الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج2

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
824 /
5

-

6

الجزء الثاني

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة: 122‌

7

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي أكمل دينه و أتمّ نعمته، و الصلاة و السلام و التحية و الرضوان على سيد المرسلين و خاتم النّبيّين محمد و آله الطيّبين الطاهرين، الذين هم عيبة علمه و حفظة آثاره و سننه، صلاة دائمة.

أمّا بعد: فإنّه سبحانه تبارك و تعالى جعل الحجّ موسما للعبادة، و فرصة لالتقاء المسلمين، الوافدين إلى الأراضي المقدّسة من كلّ فج عميق، ليتعلّموا معالم دينهم، و يتعارفوا بينهم، كما يقول سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ. (1)

و من هذه المنافع التقاء الإخوة في اللّه تعالى على صعيد واحد بعيدا عن جميع الاعتبارات الشخصية و الاجتماعية و الحواجز القومية و الإقليمية و العرقية، تغمرهم مشاعر المحبة، و تجمعهم روح الأخوة الصادقة الصافية.

و في هذا المشهد العظيم (الذي يحتشد فيه ألوف المسلمين على اختلاف ثقافاتهم و ألوانهم و لغاتهم) يتجسّد قوله سبحانه: إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (2) حيث يتفيّئون جميعا ظلال الدين الواحد، و هو توحيده سبحانه، و الاعتراف بنبوة نبيه الخاتم، و كتابه المنزل، و رسالته الخالدة.

و لأجل هذه الآثار الهامّة في هذا الاجتماع العظيم يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في‌

____________

(1). الحج: 28.

(2). الأنبياء: 92.

8

وصيّته للحسن و الحسين (عليهما السلام): «أوصيكما بتقوى اللّه- إلى أن قال:- و اللّه اللّه في بيت ربّكم، لا تخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا». (1)

و يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يزال الدين قائما ما قامت الكعبة». (2)

و قد قام العلماء في كلّ عصر و قرن بدراسة أحكام الحجّ و تخريجاته على ضوء الكتاب و السنّة، و ألّفوا كتبا و رسائل كثيرة لو رصفت على الرفوف لشكّلت مكتبة ضخمة.

و قد قمنا في الحوزة العلمية بقم المشرّفة بإلقاء محاضرات حول الحجّ على جمّ غفير من فضلاء الحوزة العلمية، على ضوء كتاب «العروة الوثقى» للفقيه الأكبر: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزديّ- (رضوان اللّه عليه)- و قد خرج الجزء الأوّل من هذه الدروس فتناولته أيدي الفضلاء في داخل الحوزة و خارجها.

و انطلاقا من مبدأ التقريب بين فقهاء المذاهب بعثنا نسخة من هذا الجزء إلى رئاسة شئون الحرمين الشريفين في مكة المكرمة مرفقة برسالة إليك نصّها:

____________

(1). نهج البلاغة، قسم الرسائل، الرسالة برقم 47.

(2). الوسائل: 8، الباب 4 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 5.

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سماحة العالم الجليل الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين المحترم- دامت معاليه- رئاسة شئون الحرمين الشريفين‌

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‌

أرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقكم لما فيه مرضاته، و يسدّد خطاكم، على طريق تحقيق الوحدة الإسلامية إنّه على ذلك قدير.

تقديرا لأخلاقكم السامية و عزيمتكم الصادقة في تقريب الخطى بين المسلمين أهدي إليكم الجزء الأوّل من كتاب الحج، و هو جزء من محاضراتي في الفقه المقارن في الحوزة العلمية، و النظرة الثاقبة في المسائل المعنونة في هذا الجزء تكشف عن أنّ المشتركات بين الفريقين أكثر من غيرها، و ما أصدق قول القائل:

«ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا».

أرجو من اللّه سبحانه لفضيلتكم الصحّة و العافية و السعي وراء الصالح العام للمسلمين.

و دمتم سالمين للإسلام و أهله.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‌

جعفر السبحاني‌

قم المقدسة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الحادي عشر من جمادى الآخرة 1425 ه‍.

10

و قد وقع الكتاب موقع اهتمام صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبد الرحمن فبعث إلينا برسالة هذا نصّها:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سماحة العلّامة النحرير الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني دام علاه‌

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‌

و أدعو اللّه أن يديم عليكم نعمة الصحة و العافية، و قد تلقّيت رسالتكم اللطيفة بتاريخ 11 جمادى الثانية 1425 ه‍ و معها هديتكم القيمة (الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء) و لا شكّ كما تفضّلتم بأنّ عبادة الحجّ تتميز بكثرة مسائلها و تشعّب فروعها و أكثر مسائلها غير مأنوس و لا متكرر، كما لا أشك انّ هذا الكتاب القيّم و إن لم تتضح لي قراءته بعد، فإنّه ينطبق عليه الوصف «وافر المقاصد جمّ المطالب»، كيف لا و هو تحرير عالم واسع الاطّلاع، عميق التفكير، صبور على مكابدة البحث، حريص على ما يجمع و لا يفرّق.

و كما دعا السيد المحقّق البروجردي فإنّي أدعو اللّه أن يؤلّف بين قلوب المسلمين و يجعلهم يدا على من سواهم و يوجّههم إلى أن يعملوا بقوله تعالى:

وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَ لٰا تَفَرَّقُوا و أن يجزيكم على ما قدمتم عظيم الأجر و الثواب.

أكرر شكري لكم و تقبّلوا لائق التحية و السلام من أخيكم‌

في 6/ 7/ 1425‌

صالح بن عبد الرحمن الحصين‌

11

*** أشكره سبحانه على هذا العطف الذي ينم عن روح التقارب بين المسلمين، و أسأله سبحانه أن يجعل ذلك بادرة خير لاتّخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، و أن يتفضّل عليهم بتوحيد الكلمة كما تفضّل بكلمة التوحيد، إنّه سبحانه قريب مجيب.

جعفر السبحاني‌

قم المقدسة‌

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[تتمة كتاب الحج]

[الفصل الرابع في النيابة]

الفصل الرابع في النيابة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

في النيابة

لا إشكال في صحّة النيابة عن الميّت في الحجّ الواجب و المندوب، و عن الحيّ في المندوب مطلقا و في الواجب في بعض الصور.* (1)

____________

(1)* قسم المصنّف الحجّ النيابي، إلى: الواجب و المندوب، و قسّم المنوب عنه إلى: الحيّ و الميت، ثمّ رتّب عليه فروعا ثلاثة:

1. تجوز الاستنابة في الحجّ المندوب عن الميت و الحيّ.

2. تجوز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الميت مطلقا.

3. تجوز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الحيّ في بعض الصور.

أمّا الأوّل: أي جواز الاستنابة في الحجّ المندوب، عن الميت و الحيّ، فقد عقد صاحب الوسائل بابا بعنوان «باب استحباب التطوع بالحجّ و العمرة و العتق عن المؤمنين و خصوصا الأقارب أحياء و أمواتا». (1) نقتصر بالقليل:

1. صحيحة موسى بن القاسم البجلي قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام):

إنّي أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان، فقال: «تصوم بها إن شاء اللّه تعالى»، قلت: و أرجو أن يكون خروجنا في عشر من شوّال و قد عوّد اللّه زيارة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 25 من أبواب النيابة.

16

..........

____________

و زيارتك، فربّما حججت عن أبيك، و ربّما حججت عن أبي، و ربّما حججت عن الرّجل من إخواني، و ربّما حججت عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال: «تمتع»، فقلت: إنّي مقيم بمكّة منذ عشر سنين، فقال: «تمتّع». (1)

2. روى الكليني بسند صحيح عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحجّ فيجعل حجّته و عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله و هو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال: «لا، هي له و لصاحبه، و له أجر سوى ذلك بما وصل»، قلت: و هو ميّت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: «نعم، حتّى يكون مسخوطا عليه فيغفر له، أو يكون مضيّقا عليه فيوسّع عليه». (2)

و الحديث يعمّ الحيّ و الميت. أمّا الحي فلقوله: «و هو عنه غائب ببلد آخر»، و أمّا الميت فقوله: «و هو ميت». و الحديث ظاهر في النيابة عن الحجّ المندوب.

3. صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم (3) ثياب و غلمانا و حجّة لي و حجّة لأخي موسى بن عبيد و حجّة ليونس بن عبد الرحمن، و أمرنا أن نحجّ عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثا فيما بيننا. (4)

و الرواية صريحة في النيابة عن الحيّ في الحجّ المندوب.

و أمّا الأمر الثاني، أعني: النيابة عن الميت في الحجّ الواجب، فقد عقد صاحب الوسائل بابا باسم «من مات و لم يحجّ حجة الإسلام و كان مستطيعا‌

____________

(1). المصدر نفسه، الحديث 1.

(2). الوسائل: 8/ 137، الباب 25 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 5.

(3). جمع الرزمة و هي ما جمع و شدّ من الثياب.

(4). الوسائل: 8/ 147، الباب 34 من أبواب النيابة، الحديث 1.

17

..........

____________

وجب أن تقضى عنه من أصل المال و إن لم يوص بها» نقتصر على رواية واحدة، و هي صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يموت و لم يحجّ حجة الإسلام و يترك مالا، قال: «عليه أن يحجّ من ماله رجلا صرورة لا مال له». (1)

و المسألة من القطعيات التي اتّفقت عليها الفتاوى و النصوص، و قد مضى في المسألة 73 من الفصل الثاني ما يدلّ عليها. (2)

أمّا الأمر الثالث و هو جواز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الحيّ في بعض الصور، أعني: إذا لم يستطع الحجّ مباشرة، فقد عقد صاحب الوسائل بابا باسم «وجوب استنابة الموسر في الحجّ إذا منعه مرض أو كبر أو عدو أو غير ذلك»، و نقل فيه روايات نذكر منها ما يلي:

روى الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «و إن كان موسرا و حال بينه و بين الحجّ: مرض أو حصر أو أمر يعذّره اللّه فيه، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له». (3)

و المسألة من مسلّمات الفقه، و قد تقدّم في المسألة 72 من الفصل الثاني ما يفيدك حولها. (4)

إنّما الكلام في جواز الاستنابة عن الحيّ في الحجّ الواجب مع استطاعته الحجّ مباشرة.

