التعزير، أحكامه وحدوده

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
121 /
7

[مقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و أفضل صلواته و سلامه على أفضل رسله و خير خليقته و خاتم أنبيائه أبي القاسم محمّد و آله الطاهرين المعصومين الأئمّة الغرّ الميامين. سيّما الإمام الثاني عشر، و العدل المشتهر حجّة اللّٰه على عباده و كلمته التامة، و خليفته و سراجه و نوره و برهانه مولانا المهديّ المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. اللّهم صلّ عليه و عجّل فرجه و سهّل مخرجه، و بلّغه منّا تحيّة و سلاماً.

قال اللّٰه تعالى:

وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النّٰاسِ لَفٰاسِقُونَ. (1)

أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. (2)

قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم):

____________

(1) المائدة الآية: 50- 49.

(2) المائدة الآية: 50- 49.

8

«إقامة حدٍّ خير من مطر أربعين صباحاً»‌

(كتاب الحدود و التعزيرات)

(أبواب مقدمات الحدود و أحكامها العامّة)

(من الوسائل ج 18/ 308 ب 1 ح 4)

مقدمة‌

1- فائدة الحدود و التعزيرات

اعلم أن من أهم ما تنتظم به عامة الأمور، و أمور العامّة، و ما يتوقف عليه إدارة المجتمع، و عمران البلاد، و حسن حال العباد، و حفظ النظام، و أمن السبل، و إقامة العدل و القسط، و ردّ المظالم و دفع الاستضعاف و الاستكبار، و سحق الاستعباد و الاستعمار، و منع الأقوياء من الاستئثار بحقوق الضعفاء- معاقبة المفسدين و المجرمين، و تأديب العصاة من ذوي السلطة و غيرهم على السواء. فلولا خوف أهل البغي و الطغيان من النكال و الخذلان، و عقابهم بسياط الذل و الهوان لفسد أمر الناس، و اختلّت أمورهم، و هتكت حرمتهم، و نهبت أموالهم، و انتهكت أعراضهم، و سفكت دماؤهم. لم يختلف في ذلك عقول جميع الناس في جميع الأعصار و الأجيال، فكل من يدبّر أمور جمعيّة، و إن كانت عائلته و أهله‌

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

و أبناؤه يحتاج في تثقيفهم- و تقويمهم و ردعهم عن القبائح و حملهم على المصالح و المحاسن و سلوك الصراط المستقيم- بالوعد و الوعيد، و التبشير، و التهديد، و اجراء السياسات الحكيمة في ذلك.

2- الإسلام و سياسة المجرمين

التجاوزات أكثر ممّا كانت.

يصيحون بهذه الصيحات أرباب جاهليّة عصر غزو الفضاء، و اتباعهم. و سجونهم مملوءة من الأبرياء و المذنبين، و كلّ يوم يزداد عليهم، و يظهر فشلهم في مكافحة الجرائم، و الاحتفاظ بالنظام اللازم في السجون و المعتقلات، كما يظهر عجز الحكومات عن أداء مصارف السجون و المساجين، و عوائلهم، و يأتي لهم يوم يفتحون للمسجونين أبواب السجون، أو يثور السجناء عليهم، كما قد أباحوا الفواحش و الأعمال الشنيعة بقوانينهم الوضعيّة، فذهبوا بالحياء، و القيم الانسانية «و لا حول و لا قوة إلّا باللّٰه العلى العظيم».

و الجواب التام عن ذلك كله: أن هذه الألفاظ كلها خطابيّة ليس تحتها طائل، و لا يقولها قائل، و لا يكتبها كاتب إلّا من بعثه الافراط في الناحية العاطفية، و انحراف النفسيات عن التفكر العقلائي الصحيح.

11

فربما يتصور في حال فوران ميله الجنسي أجساداً لطيفة لها جاذبيتها من غير جنسه وقعت تحت ضرب سياط الجلاد، فيضربها عوضاً عن أن يقبلها و يعتنقها و يغامرها، فلا يرى في هذا التصور الحيواني لتأديب المجرمات وجهاً إلّا الغلظة و القسوة، و لا يفهم من مفاسد الفجور و الفحشاء شيئاً.

و الجامعة البشرية قد جربت الأمور فأدركت أنه لا يقوم نظامها و تمتعها الصحيح بما خلق لها إلّا بالتبشير و الانذار، و الخوف و الرجاء، و الوعيد و الوعد، و اثابة المحسن، و عقوبة المجرم بتسجين المجرمين في أكثر الحالات، لا يؤثر في ردعهم عن الجرائم كما تؤثر العقوبات، و التأديبات البدنيّة، مضافاً إلى ما في سجن المجرمين من المفاسد و المضارّ الفرديّة و الاجتماعيّة التي لا يحسب ما يقال من مضار العقوبات البدنيّة بالمقايسة إليها شي‌ء كثير.

و المنافع و المضار، و المصالح و المفاسد سيّما في هذه الأمور التي تتدافع المصالح و المفاسد، و ضرر هذا و منفعة هذا تلاحظ بالمعيار العقلي، و الأخذ بالمصلحة الأهم اللازم استيفاؤها، و دفع المفسدة الأهم اللازم دفعها، و إلّا فمن لا يعرف أن المجرم الّذي يجري عليه التأديب يتالم من ذلك أو يموت به؟ و لكن لا يراعي في ذلك مصلحة المجرم فقط‌

12

بل يراعي معها مصلحة الاجتماع و سائر المصالح.

و العجب أن الّذين لا يصوبون العقوبات البدنيّة، و يقولون أنها همجيّة و رجعيّة يرتكبون- في هذا العصر- في سبيل أمنياتهم الباطلة، و استعباد الناس، و الاحتفاظ بسلطتهم على الضعفاء البؤساء مظالم لم يرتكب مثلها أحد من جلاوزة التاريخ في العصور البائدة، ثمّ يقولون: إنها قانونيّة و تقدّميّة.

فانظر يا أخي إلى جنايات روسيا الماركسيّة في أفغانستان و إلى ما يجري على أهلها من هذا النظام الالحادي الشيوعي الّذي لا يرى حرمة للقيم الإنسانيّة بل لا يعرفها، و لا يعرف للانسان أية قيمة، و ما عنده توجيه لهذه الحياة، و تحمل هذه المشاق، و بقاء الإنسان في هذه الكرة، فقد قضى هذا النظام الملحد على منطقة عامرة، و دمرها بالاغارة عليها و على أهلها الّذين لا يمتلكون السلاح المناسب لأسلحة هؤلاء المهاجمين الاشقياء، و قنابلهم السامّة، فسفكوا دماء الابرياء و العزل من الشيوخ، و الشبان، و النساء و الاطفال، و هكذا فعلوا، و يفعلون في كلّ منطقة وقعت تحت سيطرتهم من بلاد الإسلام و غيرها، يسلبون جميع الحريات المحترمة عن أهلها، و يغزون العقائد بالمبادئ الماركسيّة الهدامة بالكبت و الاضطهاد، و قد ملأت فتنهم القارات الخمسة، فاين‌

13

الإنسان؟ و اين حقوقه و حريّاته؟ و اين القانون الحاكم؟ و اين التقدّم؟

فافتح عينك و انظر هل ترى إلّا الارتداد و الرجعيّة الحقيقية و الجاهلية؟

ثمّ اترك روسيا و مظالمها و اجعل تحت نظرك آمريكا و أذنابها:

فرنسا و انكلترا و غيرهما، ترى فيها جاهلية و رجعيّة أخرى لا تقلّ عن الأولى. فاذهب إلى الدرة المغتصبة فلسطين- قبلتنا الأولى- و انظر إلى ما يجرى فيها من المظالم على أيدي الصّهائنة عملاء الاستعمار الغاشم الأمريكى و إلى موضع النظام الروسي الخائن تحت ستار الحماية عن حركة التحرير الفلسطينية، حيث لا يريد بها إلّا أهدافه الشيوعيّة الملحدة، فالأول يؤيد عدونا و يجهزه بكل ما يحتاج إليه من التجهيزات العسكريّة، للقضاء على وجود الإسلام في فلسطين، و الثاني يسعى لاخراج هذه الحركة عن محتواها الاسلامي، و عن الالتزام بالمبادئ الاسلاميّة، و الاستقلال السياسي، حتّى لا تكون مسألة فلسطين مسألة أمة فلسطين المسلمة و مسألة جميع المسلمين، و تكون مسألة من مسائل النظام الشيوعي الروسي، لا تحل مشكلتها إلّا بالحل الروسي، قبال الحلّ الإمريكي. و أما الحل الاسلامي فكلاهما يرفضانه و لا يرتضيانه.

