الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
714 /
5

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

التوبة: 122‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي جعل الكعبة للناس قياما، و البيت الحرام مثابة لهم و أمنا، و الصّلاة و السلام على من علّم الناس مناسك الحجّ و أرشد إلى معالمه و مآثره بعد ما اندرس، و على آله الذين هم عيبة علمه و موئل حكمه و خلفاؤه من بعده صلاة دائمة.

أمّا بعد؛ فهذه خلاصة ما ألقيته على جمّ غفير من فضلاء الحوزة العلمية حول مسائل الحجّ، راجيا منه سبحانه أن ينتفع به روّاد العلم، و يكون لي ذخرا في الآخرة، و قبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أمرا:

دور الإمام الصادق (عليه السلام) في تعليم المناسك

يتميّز كتاب الحجّ عن سائر الكتب، بكثرة مسائله، و تشعّب فروعه، و في الوقت نفسه وافر المقاصد، جمّ المطالب، و أكثر مسائله غير مأنوس و لا متكرّر، بخلاف كتاب الصلاة و الزكاة و الصوم فإنّ الإنسان يمارس مسائلها كلّ يوم و شهر و سنة، روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلني اللّه فداك أسألك في الحجّ منذ أربعين عاما فتفتيني، فقال: «يا زرارة! بيت يحجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاما؟». (1)

____________

(1). الوسائل: ج 8، الباب 1 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 12.

8

و لعلّ المراد من أنّ البيت كان يحجّ قبل آدم بألفي عام أنّ الملائكة كانت تحجّه.

و الحديث يعرب عن أمر آخر و هو أنّه كان للإمام الصادق (عليه السلام) دور عظيم في تبيين مسائل الحجّ و تعليم مناسكه حيث كان يفتي فيها أربعين سنة، و قد توفّي الإمام الباقر (عليه السلام) عام 114 ه‍، و توفّي الإمام الصادق (عليه السلام) عام 148 ه‍، و على هذا فقد كان يستفتى الإمام في حياة أبيه أيضا.

و يدلّ غير واحد من الروايات و الأخبار على دور الإمام الصادق (عليه السلام) في تعليم مناسك الحجّ و أحكامه و آدابه، و انّ المسلمين بجميع طوائفهم كانوا يصدرون عن فتاواه و آرائه، نذكر هنا ما يلي:

1. روى الصدوق (رحمه اللّه) عن أبي حنيفة، أنّه قال: لو لا جعفر بن محمد، ما علم الناس مناسك حجّهم. (1)

2. روى الشيخ في «التهذيب» عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: جاء رجل يلبّي حتّى دخل المسجد و هو يلبّي و عليه قميص، فوثب إليه أناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شقّ قميصك و أخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة و عليك الحجّ من قابل و حجّك فاسد، فطلع أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبّر و استقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اسكن يا عبد اللّه» فلمّا كلّمه و كان الرجل أعجميّا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما تقول؟» قال: كنت رجلا أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة فجئت أحجّ لم أسأل أحدا عن شي‌ء، فأفتوني هؤلاء أن أشق‌

____________

(1). الفقيه: 2/ 519، كتاب الحجّ، باب نوادر الحجّ، برقم 3113.

9

قميصي و أنزعه من قبل رجلي و انّ حجّي فاسد و إنّ علي بدنة، فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟» قال: قبل أن ألبّي. قال: «فأخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحجّ من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‌ء عليه، طف بالبيت سبعا، وصل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، واسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهلّ بالحجّ، و اصنع كما يصنع الناس». (1)

3. روى الشيخ في «التهذيب» عن معاوية بن عمّار قال: إنّ امرأة هلكت فأوصت بثلثها يتصدّق به عنها و يحجّ عنها و يعتق عنها فلم يسع المال ذلك فسألت أبا حنيفة و سفيان الثوري، فقال كلّ واحد منهما: انظر إلى رجل قد حجّ فقطع به فيقوّى، و رجل قد سعى في فكاك رقبته فيبقى عليه شي‌ء فيعتق، و يتصدّق بالبقية، فأعجبني هذا القول و قلت للقوم- يعني أهل المرأة-: إنّي قد سألت لكم فتريدون أن أسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟ قالوا: نعم، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك فقال: «ابدأ بالحجّ فانّ الحجّ فريضة» فما بقي فضعه في النوافل» قال: فأتيت أبا حنيفة فقلت: إنّي قد سألت فلانا فقال لي كذا و كذا، قال: فقال: هذا و اللّه الحق، و أخذ به و ألقى هذه المسألة على أصحابه، و قعدت لحاجة لي بعد انصرافه فسمعتهم يتطارحونها، فقال بعضهم بقول أبي حنيفة الأوّل، فخطّأه من كان سمع هذا و قال: سمعت هذا من أبي حنيفة منذ عشرين سنة. (2)

4. روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا‌

____________

(1). تهذيب الأحكام: 5/ 72- 73، باب إذا لبس الإنسان قميصا ....

(2). تهذيب الأحكام: 5/ 407، الحديث 63.

10

على جابر بن عبد اللّه فسأل عن القوم حتّى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمّد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى ثمّ نزع زرّي الأسفل، ثمّ وضع كفّه بين ثدييّ و أنا يومئذ غلام شابّ فقال: مرحبا بك يا ابن أخي سل عمّا شئت، فسألته و هو أعمى، و حضر وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفا بها كلّما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها و رداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال بيده فقعد تسعا فقال:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مكث تسع سنين لم يحجّ ثمّ أذّن في الناس في العاشرة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير كلّهم يتلمس أن يأتمّ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و يعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتّى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كيف أصنع؟ قال: اغتسلي و استثفري بثوب و أحرمي، فصلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المسجد، ثمّ ركب القصواء حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدّ بصري بين يديه من راكب و ماش و عن يمينه مثل ذلك و عن يساره مثل ذلك و من خلفه مثل ذلك و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين أظهرنا و عليه ينزل القرآن و هو يعرف تأويله و ما عمل به من شي‌ء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد و النّعمة لك و الملك لا شريك لك، و أهلّ النّاس بهذا الّذي يهلّون به، فلم يردّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليهم شيئا منه، و لزم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تلبيته، قال جابر (رضي اللّه عنه): لسنا ننوي إلّا الحجّ لسنا نعرف العمرة.

حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الرّكن فرمل ثلاثا و مشى أربعا، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم (عليه السلام) فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1)، فجعل المقام بينه و‌

____________

(1). البقرة: 125.

11

بين البيت فكان أبي يقول: «و لا أعلمه ذكره إلّا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» كان يقرأ في الرّكعتين قل هو اللّه أحد، و قل يا أيّها الكافرون، ثمّ رجع إلى الرّكن فاستلمه، ثمّ خرج من الباب إلى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ (1) أبدأ بما بدأ اللّه به، فبدأ بالصّفا فرقي عليه حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد اللّه و كبّره و قال: «لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كلّ شي‌ء قدير، لا إله إلّا اللّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده» ثمّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرّات، ثمّ نزل إلى المروة حتّى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى حتّى إذا صعدتا مشى حتّى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي و جعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ و ليجعلها عمرة».

فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول اللّه أ لعامنا هذا أم لأبد؟

فشبّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أصابعه واحدة في الأخرى و قال: دخلت العمرة في الحجّ مرّتين لا بل لأبد أبد، و قدم عليّ من اليمن ببدن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوجد فاطمة (رضي اللّه عنها) ممّن حلّ و لبست ثيابا صبيغا و اكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق فذهبت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) محرّشا على فاطمة للّذي صنعت مستفتيا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنّي أنكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت ما ذا قلت حين فرضت الحجّ؟» قال:

قلت: «اللّهمّ إنّي أهلّ بما أهلّ به رسولك» قال: «فإنّ معي الهدي فلا تحلّ» قال:

فكان جماعة الهدي الّذي قدم به عليّ من اليمن و الّذي أتى به النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مائة قال:

____________

(1). البقرة: 158.

12

فحلّ الناس كلّهم و قصّروا، إلّا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من كان معه هدي.

فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ و ركّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصلّى بها الظّهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر، ثمّ مكث قليلا حتّى طلعت الشمس و أمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا تشكّ قريش إلّا أنّه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة، فأجاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أتى عرفة فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتّى إذا زاغت الشّمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس و قال:

«إنّ دماءكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شي‌ء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع و دماء الجاهليّة موضوعة، و إنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- و ربا الجاهليّة موضوع، و أوّل ربا أضع ربانا ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا اللّه في النّساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمان اللّه و استحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه و لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، و لهنّ عليكم رزقهنّ و كسوتهنّ بالمعروف، و قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللّه، و أنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و أدّيت و نصحت، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء و ينكتها إلى الناس: اللّهمّ اشهد، اللّهمّ اشهد، ثلاث مرّات، ثمّ أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، و لم يصلّ بينهما شيئا، ثمّ ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات و جعل حبل المشاة بين يديه و استقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتّى غربت الشّمس و ذهبت الصّفرة قليلا حتّى غاب القرص و أردف أسامة خلفه، و‌

13

دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد شنق للقصواء الزّمام حتّى إنّ رأسها ليصيب مورك رحله و يقول بيده اليمنى: «أيّها النّاس السّكينة السّكينة» كلّما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتّى تصعد، حتّى أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين و لم يسبّح بينهما شيئا، ثمّ اضطجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى طلع الفجر و صلّى الفجر حين تبيّن له الصّبح بأذان و إقامة، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه و كبّره و هلّله و وحّده، فلم يزل واقفا حتّى أسفر جدّا فدفع قبل أن تطلع الشّمس و أردف الفضل بن عبّاس و كان رجلا حسن الشّعر أبيض و سيما، فلمّا دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرّت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه إلى الشّق الآخر ينظر فحوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يده من الشّقّ الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشّقّ الآخر ينظر، حتّى أتى بطن محسّر فحرّك قليلا، ثمّ سلك الطّريق الوسطى الّتي تخرج على الجمرة الكبرى حتّى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا و ستّين بيده ثمّ أعطى عليّا فنحر ما غبر و أشركه في هديه، ثمّ أمر من كلّ بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها و شربا من مرقها، ثمّ ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأفاض إلى البيت فصلّى بمكّة الظّهر فأتى بني عبد المطّلب يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطّلب فلولا أن يغلبكم النّاس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوا فشرب منه. (1)

____________

(1). صحيح مسلم، ج 4، باب حجّة النبي: 39- 43؛ سنن أبي داود: 2/ 182، الحديث 1905؛ شرح صحيح مسلم للنووي: 7- 8، باب حجة النبي برقم 2941.

14

[رسالة السيد البروجردي إلى سفير المملكة العربية السعودية]

و ممّا يحسن ذكره أنّ الملك سعود بن عبد العزيز زار إيران عام 1374 ه‍- و أهدى إلى السيّد المحقّق البروجردي مصاحف مطبوعة بمكّة و قطعا من كسوة الكعبة و هدايا أخرى فقبل السيّد البروجردي المصاحف و كسوة الكعبة و أهدى سائر الهدايا لمندوب الملك الذي أتى بها و كتب في ذلك رسالة إلى سفير المملكة السعودية في طهران ألمع فيها إلى هذا الحديث، و إليك نصّ الرسالة.

قال سماحته:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سلام اللّه عليكم و رحمته.

أمّا بعد: فقد بلغنا كتابكم مع السيد يوسف بوعلي، و معه حقيبة كبيرة ذكرتم أنّها تحتوي على خمس عشرة نسخة من القرآن الكريم، و على قطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، و على ... و أنّ جلالة الملك أمر بإرسالها إليّ، فتحيرت في الأمر لأنّ سيرتي عدم قبول الهدايا من الملوك و العظماء، و لكن اشتمال هذه الهدية على القرآن الكريم و ستار الكعبة الشريفة؛ ألزمني قبولها، فأخذت نسخ القرآن الكريم و القطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، و أرسلت الحقيبة «بما بقي فيها» إلى جنابكم هدية منّي إلى شخصكم، لأكون على ذلك منكم في أوقات الصلوات و الدعوات، و لما كان أمر الحجّ في هذه السنين بيد جلالة الملك؛ أرسلت حديثا طويلا في صفة حجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، رواها مسلم في صحيحه و أبو داود في سننه، و يستفاد منه أكثر أحكام الحجّ إن لم يكن كلّها، لترسله إلى جلالة الملك هدية منّي إليه، و تبلغه سلامي و تحياتي، و أسأل اللّه عزّ شأنه أن يؤلف بين قلوب المسلمين، و يجعلهم يدا واحدة على من سواهم، و يوجههم إلى أن يعملوا بقول اللّه‌

15

تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَ لٰا تَفَرَّقُوا (1)، و أن يجتنبوا التدابر و التباغض و اتباع الشهوات الموجبة لافتراق الكلمة، و أن يلتزموا بقول اللّه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا (2). و السلام عليكم و رحمة اللّه. (3)

و تتميّز مسائل الحجّ عن مسائل سائر الأبواب انّ الخلاف فيها بين الفريقين قليل، و المشتركات فيها كثيرة، و لعلّ من علله رجوع أكثر الناس في مسائله في أيّام الخلفاء إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) خصوصا الإمام الصادق (عليه السلام) كما مرّ.

جعفر السبحاني قم- مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

____________

(1). آل عمران: 103.

(2). النساء: 94.

(3). مجلة رسالة الإسلام، السنة الثامنة، العدد الأوّل.

16

الحجّ لغة و شرعا

الحجّ في اللغة بمعنى القصد، و هو عند الشرع- أو عند المتشرعة- اسم لمجموع المناسك المؤدّاة في المشاعر، المخصوصة، كما عليه المحقّق في الشرائع. (1)

و ربّما يقال: صار اسما لقصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة في زمان خاصّ.

و الفرق بين المعنيين واضح، إذ على الأوّل فاللفظ نقل من المعنى اللغوي إلى معنى اصطلاحي، و على الثاني، قيّد متعلق القصد بالبيت الحرام لأداء مناسك.

و قد ناقش الشهيد في المسالك (2) في طرد التعريف و عكسه و لا يهمنا البحث فيهما.

فوائده و آثاره

و من آثاره تقوية الدين كما في كلام الإمام علي (عليه السلام) في النهج حيث قال:

«جعل اللّه الإيمان تطهيرا من الشرك، و الصلاة تنزيها من الكبر ... و الحجّ تقوية للدين». (3)

و للحجّ وراء ما في كلام الإمام فوائد أخرى مذكورة في محلّه، و قد أشار إلى قسم منها، صاحب الجواهر. (4) و في مقدمة كتاب الحجّ للعروة الوثقى غنى و كفاية. و هي بقلم حفيد السيد اليزدي لا نفسه.

و على كلّ تقدير فقد أفاد السيد المصنّف هنا فروعا و إليك تبيينها.

____________

(1). الشرائع: 1/ 163.

(2). المسالك: 2/ 119- 120.

(3). نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 252.

(4). الجواهر: 17/ 218- 219.

17

الفصل الأوّل الحجّ من أركان الدين

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الحجّ من أركان الدين من أركان الدين: الحجّ، و هو واجب على كلّ من استجمع الشرائط الآتية من الرجال و النساء و الخناثي، بالكتاب و السنّة و الإجماع من جميع المسلمين، بل بالضرورة، و منكره في سلك الكافرين، و تاركه عمدا مستخفّا به بمنزلتهم، و تركه من غير استخفاف من الكبائر.* (1)

____________

(1)* 1. الحجّ من أركان الدين عدّ المصنّف الحجّ من أركان الإيمان، و هو رهن توضيح، فإن أراد بها ما يدخل به الإنسان في حظيرة الإسلام فالحجّ ليس منه، إذ يكفي في انخراط الإنسان في عداد المسلمين الشهادتان مقرونتين بالشهادة للمعاد، و قد كان النبي يقبل إسلام من يشهد توحيده سبحانه و رسالته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بما أنّ العقيدة باللّه سبحانه لا تعدّ دينا ما لم يشهد بالحساب و الكتاب و الحشر و النشر، أضيف إلى الشهادتين، الشهادة بالمعاد، و لذلك نرى أنّه سبحانه يعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان باللّه سبحانه و يقول: مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ*. (1)

و إن أريد أنّه من أهمّ الواجبات الإلهية و ممّا بني عليه الإسلام فهو حقّ‌

____________

(1). البقرة: 62.

20

..........

____________

حسب ما رواه الفريقان. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على خمس: على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية». (1)

و في صحيح البخاري: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و انّ محمّدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة و الحجّ و صوم رمضان. (2)

2. الحجّ واجب عيني على المستطيع و يدلّ على وجوب الحجّ مضافا إلى كونه من ضروريات الفقه، بل الدين قوله سبحانه: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) حيث جعل الحجّ في ذمّة الناس و هو آية الوجوب العيني كقوله: عليه الصلاة، عليه الصوم.

و في الآية دلالة على تقدّم الاستطاعة و القدرة على الفعل خلافا للأشاعرة فإنّهم يرونها مقارنة إلى الفعل. (4)

3. حكم المنكر و المستخفّ و التارك ظاهر عبارة السيّد المصنّف أنّ إنكار الحجّ بما هو هو موجب للكفر، و استدلّ عليه بوجوه:

1. إنّ وجوب الحجّ من ضروريات الدين كوجوب الصلاة و الزكاة و إنكار الضروري موجب للكفر.

____________

(1). الوسائل: ج 1، الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 1.

(2). صحيح البخاري: 1، كتاب الإيمان برقم 8.

(3). آل عمران: 97.

(4). لاحظ بحوث في الملل و النحل: 2/ 169.

21

..........

