إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
7

توطئة

«إحياء الموات». موضوع فقهي واسع، خصص له الباحثون من الفقهاء المسلمين كتابا أو بابا مستقلا ضمن دراساتهم الاستدلالية و الإفتائية، و قد انتظمت في هذا الباب أو هذا الكتاب موضوعات اتسمت بأهميتها، و ذلك لاتصالها بأكثر القطاعات حيوية و أثرا في حياة الناس.

موضوعات الإحياء:

و من أبرز هذه الموضوعات التي انتظمها عندهم ذلك الباب:

1- موضوع «الأراضي الموات». و ما يتعلق بتقسيماتها، أو يتصل بشروطها و أحكامها، و مراحل اكتساب الحقوق الخاصة فيها.

2- موضوع «المواد المعدنية». و ما يرتبط بملكيتها و استخراجها، و الحقوق المتعلقة بإحياء الأراضي المحيطة بها، و مدى حق الدولة أو الأفراد في الاستيلاء على مناجمها و عروقها.

3- موضوع «المياه العامة و الخاصة». و ما يتصل بحكم إحرازها و استخراجها، و حقوق الشرب و الشفة منها، و ما تعطيه الأحاديث الواردة بشأن شركه الناس فيها.

4- و أخيرا موضوع «المنافع العامة». و مدى حق الأفراد أو المجموع في الاستفادة منها، مثل الطرق، و الربط، و المعاهد، و المعابد.

و نحوها من المرافق التي تتصف بالعمومية و الشمول في حق الاستفادة بثمراتها و منافعها.

8

و تدخل الثلاثة الأولى من هذه الموضوعات فيما يسمى اليوم ب «المصادر الطبيعية للإنتاج» (1) و تبرز أهمية هذه المصادر إذا ما علمنا بأن مختلف أوجه النشاط الاقتصادى في الحياة العملية العامة. تستمد معظم طاقاتها و قدراتها من توفر تلك المصادر، و استثمارها على الوجه الأكمل.

غير أنه بالرغم من أهمية هذه المصادر التي وضحت آثارها العملية البالغة، فإن تأصيلها الفقهي ظل- فيما يبدو لنا- دون المستوي الذي تستأهله من الدراسة و التحقيق، لذلك وجدت من المفيد أن أتوفر على دراسة هذه الموضوعات، من أجل إبراز خصائصها و أثرها في الحياة العامة، و مدى ما أعطاه الإسلام لها من أهمية في تشريعاته.

و لما كان كل واحد من تلك الموضوعات التي جاءت في باب «إحياء الموات» عنوانا متميزا بذاته، و يمكن أن يشكل لوحدة كتابا أو رسالة مستقلة. رأيت أن أخص (رسالتي) هذه في واحد منها. هو (الأرض الموات). من حيث الإحياء و الإقطاع فيها، على أن أتوفر- بعونه تعالى- في فرصة مواتية أخرى على دراسة بقية هذه الموضوعات.

و يلاحظ أن العناية التي أولتها النصوص التشريعية لهذا (المرفق) الذي اخترناه موضوعا لرسالتنا، و لسائر ما يتصل بالزراعة: عناية أصيلة و واضحة. حتى إنه جعل للعامل في هذه المجالات نصيبا من الأجر و الثواب بقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر»، كما أنه فرض ضريبة أو دية على من يقوم من الناس بإتلاف الشجر و نحوه بقوله (ص) «من قطع شجرة فليغرس مكانها، و دية».

____________

(1). و هذه المصادر الطبيعية للإنتاج، هي في الحقيقة واحد من أربعة عوامل يطلق عليها حديثا «عوامل الإنتاج». إذ درج الاقتصاديون المحدثون على تصنيفها إلى: الطبيعة، العمل، رأس المال. مضافا إلى التنظيم الذي كان يستبعده اقتصاديو ما قبل القرن التاسع عشر لإنكارهم أن يكون له دور في الإنتاج (راجع: بيرنز في علم الاقتصاد الحديث- 1/ 81، و أحمد إبراهيم في الاقتصاد السياسي- 162، و جابر جاد في مبادئ الاقتصاد السياسي- 76 و غيرها).

9

نطاق البحث:

هذا و بعد أن انتهينا هناك، إلى أن بحثنا في هذه الرسالة، سيقتصر على دراسة واحد من (المصادر الطبيعية للإنتاج) هو «الأرض الموات»، فإن مهمتنا مع هذا، و بالرغم مما أخذناه على أنفسنا من التركيز و ضغط مسائل الكتاب- لا بد أنها ستتسع لبحث بعض ما يتعلق بالأرض نفسها من التعريف بمصطلحاتها و استجلاء خصائصها. ثم عرض و جهات النظر المختلفة للاقتصاديين المحدثين و نحوهم و للفقهاء المسلمين فيما يتعلق بحكم ملكيتها و حيازتها، و أثر ذلك في تقسيماتها المختلفة.

و كل هذا مما سنعرض له في (باب تمهيدي) للرسالة، ما هو في الواقع إلا من أجل توفير العناء فيما يثأر بعدئذ من مسائل متعددة حول موضوع ملكية الأرض و نحوها، و من أجل توضيح المعالم أمام الموضوعات الرئيسة التالية التي وضعناها في (أبواب أربعة):.

حيث تكلمنا في (الباب الأول) منها عن الأرض الموات من حيث تعريفها و طبيعتها، و عن المراحل العملية الثلاث- التحجير، و الإحياء، و الاستثمار- التي يمكن أن يتم بها في رأي جمهرة الفقهاء انتقال الحقوق إلى الأفراد بالأرض الموات، غير أننا لاحظنا- بناء على رأى و استنتاج خاص- أن التحجير منها لا يعطى أى أثر في اكتساب أية حقوق مرحلية بهذه الأراضي البكر الموات.

و تناولنا في (الباب الثاني) منها الحديث عن شروط الإحياء. حيث قسمناها بعد استقراء الفتاوى و النصوص، إلى شروط لازمة، لا بد من توافرها للنهوض بعملية الإحياء، و أخرى غير لازمة،. لم نجد ما يبرر منها في اعتباره شرطا من شروط الإحياء، و ذلك مثل شرطية القصد، و شرطية انتفاء الملكية السابقة.

10

و عقدنا (الباب الثالث) في البحث عن أحكام الإحياء، و حاولنا في هذا المجال التركيز على بعض موضوعاته المهمة، و بشكل يختلف عن المنهج التقليدي الذي سلكه بعض الفقهاء، و قد أسهبنا بصورة خاصة في موضوع ضريبة «الخراج». و ذلك في كل ما يختص بمدلولها و فرضيتها، و ما يتعلق بالوعاء الذي تتناوله هذه الضريبة، مع مقارنتها (بالجزية) التي تلابسها من بعض الجهات، كما عرضنا في فصل خاص من هذا الباب لأحكام بعض أنواع الأراضي الموات التي تتميز ببعض الصفات، كالجزر و الشواطى‌ء، و الأراضي المعدنية، و الموقوفة، و العرصات المتروكة.

و خصصنا (الباب الرابع) و الأخير للحديث عن «الإقطاع» لاتصاله الوثيق بالإحياء، فعالجنا في الفصل الأول منه أحكام الإقطاع بالطريقة التي عالجنا بها أحكام الإحياء في التركيز على المسائل ذات الأصالة منها، و قارنا بين مفهوم الإقطاع في الشريعة و مفهومه في النظم و الأفكار المستحدثة، و أثبتنا إن الإقطاع في الإسلام- على العكس منه في هذه النظم- هو حركة إصلاحية هادفة، ترمى إلى استصلاح الأراضي و توزيعها بين أكبر عدد ممكن من الأشخاص العاملين و القادرين على الإنتاج.

كما قمنا في الفصل الثاني من هذا الباب باستعراض حركة الإقطاع في العهود الإسلامية البارزة، و ميزنا بين الإقطاعات التي حدثت في الصدر الإسلامي الأول و التي أدت أو قاربت من تأدية وظيفتها و غايتها، و بين الأخرى التي انحرفت في عهود تالية عن هذه الوظيفة و هذه الأهداف.

و أنهينا بعدئذ البحث (بخاتمة) عن الإجراءات التي قامت مؤخرا للقضاء على الإقطاع بمفهومه الحديث و آثاره السيئة، و ذلك إثر ظهور قوانين الإصلاح الزراعي في عديد من الدول المعاصرة بما فيها العراق، و ربطنا ذلك كله بدعوتنا إلى الأخذ بوجهة النظر الإسلامية في إحياء الأراضي الموات‌

11

كسبيل من أبرز سبل الإصلاحات المتعلقة بالزراعة، و التي استهدف فيها الإسلام أول ما استهدف الحد من نشوء ما يسمى بالملكية الكبيرة- من ناحية- و استثمار الأراضي المعطلة عن الإنتاج مضافا إلى تشغيل الأيدي العاطلة و استغلال الطاقات الفردية المتوفرة- من ناحية ثانية.

منهج استدلالى مقارن:

و منهجنا في هذه الرسالة بعد ذلك منهج (استدلالى) قائم على النظر و البحث و التحليل، و (مقارن) قائم على استقراء أشهر المدارس الفقهية، و هي حسب أسبقية ظهورها: «الإمامية، الزيدية، الأحناف، المالكية، الشافعية، الحنابلة، و الظاهرية» مضافا إلى مقارنتها ببعض القوانين الوضعية الحديثة حينما يقتضينا البحث إلى ذلك.

و قد أفادتنا هذه الموازنة الرحبة في التوصل إلى بعض الآراء و الأفكار الواعية في الإسلام، و الخاصة بموضوع الأراضي و إحيائها و ما يتصل بها من أحكام.

صعوبات:

غير أننا واجهنا كثيرا من الصعوبات في هذا المسلك القائم على الاستدلال و الموازنة، نظرا لإهمال كثير من المدارس الفقهية المذكورة للتعرض لبعض المسائل الواردة في هذا البحث، الأمر الذي أوجب إهمال ذكر بعض هذه المدارس في قسم من مسائل هذا الكتاب.

كذلك واجهنا مثل هذه الصعوبات من جزاء حاجتنا إلى التوسع بالبحث في بعض المسائل كمسألة ملكية الأرض و تقسيماتها، و مسألة مركز الأشخاص من قضية الإحياء. و كذلك موضوع الخراج و الجزية، و موضوع الإقطاع، و نحوها من الموضوعات غير المبلورة التي تتطلب جهدا و تتبعا في غير باب‌

12

من أبواب الفقه و الحديث. مضافا إلى لزوم تتبعها في بعض المصادر الاقتصادية و الموسوعات التاريخية و نحوها، و ذلك من أجل الوقوف على بعض الوقائع و الإجراءات التي نحن بحاجة إلى تثبيتها و إدراجها في كثير من مسائل الكتاب.

شكر و تقدير:

و لا يفوتنا في ختام هذه التوطئة أن نقدم بالغ شكرنا و تقديرنا لأستاذنا القانوني الدكتور صلاح الدين الناهي الذي وسع من وقته و جهده في الإشراف على هذه (الرسالة)، و كذلك لأستاذنا المحقق السيد محمد تقى الحكيم الأستاذ في معهد الدراسات الإسلامية العليا لما أبداه من ملاحظات و توجيهات قيمة في هذا السبيل.

كما لا بد لي أخيرا أن أتقدم بالشكر و العرفان لسيدنا المحقق السيد محمد باقر الصدر الذي أفادنا واسعا في ملاحظاته. سائلا اللّه العلى القدير أن يسلك بنا جميعا سواء السبيل إلى ما فيه خدمة الفكر و العقيدة؟

النجف الأشرف 2 ربيع الأول 1389 20 مايس 1969 محمود الشيخ محمد حسن المظفر خريج كلية الفقه بالنجف الأشرف و خريج كلية الحقوق بجامعة بغداد‌

13

الباب التمهيدى الأرض. أهميتها و موقف الاتجاهات التشريعية و الاقتصادية من ملكيتها

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

يجدر بنا قبل أن نأتي إلى صميم موضوعنا في هذا الكتاب. أن نتناول بالبحث مسألة «الأرض» نفسها. من حيث مدلولاتها، و من حيث أهميتها كعنصر من عناصر الإنتاج، ثم من حيث موقف الاتجاهات التشريعية و الاقتصادية من ملكيتها و حيازتها، و ذلك لما يترتب على هذه المسائل و نحوها من أهمية و أثر في كثير من موضوعات الكتاب.

