الشروط أوالالتزامات التبعية في العقود - ج2

- السيد محمد تقي الخوئي المزيد...
228 /
3

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين حمدا لا يقدر على إحصائه غيره، و أفضل الصلاة و السلام على خير خلقه و أفضل بريّته محمد، و عترته الطيبين الطاهرين، و صحبه الأوفياء المنتجبين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

و بعد، فقد تقدم الحديث في الفصل الأول من هذه الدراسة عن الشرط بكل ما يحويه من بحوث و ما يشتمل عليه من دراسات، بدءا بمعناه و حقيقته حتى الوصول إلى احكامه و آثاره، مرورا بتقسيماته و ما يشترط في نفوذه و صحته و ما يمنع منهما.

و من الواضح ان خيار الشرط- موضوع بحث هذا الفصل- جزئي من جزئيات ذلك البحث و مصداق من مصاديقه، يجري عليه ما جرى على غيره، و يشمله كل ما قيل في وجه المنع و الجواز.

الا ان الخصوصية التي يمتاز بها هذا الاشتراط و هي كون الشرط هو الخيار و فسخ العقد و إبطاله، بما يتضمن من بحوث مختصة به، كجريانه في بعض العقود اللازمة فضلا عن العقود الجائزة، ناهيك عن الإيقاعات، أو جعله للأجنبي، أو لزوم تحديد مدته و ضبطها، فضلا عن مبدئه و تاريخ نفوذه- جعلت من الضروري أفراد هذا الفرد بالذات بدراسة مستقلة تتضمن تلك البحوث المختصة به، لتشكل بالانضمام الى الدراسة السابقة عن الشروط بقول مطلق، بحثا متكاملا حول الشرط بكل افراده و اقسامه.

و اللّٰه أسأل أن يوفقني لما يجب و يرضى، انه ولي التوفيق، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[الفصل الثاني] خيار الشرط

تعريفه:

- قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «خيار الشرط اعني الثابت بسبب اشتراطه في العقد» (1).

و قال الامام الوالد (رحمه اللّٰه): «خيار الشرط و المراد به الخيار المجعول باشتراطه في العقد، اما لكل من المتعاقدين، أو لأحدهما بعينه، أو لأجنبي» (2).

المقام الأول: في أدلة إثباته

أ- الإجماع.

ب- النصوص العامة الواردة في الشروط.

ج- النصوص الخاصة.

د- السيرة العقلائية.

أ- الإجماع

لا خلاف بين الإمامية في مشروعية خيار الشرط و جوازه.

ففي الكفاية: «خيار الشرط و هو ثابت لمن شرطاه .. و لا خلاف فيه» (3).

____________

(1) المكاسب ج 14: 231 الطبعة الحديثة.

(2) منهاج الصالحين ج 2: 29.

(3) كفاية الأحكام/ كتاب التجارة/ المقصد الرابع/ الفصل الأول.

6

و في مفتاح الكرامة: «لا خلاف بين العلماء في جواز اشتراط الخيار في البيع كما في التذكرة» (1).

و في الحدائق: «و الأصل فيه- بعد الإجماع في التذكرة- الأدلة العامة» (2).

و في المكاسب: «و لا خلاف في صحة هذا الشرط ... و نقل الإجماع عليه مستفيض» (3).

بل في الجواهر: «بالضرورة بين علماء المذهب» (4).

بل أرسله أكثر الأصحاب إرسال المسلمات، حيث بدأوا ببيان احكامه، و انه يعتبر فيه ان يكون مضبوطا، كما في المبسوط (5) و القواعد (6) و المختلف (7) و الشرائع (8) و المراسم (9).

بل لم نجد من ذكر خلافا أو أشار إليه في كلماته في هذا المقام إطلاقا.

فالحكم مما لا خلاف فيه و لا اشكال.

ب- النصوص العامة الواردة في الشروط

منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

____________

(1) مفتاح الكرامة ج 4: 560.

(2) الحدائق ج 9: 31.

(3) المكاسب ج 14: 231.

(4) الجواهر ج 23: 32.

(5) المبسوط/ بيع الثمار.

(6) القواعد/ كتاب المتاجر/ المقصد الخامس في لزوم البيع.

(7) مختلف الشيعة ج 2: 172.

(8) الشرائع ج 2: 16.

(9) المراسم في الفقه الإمامي ص: 172.

7

«المسلمون عند شروطهم، الّا كل شرط خالف كتاب اللّٰه عزّ و جلّ فلا يجوز» (1).

و منها: روايته الأخرى عنه (عليه السلام) أيضا: «عن الشرط في الإماء لاتباع و لا توهب، قال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، لأن كل شرط خالف الكتاب باطل» (2).

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في رجلين اشتركا في مال و ربحا و كان المال دينا عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال و الربح لك و ما توى فعليك، فقال: لا بأس به إذ اشترط عليه، و ان كان شرطا يخالف كتاب اللّٰه عزّ و جلّ فهو رد الى كتاب اللّٰه عزّ و جلّ» (3).

و منها: موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: «ان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم. الّا شرطا حرّم حلالا أو أحل حراما» (4).

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّٰه فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب اللّٰه عزّ و جلّ» (5).

و منها: موثقة منصور بزرج- و التي تقدمت في الاستشهاد على إطلاق الشرط على النكاح- عن عبد صالح: «قال: قلت له: ان رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه الّا ان يجعل للّٰه عليه ان لا يطلقها و لا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال:

____________

(1) الوسائل ج 12 باب 6 من أبواب الخيار ح 2.

(2) الوسائل ج 12 باب 6 من أبواب الخيار ح 3.

(3) الوسائل ج 12 باب 6 من أبواب الخيار ح 4.

(4) الوسائل ج 12 باب 6 من أبواب الخيار ح 5.

(5) الوسائل ج 12 باب 6 من أبواب الخيار ح 1.

8

بئس ما صنع، و ما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل و النهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال: المؤمنون عند شروطهم» (1).

هذه هي الأخبار العامة التي يمكن ان يستدل بها على صحة شرط الخيار فإنها و ان لم تكن صريحة فيه و نصا بخصوصه، الا انها شاملة له بعمومها فان خيار الشرط من مصاديق الاشتراط و من افراده، فيشمله قوله (عليه السلام): «المسلمون عند شروطهم».

هذا و في دلالة هذه النصوص على إمضاء الشرط في متن العقد نقاط لا بدّ من التوقف عندها و بحثها و تنقيحها، غير ان معظم تلك البحوث لما كان متعلقا بالاشتراط بقول مطلق و هو ما تكفله الفصل الأول من هذه الدراسة تركنا التعرض اليه هنا ثانية حذرا من التكرار.

نعم، هناك إشكالات ثلاثة ذكرها المحقق الايرواني (قدس سره)، نتعرض إليها لارتباطها بحيثية الخيار و هي الجهة التي يمتاز بها المقام عن سائر الشروط.

الأول: دعوى كون المقام من مصاديق شرط النتيجة فلا تشمله الأخبار العامة، موضحا ذلك: بقوله: «يمكن المناقشة في دلالة الأخبار العامة على نفوذ ما هو من قبيل شرط النتيجة الذي منه المقام، و هو شرط الخيار و ثبوت حق الرجوع، بأن ظاهر الاخبار الحكم التكليفي و وجوب ان يكون المؤمن عند شرطه باستعمال الجملة الخبرية في الإيجاب أو مطلق الطلب، فلا يعم ما هو من قبيل شرط النتيجة» (2) و فيه:

أولا: ان دعوى كون المقام من قبيل شرط النتيجة، أمر لا يمكننا المساعدة عليه، فان المجعول في المقام هو ثبوت حق الرجوع- على ما صرح به هو (قدس سره) في كلامه- و مرجعه الى حق اختيار رفع العقد و إبطاله، و هو فعل من أفعال‌

____________

(1) الوسائل ج 15 باب 20 من أبواب المهور ح 4.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2: 20.

9

المكلف.

و دعوى: ان حق الرجوع أمر مملوك للمكلف و ليس بفعل من أفعاله.

مدفوعة: بجريان هذا الكلام في جميع موارد الخيارات المجعولة من قبل المتعاقدين بتمامها، كخيار الشرط و خيار الرؤية و الوصف و ما شاكلها، و هذا يعني عدم شمول الأخبار العامة لجميع تلك الخيارات، و هو أمر لا يلتزم به أحد.

نعم، لو كان الشرط هو انفساخ العقد بنفسه عند الشرط، كان ذلك من شرط النتيجة، الا انه خلاف صريح تعريفه (قدس سره) هو، و مراد الاعلام من محل البحث.

ثانيا: ان حديث التفصيل بين شرط الفعل و شرط النتيجة من حيث شمول الأدلة العامة له، مما لا أساس له، فان كلا منهما مشمول بتلك الأدلة، على حد شمولها للآخر، بل قد استشهد الأئمة (عليهم السلام) في بعض النصوص بقول رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المسلمون عند شروطهم» لإثبات وجوب الوفاء في بعض موارد شرط النتيجة، على ما تقدم بيانه مفصلا في الفصل الأول عند التعرض الى التفصيل بين شرط الفعل و شرط النتيجة.

