاش و الجدال في كتابه المعروف ب‍ «مسائل فقهية» و إن كانت المسائل مختلفة جوهراً لكنّها متشاكلة عرضاً و استدلالًا.

و قد اخترنا للبحث المسائل التالية و رتّبناها حسب ترتيب الكتب الفقهية:

1 مسح الرجلين أو غسلهما.

2 التثويب في أذان صلاة الفجر.

3 وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة.

4 السجود على الارض أو ما أنبت منها.

5 الخمس في الارباح و المكاسب.

6 الزواج الموَقت.

7 الاشهاد على الطلاق.

8 الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد.

9 الحلف بالطلاق.

10 الطلاق في الحيض و النفاس.

11 الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث.

12 ارث المسلم من الكافر.

13 التعصيب في الارث.

14 العول.

15 التقيّة في الكتاب و السنّة.

8

و بما أنّا صدرنا في هذه المسائل عن الاحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت بعد الاستضاءة من الكتاب و السنّة، فيطيب لنا البحث في الخاتمة حول مصادر علومهم ليكون كالأَساس لكلّ ما نقلنا عنهم. و إن كان حسب وضع الكتاب خاتمة المطاف.

و إنّي أتقدّم بكتابي هذا إلى حملة لواء التقريب بين المسلمين و دعاته في جميع أصقاع العالم الاسلامي و بهذه الابيات الرائعة التي تفجّرت من روح موّارة تسعى لصالح تقريب المسلمين و لا تهدأ حتى تتحقّق تلك الامنية بأحسن ما يمكن إن شاء اللّه تعالى.

فيم التفرّق و الكتاب المرجع * * *قلباً إلى قلب يضم و يجمعُ

فيم التفرّق و النبيّ محمد * * *ينهى عن الصف الشتيت و يردعُ

الوحدة البيضاء نهج نبيّنا * * *فعلام نهجُ نبيّنا لا يُتْبعُ

الوحدة البيضاء صخرة عزِّنا * * *فعلام صخرة عزِّنا تتصدّعُ

إنّ الخلاف طريق كلّ مضلل * * *مهما يُزَين قبحه و يرقّعُ

الدين دين اللّه لا دين الهوى * * *فتوحَّدوا بطريقه و تسرّعوا

يا من تُفرّقُنا و تنقض صفَّنا * * *هبطت عليك مصيبة لا ترفعُ (1)

و نحن و جميع المؤَلّفين الاسلاميين كما يصفهم شاعر الاهرام، محمد حسن عبد الغني المصري:

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة * * *و يضمّنا دين الهدى أتباعا

و يؤَلّف الاسلام بين قلوبنا * * *مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الاسلام و أهله، و تُذِلُّ بها النفاق و أهله، و تجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، و القادة إلى سبيلك و ترزقنا بها كرامة الدنيا و الآخرة.

قم الحوزة العلمية جعفر السبحاني 16 رمضان المبارك 1413 ه‍‌

____________

(1). الابيات للَاستاذ: محمود البغدادي دام علاه.

9

المسألة الأولى: مسح الرجلين أو غسلهما في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين و مسحهما، فذهب الائمّة الاربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، و قالت الشيعة الامامية: إنّه المسح، و قال داود بن علي و الناصر للحق من الزيدية: يجب الجمع بينهما و هو صريح الطبري في تفسيره: و نقل عن الحسن البصري: إنّه مخيّر بينهما (1).

و ممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- كلّ يوم و ليلة في موطنه و مهجره، و في حضره و سفره، و مع ذلك اختلفوا في هذه المسألة التي هي من أشدّ المسائل ابتلاءً، و هذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً، فجعل أوضح المسائل أبهمها.

إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة و ما أبقى فيها إبهاماً و اعضالًا، و قد بيّنها رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- و من هنا فلا بد من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل واحد، و إلّا فما كان هذا الامر يخفى، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً: إمّا المسح أو‌

____________

(1). الطبري: التفسير: 86/ 6 و مفاتيح الغيب: 162/ 11 و المنار: 228/ 6.

10

الغسل، و لم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً. و لو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول- (صلى الله عليه و آله و سلم)- على الاجيال الآتية فلا غرو في أن يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل.

و ليس فيها شي‌ء أوثق من كتاب اللّه فعلينا دراسة ما جاء فيه، قال سبحانه:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" (1) و قد اختلف القرّاء في قراءة:" وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" فمنهم من قرأ بالفتح، و منهم من قرأ بالكسر. إلّا أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فإنّ تجويزهما يضفي على الآية ابهاماً و اعضالًا، و يجعل الآية لغزاً، و القرآن كتاب الهداية و الارشاد، و تلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح و جلاء البيان، خصوصاً فيما يتعلّق بالاعمال و الاحكام التي يبتلى بها عامّة المسلمين، و لا تقاس بالمعارف و العقائد التي يختصّ الامعان فيها بالامثل فالامثل.

و على كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية و بيّنها الامام الرازي في تفسيره، ننقل كلامه بتلخيص و سيوافيك مفصل كلامه في آخر البحث:

قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله:" وَ أَرْجُلَكُمْ" و هما:

الاوّل: قرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبو بكر عنه بالجرّ.

الثاني: قرأ نافع و ابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه بالنصب.

____________

(1). المائدة/ 6.

11

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الارجل معطوفة على الرءوس فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الارجل.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» و قوله: «كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مَزَمّلٍ».

قيل: هذا باطل من وجوه:

1 إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لَاجل الضرورة في الشعر، و كلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

2 إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الامن من الالتباس كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، و في هذه الآية الامن من الالتباس غير حاصل.

3 إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف و أمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.

و أمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح، و ذلك لَانّ" بِرُؤُسِكُمْ" في قوله:" وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ" في محل النصب (1) بامسحوا لَانّه المفعول به، و لكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الارجل على الرءوس جاز في الارجل النصب عطفاً على محل الرءوس، و جاز الجر عطفاً على الظاهر.

____________

(1). يقال: ليس هذا بعالم و لا عاملا. قال الشاعر:

معاوي انّنا بشر فاسجح * * *

فلسنا بالجبال و لا الحديدا

لاحظ: المغني لابن هشام: الباب الرابع.

12

و نزيد بياناً أنّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل برءوسكم، و لا يجوز العطف على ظاهر" أَيْدِيَكُمْ" لاستلزامه الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية و هو غير جائز في المفرد، فضلًا عن الجملة.

هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم، و لا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ و الباطل، و المأثورات التي فيها الحديث ذو شجون. مع كونها متضاربة في المقام، فلو ورد فيها الامر بالغسل، فقد جاء فيها الامر بالمسح، رواه الطبري عن الصحابة و التابعين نشير إليه على وجه الاجمال.

1 ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان و مسحتان.

2 كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما، و لمّا خطب الحجّاج و قال: ليس شي‌ء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما، قال أنس: صدق اللّه و كذب الحجّاج، قال اللّه:" وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" و كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

3 عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل و إنّما نزل فيهما المسح.

4 الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح و قال: أ لا ترى انّ التيمّم أن يُمسَحَ ما كان غسلًا و يُلْغى ما كان مسحاً.

5 عامر: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء، و أُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء: الرأس و الرجلان. و قيل له: إنّ أُناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل‌

13

بغسل الرجلين فقال: نزل جبرئيل بالمسح.

6 قتادة: في تفسير الآية: افترض اللّه غسلتين و مسحتين.

7 الاعمش: قرأ" و أرجلكم" مخفوضة اللام.