و عليه رأينا أن نعقد مسائل هذا الباب- و الذي أسميناه بالباب التمهيدي- في فصول ثلاثة كما يلي:

الفصل الأول المدلولات الاصطلاحية لكلمة الأرض

تعطى كلمة الأرض عند إطلاقها مداليل اصطلاحية مختلفة من الممكن أن نلتمسها في المجالات التالية:

في اللغة (1):

الأرض في اللغة اسم جنس يدل على التأنيث، كان من حق الواحد منه أن يقال له (أرضه) و لكنه لم يرد، و قد وضعوا لجمعها عدة صور قياسية‌

____________

(1). راجع في مادة الأرض كلا من:

ابن منظور في لسان العرب، الفيروزآبادي في القاموس المحيط، الواسطي في تاج العروس، و الفيومي في المصباح المنير، ابن زكريا في متن اللغة، و المعجم الوسيط، إخراج مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

و راجع أيضا ابن عقيل ص 24، و الغلاييني في جامع الدروس العربية- 2/ 22.

16

و غير قياسية و من بينها (1): أرضون (بالفتح و قيل بالسكون أيضا) و أروض، و آراض، و أرضات. أما «الأراضي»- و هو الجمع الشائع حديثا- فإنّه في المشهور أيضا ليس بقياسي، لكونه- فيما يقال- أنسب بجمع كلمة «ارض» منه بكلمة «أرض». حتى لقد صرح البعض- كما في المسالك (2) و في الحواشي المنسوبة إلى الشهيد الأول (3)- أن جمع الأرض على الأراضي غلط، و لكن هذا تصريح من الفقهاء و لم نجد له أصلا و مستندا في اللغة.

هذا و لم تجي‌ء كلمة الأرض في القرآن الكريم مجموعة (4) بأية صورة من صور الجمع المذكورة.

أما مدلولاتها في اللغة فمن أبرزها في حدود تتبعنا ما يلي:

(1) الكوكب أو ما بمعناه الذي يعيش الإنسان على سطحه.

(2) القشرة السطحية التي تغلف هذا الكوكب و التي ينبت منها النبات.

(3) كل ما ولى الأرض من الأشياء، فالجزء الواطئ من قوائم الدابة، و ما أصاب الأرض من النعل، كل ذلك و نحوه يقال له أرض عند أهل اللغة (5)

في القرآن:

وردت كلمة الأرض في القرآن الكريم في أكثر من أربعمائة موضع، و قد أمكن استخراج المفاهيم الأربعة التالية منها و هي:

____________

(1). انظر حاشية إحكام الأحكام لابن دقيق- 3/ 226.

(2). زين الدين العاملي: باب إحياء الموات.

(3). راجع العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 3 و بحر العلوم في بلغة الفقيه- 46.

(4). ابن زكريا في مقاييس اللغة: مادة أرض. و انظر أيضا معاجم الألفاظ القرآنية المختلفة.

(5). هذا و جاء في المصطلحات القديمة المنسوبة إلى العرب قبل الإسلام مضافا إلى الاصطلاح الخاص بالكوكب المتفق عليه بين جميع اللغات مصطلحات أخرى لا حاجة بنا هنا إلى الإطالة في عرضها. راجع جواد على في العرب قبل الإسلام 8/ 218- 220.

17

1- الكوكب الذي يعيش الإنسان على سطحه، و هذا أكثر المعاني ورودا في القرآن الكريم، و بخاصة ما يصرح منها بالمقابلة بين الأرض و السماء مثل «اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ» (1).

و «لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» (2). و هذا الاصطلاح- و قد مر- خاص بالفلكيين و نظرائهم من علماء الطبيعة و ليس هو مورد بحثنا.

2- الجزء أو الجانب من الأرض معين أو من غير تعيين كما في قوله تعالى «وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (3). «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» (4).

3- مطلق السطح أو الحيز من المكان. لا فرق بين كون هذا الحيز أو المكان على كوكبنا الأرضى أو على أى كوكب أو مكان آخر، كما في قوله تعالى «وَ قٰالُوا الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي صَدَقَنٰا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشٰاءُ» (5). و يقصد بالأرض هنا كما يذكر المفسرون (6) سطح الجنة أو حيزا منها.

4- الطبقة السطحية المعروفة بالتربة و هي التي ينبت منها النبات، كقوله تعالى «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا» (7).

و يقصد (بأرضهم) المزارع التي كانت عائدة إلى بني قريظة و التي استولى الرسول (صلى اللّه عليه و آله عليها) في ضمن ما استولى عليه من أموالهم و ممتلكاتهم‌

____________

(1). السجدة- 3.

(2). الزمر- 46.

(3). لقمان- 34، و انظر: ابن العربي في أحكام القرآن: 728- 729.

(4). يوسف- 9.

(5). الزمر- 74.

(6). الطوسي في التبيان- 2/ 526، و الطبرسي في مجمع البيان- 8/ 511.

(7). الأحزاب- 27.

18

الخاصة (1)، و قوله «وَ اللّٰهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَسُقْنٰاهُ إِلىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا» (2).

في السنة:

و في السنة كذلك وردت بعض تلكم المصطلحات، و منها الاصطلاح الخاص بكر كبنا الأراضي، و الآخر الخاص بالقشرة السطحية منه، و نحوها من المدلولات المذكورة، و لكن يبدو أن للسنة في باب الإحياء خاصة اصطلاحا معينا هو الاصطلاح السابق الدال على الطبقة السطحية التي تغلف الكرة الأرضية و التي ينبت النبات فيها، دون محتوياتها أو ملحقاتها، و ذلك بدلالة بعض المرويات، و منها ما ورد عن أبي عكرمة قال: «أقطع رسول اللّه بلالا أرض كذا من مكان كذا إلى كذا، و ما كان فيها من حبل أو معدن، قال: فباع بنو بلال من عمر بن عبد العزيز أرضا فخرج فيها معدنان، فقالوا:

إنما بعناك أرض حرث و لم نبعك المعدن» (3).

و منها الرواية الواردة عن محمد بن الحسن الصفار عن الإمام العسكري يقول: «كتبت إلى أبى محمد (ص) في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة، و فيها زرع و نخل و غيرهما من الشجر، و لم يذكر النخل و لا الزرع و لا الشجر في كتابه، و ذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها و الخارجة منها أ يدخل النحل و الأشجار و الزرع في حقوق الأرض أم لا؟ فوقع (عليه السلام): إذا ابتاع الأرض بحدودها و ما أغلق عليه بابها فله جميع ما فيها» (4).

____________

(1). الطوسي، المصدر السابق- 2/ 446. الطبرسي، المصدر السابق- 8/ 351.

تفسير الفخر الرازي- 25/ 205. تفسير شبر- 4.

(2). فاطر- 9.

(3). أبو عبيد في الأموال- 338.

(4). الطوسي في التهذيب- 7/ 155.

19

و هذا الخبر بمفهومه يدل على خروج الملحقات المذكورة و نحوها من المنشآت عن مدلول كلمة الأرض، أما الحقوق (المسئول عنها)، و هي المرتفقات في الاصطلاح الحديث كمجرى الماء و المر و نظرائها- كما فهمه الحلي في التذكرة خلافا للطوسي و الشافعي (1)، فإنها مسكوت عنها في الجواب حسبما استفاده الحلي و نستفيده أيضا من هذا الحديث. يقول الحلي (2): «فهذا الخبر صحيح لا ريب فيه، إنما المشكل صورة النزاع فإنه فرق بين أن يبيع الأرض بحقوقها و هو المتنازع، و بين أن يبيعها بما يغلق عليها بابها الذي هو الجواب، فإن الشجر و البناء و الزرع و البذر و أصل البقل يدخل في الصورة الثانية، و كذا لو قال: بعتك الأرض بما فيها أو ما اشتملت عليه حدودها.

أما في الفقه:

فيظهر، مضافا إلى ذلك، من كلمات بعض الفقهاء، و من بينهم فريق من الإمامية (3) و المالكية (4): أن كلمة الأرض لا تتناول في مدلولها أكثر من غلافها الخارجي أو أديمها المعروف بالتربة (5)، فلا تتناول مثلا الكنوز‌

____________

(1). التذكرة، كتاب البيع 8/ 128- 129 ط النجف.

(2). نفسه- 8/ 129.

(3). العاملي، مفتاح الكرامة- 7/ 48.

(4). الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية: 49- 50. و قال القرافي في (الفروق 4/ 15- 16): «و أما ما تحت الأبنية ظاهر المذهب- أي المالكي- أنه مخالف لحكم الأبنية على العكس مما فوق البناء من الهواء. فإنه موافق لحكم الأبنية، فهواء الوقف وقف و هواء الموات موات.».

(5). و لذلك فرق الشهيد الثاني في المسالك (انظر الجواهر/ كتاب التجارة) بين الحجارة و المعادن فقال: إن الأقوى دخول الحجارة دون المعادن، لأن الحجارة من الأجزاء بخلاف المعادن الخارجة عن الحقيقة و الطبيعة.

بل إن الحلي في (التذكرة 8/ 132- 133) فرق بين الأحجار نفسها. بين المخلوقة في الأرض فتدخل في بيع الأرض مع الإطلاق لأنها من جملتها، و بين غير المخلوقة فيها و هي المودعة و المدفونة للنقل، فلا تدخل في البيع مع الإطلاق لأنها بمنزلة الكنوز في الدار، و به قال الشافعي أيضا (انظر الأم- 2/ 40).

هذا و قد وضعت التشريعات الحديثة أنظمة و قوانين خاصة في المحاجر كما في المعادن جعلت أمر التصرف فيها و في نظائرها من العناصر الأولية منوطا بالدولة على اعتبارها من أموالها الخاصة.

راجع: قانون المعادن و المقالع الحجرية العراقي رقم 66 لسنة 1962، و قانون المهاجم و المحاجر المصري رقم 86 لسنة 1956، و الدستور العراقي المؤنث لسنة 1962 المادة 14.

و نحوه من الدساتير التي نصت على ملكية الدولة للثروات الطبيعية عموما.

20

و لا المعادن أو نحوها من العناصر و الثروات الطبيعية الموجودة داخلها على اعتبار أن هذه الأشياء ليست جزءا من الأرض و لا متولدة عنها (1)، و لذلك رتب عليه البعض- كما سيأتي- القول بعدم شمول أدلة الإحياء المختلفة للمعادن و نحوها في إمكانية ورود الحقوق الخاصة عليها (2).

و أعطى- في مقابل ذلك- البعض الآخر من الفقهاء لكلمة الأرض مدلولا أكثر شمولا. يتناول فيما يتناول من الأشياء- مضافا إلى التربة نفسها- المعادن الموجودة فيها كما يتناول الملحقات المنشأة عليها أو المغروسة فيها.

فجعل بعض الإمامية (3)، كما جعل الأحناف (4) و الشافعية (5) و الحنابلة (6) تلك المعادن مشمولة بكلمة الأرض على اعتبارها في رأيهم جزءا من أجزاء الأرض و ثمرة من ثمراتها الذاتية، و لذلك يلزم أن تتبع في الحكم قطعة الأرض التي تحتويها.

____________

(1). العاملي، مفتاح الكرامة- 7/ 48. و انظر: الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية- 49.

(2). راجع: جواهر الكلام/ باب إحياء الموات. مفتاح الكرامة- 7/ 30.

توضيح الكلام (خطي) بالنسبة إلى رأي الإمامية.

و راجع أبا زهرة، الملكية و نظرية العقد- 123 بالنسبة إلى ما نقله عن رأي المالكية في الموضوع.

(3). التذكرة- 8/ 140، جواهر الكلام/ كتاب التجارة. توضيح الكلام (خطي)

(4). الخفيف في المصدر السابق- 50. ابن عابدين- 2/ 62.

(5). نفسه. و الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 148. و التذكرة- 8/ 140.

(6). عن الخفيف. 50.

21

و جعل الإمام الشافعي مضافا إلى ذلك: كل ما هو ثابت الأصل من الأبنية و المغروسات و نحوها من الملحقات المخلوقة في الأرض أو المتصلة بها اتصال قرار (1) تابعة في المدلول لمسمى الأرض عند ما تجري معاملة البيع عليها مع الإطلاق (2).