نعم، هناك بعض الأمور و النتائج لا تتحقق إلا بأسباب خاصة و معينة من قبل الشارع كالنكاح و الطلاق، فلا ينفذ أخذها على نحو شرط النتيجة في العقود، غير ان ذلك يرجع الى الأدلة الخاصة التي دلت على اعتبار أسباب و صيغ معينة في تحقق تلك الأمور، لا الى قصور في الأدلة العامة عن شمولها.

الثاني: ان جعل الخيار و إعطاء حق نقض العقد أمر خارج عن ارادة المتعاقدين و صلاحيتهما، لكونه من شئون و أفعال الشارع المقدس، فإنه الذي يقرر تشريع الخيار حيث يراه صالحا، فلا يخضع لاعتبار و اشتراط المتعاقدين.

و قد أوضح ذلك بقوله: «المقام داخل في شرط فعل اللّٰه، اعني حكمه بالخيار، و هو خارج عن الاختيار، غير مشمول لخطاب: المؤمنون ..» (1).

____________

(1) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2: 20.

10

و فيه:

أولا: ان الخيار الذي هو بمعنى حق الفسخ ليس من أفعال اللّٰه تبارك و تعالى، و انما هو فعل للمتعاقدين حيث يمنح كل منهما أو أحدهما خاصة صاحبه حق نقض العقد و إبطاله، كما يشهد له عدم اختصاص عقد البيع و اشتراط الخيار فيه بالمسلمين، فإنه خير شاهد على ان الخيار حق و صلاحية يمنحها أحد المتعاقدين لصاحبه في العقد.

نعم، نفوذ هذا التصرف و صحة هذا المنح و الإعطاء من الناحية الشرعية يحتاج إلى إمضائه و إقراره شرعا، الا انه يكفي فيه عدم الردع عنه، فضلا عن شمول عمومات و إطلاقات أدلة الوفاء له.

ثانيا: عدم اختصاص ما ذكره (قدس سره) بخيار الشرط، فإنه يجري في جميع الخيارات المجعولة من قبل المتعاقدين- على حد ما ذكرناه في دفع الإشكال الأول- و هو ما يعني عدم شمول الأدلة العامة لها جميعا، و هو فاسد قطعا، و أقل ما يلزم منه انه لا يبقى موردا لتلك الأدلة العامة بتاتا، فإنها ان لم تشمل الشروط المجعولة من قبل المتعاقدين لكون مرجعها حق الخيار الذي هو فعل اللّٰه تبارك و تعالى فعدم شمولها للشروط و الخيارات المجعولة من قبل الشارع، باعتبار انها ليست من أفعال المكلفين، أوضح من ان يخفى.

و الحاصل: انا لا نرى فرقا بين شرط الخيار الذي هو بمعنى حق الفسخ و بين سائر الشروط المجعولة من قبل المتعاقدين التي بنفس المعنى، فإذا شملت الأدلة العامة بعمومها أو إطلاقها سائر الشروط و أوجبت لزوم الوفاء بها، شملت هذا الشرط أيضا.

الثالث: دعوى ان «المقام داخل في اشتراط ما يخالف الكتاب و السنة المستثنى من عموم «المؤمنون»، لدلالة الكتاب و السنة على وجوب الوفاء بالبيع. و هذا اشتراط‌

11

لعدم وجوب الوفاء به، و جواز حله بالفسخ» (1).

توضيحه: ان شرط الخيار و ثبوت حق الفسخ للمتعاقدين أو لأحدهما يتنافى مع الكتاب العزيز في قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)، و السنة الشريفة في قولهم (عليه السلام): «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (3).

فان مقتضاهما لزوم الوفاء بالعقد، و عدم جواز رفع اليد عن مؤداه، في حين ان مقتضى الشرط جواز فسخه و إبطاله، فيلغو الشرط لا محالة و يسقط عن الاعتبار، لما عرفته في مبحث أدلة صحة الشروط من اعتبار عدم كونه مخالفا لمقتضى الكتاب و السنة.

الا انه (قدس سره) رد هذا الاشكال بقوله: «اللهم الا ان يقال: ان اشتراط الخيار، اشتراط لأن يسترجع ما دفعه حيثما أراد و يأخذه و يتملكه متى ما أحب، و عموم «المؤمنون» يقتضي نفوذ هذا الاستيلاء و تأثيره في حصول الملك، كما ان عموم «أوفوا» أيضا يقتضي ذلك، و يلزم المشروط عليه بدفع ما التزم بدفعه عند رجوع صاحبه، فالشرط شرط للتملك الخارجي، و شرط للرجوع في ما أعطاه بلا مساس له بحكم الشارع، و الشارع بعموم «المؤمنون» و عموم «أوفوا» يحكم بنفوذ الشرط و تأثير الفسخ في رجوع العوضين الى صاحبهما الأصليين» (4).

و فيه: ان ما افاده (قدس سره) ان كان مؤداه أن مدلول شرط الخيار هو التملك الابتدائي من جديد بعيدا عن الملكية السابقة، فيكون أشبه شي‌ء باشتراطه على المشتري ان يبيعه المتاع مجددا متى أراده، كي لا يتنافى ذلك مع مقتضى الكتاب و السنة بلزوم العقد السابق و وجوب الوفاء به، كما قد يظهر من قوله: «فالشرط شرط للتملك الخارجي»‌

____________

(1) تعليقه الايرواني على المكاسب ج 2: 20.

(2) المائدة: الآية 1.

(3) الوسائل ج 12 باب 1 من أبواب الخيار ح 3.

(4) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2: 20.

12

فيرده صريح الوجدان بأن الخيار هو حق فسخ العقد السابق و رفع اليد عنه، لا التملك الابتدائي المنفصل عن سابقه.

و ان كان مؤداه: ان الشرط لما كان داخلا في العقد و من متعلقاته، و كان مقتضى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لزوم الوفاء بالعقد بجميع مؤدياته و قيوده و شئونه، كان مفاد «المؤمنون عند شروطهم» مطابقا لمفاد «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» تماما و من دون ان يكون بينهما أقل تضارب أو تناف.

ففيه: انه لا إشكال في كون الشرط مطلقا- سواء أ كان مخالفا للكتاب و السنة أم لم يكن- لدى العرف من توابع العقد و خصوصياته، و مشمولا بدوا بعموم وجوب الوفاء بالعقد، الا ان ذلك لا يحل مشكلة التعبد الشرعي ببطلان الشروط المخالفة للكتاب و السنة و المقتضي لتخصيص عمومات وجوب الوفاء بغير هذا القسم من الشروط.

فإنه لو سلم ان مقتضى الشرع هو الحكم بلزوم العقد بعد انقضاء خيار المجلس و وجوب الوفاء به مطلقا، كان اشتراط خلافه منافيا للشرع و مخالفا له و ان دخل في ضمن العقد و أصبح من توابعه و خصوصياته عرفا، كما هو الحال في سائر موارد مخالفة الشرط للكتاب و السنة، فان دخولها في متن العقد الموجب لعدّها لدى العرف من شئون العقد، و الوفاء بها من الوفاء به، لا يحل مشكلة مخالفتها للعقد و بطلانها من هذه الناحية.

اذن فما افاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه.

و الصحيح في مقام الإجابة عن الاشكال ان يقال:

ان الاحكام الشرعية الثابتة للعقود تختلف- بحسب لسان أدلتها- من عقد الى آخر، فبعض تلك الاحكام مجعول على نحو لا يمكن فصله عن الصحيح من ذلك العقد، و بعض منها يجعل على نحو الاقتضاء الاولى للعقد مع احتفاظ المتعاقدين بحقهما في إلغائه و تغييره، و يعبّر عن الأول في الاصطلاح بالحكم فيما يعبّر عن الثاني بالحق.

13

و بعبارة اخرى: ان الاحكام الشرعية- التكليفية و الوضعية- على قسمين، فقسم منها يقبل الاسقاط و يكون امره بيد المكلف و يصطلح عليه بالحق، و قسم منها لا يقبل الاسقاط و لا يكون امره بيد المكلف و يصطلح عليه بالحكم- بالمعنى لأخص- و المتبع في تحديد ذلك لسان الدليل و ما يستفيده الفقيه منه، و هذا هو السبب في اختلاف الفقهاء في بعض موارد اشتراط ما يخالف الآثار الأولية للعقد، بين مجوّز له و مانع.

و على هذا الأساس، فحيث ان اللزوم في أكثر العقود و منها البيع من النوع الذي يكون امره بيد المتعاقدين- و لذا تصح الإقالة فيه- لم يكن اشتراط الخيار منافيا لمقتضى الكتاب و السنة، فإنهما لا يقتضيان اللزوم الا للعقد بطبعه الاولى و مع قطع النظر عن استعمال المتعاقدين لإرادتهما الخاصة.

الخلاصة:

يتلخص مما تقدم انه لا مانع من شمول الأدلّة العامة للشرط للمقام- خيار الشرط- باعتباره أحد مصاديقه و افراده.