8 علقمة: قرأ" أرجلكم" مخفوضة اللام.

9 الضحاك: قرأ" و أرجلكم" بالكسر.

10 مجاهد: مثل ما تقدّم (1).

و هؤلاء من أعلام التابعين و فيهم الصحابيان: ابن عباس و أنس و قد أصفقوا على المسح و قراءة الجر الصريحة في تقديم المسح على الغسل، و جمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة فلما ذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهم و الحساس في عبادة المسلم.

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، و هم يسندون المسح إلى النبيّ الاكرم- (صلى الله عليه و آله و سلم)-، و يحكون وضوءه به، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)-؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه و قدميه.

و في رواية أُخرى: ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الاناء (2).

و في ضوء هذه الروايات و المأثورات اتّفقت الشيعة الامامية على أنّ‌

____________

(1). الطبري: التفسير: 82/ 836.

(2). الحرّ العاملي: الوسائل 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9 و 10.

14

الوضوء غسلتان و مسحتان، و إلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة:

إنّ الوضوء غسلتان عندنا * * *و مسحتان و الكتاب معنا

فالغسل للوجه و لليدين * * *و المسح للرأس و للرجلين

و بعد وضوح دلالة الآية، و اجماع أئمّة أهل البيت على المسح، و استناداً إلى جملة الادلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها، فانّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً و لا يصمد أمام النقاش، إلّا أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدل بها القائلون بالغسل ليتبيّن للقارئ الكريم مدى ضعف حجّيتها:

1 إنّ الاخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، و يكون غسل الارجل يقوم مقام مسحها (1).

يلاحظ عليه: أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح، و ليس شي‌ء أوثق من كتاب اللّه، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيحه على روايات المسح. و القرآن هو المهيمن على الكتب و المأثورات، و المعارض منها للكتاب لا يقام له وزن.

و أعجب من ذلك قوله: إنّ الغسل مشتمل على المسح، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان، فالغسل إمرار الماء على المغسول، و المسح إمرار اليد على الممسوح (2)

____________

(1). مفاتيح الغيب: 162/ 11.

(2). قال سبحانه حاكياً عن سليمان: (رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ و الاعْناق) ص/ 33 أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد و أعناقها.

15

و هما حقيقتان مختلفتان لغة و عرفاً و شرعاً، و لو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح و الغسل، لا الاكتفاء بالغسل.

2 ما روي عن علي (عليه السلام) من أنّه كان يقضي بين الناس فقال: «" وَ أَرْجُلَكُمْ" هذا من المقدّم و المَؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ و اغسلوا أرجلكم وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ)».

لكنّه يرد: بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر و الصادق- (عليهما السلام)- أدرى بما في البيت، و هما اتّفقا على المسح، و هل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ المؤَكد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الامام ليثيروا الشك بين أتباعه و شيعته. و لا نعلّق على احتمال التقديم و التأخير شيئاً، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح، إذ هي المرجع للقروي و البدوي، و للحاضر عصر النزول، و الغائب عنه، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقديم و التأخير، مع إنّه كان من الممكن ذكر الارجل بعد الايدي من دون تأخير؟ و لو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب، و إنّ غسل الارجل بعد مسح الرأس، فكان من الممكن أن يُذكر فعله و يقال: (فامسحوا برءوسكم و اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين). كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النص و ما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح.

3 ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال: تخلّف عنّا رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- في سفره، فأدركنا و قد أرهقنا العصر، و جعلنا نتوضّأ و نمسح‌

16

على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للَاعقاب من النار» مرتين أو ثلاث (1).

و يرد هذا الاستدلال: أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون، و هذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح، و ما ذكره البخاري من أنّ الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل، اجتهاد منه، و هو حجّة عليه لا على غيره، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!

على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات، فقد روي: أنّ قوماً من أجلاف العرب، كانوا يبولون و هم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم و أرجلهم فلا يغسلونها و يدخلون المسجد للصلاة، و كان ذلك سبباً لذلك الوعيد (2) و يؤَيّد ذلك ما يوصف به بعض الاعراب بقولهم: بوّال على عقبيه، و على فرض كون المراد ما ذكره البخاري، فلا تقاوم الرواية نص الكتاب.

4 روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة، قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال: «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم» (3).

يلاحظ عليه: أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف، و نقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ و نسى و اختلط و ترك الناس روايته (4) أضف إليه أنّه يعارض ما رواه عنه أهل‌

____________

(1). صحيح البخاري ج 1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته، الحديث 1.

(2). مجمع البيان: 167/ 2.

(3). سنن ابن ماجة: 170/ 1 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث الاوّل.

(4). لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة 170 و ميزان الاعتدال للذهبي: 519/ 4، برقم 10138 و ص 489 باب «أبو إسحاق».

17

بيته، و أئمّة أهل بيته، خصوصاً من لازمه في حياته و هو ابن عباس كما مرّ.

5 قال صاحب المنار: و أقوى الحجج اللفظية على الامامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين، و هذا لا يحصل إلّا باستيعابهما بالماء، لَانّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل.

و هذا القول يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره، لكنّا نسأله: لما ذا لا تحصل تلك الغاية إلّا باستيعابها بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد، و الاختبار سهل، و نحن لا نرى في العمل اعضالًا و عسراً.

6 و قال: إنّ الامامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق و القدم، و يقولون هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم، فلو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب كما قال في اليدين:" إِلَى الْمَرٰافِقِ" (1).

أقول: إنّ المشهور بين الامامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك، و هناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق و القدم، و ذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل. و على كلّ تقدير، يصح اطلاق الكعبين، و إن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل، فيكون المعنى: (فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين منكم) إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه.

____________

(1). المنار: 234/ 6.

18

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسع الممسوح و يحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل، و كأنّه تخيّل أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها، و أنّه تجفّ اليد قبل الوصول إليهما.

و لعمري أنّ هذه اجتهادات واهية، و تخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم.

7 آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الارجل هو التمسّك بالمصالح، حيث قال: لا يعقل لِايجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لَانّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، و ينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الاحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية و لا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس و لو بمقدار اصبع أو اصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

و هناك كلمة قيّمة للِامام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال (رحمه اللّه): نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلّا بما فيه مصلحتهم، و لم ينههم إلّا عمّا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الاحكام منوطاً من حيث المصالح و المفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة‌

19

عنها إلى ما سواها. و أوّل تلك الادلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّ و جلّ، و قد حكم بمسح الرءوس و الارجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الارجل من الدنس فلا بدّ من احرازه قبل المسح عليها عملًا بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1) و لعلّ غسل رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- رجليه المدعى في أخبار الغسل إنّما كان من هذا الباب و لعلّه كان من باب التبرّد، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء. و اللّه أعلم (2).

*** ثمّ إنّ هناك لفيفاً من أهل السنّة اعترفوا بما ذكرنا من أنّ المستفاد من الكتاب هو المسح لا الغسل، و يطيب لي نقل نصوصهم:

1 قال ابن حزم: إنّ القرآن نزل بالمسح، قال اللّه تعالى:" وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ" و سواء قرى بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الرءوس: إمّا على اللفظ و إمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لَانّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بقضية مبتدأة. و هكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح يعني في الرجلين في الوضوء.

و قد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم علي بن أبي طالب‌

____________

(1). و لذا ترى حفاة الشيعة و العمال منهم كأهل الحرث و أمثالهم و سائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّئوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.