____________

يلاحظ عليه: أنّ إنكار الضروري بما هو هو غير موجب للكفر ما لم يكن ملازما لإنكار أحد الأصول الثلاثة بشهادة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يقبل إسلام من يشهد الشهادتين من دون أن يعترف بالصلاة و الزكاة، نعم إذا كان إنكار الحكم الضروري ملازما لإنكار النبوة فهو موجب لكفر المنكر لا بما أنّه منكر للحكم الضروري، بل بما أنّه يلازم إنكار النبوّة، كما هو الحال في من أنكر وجوب الحجّ و هو ممّن يعيش في بلاد الإسلام أعواما بخلاف من أسلم و هو في بلاد الكفر و أنكر وجوبه فإنّ إنكاره الضروريّ لا يوجب الكفر لعدم الملازمة.

و ظاهر المصنّف كون الإنكار سببا مستقلا للكفر لا ملازما لإنكار أحد الأصول، كنبوّة نبي الإسلام في المقام.

2. إنّه سبحانه وصف منكر الوجوب بالكفر و قال: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ، و فسّره الطبرسي بإنكار وجوبه. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ سبب الكفر في الآية هو جحد الوجوب، و لكن يحتمل أن يكون سبب الكفر، كفره بتوحيده و رسوله المؤدّي إلى جحد وجوبه، و الآية لو لم تكن ظاهرة في هذا النوع من الكفر ليست بظاهرة في ما احتمله.

و ثانيا: أنّ الكفر في الآية فسّر بترك الحجّ، في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعد قراءة الآية قال: هو لمن كان عنده مال، إلى أن قال: و عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ مَنْ كَفَرَ يعني من ترك.

و بما أنّ ترك الحجّ عصيانا لا يوجب الكفر اتفاقا، فلا بدّ من تفسير الكفر في‌

____________

(1). مجمع البيان: 1/ 479. قال: و من جحد فرض الحج و لم يره واجبا، رواه عن ابن عباس و الحسن.

22

..........

____________

الآية بكفر النعمة في مقابل كفر الملّة، قال سبحانه: إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً. (1)

فشكر النعمة عبارة عن صرفها في محلّها و كفرها عبارة عن خلافه، فعلى ذلك فالمراد من كفر بالنعمة مع الاستطاعة المالية و البدنية، و لم يحجّ فلا يضرّ اللّه شيئا فإنّ اللّه غني عن العالمين.

3. و ربما يستدلّ على كفر الجاحد بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، و ذلك قوله تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ، قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: «لا، و لكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر». (2) فإنّ قوله: «ليس هذا هكذا» أي: ليس الحجّ واجبا.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث غريب حيث أوجب الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، و هو ما لم يذهب إليه أحد إلّا الصدوق كما سيأتي، مضافا إلى احتمال أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» هو إنكار كون القرآن وحيا سماويّا و انّ النبي رسول مبعوث من اللّه سبحانه.

هذا كلّه حول الجاحد.

ثمّ إنّ المصنف عطف المستخفّ على الجاحد، و هو على قسمين تارة يستخفّ بأصل الحكم الشرعي، و يراه حكما في غير موضعه، و أخرى يستخف‌

____________

(1). الإنسان: 3.

(2). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

23

..........

____________

بالعمل به من دون استخفاف بأصل الحكم، كأكثر من يترك الفرائض لأجل الاشتغال بالأمور الدنيوية، أمّا الأوّل، فلا يبعد إلحاقه بالجاحد، فانّه أخوه الصغير، و أمّا الثاني فهو حرام من غير فرق بين حكم دون حكم كما ورد في حديث جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في من سأله عن الفأرة، وقعت في خابية فيها سمن أو زيت؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله: «لا تأكله»، فقال السائل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «إنّك لم تستخف بالفأرة و إنّما استخففت بدينك». (1)

نعم يفارق الاستخفاف بالحجّ من الاستخفاف بسائر الأحكام بأنّه من الكبائر، كما ورد فيما كتبه الإمام الرضا (عليه السلام) في رسالته إلى المأمون، فقال: الإيمان هو أداء الأمانة ... و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس التي حرّم اللّه ... و الاستخفاف بالحجّ». (2)

و أمّا تركه مجرّدا عن الإنكار و الاستخفاف فقد عدّه المصنّف من الكبائر.

و يدلّ عليه صحيح ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرانيا». (3)

و يؤيّده ما ورد في روايات التسويف المنتهي إلى الترك. (4) و ليعلم أنّ البحث في المقام مركّز على الترك، و أمّا ما يأتي في المسألة الأولى فالبحث مركّز على صرف التأخير- مع قطع النظر عن الترك.

____________

(1). الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

(2). الوسائل: 12، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33.

(3). الوسائل: 8، الباب 7 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

(4). الوسائل: 8، الباب 6، روايات الباب.

24

[لا يجب في أصل الشرع إلّا مرّة واحدة]

و لا يجب في أصل الشرع إلّا مرّة واحدة في تمام العمر، و هو المسمّى بحجّة الإسلام، أي: الحجّ الّذي بني عليه الإسلام، مثل الصلاة و الصوم و الخمس و الزكاة، و ما نقل عن الصدوق في العلل: من وجوبه على أهل الجدة كلّ عام- على فرض ثبوته- شاذّ، مخالف للإجماع و الأخبار، و لا بدّ من حمله على بعض المحامل، كالأخبار الواردة بهذا المضمون من إرادة الاستحباب المؤكّد، أو الوجوب على البدل بمعنى أنّه يجب عليه في عامه، و إذا تركه ففي العام الثاني و هكذا، و يمكن حملها على الوجوب الكفائيّ، فإنّه لا يبعد وجوب الحجّ كفاية على كلّ أحد في كلّ عام إذا كان متمكّنا، بحيث لا تبقى مكّة خالية من الحجّاج، لجملة من الأخبار الدالّة على أنّه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحجّ، و الأخبار الدالّة على أنّ على الإمام كما في بعضها، و على الوالي- كما في آخر- أن يجبر الناس على الحجّ و المقام في مكّة، و زيارة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و المقام عنده، و أنّه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال.* (1)

____________

(1)* لا يجب في أصل الشرع إلّا مرّة واحدة اتّفق المسلمون على وجوبه في تمام العمر مرّة واحدة.

قال العلّامة في «التذكرة» (1): الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة، و كذا العمرة، و لا يجب أزيد منها، و هو قول عامّة أهل العلم. (2)

____________

(1). التذكرة: 7/ 15، المسألة 6.

(2). المغني و الشرح الكبير: 3/ 165؛ المجموع: 7/ 9؛ فتح العزيز: 7/ 3؛ حلية العلماء: 3/ 231.

25

..........

____________

و حكي عن بعض الناس أنّه قال: يجب في كلّ سنة مرّة. (1)

و قال في «المنتهى»: إنّما يجب بأصل الشرع في العمر مرّة واحدة بإجماع المسلمين على ذلك- إلى أن قال:- و لا نعلم فيه خلافا يعتدّ به، و قد حكي عن بعض الناس أنّه يقول يجب في كلّ سنة مرّة، و هذه حكاية لا تثبت، و هي مخالفة للإجماع و السنّة. (2)

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال:

«أيّها النّاس قد فرض اللّه عليكم الحجّ فحجّوا» فقال رجل: أ كلّ عام يا رسول اللّه؟

فسكت حتّى قالها ثلاثا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو قلت: نعم، لوجبت و لما استطعتم» ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‌ء فدعوه». (3)

و يدلّ على وجوبه مرّة واحدة- مضافا إلى كونه من ضروريات الفقه- صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «... و كلّفهم حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك». (4)

نعم قال الصدوق في «العلل»: فإنّ الذي اعتمده و أفتي به، انّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة. و استدلّ بأحاديث رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ و هي تناهز سبعة أحاديث أوّلت بالوجوه التالية.

____________

(1). حلية العلماء: 3/ 232؛ المجموع: 7/ 9.

(2). المنتهى: 2/ 643.

(3). التاج الجامع للأصول: 2/ 100، كتاب الحجّ.

(4). الوسائل: 8، الباب 3 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2 و 3.

26

..........

____________

1. الاستحباب المؤكّد.

2. الوجوب على البدل بمعنى أنّه إذا تركه ففي العام الثاني.

3. الوجوب الكفائي إذا عطّلت الكعبة عن الحجّ.

و كلّها على خلاف الظاهر كما لا يخفى، و حمله المحقّق الخوئي على ما في تقريراته من أنّها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي، فإنّ العرب كانت لا تحجّ في بعض الأعوام، و كانوا يعدون الأشهر بالحساب الشمسي، و منه قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ (1) و ربما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة فأنزل اللّه الآية ردّا عليهم. فالمقصود أنّ كلّ سنة قمرية لها حجّ و لا يجوز خلوّها عن الحجّ، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ سنة. (2)

يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ محاسبة الشهور، بالحساب الشمسي رهن محاسبات دقيقة، و أين هو من العرب في العصر الجاهلي البعداء عن هذا النوع من المحاسبات خصوصا سكان «مكة» و ما حولها؟!