ج‍- النصوص الخاصة

لم يرد في النصوص شي‌ء بعنوان خيار الشرط، غير ان من الممكن الاستدلال على المدعى بالنصوص التي وردت في ما يصطلح عليه عندهم ببيع الخيار، باعتباره أحد مصاديق خيار الشرط و افراده.

فمنها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: «حدثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه‌

14

السلام) و سأله رجل و انا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج الى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك أحب اليّ من ان تكون لغيرك، على ان تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة ان ترد عليّ، فقال: لا بأس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه. قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة، لمن تكون الغلة؟ فقال:

الغلة للمشتري، الا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله» (1).

و منها: رواية معاوية بن ميسرة، قال: «سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل باع دارا له من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاضر، فشرط انك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله. قال: له شرطه. قال أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين؟ قال: هو ماله. و قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): أ رأيت لو ان الدار احترقت من مال من كانت، تكون الدار دار المشتري» (2).

فإنه و بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع، و القطع بعدم وجود خصوصية لشرط المجي‌ء بالثمن في ثبوت الخيار بحيث يدور مداره جواز جعل الخيار و عدمه، يستكشف إمضاء الشارع المقدس لشرط الخيار من قبل المتعاقدين و جعل حق الفسخ وفق الضوابط التي يختارانها.

د- السيرة العقلائية

أن ملاحظة المجتمعات البشرية- على اختلاف مذاهبها و معتقداتها- في معاملاتها و تصرفاتها، تعطينا انطباعا واضحا بأنهم- مع قطع النظر عما يدينون به- كما يدركون بفطرتهم الحاجة الملحة إلى إنشاء العقود و وضع أطر عامة لتنظيم‌

____________

(1) الوسائل ج 12 باب 8 من أبواب الخيار ح 1.

(2) الوسائل ج 12 باب 8 من أبواب الخيار ح 3.

15

المعاملات في ظل الحياة الاجتماعية، يدركون الحاجة الملحة- أيضا- الى فسخ بعض تلك العقود و رفع اليد عنها وفق ظروف طارئة و متغيرات و خصوصيات حادثة بلحاظ عنصر الزمان أو المكان أو العقد أو المتعاقدين أو غيرها تفرض نفسها على العقد و تتطلب تجديد الموقف منه.

و إذا كان الإدراك الأول يفرض على عقلاء المجتمع وضع القواعد و المبادئ العامة للعقود و المعاملات، فإن الإدراك الثاني يفرض عليهم وضع الضوابط العامة لحق الفسخ و ما يدخل منها في متن العقد كالاشتراط، و ما يطرأ على العقد مما يوجب لصاحبه الخيار.

بل ان هذا الإدراك هو الأساس الوحيد لتسالم أرباب القانون المدني بجميع مذاهبهم على تصحيح الاشتراط و جعل الخيار في العقد- و لو على نحو القضية الموجبة الجزئية- فإن القانون حينما يكون علمانيا لا يؤمن بما وراء الطبيعة و الوحي- كما هو الغالب في مصادر القانون- لا يجد امامه سبيلا لتبرير هذا التشريع، غير الإدراك الفطري لحاجة الإنسان في معاملاته و التزاماته.

و الحاصل: ان خيار الشرط ليس كخياري المجلس و الحيوان- مثلا- مما يحتاج في تشريعه الى التعبد و النص، لعدم إدراك العقلاء له بحدوده المرسومة له، بل هو على العكس منهما أمر يدركه العقلاء بفطرتهم، و يباشرونه في معاملاتهم و تصرفاتهم كعقلاء، بعيدا عن معتقداتهم و آرائهم.

و من هنا، يكفينا عدم ثبوت الردع عنه- رغم عموم البلوى به- في إثبات مشروعيته و الالتزام به، سواء شملته الإطلاقات و العمومات أم لا، و سواء ثبت النص الخاص فيه أم لا.

فان كل ذلك على حد سواء، بعد ما عرفت من السيرة العقلائية و عدم ثبوت الردع عنها.

16

المقام الثاني في موارده و تطبيقاته

تمهيد

تنقسم المعاملات بالمعنى الأعم- و اعني به مطلق القرار المرتبط باثنين و لو بلحاظ نتيجته- الى:

أ- العقود، و هي ما يكون قرار المعاملة فيها بيد اثنين.

ب- الإيقاعات، و هي ما يكون قرار المعاملة فيما بيد طرف واحد.

ثم ان العقود تنقسم بلحاظ مفادها الى:

أ- ما يفيد مفهوما معامليا خاصا يتميز به عن سائر أفراد المعاملات، و يصطلح عليه بالعقد- بالمعنى الأخص- ب- ما يفيد مفهوما عاما يقبل الانطباق على كثير من افراد المعاملات و يتوصل إلى إنشائها به، و يصطلح عليه بالصلح.

ثم ان العقد- بالمعنى الأخص- ينقسم بلحاظ جواز فسخه و عدمه ذاتيا الى:

1- العقود اللازمة.

2- العقود الجائزة.

و على ضوء هذا فالكلام في المقام الثاني يقع في ضمن مقاصد أربعة:

المقصد الأول: العقود اللازمة.

المقصد الثاني: العقود الجائزة.

المقصد الثالث: الإيقاعات.

المقصد الرابع: الصلح.

17

المقصد الأول العقود اللازمة

لا اشكال و لا خلاف بين الأصحاب في صحة اشتراط الخيار في العقود اللازمة في الجملة، و دعوى الإجماع عليها في كلماتهم متضافرة، بل يبدو من غير واحد منهم كون الحكم لديهم من المسلّمات، و انها القدر المتيقن من عمومات و إطلاقات الأدلة، على ما ستعرفه عند التعرض لكلماتهم في المقصد الثاني- العقود الجائزة.

كما لا اشكال و لا خلاف بينهم في عدم جريانه في بعض العقود اللازمة بخصوصه، و دائرة الخلاف بينهم بعد ذلك في كثير من المصاديق شاسعة واسعة.

و نحن قبل التعرض لما اتفقوا على جريان الخيار أو عدمه فيه، و ما اختلفوا بالنسبة إليه، نتعرض للبحث عن وجود معيار و ملاك كلي يمكن الاعتماد عليه في تشخيص ما يصح فيه شرط الخيار و عدمه، لما لهذا البحث من دور مهم في فرز المصاديق المشتبهة.

و كيف كان، فقد ذكر في الكلمات ان العبرة في صحة اشتراط الخيار في العقد و عدمها انما هي بجواز التقايل في ذلك العقد و عدمه. فكل عقد يجوز فيه التقابل يصح فيه اشتراط الخيار، و كل عقد لا يصح فيه التقابل لا يصح فيه اشتراط الخيار.

و قد اختلفت كلمات الأصحاب في الاعتراف بهذه الضابطة، فمنهم من قبلها‌

18

أصلا و عكسا، و منهم من رفضها كذلك، و فصّل ثالث بين الأصل و العكس فاعترف بها في الأول دون الثاني.

قال الشيخ الأنصاري (قدس سره)- في مقام بيان تمامية القاعدة أصلا و عكسا- ما نصه: «و الأظهر بحسب القواعد اناطة دخول خيار الشرط بصحة التقايل في العقد، فمتى شرّع التقايل مع التراضي بعد العقد، جاز تراضيهما حين العقد على سلطنة أحدهما أو كليهما على الفسخ، فإن إقدامه على ذلك حين العقد كاف في ذلك، بعد ما وجب عليه شرعا القيام و الوفاء بما شرطه على نفسه، فيكون أمر الشارع إياه بعد العقد بالرضا بما يفعله صاحبه من الفسخ و الالتزام و عدم الاعتراض عليه، قائما مقام رضاه الفعلي بفعل صاحبه و ان لم يرض فعلا.

و اما إذا لم يصح التقايل فيه لم يصح اشتراط الخيار فيه، لأنه إذا لم يثبت تأثير الفسخ بعد العقد عن تراض منهما، فالالتزام حين العقد لسلطنة أحدهما عليه لا يحدث له أثرا، لما عرفت من ان الالتزام حين العقد لا يفيد إلا فائدة الرضا الفعلي بعد العقد لفسخ صاحبه، و لا يجعل الفسخ مؤثرا شرعيا» (1).

و وافقه على ذلك المحقق الايرواني (رحمه اللّٰه)، غير انه أضاف عليه اعتبار ان لا يكون اللزوم من مقتضيات ذات العقد.

قال (قدس سره): «و اما اللازم- العقد اللازم- فاشتراط الخيار فيه مبني على ان لا يكون اللزوم من مقتضيات ذاته، بحيث تخرج المعاملة عن كونها تلك المعاملة باشتراط الخيار فيها، كاشتراطه في عقد الرهن المبني على الاستيثاق.