رأينا:

أما نحن فنرى أن كلمة الأرض الواردة في النصوص الخاصة بالإحياء و نحوها كقوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، لا تتناول أكثر من أديمها أو تربتها، فلا تتناول المعادن و الكنوز (3) و لا المغروسات و الأبنية، و ذلك لعدم وجود نص أو دليل على دخول هذه الأشياء في عنوان كلمة الأرض، بل على العكس فهناك ما يدل على انتفاء دخولها و خاصة فيما‌

____________

(1). الشافعي، الأم- 3/ 40. التذكرة- 8/ 127.

و إليه أيضا ذهبت بعض الاتجاهات القانونية الحديثة فقالوا- خلافا لبعضهم-:

«إن الأرض تشمل كل ما تحت سطحها كالمعادن و سائر الطبقات و ما علاها كالأشجار و المباني» راجع السنهوري في الوسيط- 8/ 20. و مرسى في الملكية و الحقوق العينية- 1/ 30.

كما ذهبت إليه بعض الاتجاهات الاقتصادية المعاصرة «انظر الدكتور عمر حسين في موسوعة المصطلحات الاقتصادية- 184». بل ذهب قسم من هذه الاتجاهات إلى أبعد من ذلك. إلى جعل الأرض اقتصاديا تشمل: «جميع المصادر الدائمة المنافع سواء توافرت هذه المنافع في الأرض- كما يقصد بهذا الاصطلاح عادة- أو في البحار و الأنهار أو في ضوء الشمس و المطر أو في الرياح و مساقط المياه» انظر: الفرد مارشال في أصول الاقتصاد 1/ 216- 217.

و لكنهم استدركوا على لسان الفرد مارشال قولهم: «و مع ذلك فإننا عند ما نتحدث عن إنتاجية الأرض فإن تفكيرنا يتجه أولا و قبل كل شي‌ء إلى استعمالاتها الزراعية» المصدر السابق- 1/ 217. و انظر أيضا: بيرنز و جماعته في علم الاقتصاد الحديث ترجمة الدجانى و صاحبه- 1/ 82. و مطر في التحليل الاقتصادى- 2/ 8.

(2). هذا و جعل البعض من جملة الأحكام الواردة في قوله (ص): «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين»: هو أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ثابتة و أبنية و معادن و غير ذلك و أن له أن ينزل بالحفر ما شاء. انظر إحكام الأحكام- 3/ 227 الحاشية

(3). انظر بالنسبة إلى الكنوز في عدم تبعيتها إلى الأرض: ابن عابدين- 2/ 62، و المظفر في شرح القواعد/ كتاب الخمس (خطي).

22

يتعلق بالمعادن، كما رأينا في الحديث السابق المروي عن أبي عكرمة و الآخر المروي عن محمد بن الحسن الصفار.

غير أنه يمكن من وجه القول بجعل تبعية بعض تلك الأشياء إلى الأرض تبعية حكمية و تنزيلية، و هو ما يظهر فعلا من فحوى كلام الإمام الشافعي المذكور في حكم تبعية الملحقات إلى الأرض عند بيعها، بدليل أن الشافعي نفسه في فرق مكان آخر بين بيع الأرض و رهنها (1)، فذهب إلى القول بدخول الملحقات في الأول دون الثاني، و إلا- أي لو كانت هذه الملحقات داخلة أصالة في مسمى الأرض- لما كان هناك من فرق عنده بين الرهن و البيع مع الإطلاق (2).

و من أجل ذلك- أى من أجل عدم اتساع كلمة الأرض لأكثر من أديمها و تربتها- حكم البعض من الفقهاء بعدم إلحاق معادن الأرض العامرة المفتوحة عنوة و المملوكة للمجموع بهذه الأراضي في الحكم، على اعتبار أن المعادن، هي شي‌ء آخر، ليس من حقيقة و طبيعة الأرض ذاتها (3)

____________

(1). التذكرة- 8/ 127، 128.

(2). و هذه التبعية في الملحقات هي قريبة الشبه بما ذكر حديثا في القوانين المدنية من تبعية بعض المنقولات إلى عقاراتها في الحكم مع كونها خارجة حقيقة و طبيعة عن مفهوم و أصل العقار.

حيث قسموا هذا العقار إلى (عقار بالطبيعة) ليشمل الأبنية ذاتها و ملحقاتها من الأشياء المتصلة بالأرض اتصال قرار، و إلى (عقار بالتخصيص) ليشمل المنقولات المرصودة لخدمة العقار كالآلات الزراعية التي خصصها صاحب الأرض للاستعانة بها على زراعة أرضه.

للاحاطة بذلك انظر: السنهوري في الوسيط- 8/ 19، 29، و شاكر ناصر في الوجيز 10- 18. و المواد 62، 63 من القانون المدني العراقي و 82 من القانون المدني المصري و القانون المدني الليبي، و 84 من المدني السوري، و المواد 1- 3 من قانون الملكية العقارية اللبناني، و 516- 535 من القانون المدني الفرنسى.

(3). راجع: مفتاح الكرامة- 7/ 48. الجواهر/ كتاب الخمس. العروة الوثقى.

- 2/ 66. مستمسك العروة الوثقى- 6/ 57. و راجع أيضا الملكية و نظرية العقد في الشريعة- 127، و اقتصادنا- 2/ 124.

23

و من أجله أيضا وضع جمهور الفقهاء (إحياء الموات) عنوانا للأراضي و المعادن و بعض المنافع و المرافق العامة- كما مر في التوطئة- بدلا من عنوان (إحياء الأراضي الموات) لقصور هذا العنوان الأخير عن استيعاب تلك الموضوعات التي يراد الحديث عنها في هذا الباب.

و من كل هذا نريد أن نخلص إلى أن ما أوردناه و ما سنورده من نصوص خاصة بموضوع إحياء الأراضي الموات لا ينهض الاستدلال بها- فيما نرى- على غير الأراضي نفسها من المعادن و الكنوز و نحوها.

فليكن ذلك منهجنا و ذلك قصدنا. و نحن لا نزال في البداية نتحسس طريقنا نحو صميم موضوع الكتاب.

24

الفصل الثاني أهمية الأرض بالنسبة إلى غيرها من مصادر الإنتاج

تثير الأرض باعتبارها موئلا، و باعتبارها مصدرا من مصادر الإنتاج، اهتماما خاصا لدى بعض المعنيين بالدراسات الاقتصادية و التشريعية، و لدى غيرهم من المعنيين بالقضايا السياسية أيضا، و ذلك لأنها- أي الأرض- ترتبط من جهة بسيادة كل دولة من الدول التي تحكم فيها، و لأنها تمثل- من جهة أخرى- أهم قطاع اقترن بتاريخها و امتزج بجهود و طاقات سكانها عبر الأجيال. و من هنا كانت كل محاولة لاقتطاع أى جزء، و لو يسير من أراضي الدولة مدعاة لإثارة حرب أو حدوث مشكلة دولية (1) من أجله.

و تعبيرا عن ذلك و عن الأهمية التي أولتها للأرض تلك الدراسات و بخاصة التشريعية منها، فقد فرضت الأنظمة و القوانين الوضعية- كما سنرى- حظرا مطلقا أو نسبيا على الأجانب في تملك الأموال غير المنقولة، كما فرضت الشريعة الإسلامية مثل هذا الحظر على الحربيين (2) الذين هم من الفئات الأجنبية بالنسبة إلى الدولة الإسلامية.

____________

(1). و قد فطن المستعمرون المتأخرون إلى ذلك، و إلى ما تثيره الأرض من منازعات و مشاكل بسبب حيازتها، فعمدوا- و هم في فترة سيطرتهم على بعض الدول و الأقاليم المغلوب على أمرها- إلى ضم بعض أجزائها إلى دولة أو إقليم آخر لا يستحقها، أو إلى ترك بعض هذه الأجزاء و بخاصة ما يقع منها على الحدود غير مبتوت في أمر عائديتها. ليجعلوا من ذلك مصدرا من مصادر القلق و المساومة في تلك المناطق كلما وجدوا عندها منزعا إلى السيادة أو التحرر، و خير مثل على ذلك قضية كشمير بين الهند و الباكستان، و قضية قبرص بين تركيا و اليونان، و قضايا بنزرت، و ماليزيا، و بيافرا، و قضايا الحدود بين كثير من الدول المتجاورة.

(2). سيأتينا في بحث «مركز الأشخاص المنتمين إلى الدولة الإسلامية» بيان الحكم في حق هؤلاء الحربيين و نحوهم من الأجانب بحيازة الأراضي و العقارات الواقعة في الديار الإسلامية بنحو من التفصيل.

25

و تعبيرا عن ذلك أيضا فقد وجدنا الكثير من الدول ذات الأنظمة الاقتصادية الموجهة قد عمدت إلى إلغاء الملكية الفردية في الأرض، أو التدخل في تنظيم ملكيتها بالشكل الذي يكفل معه الحفاظ و السيطرة على هذا القطاع الحيوى من المصادر الإنتاجية.

هذا، و في رأينا أن أبرز الخصائص التي أكسبت الأراضي مثل تلك الأهمية لدى التشريعات و الدول المخالفة- و التي يجدر بنا في هذه المرحلة من البحث الإحاطة بها- هي (الخصائص) التالية (1):

1- كون الأرض من حيث المساحة ثابتة العرض- و نعني به المقدار- بخلاف عناصر الإنتاج الأخرى التي تخضع للزيادة و النقصان في العادة.

غير إننا لو أخذنا الأرض بمعناها الاصطلاحي المار و هو (الخاص بالتربة الزراعية)، فإن هذه الخاصية- و هي جمود عرض الأرض- سوف لا تبدو واضحة أو حقيقية إلى ذلك الحد، و ذلك بفعل عوامل التعربة أو التحات، و طغيان المياه على بعض السواحل أو انحسارها عنها. و بفعل الإحياء‌

____________

(1). استخلصنا هذه الخصائص للأرض من مراجعاتنا للمصادر التالية:

- الفرد مارشال في أصول الاقتصاد- 1/ 216- 217.

- بيرنز في علم الاقتصاد الحديث- 1/ 536.

- هارى بكمان و نبيل برادي في طبيعة الأرض و خصوبتها 1- 4.

- روث مور، ترجمة إسماعيل حقي في الأرض التي نعيش عليها- 18، 75.

- محمد عزيز، مذكرات في الاقتصاد الاجتماعى- 56.

- الداهرى في التحليل الاقتصادى لعمليات الإنتاج- 2/ 165 الذي نقل الخصائص بالنص من الكتاب السابق دون أن يشير إلى مرجعه فيها.

- العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 54.

- البوطى في المذهب الاقتصادى بين الشيوعية و الإسلام 69- 70.

- إسماعيل محمد هاشم في أساسيات الاقتصاد التحليلي 2/ 208- 221.

26

أو إجهاد التربة و استنزاف حصوبتها و مركباتها الطبيعية، فكل هذا و نحوه لا بد أن يؤثر بشكل أو بآخر على مقدار الأراضي الزراعية زيادة أو نقصا بخلاف تأثيره على مجموع الأراضي فإنه يكاد يكون منتقيا أو نادرا إلى حين بعيد.

و إذا ما فهمنا من عرض الأرض: عرض الإنتاج لا عرض المساحة- كما فهمه فعلا فريق من الاقتصاد بين (1)- فإن هذه الخاصية تفقد مدلولها، لأن إنتاج الأرض قابل للتغيير بشكل مرن من حيث قابلية الإنسان على أن يتحكم في صفات التربة و درجة خصوبتها، و ذلك بتحكمه في الشروط اللازم توافرها لتحقيق الخصوبة. و هي الشروط الميكانيكية و الكيمياوية في التربة.

2- إن العلاقات الهندسية بين كل جزء و آخر من الأرض ثابتة لا تتعرض للتغيير، كما إن مساحتها تحدد الأبعاد بين الإنسان و الأشياء المختلفة و بينه و بين غيره من الأشخاص، و ذلك لعدم قابلية أجزائها على الانتقال و تغيير مواقعها من مكان لآخر.

3- إنها تحكم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية التي تقوم بين الأشخاص مع بعضهم كأفراد أو مجموعات، و هذه الخاصة هي التي دفعت في الحقيقة الاقتصاديين مؤخرا إلى التفرقة بين الأرض و بين غيرها من عناصر الإنتاج. هذه التفرقة التي أضحت أساسا لأشد الموضوعات صعوبة و أكثرها طرافة و جدة في علوم الاقتصاد- كما يقال.