(2). مسائل فقهية: 82.

20

و ابن عباس و الحسن و عكرمة و الشعبي و جماعة غيرهم، و هو قول الطبري، و رويت في ذلك آثار.

منها أثر من طريق همام، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: حدثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه، عن عمه هو رفاعة بن رافع أنّه سمع رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- يقول: «إنّها لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّ و جلّ ثمّ يغسل وجهه و يديه إلى المرفقين و يمسح رأسه و رجليه إلى الكعبين».

و عن إسحاق بن راهويه: حدثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن عبد خير، عن علي: «كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- يمسح ظاهرهما».

ثمّ إنّه ذكر خبر «ويل للَاعقاب من النار» و استظهر منها أنّه يستفاد من الخبر شي‌ء زائد على ما في الآية، و يكون ناسخاً لما فيها، و الاخذ بالزائد واجب.

و لكنّك عرفت أنّ هذا الخبر على فرض صحّته لا يهدف إلى ما يرتئيه من وجوب الغسل، و قد عرفت معنى الرواية.

ثمّ قال: و قال بعضهم: إنّه سبحانه و تعالى قال في الرجلين:" إِلَى الْكَعْبَيْنِ" كما قال في الايدي:" إِلَى الْمَرٰافِقِ"، دلّ على أنّ حكم الرجلين حكم الذراعين.

فأجاب عنه بقوله: ليس ذكر المرفقين و الكعبين دليلًا على وجوب غسل ذلك، لَانّه تعالى قد ذكر الوجه و لم يذكر في مبلغه حدّاً، و كان حكمه الغسل، لكن لما أمر اللّه تعالى في الذراعين بالغسل كان حكمهما الغسل، و إذا لم يذكر ذلك في‌

21

الرجلين وجب أن لا يكون حكمهما ما لم يذكر فيها إلّا أن يوجبه نصّ آخر.

قال علي: و الحكم للنصوص لا للدعاوي و الظنون. و باللّه تعالى التوفيق (1).

2 قال الامام الرازي: اختلف الناس في مسح الرجلين و في غسلهما، فنقل القفّال في تفسيره عن ابن عباس و أنس بن مالك و عكرمة و الشعبي و أبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، و هو مذهب الامامية من الشيعة. و قال جمهور الفقهاء و المفسرين: فرضهما الغسل، و قال داود الاصفهاني: يجب الجمع بينهما و هو قول الناصر للحق من أئمّة الزيدية. و قال الحسن البصري و محمد بن جرير الطبري: المكلف مخيّر بين المسح و الغسل.

حجّة من قال بوجوب المسح مبنى على القراءتين المشهورتين في قوله" وَ أَرْجُلَكُمْ" فقرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر، و قرأ نافع و ابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الارجل معطوفة على الرءوس فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الارجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: جحر ضبّ خرب. و قوله: كبير أُناس في بجاد مزمل.

قلنا: هذا باطل من وجوه: الاوّل: أنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لَاجل الضرورة في الشعر، و كلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

و ثانيها: أنّ الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الامن من الالتباس، كما في‌

____________

(1). ابن حزم: المحلّى: 56/ 2 برقم 200.

22

قوله: جحر ضب خرب، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر، و في هذه الآية الامن من الالتباس غير حاصل.

و ثالثها: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، و أمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، و أمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنّها توجب المسح. و ذلك لَانّ قوله:" وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ" فرءوسكم في محل النصب و لكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الارجل على الرءوس جاز في الارجل النصب عطفاً على محل الرءوس، و الجر عطفاً على الظاهر، و هذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله:" وَ أَرْجُلَكُمْ" هو قوله:" وَ امْسَحُوا" و يجوز أن يكون هو قوله:" فَاغْسِلُوا" لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الاقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله" وَ أَرْجُلَكُمْ" هو قوله" وَ امْسَحُوا" فثبت أنّ قراءة" وَ أَرْجُلَكُمْ" بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح. ثمّ قالوا: و لا يجوز دفع ذلك بالاخبار لَانّها بأسرها من باب الآحاد، و نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

و اعلم أنّه لا يمكن الجواب عن هذا إلّا من وجهين: أنّ الاخبار الكثيرة وردت بايجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه (1) و على هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها، و الثاني: أنّ فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، و التحديد إنّما جاء في الغسل لا في المسح.

____________

(1). قد عرفت الجواب عنه فيما سبق.

23

و القوم أجابوا عنه بوجهين: الاوّل: أنّ الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم، و على هذا التقدير فيجب المسح إلى ظهر القدمين.

و الثاني: أنّهم سلّموا أنّ الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، إلّا أنّهم التزموا أنّه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين، و حينئذ لا يبقى هذا السؤال (1).

3 إنّ الزمخشري لمّا سلّم بأنّ قراءة الجر تجرّه إلى القول بوجوب المسح أراد التخلّص منه بقوله:

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر و دخولها في حكم المسح؟

قلت: الارجل من بين الاعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكانت مظنّة للِاسراف المذموم المنهية عنه، فعطفت على الثالث «الرءوس» الممسوح لا لتمسح و لكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها (2).

يلاحظ عليه: أنّ الوجوه و الايدي مظنّة للِاسراف المذموم مثل الارجل، فلما ذا نبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء في خصوص الارجل دون غيرهما مع كون الجميع مظنّة للِاسراف في صبّ الماء.

و لا يخفى أنّه تفلسف في تفسير الآية بشي‌ء تافه لا يرضى به الذوق العربي. فإنّه لو صحّ ما ذكره من الفلسفة فإنّما يصحّ فيما إذا أُمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يؤمن منه، و يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح من دون التفات لما ذكره من النكتة البديعة!.

____________

(1). الامام الرازي: مفاتيح الغيب: 161/ 11.

(2). الزمخشري: الكشاف: 449/ 1.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

المسألة الثانية: التثويب (1) في أذان صلاة الفجر

اتفقت الشيعة الامامية تبعاً للنصوص المتضافرة من أئمة أهل البيت على أنّ الاذان و مثله الاقامة من صميم الدين و من شعائره، أنزله اللّه سبحانه على قلب سيّد المرسلين و أنّ اللّه الذي فرض الصلاة، هو الذي فرض الاذان، و أنّ منشىَ الجميع واحد، و لم يشارك في تشريعه أيّ ابن أُنثى، لا في اليقظة و لا في المنام. ففي جميع فصوله من التكبير إلى التهليل مسحة إلهية، و عذوبة و إخلاص، و سموّ المعنى و فخامته، تثير شعور الانسان إلى مفاهيم أرقى، و أعلى و أنبل ممّا في عقول الناس. و لو حاولت يد التشريع الانساني أن تضيف فصلًا إلى فصوله أو تقحم جملة في جُمله لَاصبح المضاف كالحصى بين الدرر و الدراري.

و الفصل الاول من فصوله يشهد على أنّه سبحانه أكبر من كل شي‌ء و بالتالي: أقدر و أعظم و أنّ غيره من الموجودات و إن بلغ من العظمة ما بلغ، ضئيل و صغير عنده خاضع لمشيئته.

و الفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الاله في صفحة الوجود و أنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.

____________

(1). سيوافيك معنى التثويب في محلِّه فانتظر.

26

و ثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً- (صلى الله عليه و آله و سلم)- رسوله، الذي بعثه لِابلاغ رسالاته و إنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل صراحه و اعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها و التي بها يتّصل الانسان بعالم الغيب، و فيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح و النجاح، و خير العمل (1) التي تنطوي عليها الصلاة.