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 28 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 1.

(2). لاحظ الجزء الأوّل، ص 364.

(3). الوسائل: 8، الباب 24 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 2.

(4). لاحظ الجزء الأوّل، ص 332.

18

[المسألة 1: يشترط في النائب أمور: أحدها: البلوغ على المشهور]

المسألة 1: يشترط في النائب أمور: أحدها: البلوغ على المشهور، فلا يصحّ نيابة الصبيّ عندهم، و إن كان مميّزا، و هو الأحوط، لا لما قيل من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة، لأنّ الأقوى كونها شرعيّة، و لا لعدم الوثوق به لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه، لأنّه أخصّ من المدّعى، بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة خصوصا مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرجل، و لا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الوليّ أو عدمه، و إن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ.* (1)

____________

و أمّا النيابة عن الحيّ، مع تمكّنه من أداء الواجب، فهي على خلاف القاعدة أوّلا، و خلاف مقتضى الروايات ثانيا.

أمّا الأوّل، فلأنّ ظاهر الدليل أنّ المطلوب هو قيام المكلّف بالواجب مباشرة، و سقوطه بفعل الغير يحتاج إلى دليل، و لو شكّ فالأصل عدم سقوطه و بقاء اشتغال ذمّته.

و أمّا الثاني، فلأنّ ما ورد من الأمر بتجهيز رجل، يحجّ مكان من وجب عليه الحجّ، مقيد بعدم تمكّنه مباشرة فلاحظ ما ورد في الباب 24 من أبواب وجوب الحجّ، و قد تقدّم الكلام فيه في المسألة 72 من شرائط وجوب الحجّ (1)، فلاحظ.

(1)* أقول: النيابة من مقولة ذات الإضافة، لها إضافة إلى النائب و إضافة إلى المنوب عنه و إلى نفس العمل. و لكلّ منهما شرائط، فقد ذكر المصنّف للنائب‌

____________

(1). لاحظ الجزء الأوّل، ص 332.

19

..........

____________

شروطا ستة كالتالي:

1. البلوغ، 2. العقل، 3. الإيمان، 4. العدالة، 5. معرفته بأفعال الحجّ، 6.

عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه.

ثمّ إنّ بعضها شرط للنائب كالشروط الأربعة الأول، و البعض الباقي شرط لصحّة الاستنابة، كما لا يخفى، فلنأخذ كلّ واحد من هذه الشروط بالدراسة وفق ترتيب المصنّف.

الشرط الأوّل: البلوغ

اختلفت كلمات الفقهاء في اعتبار البلوغ و عدم كفاية التمييز، فإليك بعضها:

اقتصر المحقّق في «الشرائع» على نقل وجهين من دون ترجيح و قال: و هل تصحّ نيابة المميّز؟ قيل: لا، لاتّصافه بما يوجب رفع القلم؛ و قيل: نعم، لأنّه قادر على الاستقلال بالحجّ ندبا [عن جانب نفسه]. (1)

و لكنّه رجّح في «المعتبر» عدم صحّتها و قال: «في الصبي المميز تردّد، لأنّه لا يصحّ منه الاستقلال بالحجّ، و الأشبه أنّه لا يصحّ نيابة، لأنّ حجّه إنّما هو تمرين و الحكم بصحّته بالنسبة إلى ما يراد من تمرينه، لا (2) لأنّه يقع مؤثرا في الثواب له.

و يدلّ على ذلك قوله (عليه السلام): «رفع القلم عن ثلاثة ...» ذكر منهم الصبي حتّى يبلغ. (3)

____________

(1). الشرائع: 1/ 232.

(2). كذا في النسخة المطبوعة، و الظاهر زيادة «لا» كما تدلّ عليه عبارة المنتهى فلاحظ.

(3). المعتبر: 2/ 766.

20

..........

____________

و قال العلّامة في «المنتهى»: أمّا المميّز فالوجه انّه لا يصحّ نيابته أيضا، لأنّ حجّه من نفسه و إن كان صحيحا لكنّه شرع للتمرين و الاعتياد بفعل الطاعات، فصحّ بالنسبة إلى ما يراد من تمرينه له إلّا انّه مندوب يستحق به الثواب كما يستحقّ المكلّف بفعل المندوبات، لأنّه غير مكلّف لقوله (عليه السلام): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتّى يبلغ ...» و الثواب منوط بالتكليف. (1) و هو قريب ممّا ذكره المحقّق في «المعتبر».

و قال في «التذكرة»: فلا تصحّ نيابة المجنون و لا الصبي غير المميّز لارتفاع تحقّق القصد منهما.

و لو كان الصبي مميّزا قيل: لا يصحّ أن يكون نائبا، لأنّه ليس بمكلّف فلا تصحّ منه العبادة و لا نيّة القربة، و لأنّه يعلم من نفسه أنّه غير مكلّف و لا مؤاخذ بما يصدر عنه، فلا تحصل الثقة بأفعاله.

و قيل: يصحّ، لأنّ حجّه عن نفسه صحيح فكذا عن غيره. و يحتمل الفرق، لأنّ الصحة لا تقتضي الإجزاء، فجاز أن تكون النيابة غير مجزئة. (2)

و قال الشهيد الأوّل في «الدروس»: و في صحّة نيابة المميّز وجه للمحقّق [في الشرائع] رجع عنه في المعتبر. (3)

و نقل في «المدارك» عن بعض مشايخه المعاصرين جواز نيابته مع الوثوق بأخباره ثمّ قال: «و ليس ببعيد من الصواب»، و مع ذلك عدّ عدم الجواز من مذهب الأصحاب قائلا: المعروف من مذهب الأصحاب القول بالمنع، و اختاره‌

____________

(1). المنتهى: 2/ 861.

(2). التذكرة: 7/ 110، المسألة 79.

(3). الدروس: 1/ 320، الدرس 84.

21

..........

____________

المصنّف في «المعتبر» نظرا إلى أنّ حجّ الصبيّ إنّما هو تمرين ... (1)

كما صرّح بذلك- عدم الجواز مذهب الأصحاب- جماعة، منهم الفاضل الاصبهاني في كشفه (2)، و السبزواري في ذخيرته. (3)

و توقّف المحدّث البحراني و قال: و فيه توقّف. (4)

و مع ذلك ذهب المحقّق الأردبيلي في مجمعه (5)، و الفيض في المفاتيح (6) إلى جواز النيابة. و على أيّ حال فليس في المسألة إلّا الشهرة المستندة إلى الأدلّة العامة الواردة حول الصبي.

ثمّ إنّ القول بعدم الجواز تارة يعتمد على القواعد، و أخرى على النصوص الواردة في مورد النيابة، و إليك بيانهما:

الأوّل: مقتضى القواعد

استدلّ على عدم جواز نيابة غير البالغ المميّز بوجوه:

1. انّ عبادات الصبي، كلّها تمرينية، و ليست بشرعية.

و أجيب عنه: بأنّ عباداته شرعية، غاية الأمر ليست بواجبة.

و قال في «المدارك»: الأظهر أنّ عبادات الصبي شرعيّة يستحقّ عليها الثواب، لأنّها مرادة للشارع و إن لم يكن مكلّفا بالواجب و الحرام، لرفع القلم‌

____________

(1). المدارك: 7/ 112- 113.

(2). كشف اللثام: 1/ 296.

(3). الذخيرة: 568.

(4). الحدائق: 14/ 239.

(5). مجمع الفائدة و البرهان: 6/ 128.

(6). المفاتيح: 1/ 302.

22

..........

____________

عنه. (1)

يلاحظ عليه: بأنّ الصغرى مسلّمة، و هي أنّ عباداته شرعية، و إن كانت الغاية من تشريعها إيجاد ملكة الاعتياد فيه بأداء الواجبات و ترك المحرمات، لكن الكلام في الكبرى و هي أنّ كلّ عبادة شرعية تصلح للاستئجار و النيابة، ضرورة انّ عبادة المرأة شرعية و لكن يحتمل ان تمنع صلاحيتها للنيابة عن الرجل، و لو لا النصّ بالجواز، لكان للمنع مجال، لاحتمال شرطية وحدة الجنس في النائب و المنوب عنه، و في المقام احتمال كون المسقط هو عبادة المكلّف، لا غير.

2. انّ علمه بعدم المؤاخذة بأفعاله موجب لعدم الركون إلى أخباره، و احتمال أن يأتي ببعض المناسك على غير ما هو عليه.

يلاحظ عليه: بأنّ هذا الاحتمال موجود في البالغ أيضا، و لا محيص من شرطية وجود الثقة و الاطمئنان عند استئجاره، كما هو الحال في البالغ و لذلك قال المصنّف إنّه أخصّ من المدعى.

3. إذا لم يكن دليل اجتهادي في البين فالمرجع هو الأصل، و مقتضاه عدم الجواز للشكّ في فراغ ذمّة المنوب عنه، بنيابة الصبي المميز، و الأصل بقاؤه، و هذا هو الدليل الوحيد في المقام، لكنّه مشروط بعدم وجود دليل اجتهادي من إطلاق و غيره على أحد القولين.