4- إن الأرض لا تحتاج إلى نفقة و تكلفة إنتاج لأنها من القوى الأصلية الثابتة في الطبيعة، و لذلك، لم؟ نعد؟ تعد في الأموال الخاصة التي دخلتها يد الصنعة باعتبارها شيئا طبيعيا و جد قبل وجود الأشخاص فوقها و قبل تبلور نشاطهم و طاقاتهم إلى إنتاج.

____________

(1). بيرنز، المصدر السابق- 1/ 536.

27

5- و أخيرا فإن الأرض تعتبر- كما هو واضح- مصدرا لأهم حاجة للأحياء، و هو الغذاء، بالإضافة إلى كونها مصدرا أصيلا للمواد الخام التي تستهلكها الصناعات المتنوعة.

هذا و من غير شك أن هذه الخصائص و أمثالها التي أكسبت الأرض، كما رأينا، أهميتها المذكورة هي التي أعطت كما يقول البعض من الباحثين (1)- ان يسيطر عليها مزايا اقتصادية و اجتماعية و سياسية واسعة.

الأمر الذي برر للحكومات التدخل في تنظيم ملكيتها و السيطرة عليها، كما أنها هي التي جعلت الجماعات البشرية يتعلقون بالأرض التي ينشأون عليها تعلقا خاصا في مختلف الأزمان. ثم هي التي حدت بنا أخيرا إلى اختيار هذا الموضوع الذي يبحث في قسم من الأراضي هو القسم الذي قدر له العطل و الهجران فلم تتناوله يد الإنسان بالإحياء و بالإبداع.

____________

(1). العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 54.

28

الفصل الثالث ملكية الأرض

المبحث الأول الاتجاهات الاقتصادية و التشريعية غير الإسلامية من ملكية الأرض

اتجه الباحثون من قدماء و محدثين من فكره ملكية الأرض أو فكره أحقية الأفراد كأفراد في الأراضي التي يضعون أيديهم عليها: اتجاهات مختلفة من الممكن توزيعها إلى أربع مجموعات من الآراء كما يلي:

1- ملكية اللّه للأرض:

يتجه البعض إلى الاعتقاد بأن الأرض كعنصر من عناصر الإنتاج هي ملك أو حق مجرد للّه تعالى، و أن حق الإنسان فيها لا يتعدى حدود حق المستفيد أو المستأجر. بمعنى إن هذه الأرض التي يضع الإنسان يده عليها ليس له حق في شي‌ء من حيازتها و ملكيتها، و بالتالى ليس له من محاصيلها و ثمارها، سوى المقدار الذي يفرضه واقعة كعامل أو منتفع لا كمالك أو صاحب اختصاص فيها.

و لما كانت الملكية في السابق- كما يصورونها- سلطة إلهية أو حقا مستمدا من الآلهة ساد الاعتقاد لدى فريق من الناس في القديم أن تلك‌

29

الأراضي التي هي حق أو مجرد للّه تعالى لا بد أن يعود أمر التصرف فيها و استغلالها إلى الأباطرة و الملوك المفوضين بتلك السلطة و التي نشأت منها فكره (التفويض الإلهي) المعروفة.

و لذلك فقد استغل هؤلاء الملوك و الأباطرة تلك الفكرة من الأرض- التي كان لهم ضلع كبير في نشوئها- حقبة من الزمن، حتى أصبحت الأراضي في معظم الممالك و الأقاليم القديمة ملكا لهم (1)، و ليس للأفراد العاملين و الكادحين فيها سوى حق الانتفاع. و من ذلك ما قيل (2): إن ملك الفراعنة كان متملكا لكل جزء من الأراضي التي تقع تحت نفوذه و سلطانه، و إن مصر في ذلك العهد- عهد الفراعنة كانت مقسمة إلى مقاطعات Nomes لا يزيد حق سكانها أو مستثمريها على حق الانتفاع، لأن الرقبة كانت ملكا لفرعون خاصة (3)، يقول أحدهم و هو يخاطب المصريين آنذاك-: «إنكم و أراضيكم ملك لفرعون» (4):

و كان مما قاله Practon كبير المشترعين اليهود في القرن السادس عشر الميلادى و هو يوضح هذا الواقع الذي عاشه أبناء طائفته في تلك الحقبة و ما قبلها: «ليس من حق اليهودي أن يكون له ملك خاص لأن ما يحصل عليه أيا كان نوعه لا يحصل عليه لنفسه بل للملك» (5).

هذا، و الظاهر أن تلك الفكرة عن الأرض هي- في أكثرها- نابعة من تلك القداسة التي أضفاها فريق من الناس على الأرض بشكل خاص.

و منهم مسيحيو العصور الوسطى الذين اعتبروها موطن المسيح و غلاف‌

____________

(1). الحنبلي، أحكام الأراضي- 21.

(2). ديورانت، قصة الحضارة- 2/ 82.

(3). السنهوري، الوسيط- 8/ 485.

(4). محمد صبيح، قصة الأرض في إقليم مصر- 10.

(5). ديورانت- 14/ 59.

30

الجحيم (1) فيما ينقل من أفكارهم و تعابيرهم.

2- الملكية الخاصة للأرض:

و تجعل هذه (المجموعة الثانية) من الآراء- فيما تعطيه كلماتهم- الملكية الخاصة للأرض، و نحوها من الأشياء، هي أساس النظام الاقتصادى في المجتمع الأفضل، كما تعد كل إجراء في تحديد ذلك أو الغاية انتهاكا لحرية الفرد و خروجا عن طبيعته و نزرعه الفطري إلى التملك و حب الحيازة و السيطرة.

و يعتقد أن هذا النوع من الملكية كان قد ساد بعد فترة تذبذب كثيرا من المجتمعات الحضارية الأولى التي دوّنها و أفاض في ذكرها التأريخ، حتى أصبح ذلك نظاما أصيلا (2) في كيانها الاقتصادى و الاجتماعى.

فقد نص مثلا قانون حمورابى (2123- 2081 ق. م) الذي كان يعكس وجها من وجوه الحضارة البابلية. نص في إحدى موادة على أن الملكية الخاصة في بابل هي أمر مسلم به في العقارات كما هو في المنقولات (3).

و أعطت النظم الفارسية القديمة الحرية المطلقة للأفراد في امتلاك الأراضي و تأجيرها، كما أعطتهم الحق في تأليف جماعات زراعية تعاونية لتقوم بزراعة مساحات واسعة من أراضيهم (4)، مما يؤكد أو يدل على سيادة نظام الملكية الخاصة في تلك المجتمعات.

____________

(1). نفسه- 1/ 36.

(2). العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 68.

(3). ديورانت- 2/ 209، كما ذكر في مقابل ذلك أن كل عشيرة كمجموعة قائمة بذاتها في بابل، كانت تملك مساحة من الأرض ملكية جماعية شائعة بين أفرادها (العلوان- 66).

(4). ديورانت- 2/ 412.

31

أما في اليونان فقد توطد نظام الملكية الفردية بشكل واضح، بعد أن انحسر نظام الملكية الجماعية الذي كان متمثلا عندهم بالعشيرة، الأمر الذي أصبح معه سائر الفلاحين مالكين للأراضي التي يعتملونها، و إن لم يسمح لغير المواطنين الأصليين بامتلاكها (1).

و في روما القديمة قامت كذلك الملكية الفردية كأساس لنظامها الاقتصادى، و كان نطاقها في عهد الجمهورية الباكر يتراوح بين الفدانين و الثلاثة للأسرة الزراعية الواحدة (2)، غير أنها توسعت في حين آخر فبلغت ضياع بعضهم حدا يستحيل معه عليهم أن يطوفوا حولها راكبين- على حد قول كالوملا- الأمر الذي أدى إلى خراب إيطاليا (3).

بيد أنه قامت إلى جانب ذلك بعض الملكيات العامة التي استولت عليها الدولة الرومانية عن طريق الفتح و الغلبة و احتفظت لنفسها بملكيتها (4) حتى نهاية ما يسمى بالعصر العلمي، و كان يطلق على هذا النوع من الملكية الأراضي الإقليمية (5).

و هكذا ظلت الملكية الفردية هذه أساسا اقتصاديا و اجتماعيا لما تلا‌

____________

(1). نفسه- 7/ 44. غير أن أفلاطون المفكر اليوناني المعروف دفعه الإحساس- خلافا لما كان يسود مجتمعة- بالخطر الذي ينشب عادة من التمييز بين ما يخص هذا الشخص و ذاك: إلى نبذ نكرة الملكية الخاصة (هارولد لا سكى في الحقوق و المساواة و الملكية- 146).

(2). ديورانت- 9/ 128.

(3). نفسه- 10/ 210.

(4). نفسه 9/ 150.

(5). الشريف في القانون الروماني- 217. و كان هذا النوع من الملكية يقع في الأقاليم و الولايات التابعة و الخاضعة إلى روما، حيث لم يكن للفرد في هذه المستعمرات و الأقاليم أكثر من حق الانتفاع بالأرض. و يدفع الفرد عادة نظير هذا الانتفاع ضريبة عقارية (انظر البدراوى في أصول القانون المدني المقارن 46- 47).

32

ذلك من أنظمة و حضارات، و لا سيما تلك التي قامت في العصور الوسطى، و التي تميزت بطغيان الإفطاع.

أما أبرز ما يمثل هذا الاتجاه من النظم و الأفكار الاقتصادية و السياسية المعاصرة فهو النظام المعروف ب‍ (النظام الرأسمالي) الذي ذهب إلى المغالاة في إطلاق الحرية الفردية بالتملك و الحيازة سواء في مجال الإنتاج أو في مجال الاستهلاك، كما شدد من نزع هذه الملكية ما لم تقض الضرورة القصوى بذلك، و لكن بعد دفع التعويضات العالية (1).

و تأكيدا أو تأييدا لذلك الاتجاه الحر في الملكية جاء ما يسمى ب‍ (إعلان حقوق الإنسان و المواطن) الصادر سنة 1789 إثر قيام الثورة الفرنسية المعروفة ليصف في مادته الثانية (التملك) بأنه من جملة حقوق الإنسان الطبيعية التي يحرم انتهاكها، و ليصف في مادته 17 (الملكية الخاصة) بأنها: «حق مقدس غير قابل للنقض» (2).

أما من بين القوانين التي أخذت بفكرة الملكية الخاصة و أعطنها صفتها المطلقة فهي القانون المدني الفرنسي في المادة (554)، و القانون المدني المصري القديم الذي عرف الملكية بأنها: «الحق للمالك في الانتفاع بما يملكه و التصرف فيه بطريقة مطلقة» المادة 11/ 27، و غيرهما من القوانين.

التبريرات:

هذا و من أبرز التبريرات أو التوجيهات التي جاءت في هذا الصدد، لدعم موقف هؤلاء القائلين بالملكية الخاصة في الأرض و نحوها: ما ذكره القديس تؤما‌

____________

(1). جلال يحيى، التخلف و الاشتراكية في العالم العربي- 193.

(2). انظر: الناهي، حق الملكية في ذاته- 20.

33

الأكوينى- و هو يلخص موقف أصحابه من رجال الكنيسة المسيحية و متكلميها من حق الملكية الخاصة في الأرض (1)-: إن أساس هذا الحق هو الأشياء الموجودة في الطبيعة من أرض و نحوها تضم عادة في أصولها منافع كامنة، و إذا ما أريد لهذه المنافع أن تبرز إلى عالم الوجود فإن ذلك في الواقع لا يتم بغير العمل و الجهد الذي ينهض به الإنسان. الإنسان الذي حبته الطبيعة الإرادة و حسن التصرف، و لذلك يكون للفرد الذي قام بإبراز تلك المنافع من مكامنها الحق وحده في ملكية أصولها من أرض و نحوها (2).

و من التبريرات الأخرى لذلك ما ذكره الفيزيوقراطيون الذين ظهروا في أواسط القرن الثامن عشر قبيل الثورة الفرنسية: بأن الملكية الفردية في الأرض أمر تدعو إليه الضرورة الاجتماعية و الاقتصادية (3). إذ لو لا هذا الدافع الذاتي الذي يبعث الإنسان على العمل و الإنتاج لأدى ذلك إلى تعطيل الأرض و هجرانها و بالتالى حرمان المجتمع من أهم موارده الاقتصادية، كما ذكروا (4) بأن الأرض هي العامل الوحيد للإنتاج و أن الزراعة هي العمل الوحيد المنتج، و لاعتقادهم ذلك برروا إقرارهم للإقطاعي بنصيبه في (صافي إنتاج الأرض).