و في نهاية الدعوة إلى الفلاح و خير العمل، يعود و يذكر الحقيقة الابدية التي صرّح بها في أوليات فصوله و يقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه، لا إله إلّا اللّه.

هذه هي حقيقة الاذان و صورته و الجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جملٍ، تحكي عن حقائق أبدية، تصدّ الانسان عن الانكباب في شواغل الدنيا و ملاذّها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للَاذان، و متدبر في فصوله و معانيه، و لكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي و لا لغيري إخفاؤها بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب و هو أنّ المؤَذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، و الفلاح و خير العمل في أذان صلاة الفجر إلى الاعلان بأنّ الصلاة خير من النوم، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلامٍ عارٍ عن الرفعة و البداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان و من دونهم، يصيح بجدّ و حماسٍ على شي‌ء لا يجهله إلّا من يجهل البديهيات، فإنّ صراخه و اعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بصراخ من يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الاربعة.

____________

(1). سيأتي أنّه من فصول الاذان أُسقط منها لغاية خاصة.

27

هذا هو الذي أحسسته عند ما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375 و أنا أستمع للَاذان في الحرمين الشريفين، و لم تزل تجول في ذهني و مخيلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي و انّما أُقحم بسبب، بين فصول الاذان، فهذا ما دعاني إلى البحث و التنقيب في هذا الموضوع فلم أر بدّاً من البحث عن أمرين:

1 كيفية تشريع الاذان و دراسة تاريخه.

2 ما هو السبب لدخول هذا الفصل بين فصول الاذان.

المقام الأوّل: كيفية تشريع الأذان و دراسة تاريخه:

اتفقت أئمّة أهل البيت على أنّ اللّه سبحانه هو المشرّع للَاذان، و انّه هبط به جبرئيل و علّمه رسول اللّه و هو علّمه بلالًا، و لم يشارك في تشريعه أحد. و هذا عندهم من الامور المسلّمة، نذكر بعض ما أثر عنهم:

1 روى ثقة الاسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة و الفضيل، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: لمّا أُسري برسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- إلى السماء فبلغ البيت المعمور، و حضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل- (عليه السلام)- و أقام فتقدم رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- و صفَّت الملائكة و النبيون خلف محمّد- (صلى الله عليه و آله و سلم)-.

2 روى أيضاً بسند صحيح عن الامام الصادق- (عليه السلام)- قال: لمّا هبط جبرئيل بالاذان على رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- كان رأسه في حجر علي- (عليه السلام)- فأذّن جبرئيل و أقام (1) فلمّا انتبه رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- قال: علي سمعت؟ قال: نعم 1 قال:

____________

(1). لا منافاة بين الروايتين و كم نزل أمين الوحي بآية واحدة مرّتين، و الغاية من التأذين في الاوّل غيرها في الثاني كما هو واضح لمن تدبّر.

(2) (1). كان علي- (عليه السلام)- محدَّثاً و هو يسمع كلام الملك. لاحظ صحيح البخاري و شرحه: إرشاد الساري: 99/ 6 و غيره باب رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ... روى عن النبيّ أنّه قال: لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل ...

28

حفظتَ؟ قال: نعم. قال: ادع لي بلالًا، فدعا علي- (عليه السلام)- بلالًا فعلّمه.

3 روى أيضاً بسند صحيح أو حسن عن عمر بن أذينة عن الصادق (عليه السلام) قال: تروي هؤلاء؟ فقلت: جعلت فداك في ما ذا؟ فقال: في أذانهم ... فقلت: إنّهم يقولون إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم. فقال: كذبوا فانّ دين اللّه أعزّ من أن يرى في النوم. قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكراً. فقال أبو عبد اللّه (الصادق): إنّ اللّه تعالى لمّا عرج بنبيه «(صلى الله عليه و آله و سلم)» إلى سماواته السبع إلى آخره (2).

4 و روى محمد بن مكي الشهيد في الذكرى عن فقيه الشيعة في أوائل القرن الرابع، أعني ابن أبي عقيل العماني أنّه روى عن الامام الصادق: أنّه لعن قوماً زعموا أنّ النبيّ أخذ الاذان من عبد اللّه بن زيد (3) فقال: ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنّه أخذ الاذان من عبد اللّه بن زيد (4).

و ليست الشيعة متفردة في هذا النقل عن أئمة أهل البيت، فقد روى الحاكم و غيره نفس النقل عنهم و إليك بعض ما أثر في ذلك المجال عن طريق أهل السنّة.

____________

(2). الكليني: الكافي: 302/ 3 باب بدء الاذان الحديث 21 و باب النوادر ص 482 الحديث 1. و سيأتي أنّه ادّعى رؤية الاذان في النوم ما يقرب من أربعة عشر رجلًا.

(3). سيوافيك نقله عن السنن.

(4). وسائل الشيعة: الجزء 612/ 4، الباب الاوّل من أبواب الاذان و الاقامة، الحديث 3.

29

5 روى الحاكم عن سفيان بن الليل قال: لمّا كان من الحسن بن علي ما كان، قدمت عليه المدينة قال: فقد ذكروا عنده الاذان فقال بعضنا: إنّما كان بدء الاذان برؤيا عبد اللّه بن زيد، فقال له الحسن بن علي: إنّ شأن الاذان أعظم من ذلك، أذَّن جبرئيل في السماء مثنى، و علّمه رسول اللّه و أقام مرة مرة (1) فعلّمه رسول اللّه (2).

6 روى المتقي الهندي عن هارون بن سعد عن الشهيد زيد بن الامام علي ابن الحسين عن آبائه عن علي: أنّ رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- عُلِّمَ الاذان ليلة أُسري به و فرضت عليه الصلاة (3).

7 روى الحلبي عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنّا لنتحدّث أنّ بدء الاذان كان من رؤيا رآها رجل من الانصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعاً شديداً و قال: عمدتم إلى ما هو الاصل في شرائع الاسلام، و معالم دينكم، فزعمتم أنّه كان من رؤيا رآها رجل من الانصار في منامه، يحتمل الصدق و الكذب و قد تكون أضغاث أحلام، قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس. قال: هذا و اللّه الباطل ... (4).

8 روى المتقي الهندي عن مسند رافع بن خديج: لمّا أُسري برسول اللّه إلى السماء أُوحي إليه بالاذان فنزل به فعلّمه جبرئيل. (الطبراني في الاوسط عن ابن عمر) (5).

____________

(1). المروي عنهم- (عليهم السلام)- أنّ الاقامة مثنى مثنى إلّا الفصل الاخير و هو مرة.

(2). الحاكم: المستدرك: 171/ 3، كتاب معرفة الصحابة.

(3). المتقي الهندي: كنز العمال: 277/ 6 برقم 397.

(4). برهان المدني الحلبي: السيرة: 297/ 2.

(5). المتقي الهندي: 329/ 8 برقم 23138، فصل في الاذان.

30

9 و يظهر ممّا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: قال عطاء: إنّ الاذان كان بوحي من اللّه سبحانه (1).

10 قال الحلبي: و وردت أحاديث تدل على أنّ الاذان شرّع بمكة قبل الهجرة، فمن تلك الاحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر ... و نقل الرواية الثامنة (2).

هذا هو تاريخ الاذان و طريق تشريعه أخذته الشيعة من عين صافية من أُناسٍ هم بطانة سنّة الرسول يروي صادق عن صادق حتى ينتهي إلى الرسول.