2. مقتضى النصوص

قد عرفت مقتضى الأصل في المسألة و هو عدم كفاية نيابة الصبي في الحجّ، بقي الكلام في مقتضى الأدلّة اللفظية فربّما يستظهر من بعض الروايات شرطية‌

____________

(1). المدارك: 7/ 113.

23

..........

____________

البلوغ و عدم كفاية التمييز.

1. روى الصدوق بإسناده عن بشير النبال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ والدتي توفّيت و لم تحجّ، قال: «يحجّ عنها رجل أو امرأة»، قال: قلت: أيّهما أحب إليك؟ قال: «رجل أحب إليّ». (1)

وجه الاستدلال: انّ الإمام خصّ الرجل و المرأة بالنيابة و المميز ليس رجلا و لا امرأة، فيخرج من الحصر.

2. ما استفاض في الموسر الذي منعه مرض أو كبر أو عدو أنّه يجهز رجلا. (2)

و أورد النراقي على الاستدلال بهما بأنّ الأوّل إنّما يتم عند من يقول بإفادة الجملة الخبرية للوجوب، كما أنّ الثاني إنّما يتمّ عند من يقول بوجوب التجهيز. (3)

يلاحظ عليه: مضافا إلى أنّ إفادة الجملة الخبرية للوجوب أبلغ من الأمر، و لقد ثبت في محلّه أنّ قول القائل: «ولدي يصلّي» أبلغ في إفادة الطلب الأكيد من قوله: «ولدي صلّ». انّ شرطية البلوغ لا تتوقّف على كونها مفيدة للوجوب، إذ لو كان دالا على الطلب المطلق أيضا لدلّ على المقصود، لدلالته على شرطية البلوغ، سواء أ كانت نيابة واجبة أم لا، و به يظهر الجواب عن الإشكال الثاني. فان كون تجهيز الرجل مطلوبا كاف في انتزاع شرطية البلوغ.

و الأولى في الإجابة أن يقال: إنّ الرواية الأولى بصدد بيان أرجحية الذكر على الأنثى من دون نظر إلى بلوغ الرجل، كما أنّ الأمر بتجهيز الرجل فاقد للمفهوم‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 8.

(2). الوسائل: 8، الباب 24 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه.

(3). مستند الشيعة: 11/ 111.

24

..........

____________

بشهادة أنّه تجوز نيابة المرأة.

مضافا إلى ذلك أنّ نيابة الصبي المميّز لمّا كانت نادرة، فيبعد أن تكون الأخبار لنفي الفرد النادر.

3. ما رواه ابن طاوس في كتاب «غياث سلطان الورى لسكّان الثرى» عن الشيخ الطوسي بإسناده إلى عمّار بن موسى من «كتاب أصله» المروي عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم، هل يجوز له أن يقضيه غير عارف؟ قال: «لا يقضيه إلّا مسلم عارف». (1) و الحجّ ملحق بباب الصلاة، لأنّ الطواف على البيت صلاة.

و ربّما يناقش في السند بأنّ السيد لم يروها عن عمّار ابتداء، لينظر في سندها و إنّما رواها عن كتب الشيخ، و سند السيد إلى كتب الشيخ صحيح، كما أنّ سند الشيخ إلى عمار مثله، لكن بما أنّ هذه الرواية غير مذكورة في كتب الشيخ، فطريقه إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم، فتصبح الرواية ضعيفة لذلك. (2)

أقول: إنّ ظاهر قوله: «من كتاب أصله» انّ الشيخ الطوسي نقلها من أصل عمّار بن موسى، و وجدها ابن طاوس بخط الشيخ مذعنا بأنّه خطه، فنقلها، و قد فات الشيخ نقلها في التهذيبين، كيف و هو من أسباط الشيخ الطوسي، لأنّ أمّ والدة موسى، بنت ابنة الشيخ، و لذا يعبّر عنه بالجدّ و عن ابنه أبي علي بالخال. (3)

و الأولى أن يناقش في الدلالة و انّ الرواية بصدد نفي صلاحية غير العارف،

____________

(1). الوسائل: 5/ 366، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 5؛ البحار: 88/ 310، نقله عن الذكرى: 73- 75.

(2). معتمد العروة: 2/ 16- 17 بتصرف.

(3). لاحظ طبقات أعلام الشيعة: 3/ 117.

25

..........

____________

لا بصدد كونه رجلا أو مكلّفا و بالغا.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ هذه الروايات لا تصلح للاستدلال على شرطية التكليف في النائب، فالمرجع هو الأصل الذي أصّلناه. و انّ المقام من قبيل الشكّ في السقوط، فالمرجع فيه هو الاشتغال.

و بعبارة أخرى: انّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في القابلية شرعا، نظير الشكّ في قابلية الحيوان للتذكية و غير ذلك.

و أمّا البحث في عبادات الصبي في مورد الواجبات أو المستحبات، فهل هي شرعية أو تمرينية؟ فخارج عن نطاق البحث.

ثمّ إنّ المصنّف قال:

1. «و لا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الولي أو عدمه».

2. «و إن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ».

و العبارة الأولى ناظرة إلى الحجّ الواجب، و وجه عدم الصحة ما عرفت من أنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في السقوط، فلا فرق بين الإجارة و التبرّع، مع إذن الولي و عدمه، لأنّ إذنه ليس بمشرّع.

و العبارة الثانية ناظرة إلى الحجّ المندوب. وجهه: أمّا عدم جريان الأصل الذي أصّلناه من الشك في سقوط الواجب عن ذمّة الميت في مورد الحجّ المندوب، فلأنّه إذا جاز الحج المندوب عن نفسه، جازت النيابة فيه عن غيره.

يلاحظ عليه: ليس لنا كبرى كلّية من أنّ كلّ عمل جاز عن نفسه يجوز له عن غيره.

و قد سبق أنّ مرجع الشك في المقام إلى القابلية و تحمّل المسئولية. نعم لا‌

26

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل فلا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقّق منه القصد، مطبقا كان جنونه أو أدواريّا في دور جنونه، و لا بأس بنيابة السفيه.* (1)

____________

بأس بأن يحجّ و يهدي ثوابه إلى الغير.

ثمّ إنّ المصنّف لم يذكر الإسلام من الشروط، و لعلّه استغنى به بما يذكر من شرط الإيمان، و على أيّ حال فالكافر لا ينوب، و لا يناب عنه.

أمّا الأوّل فلعدم تمشّي القربة التي هي شرط في صحّة العمل المستأجر عليه.

فإن قلت: هذا إذا لم يكن من فرق المسلمين، كاليهود و النصارى، و أمّا إذا كان منهم كالمجسمة و المجبرة و القائل بوحدة الوجود- على النحو الباطل- فربّما يتأتّى منهم قصد القربة.

قلت: مضافا إلى أنّهم محكومون بالنجاسة و العذاب فكيف ترفع أعمالهم؟! إنّ مرجع المسألة إلى الشكّ في تحقّق النيابة، و الشكّ في فراغ ذمّة المنوب عنه، و معه يكون المرجع هو الاشتغال.

و أمّا الثاني فسيأتي الكلام فيه.

(1)* و هذا الشرط غني عن البيان، لأنّ الحجّ يحتاج إلى القصد و الاختيار و المجنون يفقدهما. نعم المجنون الأدواري تصحّ نيابته في غير وقت جنونه، لأنّ المفروض أنّه قاصد مختار.

و أمّا السفيه فهو محجور عن التصرّف في أمواله، و هو لا يمنع من استئجاره، لإطلاق الأدلّة.

27

[الثالث: الإيمان]

الثالث: الإيمان لعدم صحّة عمل غير المؤمن و إن كان معتقدا بوجوبه و حصل منه نيّة القربة، و دعوى (1) أنّ ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى.* (1)

____________

(1)*

هل الإيمان شرط الصحّة أو شرط القبول؟

لا شكّ أنّ الإسلام شرط الصحّة، إنّما الكلام في شرطية الإيمان فهل هو شرط الصحّة، كما عليه المصنّف؟ أو شرط القبول، كما هو اللائح من المحقّق في «الشرائع» حيث عنون نيابة المؤمن عن المسلم المخالف و لم يذكر شيئا حول نيابة المخالف عن المؤمن. (2) و تبعه العلّامة في «المنتهى»، فعدّ من الشروط الإسلام و العقل و البلوغ و لم يذكر الإيمان منها، و مع ذلك ذكر نيابة المؤمن عن المخالف في الاعتقاد و لم يذكر خلافه. (3)

بل صرّح العلّامة في «التذكرة» (4) بجواز نيابته و قال: أمّا المخالف فيجوز أن ينوب عن المؤمن و يجزي عن المنوب إذا لم يخلّ بركن، لأنّها تجزئ عنه، و لا تجب عليه الإعادة و لو استبصر، فدلّ ذلك على أنّ عبادته معتبرة في نظر الشرع، يستحقّ بها الثواب إذا رجع إلى الإيمان إلّا الزكاة، لأنّه دفعها إلى غير مستحقها، و يدلّ على ذلك كلّه- كونه مأجورا- ما رواه بريد بن معاوية العجلي عن الصادق (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل حجّ و هو لا يعرف هذا الأمر، ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفته و الدينونة‌

____________

(1). المدّعي هو النراقي في المستند: 11/ 112.

(2). الشرائع: 1/ 231- 232.

(3). المنتهى: 2/ 861- 862.

(4). التذكرة: 7/ 111- 112.

28

..........

____________

به، عليه حجة الإسلام، أو قد قضى فريضته؟ فقال: «قد قضى فريضته، و لو حجّ لكان أحبّ إلي».