و ثانيا: بأنّ المراد من النسي‌ء هو تقديم و تأخير أشهر الحجّ حسب مصالحهم لا عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين، فكانوا يحجّون في كلّ سنة لكن ربما يقدّمون الأشهر الحرم و أخرى يؤخّرونها على نحو يحجون في غير ذي الحجة.

قال الطبرسي: المراد تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، و كانت‌

____________

(1). التوبة: 37.

(2). معتمد العروة، كتاب الحجّ: 1/ 16.

27

..........

____________

العرب تحرّم الشهور الأربعة، و ذلك بما تمسكت به من ملّة إبراهيم و إسماعيل، و هم كانوا أصحاب غارات و حروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، و يستحلّون المحرّم، فيمكثون بذلك زمانا، ثمّ يؤول التحريم إلى المحرّم و لا يفعلون ذلك إلّا في ذي الحجّة. (1)

و ذلك يدلّ على أنّهم يحجّون في كلّ سنة، و لكن بتقديم الشهر الحرام أو بتأخيره لا بترك الحجّ في عام أساسا.

ثمّ إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجّة الوداع شارك في مراسم الحجّ شخصيا و قام بتعليم الناس مناسك الحجّ، فجعل الشهر الحرام في مكانه الأصلي و لم يتغير بعده إلى عصر الصادق حتّى يركّز الإمام على خلافه، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في خطبته:

«أيّها الناس إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عٰاماً لِيُوٰاطِؤُا عِدَّةَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ، فَيُحِلُّوا مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ، و يحرّموا ما أحلّ اللّه، و إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات و الأرض، و إنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية (ذو القعدة، و ذو الحجّة، و شهر المحرم، و رجب). (2)

و الأولى إرجاع علم الروايات إليهم (عليهم السلام).

____________

(1). مجمع البيان: 5/ 57، تفسير آية: إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ ... (التوبة: 37).

(2). إمتاع الأسماع: 1/ 523؛ الطبقات الكبرى: 2/ 186.

28

[المسألة 1: لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ- بعد تحقّق الشرائط- فوريّ]

المسألة 1: لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ- بعد تحقّق الشرائط- فوريّ، بمعنى انّه يجب المبادرة إليه في العام الأوّل من الاستطاعة فلا يجوز تأخيره عنه و إن تركه فيه ففي العام الثاني، و هكذا و يدلّ عليه جملة من الأخبار.

و لو خالف و أخّر- مع وجود الشرائط- بلا عذر يكون عاصيا، بل لا يبعد كونه كبيرة، كما صرّح به جماعة، و يمكن استفادته من جملة من الأخبار.* (1)

____________

(1)* هنا فرعان:

1. وجوب الحجّ- عند تحقّق شرائطه- واجب فوريّ.

2. انّ تأخيره من الكبائر و إن حجّ في الأعوام المقبلة.

أمّا الأوّل فيدلّ عليه أمران:

1. الإجماع من الفريقين إلّا الأوزاعي و الثوري و الشافعي و محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة قال الشيخ: الحجّ وجوبه على الفور دون التراخي، و به قال:

مالك و أبو يوسف و المزني، و ليس لأبي حنيفة فيه نصّ، و قال أصحابه: يجي‌ء على قوله: إنّه على الفور كقول أبي يوسف. و قال الشافعي: وجوبه على التراخي، و معناه انّه بالخيار إن شاء قدّم و إن شاء أخّر، و التقديم أفضل، و به قال الأوزاعي و الثوري و محمد. (1)

و أمّا الثاني فهو الروايات:

1. ما رواه الترمذي في سننه عن عاصم بن ضمر عن علي (عليه السلام) انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من ملك زادا و راحلة تبلغه إلى الحجّ و لم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديا أو‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 257، المسألة 22 من كتاب الحجّ.

29

..........

____________

نصرانيا. (1)

2. ما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس: «من أراد الحجّ فليعجّل». (2)

و في دلالة الروايتين على كونه واجبا فوريا نظر.

أمّا الأولى، فانّ موردها إذا أخّر و انتهى إلى موته مع أنّ موضوع البحث هو الأعمّ منه و ممّا ترك عاما و حجّ في العام المقبل فقد أثم أيضا.

و أمّا الثانية، فانّه قيد التعجيل بمن أراد، لا بمن وجب عليه. و الكلام في الثاني دون الأوّل.

و قال المفيد: و فرضه عند آل محمد- (صلوات اللّه عليهم)- على الفور دون التراخي بظاهر القرآن و ما جاء عنهم (عليهم السلام) [من الروايات] ثمّ استدلّ برواية زيد الشحام، و ذريح المحاربي. (3)

و قال ابن إدريس: و وجوبهما- الحجّ و العمرة- على الفور و التراخي بغير خلاف بين أصحابنا. (4)

و قال العلّامة: و وجوب الحجّ و العمرة على الفور، لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع. ثمّ نقل عبارة الشيخ المتقدّمة. (5)

و قال الشهيد الثاني معلّقا على عبارة المحقّق «و تجب على الفور، و التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة»: لا خلاف في ذلك عندنا. (6)

هذا ما لدى الخاصة، و أمّا العامّة فقال ابن رشد القرطبي: و هل هو على‌

____________

(1). سنن الترمذي: 3/ 154، حديث 809.

(2). سنن أبي داود: 2/ 141، حديث 1732.

(3). المقنعة: 385.

(4). السرائر: 1/ 515.

(5). تذكرة الفقهاء: 7/ 17، المسألة 8.

(6). مسالك الأفهام: 2/ 122.

30

..........

____________

الفور أو التراخي، و القولان متأوّلان على مالك و أصحابه، و الظاهر عند المتأخّرين من أصحابه أنّها على التراخي، و بالقول: إنّها على الفور، قال البغداديون من أصحابه و قال الشافعي: هو على التوسعة، و عمدة من قال: هو على التوسعة: انّ الحجّ فرض قبل حجّ النبي بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره النبي (عليه السلام)، و لو أخّره لعذر لبيّنه. (1)

و يمكن أن يستدلّ على الفورية بالوجوه التالية:

الأوّل: انّ الفور هو مقتضى إطلاق الأمر، و التأخير بحاجة إلى دليل خاص، و عليه سيرة العقلاء.

و بعبارة أخرى: انّ الأمر و إن كان ينقسم إلى قسمين: فوري و غير فوري، و كلّ من القسمين يتميّز عن المقسم بقيد خاص، حسب حكم العقل، لكن الذي يحتاج إلى البيان في نظر العرف هو التأخير دون الفور.

الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ المستطيع لا يحجّ عن غيره نيابة، ففي رواية سعد بن أبي خلف، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: «نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه». (2) و سيوافيك الكلام في هذه الرواية و غيرها في الفصل الثاني. (3)

الثالث: ما يدلّ على أنّ التأخير بما هو هو حرام، كصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك و ليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، و إن كان موسرا و حال بينه و‌

____________

(1). بداية المجتهد: 3/ 259.

(2). الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1. و لاحظ سائر روايات الباب.

(3). الفصل الثاني، المسألة 110 من هذا الكتاب.

31

..........

____________

بين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له». (1) فقوله: «ثمّ دفع ذلك» بمعنى أخّره فيكون صريحا في أنّ نفس التأخير- سواء أدّى إلى الترك أو لا- حرام.

الرابع: الروايات المعروفة بروايات التسويف و هو مصدر مشتق من قوله:

«سوّف الحج» و هي كثيرة جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب السادس من أبواب وجوب الحجّ، نذكر منها شيئا:

1. ففي صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

أ رأيت الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحج كلّ عام و ليس يشغله عنه إلّا التجارة أو الدين؟ فقال: «لا عذر له يسوف الحج، إن مات و قد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام». (2)

2. و في رواية زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): التاجر يسوّف الحج؟ قال: ليس له عذر، فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام». (3)

و لكن القدر المتيقّن من هذه الروايات هو التسويف المنتهي إلى الترك حتّى وافاه الموت، و أمّا التسويف غير المنتهي إلى ذلك فلا يستفاد منها.

و منه يعلم قصور دلالة رواية ذريح المحاربي التي رواها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرانيا». (4)

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 6 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 3، و روى ذيله في الباب 24 من تلك الأبواب، الحديث 2.

(2). الوسائل: 8، الباب 6 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 4.

(3). الوسائل: 8، الباب 6 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 6.