لقد ظلت هذه الحجج و التبريرات التي جاء بها هؤلاء الفيزيوقراطيون (الطبيعيون) لحقبة من الزمن مستندا في الواقع للاقتصاديين في الدفاع عن الملكية الفردية للأراضي (5).

____________

(1). نفسه 157- 159.

(2). و هناك من يرى أن المسيحية تعتبر ملكية الأرض و الرقيق من المعاصي التي لا بد أن تؤدى الى عقاب نازل من اللّه تعالى (راجع الحسيني في الملكية و الإسلام- 5).

(3). فؤاد دهمان، محاضرات في المذاهب الاقتصادية الكبرى- 59.

(4). كول، الاقتصاد الاشتراكى- 16.

(5). فؤاد دهمان- 59.

34

و من ذلك أيضا ما أشار إليه الاقتصادى المعروف دو لا منيه DeLamenais (1782- 1854) في رده على رأى كأبيه و أتباعه من الإيكاريين الذين نادوا بمشاعية الملكية في الأرض: بأن الحرية الإنسانية لا يمكن أن تستكمل مهمتها إلا في ظل نظام الملكية الفردية. لذلك فالضرورة تقضى بالأخذ بهذا النظام، ثم أنكر بقوله «إن ما هو ملك لكل إنسان ليس ملكا على الإطلاق». أنكر أن تكون ما يسمى بالملكية المشاعة ملكا و اختصاصا في واقع الحال (1).

3- الملكية المشاعة في الأرض:

و هناك مجموعة ثالثة من تلك الاتجاهات ترى أن الأرض لما كانت مصدرا إنتاجيا بطبيعته، حيث لم يتدخل أى مجهود أنساني في تكوينه و إيجاده، فلا مسوغ لأن تصبح هذه الأرض منالا للملكية الفردية و للتصرفات الخاصة المطلقة عليها (2).

و عليه فالواقع يقضى بلزوم تطبيق مبدأ إشاعة الملكية فيها درءا من طغيان الأثرة و الاستغلال و تحاشيا من نشوء التفاوت الكبير في توزيع الثروات.

و يعتقد أن هذا المبدأ في إشاعة الملكية كان هو الأساس الذي قامت عليه علاقات الإنتاج في المجتمعات البدائية الأولى، بل إنه لم يكن هناك في مثل تلك المجتمعات أى مفهوم للملكية الفردية في الأرض و نحوها من‌

____________

(1). كول، رواد الفكر الاشتراكى: 290- 291.

و انظر أيضا: العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 80، و عزى إسلام في كتابه عن جون لوك: 208- 209. و نحوها لمعرفة التبريرات الأخرى في دعم القول بالملكية الخاصة في الأرض.

(2). الحسيني، الملكية في الإسلام- 33.

35

وسائل الإنتاج (1)، و حينما تدرج الإنسان إلى الحياة المدنية المستقرة و ظهرت تلك التنظيمات السياسية و الاجتماعية إزاءها طغى واقع و فكره الملكية الخاصة في الأرض و نحوها، و ظلت هذه الفكرة و هذا الواقع سائدين و مبررين ردحا واسعا من الزمن.

و لكنه عند ما عمد هذا الإنسان إلى الاستغلال و الأثرة بما تحت يده من تلك المصادر الإنتاجية، و ما تركه ذلك من آثار مريرة و سيئة في العلاقات و الحياة الاجتماعية العامة. ظهرت بعض الأفكار التي تدعو إلى شجب مثل هذا النوع من الاستغلال و ما يقوم عليه من فكره الملكية الفردية.

و كان من أبرز هذه الأفكار هي الأفكار الاشتراكية المتطرفة التي تبلورت و ظهرت حديثا و التي اشتهر بها عدد من الاقتصاديين و الباحثين المتأخرين، و ان اختلفوا مع بعضهم في مدى و شمول هذه الفكرة لبعض أو كل عناصر الثروة و وسائل الإنتاج.

و من بين هؤلاء أصحاب (اشتراكية رأس المال) و في مقدمتهم السان سيمونيون أتباع سان سيمون (1760- 1845) الذين دعوا إلى إلغاء الملكية الخاصة في الثروات الداخلة في حقل وسائل الإنتاج كالأراضي و المناجم، و الاحتفاظ بها بالنسبة إلى الثروات الداخلة في حقل عناصر الاستهلاك (2).

____________

(1). العلوان- 65، و لكن هناك من الباحثين من يدعى بأن الملكية الفردية هي الأخرى كانت موجودة عصرئذ و أنها صاحبت الإنسان في مختلف مراحل تقدمه و تطوره.

انظر:. 1950 M. Knight, Modern Economic History, Ockland, و لكن هذا الرأي غير ثابت و خاصة بالنسبة إلى الأراضي من وسائل الإنتاج.

(2). أحمد محمد إبراهيم في الاقتصاد السياسي- 79، و انظر (عبد مطر الوهاب في التحليل الاقتصادى لعمليات الإنتاج- 3/ 104) لمعرفة التبريرات التي أعطاها هؤلاء السان سيمونيون في قولهم بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

36

و من بينهم أيضا أصحاب فكره «الاشتراكية الزراعية» الذين قصروا تحريم الملكية الفردية على الأراضي الزراعية في حين أجازوها بالنسبة إلى العناصر و المصادر الأخرى (1)، و أصحاب «نظرية العمل» الذين مالوا إلى إلغاء الملكية الخاصة في الأراضي عموما لكونها موجودة بالطبيعة و لم يسهم أى نوع من العمل في إيجادها (2).

و من الاقتصاديين الآخرين الذين ذهبوا الى القول بالملكية المشاعة في الأرض هو فرانسيس براى Bray (1809- 1895) حيث حرم بشكل مطلق ملكية الأرض لأي فرد مهما كانت درجة خدمته و اتصاله بقطعة الأرض التي يحوزها و مهما بلغ مقدار ما يحوزه و لو كان قدر بوصة واحدة من الأرض (3) على حد قوله، و كذلك الباحث الاقتصادى المعروف برودون Proudhon (1809- 1865) حيث وصف الملكية الخاصة بأنها سرقة و أن الملاك هم لصوصها، لذلك رأى استبدالها بنوع جديد من الملكية هو الحيازة فالحائز لا يملك رقبة الأرض و إنما له حق استغلالها فقط (4).

هذا و قد تخط قطبا المذهب الشيوعي كارل‌ماركس ماركس (1818- 1883) و فردريك إنجلز (1820- 1895) مبدأ الاشتراكيين ذاك إلى مبدء آخر‌

____________

(1). أحمد محمد إبراهيم- 79. إن أشهر من قال بهذه النظرية هما Walras, Gossan كما دعا قريبا من ذلك تشارلز هول Hall إلى جعل ملكية الأرض الزراعية مشاعة و ذلك بإقامة المزارع الصغيرة عليها لتشغيل الأيدي العاملة الفائضة (انظر: كول، رواد الفكر الاشتراكى- 169).

(2). راجع الحسيني، الملكية في الإسلام- 33.

(3). كول، رواد الفكر الاشتراكى- 203.

(4). مطر في التحليل الاقتصادى- 3/ 104، و انظر أيضا: جلال يحيى في التخلف و الاشتراكية- 236.

37

هو المبدأ الشيوعي المعروف. حيث لم يكتف بإلغاء ملكية الأرض وحدها من عناصر الإنتاج و لا إلغاء ملكية هذه العناصر كلها، و إنما راح بعيدا فذهب إلى إلغاء ملكية ثروات الاستهلاك أو كل ما يحتاجه الإنسان بشكل عام في ملبسه و غذائه و منشأته و مأواه!

4- الملكية وظيفة اجتماعية:

و لذلك كله و للتطرف الذي لمسناه لدى كل فريق من أنصار الملكية الخاصة و أنصار الملكية المشاعة في الأرض و غيرها، ظهرت بعض الاتجاهات الوسطية الحديثة التي تبنت الدعوة إلى ضرورة تدخل الدولة بتنظيم الملكية و تحديدها و بالمحافظة على عناصر الثروة بالشكل الذي يؤمّن مصلحة الفرد كما يؤمن مصلحة المجموع.

إن حق الملكية الخاصة و إن كان في الأصل- كما يدل عليه مفهومه ظاهرا- حقا ذاتيا يهدف إلى تحقيق مصلحة شخصية إلا أن له في نفس الوقت مسؤولية أو وظيفة اجتماعية (1) هي وظيفة الشي‌ء اتجاه مصلحة المجموع.

و كان أكثر تلك الاتجاهات الحديثة تبنيا لهذه الفكرة و اندفاعا وراءها بعض المذاهب الاشتراكية المعتدلة التي بدأت الظهور خلال القرن التاسع عشر (2) كما كان أكثر القوانين الوضعية تعبيرا و تطبيقا لهذه الفكرة هي القوانين التي ظهرت خلال الحقبة المتأخرة من هذا القرن، و من بينها‌

____________

(1). و يقال: إن الفضل في ذيوع هذه الفكرة الوظيفية عن الملكية أخيرا يعود الى الفقيه الفرنسى المعروف ديجى Duguit (انظر: شاكر ناصر، الوسيط- 1/ 197) أما جذورها فتعود- كما يذكر البعض الآخر- إلى أزمنة سحيقة. إلى أرسطو، و إلى آباء الكنيسة المسيحية (راجع الناهي، حق الملكية في ذاته- 161).

(2). السنهوري في الوسيط 8/ 353- 354.

38

القانون الإيطالى الجديد الذي نص بصراحة على هذه الفكرة الوظيفية في الملكية (1) و القانون المدني المصري الجديد الذي ذكر في مادته 802 بأن:

«لمالك الشي‌ء وحده في حدود القانون حق استعمال الشي‌ء و استغلاله و التصرف فيه» (2) و القانون المدني السوري في المادة (768)، و الليبي في المادة (811) المطابقتين لنص المادة المذكورة من القانون المصري، و قانون الملكية العقارية اللبناني في مادته الحادية عشرة.

و كذلك ينزع فيما يظهر القانون المدني العراقي إلى هذه الفكرة حيث.

قيد تصرفات المالك في المادة (1048) بحدود التصرفات الجائزة و إن كان قد خلع على الملكية صفتها المطلقة.

و قد درجت هذه الدول التي أخذت بهذه الفكرة- و التي لم تنص عليها صراحة في قوانينها المدنية- بالنص عليها و تثبيتها في دساتيرها كما فعلت الجمهورية العراقية التي نصت في (م 17/ ف 1) من دستورها الموقت لسنة 1968 على أن «الملكية الخاصة مصونة و ينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية، و لا تنزع إلا للمنفعة العامة لقاء تعويض عادل وفقا للقانون» (3) و كذلك فعلت جمهورية مصر العربية التي وضعت النص المذكور في المادة 11 من دستورها الموقت سنة 1956.

هذا و يترتب على الأخذ بهذه الفكرة الوظيفية في الملكية نتائج مهمة ذكرتها المذكرة الإيضاحية الشروع التمهيدى بصدد المادة الواردة في حق الملكية من القانون المدني المصري (4).

____________

(1). راجع حامد مصطفى في الملكية العقارية- 1/ 48.

(2). و لم يفت المشرع المصري أن يوضح ذلك بصراحة في تعليقه على المادة المذكورة.

كما جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى للقانون المذكور.

(3). كما نصت على مثل ذلك المادة 23 من الدستور العراقي السابق الصادر سنة 1958

(4). انظر: السنهوري في الوسيط 8/ 546- 547، و شاكر ناصر في الوسيط- 1/ 198، 199.

39

و لعله انطلاقا من هذه النزعة في الملكية أو تطبيقا لها عمدت كثير من الدول الحديثة إلى تأميم بعض القطاعات و المرافق الرئيسة كالمؤسسات المالية و شركات التأمين و المشاريع الصناعية الكبيرة، كما عمدت إلى تشريع بعض القوانين في الإصلاح الزراعي، و تبدو نظرة هذه القوانين إلى هذه الملكية بأنها وظيفة اجتماعية من خلال إجراءاتها و قراراتها المختلفة و خاصة الإجراءات و القرارات المتعلقة بتفتيت الملكية الكبيرة و تحديدها بنطاق ضيق، و بإلزام من يشملهم قرار التوزيع بالعمل على استثمار أراضيهم و تحقيق كفاءتها الإنتاجية أو نحو ذلك (1).