و أيضا مبني على ان تكون سلطنة العقد إبقاء وحلا كسلطنته إحداثا بيد المتعاملين، حتى لو اجتمعا على الحل لحلّاه، فلو لا هذه السلطنة- كما في عقد النكاح- لم يجز لهما اشتراط الخيار الذي هو في الحقيقة تفويض لهذه السلطنة لواحد و حصر لها في واحد، فكانت لذلك الواحد السلطنة التامة على سبيل الاستقلال.

____________

(1) المكاسب ج 15: 129- 131.

19

ثم ان أحرزت هذه السلطنة جاز شرط الخيار، و ان لم تحرز لم يجز، لان عموم «المؤمنون» مخصص بشرط خالف الشرع، و المورد محتمل الاندراج في المخصص، مقطوع الاندراج فيه ببركة استصحاب عدم جعل الشارع هذه السلطنة للمتعاقدين، و معه كيف يتمسك بعموم «المؤمنون».

و نظير هذا الاستصحاب في إثبات الاندراج تحت عنوان المخصص أصالة البراءة في إثبات عدمه و انه باق تحت العموم فيما إذا اشترط فعلا شك في حرمته، فبأصالة البراءة عن حرمته يحكم بحليته و بقائه تحت عموم «المؤمنون» فلذا يحكم بوجوب الوفاء به تمسكا بذلك العموم.

و بالجملة: ضابط نفوذ الشرط ثبوت تلك السلطنة للمتعاقدين مجتمعين و لو بالإقالة و عدم خروج أمر المعاملة عن يديهما، فان كانت هذه السلطنة، جاز تفويض هذه السلطنة بالجعل الى واحد بجعله مستقلا في السلطات، و كان هذا هو معنى خيار الشرط، و الا كان ذلك شرطا مخالفا للمشروع، و مع الشك في هذه السلطنة يرتب اثر عدمها استصحابا لحال العقل و حال ما قبل الشرع» (1).

و هناك تقريب آخر لهذه الضابطة الكلية، نقله المحقق الأصفهاني (قدس سره) عن بعض السادة الأجلّة و حاصله: «ان مقتضى أدلة الشروط قطع سلطنة المشروط عليه عن الامتناع من الفسخ، و عدم كون رضاه الفعلي شرطا في تأثير الفسخ، و لا ريب ان نفي شرطية رضاه أعم من كونه سببا رافعا للعقد، بخلاف ما إذا علمنا من الخارج جواز التقايل منهما، فإنه دليل على سلطنة كل منهما على الفسخ بالتراضي، فيجدي حينئذ قطع سلطنة المشروط عليه و عدم شرطية رضاه في تأثير الفسخ، حيث علم سلطنة الآخر في نفسه على الفسخ برضا الآخر المفروض فعليته حال العقد و قيامه مقام رضاه بعده» (2).

____________

(1) تعليقه الايرواني على المكاسب/ قسم الخيارات: 26.

(2) تعليقة الأصفهاني على المكاسب/ قسم الخيارات: 51.

20

الا ان السيد الخمينى (قده) قد استشكل في صحة القاعدة عكسا، و بذلك فقد فصّل في الكبرى بين أصلها و عكسها، فالتزم بان كل ما تصح فيه الإقالة يصح فيه شرط الخيار و لا عكس، إذ لا ملازمة بين عدم صحة الإقالة و عدم جريان شرط الخيار.

قال (قده) ما نصه: «ثم ان تلك الكبرى أي: كل ما تجري فيه الإقالة يصح شرط الخيار فيه، تصح أصلا، و لا دليل على صحتها عكسا.

أما الأولى: فالسر فيها ليس ما افاده الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه) على ما يتضح بالتأمل، بل السر ان المعاملة التي يجري فيها التقايل يستكشف منه انها تحت تصرف المتعاملين بعد تحققها و لزومها و خروج أمرها من يد كل واحد منهما، فيستكشف من ذلك بنحو الوضوح و الأولوية ان زمام أمرها قبل تحققها و لزومها بيدهما في ذلك.

و ان شئت قلت: يستكشف منه ان اللزوم حقي، فلهما الاجتماع على رفعه بقاء فضلا عن حال الحدوث الذي لم تخرج بعد عن تحت تصرفهما أو تصرف واحد منهما، فلازم صحة التقايل في ما يصح فيه صحة جعل الخيار فيه برضاهما.

و اما الثانية: فلأن من المحتمل ان يكون عقد موضوعا لحكم شرعي بعد تحققه دون ما قبله، فيكون لهما التصرف فيه حال حدوثه دون حال بقائه، و لا راد لهذا الاحتمال.

و عليه فيصح ان يستدل بعروض التقايل على صحة جعل الخيار دون العكس» (1).

و في قبال هذين القولين اختار بعض الاعلام عدم تمامية هذه الكبرى من رأس- أصلا و عكسا- و ذكر في بيان ذلك ان «تقريب هذا التفريع بأحد وجهين:

الأول: ان نفوذ الشرط معناه إلزام المشروط عليه، و عدم جواز الامتناع منه، و تحقق الإلزام بالشرط فرع جوازه.

____________

(1) كتاب البيع ج 4: 264.

21

الثاني: ما افاده المصنف العلامة (قدس سره) في آخر كلامه، من ان الالتزام في ضمن العقد مثلا بمنزلة رضا المتعاقدين بعد العقد، فإذا كان تراضيهما بعد العقد كافيا في انحلاله كان في ضمن العقد كافيا في أحداث السلطنة على حلّه، و إذا لم يكن تراضيهما بعد العقد كافيا في ذلك فلا معنى لكون التراضي في ضمن العقد بمنزلة التراضي بعد العقد على حلّه.

و الجواب عن التقريب الأول ما أشرنا إليه سابقا من ان شرط الخيار ليس شرط السلطنة التكليفية و الوضعية، بل مقتضاه جعل حق الحل من المشروط له و لو بالتقايل كما في جعل الخيار في البيع للأجنبي، فإنه نافذ مع انه ليس للأجنبي جواز الحل و لا يصح منه التقايل مع المشروط عليه قبل حدوث الحق، و ليس جعل الخيار للأجنبي بعنوان التوكيل ليقال بكفاية التقايل من الموكل نفسه.

و الجواب عن التقريب الثاني ان اعتبار كون شرط الخيار بمنزلة التراضي بالتقايل حتى لا يكون تقايلا تنزيليا بضميمة حكم الشارع بوجوب الوفاء، بلا موجب لا من قبل الشارع و لا من قبل جاعل الشرط.

اما من قبل الشارع فواضح، إذ ليس إيجاب الوفاء إلا إيجاب القيام بما يقتضيه الشرط و جعل الحق الذي تسبب إليه أحدهما على الآخر كجعل الحق ابتداء، حيث انه ليس بعناية قيامه مقام التقايل، كيف و هو حق قهري على من عليه الحق لا ابتداء و لا بالأخرة.

و اما من قبل المشروط له و المشروط عليه، فليس الشرط المحقق لحق الخيار إلا كسائر الشروط المحققة لنحو آخر من الحق، من دون النظر الى تحصيل التراضي المحقق للتقابل بعد العقد حال العقد» (1).

أقول: اما التفصيل بين الأصل و العكس، فالظاهر انه لا أساس له و لا يمكن المساعدة عليه.

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب/ قسم الخيارات: 48.

22

ذلك ان من يحتمل ان يكون العقد موضوعا لحكم شرعي بعد تحققه خاصة بأن يحكم الشارع للعقد باللزوم و خروج زمام امره عن يد طرفيه بعد تحققه، و هو ما يعني عدم تأثير تقايلهما فيه، دون ما قبله بأن يكون لهما التصرف في العقد حين حدوثه و قبل ورود الإلزام الشرعي عليه و وجوب الوفاء به، يجعل الخيار لأحدهما في فسخه، عليه ان يحتمل لا محالة عكس تلك القضية أيضا- كما هو قضية الاحتمال- بأن يحتمل جعل الشارع أمر العقد بعد تحققه بيد طرفيه و تحت اختيارهما، و الذي يعني نفوذ تقايلهما فيه و صحته، دون ما قبله، فلا يكون لهما جعل الخيار لأحدهما.

بل قد يكون هذا الاحتمال أقرب الى الواقع من سابقه، إذا أخذ بعين الاعتبار ما ذكر في معظم الكلمات وجها للمنع من اشتراط الخيار في جملة من العقود، من رجوعه الى قصد المتنافيين في مقام الإنشاء، و كونه منافيا لمقتضى العقد. فإنه ان ثم و جرى في شرط الخيار، فلا يجري في التقايل الذي يعتبر حالة طارئة على العقد، لا علاقة له بمرحلة الإنشاء و الجعل.

و الحاصل: ان احتمال المنع من شرط الخيار و إطلاق التقايل، ان لم يكن أوجه من احتمال صحة شرط الخيار و المنع من التقايل، فلا أقل من مساواته له، و عليه فلا مناص اما من الأخذ بالاحتمالين معا، و القول ببطلان الكبرى أصلا و عكسا، و اما طرحهما معا و القول بصحتهما كذلك.

و حيث ان القائل اعترف بصحة القاعدة أصلا، فعليه الالتزام بصحتها عكسا أيضا و طرح ما ذكره من الاحتمال.