و أمّا غيرهم فقد رووا في تاريخ تشريع الاذان أُموراً لا تصح نسبتها إلى الرسول الاعظم، يروون أنّ الرسول كان مهتمّاً بأمر الصلاة و لكن كان متحيراً في انّه كيف يجمع الناس إلى الصلاة، مع بُعدِ الدار و تفرّق المهاجرين و الانصار في أزِقَّة المدينة، فاستشار أصحابه في حلّ العقدة فأشاروا إليه بعدة أُمور:

1 أن يستعين بنصب الراية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه.

2 أشاروا إليه باستعمال القُبع أي بوق اليهود، فكرهه النبي.

3 أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أوّلًا ثمّ أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.

كان النبي الاكرم على هذه الحالة إذ جاء عبد اللّه بن زيد و أخبر رسول اللّه بأنّه كان بين النوم و اليقظة إذ أتاه آت فأراه الاذان، و كان عمر بن الخطاب قد رآه‌

____________

(1). عبد الرزاق: همام الصنعاني (211126): المصنف: 456/ 1 برقم 1775.

(2). الحلبي: السيرة: 296/ 2 باب بدء الاذان و مشروعيته.

31

قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثمّ أخبر به النبي فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الاذان و أذّن.

هذا مجمل ما يرويه المحدثون حول تاريخ تشريع الاذان، فتجب علينا دراسة أسناده و متونه، و إليك البيان.

روايات حول كيفية تشريع الأذان:

[ما ورد في الصحاح]

1. روى أبو داود (202- 275)

قال: حدّثنا عباد بن موسى الختلي، و زياد بن أيوب، و حديث عباد أتم قالا: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الانصار، قال: اهتمّ النبيّ «(صلى الله عليه و آله و سلم)» للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُبْع يعني الشبور قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، و قال: «هو من أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى».

فانصرف عبد اللّه بن زيد (بن عبد ربّه) و هو مهتم لهمِّ رسول اللّه «(صلى الله عليه و آله و سلم)»، فأُري الاذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه «(صلى الله عليه و آله و سلم)» فأخبره فقال (له): يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم و يقظان، إذ أتاني آت فأراني الاذان، قال: و كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً (1) قال: ثمّ أخبر النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فقال‌

____________

(1). أ فيصح في منطق العقل أن يكتم الانسان تلك الرؤيا التي فيها إراحة للنبيّ و أصحابه عشرين يوماً، ثمّ يعلّل ذلك بعد سماعها من ابن زيد بأنه استحيى ...

32

له: «ما منعك أن تخبرني»؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: «يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله» قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الانصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لو لا أنّه كان يومئذ مريضاً، لجعله رسول اللّه «(صلى الله عليه و آله و سلم)» مؤَذناً.

2. حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي

، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، قال: حدثني أبي: عبد اللّه بن زيد، قال: لمّا أمر رسول اللّه «(صلى الله عليه و آله و سلم)» بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي، و أنا نائم، رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد اللّه، أ تبيع الناقوس؟ قال: و ما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أ فلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت (له): بلى، قال: فقال تقول:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللّه، أشهد أن لا إله إلّا اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه.

قال: ثمّ استأخر عني غير بعيد ثمّ قال: و تقول إذا أقمت الصلاة:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه.

فلمّا أصبحت أتيت رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فأخبرته بما رأيت فقال: «إنّها لرؤيا حق‌

33

إن شاء اللّه، فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليؤَذّن به، فانّه أندى صوتاً منك». فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه و يؤَذِّن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب و هو في بيته فخرج يجر رداءه و يقول: و الذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: فللّه الحمد» (1).

و رواه ابن ماجة (275207) بالسندين التاليين:

3. حدثنا أبو عبيد: محمد بن ميمون المدني

، حدثنا محمد بن سلمة الحرّاني، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد عن أبيه، قال: كان رسول اللّه قد همَّ بالبوق، و أمر بالناقوس فنُحِتَ، فأُري عبد اللّه بن زيد في المنام ... إلخ.

4. حدثنا: محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي:

حدثنا أبي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنّ النبي استشار الناس لما يهمّهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثمّ ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فأُري النداء تلك الليلة رجل من الانصار يقال عبد اللّه بن زيد و عمر بن الخطاب ...

قال الزهري: و زاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرّها رسول اللّه ... (2).

و رواه الترمذي بالسند التالي:

5. حدثنا سعد بن يحيى بن سعيد الاموي

، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن‌

____________

(1). أبو داود: السنن: 134/ 1351 برقم 499498 تحقيق محمد محيي الدين.

(2). ابن ماجة: السنن: 232/ 2331 باب بدء الاذان، برقم 707706.

34

إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه قال: لمّا أصبحنا أتينا رسول اللّه فأخبرته بالرؤيا ... إلخ.

6. و قال الترمذي: و قد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق

أتمَّ من هذا الحديث و أطول، ثمّ أضاف الترمذي: و عبد اللّه بن زيد هو ابن عبد ربّه، و لا نعرف له عن النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- شيئاً يصحّ إلّا هذا الحديث الواحد في الاذان (1).

هذا ما رواه أصحاب السنن المعدودة من الصحاح أو الكتب الستة و لها من الاهمية ما ليس لغيرها كسنن الدارمي أو الدارقطني أو ما يرويه ابن سعد في طبقاته، و البيهقي في سننه، و لأَجل تلك المكانة الخاصّة فصلنا ما روي في السنن المعروفة، عمّا روي في غيرها.

فلندرس هذه الروايات متناً و سنداً حتّى تتّضح الحقيقة ثمّ نذكر بقية النصوص الواردة في غيرها فنقول:

هذه الروايات لا تصلح للاحتجاج:

إنّ هذه الروايات غير صالحة للاحتجاج لجهات شتى:

الاولى: لا تتفق مع مقام النبوّة:

إنّه سبحانه بعث رسوله لِاقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة. و طبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقق هذه الامنية. فلا معنى لتحيّر النبيّ‌

____________

(1). الترمذي: السنن: 358/ 1، باب ما جاء في بدء الاذان برقم 189.

35

أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الاولى التي رواها أبو داود و هو لا يدري كيف يحقّق المسئولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، و أُخرى بذاك حتى يرشد إلى الاسباب و الوسائل التي تؤمِّن مقصوده، مع أنّه سبحانه يقول في حقّه:" وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" (النساء/ 113) و المقصود من الفضل هو العلم بقرينة ما قبله:" وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ".

إنّ الصلاة و الصيام من الامور العبادية و ليسا كالحرب و القتال الذي ربّما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه و لم يكن تشاوره في كيفية القتال عن جهله بالاصلح، و إنّما كان لَاجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه:

" وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شٰاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ" (آل عمران/ 159).

أ ليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الرؤيا و الاحلام و المنامات من أفراد عاديين، مصدراً لَامر عبادي في غاية الاهمية كالأَذان و الاقامة؟ ...

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ كون الرؤيا مصدراً للَاذان أمر مكذوب على الشريعة. و من القريب جداً أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الرؤيا و روّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم و قبائلهم. و لذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث، و أنّ من اعتمد عليهم انّما كان لحسن ظنّه بهم.

الثانية: انّها متعارضة جوهراً:

إنّ الروايات الواردة حول بدء الاذان و تشريعه متعارضة جوهراً من جهات:

36

1 إنّ مقتضى الرواية الاولى (رواية أبي دواد) أنّ عمر بن الخطاب رأى الاذان قبل عبد اللّه بن زيد بعشرين يوماً. و لكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجة) أنّه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد اللّه بن زيد.