و انظر إلى ما يجري في الحال في لبنان لتضارب سلطة أمريكا مع روسيا فالبشرية البائسة في لبنان و في جميع العالم أصبحت ضحية‌

14

سياسة أمريكا و روسيا، و عملائهما المسمين باليمينيين و اليساريّين، و هكذا إن ذهبت إلى كلّ أرض فيها فتنة، و ظلم و تدمير و تخريب سيما في البلاد الإسلاميّة كباكستان، و چاد، و صحرا، فكلها وليدة هذه السياسات الشرقية، و الغربيّة، و حرص المستكبرين على توسعة استكبارهم و استعلائهم. و هذه إيراننا العزيزة، وطننا الاسلامي الّذي قامت فيه الثورة الاسلاميّة الكبرى، و طردت منها سلطة الاستكبار الإمريكي، و دفعت عنها الاستكبار الروسي، لم تبتل بالحرب الصدّامية البعثيّة و فتن المنحرفين إلّا بالمكائد الأمريكيّة المستكبرة، و الروسية الديكتاتورية. و سيفشل باذن اللّٰه (تعالى) هذه المكائد و ينجي اللّٰه (تعالى) دينه و الثورة الإسلاميّة و بلاد الإسلام.

قال اللّٰه تعالى:

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ) (1).

و على الجملة لا يتمكن أحد من وصف ما يصدر من مظالم أمريكا و روسيا و عملائهما على هذه البشرية المسكينة، و من لا يعرف ما في دعايات هاتين الكتلتين و أن ليس فيها إلّا الظلم و الاستكبار؟ و من‌

____________

(1) الصف الآية: 8.

15

لا يعرف عملائهما من الحكام، المتغلبين على البلاد الاسلاميّة، الّذين بعضهم عون للصهاينة و الأمريكان على المسلمين في فلسطين و لبنان، و بعضهم عون للماركسيّة الروسيّة على الشعب المسلم في أفغانستان، يؤيّدون روسيا في هجومها الوحشيّ على إخواننا المسلمين. أراح اللّٰه المسلمين من شرّ الطائفتين و أزالهما عن صفحة الوجود.

نعم يعدّ من نظر بعين الاحترام و الاجلال إلى النظامات الشرقية و الغربيّة هذه المظاهر الهدّامة الهمجيّة، و سفك دماء الابرياء بأبشع صورة الوحشية من مظاهر التقدم و التمدن.

أمّا التمسك برسالات السّماء، و العدل و الاحسان، و قطع يد سارق أو رجم زان أو قتل قاتل لتحقيق الأمن و حرمة الأموال، و الاعراض و النفوس فعندهم الرجعية.

و نعم التقدم العصري الصناعي لا يرى تجاوز المستكبرين الّذين علت نعراتهم و صيحاتهم بالتقدم و الصلح و و و ... بحقوق الملايين و الملايين و غصب ثرواتهم و هتك أعراضهم و القتل العام فيهم رجعيّة و تأخراً، و يرى معاقبة فرد واحد- لانه مجرم خان مجتمعه- تأخراً و رجعيّة.

و هذا- و لا تنس أن الإسلام في مسألة الجرائم و العقوبات لم يسلك‌

16

سبيلًا جزافاً و بلا حساب، و لم يهمل إصلاح المجرمين و نفي ما يكون موجباً، و مشوقاً لارتكاب الجرائم من الفواعل الاقتصاديّة، و أسباب سيكولوجيّة، و لم يخرج في مكافحة الجرائم من مكافحة الأسباب قبل وقوع المسببات، و لم يعتمد على العقوبات أكثر من اعتماده على سائر العلاجات الأوليّة الرئيسيّة، و لم يقرر عقوباتها التي قد تبدو في موارد معدودة قاسية- و ليست بتلك- في حال لم ينظر إلى ما يمكن أن يكون سبباً لهذه الجرائم أو يكثرها، بل رأى بعين إلى أسباب الجرائم النفسيّة، و الاقتصادية و غيرهما، و سعى في إزالتهما بقدر الامكان، و بالعين الأخرى إلى الجريمة، و ما يلزم لها من عقاب.

و الّذين يأخذون على الإسلام بقوانينه الجزائيّة إن درسوا نظرة الإسلام الحقيقيّة إلى الجرائم و العقوبات و تفاصيلها و شرائطها، و موارد العفو عنها لا يأخذون عليه. فهؤلاء الجاهلون بأحكام الإسلام أو المتجاهلون يجسمون من المجتمع الاسلامي مجتمعاً هائلًا، ليس فيه فرد نجا من الجلد و الرجم، و القطع. فلا يقع النظر إلّا على من قطعت يده و رجله أو عضوه الآخر، و لم يفهموا أن هذه العقوبات في المجتمع الاسلامي- الّذي كان الإسلام فيه هو المرشد الوحيد- تقل بحيث تكاد أن لا توجد. هذا- و لا يخفى عليك أن الإسلام مع ذلك كله قد عمد إلى تطهير المجرمين و إعادة شخصيّتهم بالكفارة: من الصيام، و الصدقة،

17

و عتق الرقبة، و ردّ المظالم إلى أهلها مما يشمل كله تعاليم التوبة و الانابة و الرجوع إلى اللّٰه تعالى.

و هذه رسالة وجيزة في بعض أحكام التعزيرات كتبناها- في ضمن امور- لمسيس الحاجة إليها في زماننا هذا. و نسأل اللّٰه تعالى أن يغفر لنا زلاتنا و يعفو عن هفواتنا و يوفقنا لما يحب و يرضى، إنه خير موفق و معين.

محرم الحرام 1404‌

لطف اللّٰه الصافي‌

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

التعزير أنواعه و ملحقاته

20

الأمر الأوّل أقوال أهل اللغة في معنى التعزير و تعريفه

مسألة: هل يجوز التعزير بغير الضرب دون الحدّ، كالحبس و أخذ المال و الشتم و التوبيخ، مما هو دون الضرب دون الحد، أو مساوٍ له أو فوقه أم لا؟

أقول: تنقيح الحق في المقام و بعض ما يتعلّق به، يتضح من بيان أمور:

الأول: أنه قال الجوهري في (الصحاح): التعزير التعظيم و التوقير، و التعزير أيضاً التأديب، و منه سمي الضرب دون الحدّ تعزيراً.

و قال الفيروزآبادي في (القاموس): و التعزير ضرب دون الحد، و هو أشد الضرب.

و قال ابن منظور في (لسان العرب): و التعزير ضرب دون الحدّ لمنعه الجاني من المعاودة، و ردعه عن المعصية، قال:

و ليس بتعزير الأمير خزاية * * *عليّ إذا ما كنت غير مريب

و قيل: هو أشدّ الضرب، و عزّره ضربه ذلك الضرب (إلى أن قال) و أصل التعزير التأديب و لهذا يسمى الضرب دون الحدّ تعزيراً (و قال في أثناء كلامه أيضاً) و لهذا قيل للتأديب- الذي هو دون الحد- تعزيراً، لأنّه يمنع الجاني أن يعاود الذّنب.

و قال الفيومي في (المصباح المنير): التعزير التأديب دون الحدّ.

و قال ابن الاثير في (النهاية): أصل التعزير المنع و الردّ، فكان من نصرته أن ردّت عنه أعداءه و منعهم من أذاه، و لهذا قيل للتاديب الذي هو دون الحدّ تعزير، لانّه يمنع الجاني أن يعاود الذنب.