هذا و من الممكن توجيه الاشكال على التفصيل في الكبرى بين الأصل و العكس ببيان آخر، هو: اننا إذا احتملنا كون العقد بعد تحققه موضوعا لحكم شرعي هو اللزوم الحكمي غير المفارق له، و عليه بنينا عدم صحة التقايل فيه، فكيف يصح لنا ان نحتمل كون أمر بقاء ذلك العقد بعد تحققه في مرحلة إنشائه و إيجاده بيد المتعاقدين بحيث يكون لهما جعل الخيار فيه، أ و ليس ذلك من جعل الخيار في العقد اللازم بلزوم حكمي غير مفارق لماهيته.؟

23

و لا أقل من احتمال ذلك، باعتبار «ان احتمال كون اللزوم فيها حكميا و كون الشرط مخالفا للكتاب يمنع عن صحته» (1).

و الحاصل: ان التفصيل في القاعدة بين الأصل و العكس غير وجيه، و لا يساعد عليه الدليل و التحقيق.

اذن فنحن امام خيارين، القول بصحة القاعدة مطلقا أصلا و عكسا، و القول بعدم تماميتها كذلك.

و الظاهر ان القول الثاني هو، الأقرب للواقع إذا قيست الكبرى و القاعدة بالمعايير و الموازين العلمية الدقيقة، فإنها لا تتم لا من حيث الفكرة و التصور و عالم الإمكان، و لا من حيث الوقوع و الخارج.

اما الأول: فلما عرفته في مناقشة القول بالتفصيل من إمكان الفصل بين طرفي القاعدة و جزأيها، فيقال بصحة التقايل و لا يقال بنفوذ شرط الخيار، أو يقال بصحة شرط الخيار و لا يقال بجواز التقايل، من دون ان يلزم في شي‌ء منه محذور عقلي، فيعلل الثاني بما ذكره السيد الخمينى (قده) من احتمال «ان يكون عقد موضوعا لحكم شرعي بعد تحققه دون ما قبله، فيكون لهما التصرف فيه حال حدوثه دون حال بقائه» و يعلل الأول بما ذكرناه من احتمال عدم صحة الشرط بملاك منافاته لمقتضى العقد و رجوعه الى قصد المتنافيين، و صحة التقايل لعدم محذور فيه باعتبار انفصاله عن مرحلة الإنشاء.

اذن فإمكان الفصل بينهما علميا أمر معقول و لا يصطدم بمحذور.

و اما الثاني: فلأن الفصل بينهما في كلمات الاعلام ليس بعزيز، فقد اتفقت كلمة جلّهم- ان لم نقل بتحقق الإجماع- على عدم صحة اشتراط الخيار في الرهن مع التزامهم بصحة الإقالة فيه.

و ذهب غير واحد منهم إلى صحة اشتراط الخيار في الإيقاع مع عدم صحة‌

____________

(1) كتاب البيع ج 4: 261.

24

التقايل فيه، و كذا الحال في البيع الخياري.

قال السيد الطباطبائي (قدس سره): «يمكن ان يقال بعدم جريان التقايل في البيع الخياري ما دام الخيار باقيا، لقصور أدلته عن الشمول، لأنه مع الخيار لا يكون من إقالة النادم، لإمكان رفع الندم بالفسخ من جهة الخيار، مع انه لا إشكال في جريان شرط الخيار و ان كان له خيار آخر، و يمكن جريان الإقالة مع عدم جريان الشرط إذا كان منافيا لمقتضى العقد- كما في عقد الرهن- بناء على كون شرط الخيار منافيا للاستيثاق المقصود منه، فإنه لا إشكال في جريان الإقالة فيه.

و التحقيق: ان النسبة بين مورد الإقالة و خيار الشرط من حيث هما عموم من وجه، فمورد افتراق الإقالة مسألة الرهن و الوقف، بناء على كون شرط الخيار فيه منافيا لمقتضاه من الدوام، فإنه على هذا لا يصح شرط الخيار، لكن لا مانع من جريان الإقالة بعد الانعقاد و تماميته، إذا كان الموقوف عليه معينا أو مع ولي الوقف العام.

و مورد افتراق شرط الخيار بعض الإيقاعات الذي يجري فيه شرط الخيار أو يمكن ان يجري فيه، فإنه لا معنى لجريان الإقالة فيها مطلقا، لأنها محتاجة إلى الطرفين، و الإيقاع متقوم بطرف واحد. و مع ذلك يمكن اشتراط الخيار لمن لا يكون طرفا في الإيقاع، كأن يجعل الخيار في الطلاق للزوجة أو لنفسه و رضيت الزوجة به، و كذا في الإبراء و نحوه، و أيضا العقد المشتمل على الخيار حسب ما عرفت.

و الحاصل: ان التفكيك ممكن من الجانبين و ان لم يكن واقعا، كما إذا منعنا دخول شرط الخيار في الإيقاعات مطلقا، و قلنا بجريان الإقالة في العقد المشتمل على الخيار أيضا، و جوّزنا دخول الشرط في الرهن بدعوى عدم المنافاة» (1).

اللهم الا ان يقال: ان العبرة ليست بالإقالة التي هي فعل شخص واحد، و انما بالتقايل الذي هو فعل اثنين بحيث يقيل كل منهما صاحبه و يرفع عنه كلفة اللزوم المفروض عليه، و هو لا يتحقق إلا إذا كان اللزوم ثابتا للطرفين، و معه تخرج أكثر‌

____________

(1) حاشية الطباطبائي على المكاسب/ قسم الخيارات: 34.

25

الموارد المذكورة في مقام النقض تخصصا، فان الإيقاع ذو طرف واحد، و اللزوم في الرهن و البيع الخياري لجانب واحد خاصة.

الا ان هذا يعني خروج أكثر الموارد التي استدل فيها الأصحاب على قبولها للشرط أو عدمه بالقاعدة، فإن كثيرا من تلك الموارد لا يخلو اما عن كونه من الإيقاع، أو كون اللزوم فيه من جانب واحد فقط.

نتيجة البحث

و المتحصل مما ذكرنا ان الالتزام بقاعدة التلازم بين التقايل و شرط الخيار كضابطة كلية يحدد على ضوء أصلها و عكسها ما يصح فيه شرط الخيار و ما لا يصح، مما لا دليل عليه في العقود فضلا عن غيرها، لما عرفته من عدم الملازمة بينهما- بالمعنى الدقيق- لا في مقام الثبوت و لا في مقام الإثبات.

نعم، الحقيقة التي لا تقبل الإنكار هي وجود الربط بينهما في أغلب الموارد، فإن أكثر العقود التي يصح التقايل فيها يصح فيها اشتراط الخيار و العكس بالعكس، كما يشهد له تتبع احكام العقود و ملاحظة كلماتهم في موردي اشتراط الخيار و التقايل حيث انهم لم يفرقوا بينهما الا نادرا.

غير ان ذلك لا يعني وجود ضابطة كلية، و اناطة الجواز و عدمه بها، و بين المقالين من الفرق ما لا يخفى.

و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه لما في بعض الكلمات من ان «الظاهر كونها- القاعدة المذكورة- من القضايا التي قياساتها معها، لأن الإقالة عبارة عن كون حل العقد و إزالته باختيار المتعاقدين و رضى منهما بعد العقد، و لا فرق عرفا بينه و بين شرط الخيار في ابتداء العقد، إذ لا فرق بين ابتداء العقد و ما بعده في هذه الجهة عند متعارف المتعاقدين، لأن حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد، خصوصا في‌

26

الاعتباريات» (1).

لوضوح الفرق بينهما، لا سيما في المورد الذي يكون فيه الشرط منافيا لمقتضى العقد فإنه لا يصح لأن مرجعه الى قصد المتنافيين، في حين انه لا محذور فيه من الالتزام بصحة التقايل، و قد عرفت ان ذلك ليس مجرد افتراض و همي.

على انه لم يظهر لنا وجه الخصوصية في الاعتباريات، بل الأمر على العكس من ذلك تماما، فإن أمر الاعتباري بيد المعتبر يتصرف فيه كيف يشاء و وفق ما يراه، فقد يجمع بين حقيقتين في الاعتبار و قد يفصل في الحقيقة الواحدة، و شواهد ذلك في الأحكام الشرعية أكثر من ان تحصى.

____________

(1) مهذب الاحكام ج 17: 133.

27

المختار في الضابطة

و أخيرا، فالذي يمكن اعتماده معيارا لصحة التقايل و شرط الخيار في العقود اللازمة هو: صحتهما في كل عقد لا يكون لزومه حكما شرعيا غير مفارق له، فإنه معيار صادق في جميع الموارد بلا استثناء، الا ما خرج بالتعبد.

و لا يرد عليه إمكان الفصل بين التقايل و شرط الخيار، لما ذكرناه من احتمال منع الثاني بملاك منافاته لمقتضى العقد و رجوعه الى قصد المتنافيين، دون الأول حيث لا يجري فيه ذلك.