و لكنه، مع ما في هذه القوانين من مزايا اجتماعية و اقتصادية لا يرقى الشك إليها، فقد أسئ تطبيق و تخريج بعض أحكامها و قراراتها في كثير من الدول التي أخذت بها.

و سيأتي مزيد من التوضيح في محاكمة هذه القوانين و تقويمها في ضوء واقعها و في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية.

____________

(1). انظر المواد: 1 و 4 و 16 و 26 و 30 من قانون الإصلاح الزراعي العراقي رقم 30 لسنة 1958 و المواد: 1، 2 ف 2، 9، 14، 17 من قانون الإصلاح الزراعي المصري رقم 178 لسنة 1952.

40

المبحث الثاني الاتجاهات الفقهية الإسلامية من ملكية الأرض

تتجه آراء الفقهاء و الباحثين المسلمين من ملكية الأرض اتجاهات مختلفة من الممكن بلورتها و حصرها باتجاهين متميزين [1].

الاتجاه الأول: الملكية الخاصة

و يرمى هذا الاتجاه إلى اعتبار الملكية الخاصة هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات في حيازة الأراضي كما هو الشأن في سواها من القطاعات‌

____________

[1] قد يحسب البعض أن هناك اتجاها ثالثا بين اتجاهات الفقهاء المسلمين، و هو القول بملكية اللّه للأرض ملكية مجردة نظير الاتجاه السابق الذي عرضنا له في المبحث الأول من هذا الفصل. و هذا الاتجاه يمكن استفادته من بعض النصوص التي لا تبعد في ظاهرها عن هذا المدلول كما في قوله تعالى «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1) و كما في الحديث المروي عن عروة: «أشهد أن رسول اللّه قضى أن الأرض أرض اللّه و العباد عباد اللّه» و عن عائشة: «العباد عباد اللّه و البلاد بلاد اللّه» (انظر: الحسيني، الملكية في الإسلام- 35).

و لكن الواقع أن كل ما ورد بهذه النصوص و أمثالها مضافا في ملكيته إلى اللّه تعالى لا يمكن أن نعتبره دليلا أو سندا لهذا الاتجاه مع ما يترتب عليه من القول بالتفويض الإلهي لشخص معين، لأن ذلك لا يلتئم أساسا مع فكره الإسلام و نظامه العام في التشريعات المالية. و لعل التصوير الصحيح لتلك النصوص الذي ينسجم مع واقع هذا النظام هو التصوير

____________

(1). استشهد الرسول (ص) بهذه الآية جوابا على رسالة بعث بها إليه مسيلمة الكذاب و أراد فيها تقسيم الأراضي بينهما، و بذلك يمكن الاستدلال ظاهرا من فحوى الرسالة و الرد على عائدية الأرض للّه تعالى و ليس للرسول أو غيره أى حق في تملكها (راجع المقريزي في امتاع الأسماع 508- 509. قلقشندى في صبح الأعشى- 6/ 381. الطبري- 2/ 400.

البلاذري- 97. ابن سعد في الطبقات الكبرى- 1/ 273. ابن هشام- 4/ 247

41

و العناصر الأخرى، فليس هناك من فرق في رأيهم بين الأراضي و بين غيرها من الأشياء و الأموال في ورود الحقوق الخاصة عليها، و لا يضر عندهم الأخذ بهذا الأصل في الأرض وجود بعض الملكيات العامة إلى جانب الملكيات الخاصة، كما في الأراضي و العقارات الموضوعة للمنافع العامة و كما في الأراضي المعمورة التي دخلت الإسلام عنوة أو بالصلح.

و يستدل هؤلاء ببعض:

الآيات: حيث قالوا: «إن الإنسان إنما يعلق بالأرض غرضين أساسيين الزراعة و البناء، فالقرآن يسلم بالملكية الشخصية على الأرض لكل من هذين الغرضين. ففي سورة الأنعام كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذٰا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ و أمثالها، أما الغرض الثاني فقد جاء ذكره في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّٰى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلىٰ أَهْلِهٰا. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهٰا أَحَداً فَلٰا تَدْخُلُوهٰا حَتّٰى يُؤْذَنَ لَكُمْ» (1).

____________

- الذي يعطى لملكية اللّه معنى ملكية المجموع أو ما يسمى بملكية الدولة العامة في الاصطلاح الحديث. إذ لا معنى في هذا المجال لملكية اللّه إذا ما أريد بها شي‌ء يختص به تعالى مثلا.

هذا على أنا نجد أن المقصود (بالوراثة) الواردة في الآية الكريمة هي وراثة الملك (بالضم) و ليس الملك (بالكسر). حيث جاء ذلك على لسان النبي موسى ردا على فرعون.

ثم إنه ليس هناك واحد ممن وقف إلى جانب الاتجاهات الأخرى أو غيرها عدا الماديين الذين ينكرون وجود الخالق أساسا: من ينكر في الأصل ملكية الأرض أو غيرها من عناصر هذه الحياة إلى اللّه بارئها تعالى، فكل هذه الأشياء و العناصر هي من نتاج خلقه و إبداعه فهي مملوكة له بهذا الاعتبار، و لا تعارض في هذه الملكية الإبداعية مع الملكية الاصطلاحية الخاصة أو المشاعة بين الأفراد للأشياء. إن للأشياء من ناحية الملكية إضافتين: إضافة إلى اللّه باعتبار تكوينه لها و إبداعه و إضافة إلى المجموعات و الأفراد باعتبار حيازتهم لها و اختصاصهم بها و خلافتهم في التصرفات فيها.

و لعل فكره (الاستخلاف) التي نصت عليها بعض الآيات كقوله تعالى «وَ أَنْفِقُوا مِمّٰا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» تعكس في جوانب منها وجهة النظر في تلك الإضافة المزدوجة، حيث إنه خالق هذه الأشياء و باعثها، و الإنسان هو خليفته في التصرف بها في تأدية وظائفها الاجتماعية.

____________

(1). المودودى، مسألة ملكية الأرض في الإسلام: 19- 20.

42

كما يمكن أن يستدل لهم بآية «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و نحوها من الآيات المضافة باللام و كاف الخطاب.

و بالأحاديث: و من أظهرها أحاديث الإحياء المضافة باللام كما في قوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حق» (1) و قوله أيضا: «موتان الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون» (2) و «عادي الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم» (3) و قول الإمام الباقر: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها و هي لهم» (4). و قد استدل بهذه الأحاديث أو بعضها سائر فقهاء المذاهب الفقهية المعروفة (5).

كما استدل البعض من الباحثين المحدثين (6) بأحاديث و آثار كثيرة أخرى جاءت في باب كل من المساقاة، المزارعة، الإجارة، إحياء الموات، إثبات غصب العقار، الشفعة، الهبة، الوقف، و الخلع، و نحوها (7).

____________

(1). الموطأ- 2/ 17، و أبو عبيد في الأموال- 286.

و القرشي في الخراج- 84، و أبو يوسف 64- 65.

(2). الحافظ في التلخيص- 256.

(3). أبو عبيد- 272.

(4). الطوسي في التهذيب- 7/ 149، 152 و الاستبصار- 3/ 107، 110.

الكليني في الكافي- 5/ 297.

(5). راجع:

زين الدين في المسالك/ إحياء الموات. و الأصفهاني في تعليقته على المكاسب- 242.

و الحكيم في نهج الفقاهة- 330 للإمامية.

الكاساني- 6/ 194، و البابرتى في شرح العناية على الهداية- 8/ 137 و قاضي‌زاده في نتائج الأفكار 8/ 37 للأحناف.

الخرشى في الهامش- 7/ 69 للمالكية. و الشافعي في الأم- 14. ابن قدامة في المغني- 6/ 147. البهوتى في الروض المربع- 3/ 125 للحنابلة.

(6). السائس، المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية: 208- 214.

(7). انظر: نيل الأوطار للشوكانى ج 5، 6 للوقوف على نصوص الأحاديث المذكورة.

43

و بالإقرار بالواقع السائد: قالوا: «إن مسألة ملكية الأرض كانت جارية في الدنيا منذ أزمنة سحيقة، و لكن الإسلام بعد مجيئه لم يمنعها، كما لم يأمر الناس أمرا صريحا بإلغائها، و لم يشرع قاعدة أخرى مكانها فكان معنى ذلك أن اللّه تعالى أقر هذه القاعدة الجارية» (1).

و يكاد هذا الاتجاه القائل بملكية الأرض ملكية خاصة و الذي استدل له بالأدلة المذكورة: يطغى على ما سواه من الاتجاهات الأخرى بل إنه يكاد يبلغ في شهرته (2) بين الفقهاء و غيرهم من الباحثين حد الإجماع (3)، و لكنهم في نفس الوقت وقفوا من صفة هذه الملكية الخاصة- عموما في الأرض و غيرها- موقفين مختلفين حيث وصفها بعضهم بالإطلاق (4)، بينما جعلها آخرون مقيدة بإطار المصلحة العامة و في إطار وظيفتها الاجتماعية كما سنرى:

____________

(1). المودودى في مسألة ملكية الأرض- 20.

(2). و لشهرة هذا الاتجاه أو هذه الفكرة بين الفقهاء لم يستطع بعض الكتاب المحدثين أن يقف على غيرها من الاتجاهات التي تعوزها الشهرة و يعوز قائليها الجرأة. حيث نسب ذلك إلى الإسلام كأنه شي‌ء مفروع منه، بل إنه لم يكتف بذلك و إنما عالج الموضوع بصورة غير مهذبة فقال: «أما ما يرتئيه البعض من أن النبي كان ينوي إلغاء ملكية الأراضي و جعلها مشاعة أي ملكا للجماعة أو الأمة فهذا سوء فهم لا يؤبه به لأن هذه الأفكار المتطرفة لم تكن تخطر على بال النبي حتى في الدور الأول من حياته الاجتماعية لا سيما و أن مشكلة الأراضي لم تكن في ذلك الوقت و في ذلك الوسط من المشاكل المهمة» (بندلى جوزي، من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام- 46). و يبدو أن هذا الباحث المحترم تصور أن التشريعات الإسلامية هي من باب الخطور على الذهن- ذهن الرسول- و ليس من باب الوحي أو التنزيل، و أن ما جاء به النبي من تعليمات و أحكام كان من وحي المشاكل و الشئون التي تهم مجتمعة و إقليمه و زمانه ليس إلا.

(3). راجع النصوص التي نقلها (السائس في مجموعة المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية 216- 225) و التي تمثل في نظره آراء فقهاء المذاهب الأربعة بشأن ثبوت ملكية الأرض و منافعها للأفراد.

(4). إن وصف الملكية بالإطلاق تارة و بالتقييد أخرى هو في الحقيقة أمر نسبي، لأنه ليس هناك واحد من الفقهاء بما فيهم القائلون بالإطلاق من ينكر وجود بعض القيود على تصرفات المالك كما في الشفعة و نحوها، و لكن فيهم المقتصد و فيهم المسرف، و عليه فالإطلاق و التقييد هما أمران نسبيان في هذا المجال.

44

(ا) الصفة المطلقة: فممن وصفها بالإطلاق فريق من الأحناف من بينهم صدر الشريعة الثاني (1) و السيد الجرجاني اللذان عرفا الملكية بأنها (2) «اتصال شرعي بين الإنسان و بين شي‌ء يكون مطلقا لتصرفه فيه و حاجزا عن تصرف غيره» و ذلك تبعا لما تقتضيه القاعدة العامة عندهم في هذا المضمار (3).

و تطبيقا لذلك صرح الكاساني (4) بقوله: «إن للمالك أن يتصرف في ملكه أى تصرف شاء سواء كان تصرفا يتعدى ضرره إلى غيره أو لا يتعدى فله أن يبنى في ملكه حماما أو رحى أو تنورا. و له أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة و إن كان يهن من ذلك البناء و يتأذى به جاره، و ليس لجاره أن يمنعه حتى لو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر عليه، لأن الملك مطلق للتصرف في الأصل، و لو فعل شيئا من ذلك حتى و هن البناء و سقط حائط الجار لا يضمن لأنه لا صنع منه في ملك الغير».