و قال الشريف الجرجاني في (التعريفات):

التعزير هو تأديب دون الحدّ، و أصله من العزر و هو المنع.

و قال الراغب في (مفردات القرآن): التعزير النصرة مع التعظيم قال:

تُعَزِّرُوهُ، و عَزَّرْتُمُوهُمْ، و التعزير ضرب دون الحدّ، و ذلك يرجع إلى الأول، فانّ ذلك تأديب، و التأديب نصرة ما لكن الأوّل نصرة بقمع ما يضره عنه، و الثاني نصرة بقمعه عمّا يضره: فمن قمعته عما يضره، فقد نصرته، و على هذا الوجه قال (صلى الله عليه و آله): انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال:

انصره مظلوماً، فكيف انصره ظالماً؟ فقال: كفّه عن الظلم. (1)

____________

(1) مسند احمد بن حنبل ج 3 ص 301 و فيه: [تمنعه عن الظلم] و في الترمذى ج 4 ص 523: تكفه.

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

و قال الطريحي في (مجمع البحرين): التعزير ضرب دون الحدّ، و هو أشد الضرب.

و قال الطبرسي في (مجمع البيان): معنى عزرت فلاناً إذا ضربته ضرباً دون الحدّ أنه يمنعه بضربه إياه عن معاودته مثل عمله.

و لعل أجمع من جميع ذلك، و أكثر فائدة ما في (تاج العروس) قال:

(العزر اللّوم) يقال (عزره يعزره) بالكسر عزراً بالفتح (و عزّره) تعزيراً لامه و ردّه (و) العزر و (التعزير ضرب دون الحدّ) لمنعه الجانى عن المعاودة و ردعه عن المعصية قال:

و ليس بتعزير الأمير خزاية * * *على إذا ما كنت غير مريب

(أو هو أشدّ الضرب) و عزره: ضربه ذلك الضرب، هكذا في المحكم لابن سيده. و قال الشيخ ابن حجر المكيّ في التحفة على المنهاج:

التعزير لغة من أسماء الاضداد، لأنه يطلق على التفخيم، و التعظيم، و على التأديب، و على أشد الضرب و على ضرب دون الحدّ كذا في القاموس.

و الظاهر أن هذا الاخير غلط، لأن هذا وضع شرعي لا لغوي، لأنه لم يعرف إلّا من جهة الشرع، فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله؟ و الذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب، و منه سمي ضرب ما دون الحدّ تعزيراً، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة‌

24

اللغوية بزيادة قيد، و هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة و الزكاة و نحوهما، المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها بزيادة، و هذه دقيقة مهمة تفتن لها صاحب الصحاح، و غفل عنها صاحب القاموس ... الخ.

و لعلك لو تتبعت كلمات سائر علماء اللغة لوجدتهم متفقين على أن التعزير- في لسان الشارع، و عرف المتشرعة- هو الضرب دون الحدّ، و أن الحبس ليس من ذلك بشي‌ء، و مع ذلك من أين نقول: إن التعزير- الذي سمعت منهم- أنه ضرب دون الحد أعم من الحبس و غيره، حتّى الشتم و التوبيخ.

و على ما ذكر: يطلق على كلّ ما جاء في الأحاديث الشريفة (في مقام بيان عقوبة العصاة و المجرمين) مما هو دون الحدّ بلفظ، يُضرب، أو يجلد دون الحد، و يضرب ضرباً شديداً، و يعاقب عقوبة موجبة التعزير، كما أن لفظ التعزير في الأحاديث و كلمات الفقهاء ظاهر في ذلك، لما سمعت من كلام أهل اللغة، و تسمع من الأحاديث، و كلمات الفقهاء (رضوان اللّٰه تعالى عليهم).

الأمر الثاني تأسيس الاصل في المسألة

إنه لا شبهة في جواز التعزير بالضرب دون الحد، و لا خلاف فيه، و تدل عليه الروايات و الاجماع، و أمّا العقوبة بغير ذلك كالحبس و أخذ المال، و الجرح فمقتضى الأصل- و هو استصحاب حرمة حبسه و احترام ماله و عدم جواز اخذه منه من غير طيب نفسه- عدم جوازها.

و أيضاً- في موارد وجوب التعزير الأمر يدور بين التعيين- و هو التعزير و العقوبة بالضرب دون الحد- و التخيير بينه و بين غيره، كالحبس و أخذ المال، و لا شك في أن مقتضى الأصل هو التعيين، و ليس هو بالاستصحاب، بل المراد منه حكم العقل بالتعيين فيما دار الأمر بين حصول الامتثال باتيان فعل معيّناً أو مخيّراً بينه و بين غيره، فبعد العلم‌

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

بوجوب التعزير، و العلم بإيقاعه بالضرب دون الحدّ لو شككنا في تحقّقه بغيره، فالعقل يحكم بوجوب إيجاده بالضرب خروجاً عن التكليف المعلوم، و تحصيلًا للامتثال و البراءة اليقينيّة.

إن قلت: هذا إذا رأى الحاكم حصول التأديب و ردع المرتكب بكل واحد منهما (التعزير و الحبس) على السواء، أمّا إذا رأي أن تعزيره بالضرب دون الحدّ لا يؤثر في تأديبه و ردعه، و لا يؤثر فيه إلّا الحبس و أخذ المال و غيرهما، فلا دليل على جواز الضرب لعدم الفائدة و المصلحة فيه، و لا يدور الأمر بين تعينه، و التخيير بينه و بين غيره.

قلت: عدم الفائدة و المصلحة مطلقاً في الضرب فرض نادر إلّا إذا علم الحاكم أنه لا يعود إليه و لا حاجة لردعه بالتعزير، و ليست فيه مصلحة أخرى تعود إلى حفظ النظام و ردع السائرين مضافاً إلى أن الفائدة تأتي من قبل تكرار التعزير حتّى تصل النوبة إلى الحبس أو القتل أو الحدّ.

و أيضاً ظاهر الأدلة أن التعزير واجب كالحد، و إن رأى الحاكم أنّ المجرم لا يؤدب به، و أنه مستخف بأمر اللّٰه تعالى و نهيه، و مصر على ذلك، فليس له ترك تعزيره بالضرب دون الحدّ في هذه الصورة، و جواز ترك التعزير إذا رأى الحاكم ذلك، إنّما يكون فيما إذ رأى عدم الحاجة إليه، لأنه غير مصر عليه، أو لم يصدر منه استخفافاً بحكم اللّٰه تعالى‌

27

و تهاوناً بوعيده، و لكن خطيئة عرضت و سولت له نفسه، أو رأى أن تاديبه، و المصلحة الموجبة له تحصل بأقل من التعزير كالتوبيخ و نحوه فتدبر.

و الأولى أن يقال: إن الأصل العملي إنّما يكون مرجعاً إذا لم يكن في المسألة أصل لفظيّ، و فيما نحن فيه الأصل هو العمومات، و الاطلاقات الكثيرة- الدالّة على حرمة إيذاء المسلم- خرج منه بالدّليل، و القدر المتيقن الحدود و القصاص، و الضرب دون الحد، و إن شئت قلت: لا اشكال في جواز التعزير دون الحدّ، و ما هو أقلّ من الضرب دون الحد، كالتوبيخ: و في جواز إيذائه بغير ذلك من الحبس و غيره في غير الموارد المنصوصة المرجع هو العمومات المذكورة، فلا تصل النّوبة إلى الأصل العملي.