قال: و سألته عن رجل حجّ و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متديّن ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفة هذا الأمر، يقضي حجة الإسلام؟ فقال:

«يقضي أحبّ إلي». (1)

و قال: «كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية، فإنّه يؤجر عليه، إلّا الزكاة فإنّه يعيدها، لأنّه قد وضعها في غير مواضعها». (2)

و قال في «الدروس»: و لو حجّ المخالف عن مثله أجزأ، قيل: و عن المؤمن لصحة حجّه. (3) و القائل هو العلّامة في «التذكرة» كما عرفت.

و أمّا النراقي فاستظهر عدم الشرطية قائلا بأنّ المستفاد من الروايات هو أنّ الإيمان شرط في عبادات نفسه، و أمّا ما ينوب فيه لغيره فلا دليل على عدم صحّته. (4) ثمّ استظهر عدم الصحة برواية عمّار الماضية في شرط البلوغ.

هذه هي الأقوال في المسألة، و الحقّ عدم صحّة نيابة غير المؤمن لوجوه:

الأوّل: ما اعتمد عليه المحقّق الخوئي و قال: إذا كان عمل غير المؤمن فاقدا لجزء أو شرط من الأجزاء و الشرائط المعتبرة عندنا، فلا كلام في عدم الإجزاء، لأنّ‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 23 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الحديث 1.

(2). و المجموع رواية واحدة، ذكر ذيله- هذا- في الوسائل: 1، الباب 31 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1.

(3). الدروس: 1/ 319، الدرس 84.

(4). المستند: 11/ 112.

29

..........

____________

العمل الباطل في حكم العدم، و إنّما يقال بإجزاء النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحا، و إلّا فلا ريب في عدم الاجتزاء (به) و إن كان النائب مؤمنا فضلا عمّا إذا كان غير مؤمن. (1)

[فإن قلت: إنّ الميزان في صحّة النيابة، كون العمل صحيحا عند النائب، لا عند المنوب عنه، و لا عند المستأجر، اللّهمّ إلّا إذا اشترط عليه كيفية العمل، إذ النائب مكلّف بإتيان الصحيح عنده اجتهادا أو تقليدا، و كون العمل باطلا عند المستأجر، لا يضرّ ما لم يشترط.

قلت: إذا كان المستأجر واقفا على بطلان عمل النائب كيف يقدم على استئجاره و يكتفي بعمله في فراغ ذمّة الميت؟ و ما ربّما يقال من أنّ الميزان هو صحّة العمل عند النائب فيما إذا كان الاختلاف في الحكم الظاهري كأن يؤدّي اجتهاد أحدهما إلى شي‌ء و اجتهاد الآخر إلى شي‌ء آخر، لا مثل المقام الذي كشف الواقع كالصبح المتبلّج.] (2)

و أمّا إذا فرضنا أنّه أتى بعمل صحيح في نفسه، واجد لجميع الشرائط و الأجزاء المعتبرة عندنا و تمشّى منه قصد القربة، كما إذا رأى المخالف صحّة العمل بمذهب الحق فلا تصحّ نيابته أيضا، للأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الإيمان و الولاية في قبول الأعمال و صحّتها و بطلان العبادة بدون الولاية. (3)

فحاصل كلامه بطلان عمل المخالف إمّا لبطلان العمل مباشرة، أو لبطلانه بسبب فقد إيمان العامل.

____________

(1). المعتمد: 2/ 15.

(2). الإشكال و الجواب منّا.

(3). المعتمد: 2/ 15- 16.

30

[الرابع: العدالة]

الرابع: العدالة أو الوثوق بصحّة عمله، و هذا الشرط إنّما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله.* (1)

____________

الثاني: ما اعتمدنا عليه في شرطية البلوغ و هو أنّ التركيز على صحّة عمل المخالف و بطلانه، من قبيل «لزوم ما لا يلزم»، لأنّ صحّة عمله لا تلازم صحة نيابته، فما دلّ على صحة عمله في نفسه- كعدم إعادة أعماله إلّا الزكاة- إنّما يدلّ على صحّة عمله من جانب نفسه، و أمّا صحّة عمله عن الغير فهو قيد دليل آخر، و ليس هنا قاعدة كلّيّة من أنّه كلّما صحّ العمل عن الشخص، يصحّ عن الغير كما مرّ في نيابة الصبي.

فالأولى مكان التركيز على الصغرى- صحّة عمل المخالف أو بطلانه أو عدم مقبوليته- التركيز على الكبرى، و أنّ صحّة العمل عن النفس لا يعدّ دليلا على صحّة العمل عن الغير إلّا إذا قام عليه الدليل.

الثالث: ما مرّ، أعني: موثّقة عمّار «لا يقضيه إلّا رجل مسلم عارف» و قد مرّ تصحيح السند، فلاحظ.

(1)*

شرطية العدالة في الاستنابة

اعلم أنّ الشروط المذكورة في المقام- كما صرّح به المصنّف- على قسمين:

قسم منها شرط لصحّة عمل النائب، كالعقل و البلوغ و الإيمان؛ و قسم آخر شرط لصحّة الاستنابة و جواز الإجارة، ككونه عادلا و عارفا بأفعال الحجّ و أحكامه و فارغة ذمّته من الاشتغال بالحجّ، فهذه الشروط الثلاثة الأخيرة شرط لصحّة النيابة، و إلّا فعمل الفاسق- مثلا- صحيح في حدّ ذاته. و لو حجّ تبرّعا عن الميّت‌

31

..........

____________

لصحّ حجّه و برئت ذمّة المنوب عنه، و لكن لا يمكن الركون إلى قوله، إلّا إذا كان عادلا أو حصل الوثوق من الأمارات بصحّة عمله.

و قد صرّح بما ذكرنا الشهيد في «الدروس»، و العاملي في «المدارك».

قال الأوّل: و العدالة شرط في الاستنابة عن الميت، و ليست شرطا في صحّة النيابة، فلو حجّ الفاسق عن غيره أجزأ. (1)

و قال الثاني: و لم يذكر المصنف (المحقّق) من الشرائط عدالة الأجير، و قد اعتبرها المتأخّرون في الحجّ الواجب، لا لأنّ عبادة الفاسق تقع فاسدة، بل لأنّ الإتيان بالحجّ الصحيح إنّما يعلم بخبره، و الفاسق لا يقبل إخباره بذلك، و اكتفى بعض الأصحاب فيه بكونه ممّن يظن صدقه، و يحصل الوثوق بإخباره، و هو حسن. (2)

أقول: الظاهر أنّ الميزان إحراز صحّة عمله، و ذلك بأحد الطرق الثلاثة:

أ. عدالة النائب.

ب. الوثوق بإخباره بإتيان الحجّ.

ج. إجراء أصالة الصحّة في عمله بشرط إحراز أصل العمل بالوجدان أو بالبيّنة.

فبفضل أحد هذه الأمور تصحّ الاستنابة.

نعم لا يثبت أصل العمل بقوله، و لكن الظاهر من السيد الحكيم (قدّس سرّه) كفايته تمسّكا بجريان السيرة على قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله، نظير‌

____________

(1). الدروس: 1/ 320، الدرس 84.

(2). المدارك: 7/ 109.

32

[الخامس: معرفته لأفعال الحجّ و أحكامه]

الخامس: معرفته لأفعال الحجّ و أحكامه، و إن كان بإرشاد معلّم حال كلّ عمل.* (1)

____________

إخبار ذي اليد عمّا في يده، و نظير قاعدة: «من ملك شيئا ملك الإقرار به»، و لا يعتبر في جميع ذلك العدالة، بل لا يبعد عدم اعتبار الوثوق بالصدق، نعم يعتبر أن لا تكون قرينة على اتّهامه. (1)

يلاحظ عليه: أنّ قبول قول الفاسق في الموضوعات على خلاف الأصل و خلاف صريح قوله سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2) خرج منه ذو اليد، إمّا لأنّ اليد أمارة الملكية عند العقلاء، أو أنّه لو لا اعتبارها لما قام للمسلمين سوق؛ و أمّا اعتبار قوله في العمل المستأجر عليه، و إن لم يحصل الوثوق فغير معلوم.

و أمّا قاعدة: «من ملك شيئا ملك الإقرار به» فهو ناظر إلى التصرّفات التي يدّعيها مالك الأمر بعد ثبوت أصل الموضوع، كما لو قال: طلّقت زوجتي أو أعتقت عبدي، و أمّا اعتبار قوله في أصل الموضوع (العمل) فالقاعدة منصرفة عنه.

(1)* هذا الشرط كما هو ظاهر شرط صحّة الإجارة، لا صحّة عمل النائب، لأنّ المستأجر إذا كان جاهلا بخصوصيات الأعمال (و إن كان يعرف أصل العمل و حدوده الكلّية) و أتى بالحجّ بإرشاد عارف بالأحكام تدريجا، يصحّ حجّه عن نفسه و عن غيره.

هذا كلّه حول صحّة العمل و الحجّ الواقع منه، و أمّا الإجارة فربّما يقال ببطلانه للجهل بالمستأجر عليه، فتكون الإجارة غرريّة.

____________

(1). المستمسك: 11/ 7 و 8.

(2). الحجرات: 6.

33

[السادس: عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه في ذلك العام]

السادس: عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه في ذلك العام، فلا تصحّ نيابة من وجب عليه حجّة الإسلام، أو النذر المضيّق مع تمكّنه من إتيانه، و أمّا مع عدم تمكّنه لعدم المال فلا بأس، فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحجّ لنفسه بطل على المشهور، لكن الأقوى أنّ هذا الشرط إنّما هو لصحّة الاستنابة و الإجارة، و إلّا فالحجّ صحيح و إن لم يستحقّ الأجرة، و تبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشي‌ء نهيا عن ضدّه، مع أنّ ذلك على القول به و إيجابه للبطلان إنّما يتمّ مع العلم و العمد، و أمّا مع الجهل أو الغفلة فلا، بل الظاهر صحّة الإجارة أيضا على هذا التقدير، لأنّ البطلان إنّما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه، حيث إنّ المانع الشرعيّ كالمانع العقليّ، و مع الجهل أو الغفلة لا مانع، لأنّه قادر شرعا.* (1)

____________

يلاحظ عليه: أنّه قلّما يتّفق لمسلم أن لا يعرف الحجّ بالنحو الكلّي، و إنّما يتعلّق الجهل بالخصوصيات و هو غير مضرّ.