2 إنّ رؤيا عبد اللّه بن زيد هو المبدأ للتشريع، و أنّ عمر بن الخطاب لمّا سمع الاذان جاء إلى رسول اللّه و قال: إنّه أيضاً رأى نفس تلك الرؤيا و لم ينقلها إليه استحياءً.

3 إنّ المبدأ به، هو نفس عمر بن الخطاب، لا رؤياه لَانّه هو الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أُخرى عن الاذان، روى الترمذي في سننه و قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة ... إلى أن قال: و قال بعضهم: اتّخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أ وَ لا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: يا بلال قم فناد بالصلاة، أي الاذان.

نعم فسّر ابن حجر النداء بالصلاة ب‍ «الصلاة جامعة» (1) و لا دليل على هذا التفسير.

و رواه النسائي و البيهقي في سننهما (2).

4 إنّ مبدأ التشريع هو نفس النبي الاكرم.

روى البيهقي: ... فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأُمر بلال أن يشفع الاذان و يوتر الاقامة. قال: و رواه البخاري عن محمد بن عبد الوهاب و رواه‌

____________

(1). الحلبي: السيرة النبوية: 297/ 2.

(2). الترمذي: السنن: 362/ 1 رقم 190، النسائي: السنن: 3/ 2، البيهقي: السنن: 389/ 1 في باب بدء الاذان الحديث الاوّل.

37

مسلم عن إسحاق بن عمار (1).

فمع هذا الاختلاف في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول.

الثالثة: انّ الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً:

يظهر ممّا رواه الحلبي أنّ الرائي للَاذان لم يكن منحصراً بابني زيد و الخطاب، بل ادّعى أبو بكر أنّه أيضاً رأى نفس ما رأياه و قيل: انّه ادّعى سبعة من الانصار، و قيل: أربعة عشر (2) كلّهم ادّعوا أنّهم رأوا في الرؤيا الاذان، و ليست الشريعة ورداً لكل وارد، فاذا كانت الشريعة و الاحكام خاضعة للرؤيا و الاحلام فعلى الاسلام السلام. فالرسول- (صلى الله عليه و آله و سلم)- يستسقي تشريعاته من الوحي لا من أحلامهم.

الرابعة: التعارض بين نقلي البخاري و غيره:

إنّ صريح صحيح البخاري أنّ النبي أمر بلالًا في مجلس التشاور بالنداء للصلاة و عمر حاضر حين صدور الامر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، و قال بعضهم: بل قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أ وَ لا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة (3).

و صريح أحاديث الرؤيا: أنّ النبي إنّما أمر بلالًا بالنداء عند الفجر إذ قصّ‌

____________

(1). البيهقي: السنن: 390/ 1. الحديث 1 و 2.

(2). الحلبي: السيرة الحلبية: 300/ 2.

(3). البخاري: الصحيح: 120/ 1 باب بدء الاذان.

38

عليه ابن زيد رؤياه ذلك بعد الشورى بليلة في أقل ما يتصوّر و لم يكن عمر حاضراً و إنّما سمع الاذان و هو في بيته، خرج و هو يجر ثوبه و يقول: و الذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى.

و ليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء ب‍ «الصلاة جامعة» و حمل أحاديث الرؤيا على التأذين بالاذان، فانّه جمع بلا شاهد أوّلًا، و لو أمر النبي بلالًا برفع صوته ب‍ «الصلاة جامعة» لحلّت العقدة ثانياً، و رفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة «الصلاة جامعة» و لم يبق موضوع للحيرة و هذا دليل على أنّ أمره بالنداء، كان بالتأذين بالاذان المشروع (1).

هذه الوجوه الاربعة ترجع إلى دراسة مضمون الاحاديث و هي بوحدتها كافية في سلب الركون عليها. و إليك دراسة أسنادها واحداً بعد الآخر. و هي بين موقوف لا يتّصل سندها بالنبي الاكرم، و مسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، و إليك البيان حسب الترتيب السابق.

أمّا الرواية الاولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:

1 تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الانصار.

2 يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر و يقول فيه: روى عن عمومة له من الانصار من أصحاب النبي في رؤية الهلال و في الاذان.

و قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.

و قال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به (2).

____________

(1). شرف الدين: النص و الاجتهاد: 137.

(2). ابن حجر: تهذيب التهذيب: 188/ 12 برقم 767.

39

و قال جمال الدين: هذا ما حدث به في الموضوعين: رؤية الهلال و الاذان جميع ما له عندهم (1).

أمّا الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به نظراء:

1 محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد اللّه المتوفّى حدود عام 120.

قال أبو جعفر العقيلي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي و ذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شي‌ء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة (2).

2 محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فانّ أهل السنّة لا يحتجون برواياته، و إن كان هو الاساس ل‍ «سيرة ابن هشام المطبوعة».

قال أحمد بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عنه فقال: ... ضعيف عندي سقيم ليس بالقوي.

و قال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف، و قال النسائي: ليس بالقوي (3).

3 عبد اللّه بن زيد، راوية الحديث و كفى في حقّه أنّه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي إلّا حديث الاذان، قال الحاكم: الصحيح: أنّه قُتل بأُحد، و الروايات عنه كلّها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف‌

____________

(1). جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 142/ 34 برقم 7545.

(2). المصدر نفسه: 304/ 24.

(3). المصدر نفسه: 423/ 42424، و لاحظ تاريخ بغداد: 221/ 2241.

40

له شيئاً يصح عن النبيّ إلّا حديث الاذان (1).

و روى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلّا حديث الاذان (2).

و قال الحاكم: عبد اللّه بن زيد هو الذي أُرِيَ الاذان، الذي تداوله فقهاء الاسلام بالقبول و لم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده (3).

و أمّا الرواية الثالثة: فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، و محمد بن إبراهيم التيمي، و قد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أنّ عبد اللّه بن زيد كان قليل الرواية، و الروايات كلّها عنه منقطعة.

و أمّا الرواية الرابعة: فقد جاء في سنده:

1 عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد اللّه المدني.

قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه و كذلك قال علي بن المديني.

و قال علي أيضاً: سمعت سفيان و سئل عن عبد الرحمن بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة فجاءنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه.

و قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.

و قال أحمد بن عبد اللّه العجلي: يكتب حديثه و ليس بالقوي.

____________

(1). السنن: الترمذي: 361/ 1، ابن حجر: تهذيب التهذيب: 224/ 5.

(2). جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 541/ 14.

(3). الحاكم: المستدرك: 336/ 3.

41

و قال أبو حاتم: يكتب حديثه و لا يحتج به.

و قال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه ... و لا يعرف له بالمدينة تلميذ إلّا موسى الزمعي، روى عنه أشياء في عدّة منها اضطراب.

و قال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر. و قال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر و لا يتابع (1).

2 محمد بن عبد اللّه الواسطي (240150) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شي‌ء، و أنكر روايته عن أبيه، و قال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين فقال: رجل سوء كذاب، و أخرج أشياء منكرة، و قال أبو عثمان سعيد بن عمر البردعي: و سألته أبا زرعة عن محمد بن خالد، فقال: رجل سوء، و ذكره ابن حبان في كتاب الثقات و قال: يخطىَ و يخالف (2).

و قال الشوكاني بعد نقل الرواية: و في اسناده ضعف جدّاً (3).

و أمّا الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:

1 محمد بن إسحاق بن يسار.

2 محمد بن الحارث التيمي.

3 عبد اللّه بن زيد.