(4). الوسائل: 8، الباب 7 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

32

[المسألة 2: لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر و تهيئة أسبابه]

المسألة 2: لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر و تهيئة أسبابه وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة. و لو تعدّدت الرّفقة و تمكّن من المسير مع كلّ منهم اختار أوثقهم سلامة و إدراكا. و لو وجدت واحدة و لم يعلم حصول أخرى، أو لم يعلم التمكّن من المسير و الإدراك للحجّ بالتأخير فهل يجب الخروج مع الأولى، أو يجوز التأخير إلى الأخرى بمجرّد احتمال الإدراك، أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟ أقوال، أقواها الأخير. و على أيّ تقدير إذا لم يخرج مع الأولى، و اتّفق عدم التمكّن من المسير، أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير استقر عليه الحجّ و إن لم يكن آثما بالتأخير، لأنّه كان متمكّنا من الخروج مع الأولى. إلّا إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضا. (1)*

____________

فهذه الرواية نظير روايات التسويف تدلّ على حرمة التأخير المنتهي إلى الترك، و أمّا التأخير بما هو هو مع قطع النظر عن انتهائه إلى الترك فالرواية غير متعرضة له. نعم يكفي فيه الوجهان الأوّلان.

(1)* في المسألة فروع:

1. وجوب تحصيل المقدّمات بعد حصول الاستطاعة.

2. لو تعدّدت الرّفقة و تمكن من المسير مع كلّ منهم اختار أوثقهم سلامة و إدراكا من الرفقتين.

3. لو وجدت واحدة و لم يعلم حصول أخرى، فهل يجب الخروج مع الأولى؟

4. لو وجدت ثانية و لم يعلم التمكّن من المسير و الإدراك للحجّ بالتأخير،

33

..........

____________

فهل يجب الخروج مع الأولى، أو يجوز التأخير إلى الأخرى بمجرّد احتمال الإدراك، أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟

5. إذا لم يخرج مع الأولى و اتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير، فهل يستقرّ عليه الحجّ أو لا؟

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

الأوّل: يجب تحصيل المقدّمات بعد تحقّق الاستطاعة بمقتضى العقل حيث يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة بعد تحقّق وجوب ذيها، و المصنّف قيّد تحصيل المقدّمة بإدراك الحجّ في تلك السنة و ما ذكره يتناسب مع الأزمنة السابقة.

و أمّا بالنسبة إلى زماننا فيجب تحصيل المقدّمة و لو بإدراك الحجّ بعد سنين، و ذلك لأنّ شئون الحجّ في زماننا موكولة إلى الحكومات، و هي تجيز في كلّ سنة حصة معينة محدودة فعلى المستطيع تسجيل اسمه في قائمة الراغبين بالحجّ، ليتمكن من الحجّ بعد صدور الإجازة في نفس سنة التسجيل أو في السنين المقبلة.

و إلّا حرم من الحجّ سنين متمادية أو إلى آخر العمر.

الثاني: لو تعدّدت الرّفقة، فهل يجب اختيار الأوثق سلامة و إدراكا، أو يكفي الوثوق؟ فالأفضل اختيار الأوّل، لكن يكفي الوثوق و الاطمئنان العقلائي، و لم يدلّ دليل على لزوم اختيار الأوثق فهو مع الوثوق مخيّر بينهما.

الثالث: لو تهيّأت رفقة واحدة و لم يعلم حصول رفقة أخرى.

الرابع: لو علم حصول رفقة أخرى و لم يعلم التمكّن من المسير و الإدراك للحجّ مع الثانية ففي هاتين الصورتين وجوه ثلاثة:

1. يجب البدار و الخروج مع الأولى مطلقا.

2. يجب البدار إلّا إذا حصل الوثوق بالإدراك مع الثانية.

34

..........

____________

3. يجوز التأخير بمجرّد احتمال الإدراك و لو لم يثق به.

أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق كلام الشهيد الثاني في الروضة، قال: لو تعددت الرفقة في العام الواحد وجب السير مع أولاها. (1)

أمّا الثاني: فهو خيرة الشهيد في الدروس، قال: و يجب البدار مع أوّل رفقة إلّا أن يثق بالمسير مع غيرها. (2)

و أمّا الثالث: فقد حكي عن صاحب المدارك- بعد نقل القولين عن الشهيدين- أنّه قال: بل يحتمل قويا جواز التأخير بمجرّد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى. (3)

و ما اختاره الشهيد هو الأوفق بالقواعد، لأنّ الوثوق طريق عقلائي، بل قطع عرفي، فإذا وثق بالإدراك فإيجاب الخروج مع الرفقة الأولى يحتاج إلى دليل، و كما أنّ المحكي عن سيد المدارك ضعيف، لأنّ التأخير إلى القافلة الثانية، مع عدم الوثوق تفويت للواجب عند العقلاء.

الخامس: إذا لم يخرج مع الأولى و اتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ، فهل يستقرّ عليه الحجّ؟

اختار المصنّف استقرار الحجّ عليه- و إن لم يكن آثما- إلّا إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضا.

و لعلّ وجهه، انّ الموضوع لاستقرار الحجّ، هو تمكّنه من المسير، و إن لم يخرج فيجب عليه الحجّ في العام القابل بقيت استطاعته أو لا، فيحجّ متسكعا. و اختاره صاحب الجواهر قال: الظاهر استقرار الحجّ بالتمكّن من الرفقة الأولى، كمن وجبت عليه الصلاة و مضى وقت يمكن أن يفعلها و لم يفعلها و مات مثلا، فانّه لا‌

____________

(1). الروضة البهية: 2/ 161.

(2). الدروس: 1/ 269.

(3). المدارك: 7/ 18.

35

..........

____________

إشكال في تحقّق وجوب القضاء عليه بذلك.

على أنّه مندرج في جميع النصوص الدالّة على أنّ من استطاع الحجّ و لم يحجّ و مات، إن شاء أن يموت يهوديا أو نصرانيا و نحوها. (1)

أقول: الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة في العام المقبل، و إلّا فلو بقيت فلا شكّ انّه يجب عليه الحجّ في العام المقبل، و على ضوء ذلك فالقول بوجوب الحجّ مع زواله أمر مشكل أوّلا، و ما استدلّ به صاحب الجواهر غير تامّ ثانيا.

أمّا الأوّل: فلما قلنا في باب الإجزاء من أنّ قيام المكلّف بالوظيفة حسب الأصول و الضوابط الشرعية موجب للإجزاء، و المفروض انّه تأخّر عن القافلة الأولى واثقا بأنّه يتمكن من السير مع القافلة الثانية و يدرك الحجّ، و الوثوق حجة شرعية.

و معنى جعل الوثوق حجّة شرعية، هو اقتصار الشارع في كيفية امتثال أوامره و نواهيه بما تؤدّى إليه الحجّة، و هي هنا الوثوق، فإيجاب القضاء ثانيا مع زوال الاستطاعة يعدّ نقضا للحجّية عند العقلاء كما أوضحناه في مبحث الإجزاء.

و الحاصل: انّ تأخيره لما كان بتجويز المولى، فإيجاب القضاء عليه يعدّ مناقضا لتجويزه.

فإن قلت: إنّ لازم ذلك عدم إيجاب الحجّ عليه في السنة المقبلة إذا بقيت الاستطاعة.

قلت: إنّ الاستطاعة في العام المقبل، موضوع جديد له حكمه، فهو داخل في قوله سبحانه: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و ليس إيجابه عليه فيه، تابعا للإيجاب السابق، و هذا كما إذا كان على الإنسان حجّان: أصالة و نيابة، أو نذرا، فإذا امتثل الأوّل، يبقى الثاني في ذمّته.

____________

(1). جواهر الكلام: 17/ 226.

36

..........

____________

فإن قلت: فقد تقرّر في مبحث الإجزاء، انّه إنّما يتصوّر إذا أتى المكلّف بالواجب و إن كان بصورة غير كاملة، و أمّا إذا لم يأت به أصلا، فلا وجه للإجزاء، كما إذا كان الواجب، هو صلاة الجمعة فصلّى الظهر، و على ضوء ذلك لا وجه للإجزاء، لأنّه لم يأت بشي‌ء من أعمال الحجّ، أو أتى و لكن لم يدرك الأركان.

قلت: المراد من الإجزاء هنا هو الكشف عن عدم تعلّق الوجوب بذمّته، أو انّه لم يكن مخاطبا في الواقع و إن زعم وجوبه عليه.

و أمّا الثاني فيرد عليه أوّلا: انّه لو كان الموضوع لاستقرار الحجّ، هو التمكن من الحجّ، إذا سار بالقافلة الأولى، لزم القول باستقراره عليه إذا سار مع القافلة الأولى و لم يدرك لكنّه لو كان سائرا بالثانية، لأدرك، لوجود الموضوع للاستقرار و هو التمكن من الحجّ، بالسير مع الثانية و هو كما ترى، و الجامع بينه و بين المقام، هو وجود التمكن في الواقع، ففي المقام يتمكّن من المسير بالأولى، و في مورد النقض بالمسير بالثانية.

و قياسه بمن وجب عليه الصلاة و مضى وقته و لم يفعلها و مات، قياس مع الفارق، لأنّه فوت الواجب، بعض الوقت اختيارا، فيجب على الولي القضاء بخلاف المقام، فانّه لم يتمكن من إدراك الواجب لا عن اختيار، بل لجهله، بمصير القافلة الثانية و انّه كتب عليها، عدم النجاح.