(1)* إنّ هذا الشرط كما ذكرنا يرجع إلى صحّة الاستنابة و الإجارة و ليس شرطا لصحّة عمل النائب و فيها صور.

اتّفقت كلمة علمائنا على جواز استنابة من لا يجب عليه الحجّ أو أدّى حجة الإسلام (1) إنّما الكلام في الصور التالية:

1. إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب عليه في ذلك العام من حجّة‌

____________

(1). المنتهى: 2/ 860.

34

..........

____________

الإسلام أو النذر المضيّق، و لكنّه لا يتمكّن من امتثاله لطروء فقر أو غيره، فهل يصحّ حجّه عن الغير و استنابته؟

2. تلك الصورة و لكنّه متمكّن من إتيان ما وجب عليه قبل الإجارة من حجّ واجب بالأصالة أو النذر المضيّق وقته، و واقف بأنّ ذمّته مشغولة بالحجّ.

3. تلك الصورة لكن كان جاهلا باشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه بالأصل أو بالعنوان الثانوي.

و على أيّ حال ففي كلّ صورة من الصور الثلاث يقع البحث عن صحّة النيابة أوّلا، و الاستنابة و عقد الإجارة ثانيا. و إليك دراسة الصور واحدة تلو الأخرى:

الصورة الأولى: إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب، و كان غير متمكّن من الأداء، يصحّ الحجّ و الإجارة، لأنّ الأمر بحجّ الإسلام يكون غير منجّز و يعدّ الجهل عذرا، فلا مانع من الأمر بالضدّ الآخر، أعني: الحجّ عن الغير، لأنّ مجرّد اشتغال الذمّة عندئذ غير مانع من الضدّ الآخر، و ذلك كما إذا ابتلى في وقت الصلاة بوجوب الإزالة و لكن كان غير متمكّن منها لعدم الماء أو لاحتياج الإزالة إلى المعين و لم يكن معه أحد، فالأمر بالصلاة يكون فعليا غير مزاحم بأمر الإزالة.

الصورة الثانية: إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب و كان متمكّنا من أدائه، فهل يصحّ إذا حجّ عن غيره أو لا؟ و هل تصحّ الإجارة أو لا؟

أمّا صحّة أصل العمل فهي مبنيّة على صحّة الترتّب، بأن يجوز الأمر بالحجّ عن الغير مشروطا بعصيان الأمر الأوّل على نحو الشرط المتأخّر، و قد قلنا في محلّه:

إنّ الترتّب و إن كان يقتضي الأمر بالضدّين، لأنّ المفروض أنّ الأمر بالأهم بعد لم يسقط، لأنّ الشرط هو نيّة العصيان و تصوّره، لا العصيان الخارجي و إلّا لخرج‌

35

..........

____________

المورد عن مسألة الترتّب، إلّا أنّه لا يقتضي الأمر بالجمع بين الضدّين، و المحال هو الثاني دون الأوّل، لأنّ المولى يطلب المهم في ظرف تكون ساحة العمل فارغة عن إنجاز الأهمّ.

و أمّا صحّة الإجارة فقد أورد عليها بأنّ متعلّق الإجارة مطلق غير مقيّد بترك الحجّ الواجب، فلو وجب الوفاء بها كذلك يلزم الأمر بالضدّين، لإطلاق كلّ من الأمرين: الأمر بالحجّ عن نفسه و الأمر بالوفاء بعقد الإجارة الذي مفاده الأمر بالحجّ عن الغير، و لو وجب الوفاء معلّقا على ترك الحجّ عن نفسه يلزم التعليق في العقد و هو غير منشأ، فالممضى غير منشأ و المنشأ غير قابل للإمضاء.

نعم لو حجّ و الحال كذلك يستحقّ أجرة المثل لا أجرة المسمّى، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

يلاحظ عليه: بأنّا نختار الوجه الثاني، و لكن نقول: ما ذا يريد من قوله: «فالممضى غير منشأ»، فإن أراد أنّ الممضى يباين المنشأ تماما، فهو غير صحيح، لأنّ الممضى و إن لم يكن نفس المنشأ، لأنّ الأوّل مقيّد و الثاني مطلق، لكنّه قسم منه بداهة انّ الرقبة المؤمنة قسم من مطلق الرقبة.

و إن أراد أنّ الممضى يختلف مع المنشأ في الإطلاق و التقييد، فهو صحيح، لكنّه لا يسبّب كونه غير منشئ. بل هو داخل فيه، دخول البعض تحت الكلّ، فلو وجب الوفاء بالعقد مطلقا، فقد وجب الوفاء به في صورة العصيان بالأمر بالحج أيضا.

الصورة الثالثة: إذا تمكّن من الحجّ عن نفسه و لكن كان جاهلا بوجوب الحجّ أو غافلا عنه فصار أجيرا للحجّ عن الغير، فيكون معذورا في ترك الواجب، و بالتالي يكون الأمر غير منجّز في حقّه، فتخلو ساحة العمل للأمر الإجاري،

36

[المسألة 2: لا يشترط في النائب الحريّة]

المسألة 2: لا يشترط في النائب الحريّة، فتصحّ نيابة المملوك بإذن مولاه، و لا تصحّ استنابته بدونه، و لو حجّ بدون إذنه بطل.* (1)

____________

فيصحّ حجّه كما تصحّ نيابته، لأنّه قادر عقلا فيكون قادرا شرعا، لأنّ الجهل عذر لترك الواجب فيكون قادرا و تتبعه القدرة الشرعيّة، و هذا هو المراد من قول المصنّف: إنّ المانع الشرعي (وجوب الحجّ عن نفسه) كالمانع العقلي، و مع الجهل أو الغفلة لا مانع منه، لأنّه قادر شرعا.

هذا و قد مرّ الكلام في هذه المسألة في الفصل الثاني. (1)

(1)* مقتضى إطلاق أدلّة النيابة جواز نيابة العبد عن الحر خلافا للشافعي.

قال الشيخ: يجوز للعبد أن يحجّ عن غيره من الأحرار إذا أذن مولاه، و قال الشافعي: لا يجوز له ذلك. دليلنا: انّه لا مانع يمنع عنه في الشرع فيجب جوازه، و أيضا الأخبار المروية في جواز حجّ الرجل عن الرجل تتناول الحر و العبد، فوجب حملها على العموم. (2)

قال العلّامة: و أمّا العبد المأذون له فإنّه تجوز نيابته عن الحر خلافا لبعض الجمهور، كما أنّ الحج غير واجب عليه فجاز أن ينوب غيره كمن حج حجّة الإسلام و كالصرورة العاجز.

احتجّ المخالف بأنّه لما لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فلم يجز أن ينوب غيره كالحرّ.

و الجواب: انّ الحج غير واجب عليه، و لا إسقاط إلّا بعد الثبوت، فلا‌

____________

(1). لاحظ الجزء الأوّل، ص 511، المسألة 110.

(2). الخلاف 2/ 257، المسألة 21 من كتاب الحج.

37

[المسألة 3: يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصحّ النيابة عن الكافر]

المسألة 3: يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصحّ النيابة عن الكافر، لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه، لمنعه و إمكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الأدلّة فلو مات مستطيعا و إن كان الوارث مسلما لا يجب عليه استيجاره عنه، و يشترط فيه أيضا كونه ميتا أو حيّا عاجزا في الحجّ الواجب، فلا تصحّ النيابة عن الحيّ في الحجّ الواجب إلّا إذا كان عاجزا، و أمّا في الحجّ الندبيّ فيجوز عن الحيّ و الميت تبرّعا أو بالإجارة.* (1)

____________

ملازمة بين عدم إسقاط فرض الحج عن نفسه (لعدم وجوبه) و عدم إسقاطه عن غيره‌

و أمّا قوله سبحانه في العبد المملوك لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ (1) فهو ناظر إلى غير المأذون بقرينة قوله: وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ، و لذلك لو حجّ مع إذنه صحّ. (2)

(1)* ذكر المصنّف شرطية الإسلام في المنوب عنه و خصّص الكافر بالبحث، غير أنّ الشيخ في «النهاية» و «المبسوط» جعل الموضوع: المخالف، فيعمّ غير المؤمن حيث قال: لا يجوز لأحد أن يحجّ عن غيره إذا كان مخالفا له في الاعتقاد اللّهم إلّا أن يكون أباه. (3)

و قال ابن إدريس: لا يجوز ذلك و إن كان أباه، و ما ذكره شيخنا في نهايته رواية شاذة أوردها في هذا الكتاب. (4)

____________

(1). النحل: 76.

(2). المنتهى: 2/ 862؛ و التذكرة: 7/ 116.

(3). النهاية: 280؛ المبسوط: 1/ 326.

(4). السرائر: 1/ 632.

38

..........