و ذلك لان المنافاة ان فرضت، فهي انما تكون بلحاظ أخذ اللزوم غير المفارق في ماهيته، و معه كيف يمكن القول بصحة التقايل فيه، و بدونه لا محذور في شرط الخيار و لا يمكن تصور كونه منافيا لمقتضى العقد.

هذا كله بالنسبة إلى العقود اللازمة، و اما العقود الجائزة و الإيقاعات ففيها حديث آخر يأتي عند التعرض إليها.

28

تصنيف العقود اللازمة

ثم ان العقود اللازمة بالقياس الى آراء العلماء في قبولها لشرط الخيار على طوائف ثلاث:- الطائفة الأولى: ما اتفقت كلماتهم على دخوله فيها، كغير الصرف و السلم من البيع اللفظي، و الإجارة و المساقاة و المزارعة.

الطائفة الثانية: ما اتفقت كلماتهم على عدم دخوله فيها، و ذلك كالنكاح.

الطائفة الثالثة: ما اختلفت كلماتهم فيها، و هو أكثر العقود اللازمة.

و نحن نتعرض لكل طائفة على حدة لندرس وجه الحكم فيها، و من ثمّ ملاحظة ما قيل أو يمكن ان يقال في المقام.

الطائفة الاولى:-

و البحث فيها ينصب على أقسام البيع اللفظي باستثناء الصرف و السلم، و ما يلحق به من الإجارة و المزارعة و المساقاة.

و اما البيع المعاطاتي و الصرف و السلم فسيأتي الحديث عنها في الطائفة الثالثة.

و الوجه فيه- مضافا الى إطلاق الأدلة العامة كقولهم (عليهم السلام):

«المسلمون عند شروطهم» حيث لا يجري فيها ما احتمل أو قيل في غيرها من الموانع و مقتضيات التقييد- الإجماع و التسالم على دخوله فيها.

قال الشهيد (قدس سره) في المسالك- في مقام بيان ما لا يجري فيه خيار الشرط من العقود: «و يستثنى من البيع ما يتعقبه العتق، كشراء القريب، فإنه لا يثبت‌

29

فيه خيار الشرط و لا المجلس» (1).

و قال المحقق العاملي (رحمه اللّٰه) في مفتاح الكرامة: «لا خلاف بين العلماء في جواز اشتراط الخيار في البيع، كما في التذكرة» (2).

و قال في موضع آخر منه: «و الذي يتحصل من كلامهم ان هذا الخيار يعم كل بيع لا يستعقب العتق» (3).

و قال صاحب الجواهر (قدس سره) انه: «لا خلاف و لا إشكال في ثبوت خيار الشرط فيها- الإجارة- بل ربما استظهر من التذكرة الإجماع عليه، لعموم دليله» (4).

و قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «و من الثالث- ما يدخله الخيار اتفاقا- أقسام البيع ما عدا الصرف، و مطلق الإجارة و المزارعة و المساقاة، و غير ما ذكر من موارد الخلاف، فان الظاهر عدم الخلاف فيها» (5).

هذا و يشهد للحكم في الموارد المذكورة ما ذكروه من القاعدة الكلية لتحديد موارد صحة شرط الخيار، اعني جريان التقايل فيه، حيث اتفقت كلمتهم على جريانه في البيع و الإجارة و المزارعة و المساقاة، فراجعها تجدها صريحة في ما ذكرناه.

بل يقتضيه ما ذكرناه في مقام تحديد الضابطة أيضا، لوضوح كون اللزوم في جميع تلك الموارد حقيا مرتبطا بقرار المتعاقدين، على ما يشهد له ملاحظة أحكامها و لسان أدلتها.

____________

(1) مسالك الافهام ج 1/ احكام الخيار- خيار الشرط.

(2) مفتاح الكرامة ج 4: 560.

(3) مفتاح الكرامة ج 4: 568.

(4) جواهر الكلام ج 27: 218.

(5) المكاسب ج 15: 126.

30

الطائفة الثانية:

لم نجد في كلمات الأصحاب لهذه الطائفة مصداقا تتفق كلمتهم عليه غير النكاح، حيث يظهر من غير واحد منهم دعوى التسالم على عدم دخول الخيار بالشرط فيه، «بل لعل منافاته لعقد النكاح من ضروريات الفقه» على حد تعبير صاحب الجواهر (قدس سره) (1).

أدلته و قد ذكر الاعلام في وجه المنع عن دخول الخيار في النكاح أمورا، هي:

1- الإجماع و الاتفاق على عدم دخول خيار الشرط في النكاح.

2- عدم مشروعية التقايل فيه، لتوقف ارتفاعه شرعا على رافع خاص هو الطلاق.

3- استلزامه لابتذال المرأة، و هو ضرر عليها.

4- ثبوت الخيار انما هو من أجل التروّي في أمر العقد، و النكاح مسبوق بالتروّي التام، فلا وجه لثبوته فيه.

5- ان في النكاح شائبة العبادة فلا يدخله الخيار، لان ما كان للّٰه فلا رجعة فيه.

6- ابتناء النكاح على الاحتياط التام، لما عرف من الشارع من شدة الاحتياط في الفروج، فلا يمكن رفع اليد عنه الا بما ثبت كونه رافعا له.

قال الفاضل في كشف اللثام: «و لو شرط الخيار في النكاح بطل العقد في المشهور، و هو الوجه، لان فيه شائبة العبادة لا يقبل الخيار، و لم يتراضيا الا بما دخله الخيار فلم يريدا بلفظ العقد معنى النكاح فيلغو، و ابن إدريس صحح العقد و أبطل‌

____________

(1) جواهر الكلام ج 29: 149.

31

الشرط، لوجود المقتضي و هو عقد النكاح، و انما فسد شرط الخيار فيلغو و لا يفسد به العقد كغيره من الشروط، و للوجهين تردد المحقق» (1).

و قال المحقق الكركي في جامع المقاصد: «و انما لم يدخل خيار الشرط النكاح مع تناول عموم قوله: «المؤمنون عند شروطهم» للإجماع، و لانه ليس عقد معاوضة، ليشرع له اشتراط التروّي و الاختيار، و لشدة الاحتياط في الفروج، و لأن فيه شائبة العبادة، و لأن رفعه متوقف على أمر معين فلا يقع بغيره» (2).

و قال المحقق العاملي: «أما النكاح فلا يجري فيه خيار أصلا إجماعا، كما في الخلاف و المبسوط و السرائر و جامع المقاصد و المسالك، لمشاكلته العبادة، و ابتنائه على الاحتياط التام، و سبق التروّي فيه على العقد، و توقف رفعه على رافع مخصوص فلا يرتفع بغيره» (3).

و قال الشهيدان (رحمهما اللّٰه): «و لا يجوز اشتراطه- الخيار- في العقد، لأنه ملحق بضروب العبادات، لا المعاوضات، فيبطل العقد باشتراط الخيار فيه، لأن التراضي انما وقع بالشرط الفاسد و لم يحصل» (4).

فيما ذكر الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك ان: «المشهور بين الأصحاب بطلان النكاح بشرط الخيار فيه، قطع بذلك الشيخ في المبسوط و غيره من المتأخرين، محتجين بأن النكاح ليس من عقود المعاوضات القابلة لخيار الشرط، بل فيه شائبة العبادة، فالشرط يخرجه عن وضعه.

و خالف في ذلك ابن إدريس، فحكم بصحة العقد و فساد الشرط، و وجهه ما أشار إليه من وجود المقتضي لصحة العقد لاجتماع شرائط الصحة فيه لأنه الفرض،

____________

(1) كشف اللثام/ كتاب النكاح- مبحث خيار الشرط في النكاح.

(2) جامع المقاصد ج 1: 244.

(3) مفتاح الكرامة ج 4: 568.

(4) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج 5: 120.

32

و انتفاء المانع إذ ليس الا اشتراط الخيار فيه. و إذا كان العقد غير قابل للخيار لغا شرطه و عمل بمقتضى العقد، لأصالة الصحة فلا يلزم من بطلان أحدهما بطلان الآخر و عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» كما لو اقترن بغيره من الشروط الفاسدة، فإن كل واحد من العقد و الشرط أمر منفك عن الآخر.

و بالغ ابن إدريس في انه لا دليل على البطلان من كتاب و لا سنة و لا إجماع، بل الإجماع على الصحة، لأنه لم يذهب الى البطلان أحد من أصحابنا، و انما هو تخريج المخالفين و فروعهم، اختاره الشيخ على عادته في الكتاب.

و وجه البطلان: ان التراضي لم يقع على العقد الا مقترنا بالشرط المذكور، فإذا لم يتم الشرط لا يصح العقد مجردا، لعدم القصد اليه كذلك. و صحة العقود مترتبة على القصود، فليس الحكم الا بطلانهما معا أو صحتهما معا، لكن لا سبيل الى الثاني لمنافاته وضع النكاح، فتعين الأول، و هذا هو الأقوى» (1).