و أمّا الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على أنّ من استطاع الحجّ و مات إن شاء أن يموت يهوديا أو نصرانيا، بتصور انّها بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتّى لو زالت الاستطاعة، فغير تام، لأنّ موردها التفويت العمدي بالإهمال و التسويف، فأين هي ممّن عمل بالوظيفة و اتبع الحجة و لم يكن التوفيق حليفه من دون اختيار.

37

الفصل الثاني في شرائط وجوب حجّة الإسلام

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

[الشرط الأول الكمال بالبلوغ و العقل]

في شرائط وجوب حجّة الإسلام و هي أمور:

أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل، فلا يجب على الصبيّ و إن كان مراهقا، و لا على المجنون و إن كان أدواريّا إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال. و لو حجّ الصبيّ لم يجز عن حجّة الإسلام، و إن قلنا بصحّة عباداته و شرعيّتها كما هو الأقوى، و كان واجدا لجميع الشرائط سوى البلوغ، ففي خبر مسمع عن الصادق (عليه السلام): لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام، و في خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين، يحجّ؟ قال (عليه السلام): عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت. (1)*

____________

(1)* في المسألة فرعان:

1. لا يجب الحجّ على الصبي و إن كان مراهقا، و لا على المجنون، مطبقا كان أو أدواريا، إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال.

2. لو حجّ الصبيّ لم يجز عن حجّة الإسلام.

أمّا الأوّل لا شكّ في اعتبار العقل في التكاليف و الأحكام الشرعية، و هذا‌

40

..........

____________

شرط اتّفق عليه العقلاء، و دلّ عليه العقل، و لو لاه لزم التكليف بما لا يطاق، و يدلّ كلّ ما ورد في شأن العقل، و قد عقد في الوسائل بابا خاصّا له؛ ففي صحيحة محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لما خلق اللّه العقل استنطقه- إلى أن قال:- أما إنّي إيّاك آمر، و إيّاك أنهى، و إيّاك أعاقب، و إيّاك أثيب». (1)

و يدلّ على شرطيته و شرطية البلوغ، حديث رفع القلم و جريه، أمّا الرفع فهو الحديث المعروف عن علي (عليه السلام) أنّه قال لعمر: «أ ما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة:

عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ». (2)

و أمّا الجري فهو موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: «إذا أتى عليه ثلاث عشر سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة، و جرى عليه القلم ...». (3)

و ربّما يحتمل أنّ المرفوع هو قلم المؤاخذة برفع فعلية التكليف، لأنّ الظاهر من رفع القلم عنه رفع قلم السيّئات لا غير، فلا يدلّ على رفع الملاك، و لا رفع المشروعية. (4)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر، رفع التكليف مطلقا فعليّا كان أو إنشائيا، بقرينة رواية «و جرى عليه القلم»، إذ المراد به هناك هو جعل التكليف عليه، بشهادة أنّ السؤال فيه عن الصلاة، لا عن الحدود و الديات. فلو لم يكن ظاهرا في رفع‌

____________

(1). الوسائل: 1، الباب 3 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 1.

(2). الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 11.

(3). الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 12.

(4). المستمسك: 10/ 14.

41

..........

____________

التكليف لكنّه مقتضى إطلاق الرفع. فيعمّ رفعه و رفع المؤاخذة، و أمّا احتمال وجود الملاك فهو و إن كان محتملا، لكن لا يكفي الاحتمال، لأنّ التقرّب القطعي فرع العلم به.

و أمّا ما يدلّ على شرطية خصوص البلوغ فهي:

1. ما رواه الصدوق بسند صحيح، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت». (1) و يؤيّده رواية شهاب (2) و مسمع بن عبد الملك. (3) و أمّا إطلاق حجّة الإسلام على حجّ الصبي في رواية أبان بن الحكم فهو من باب المشاكلة؛ قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الصبي إذا حجّ به قضى حجّة الإسلام حتّى يكبر». (4)

و أمّا أبان بن الحكم، فالظاهر أنّه تصحيف أبان عن الحكم، إذ لم يرد في المعاجم الرجالية، أبان بن الحكم، و المراد به هو الحكم بن حكيم أبو خلاد الصيرفي، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه، و روى عنه ابن أبي عمير، و لا غرو في أن يروي أبان بن عثمان (المتوفّى عام 212 ه‍-)، عن الحكم بن حكيم.

لو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام هذا هو الفرع الثاني، و هو انّه لو حجّ بالصبي أو حجّ لم يجز عن حجّة الإسلام، و هو ممّا اتّفق عليه الأصحاب، و لم نقف على مخالف، و هو موافق للقاعدة‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

(2). الوسائل: 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(3). الوسائل: 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(4). الوسائل: 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

42

..........

____________

أيضا؛ أمّا إذا قلنا بعدم شرعية عباداته فواضح، و إن كان خلاف التحقيق كما أوضحنا حاله في كتاب الصوم؛ و أمّا على القول بالشرعية، فعدم الإجزاء هو مطابق للقاعدة، لأنّ إجزاء المستحب مكان الواجب، يحتاج إلى دليل، مع أنّ الدليل على خلافه كما في معتبرة مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام». (1)

و ربّما يقال أنّ المستفاد من الروايات أنّ الحجّ له حقائق مختلفة، فانّ الحجّ الذي يأتي به الصبي تختلف حقيقته مع حجّة الإسلام الثابتة على البالغين، و هذا بخلاف الصلاة، فانّ الصبي لو صلّى في أوّل الوقت ثمّ بلغ في أثنائه لا تجب عليه إعادة الصلاة، لأنّ المفروض أنّ صلاته صحيحة. (2)

يلاحظ عليه: إنّ القول بأنّ حجّ الصبي يختلف حقيقة مع حجّ البالغ بعيد جدّا، فانّ العمل واحد، المكلّف و الصبي يختلفان بالبلوغ و عدمه كنفس الصلاة الصادرة عن البالغ و الصبي.

و الحقّ أنّ الفارق هو النص، و لعلّ للحجّ خصوصية تجب بعد البلوغ أيضا.

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(2). معتمد العروة: 1/ 25، كتاب الحجّ.

43

[المسألة 1: يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ و إن لم يكن مجزيا عن حجّة الإسلام]

المسألة 1: يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ و إن لم يكن مجزيا عن حجّة الإسلام، و لكن هل يتوقّف ذلك على إذن الوليّ أو لا؟ المشهور بل قيل: لا خلاف فيه، أنّه مشروط بإذنه، لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي و للكفّارة، و لأنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن، و فيه إنّه ليس تصرّفا ماليّا، و إن كان ربما يستتبع المال، و انّ العمومات كافية في صحّته و شرعيّته مطلقا، فالأقوى عدم الاشتراط في صحّته و إن وجب الاستئذان في بعض الصور، و أمّا البالغ فلا يعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيّتهما، و أمّا في حجّه الواجب فلا إشكال. (1)*

____________

(1)* اعلم أنّ الصبي إمّا مميّز أو غير مميّز، و الكلام في هذه المسألة في المميز، و أمّا غيره فيأتي حكمه في المسألة الثانية.

و هنا فروع:

1. يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ.

2. هل يشترط فيه إذن الولي أو لا؟

3. لا يشترط في حجّ البالغ إذن الولي إذا كان واجبا، و كذا المندوب، إن لم يكن مشتملا للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيّتهما.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر:

استحباب الحجّ للصبي المميّز إنّ صحّة حجّ المميّز مبنيّة على شرعيّة عباداته و انّها ليست تمرينية- كما هو‌

44

..........

____________

المشهور- و إليك بعض الكلمات في المقام:

قال الشيخ: و الحجّ يصحّ منه بإذن وليّه إذا كان مميّزا. (1) و قيّده في المقام بإذن الولي، و لا ينافيه إطلاقه في المسألة 226، قال: «إحرام الصبي عندنا جائز صحيح» اعتمادا على ما قيده بإذن الولي سابقا.

و قال في «المبسوط»: و إن كان مميّزا مراهقا جاز أن يأذن له فيحرم هو بنفسه. (2)

قال العلّامة في «التذكرة»: و أكثر الفقهاء على صحّة إحرامه و حجّه إن كان مميّزا؛ و إن كان غير مميّز، أحرم عنه وليّه، فيصير محرما بذلك، و به قال الشافعي و مالك و أحمد، و هو مروي عن عطاء و النخعي لما رواه العامّة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه مرّ بامرأة و هي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأخذت بعضد صبي كان معها و قالت: أ لهذا حجّ؟ قال: نعم و لك أجر. (3)

و محل الشاهد هو قوله: «إن كان مميّزا» دون ذيله فانّه راجع إلى غير المميز.

و بمثل ذلك قال في «المنتهى». (4)

و قال الشهيد: لا إشكال في صحّة إحرام المميّز من حيث هو مميز، و إن كانت الصحّة متوقفة على أمر آخر كإذن الأبوين، لأنّ الحجّ المندوب متوقّف على إذنهما على الأقوى، و في القواعد جعله موقوفا على إذن الأب. (5)

و يدلّ على صحّة إحرام المميّز أمور:

____________

(1). الخلاف: 2/ 359، المسألة 192.