28

الأمر الثالث كلمات الفقهاء في معنى التعزير و تعريفاتهم له

يستفاد من كلمات جماعة من الأصحاب (رضوان اللّٰه تعالى عليهم) كالصدوق في‌

المقنع، و المفيد في المقنعة، و السيد في الانتصار، و الديلمي في المراسم، و الشيخ في الخلاف، و النهاية و المبسوط، و ابن زهرة في الغنية، و ابن إدريس في السرائر، و ابن حمزة في الوسيلة، و المحقق في الشرائع و المختصر النافع و نكت النهاية، و غيرهم: أن التعزير هو ضرب دون الحد، و ذلك لأنّهم قيّدوا في موارد كثيرة التعزير بما دون الحدّ أو قالوا لا يبلغ التعزير حداً كاملًا، و في بعض الموارد عبّروا عن التعزير بالتأديب بما دون الحدّ، و ذكروا في بعض موارد التعزير أيضاً الضرب أو الجلد،

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

و قيدوهما بما دون الحدّ (كما جاء في الروايات) (1) و لم يذكروا لفظ التعزير أو ذكروا عدد الأسواط أو قالوا: عزّر، و لم يحدّ، أو قالوا:

لا يجب فيه الحد بل التعزير، و أمثال تلك التعابير.

نعم الحق بعضهم ما في بعض الروايات من العقوبات ممّا ليس من نوع الضرب بالتعزير، فنفي البلد- عند الشيخ (قدس سره) في موضع من الخلاف- تعزير، لكن لا بالغاء الخصوصية، بل لورود النص عليه، و هذا لا ينافي ظهور كلماتهم و تعريفاتهم في أنه الضرب دون الحد و أنه لا يجوز التعدي عنه إلى غيره في الموارد التي لم يرد فيها نص بعقوبة خاصّة.

مضافاً إلى أنهم لما رأوا عدم صحة إلحاق ذلك بالحد ألحقوه بالتعزير، جمعاً بين الروايات المتضمنة لتلك العقوبات و روايات التعزير الظاهرة في الضرب، و لم يتعدوا عن مواردها إلى غيرها، و لم يقولوا: إن ذلك من أفراد التعزير، و يجوز للحاكم أن يختاره إذا رأى ذلك في غير المورد الذي ورد النص به مما ورد النص فيه بالتعزير المطلق، أو بالتعزير بالضرب، أو السوط، أو بالضرب أو السوط مجرداً عن التعزير.

و لذا ألحق بعضهم بالتعزير ما ورد بتلويث رجل وجد تحت فراش‌

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 472 ح 6 و ص 583 الباب 10 من ابواب بقية الحدود.

31

امرأة، على ما رواه الشيخ باسناده عن محمّد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنه رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل وجد تحت فراش امرأة في بيتها، فقال: هل رأيتم غير ذلك؟ قالوا: لا قال: فانطلقوا به إلى مخرأة فمرغوه عليها ظهراً لبطن، ثمّ خلوا سبيله (1) و روي الصدوق نحوه في رجل وجد تحت فراش رجل قال: و روي ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وجد تحت فراش رجل فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلوّث في مخرأة (2) من دون إشارة في الحديثين إلى أن ذلك من باب التعزير نظراً إلى شمول التعزير لمطلق التأديب بحسب أصل اللغة و أن لا يزاد على القسمين (الحد و التعزير) قسماً ثالثاً.

و مثل هذا لا يوجب صرف ظهور التعزير في كلامهم في الضرب بما دون الحدّ إلى التأديب و العقوبة في كلّ مورد بكل نوع يراه الحاكم من الحبس و غيره، و لو كان مثل هذا التأديب عندهم من أنواع التعزير المذكور في لسان الشارع و الفقهاء لأفتوا بجواز التعزير به في كلّ مورد ورد فيه التعزير، و لا أظن احداً يفتي بذلك و لا يقتصر في مثل‌

____________

(1) التهذيب ج 10 ب حدود الزانى ح 175 ص 48.

(2) الفقيه ج 4 ب ما يجب به التعزير و الحد، ح 48/ 28 ص 20 و الوسائل ج 18 ص 424 ح 1.

32

هذه التعزيرات على الموارد التي ورد النصّ فيها إن كان معمولًا به في مورده، و لم يعرض عنه الأصحاب.

و الدليل علي أن الفقهاء- (رضوان اللّٰه تعالى عليهم)- لم يتركوا ظواهر الأدلّة، فلم يذهبوا إلى أنّ الحبس من أنواع التعزير، إن الشيخ- (قدس سره)- نسب ذلك إلى أبي حنيفة، فقال في «الخلاف» في المسألة السادسة من كتاب قتال أهل الردّة: و قال أبو حنيفة: يحبس في الثالثة، لأن الحبس عنده تعزير. (1)

و كيف كان بعد ظهور الأحاديث، و فتاوى الفقهاء في أنّ التعزير هو‌

____________

(1) لا يخفى عليك أنه يظهر من (الفقه على المذاهب الاربعة) أن السجن عند غير أبي حنيفة من فقهاء المذاهب الاربعة أيضاً تعزير، قال: أما التعزير، فهو التأديب بما يراه الحاكم زاجراً لمن يفعل محرماً عن العودة إلى هذا الفعل، فكل من أتى فعلا محرماً لا حد فيه، و لا قصاص، و لا كفارة، فان على الحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة من ضرب أو سجن أو توبيخ، و قد اشترط بعض الأئمّة أن لا يزيد التعزير على ثلاثين سوطاً الخ.

و قال في موضع آخر: و لا خلاف أن للامام أن يسجن الجانى بما يراه زاجراً له انتهى.

و لا يخفى عليك أنه يستظهر من عبارته موافقته للماوردى في كون السجن أخف من الضرب فيجب أن يكون في مدة لا تعد عرفاً أشد من الضرب مطلقاً أو من أكثر ما ينتهى إليه الضرب.

33

الضرب دون الحدّ، و عدم دلالته بالمنطوق أو المفهوم على كون الحبس و غيره مما لم يرد بالخصوص في الروايات من أنواع التعزير الشرعي لعدم دلالة التعزير على مطلق التأديب حتّى يكون كلّ عقوبة و تأديب و إن كان بغير الضرب دون الحد شرعياً و مأثورا منه، و لعدم المساواة بين الحبس و التعزير لا يصح بالحاق البعض- ما ورد بالخصوص في الروايات من التأديب بغير الضرب بالتعزير- رفع اليد عن ظواهر الأحاديث و الفتاوي، و لا يتم بذلك ظهور للتعزير فيما هو أعم من الضرب دون الحد مطلقاً.

هذا كله بالنظر إلى عباراتهم الظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و عبارات بعضهم صريحة في ذلك.

قال المفيد أعلى اللّٰه درجاته الرفيعة- في المقنعة في باب حد الزنا:

و وجب على الرجل و المرأة التعزير حسب ما يراه الإمام من عشر جلدات إلى تسع و تسعين جلدة، و لا يبلغ التعزير في هذا الباب حد الزنا المختص به في شريعة الإسلام.

و قال في باب حد اللواط: فان شهد الأربعة على رؤيتهما في ازار واحد مجردين من الثياب، و لم يشهدوا برؤية الفعال كان على الاثنين الجلد دون الحد تعزيراً، و تأديبا من عشرة أسواط إلى تسعة و تسعين سوطاً بحسب ما يراه الحاكم من عقابهما في الحال، و بحسب التهمة لهما‌

34

أو الظن بهما السيئات.

و مراده من قوله (حسب ما يراه الإمام) إنّما هو ما يرى من عشر جلدات إلى تسعة و تسعين، لا أن له إبدال الضرب بما دون الحدّ بغيره من الحبس و غيره مما هو يساوي ذلك أو يكون أشد منه.

و اختصر ذلك كغيره في سائر مواضع كتابه بقوله: يعزر أو عليه التعزير، كما لا يخفى.

و قال الشيخ- (قدس اللّٰه نفسه الزكية)- في كتاب الأشربة من الخلاف (م 14): لا يبلغ بالتعزير حدّ كامل (حدّاً كاملًا) بل يكون دونه، و أدنى الحدّ في جنب الأحرار ثمانون، فالتعزير فيهم تسعة و سبعون جلدة ... الخ‌

و تجد في نهايته مواضع متعددة صريحة في ذلك و جل الفاظه- لو لا الكلّ- ظاهرة في ذلك إن لم نقل إنها محفوفة بقرائن كثيرة تجعل الكلّ كالصريح.