____________

و قال ابن البراج: و من كان مخالفا في الاعتقاد فلا يجوز الحجّ عنه، قريبا كان في النسب أو بعيدا، إلّا الأب خاصة فقد ذكر جواز ذلك (الحجّ) عنه و إن كان مخالفا، و ذلك عندي لا يصحّ. (1)

و على ذلك فاللازم هو البحث في موضعين:

الأوّل: النيابة عن الكافر

المشهور هو اشتراط الإسلام في المنوب عنه، فعلى ذلك لا تصحّ النيابة عن الكافر، و استدلّ عليه بوجوه:

1. ما في «المدارك» قال: و أمّا المنوب فلاستحقاقه في الآخرة الخزي و العقاب لا الأجر و الثواب، و هما من لوازم صحّة الفعل، فيلزم من انتفائهما انتفاء الملزوم، و يؤيّده ظاهر قوله تعالى: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ (2)، و قوله عزّ و جلّ: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ (3) خرج منه القضاء عن المؤمن بالنص و الإجماع فيبقى الباقي. (4)

و ضعف الاستدلال ظاهر، إذ لا ملازمة بين استحقاق الخزي و عدم جواز النيابة، لأنّ الكافر إذا كان مكلّفا بالفروع يكون مستحقا للخزي الأشد و بالنيابة يتخفّف استحقاقه للخزي.

ثمّ إنّ النيابة ليس بمعنى الاستغفار و إنّما هو أشبه بأداء دينه، و بعبارة أخرى: الاستغفار عمل الغير في حقّه فهو ممنوع، و أمّا النيابة، فالنائب يقوم مقام‌

____________

(1). المهذب: 1/ 269.

(2). التوبة: 113.

(3). النجم: 39.

(4). المدارك: 7/ 110.

39

..........

____________

المنوب عنه في العمل الذي كتب اللّه عليه، فلا يقاس أداء ما على المنوب عنه من الواجب، بالعمل الجانبيّ.

و أمّا الآية الثانية فلا تنافي جواز النيابة، لأنّ نيابة الغير عن الإنسان ليس شيئا منفصلا عن سعي الإنسان، بل يرجع إلى سعيه حيث إنّه يترك مالا و ولدا صالحا يستأجر مسلما للنيابة عن أبيه، كلّ ذلك يعود إلى جهده و سعيه. و إلّا يلزم أن لا تصحّ النيابة عن المسلم، لأنّ عمل النائب ليس من سعي المنوب عنه، و لسان الآية آب عن التخصيص بإخراج القضاء عن المؤمن.

2. ما في «كشف اللثام» قال: و لأنّ فعل النائب تابع لفعل المنوب في الصحّة، لقيامه مقامه، فكما لا يصحّ منه لا يصحّ من نائبه. (1)

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين عدم صحّته من النائب و عدم صحّته من المنوب، فإنّ المنوب قد يفقد الشرط اللازم دون النائب، و هذا كالنيابة عن المرأة الحائض في الطواف.

3. ما استدلّ به المصنّف من انصراف الأدلّة، لأنّ الظاهر من الأسئلة الواردة في روايات النيابة هو السؤال «عمّن يتوقّع منه الحجّ و هو لم يحجّ» نحو قول السائل سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يموت و لم يحجّ حجة الإسلام و يترك مالا. (2)

و الكلّ صريح في أنّ السؤال عن الحجّ عمّن كان يتوقّع منه الحجّ و لم يحج.

أضف إلى ذلك جريان السيرة على عدم النيابة عن الكافر في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما بعده مع أنّ آباء الصحابة و بعض التابعين كانوا كافرين، و من‌

____________

(1). كشف اللثام: 5/ 150.

(2). الوسائل: 8، الباب 28 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 1.

40

..........

____________

البعيد ألّا يكون بينهم من مات و هو غير مستطيع.

هذا كلّه حول الكافر.

الثاني: النيابة عن المخالف

فقد عرفت كلام الشيخ في «النهاية» (1) و «المبسوط» (2) بأنّه لا يجوز أن يحجّ عن المخالف، و نظيره كلام صاحب السرائر، و عليه المحقّق في الشرائع (3) و النافع. (4) فقال: و لا عن المسلم المخالف، إلّا أن يكون أب النائب.

و قال في «المعتبر»: و ربّما كان التفاتهم إلى تكفير من خالف الحقّ فلا يصحّ النيابة عمّن اتّصف بذلك.

ثمّ قال: و نحن نقول: ليس كلّ مخالف للحق لا تصحّ منه العبادة، و نطالبهم بالدليل عليه، و نقول: اتّفقوا انّه لا يعيد عباداته التي فعلها مع استقامته سوى الزكاة، و الأقرب أن يقال: لا تصحّ النيابة عن «الناصب» و يعني به من يظهر العداوة و الشنآن لأهل البيت (عليهم السلام)، و ينسبهم إلى ما يقدح في العدالة، كالخوارج، و من ماثلهم. (5)

و حاصل كلامه: جواز النيابة عن المخالف إلّا الناصب لما رواه الشيخ بسند صحيح عن وهب بن عبد ربّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أ يحج الرجل عن‌

____________

(1). النهاية: 280.

(2). المبسوط: 1/ 326.

(3). الشرائع: 1/ 232.

(4). المختصر النافع: 77.

(5). المعتبر: 2/ 766.

41

..........

____________

الناصب؟ قال: «لا» قلت: فإن كان أبي، قال: «إن كان أباك فنعم». (1) فهذه الرواية المفصّلة بين الناصب و غيره أقوى دليل على جواز النيابة عن المسلم المخالف مضافا إلى ما ذكره المحقّق في «المعتبر» و العلّامة في «المختلف» بأنّ عباداته تقع صحيحة، و لهذا لا يجب عليه إعادتها إلّا الزكاة.

فإن قلت: إنّ الناصب إنّما ورد في السؤال لا في كلام الإمام، فلا يكون له مفهوم، أي لا يدلّ على جوازه في غيره.

قلت: إنّ السائل في الرواية الثانية هو علي بن مهزيار و هو أحد فقهاء الإمامية في القرن الثالث، و قد خصّ الناصب بالسؤال، و هذا يعرب عن أنّ جواز النيابة عن غيره كان أمرا مسلّما عند الأصحاب، و إلّا فلا وجه لتخصيصه به.

و ربّما يحتمل أنّ المراد من الناصب مطلق المخالف (2)، و هو بعيد جدّا، لأنّ مصطلح الناصب ليس مصطلحا حديثا، بل كان موجودا في عصر أئمّة أهل البيت، و المراد من ينصب العداء لأهل البيت خاصة لا مطلق المخالفين.

فإن قلت: إذا كانت أعمال المخالف صحيحة و لكن غير مقبولة، فلا ينتفع بحجّ النائب الصحيح، لكونه غير مقبول.

قلت: كفى في صحّتها كونها مخفّفة للعقاب و إن لم تكن مفيدة في الثواب، أي المقبولية.

ثمّ إنّ المصنّف أشار إلى أنّه يشترط في المنوب عنه كونه ميتا أو حيا عاجزا عن الحجّ الواجب، فلا تصح النيابة عن الحي في الحجّ الواجب إلّا إذا كان عاجزا، و قد فرغنا من هذه المسألة في صدر الفصل كما فرغنا عن جواز الحجّ‌

____________

(1). الوسائل: 8/ 135، الباب 20 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1. و لاحظ الحديث الثاني.

(2). الحدائق: 14/ 245.

42

[المسألة 4: تجوز النيابة عن الصبي المميّز و المجنون]

المسألة 4: تجوز النيابة عن الصبي المميّز و المجنون، بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثمّ مات مجنونا.* (1)

[المسألة 5: لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه في الذكورة و الأنوثة]

المسألة 5: لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه في الذكورة و الأنوثة، فتصح نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة.* (2)

____________

الندبي عن الحي و الميت تبرعا و إجارة.

(1)* في المسألة فرعان:

1. النيابة عن الصبي المميز و المجنون.

2. الاستئجار عن المجنون إذا استقرّ عليه حال إفاقته.

أمّا الأوّل- أي النيابة عن الصبي المميّز- فهو رهن شرعية عباداته و إطلاق أدلّة النيابة، و الأولى ثابتة و الثانية قابلة للتأمّل، و مثل ذلك النيابة عن المجنون مع أنّه أشبه بالحيوان، لأنّ الإنسانية قائمة بالعقل، و هو يفقده.

و أمّا الفرع الثاني فواضح، لأنّ الحج صار دينا عليه، يجب أداؤه، و الجنون ليس من المسقطات، غاية الأمر يسقط وجوب المباشرة بنفسه، مثل الدين المالي إذا كان في ذمّته.

(2)* اتّفق فقهاء الشيعة على عدم وجوب المماثلة على وجه الإجمال، فالرجل ينوب عن المرأة مطلقا و المرأة عن الرجل إذا لم تكن صرورة. و أمّا إذا كانت صرورة فسيظهر الحال فيها في المسألة التالية، و لننقل بعض كلمات الفقهاء.

قال الصدوق: و لا بأس أن تحج المرأة عن المرأة، و المرأة عن الرجل، و الرجل عن المرأة، و الرجل عن الرجل. (1)

____________

(1). المختلف: 4/ 318 نقلا عن من لا يحضره الفقيه: 2/ 426 ذيل الحديث 2878.

43

..........

____________

و قال ابن الجنيد: و يحج الرجل عن الرجل و المرأة عن المرأة. (1)

و قال المحقّق: و يجوز أن تحجّ المرأة عن الرجل، و عن المرأة. (2)

قال المحدّث البحراني: المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) جواز حج المرأة عن الرجل و عن المرأة، صرورة كانت أو قد حجّت. (3)

و قال النراقي: تجوز نيابة كلّ من الرجل و المرأة عن الآخر بالإجماع مطلقا في الأوّل، و في غير الصرورة من الثاني. (4)

و بالجملة نيابة كلّ من الرجل و المرأة عن الآخر موضع اتّفاق في الجملة، و إنّما الاختلاف في نيابة المرأة الصرورة عن الرجل بل المرأة أيضا، و سيوافيك تفصيل الاختلاف فيها في المسألة التالية، و يدلّ على الجواز إجمالا الروايات المتضافرة، منها:

1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجّة و قد حجّت المرأة، فقالت: إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، و كنت أنا أحقّ بها من غيري، فقال أبو عبد اللّه:

«لا بأس بأن تحج عن أخيها، و إن كان لها مال فلتحج من مالها، فإنّه أعظم لأجرها». (5)

قوله: «فلتحجّ من مالها» فيه وجهان: 1. تحجّ من مالها عن نفسها، 2.