و قد تعرّفت على جرح الاوّلين، و انقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث‌

____________

(1). جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 519/ 16 برقم 3755.

(2). المصدر نفسه: 139/ 25 برقم 5178.

(3). الشوكاني: نيل الاوطار: 42/ 2.

42

و بذلك يتضح حال السند السادس فلاحظ.

[ما ورد في غير الصحاح]

هذا ما ورد في الصحاح. أمّا ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الامام أحمد، و الدارمي، و الدارقطني في مسانيدهم، و الامام مالك في موطئه، و ابن سعد في طبقاته و البيهقي في سننه و إليك البيان:

ألف ما رواه الإمام أحمد في مسنده:

روى الامام أحمد رؤيا الاذان في مسنده عن عبد اللّه بن زيد بأسانيد ثلاثة (1):

1 قد ورد في السند الاول زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّى 203 ه‍).

و قد وصفوه بكثرة الخطأ و له أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، و قال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة (2).

كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، و ليس له في الصحاح و المسانيد إلّا رواية واحدة و هي هذه، و فيها فضيلة لعائلته، و لأَجل ذلك يقل الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن اسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.

و اشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، و ينتهي إلى عبد اللّه بن زيد و هو قليل الحديث جداً.

____________

(1). الامام أحمد: المسند: 42/ 434.

(2). الذهبي: ميزان الاعتدال: 100/ 2 برقم 2997.

43

و قد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الرؤيا و تعليم الاذان لبلال:

إنّ بلالًا أتى رسول اللّه فوجده نائماً فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.

ب- ما رواه الدارمي في مسنده:

روى رؤيا الاذان الدارمي في مسنده بأسانيد، و كلها ضعاف و إليك الاسانيد وحدها:

1 أخبرنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق و قد كان رسول اللّه حين قدمها ... الخ.

2 نفس هذا السند و جاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه عن أبيه بهذا الحديث.

3 أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق ... و الباقي نفس ما جاء في السند الثاني (1).

و الاول منقطع، و الثاني و الثالث مشتملان على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي و قد عرفت حاله، كما تعرفت على حال ابن إسحاق.

ج- ما رواه الإمام مالك في الموطإ:

روى الامام مالك رؤيا الاذان في موطئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى‌

____________

(1). الدارمي: السنن: 267/ 2691 باب بدء الاذان.

44

ابن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما ... (1).

و السند منقطع، و المراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود عام 70 و توفي بالهاشمية سنة 143 (2).

د- ما رواه ابن سعد في طبقاته:

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (3) موقوفة لا يحتج بها:

الاوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّي في عشر التسعين و قيل سنة 99.

و الثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 و توفّي عام 93.

و الثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّي عام 136.

و الرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّي عام 94 و إلى عبد الرحمن ابن أبي ليلى الذي توفي عام 82، أو 83.

و قال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب و عبد الرحمن بن أبي ليلى و لم يلقه (4).

و روى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الازرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني‌

____________

(1). مالك: الموطأ: 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.

(2). الذهبي: سير أعلام النبلاء: 468/ 5 برقم 213.

(3). ابن سعد: الطبقات الكبرى: 246/ 2471.

(4). الذهبي: سير أعلام النبلاء: 376/ 2 برقم 79، و سيوافيك تفصيله في المقام الثاني. و الضمير يرجع إلى عبد الرحمن، و سيوافيك أنّه من البعيد أن يروي سعيد بن المسيب عن عبد اللّه بن زيد.

45

عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الانصار يقال له عبد اللّه بن زيد، و أُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... إلى أن قال: فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.

فقد اشتمل السند على:

1 مسلم بن خالد بن قرقرة: و يقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين. و قال علي بن المديني: ليس بشي‌ء، و قال البخاري: منكر الحديث، و قال النسائي: ليس بالقوي، و قال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه و لا يحتج به، تعرف و تنكر (1).

2 محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (12351).

قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرأه و لا قرى عليه فيقال له: نروي هذا عنك فيقول: نعم.

و قال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري: أتيت الزهري فتثاقل عليّ فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا، فقال: كما أنت، و دخل فأخرج إليَّ كتاباً فقال: خذ هذا فاروه عنّي فما رويت عنه حرفا (2).

____________

(1). جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 508/ 27 برقم 5925.

(2). المصدر نفسه: 439/ 44026.

46

ه‍: ما رواه البيهقي في سننه:

روى البيهقي رؤيا الاذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علّات و إليك الاشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:

الاوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الانصار، و قد تعرفت على أبي عمير بن أنس، أنّه قال فيه ابن عبد البر: و إنّه مجهول لا يحتجّ به يروي عن مجاهيل (1) باسم العمومة، و لا دليل على كون هؤلاء من الصحابة، و إن افترضنا عدالة كل صحابي، و على فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة إذ لا علم بأنّه روى عن الصحابي.

الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:

1 محمد بن إسحاق بن يسار.

2 محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3 عبد اللّه بن زيد.

و قد تعرّفت على الجميع.

الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّى عام 94 عن عبد اللّه بن زيد و قد عرفت أنّه لم يدركا عبد الله بن زيد. (2) و قد توفي عبد اللّه بن زيد سنة 32 ه و قد تولّد سعيد بن المسيب حسب ما ينقله الذهبي لسنتين مضتا من خلافة عمر. و على ذلك فقد تولّد عام 15 ه فيكون عمره عند وفاة زيد قريباً من 17 سنة.

____________

(1). ابن حجر: تهذيب التهذيب: 188/ 12 برقم 768.

(2). البيهقي: السنن: 390/ 1.

47

و- ما رواه الدارقطني:

روى الدارقطني رؤيا الاذان بأسانيد، إليك بيانها:

1 حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدثنا أبو داود، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد اللّه، عن عمِّه عبد اللّه بن زيد.

2 حدثنا محمد بن يحيى: حدثنا أبو داود، حدثنا عبيد اللّه بن عمر، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد اللّه بن محمد، قال: كان جدي عبد اللّه بن زيد بهذا الخبر (1).

و قد اشتمل السندان على محمد بن عمرو، و هو مردّد بين الانصاري، الذي ليس له في الصحاح و المسانيد إلّا هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف، و بين محمد بن عمرو أبو سهل الانصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، و ابن معين و ابن عدي (2).

3 حدثنا أبو محمد بن ساعد، حدثنا الحسن بن يونس، حدثنا الاسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الاعمش عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الانصار، يعني عبد اللّه بن زيد، إلى النبي فقال: إنّي رأيت في النوم ... (3).

____________

(1). الدارقطني: السنن: 245/ 1 برقم 56 و 57.

(2). الذهبي: ميزان الاعتدال: 674/ 3 برقم 8017 و 8018، جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 220/ 26 برقم 5516، ابن حجر: تهذيب التهذيب: 378/ 9 برقم 620.

(3). الدارقطني: السنن: 242/ 1 برقم 31.

48

و هذا السند منقطع لَانّ معاذ بن جبل توفي عام 20 أو 18 و تولّد عبد الرحمن بن أبي ليلى، سنة 17، مضافاً إلى أنّ الدارقطني ضعّف عبد الرحمن و قال: ضعيف الحديث سيّئَ الحفظ و ابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد اللّه بن زيد (1).

إلى هنا تم الكلام في المقام الاوّل و اتّضح أنّ الاذان انّما شرع بوحي إلهي لا برؤيا عبد اللّه بن زيد و لا برؤيا عمر بن الخطاب و لا غيرهما كائناً من كان، و انّ هذه الاحاديث، متعارضة جوهراً، غير تامّة سنداً، لا يثبت بها شي‌ء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي فلاحظ.