و قال الديلمي- رفع اللّٰه درجته- في المراسم: و التعزير من ثلثين سوطاً إلى تسع و تسعين، و سائر كلماته أيضاً صريحة أو ظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و نحوه- في الصراحة و الظهور- كلمات ابن حمزة في الوسيلة.

و قال ابن زهرة- روح اللّٰه روحه- في الغنية:

35

و اعلم أن التعزير يجب بفعل القبيح و الاخلال بالواجب الذي لم يرد الشارع بتوظيف حدّ عليه، أو ورد بذلك فيه، و لم يتكامل شروط إقامته، فيعزر على مقدمات الزنا و اللواط من النوم في إزار واحد، و الضمّ و التقبيل إلى غير ذلك حسب ما يراه أولي الأمر من عشرة أسواط إلى تسعة و تسعين سوطاً (إلى آخر كلامه الصريح في أن التعزير لا يتحقّق إلّا بالضرب بالسوط).

و ممن كلامه صريح في ذلك ابن إدريس- (قدس سره)- قال في أواخر باب الحد في الفرية، و ما يجب التعزير و التأديب، و ما يلحق بذلك من الأحكام:

و التعزير لما يناسب القذف من التعريض، و النبذ، و التلقب من ثلاثة أسواط إلى تسعة و سبعين سوطاً، و كذلك ما يناسب حدّ الشرب من أكل الاشياء المحرّمة و شربها، و لما يناسب الزنا، و اللواط و وطي البهائم، و الاستمناء بالأيدي، و وجود الرجل و المرأة لا عصمة بينهما في إزار واحد إلى غير ذلك من ضمّ أو تقبيل أو نظر مكرر غير مباح، و كذلك حكم الرجلين في شعار واحد مجرّدين و كذلك حكم المرأتين، و الرجل و الصبي مع الريبة على كل حال إلى غير ذلك من ضمّ و تقبيل و من افتض بكراً باصبعه، و مالك الأمة إذا أكرهها على البغاء، و ما شاكل ذلك من هذه الأفاعيل مما يناسب الزنا و اللواط من ثلاثة أسواط إلى تسعة‌

36

و تسعين على ما أسلفناه، و الذي يجب تحصيله في ذلك منه، و يعتقد صحته أن الحاكم يعمل في ذلك بما يرى فيه المصلحة للمكلفين، و يعزر كلّ قبيح من فعل قبيح أو ترك واجب، ما لم يبلغ الحدود و هو حدّ الزنا الذي هو مائة جلدة سواء كان ذلك مما يناسب القذف و أشباهه أو ناسب الزنا و أشباهه، لان ذلك موكول إلى ما يراه الحاكم إصلاحاً.

و قال في باب الحد في شرب الخمر ... الذي أعمل عليه و أفتي به أن التعزير إذا كان للأحرار، فلا يبلغ به أدنى حدودهم، و هو تسعة و سبعون.

و قال في باب ماهية الزنا، و ما يثبت به ذلك في من أقرّ بالزنا أقل من أربع مرات أو أقر أربع مرات بوطي دون الفرج: لم يحكم له بالزنا، و كان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام، و لا يتجاوز بذلك أكثر من تسعة و تسعين سوطاً.

هذا- و إليك بعض ما عرفوا به التعزير مما ليس فيه ذلك التصريح إلّا أنه يستظهر منه إطباق الكل على ذلك.

قال التقي المجلسي رفع مقامه: هو التأديب دون الحدّ و يكون برأي الإمام و الحاكم.

و قال صاحب الرياض ره: الحدود جمع حد، و هو لغة المنع، و شرعاً عقوبة خاصّة تتعلق بايلام بدن المكلف (إلى أن قال) و إذا لم‌

37

تقدر العقوبة يسمى تعزيراً و هو لغة التأديب.

و قال المحقق- قده- في الشرائع: كلّ ماله عقوبة مقدرة يسمّى حدّاً، و ما ليس كذلك يسمّى تعزيراً.

و لا يخفى عليك ما في كلامه بعد ذلك في أسباب الحد و أسباب التعزير، فانه عد في أسباب التعزير البغي و الردّة، قال في المسالك: جعل عقوبة الباغي- و هو المحارب و من في معناه- و المرتد تعزيراً غير معهود، و المعروف بين الفقهاء تسميته حدّاً ... الخ‌

أقول: لا يتفاوت الأمر فيما نحن بصدده، و لا يصادم ظهور التعزير حتّى في كلمات المحقق في الشرائع في الضرب دون الحد، و يمكن أن يكون مراده من عد البغي و الردّة من أسباب التعزير إخراجه عن الحد الذي هو موضوع لأحكام كثيرة لم يثبت للتعزير الذي هو الضرب دون الحدّ، و تفصيل الكلام في تلك الأحكام و أنها هل تشمل البغي و الرّدة ام لا لا يسعه المقام فنرجع إلى ما نحن فيه.

و قال الشهيد السعيد في المسالك: و التعزير لغة التأديب، و شرعاً عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالباً، و يظهر من كلامه بعد ذلك أن التعزير هو الضرب بالسوط، و إن عدم التقدير إنّما هو بحسب ذلك لا بحسب النوع، قال: أمّا التعزير فالأصل فيه عدم التقدير، و الاغلب في أفراده كذلك، لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده، و ذلك في‌

38

خمسة مواضع الأوّل: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان مقدر بخمسة و عشرين سوطاً، (1) الثاني ... الخ فمراده من عدم التقدير عدم تعيين مقدار معين من الضرب بالسوط إلى دون الحد، و على هذا كلامه صريح في أن التعزير هو الضرب دون الحد الا أنه لا تقدير في أغلب أفراده. و قوله: (أو إهانة) إشارة إلى ما في بعض الروايات من التأديب ببعض الاهانات، لا تشمل مثل الحبس فيما لم يرد به نصّ كما لا يخفى.

هذا و لكن العلامة- (قدس اللّٰه سره العزيز)- قال في التحرير (في آخر كتاب الحدود): التعزير يكون بالضرب أو الحبس أو التوبيخ أو بما يراه الإمام، و ليس فيه قطع شي‌ء منه، و لا جرحه، و لا أخذ ماله. (و قال أيضاً): التعزير يجب في كلّ جناية لا حدّ فيها كالوطي في الحيض للزوجة، و الاجنبية فيما دون الفرج، و سرقة ما دون النصاب أو من غير حرز أو النهب أو الغصب أو الشتم بما ليس بقذف و اشباه ذلك، و تقديره بحسب ما يراه الإمام، و روى الشيخ عن يونس عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين (2) و قد وردت أحاديث في أشياء مخصوصة‌

____________

(1) الوسائل ج 7 ص 37 ح 1.

(2) التهذيب كتاب الحدود باب من الزيادات (ب 10 ح 570/ 2) ج 10 ص 144.

39

باكثر من ذلك غير أنه لا يجوز الزيادة به على الحد، و ليس لأقله قدر معين، لأن اكثره مقدر، فلو قدر أقله كان حدّاً، و هو يكون بالضرب و الحبس و التوبيخ من غير قطع و لا جرح، و لا أخذ مال، و التعزير واجب فيما يشرع فيه التعزير، و لا ضمان لمن مات به.

و قال في القواعد في آداب الحكم: ثمّ ينظر أول جلوسه في المحبوسين، فيطلق كلّ من حبس بظلم أو تعزير.

أقول: أولًا لم نتحصل مراده- رفع مقامه- من أن الحدّ ما قدّر أقلّه و أكثره، لأنّ الحدّ مقدّر ليس له أقلّ و لا أكثر.