و قد ذكر هذا الحديث بطوله العلامة (قدس سره) في المختلف، و اختار ما ذهب اليه الشيخ (رحمه اللّٰه) و حمل على ابن إدريس حملة شعواء (2).

و قال صاحب الجواهر (قدس سره): «لا يصح اشتراطه- الخيار- في العقد اتفاقا في كشف اللثام و غيره، و قد أومأ إليه المصنف بقوله: خاصة، لأنه ليس معاوضة محضة، و لذا لم يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية و لا وصف رافع للجهالة، و يصح من غير تسمية العوض، و مع العوض الفاسد، و لأن فيه شائبة العبادة التي لا يدخلها الخيار، و لأن فسخه باشتراط الخيار فيه يفضي الى ابتذال المرأة و ضررها، و لهذا وجب بالطلاق قبل الدخول نصف المهر جبرا له .. بل لعل منافاته لعقد النكاح من ضروريات الفقه» (3).

____________

(1) مسالك الافهام ج 1/ كتاب النكاح- مبحث شرط الخيار.

(2) مختلف الشيعة ج 4: 91.

(3) جواهر الكلام ج 29: 149.

33

و ان تأمل فيه عند مناقشته لقول ابن إدريس ببطلان الشرط خاصة، قال (رحمه اللّٰه): «و على كل حال فما عن ابن إدريس- من بطلان الشرط خاصة، بل قال فيما حكي عنه انه لا دليل على بطلان العقد من كتاب و لا سنة و لا إجماع، بل الإجماع على الصحة، لأنه لم يذهب الى البطلان أحد من أصحابنا، و انما هو من تخريج المخالفين و فروعهم، اختاره الشيخ على عادته في الكتاب-، واضح الفساد بناء على ما عرفت من ان البطلان هنا للمنافاة لمقتضى العقد، لا لكونه غير مشروع في نفسه كي يختص بالبطلان في عقد النكاح كغيره من الشروط الفاسدة فيه.

اللهم الا ان يمنع ذلك، فإنه لا يخلو من تأمل» (1).

و أخيرا قال الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه): «فالأول- ما لا يدخله الخيار اتفاقا- النكاح فإنه لا يدخله اتفاقا، كما عن الخلاف و المبسوط و السرائر و جامع المقاصد، و عن المسالك الإجماع عليه، و لعله لتوقف ارتفاعه شرعا على الطلاق، و عدم مشروعية التقايل فيه» (2).

أقول: اما ما عدا الإجماع من الوجوه التي قيلت في المنع فالإشكال فيه أوضح من ان يخفى، فإن أكثرها وجوه استحسانية لا تصلح دليلا لرفع اليد عن عموم الأدلة و تقييد إطلاقها.

على ان حديث عدم مشروعية التقايل فيه، لتوقف ارتفاعه على رافع خاص هو الطلاق، يدفعه- مضافا الى عدم تمامية القاعدة كما تقدم- ان موارد رفعه بالفسخ نتيجة للعيب، بل و تخلف الشرط في بعض الموارد- عند الأكثر- ليست بعزيزة، على ما ستعرفه عند الحديث عن الإجماع في المقام.

و اما استلزامه لابتذال المرأة و هو ضرر عليها، فهو حديث استحساني لا أساس له و لا يصلح لرفع اليد عن شي‌ء من الحكم لأجله، و الا فموارد جريانه لا‌

____________

(1) جواهر الكلام ج 31: 106.

(2) المكاسب ج 15: 114.

34

تختص بفرض اشتراطه الخيار، على ان إقدام المرأة عليه و رضاها به يمنعان من شمول أدلة نفي الضرر له.

و مثله في السقوط حديث ان الخيار من أجل التروي في العقد، و النكاح مسبوق بالتروي التام، فإنه مضافا الى كونه استحسانا لا موقع له في الاستدلال الفقهي، يقتضي عدم جريان الخيار في العقود المهمة المسبوقة بالتروي التام، و هو مما لا يلتزم به أحد. على ان المرأة لما كانت شريكة لحياة زوجها، و كان الزواج اسمى و ارفع مفهوما من مجرد العلقة الجنسية، لم يكن التروي فيه يتحقق من دون العشرة.

و اما حديث اشتماله على شائبة العبادة، فينقض بمثل البيع من أجل المعاش و المزارعة و نحوهما من المعاملات المستحبة شرعا، حيث انه لا إشكال في ندبها شرعا، مع انه لا خلاف بينهم في دخول خيار الشرط فيهما.

على ان مجرد ثبوت استحباب شي‌ء- بل حتى وجوبه- لا يعني كونه عبادة، فإنها ليست مطلق العمل المحبوب لدى الشارع المقدس، و انما هي خصوص ما يتقوم بقصد القربة بحيث لا يتحقق من دونه. و من الواضح انه ليس من مصاديقه النكاح، فإنه و ان كان محبوبا و صح إيقاعه بقصد القربة، الا انه ليس مما يتوقف عليه و يتقوم به.

على ان اشتراط الخيار في العبادات ليس من الأمور الممتنعة عقلا بحيث يتعين رفع اليد عما يقتضيه الدليل، و صرف نصه أو عمومه و إطلاقه عن ظاهره من أجل ذلك.

و يكفينا في إثبات إمكانه ما دل على استحباب اشتراط الخيار في الإحرام (1).

و الاعتكاف (2).

و سيأتي الحديث في معنى قولهم: «ما كان للّٰه فلا رجعة فيه» عند التعرض لاشتراط الخيار في الوقف.

____________

(1) الوسائل ج 9 باب 23 و 24 من أبواب الإحرام.

(2) الوسائل ج 7 باب 4 و 9 من أبواب الاعتكاف.

35

و ابتناؤه على الاحتياط التام لا ينافي دخول الخيار فيه، كما هو الحال في الأموال، فإنها أيضا مشمولة بالاحتياط التام شرعا، و مع ذلك لا إشكال في ثبوت الخيار فيها.

على ان الاحتياط التام لا يقتضي الجزم ببقاء النكاح و عدم نفوذ الفسخ قطعا، بل مقتضاه إيقاع الطلاق و تزويجها من جديد فرارا من محذور تأثير الفسخ.

و اما الإجماع فدعوى قيامه على عدم قبول النكاح للفسخ بالمرة- كما قد يظهر من بعض الكلمات- باطلة جزما، كيف و موارد ثبوت حق الفسخ بحكم الشارع ليست عزيزة، كموارد عيوب الزوجين التي دلت النصوص على ثبوت الخيار فيها، و كخيار الحرة في عقد نفسها إذا تزوج زوجها بأمة من غير اذنها- بناء على القول به- و كذا خيار الخالة و العمة إذا تزوج زوجها ببنت أختها أو أخيها بغير رضاها، و خيار الصغيرين بعد البلوغ إذا كان الولي قد زوجهما قبله، و كخيار الأمة في نكاح نفسها إذا أعتقت و هي تحت عبد، بل قيل بثبوته لها و ان كانت تحت حر، الى غير ذلك من الموارد.

بل و لا إجماع على عدم قبوله للفسخ الناشئ من جعل المكلف و فعله، لذهاب غير واحد من الاعلام إلى ثبوت الخيار في موارد تخلف الشرط.

قال الشهيد الأول (قدس سره) في اللمعة: «و لو شرط كونها بنت مهيرة فظهرت بنت امة فله الفسخ» و علله الشهيد الثاني (رحمه اللّٰه) بقوله: «قضية للشرط» (1).

و ذكر نظير ذلك في اشتراط البكارة، قال الشهيد الأول: «و لو شرطها بكرا فظهرت ثيبا فله الفسخ إذا ثبت سبقه على العقد» فأوضحه الشهيد الثاني بقوله:

«بمقتضى الشرط» (2).

____________

(1) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج 5: 398.

(2) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج 5: 399.

36

و دعوى كون المستند فيه النص الخاص.

يدفعها- مضافا الى منافاة ذلك لظاهر التعليل- عدم وجود نص في المقام يقتضي الخيار، و ان دل النص على نقصان مهرها على تقدير اختياره البقاء.

و أوضح من ذلك كلام صاحب الجواهر (رحمه اللّٰه) تعليقا على قول صاحب الشرائع: «إذا تزوج امرأة و شرط كونها بكرا فوجدها ثيبا» قال (رحمه اللّٰه) ما نصه:

«و ثبت بالإقرار أو البينة سبق ذلك على العقد كان له الفسخ، لانتفاء الشرط الذي قد عرفت ان فائدته ذلك، و لعله لا خلاف فيه كما لا اشكال.

لكن في كشف اللثام ان ظاهر الأكثر و صريح بعض عدم الخيار، للأصل و الاحتياط، و ان الثيبوبة ليست من العيوب.

و فيه: انا لم نتحقق ما حكاه، بل لا وجه له مع الفتوى من غير خلاف منهم في تحقق الخيار مع شرط الصفات، ككونها بنت مهيرة و نحوها، لدليل الشرطية القاطع للأصل، و غير متوقف على العيب حينئذ.