و مثلهم جوز الشافعية (5) هذه التصرفات الضارة و نحوها حيث قالوا:

يتصرف كل واحد من الملاك في ملكه على العادة في التصرف و إن تضرر به جاره أو أفضى لإتلاف ماله (6).

.

____________

(1). الحسيني، الملكية في الإسلام- 11.

(2). القرافي في الفروق- 3/ 234.

(3). الناهي في حق الملكية في ذاته- 118.

(4). بدائع الصنائع- 6/ 264.

(5). الابتهاج في شرح المنهاج (خطي). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 333.

الدمشقي في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ج 2 ص 1. ابن حزم في المحلى- 8/ 241.

التذكرة/ إحياء الموات. و انظر: أبا زهرة في الملكية و نظرية العقد- 105.

(6). الرملي- 5/ 333، و راجع الشرح الكبير للحنابلة- 6/ 166.

45

و بنحوه صرح الظاهرية (1)، كما صرح الزيدية بشكل أكثر إطلاقا حيث قالوا: لكل أن يفعل في ملكه ما شاء و إن ضر الجار إجماعا (2).

أما الإمامية، فقد ذهب إليه منهم الأكثر تمسكا بالخبر المشهور:

«الناس مسلطون على أموالهم» (3). و من أبرز من وصف منهم الملكية بالإطلاق: أصحاب كل (4) من المهذب و الغنية و السرائر و التذكرة و جامع المقاصد و المسالك، و نظائرهم حيث قالوا: «لكل أن يتصرف في ملكه كيف شاء و لو تضرر صاحبه فلا ضمان، فلو جعل ملكه بيت حداد أو قصار أو حمام على خلاف العادة فلا منع (5).

هذا و قد حمل بعض هؤلاء الإمامية الأخبار الواردة في هذا الصدد مثل قوله (ص) «لا ضرر و لا ضرار» و متفرعاتها على ما إذا كان المالك ليس له من غرض في عمله سوى الإضرار بالغير (6)، و إلا فلا مانع كقاعدة عامة من إجراء ما يشاء من التصرفات في أملاكه و إن تسببت في لحوق الضرر بهذا الغير.

(ب) الصفة المقيدة: أما أبرز من مال من هؤلاء القائلين بالملكية الخاصة إلى تقييد‌

____________

(1). قالوا: «و لكل أحد أن يفتح ما شاء في حائطه من كوة أو باب أو أن يهدمه إن شاء في دار جاره أو في درب غير نافذ أو نافذ إلا أنه يمنع من الاطلاع فقط، و هو قول أبي حنيفة و الشافعي و أبى سليمان، و قال مالك: يمنع من ذلك كله» (المحلى- 8/ 241).

(2). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 71.

(3). مفتاح الكرامة- 7/ 22.

(4). مفتاح الكرامة- 7/ 22.

(5). مفتاح الكرامة- 7/ 22.

(6). نفسه- 7/ 22. و يلاحظ أن القانون المدني العراقي م 7 قد أشار إلى هذه الناحية بقوله: «و يصبح استعمال الحق غير جائز إذا لم يقصد بهذا الاستعمال سوى الإضرار بالغير» و قد اعتبر ذلك من معايير نظرية التعسف في استعمال الحق (انظر البدراوى في الحقوق العينية بند 82 و الناهي في حق الملكية في ذاته- 125).

46

حق المالك في التصرف بملكه تصرفا مطلقا فهم فقهاء المالكية (1)، و يظهر ذلك من تعريفاتهم للملكية أمثال تعريفات القرافي و هامشه (2) و ابن الشاط و غيره بأنها حكم شرعي أو صفة شرعية الأمر الذي يجعله صالحا و مهيئا لأن يقيد بما تقضى به الأحكام و الدلائل الشرعية من القيود (3). كما جاءت فتاوى صريحة عن مالك نفسه تحظر على المالك التعسف في استعمال حقه كالقول بعدم جواز منع الشخص من وضع خشبة على جدار جاره إذا احتاجها ذلك الشخص في بنائه استنادا إلى قوله (ص): «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» خلافا للفقهاء الآخرين (4)، و القول بعدم جواز منع الشخص من إمرار المياه التي يحتاجها لبعض شئونه على أرض الغير فيما إذا لم تلحق بعض الإضرار بهذا الغير (5)، و نحوها من القيود الواردة عن الإمام مالك (6).

و مثله مال إلى هذا الاتجاه فقهاء الحنابلة (7)- كما تعطى كلماتهم- حيث صرحوا في غير موضع بحرمة إحداث كل ما يضر بالجار من حمام و رحى أو تنور أو من سقى يتعدى إلى بناء هذا الجار و للجار منعه (8) كما له‌

____________

(1). ابن جزى في القوانين الفقهية- 341، الدمشقي- 2/ 1. التذكرة/ إحياء الموات.

ابن حزم- 8/ 241.

(2). انظر الفروق- 3/ 132.

(3). الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية 18- 19.

(4). انظر حاشية إحكام الأحكام 3/ 224- 225.

(5). الموطأ- 2/ 172.

(6). كقوله أيضا بالمنع من إحداث بئر أو كنيف أو نحوها مما يضر بجاره، و من إحداث أبواب أو كوى تطل على الغير بصورة مباشرة (انظر: مالك في المدونة الكبرى 15/ 196- 197 و ابن جزى- 341. و ابن حزم- 8/ 241).

(7). الحجاوى في الإقناع- 6/ 388. و الدمشقي في المصدر السابق- 2/ 1.

(8). ابن قدامة في المغني- 6/ 183. البهوتى في الروض المربع 2/ 210- 211.

أبو البركات- 6/ 166.

47

تضمينه بفعل هذه الإضرار (1).

و من بين الذين مالوا إلى ذلك أيضا بعض فقهاء الإمامية كالعلامة الحلي في التحرير (2)، و في القواعد في بعض الصور التي أوردها عن تزاحم الحقوق (3)، و كالشهيد في اللمعة (4) و في الدروس (5) و غيرهم.

كذلك جاء مثله عن بعض الأحناف المتأخرين من أصحاب الفتاوى الذين استحسنوا وضع القيود على تصرفات المالك (6) و ذلك تبعا لما ذهب إليه أبو يوسف في الموضوع حسبما يستفاد من بعض كلماته (7)، و بهذا الرأي أخذت مجلة الأحكام العدلية في مادتيها 1197، 1198.

نظرية التعسف في استعمال الحق:

و لعله من أجل كل تلك القيود و نحوها مال الكثير من الباحثين المعاصرين إلى جعل «نظرية التعسف في استعمال الحق» نظرية إسلامية قبل أن تكون نظرية وضعية. فإن ما جاءت به الشريعة الإسلامية من قواعد و أحكام تحد من تصرفات المالك في ملكه و تمنعه من استعمال البعض من حقوقه، كالأحكام المتعلقة بالمصالح العامة، و المتعلقة بالتزامات الجوار، و الشفعة، و حقوق الارتفاق، و منع الاحتكار، و التسعير، و كالقواعد المعروفة‌

____________

(1). البهوتى، الحاشية- 2/ 210.

(2). مفتاح الكرامة- 7/ 23.

(3). قواعد الأحكام: 67- 68 (كتاب الصلح). إن من بين صور تزاحم الحقوق هذه: هي أغصان الشجرة و عروقها الممتدة إلى ملك الغير، و ما يطلق عليه بالرواشن الممتدة إلى الطرق و الشوارع العامة، و الحائط أو السقف المشترك و نحوها (انظر: مغنية في فقه الإمام الصادق 4/ 97- 99).

(4). عن مفتاح الكرامة- 7/ 23.

(5). حيث أجاز للأشخاص مثلا: الاستظلال و الاستناد على الجدار المملوك- إذا كان المجلس مباحا- و هو من باب منع التعسف في استعمال الحق (انظر الدروس في باب تزاحم الحقوق- 383).

(6). أبو زهرة في الملكية و نظرية العقد في الشريعة- 106.

(7). انظر: الناهي في حق الملكية في ذاته- 119 (الهامش) و على حيدر في شرح المجلة- 1/ 111.

48

بالقواعد الضررية مثل «لا ضرر و لا ضرار» و متفرعاتها (1).

إن ذلك و غيره كفيل لأن يشكل في رأيهم عناصر تلك النظرية و مقوماتها الأساسية.

اعتبار الملكية وظيفة اجتماعية:

هذا و من الملاحظ أن هذه الفكرة التي تنزع إلى الحد من تصرفات المالك المطلقة ترمى- كما هو في التصوير الحديث- إلى اعتبار حق الملكية وظيفة اجتماعية تتحدد مسئوليتها و نطاقها ليس بالمالك المختص وحده، و إنما بمجتمعه و بيئته و بنوعية الخدمات و الوظائف التي تتصل بماله الخاص.

إن من النصوص التي يمكن استفادة هذه الفكرة الوظيفية للملكية منها: هي الآيات التي تضيف الأموال إلى اللّه تعالى و التي توضح أنه خلقها لمنفعة الناس جميعا و أنه استخلفهم فيها، و الآيات التي تبين ما تقتضيه خلافة الإنسان في هذا المجال من إضافة المال الخاص إلى الجماعة و إيجاب الإنفاق في سبيل اللّه، و تحريم عزل المال من وظيفته الاجتماعية، و النهى عن تبذيره أو اكتنازه، و الحث على إنفاقه في سبيل اللّه و المصالح العامة، و نحو ذلك مما أتى على ذكره غير واحد من الباحثين المحدثين بالتفصيل (2).

____________

(1). راجع: بحوث أبي زهرة، و محمود أبى سنة، و عبد المقصود شلتوت. المنشورة في مجموعة «أسبوع الفقه الإسلامي» عن نظرية التعسف في استعمال الحق، و كذلك الناهي في حق الملكية في ذاته 124- 127.

(2). راجع: الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية: 34، 35. و نظرية التعسف في استعمال الحق، بحث منشور في مجموعة «أسبوع الفقه الإسلامي»: 150- 154.

49

الاتجاه الثاني: الملكية الجماعية أو ملكية الدولة

أما هذا الاتجاه فهو و إن كان اتجاها غير معروف بهذا الشكل بينهم إلا أن بعض الآراء و بعض النصوص من القرآن و السنة يمكن أن تنم عن ذلك، و لهذا صار إلى القول به فريق من الباحثين الإسلاميين المعاصرين.

و قد استدل بعضهم (1) بالآية الكريمة «وَ الْأَرْضَ وَضَعَهٰا لِلْأَنٰامِ» (2) من حيث دلالتها على إضافة هذا الوضع- وضع الأرض- إلى الناس جميعا من غير تفريق أو تخصيص.

و استدل آخرون (3)- بعد أن ناقشوا الآية المذكورة في إعطائها هذا المدلول- ببعض الأحاديث المستفيضة و منها حديث جابر بن عبد اللّه الذي يقول فيه: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه» و نحوه عن أبي هريرة (4) و رافع بن خديج (5)، و منها الأحاديث الواردة في النهي عن كراء الأرض و التي وردت كذلك عن جابر و عن غيره من المحدثين (6).

و جعل قسم ثالث من هؤلاء: إشاعة الملكية خاصة في الأراضي الصالحة‌

____________

(1). انظر: المودودى في مسألة ملكية الأرض- 10.

(2). سورة الرحمن 10.

(3). المودودى 15- 16.

(4). صحيح مسلم- 10/ 201.

(5). سنن أبى داود- 2/ 233.

(6). راجع: سنن أبى داود 2/ 233، و صحيح مسلم في باب كراء الأرض 10/ 196- 208.

50

للزراعة، و ذلك استنادا إلى الأحاديث الآنفة (1) و حديث جابر الذي يقول فيه: «نهى رسول اللّه (ص) عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو ثلاثا» (2) و الأرض البيضاء- كما هو معلوم- هي الأرض الخالية الصالحة للزراعة، و برر ذلك بقوله: «لأن ما يضمن للإنسان قوته و يتحمل إصره و يتكفل عبئه لسد رمقه هو ما تنتجه الأرض من الحبوب و غيرها التي تنفعه غذاء و قوتا» (3) و أضاف قوله: «إن سر جعل الأرض الزراعية لدى الشريعة الإسلامية ملكا شائعا هو أن يكون استعمالها متداولا بين المسلمين تباشرها الأيدي العاملة القادرة على عمارتها لكي لا تفوت فرصة استغلالها زرعا إلى أفراد الأمة لقوتها الضروري» (4).