و ثانياً- يمكن أن يقال: إن عدّه- رحمه اللّٰه تعالى- الضرب، و الحبس، و التوبيخ من أنواع التعزير لا يدل على أن مراده أن التعزير مطلقاً حتّى في تعيين نوعه موكول إلى الحاكم، و إن له أن يحبسه في موارد أطلق التعزير، و حتّى في موارد عيّن فيها التعزير بالضّرب و السوط و بالعكس، فانّ هذا دعوى بلا دليل لا تصدر عن حكيم الفقهاء، و فقيه الحكماء، فليس مراده إنكار ظهور التعزير في الضرب دون الحدّ الذي سمعته من اللغويين، و أنه أعم من ذلك، و أن الحبس تعزير يجوز للحاكم أن يحبس المجرم بدلًا عن الضرب دون الحدّ و إن لم يكن أخف من الضرب بل كان أشد من الضرب دون الحدّ، كما هو ظاهر ما نسب الشيخ إلى أبي حنيفة، و أمّا كلامه في القواعد، فيمكن أن يقال بدلالته على عدم‌

40

جواز التعزير بالحبس، و لذا يطلق الحاكم الثاني من حبسه الأوّل تعزيراً، و على فرض دلالته على كون الحبس من أنواع التعزير لم يعلم مراده من أن الأصل، و الذي لا يجوز التعدي عنه هو التعزير بما دون الحدّ، و أخفّ منه حبساً كان أو ضرباً أو ان في الحبس لم يعتبر ذلك في حين أنه اعتبر في الضرب، فيجوز أن يكون أشد مما دون الحد و من الحد، و يجوز التعزير به، و إن كان المجرم يؤدب بالضرب دون الحدّ.

فان قلت: من اين اختص التعزير بالضرب دون الحدّ بحيث يتبادر منه ذلك في استعمالات الشارع و المتشرّعة مع أنّ مفهومه بحسب أصل اللغة هو التأديب و المنع و الردّ، و هو أعم من الضرب فضلًا عن الضرب دون الحدّ.

قلت: إنّما اختص التعزير بهذا المفهوم في لسان الشارع (عليه السلام) و المتشرعة كما صرّح به علماء اللغة، لان في أكثر موارد التأديبات و العقوبات على المعاصي عين التأديب بالضرب دون الحد، و كثيراً ما عبّر عنه بالتعزير، لأنه أخص من التأديب بما فيه من الشدة، و لذا قيل:

هو أشدّ الضرب. و التعدي عن هذه النصوص المعينة للضرب في مواردها إلى الحبس و غيره لا يوافق مذهب أهل النصّ خصوصاً بعد تقديره بكونه دون الحد و عدم وجود تقدير في الحبس في جانب أكثره، و تقديره بدون خلوده في السجن إلى أن يموت لا وجه له مضافاً إلى أن‌

41

العلم بكون الحبس في زمان معين كعشرين سنة يكون دون خلوده في السجن إلى أن يموت يحتاج إلى العلم بالغيوب، و منايا الناس كما أن التفصيل بين هذه الموارد باختصاصها بالتعزير بالضرب و بين غيرها بجواز التعزير فيه بالحبس و الضرب و غيرهما لا دليل عليه، و قول بغير علم.

و على الجملة هذه النّصوص، و ما استقرّ عليه عمل الولاة و القضاة في غالب الموارد بالضّرب بالسّوط دون الحدّ في مقام التعزير صارت سبباً لظهور لفظ التعزير في الضرب دون الحدّ، و تبادر ذلك منه لا يشك في ذلك من تتبع الروايات، و كلمات الفقهاء فراجع إن شئت ما عندك من مصنفات القدماء و غيرهم من الأعاظم كالمقنعة، و المراسم، و الخلاف، و المبسوط، و النهاية، و السرائر، و الغنية، و الشرائع، و المختصر النافع، و غيرها، فلا تجد فيها كلمة من كلمات التعزير، و عزر، و يعزر غير ظاهرة في الضرب دون الحدّ أو قابلة لحملها على الأعم من الحبس إلّا بقرينة ظاهرة صارفة.

و بعد ذلك كيف يمكن للفقيه التعدي عن النص في الموارد التي ورد النص فيها بالضرب إلى الحبس مستنداً إلى ظاهر كلام بعضهم، و إن كان في جلالة القدر أظهر من الشمس ثمّ كيف يمكن له ادعاء ظهور لفظ التعزير في لسان الأحاديث في الأعم من الضرب و يأتي تمام هذا الكلام‌

42

في الأمر الخامس إن شاء اللّٰه تعالى.

الأمر الرابع في الحبس

1- موارد جواز الحبس

لا شبهة في جواز حبس المجرم بل تخليده في السجن حتّى يموت في الموارد المنصوصة مثل السارق الذي قطعت يده اليمنى، و سرق ثانية، و قطعت رجله اليسرى، فهذا إن سرق ثالثة سجن مؤبداً حتّى يموت، و ينفق عليه من بيت المال قضى بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و رواه محمّد بن قيس، و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، و القاسم، و سماعة، و أبو بصير، و الحلبي، و عبد الرحمن بن الحجاج، و غيرهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)

____________

(1) يراجع كتاب الحدود و التعزيرات من الوسائل ج 18 ص 492 (ب 5 من أبواب حد السرقة ح 1 و 2 و 3 و 4 و 6 و 7 و 10 و 12 و 13 و 14 و 15 و 16)

43

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

44

و عنه (عليه السلام): لا يخلد في السجن إلّا ثلاثة: الذي يمثل، و المرأة ترتد عن الإسلام، و السارق بعد قطع اليد و الرجل (1)

و روى الشيخ- (قدس سره)- مثله إلّا أنه قال: الذي يمسك على الموت بدلًا عن (الذي يمثل) (2)

و لا ينبغي الشك أيضاً في جواز الحبس في كلّ مورد امتنع من عليه حق عن أدائه و توقف إلزامه بالاداء على حبسه (3)

____________

(1) الوسائل كتاب الحدود و التعزيرات ب 5 من أبواب حد السرقة ح 5.

(2) الوسائل ج 18 ص 550 ب 4 من أبواب حد المرتد ح 3.

(3) راجع في ذلك كتاب القضاء من المبسوط قوله: فإذا جلس للقضاء فأول شي‌ء ينظر فيه حال المحبسين في حبس المعزول، لان الحبس عذاب، فيخلصهم منه، و لانه قد يكون منهم من تم عليه الحبس بغير حق، فإذا ثبت هذا فترتيب ذلك أن يبعث إلى الحبس ثقة يكتب اسم كلّ واحد منهم في رقعة مفردة و يكتب اسم من حبسه و بما ذا حبسه، فإذا فرغ من هذا نادى في البلد إلى ثلاثة أيام إلا ان القاضى فلان ينظر إلى أمر المحبسين الخ.

و قال الفاضل السيوري:

ضابط الحبس توقف استخراج الحق عليه و يثبت في مواضع:

(الأوّل) الجانى إذا كان المجنى عليه غائباً أو وليه حفظاً لمحل القصاص.

(الثانى) الممتنع من اداء الحق مع قدرته عليه.

(الثالث) المشكل أمره في العسر و اليسر إذا كانت الدعوى ما لا أو علم له اصل مال و لم يثبت اعساره فيحبس ليعلم احد الامرين.

(الرابع) السارق بعد قطع يده و رجله في مرتين أو سرق و لا يد له و لا رجل.

(الخامس) من امتنع من التصرف الواجب عليه الّذي لا يدخله النيابة كتعيين المختارة و المطلقة، و تعيين المقر به من العينين أو الاعيان، و قدر المقر به عيناً أو ذمة، و تعيين المقر له و المتهم بالدم ستة ايام.

فإن قلت: القواعد تقتضى ان العقوبة بقدر الجناية و من امتنع عن اداء درهم يحبس حتّى يؤديه فربما طال الحبس و هذا عقوبة عظيمة في مقابله جناية حقيرة.

قلت: لما استمر امتناعه قوبل كلّ ساعة من ساعات الامتناع بساعة من ساعات الحبس فهي جناية متكررة و عقوبات مكررة (نضد القواعد الفقهية)

(ص 499- 500)

45

و قد ورد الحبس في التسعة من العشرة الّذين قتلوا رجلًا ادّى كلّ واحد من التسعة عشر الدية ان الوالى بعد يلى ادبهم و حبسهم.