و حان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، و هذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:

المقام الثاني: ما هو السبب لدخول التثويب في أذان صلاة الفجر

التثويب من ثاب يثوب: إذا رجع فهو بمعنى الرجوع إلى الامر بالمبادرة إلى الصلاة، فانّ المؤَذّن إذا قال: «حيّ على الصلاة» فقد دعاهم إليها، فإذا قال: «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلام معناه: المبادرة إليها.

و فسّره صاحب القاموس: بمعان منها: الدعاء إلى الصلاة، و تثنية الدعاء، و أن يقول في أذان الفجر «الصلاة خير من النوم مرتين».

و قال في المغرب: التثويب: القديم، هو قول المؤَذن في أذان الصبح: «الصلاة خير من النوم مرتين» و المحدَث «الصلاة الصلاة» أو «قامت‌

____________

(1). الدارقطني: السنن: 242/ 1 برقم 31.

49

قامت» (1).

و الظاهر أنّه غلب استعماله بين أئمّة الحديث في القول المذكور أثناء الاذان، ربّما يطلق على مطلق الدعوة بعد الدعوة، فيعم ما إذا نادى المؤَذن بعد تمام الاذان بالقول المذكور أيضاً أو بغيره ممّا يفيد الدعوة إليها بأيّ لفظ شاء.

قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: التثويب هو العود إلى الاعلام بعد الاعلام، و قول المؤَذن «الصلاة خير من النوم» لا يخلو عن ذلك. فسمي تثويباً (2).

فالمقصود في المقام تبيين حكم قول المؤَذن أثناء الاذان لصلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فهل هو مشروع أو بدعة حدثت بعد النبي لما استحسنه بعض الناس من اقراره في الاذان، سواء كان هو التثويب فقط أو عمَّ مطلق الدعوة إلى الصلاة و لو بعد تمام الاذان، بهذا اللفظ أو بغيره.

فنقول: التثويب بهذا المعنى ورد تارة في خلال أحاديث رؤية الاذان، و أُخرى في غيرها، أمّا الاوّل فقد ورد في ما يلي:

1 ما رواه ابن ماجة (الرواية الرابعة) و قد عرفت نصَّ الشوكاني على ضعفها (3).

2 ما رواه الامام أحمد: و قد عرفت ما في سنده من الضعف حيث جاء فيه:

____________

(1). ابن الاثير: النهاية في غريب الحديث: 226/ 1 و ابن منظور: لسان العرب مادة «ثوب»، و الفيروزآبادي: القاموس، مادة «ثوب». و البحراني: الحدائق: 419/ 7.

(2). السنن: 14/ 2 قسم التعليقة.

(3). لاحظ ص 41 من هذا الكتاب.

50

محمد بن إسحاق، و ابن شهاب الزهري و عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه (1).

3 ما رواه ابن سعد في طبقاته: و في سنده: مسلم بن خالد بن قرقرة و قد عرفت ضعفه (2).

و أمّا الثاني فقد نقله أصحاب السنن و إليك النصوص:

4 ما رواه ابن ماجة: بالسند التالي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد اللّه الاسدي، عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال، قال: أمرني رسول اللّه أن أثوب في الفجر و نهاني أن أثوب في العشاء (3) و في هذه الرواية دلالة على أنّ التثويب يستعمل في مطلق الدعوة إلى الصلاة، و إن لم يكن بلفظ «الصلاة خير من النوم» بشهادة النهي عن التثويب في العشاء، لَانّ الانسب للتثويب في صلاة العشاء هو «الصلاة جامعة»، أو «قد قامت الصلاة» و غيرهما.

5 حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا عبد اللّه بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن بلال: أنّه أتى النبيّ يؤذِّنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأُقرت في تأذين الفجر فثبت الامر على ذلك (4).

و السندان منقطعان أمّا الاوّل: فابن أبي ليلى ولد عام 17 و مات بلال عام 20 أو 21 بالشام و كان مرابطاً بها قبل ذلك من أوائل فتوحها، فكيف يسمع منه‌

____________

(1). لاحظ ما نقلناه عن الامام أحمد، بعد أحاديث السنن ص 42.

(2). لاحظ ص 44 من هذا الكتاب.

(3). ابن ماجة: السنن: 237/ 1 برقم 716715.

(4). ابن ماجة: السنن: 237/ 1 برقم 716715.

51

مع حداثة السن و تباعد الديار (1).

و رواه الترمذي مع اختلاف في أوّل السند و قال: حديث بلال لا نعرفه إلّا من حديث أبي إسرائيل الملّائي، و أبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم (ابن عيينة) قال: إنّما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم.

و أبو إسرائيل اسمه: إسماعيل بن أبي إسحاق و ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث (2).

أمّا الثاني فقد قال فيه ابن ماجة نقلًا عن الزوائد: اسناده ثقات إلّا أنّ فيه انقطاعاً (لَانّ) سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال (3).

6 ما رواه النسائي: أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد اللّه، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أُؤذن لرسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- و كنت أقول في أذان الفجر: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه (4).

و في سنن البيهقي (5) و سبل السلام (6) مكان «أبي سلمان»: «أبي سليمان».

قال البيهقي: و أبو سليمان اسمه «همام المؤَذن» و لم نجد ترجمة لهمام المؤَذّن فيما بأيدينا من كتب الرجال فلم يذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، و لا المزّي في تهذيب الكمال، و الرجل غير معروف.

____________

(1). الشوكاني: نيل الاوطار: 42/ 2.

(2). الترمذي: السنن: 378/ 1، برقم 198.

(3). ابن ماجة: السنن: 237/ 1، برقم 716، و ولد سعيد بن المسيب عام 13 و توفي عام 94.

(4). النسائي: السنن: 13/ 2 باب التثويب في الاذان.

(5). البيهقي: السنن: 422/ 1، الصنعاني: سبل السلام: 221/ 1.

(6) البيهقي: السنن: 422/ 1، الصنعاني: سبل السلام: 221/ 1.

52

و أمّا أبو محذورة فهو من الصحابة لكنّه قليل الرواية، لا يتجاوز ما رواه عن عشر روايات و قد أذّن لرسول اللّه في العام الثامن، في غزوة حنين (1).

7 ما رواه البيهقي في سننه بسند ينتهي إلى أبي قدامة عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه، عن جده قال: يا رسول اللّه علّمني سنّة الاذان، و ذكر الحديث و قال فيه: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ...

8 ما رواه أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن السائب: أخبرني أبي، و أُم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة عن النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- نحوه (2).

و محمد بن عبد الملك قد تعرّفت على حاله. و عثمان بن السائب ولداً و والداً، غير معروفين ليس لهما إلّا رواية واحدة (3).

9 ما رواه أبو داود بسند ينتهي إلى الحرث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الاذان إلى أن قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ... (4).

و السند مشتمل على محمد بن عبد الملك، قال ابن حجر: قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الاسناد، و قال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه إلّا‌

____________

(1). ابن حزم الاندلسي: أسماء الصحابة الرواة: برقم 188.

(2). البيهقي: السنن: 421/ 4221 باب التثويب في أذان الصبح.

(3). الذهبي: ميزان الاعتدال: 114/ 2، برقم 3075 (السائب)، و ابن حجر: تهذيب التهذيب: 117/ 7 برقم 252 (عثمان بن السائب).

(4). أبو داود: السنن: 136/ 1، برقم 500.