إلى أمثالها من التبريرات و الأدلة التي يتشبث بها هؤلاء القائلون بملكية الدولة للأراضي.

المناقشة:

و الحق: إن هذه الأدلة الأخيرة، و مثلها الأدلة السابقة المسوقة للاستدلال بها على ثبوت الملكية الخاصة في الأراضي: لا تنهض في رأينا على المطلوب.

ذلك لأن آية «وَ الْأَرْضَ وَضَعَهٰا لِلْأَنٰامِ» المسوقة للاستدلال بها على الاتجاه الأخير هي أجنبية تماما عن هذا الاتجاه، و ليست في صدد تقرير حكم أو قاعدة في ملكية الأراضي، إذ أراد اللّه تعالى فيها و في أمثالها من الآيات التي انتظمتها سورة الرحمن: توجيه أنظار الخلائق إلى مدى إبداعه‌

____________

(1). الحسيني 60- 62.

(2). صحيح مسلم- 10/ 200.

(3). الحسيني- 63.

(4). نفسه- 67.

51

و قدرته الفائقة في هذه المعالم المتسعة. من سماء رفعها، و أرض وضعها، و جبال أرساها، و من شمس و قمر أجراهما في منازلهما بحساب دقيق، فقد جاءت هذه السورة في أغلبها على هذا النسق بأسلوب إنكارى لاذع و في صورة تحد للثقلين من الإنس و الجن: إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الرحمن (1).

أما الأحاديث المستدل بها لتأييد وجهة النظر هذه كأحاديث جابر في لزوم زرع الأرض أو منحها، و كالأحاديث الناهية عن كراء الأرض أو بيعها، فليس فيها ما يدل على انتفاء الملكية الخاصة في الأراضي، و إنما فيها على العكس ما يمكن أن يدل على تقريرها و إن كان ذلك عند بعضهم في حدود القدرة الشخصية على الإحياء (2).

أما بالنسبة إلى الآيات التي ساقها أصحاب الاتجاه الأول فهي بعيدة أيضا فيما نرى عن تقرير صفة الملكية في الأراضي، فقد جاءت مثلا آية «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذٰا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ، جاءت- كما يذكر المفسرون- لحث المزارعين أو إلزامهم بإخراج حصة من منتوجاتهم الزراعية و توزيعها بين المستحقين، و لكن اختلف الفقهاء بدورهم في طبيعة هذه الحصة، فذكر بعضهم: إنها الزكاة المفروضة، و آخرون: إنها حق الصدقة الذي كان مفروضا في مكة قبل تشريع الزكاة في المدينة. فهي منسوخة بآيات الزكاة الواردة، و قال قسم ثالث: إنها حق آخر فرض عند الحصاد مضافا إلى‌

____________

(1). راجع: تفسير ابن كثير 4/ 270. و السيد قطب في ظلال القرآن:

27/ 108- 115.

(2). راجع: المودودى في مسألة ملكية الأرض- 86.

52

الزكاة المفروضة عند الاكتيال (1).

و جاءت آية «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و ما يماثلها من الآيات المضافة باللام و كاف الخطاب: «للتنبيه على طريق العلم و القدرة و تصريف المخلوقات بمقتضى التقدير و الإتقان بالعلم و جريانها في التقديم و التأخير بحكم الإرادة. فخلقه سبحانه و تعالى الأرض، و إرساؤها بالجبال، و وضع البركة فيها، و تقدير الأقوات بأنواع الثمرات، و أصناف النبات إنما كان لبني آدم، تقدمة لمصالحهم، و أهبه لسد مفاقرهم فكان قوله تعالى:

«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» مقابلة الجملة بالجملة للتنبيه على القدرة المهيئة لها للمنفعة و المصلحة، و أن جميع ما في الأرض إنما هو لحاجة الخلق.» (2).

و كان ابن العربي الذي أثبتنا له هذا النص في تفسير الآية المذكورة- و الذي نراه يعبر كذلك عن وجهة نظرنا فيها- قد بين قبل ذلك اختلافات الأصوليين في هذه الآية، و حصرها بآراء ثلاثة لا تمت إلى هذا الاتجاه من الملكية بصلة (3).

أما أحاديث الإحياء التي استند إليها أصحاب هذا الاتجاه مثل: «من‌

____________

(1). راجع في ذلك: ابن العربي في أحكام القرآن 2/ 748. ابن كثير 2/ 182.

الطوسي في التبيان 1/ 669. القرشي في الخراج 124- 130.

مفتاح الكرامة/ كتاب الزكاة 2- 3.

(2). ابن العربي- 1/ 14.

(3). و هذه الآراء هي:

1- أن الأشياء كلها على الحظر حتى يأتي دليل الإباحة.

2- أنها كلها على الإباحة حتى يأتي دليل الحظر.

3- أن لا حكم لها حتى يأتي الدليل بأي حكم اقتضى فيها.

53

أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حق» و نظائره، فإن اللام فيها كما تدل على الملكية يمكن أن تدل على مطلق الاختصاص (1) أيضا، و ليس هناك من ينكر- بما فيهم من ينكر الملكية الفردية في الأرض- وجود نوع من الأولوية و الاختصاص لصاحب الحيازة و الاستثمار في الأرض، و لكنه اختصاص لا يبلغ عندهم مستوى الملكية.

و بمقدورنا نحن أن نستظهر هذا الاختصاص بمعونة بعض القرائن و منها قرينة أو طريقة الجمع، فإنه بالجمع بين هذه الأحاديث من جهة، و بين حديث «من أحيا أو من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها» (2) و الأحاديث الخاصة الآتية الأخرى النافية الملكية الشخصية في الأرض من جهة ثانية.

يمكن أن تنصرف اللام في تلك الأحاديث الآنفة إلى معنى الاختصاص.

هذا على أن كل هذه الأحاديث و نحوها هي واردة في خصوص مسألة الإحياء التي فيها للفقهاء رأي قوي بعدم تملك الرقبة كما في المبسوط (3)، و النهاية (4)، و الاستبصار (5)، و بلغة الفقيه (6)، و التعليقة على‌

____________

(1). راجع ابن القيم- 710 حيث ذكر بأن إضافة الأرض باللام إلى المسلم في بعض الأحاديث المسوقة هي إما إضافة ملك و إما إضافة اختصاص.

و راجع في مادة اللام: ابن منظور عن رأي الجوهري، و المعجم الوسيط، و مغني اللبيب و غيرها من كتب النحو و اللغة. حيث ذكروا بأن من بين معاني اللام: الملك، الاختصاص التقوية، التبيين، الاستغاثة و التعجب، و التعليل، إلى نحوها، و لكن الأقرب إلى الواقع هنا و في مثل تلك الأحاديث هي المعاني التي تدور بين الملكية و الاختصاص، و إن كان مدلول الملكية أقوى و أشهر عند الباحثين لو لا وجود بعض القرائن الصارفة.

(2). أبو عبيد في الأموال- 286. البيهقي في السنن الكبرى 6/ 142، و كما ورد بلفظ «أحق» أيضا في أحاديث مشابهة أخرى (راجع: القرشي- 86، و وسائل الشيعة 3/ 327).

(3). الطوسي: إحياء الموات.

(4). الطوسي- 2/ 427.

(5). الطوسي- 3/ 108.

(6). بحر العلوم- 98.

54

المكاسب (1) من كتب الإمامية، و كما في شرح العناية (2) من كتب الأحناف. و غيرها.

و أخيرا فإن ما ذهب إليه أصحاب هذا الاتجاه من الاستدلال بالواقع السائد في عصر التشريع امتدادا و إقرارا لما قبله، إنما هو من قبيل المصادرة على المطلوب، لأن من أول الكلام أن يكون الرسول (ص) قد أقر تلك العادة و ذلك الواقع السائد فيما يخص ملكية الأراضي.

أدلتنا:

و إذا لم تنهض كل تلك الأدلة أو بعضها على تعيين صفة ملكية الأراضي في الإسلام، فإن هناك في رأينا أدلة أخرى هي أكثر وضوحا و استفاضة و أعلق بالموضوع من النصوص المذكورة، و هي الأدلة الآتية الرامية بمجموعها إلى إلغاء فكره الملكية الخاصة في الأراضي و تبنى القول بملكية الدولة فيها، و إن أمكن مناقشة بعضها لو تجردت عما سواها، و عن القرائن الأخرى.

فقد جاء مثلا عن الإمام الصادق في صحيحة معاوية بن وهب قوله:

«أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخربها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض للّه و لمن عمرها» (3).

و جاء في صحيحة الكابلي- و هي أكثرها دلالة في رأينا على إلغاء الملكية-

____________

(1). الأصفهاني- 243.

(2). البابرتى- 8/ 137.

(3). الطوسي في التهذيب 7/ 152. الكليني في الكافي 5/ 279.

55

قوله: «و الأرض كلها لنا (1)، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها إلى الامام: و له ما أكل منها، و إن تركها أو أخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها» (2).

و روى عن أحد أئمة أهل البيت في خبر يونس قوله: «إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا على عبادة فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة، أخذت من يده و دفعت إلى غيره» (3).

و أجاب أحد أئمة أهل البيت في رواية رابعة عند ما سئل عن نوعية الضريبة المفروضة على بعض الأراضي: «العشر أو نصف العشر فيما عمر منها، و ما لم يعمر أخذه الوالي فقبله ممن يعمره و كان للمسلمين» (4).

و روى حرب الكرماني في بعض الآثار- مما يمكن اعتباره رأيا مساعدا-: «إن ناسا أتوا أبا بكر بعد وفاة الرسول فقالوا: إن بأرضنا رسوما قد كانت أرحاء على عهد أهل عاد، فإن أذنت لنا حفرنا آبارنا و عملناها فأصبنا منها معروفا و انتفع بها الناس، فأرسل إلى عمر بعد ما كتب لهم كتابا، فقال عمر: إن الأرض في للمسلمين فإن رضي جميع المسلمين بهذا فأعطهم و إلا فليس أحد أحق بها من أحد و ليس لهؤلاء أن يأكلوها دونهم» (5).

و حدث يحيى القرشي عن قيس بن الربيع عن الضبي عن أبيه قال: «جاء‌

____________

(1). و بهذا النص أيضا و هو «و الأرض كلها لنا» جاء في خبر عمر بن يزيد (انظر البلغة- 52).

(2). الطوسي في الاستبصار- 3/ 108. الكليني- 5/ 279.

(3). التهذيب 7/ 232- 233. الكليني- 1/ 415.

(4). التهذيب- 4/ 119.

(5). و بنحو ذلك جاء عن الإمام على إذ صرح بأن الأرض في للمسلمين. راجع (الحنبلي في الاستخراج- 59).

56

رجل إلى على (ع) فقال: أتيت أرضا قد خربت و عجز عنها أهلها فكريت أنهارا و زرعتها، قال: كل هنيئا و أنت مصلح غير مفسد معمر غير مخرب» (1).

و جاء عن رجل من أهل المدينة: «إن رسول اللّه أقطع رجلا أرضا، فلما كان عمر ترك في يديه منها ما يعمره و أقطع بقيتها غيره» (2).

و هذه النصوص بمجموعها هي كما تراها واضحة الدلالة على ملكية الدولة للأراضي و انتفائها عن الإفراد. إذ صرحت:

- إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا على عباده.

- إن الأرض كلها (لنا). أى الدولة أو للإمام باعتبار منصبه.

- إن الأرض في‌ء للمسلمين.

- لزوم تأدية الطسق أو الخراج كأجرة على مستغلها.

كما جاء في غيرها:

إنما الأرض للّه و رسوله (3).

- و لنا رقاب الأرض (4).

إلى نحوها من القواعد و الأحكام التي جاءت بها تلك النصوص‌

____________

(1). القرشي- 63.

(2). القرشي- 78 و 93، و انظر أيضا أبا عبيد- 290.

(3). جاء عن أبي هريرة قوله (ص) و هو يخاطب بعض اليهود لإجلائهم: «و اعلموا إنما الأرض للّه و رسوله، و إنى أريد أن أجليكم عن هذه الأرض فمن وجد منكم بما له شيئا فليبعه، و إلا فاعلموا إنما الأرض للّه و رسوله» قال ابن القيم: متفق عليه «أحكام أهل الذمة- 175».

(4). أبو عبيد- 279.