تحجّ من مالها عن أخيها.

____________

(1). نفس المصدر.

(2). الشرائع: 1/ 232.

(3). الحدائق: 14/ 251.

(4). مستند الشيعة: 11/ 121.

(5). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1.

44

[المسألة 6: لا بأس باستنابة الصرورة، رجلا كان أو امرأة]

المسألة 6: لا بأس باستنابة الصرورة، رجلا كان أو امرأة، عن رجل أو امرأة. و القول بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقا، أو مع كون المنوب عنه رجلا ضعيف. نعم يكره ذلك خصوصا مع كون المنوب عنه رجلا، بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة و لو كان رجلا عن رجل.* (1)

____________

2. و روى الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يحجّ عن المرأة و المرأة تحجّ عن الرجل، قال: «لا بأس». (1)

3. و يؤيّده ما رواه الفضل بن العباس قال: أتت امرأة من خثعم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه إنّ أبي أدركته فريضة الحج و هو شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على دابته، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فحجّي عن أبيك». (2)

(1)*

في استنابة المرأة الصرورة

هذه المسألة هي التي أشرنا إليها في المسألة السابقة بأنّها محلّ خلاف، و هي عدم جواز استنابة المرأة الصرورة إمّا مطلقا، سواء كان المنوب عنه رجلا أو امرأة، أو في خصوص ما إذا كان المنوب عنه رجلا.

فذهب جمع من الفقهاء إلى عدم جوازها، منهم الشيخ في «النهاية» و «الاستبصار» و «المبسوط».

قال: لا بأس أن تحج المرأة عن الرجل إذا كانت قد حجّت حجة الإسلام و كانت عارفة، و إذا لم تكن قد حجّت حجة الإسلام و كانت صرورة، لم يجز لها أن‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 2. و لاحظ سائر روايات الباب.

(2). السرائر: 1/ 630.

45

..........

____________

تحجّ عن غيرها على حال. (1)

و قال ابن البراج في «المهذب» قريبا من ذلك. (2)

نعم خالفه جمع كثير منهم المحقّق في «الشرائع» و قال: و تصحّ نيابة من لم يستكمل الشرائط (أي لم يستكمل شرائط وجوب الحجّ عليه مع استكماله لشرائط النيابة) و إن كان حجّه صرورة. (3) و إطلاق العبارة يعمّ الرجل و المرأة.

ثمّ إنّ الشيخ يعتمد في منعه على روايات خاصة تمنع عن نيابة المرأة الصرورة، عن الرجل الصرورة، أو مطلقا صرورة كان أو لا، و إليك ما يمكن أن يستدلّ به على مختاره:

1. خبر مصادف، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تحجّ عن الرجل الصرورة، فقال: «إن كانت قد حجّت و كانت مسلمة فقيهة، فربّ امرأة أفقه من رجل». (4)

و خبره الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أ تحج المرأة عن الرجل؟ قال:

«نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة، و كانت قد حجّت، ربّ امرأة خير من رجل». 5

و الظاهر وحدة الروايتين لوحدة الراوي عن الإمام (عليه السلام) و اشتراكهما في الألفاظ، و لكن الرواية ضعيفة لمصادف، لأنّه لم يوثّق، قال ابن الغضائري:

مصادف مولى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، روى عنه، ضعيف.

و روى عنه الكشّي، و للصدوق إليه طريق صحيح في المشيخة.

و على كلّ تقدير فمفاد الأوّل خاص بالنيابة عن الرجل الصرورة، و الآخر مطلق الرجل.

____________

(1). النهاية: 279- 280.

(2). المهذب: 1/ 269.

(3). الشرائع: 1/ 232.

(4) (4 و 5). الوسائل: 8/ 124، الباب 8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 4، 7.

46

..........

____________

2. رواية المفضّل، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، و لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة». (1) و هي كخبر مصادف الأوّل تخصّ النهي بالصورة الأولى.

و المفضّل مشترك بين عدّة، لكن المراد منه المفضل بن صالح بقرينة روايته عن زيد الشحّام.

قال الطوسي في «الفهرست»: يكنّى أبا جميلة، له كتاب، و كان نخّاسا يبيع الرقيق، و يقال: أنّه كان حدّادا.

و قال في رجال الصادق (عليه السلام): مولى بني أسد، مات في حياة الرضا.

و قال النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد: روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعّفوا، منهم المفضّل بن صالح.

و قال ابن الغضائري: ضعيف، كذّاب يضع الحديث. إلى غير ذلك من الكلمات.

و لو صحّ الاعتماد على هذه الروايات الثلاث لكان مقتضى القاعدة تخصيص ما دلّ على جواز نيابة المرأة عن الرجل- كما مرّ في المسألة السابقة- بها فلا تجوز خصوص الصرورة منها عن الرجل مطلقا أو عن الصرورة منه و إنّما تجوز نيابة غير الصرورة منها. و قد عرفت عدم صحّة الأسانيد.

هذا هو مقتضى القاعدة.

لكن صاحب المدارك عمل بالروايات و حملها على الكراهة، و يشهد لما ذكره أحاديث:

ألف. رواية سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة‌

____________

(1). الوسائل: 8/ 125، الباب 9 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1.

47

..........

____________

حجت عن امرأة صرورة؟ قال: «لا ينبغي». و لفظ «لا ينبغي» صريح في الكراهة. (1)

ب. حديث عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه، هل تجزي عنه امرأة؟ قال: «لا، كيف تجزي امرأة و شهادته شهادتان؟ قال: إنما ينبغي أن تحجّ المرأة عن المرأة، و الرجل عن الرجل»، و قال: «لا بأس أن يحجّ الرجل عن المرأة». (2) و ذيل الحديث شاهد على أنّ النهي في قوله: «لا» محمول على الكراهة.

و قد تردّد المحدّث البحراني في الاستشهاد على هذا الجمع و قال في «الحدائق»: و قد نبّهنا في ما سبق على أنّ هذا اللفظ «لا ينبغي» بالنسبة إلى وروده في الأخبار من الألفاظ المتشابهة، لوروده فيها بالمعنى العرفي تارة و بمعنى التحريم أخرى، و مثله لفظ (ينبغي) في الوجوب أو بمعنى الأولى، و ظاهر موثّقة عبيد بن زرارة هو استعمال لفظ «ينبغي» فيها في الوجوب، فإنّه منع أوّلا من إجزاء حجّ المرأة عن الرجل الصرورة، ثم قال: «انما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة ... إلى آخره» فإنّ ما تقدّم قرينة على ذلك. (3)

ج. حسنة بشير النبّال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ والدتي توفّيت و لم تحج، قال: «يحجّ عنها رجل أو امرأة، قال: قلت: أيّهما أحبّ إليك؟ قال:

«رجل أحب إليّ». (4)

____________

(1). المدارك: 7/ 117.

(2). الوسائل: 8/ 126، الباب 9 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 2.

(3). الحدائق: 14/ 253- 254.

(4). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 8.

48

..........

____________

و دلالته على جواز نيابة المرأة الصرورة بالإطلاق، و هو قابل للتقييد بالروايات الثلاث الماضية، و مقتضى صناعة الفقه هو تقييد المطلق بالمقيّد إذا صحّت الأسانيد.

و الأولى أن يجاب بعدم تمامية ما دلّ على المنع، لما عرفت من أنّ مصادفا لم يوثّق، و المفضّل بن صالح ضعيف، و لو قيل بالتسامح فأقصى ما يستفاد هو الكراهة.

بيان أحكام الفروع الثلاثة

ثمّ إنّ المصنّف قال بالكراهة في موردين:

1. نيابة المرأة الصرورة مطلقا، سواء أ كان المنوب عنه رجلا أو امرأة، أو خصوص ما إذا كان المنوب عنه رجلا.

2. نيابة مطلق الصرورة امرأة كانت أو رجلا.

المورد الأوّل و صوره أربعة:

فأمّا أن يكون المنوب عنه رجلا أو امرأة، و على أي تقدير، فالمنوب عنه إمّا صرورة أو غير صرورة، فتكون الأقسام أربعة، و إليك بيان أحكامها:

1. إذا كان المنوب عنه رجلا صرورة، فيدلّ عليه خبر مصادف الأوّل و فيه:

في المرأة تحجّ عن الرجل الصرورة، فقال: «إن كانت قد حجّت» و مفهومه انّها إذا لم تحجّ، فلا تنوب. و خبر زيد الشحام، و فيه: «لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة».

2. إذا كان المنوب عنه رجلا مطلقا، فيدلّ عليه إطلاق خبر مصادف الثاني و فيه: أ تحج المرأة عن الرجل؟ قال: «نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة، و كانت‌

49

..........

____________

قد حجّت» و إطلاقه يعمّ كون المنوب عنه صرورة أو غير صرورة.

3. إذا كان المنوب عنه امرأة صرورة، فيدلّ على المنع خبر سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة؟ فقال:

«لا ينبغي». (1) بناء على حمله على الكراهة، خلافا لصاحب الحدائق و السيد الخوئي حيث استظهرا الحرمة.