(2). المبسوط: 1/ 328.

(3). التذكرة: 7/ 24، المسألة 14.

(4). المنتهى: 2/ 648، الطبعة الحجرية.

(5). مسالك الأفهام: 2/ 125- 126.

45

..........

____________

1. ما دلّ على شرعية عباداته مطلقا.

2. ما دلّ من الروايات على أنّه إذا حجّ به أو حجّ، لا يجزي عن حجّة الإسلام؟ ففي رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام». (1)

3. ما ورد في كيفية حجّ الصبيان و الحجّ بهم و جملة من أحكامهم، فانّه بإطلاقه يعمّ المميّز و غيره، لو لم يكن بعضه ظاهرا في المميّز. (2)

و مع وجود النصّ من النبيّ و الآل سقط دليل أبي حنيفة حيث استدلّ على عدم الجواز بحديث رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يبلغ، و هو كما ترى، لأنّ المرفوع- بقرينة كون الرفع من باب الامتنان- هو الوجوب، لا أصل المشروعية و لا الملاك، لأنّ رفع أصل المشروعية على خلاف الامتنان.

شرطية إذن الولي و عدمه قد تعرفت على كلمات علمائنا و أنّها بين مطلقة و مشترطة، و ليس في المسألة نصّ، و إنّما الاشتراط و عدمه على ضوء القواعد، و قد عنونه العلّامة في «التذكرة» و قال باشتراط الإذن، و ذكر له وجها واحدا، قال: فإن أحرم الصبي المميّز بغير إذن وليّه، لم يصحّ إحرامه؛ لأنّ الصبي ممنوع من التصرّف في المال، و الإحرام يتضمن إنفاق المال و التصرّف فيه، لأنّ الإحرام عقد يؤدّي إلى لزوم مال، فجرى مجرى سائر أمواله و سائر عقوده التي لا تصحّ إلّا بإذن وليه، و هو أصحّ وجهي‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(2). الوسائل: 8، الباب 17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2، 7.

46

..........

____________

الشافعية. (1)

و حاصله: انّ الإحرام للحجّ يستتبع المال في بعض الأحوال للهدي و الكفّارة.

و قد أجاب عنه في المتن، بأنّه ليس تصرّفا ماليّا، و إن كان يستتبع المال، و المقصود انّ إحرام الحجّ كإحرام الصلاة، فهما بما هما إحرامان لا يتوقّفان على إذن الولي، نعم لو استتبع التصرّف في المال كثمن الهدي فيستأذن، فإن أذن فهو، و إلّا يكون كالمحرم العاجز عن ثمن الهدي.

و أمّا كفّارات الإحرام فلا تتعلّق بفعله، بشهادة عدم تعلّقها بالناسي و الجاهل لصحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «من نتف إبطه، أو قلّم ظفره، أو حلق رأسه، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه، أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله، و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا، فليس عليه شي‌ء؛ و من فعل متعمّدا، فعليه دم شاة». (2)

هذا من جانب، و من جانب آخر: إنّ عمد الصبي و خطأه واحد. (3) فلا تتعلّق كفارات الإحرام بفعله، لكونه غير عامد.

و أمّا كفّارة الصيد، ففي خبر الريّان بن شبيب الذي رواه في «الاحتجاج» مرسلا: «و الصغير لا كفّارة عليه، و هي على الكبير واجبة». (4)

و احتمل السيّد الخوئي أنّه يأتي بالكفّارة بعد البلوغ، و لم أقف على وجهه،

____________

(1). التذكرة: 7/ 26، المسألة 15.

(2). الوسائل: 9، الباب 8 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث 1. و لاحظ بقيّة روايات الباب.

(3). تهذيب الأحكام: 10/ 233، رقم الحديث 53.

(4). الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارات الصيد، الحديث 1.

47

..........

____________

لأنّ روايات الكفّارات منصرفة عن الصبي، لأنّ الكفّارة نوع من المجازاة، و لا مجال لها مع عدم التكليف.

ثمّ إنّ المصنّف ذكر وجها آخر لاشتراط الإذن و حاصله: إنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّته، ما دلّ على مشروعية عباداته، خصوصا ما دلّ على أنّ حجّه قبل البلوغ لا يكفي عن حجّة الإسلام.

إحرام البالغ للحجّ المندوب هذا هو الفرع الأخير الذي ذكره المصنّف في المسألة، و حاصله: انّه لا شكّ في عدم اعتبار إذن الولي في الحجّ الواجب، إنّما الكلام في شرطيته في الحجّ المندوب، فقد اختلفت كلمتهم في شرطية إذن الأب، أو الأبوين إلى أقوال:

1. عدم اعتبار إذنه أو إذنهما. و هو خيرة الشهيد في الدروس (1) و صاحب المدارك. (2)

2. اعتبار إذن الوالد خاصّة. و هو خيرة القواعد (3)

3. اعتبار إذن الوالدين. و هو خيرة الشهيد في المسالك. (4)

4. عدم اعتبار إذنهما إذا لم يكن الحجّ مستلزما للسفر المشتمل على الخطر، و إلّا فالاشتراط أحسن. و هو خيرة الروضة (5)، و المصنّف في المتن.

____________

(1). الدروس: 1/ 495.

(2). المدارك: 7/ 24.

(3). القواعد: 1/ 73.

(4). المسالك: 2/ 126.

(5). الروضة: 2/ 164.

48

..........

____________

و نقل صاحب الحدائق عن الذخيرة التوقّف. (1)

و لعل القول الراجح بين هذه الأقوال هو القول الرابع، و حاصله عدم اعتبار إذنهما إلّا إذا كان سببا لإيذائهما كما إذا كان السفر مشتملا على الخطر.

و يؤيّد ذلك دلالة الآية الشريفة على حرمة التأفيف و النهر و الزجر (2)، على حرمة الضرب بوجه أولى، فيكون الجامع بينها هو حرمة إيذائهما، فإذا كان حجّ الولد سببا للإيذاء يكون مبغوضا و لا يصلح للتقرّب.

و مع ذلك كلّه يمكن أن يقال: انّ القدر المتيقّن هو حرمة إيذائهما في الأمور التي يرجع إليهما في مجال المعاشرة و المصاحبة، و أمّا ما لا يرجع إليهما من الأمور التي تسبب إيذائهما فلا دليل على وجوب الطاعة أو حرمة المخالفة، فالأولاد أحرار في انتخاب المهنة و الزوجة و السير و السفر و إن صار سببا لإيذائهما، و على ضوء ذلك يصحّ حجّه مطلقا، سواء أ كان سببا للإيذاء أو لا.

نعم بقي هنا رواية تمسّك بها صاحب الحدائق على أنّه لا يصحّ حجّ الولد من دون إذن الوالد، و هو ما رواه الصدوق في كتاب «علل الشرائع» عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن مروك (3) بن عبيد، عن نشيط بن صالح، عن الحكم بياع الكرابيس، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن صاحبه، و من طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوّعا إلّا بإذنه و أمره، و من صلاح العبد‌

____________

(1). الحدائق: 14/ 65.

(2). الإسراء: 23- 24.

(3). في «علل الشرائع»: متروك، و ما أثبتناه من معاجم الرجال. راجع معجم رجال الحديث: 18/ 125 برقم 12234- 12236.

49

..........

____________

و نصحه لمولاه أن لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن مواليه و أمرهم، و من برّ الولد أن لا يصوم تطوّعا و لا يحجّ تطوّعا و لا يصلّي تطوّعا إلّا بإذن أبويه و أمرهما؛ و إلّا كان الضيف جاهلا، و المرأة عاصية، و كان العبد فاسدا عاصيا غاشّا، و كان الولد عاقّا قاطعا للرحم». (1)

فقال صاحب الحدائق بعد نقل الرواية: و هي كما ترى صريحة الدلالة على توقّف الحجّ على إذن الأبوين معا. (2)

يلاحظ على الاستدلال: أوّلا: أنّ الاستدلال بالحديث فرع صحّة السند و إتقان المتن، و كلاهما مفقودان، أمّا السند ففيه أحمد بن هلال العبرتائي.

قال النجاشي: صالح الرواية، يعرف منها و ينكر، و قد روي فيه ذموم من سيدنا أبي محمد العسكري، ولد سنة 180 ه‍-، و مات سنة 267 ه‍-.

و قال الطوسي: كان غاليا متّهما في دينه.

و قال في التهذيب: ما يختص بروايته، لا نعمل به.

و ما ورد في هذه الرواية حول الصلاة و الحجّ ممّا انفرد بروايته، و لأجل ذلك نرى أنّ الصدوق قال بعد الخبر: جاء هذا الخبر هكذا، و لكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحجّ تطوّعا كان أو فريضة، و لا في ترك الصلاة، و لا في ترك الصوم تطوّعا كان أو فريضة، و لا في شي‌ء من ترك الطاعات.