و في أقضية أمير المؤمنين (عليه السلام): و قضى (عليه السلام) في الدين أنه يحبس صاحبه، فان تبين إفلاسه و الحاجة فيخلى سبيله حتّى يستفيد مالًا (1)

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 180 كتاب القضاء أبواب كيفية الحاكم ب 11 ح 1

46

و كذا يجوز الحبس في كلّ مورد توقف انتهاء فاعل المنكر على الحبس أو نفي البلد فيحبس حتّى ينتهى عن المنكر أو يعمل بالمعروف و يتوب، و في أشباه ذلك من الموارد التي ليست بقليلة، و هذا باب واسع يتمكن معه الفقيه الجامع للشرائط من سد باب أكثر ذرائع الفساد.

و يدل على ذلك ما رواه الصدوق- (قدس سره)- باسناده عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): قال: إن أمي لا تدفع يد لامس، فقال: فاحبسها، قال: قد فعلت ... قال: قيدها فانك لا تبرها بشي‌ء أفضل من أن تمنعها من محارم اللّٰه عزّ و جلّ (1).

و ما رواه أيضاً عن البرقي عن علي (عليه السلام) أنه قال: يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء، و الجهال من الأطبّاء، و المفاليس من الاكرياء (2)

2- عدم جواز الحبس في غير الموارد المنصوصة

و أمّا الحبس بعنوان العقوبة على ارتكاب الحرام أو ترك الواجب مطلقاً و في غير الموارد المنصوصة، فالأصل كما مرّ عدم جوازه، و قد‌

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 414 باب 48 من ابواب حد الزنا ح 1

(2) روضة المتقين ج 6 ص 90.

47

روى شيخنا الكليني- (رضوان اللّٰه تعالى عليه)- عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج رفعه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يرى الحبس إلّا في ثلاث رجل أكل مال اليتيم أو غصبه أو رجل أؤتمن على أمانة فذهب بها (1).

و لا ريب أن الحصر المذكور إضافي لوجود موارد متعددة يجوز فيها الحبس، بل قد يجب إلّا أنه يدل على عدم جوازه في غير هذه الموارد التي لم يعلم أن الحبس فيها من باب العقوبة على الذنب أو لاجل إجباره على أداء الحق و كيف كان دلالته على الحصر الاضافي بالنسبة إلى ما كان من باب العقوبات أو الالزام على فعل الواجب، و ترك الحرام مما لا يخفى.

3- ادلة من يقول بجوازه و الجواب عنها

فإن قلت: روى الكليني و الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل اختلس درّة من اذن جارية، فقال: هذه الدّغارة المعلنة فضربه و حبسه. (2)

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 578 ب 5 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات ح 1

(2) الوسائل ج 18 ص 503 ب 2 من ابواب حد السرقة ح 4.

48

و هذا الحديث كما ترى يدل على جواز العقوبة بالحبس، بل على جواز الجمع بينه و بين الضرب، و ان لم يسم بالتعزير، و اقتصر على تسمية الضرب بما دون الحد تعزيراً.

و نحوه في الدلالة ما ورد أنّ عليّاً (عليه السلام) كان إذا أخذ شاهد زور، فان كان غريباً بعث به إلى حيّه، و إن كان سوقيّاً بعث به إلى سوقه، فطيف به ثمّ يحبسه أيّاماً ثمّ يخلّي سبيله (1)

و على هذا يمكن أن يقال: إن المجرم يعاقب بما يراه الحاكم من التعزير و الحبس بل و غيرهما من العقوبات التي يرى الحاكم المعاقبة بها لعدم حصر معاقبة المجرم بالتعزير بعد ما جاء في الأحاديث عقابه بالحبس أيضاً، و لدلالة بعض الأحاديث على المعاقبة و التأديب في بعض الموارد بغيرهما، فلا ينحصر بهما- أيضاً- فمن جميع ذلك يستفاد عدم خصوصية في المعاقبات إلّا ما يراه الحاكم.

قلت: أوّلا- إنّ الدليل الذي تمسكتم به أخص من مدعاكم، و لا أقل من أنه لا يثبت به عموم ما ادعيتم من كون الحبس، و الجمع بين الحبس و الضرب، و التلويث في المخروة و إطافة المجرم في سوقه و بلده و غيرها مطلقاً كالتعزير الذي هو الضرب دون الحد، و من أنواع العقوبات‌

____________

(1) التهذيب باب البينات ح 770/ 175 و الوسائل ج 18 ص 244 ح 3

49

الشرعيّة التي يختار الحاكم نوعه، و مقداره بما يراه سواء كان مساوياً في الشدة مع الحد أو أشدّ منه، أو كان كالتعزير، و أخف من الحد، فان ما ذكر من الحبس و غيره في هذه الأحاديث أخفّ من التعزير الذي عرفت أنه ضرب دون الحد.

و ثانياً- لازم الغاء الخصوصيّة في هذه الروايات التي وردت في عقوبة مجرم خاص بعقوبة خاصّة جواز العقوبة بغيرها، و رفع اليد عنها حتّى في مواردها، و يكون من الغاء الخصوصية في الحكم كما أنّ إلغاء الخصوصيّة في الموضوع يقتضى جواز إجراء هذه العقوبات في سائر الجرائم، فمثلًا يلوث في المخروة أو يطاف في السوق كلّ من يرى الحاكم في معاقبته ذلك، و إن لم يكن شاهد الزور أو لم يوجد تحت فراش رجل أو امرأة و ورد النص فيه بالتعزير و الضرب، و لا أظن أحداً يتعدى عن مورد هذه الروايات إلى غيره.

و ثالثاً- حبس أمير المؤمنين (عليه السلام) الرجل الذي اختلس الدرّة يمكن أن يكون لأنه (عليه السلام) رأي أنّ المختلس مصر على ذنبه فحبسه نهياً عن المنكر و حفظاً للنظام و أمن العامّة، و مع ذلك الاحتمال، و عدم معلومية وجه الفعل لا يجوز الاستناد إليه حتّى في حبس المختلس بعنوان العقوبة زائداً على الضرب. نعم في شاهد الزور الظاهر أن حبسه أياماً مع الاطافة به من باب التأديب، و العقوبة، و عليه فان كان لنا عموم أو إطلاق يدل على‌

50

أن كلّ من خالف الشرع عليه الحد أو التعزير يخصص بذلك بناءً على أن التعزير هو الضرب دون الحد مضافاً إلى أنه (عليه السلام) إنّما كان يعاقب شاهد الزور هكذا لأن المعاقبة بذلك أخف من الحدّ، بل أخف من بعض أفراد الضرب دون الحدّ، و يأتي مزيد البحث في ذلك إن شاء اللّٰه تعالى.

فان قلت: فما تقول فيما رواه الكليني- (قدس سره)- في باب النوادر من كتاب القضاء و الأحكام باسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في جارية أتى بها عمر بن الخطاب، و كان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل فتخوفت زوجته أن يتزوجها زوجها، فدعت بنسوة حتّى أمسكنها فأخذت عذرتها باصبعها فرمت اليتيمة بالفاحشة- و القصة طويلة تطلب شرحها من الكافي و الفقيه- فألزم أمير المؤمنين (عليه السلام) على المرأة حد القاذف، و ألزمهن جميعاً العقر، و جعل عقرها أربعمائة درهم، و أمر امرأة أن تنفى من الرجل و يطلقها زوجها، و زوجه الجارية، و ساق عنه علي (عليه السلام) المهر (1) فانه يمكن أن يقال: إن المستفاد من الرواية أن تطليق الزوج زوجته تعزير لها، و أمره (عليه السلام) الزوج بتطليقها كان من باب أن أمر التعزير موكول إلى الحاكم فيعزر المجرم بما يراه و بأي نوع من العقوبات المناسبة للجرم، فهذا الحديث و غيره ممّا مرّ نقله من الأحاديث في غير هذا المورد يدل على عدم كون التعزير‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 427- 425.