4. إذا كان المنوب عنه امرأة غير صرورة فلم نجد دليلا على الكراهة.

و بذلك ظهر عدم صحّة الإطلاق في كلام المصنّف، أعني: كراهة استنابة المرأة الصرورة مطلقا، سواء كان المنوب عنه رجلا أو امرأة، فالإطلاق صحيح في قسمي الأوّل (الرجل) دون الثاني (أعني: المرأة)، إذ الدليل على الكراهة قائم فيما إذا كان المنوب عنه صرورة، لا غير صرورة.

المورد الثاني: كراهة نيابة مطلق الصرورة

إنّ كراهة استئجار مطلق الصرورة و لو كان رجلا عن رجل، ممّا اختاره صاحب الجواهر و قال: و لعلّ نيابة الرجل الصرورة لا تخلو منها [الكراهة] و إن كانت الامرأة أشد، ثمّ استدلّ على مرامه بمكاتبتين:

1. مكاتبة بكر بن صالح، قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): إنّ ابني معي و قد أمرته أن يحجّ عن أمّي أ يجزي عنها حجّة الإسلام؟ فكتب: «لا، و كان ابنه صرورة و كانت أمّه صرورة». (2)

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 9 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 3

(2). الوسائل: 8، الباب 6 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 4.

50

..........

____________

و السند إلى بكر بن صالح لا غبار عليه، إلّا أنّ بكر بن صالح لم يوثّق، و هو مردّد بين: بكر بن صالح الذي يروي عن عمرو بن هشام،- كما في «كامل الزيارات»- و بكر بن صالح الجعفري الذي ورد في أسانيد العلل، و بكر بن صالح الرازي الذي قال النجاشي في حقّه: مولى بني ضبّة، روى عن أبي الحسن (عليه السلام)، ضعيف، له كتاب النوادر يرويه عدّة من أصحابنا. و الظاهر انّ مراده من أبي الحسن، هو الثاني منهما، و لا ينافي مكاتبته أبا جعفر الثاني أيضا. و على كلّ تقدير فالرواية لا يحتج بها.

2. مكاتبة إبراهيم بن عقبة، قال: كتبت إليه (أبو عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل صرورة لم يحجّ قط حجّ عن صرورة لم يحج قط، أ يجزي كلّ واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيدي إن شاء اللّه. فكتب: «لا يجزي». (1)

و السند نقي إلّا الراوي الأخير، فهو من رجال الإمام الهادي (عليه السلام) و لكنّه لم يوثق و الكشّي روى كتابه إليه (عليه السلام)، مضافا إلى أنّ المتبادر من قوله: «أ يجزي كلّ واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام» هو عدم إجزاء حجّته عن كليهما معا حتّى و لو أيسر النائب فيما بعد دون أن يدلّ على عدم الإجزاء عن المنوب عنه، و دون أن يكون لها دلالة على كراهة نيابة الصرورة عن صرورة مثلها.

فظهر أنّه لا دليل صالح على الكراهة، و انّ الروايتين إمّا لا يحتجّ بها، أو لا صلة لها بالموضوع.

بل ربّما ورد الأمر باستنابة الصرورة عن مثلها: في صحيحين:

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 6 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 3.

51

[المسألة 7: يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة و تعيين المنوب عنه]

المسألة 7: يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة و تعيين المنوب عنه في النية و لو بالإجمال، و لا يشترط ذكر اسمه و إن كان يستحبّ ذلك في جميع المواطن و المواقف.* (1)

____________

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل صرورة مات و لم يحجّ حجّة الإسلام و له مال، قال: «يحجّ عنه صرورة لا مال له». (1)

و الرواية صحيحة، محمولة على الاستحباب بقرينة الصحيح الآتي، أوّلا، و عدم الإفتاء بالوجوب من الأصحاب ثانيا.

2. صحيح أبي أيّوب الخزاز قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة و قد حجّت المرأة فقالت: إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، و كنت أنا أحق بها من غيري، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس بأن تحجّ عن أخيها، و إن كان لها مال فلتحجّ من مالها، فإنّه أعظم لأجرها». (2)

و الرواية ظاهرة في جواز النيابة و عدم البأس.

(1)* إنّ النيابة من الأمور ذات الإضافة، لها ثلاثة أضلاع إضافة إلى النائب، و إضافة إلى المنوب عنه، و إضافة إلى نفس العمل. و لا تتحقّق تلك الإضافات إلّا بالنيّة، قال المحقّق: و لا بدّ من نيّة النيابة و تعيين المنوب عنه. و تبعه المصنّف فقال:

و يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة و تعيين المنوب عنه في النيّة.

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 2.

(2). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1.

52

ما هي حقيقة النيابة؟

____________

عرّف المصنّف النيابة في فصل الصلاة الاستئجاريّة بوجهين:

1. جعل النائب نفسه نازلا منزلة المنوب عنه.

2. إتيان ما عليه، له، و لو لم ينزل نفسه منزلته.

أقول: إنّ النيابة من الأمور العرفية و ليست من الحقائق الشرعية، فيكفي في تعريفها، الإمعان في الأعمال التي يقوم بها بعض الناس نيابة عن بعض، و على ضوء هذا، فلا يدور في خلد أحد انّه ينزّل نفسه منزلة نفسه، أو فعله منزلة فعله.

و على هذا فالتعريف الثاني أولى بالتصديق، لكنّه ليس بجامع فإنّ للنيابة مصاديق مختلفة لا يصدق على الجميع، إتيان ما عليه، له.

1. أداء دين الغير للدائن، أو الحجّ عن جانب الغير إذا مات و عليه حجّة الإسلام أو غير ذلك، فينطبق عليه التعريف المذكور.

2. إتيان الفعل عن جانبه، دون أن تكون ذمّته مشغولة كالحجّ عن الميت غير المستطيع.

3. الإتيان له، كما في النيابة في حيازة المباحات، فيكون ما حازه النائب للمنوب عنه و الأجرة للنائب.

و بجمع الكل، لزوم قصد النيابة.

و بذلك اتّضح أمران:

1. وجه تعيين المنوب عنه، لأنّ الفعل لا ينسب إليه إلّا بنيّته.

2. الاستغناء عن قصد النيابة بتعيين المنوب عنه و إتيان الفعل عنه أو له.

ثمّ إنّه ذكر المصنّف أنّه لا يشترط ذكر اسمه، بل يكفي قصد المنوب عنه إجمالا، نعم ورد في بعض الروايات ذكر اسمه، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن‌

53

[المسألة 8: كما تصحّ النيابة بالتبرّع و الإجارة كذا تصحّ بالجعالة]

المسألة 8: كما تصحّ النيابة بالتبرّع و الإجارة كذا تصحّ بالجعالة و لا تفرغ ذمّة المنوب عنه إلّا بإتيان النائب صحيحا و لا تفرغ بمجرّد الإجارة و ما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامنا و كفاية الإجارة في فراغها منزّلة على أنّ اللّه تعالى يعطيه ثواب الحجّ إذا قصّر النائب في الإتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها.* (1)

____________

أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما يجب على الذي يحجّ عن الرجل؟ قال: «يسمّيه في المواطن و المواقف». (1) و لكنّه محمول على الاستحباب بقرينة صحيحة البزنطي أنّه قال: سأل رجل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يحجّ عن الرجل، يسمّيه باسمه؟

قال: «اللّه لا يخفى عليه خافية». 2

(1)*

هنا فروع أربعة:

1. صحّة النيابة بالتبرّع.

2. صحّة النيابة بالإجارة.

3. صحّة النيابة بالجعالة.

4. عدم فراغ ذمّة المنوب عنه إلّا بإتيان النائب صحيحا.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر.

الفرع الأوّل: صحّة النيابة بالتبرّع

الظاهر انّه لا إشكال في صحّة النيابة بالتبرّع و براءة ذمّة المنوب عنه في‌

____________

(1) (1 و 2). الوسائل: 8، الباب 16 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1، 5.

54

..........

____________

الحجّ، قال المحقّق: و لو تبرع إنسان بالحجّ عن غيره بعد موته، برئت ذمّته. (1)

و قال صاحب الجواهر في شرح عبارة المحقّق: بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص مستفيضة أو متواترة فيه. (2)

فالعمدة في جواز النيابة في التبرّع هو أنّ الملاك في فراغ ذمّة المنوب عنه إتيان العمل عنه، و هو حاصل بالتبرع. بل التبرّع أفضل طريق لتحصيل المطلوب لخلوص القربة عن أي شائبة بخلاف القسمين الآخرين.

أضف إلى ذلك وجود النصوص، نظير: صحيحة معاوية بن عمّار قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مات و لم يكن له مال و لم يحج حجة الإسلام، فحجّ عنه بعض إخوانه، هل يجزي ذلك عنه؟ أو هل هي ناقصة؟ قال: «بل هي حجة تامّة». (3)

و يظهر من خبر عامر بن عميرة وجود الخلاف يوم ذاك حيث قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بلغني عنك أنّك قلت: لو أنّ رجلا مات و لم يحجّ حجّة الإسلام فحجّ عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه؟ فقال: «نعم، أشهد بها على أبي أنّه حدّثني أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أتاه رجل فقال: يا رسول اللّه إنّ أبي مات و لم يحجّ، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حجّ عنه، فإنّ ذلك يجزي عنه». (4)

و أمّا الثاني أعني: جواز النيابة بالإجارة

فقد اتّفقت عليه كلمات الفقهاء، كما في غير باب من الأبواب، كوجوب إخراج مصارف الحجّ من صلب المال لمن‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 233.

(2). الجواهر: 17/ 387.

(3). الوسائل: 8، الباب 31 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 1.

(4). الوسائل: 8، الباب 31 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 2.