و ثانيا: انّ الكليني نقل الرواية في «الكافي» (3)، و ليس فيها قوله: «و لا يحجّ‌

____________

(1). علل الشرائع: 384، الباب 115 باب العلة من أجلها لا ينبغي للضيف أن يصوم تطوعا إلّا بإذن صاحبه، الحديث 4.

(2). الحدائق: 14/ 66.

(3). الكافي: 4، باب من لا يجوز صيام التطوع إلّا بإذن غيره، الحديث 2.

50

..........

____________

تطوّعا و لا يصلّ تطوّعا إلّا بإذن أبويه و أمرهما».

كما أنّ الصدوق أيضا رواه في «الفقيه» بدون هذه الزيادة. (1)

و من المعلوم أنّ «الكافي» أتقن من «الفقيه»، و «الفقيه» أتقن من العلل، و لم يعلم من أين جاءت هذه الزيادة؟!

و ثالثا: أنّ هذه الرواية علّقت جواز الحجّ بأمر الوالدين، كما علّقت الصوم به، و لم يقل به أحد، إذ غاية ما في الباب اعتبار رضاهما لا اعتبار أمرهما.

ثمّ إنّ صاحب الحدائق ذهب إلى أنّ مضمون الرواية مؤيد بروايات أخرى دالّة على وجوب طاعتهما على الولد و إن كان في الخروج من أهله و ماله.

و لكن الدقّة و إمعان النظر فيها يدلّ على أنّ الجميع أحكام أخلاقية ترجع إلى حسن المعاشرة، ففي مجال المعاشرة يجب إطاعة الوالدين و يحرم مخالفتهما، سواء أقلنا الواجب هو الإطاعة، أو أنّ الموضوع هو حرمة العقوق، و أمّا في غير ذلك المجال فالأحرار مسلطون على أموالهم، فالأولى على أنفسهم، و اللّه العالم.

____________

(1). الفقيه: 2، الباب 140، باب صوم الآدمي، الحديث 2.

51

[المسألة 2: يستحبّ للوليّ أن يحرم بالصبيّ غير المميّز بلا خلاف]

المسألة 2: يستحبّ للوليّ أن يحرم بالصبيّ غير المميّز بلا خلاف، لجملة من الأخبار، بل و كذا الصبيّة، و إن استشكل فيها صاحب المستند، و كذا المجنون، و إن كان لا يخلو عن إشكال، لعدم نصّ فيه بالخصوص فيستحقّ الثواب عليه، و المراد بالإحرام به جعله محرما، لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبي الإحرام و يقول: «اللّهمّ إنّي أحرمت هذا الصبيّ ...»، و يأمره بالتلبية، بمعنى أن يلقّنه إيّاها، و إن لم يكن قابلا يلبّي عنه، و يجنّبه عن كلّ ما يجب على المحرم الاجتناب عنه، و يأمره بكلّ فعل من أفعال الحجّ يتمكّن منه، و ينوب عنه في كلّ ما لا يتمكّن، و يطوف به، و يسعى به بين الصفا و المروة، و يقف به في عرفات و منى، و يأمره بالرمي، و إن لم يقدر يرمي عنه، و هكذا يأمره بصلاة الطواف، و إن لم يقدر يصلّي عنه، و لا بدّ من أن يكون طاهرا و متوضّئا و لو بصورة الوضوء، و إن لم يمكن فيتوضّأ هو عنه، و يحلق رأسه، و هكذا جميع الأعمال. (1)*

____________

(1)* فيه فروع:

1. يجوز للولي أن يحرم بالصبي غير المميّز.

2. هل الصبية مثل الصبيّ؟

3. هل يلحق بهما المجنون؟

4. استحقاق الولي الثواب عليه.

5. ما هو المراد من إحرام الصبي؟

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

52

..........

____________

1. إحرام الصبي غير المميّز اتّفق أصحابنا، و كثير من غيرهم على جواز إحرام الصبي غير المميّز، قال العلّامة: و إن كان غير مميّز، جاز لوليه أن يحرم عنه، و يكون إحرامه شرعيّا، و إن فعل ما يوجب الفدية كان الفداء على الولي- إلى أن قال-: و به قال الشافعي و مالك و أحمد، و هو مروي عن عطاء و النخعي لما رواه العامّة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّه مرّ بامرأة و هي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأخذت بعضد صبيّ كان معها و قالت: أ لهذا حجّ؟ قال: «نعم، و لك أجر». (1) و بمثل ذلك قال في المنتهى. (2)

و رواه مالك في موطئه. (3)

و رواه الشيخ في التهذيب باسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس (4)، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) برويثة (5) و هو حاج فقامت إليه امرأة و معها صبي لها فقالت: يا رسول اللّه أ يحجّ عن مثل هذا؟ قال: «نعم، و لك أجره». (6)

و المقصود من قولها: «أ يحج عن مثل هذا؟» أ يصح الحجّ عن مثله.

و قد ورد في رواية تحديد سنّ الصبيّ بأنّه «إذا أثغر» روى محمد بن‌

____________

(1). التذكرة: 7/ 24، المسألة 14.

(2). المنتهى: 2/ 648، الطبعة الحجرية.

(3). الموطأ: 1/ 422 برقم 244.

(4). المراد به هو الحسن بن علي الوشاء، له روايات بهذا العنوان تبلغ خمسة عشر موردا. لاحظ معجم الرجال: 6، رقم 2951.

(5). موضع بين مكة و المدينة على ليلة منها، معجم البلدان: 3/ 105.

(6). الوسائل: 8، الباب 20 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

53

..........

____________

الفضيل (1)، قال: سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام)، عن الصبي متى يحرم؟ قال: «إذا أثغر». (2)

2. الصبيّة مثل الصبي هل الصبيّة مثل الصبي؟ أو يختص الحكم بالثاني، كما هو ظاهر الروايات التي ورد فيها لفظ «الصبيان» التي هي جمع الصبي، لكن الأصحاب- كما في الحدائق- لم يفرّقوا في هذه الأحكام بين الصبي و الصبيّة، و هو جيد، فانّ أكثر الأحكام في جميع أبواب الفقه إنّما خرجت في الرجال مع أنّه لا خلاف في إجرائها في النساء و لا إشكال. (3) أضف إلى ذلك أنّ الصبيان الواردة في النصوص- كما سيوافيك- و إن كان جمع الصبيّ، لكن المتفاهم عرفا هو جنس من لم يبلغ ذكرا أم أنثى.

و ربّما يستدلّ على صحة حجّها بروايتين:

1. ما رواه الصدوق عن صفوان (4)، عن إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت». (5)

2. و ما رواه الكليني بسند فيه سهل بن زياد الآدمي- الذي الأمر فيه‌

____________

(1). ابن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الراوي عن الأئمة الثلاثة: الكاظم و الرضا و الجواد (عليهم السلام) المرمي بالغلو.

(2). الوسائل: 8، الباب 20 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(3). الحدائق: 14/ 65.

(4). طريق الصدوق في الفقيه إليه صحيح.

(5). الوسائل: 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

54

..........

____________

سهل- عن ابن محبوب، عن شهاب (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال:

سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحجّ، إذا طمثت». (2)

وجه الدلالة، هو أنّ وجه التشبيه في قوله: «و كذلك» هو انّه إذا حجّت قبل الطمث لا يغني عن حجّة الإسلام، كما أنّ حجّ الصبي كذلك.

و بذلك يظهر ضعف ما استشكل به صاحب المستند على الاستدلال بالروايتين و حيث قال: و فيه عدم دلالتهما على وقوع الحجّ عن الصبيّة، بل وقوع الحجّ عن الصبي، لجواز أن يكون السؤال عن وجوب الحجّ، فأجاب بأنّه بعد الاحتلام و الطمث، لا أن يكون السؤال عن الحجّ الواقع، حتّى يمكن التمسّك فيه بالتقرير. (3)

يلاحظ عليه: كيف يقول إنّ السؤال عن [وقت] وجوب الحجّ و أنّ الإمام أجاب بأنّه بعد الاحتلام و الطمث، مع أنّ الجواب قرينة على أنّ السؤال عن كفاية حجّ غير البالغ، أعني: ابن عشر سنين، عن حجّة الإسلام، فأجاب الإمام بأنّه لا يكفي، و مثله الجارية، أي لا يغني حجّها قبل الطمث عن حجّها بعده.

3. حكم المجنون قد ألحقه المحقّق في «الشرائع» بغير المميّز، و قال: و كذا المجنون، و تلقّاه‌

____________

(1). و المراد شهاب بن عبد ربه. قال النجاشي في ترجمة إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه:

«عمومته: شهاب، و عبد الرحيم، و وهب، و أبوه كلّهم ثقات» له أكثر من 35 رواية، و قال الكشي:

ولد عبد ربه من موالي بني أسد من صلحاء الموالي كلّهم خيار فاضلون كوفيون.

(2). الوسائل: 8، الباب 12، من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 2.

(3). المستند: 11/ 19.