51

منحصراً بالضرب دون الحد، بل أمره موكول إلى نظر الحاكم فيعزر بما يراه مناسباً في كلّ مورد.

قلت: أمّا سائر الروايات في ذلك فقد سمعت ما فيه، و أما هذه الرواية ففي الاستدلال به نقول:

أولًا: إنها غير معمول بها في بعض ما يستفاد منها من الأحكام، و هو قبول شهادة النساء منفردات في الزنا.

و ثانياً: معارضة بمرفوعة رواها أيضاً الكليني في الكافي في باب حد القاذف من كتاب الحدود في مثل هذا الموضوع، قال في آخره:

فأخذ الرجل بيد امرأته و يد الجارية فمضى بهما حتّى أجلسهما بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أخبره بالقصة كلها، و أقرت المرأة بذلك، قال: و كان الحسن (عليه السلام) بين يدي أبيه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): اقض فيها فقال الحسن (عليه السلام): نعم على المرأة الحد لقذفها الجارية، و عليها القيمة لافتراعها إياها قال: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدقت ... الحديث (1)

و هذه الرواية و إن كانت لا تصلح من حيث السند للمعارضة مع الرواية الأولى إلّا أنها من حيث المتن أقوى، لأنّها أوفق بالقواعد من الأولى، لأنها جعلت عقرها على التي أزالت بكارتها.

و ثالثاً: ظاهر الرواية الأولى أنه (عليه السلام) لم يلزم حد القذف على النسوة‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 207

52

التي شهدن عليها بالزنا، و هذا أيضاً لا توافق القواعد، و مع هذه الجهات المضعفة للرواية كيف يمكن التمسك بها لتأسيس قاعدة كلية، و هي أن أمر تأديب المجرمين و عقوبتهم موكول برأي الحاكم مطلقاً بحسب النوع و المقدار، و إن كان أشدّ من الضرب دون الحد، هذا مع أنى لم أجد من أفتى بهذه الرواية في باب الحدود و التعزيرات في موردها فضلًا عن أن يقول: إن الحاكم يعمل في نفس المورد بما يراه من تطليق المرأة أو تعزير آخر.

هذا- و ربما يقال: إن صاحب الجواهر في مسألة (التماس الخصم إحضار خصمه مجلس الحاكم و أنه إن استخفى بعث من ينادي على بابه أنه إن لم يحضر إلى ثلاث سمرت داره أو ختم عليهم، فان لم يحضر بعد الثلاث و سأل المدعى السمر أو الختم أجابه إليه) قال: لم نجد له دليلًا بالخصوص، و إنّما هو أحد أفراد التعزير التي هي للحاكم (1) و كلامه هذا صريح في أن أمر التعزير مطلقاً يكون موكولًا برأي الحاكم و أنه أعم من الضرب دون الحد فما استظهرتم من كلامه من ذى قبل ليس في محله.

قلت: أولًا: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال: إن جزم مثل المحقق و العلامة- عليهما الرحمة- بخصوص هذا التأديب من غير أن يكون وارداً في رواية أو مذكوراً في‌

____________

(1) الجواهر ج 40 ص 135

53

كلام من لا يفتى إلّا بالروايات بالفاظها بعيد جداً.

و ثانياً: لا يدل كلامه هذا على أن التعزير أعم من الضرب دون الحد مطلقاً، و إن كان أشدّ من الضرب، و كان التعزير بالضرب ممكناً، فان تسمير الباب، و الختم عليه حتّى يحضر صاحبه مجلس الحكم أخفّ من الضرب الذي لا يمكن إيقاعه على المجرم هنا.

و ثالثاً: إن ذلك ليس من باب العقوبة على الجرم بل يمكن أن يكون ذلك لإلزام الخصم بحضوره مجلس الحكم، و في مثله يجوز ذلك من باب الأمر بالمعروف، كما أنه يجوز حبس الغريم إذا امتنع عن أداء ما عليه.

و رابعاً: أن ما استظهرنا من كلامه من أن التعزير هو الضرب دون الحد إنّما استظهرناه من كلماته الكثيرة الظاهرة، بل و الصريحة في ذلك في كتاب الحدود و التعزيرات، و لا يرفع اليد عنها و لا يجوز نسبة القول بكون التعزير أعم من الضرب إليه بكلامه هنا الذي قاله لتوجيه كلامه المحقق رحمة اللّٰه عليهما.

و كيف كان لا يصير مثل هذه الكلمات مستنداً لرفع اليد عن ظواهر الأحاديث، و ما صرح به أهل اللغة و تخصيص العمومات و الخروج عن الأصل.

54

تنبيه في ان الحبس المذكور ليس لعقوبة المجرم

قد ذكرنا في تحقيق مفاد بعض الروايات أن الحبس المذكور فيه ليس لعقوبة المجرم، بل لمنعه عن ارتكاب الذنب و الاضرار، و الافساد و الاضلال و نحوها، و لذا قد يجمع بينه و بين الحدّ و التعزير، و يؤيد هذا الاستظهار أقوال علماء اللغة في الحبس و السجن. قال الراغب: الحبس المنع من الانبعاث قال عز و جلّ: «تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ» (1) و الحبس مصنع الماء الذي يحبسه و الاحباس جمع، و التحبيس جعل الشي‌ء موقوفاً على التأبيد يقال: هذا حبس في سبيل اللّٰه.

و قال: السجن الحبس في السجن و قرئ «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» (2) بفتح السين و كسرها.

و قال في تاج العروش: الحبس المنع و الامساك و هو ضد التخلية.

و قال في لسان العرب: حبسه يحبسه حبساً، فهو محبوس و حبيس و احتبسه و حبسه امسكه عن وجهه، و الحبس ضد التخلية.

____________

(1) المائدة الآية: 106.

(2) يوسف، الآية: 33.

55

و على هذا نقول: إن الحبس المنع و الامساك عمّا يفعله أو يعتاده المحبوس من الأفعال و الاشغال، و الافساد و الاصلاح، و الاضرار و غيرها، سواء كان الحابس مريداً مختاراً كالانسان أو غير مريد كما تقول: حبسني عن الصوم أو عن الدعاء أو عن الحج أو عن أمر كذا المرض أو المطر أو السارق أو السلطان، و سواء كان المحبوس مريداً مختاراً أو غير مريد و غير ذي روح كالماء و نحوه.

و يطلق الحبس على السجن لمنعه المسجون عن الخروج منه و ذهابه في حوائجه، و يطلق بهذه العناية المحبوس على المسجون سواء سجن عقوبة على جرم ارتكبه أو منعاً عن فعل اعتاده، و لكن الأبلغ إطلاق الحبس في موارد يحبس بالسجن من أريد حبسه عن الذنب، و اطلاق السجن في موارد العقوبة.

فظهر من ذلك أن الأظهر في لفظ حبس و يحبس في كلام الفصحاء إذا كان الحابس و المحبوس إنساناً هو منعه من فعله و فساده و عصيانه، و في لفظ سجن و يسجن حبسه عقوبة إلّا إذا كان في الكلام قرينة على خلاف ذلك. و على ذلك يستظهر معني الروايات الواردة فيها الحبس و السجن، و يخرج به أكثر الروايات الواردة فيها الحبس عن توهم كون الحبس فيها من باب العقوبة على الجرم، و يسقط الاستدلال بها لكون الحبس من أنواع التعزير فتدبر جيّداً.

56

الأمر الخامس في ظهور الأخبار في ان التعزير هو الضرب بما دون الحد

المستفاد من الأخبار الكثيرة بل المتواترة في موارد التعزير الضرب بالسوط مثل خبر زيد الشحام و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل و المرأة يوجدان في اللحاف؟ قال: يجلدان مائة مائة غير سوط (1).

و حديث معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: تضربان فقلت: حدّاً؟ قال: لا، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد؟ قال. يضربان قال: قلت: الحدّ؟ قال: لا (2)

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 364 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 3.

(2) الوسائل ج 18 ص 366 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 16.