نعم، أطلق كثير من الأصحاب فيمن تزوج جارية على انها بكر فوجدها ثيبا:

لم يكن له الفسخ، الا ان ذلك منهم لإمكان تجدده بسبب خفي، كما أومأ إليه المصنف، فلا ينافي اشتراطه» (1).

و أصرح من الكل في عموم الحكم بملاك الشرط و عدم اختصاصه بما ذكر ما أفاده العلامة (رحمه اللّٰه) في القواعد بقوله: «كل شرط يشرطه في العقد يثبت له الخيار مع فقده، سواء كان دون ما وصف أو أعلى على اشكال» (2).

و قد أوضحه المحقق الكركي (رحمه اللّٰه) بقوله: «لا ريب ان كلّ ما يشترط الزوج في عقد النكاح من صفات الكمال مما لا ينافي مقصود النكاح و لا يخالف الكتاب و لا السنة صحيح، فإذا تبين انتفاؤه و خلوها من الكمال لم يكن النكاح باطلا، لان فقد‌

____________

(1) جواهر الكلام ج 30: 376.

(2) قواعد الاحكام/ كتاب النكاح- الفصل الثالث في التدليس- الفرع الثاني.

37

الشرط لا يقتضي بطلانه، لكن يثبت للمشترط الخيار، لان فوات الشرط يقلب العقد اللازم جائزا.

و لو اشترط شيئا من الصفات التي لا تعد كمالا، كما لو شرط كونها قبيحة الصورة أو جاهلة بتدبير المنزل، فالمتجه صحة الشرط، لان الغرض قد يتعلق بذلك، و ليس فيه منافاة للكتاب و لا للسنة. فلو انتفى الشرط و ظهر الاتصاف بالضد، ففي المثال المذكور ظهر كونها جميلة أو عالمة بتدبير المنزل، ففي ثبوت الخيار في ذلك و أمثاله عند المصنف إشكال:

ينشأ من ان ثبوت الخيار وسيلة إلى التخلص من النقص، و لا نقص هنا فلا خيار.

و من ان فوات الشرط المحكوم بصحته، لو لم يثبت به الخيار كان الاشتراط و عدمه سواء و هو معلوم البطلان.

و تنقيح المقام: ان صفة النقص قد يقارنها ما يلحقها بصفة الكمال و يتعلق بها الغرض كما يتعلق بصفة الكمال، كما لو كان الرجل- مثلا- كثير الاسفار و ليس له من يخلفه في أهله، فرغب في قبيحة المنظر لتكون أبعد عن تطلع الأجانب إليها، و كذا لو خشي من حذق الزوجة في أمور المنزل لحوق بعض المتاعب له بطمع بعض المتغلبين و نحو ذلك.

و ذهب الشارح الفاضل ولد المصنف الى بطلان هذه الشروط، محتجا ببعد النكاح عن قبول الخيار، قال: و انما يصح شرط الحرية و النسب و البكارة و ما يرى في الكفارة للنص.

و لقائل أن يقول: ان النص لم يرد بثبوت الخيار باشتراط البكارة، فيكون اشتراطه خروجا عن النص، و مع ذلك فالكتاب و السنة واردان بصحة الشرط السائغ الذي لا ينافي مقتضى النكاح و ما يلزم منه ثبوت الخيار بفواته، فيكون الخيار حينئذ ثابتا بالنص، فلا يتم ما ذكره.

و لو سلم، فالبعيد عن النكاح اشتراط الخيار لا اشتراط ما يقتضي فواته‌

38

الخيار، فحينئذ القول بثبوت الخيار في نحو ذلك ليس بذلك البعيد» (1) و بالجملة فثبوت الخيار في عقد النكاح لصاحب الشرط عند تخلفه ان لم يكن قول الأكثر، فلا أقل من اختيار كثير من الاعلام له.

نعم، لا يبعد في المقام دعوى الإجماع على عدم دخول خيار الشرط بخصوصه و عنوانه في النكاح، فإنه- كما يبدو- مما لم يقل به أحد من الاعلام قط.

الا ان الكلام في الاعتداد بمثل هذا الإجماع بعد ما عرفت من استناد معظمهم الى وجوه و أدلة لا تصمد امام النقد.

قال المحقق الشهيدي (رحمه اللّٰه): «نعم، يشكل هذا بأن الإجماع بعد احتمال كون المدرك فيه ذلك، لا يصح الاستناد اليه الا بعد صحة الاستناد الى مدركه، كما هو ظاهر. و توقف ارتفاعه شرعا على الطلاق بنفسه محتاج الى الدليل، و ليس هو إلا الإجماع عليه، و القدر المتيقن منه صورة خلو النكاح عن شرط الخيار، فلا ينافيه جواز ارتفاعه بالخيار المشترط في ضمن عقد النكاح الثابت بعموم أدلة الشرط» (2).

بل و التشكيك صريحا في كون اللزوم فيه من الاحكام لا من الحقوق، من قبل بعض الاعلام.

قال السيد الحكيم (قدس سره): «و مثله دعوى ان اللزوم في عقد النكاح من الاحكام لا من الحقوق، فإذا كان من الاحكام كان منافيا لشرط الخيار، و الشرط المنافي لمقتضى العقد باطل، فإنها لا تخلو من مصادرة، إذ لم يظهر الفرق في مرتكزات العرف بين النكاح و غيره من عقود المعاوضات» (3).

بل و يشهد له ما عرفته من التزام الأكثر بثبوت الخيار عند تخلف الشرط، فإنه إنما يكشف عن عدم كون اللزوم في النكاح حكميا لا يقبل الانفكاك عنه بحال، و هو ما اخترناه ضابطا لعدم قبول العقد لشرط الخيار.

____________

(1) جامع المقاصد ج 2: 411.

(2) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب ج 2: 452.

(3) مستمسك العروة الوثقى ج 14: 405.

39

نعم، ذكر السيد الوالد (رحمه اللّٰه) دليلا آخر لعدم دخول الخيار في النكاح، و هو من مبتكراته (قدس سره)، و لنعم ما أفاد.

و حاصله: ان جعل الخيار لما كان مرجعه و بحسب مقام الثبوت الى تحديد المنشأ و توقيته بعدم الفسخ لا محالة، حيث لا مجال للقول بالإهمال أو الإطلاق و الشمول لما بعد الفسخ في ذلك المقام، لم يكن مجال للالتزام به في النكاح، فان النكاح و بحسب مقام الثبوت لا يخلو من أحد نحوين لا ثالث لهما، فهو اما دائم و مطلق، و اما منقطع مؤقت. و اشتراط الخيار يتنافى مع النحوين معا.

اما العقد الدائم فلمنافاته مع التوقيت و التحديد الحاصل من اشتراط الخيار قهرا كما عرفت.

و اما العقد المنقطع فلمنافاة اشتراط الخيار مع لزوم ضبط المدة فيه و تحديدها بما لا يقبل الزيادة و النقصان، فان مرجع الاشتراط إلى مجهولية الأجل و تاريخ الانتهاء لا محالة.

قال (قدس سره): «ان جعل الخيار لما كان يرجع الى تحديد المنشأ و توقيته بعدم الفسخ، لامتناع الإهمال و عدم معقولية الإطلاق و الشمول لما بعد الفسخ- على ما تقدم بيانه مفصلا في كتاب البيع- كانت الزوجية مقيدة و موقتة بقبل الفسخ لا محالة.

و إذا كانت كذلك حكم ببطلانه، لأن تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة و النقصان من أركان العقد المنقطع، و هو مفقود في المقام بحسب الفرض حيث ان تاريخ الفسخ مجهول.

و بعبارة اخرى: ان عقد الزواج لا يخلو- بحسب ما يستفاد من الأدلة- من قسمين، دائم و منقطع و لا ثالث لهما. و الأول غير متصور في المقام، لاستلزام جعل الخيار التقييد. و الثاني يقتضي البطلان، لفقده ركنا من أركانه، و هو تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة أو النقصان» (1).

____________

(1) مباني العروة الوثقى/ كتاب النكاح ج 2: 211.

40

و ما افاده (قدس سره) تام و متين، و هو المستند الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه في القول بعدم دخول الخيار للنكاح.

و مما ذكرناه يظهر الفرق بين النكاح و غيره من العقود كالبيع و نحوه مما يدخله خيار الشرط، فان اشتراط الخيار يقتضي في الجميع التحديد و التوقيت بحسب مقام الثبوت، الا ان أدلة بعض تلك العقود تقتضي عدم قبولها للتحديد الناشئ من الجعل، في حين ان أدلة بعضها الآخر لا تحدد ماهيته بأحد القسمين- المطلق و المقيد- و ان كان مقتضى طبعه الأولي الدوام و الاستمرار.

و الحاصل: ان النكاح يختلف عن غيره بما ثبت فيه من تحديده ثبوتا بقسمين يأبيان معا اشتراط الخيار و توقيتهما بعدم الفسخ.

حصيلة البحث

يتلخص بحثنا- أخيرا- في ان العمدة في الدليل على المنع من دخول الخيار في النكاح، هو ما افاده السيد الوالد (قدس سره) من عدم انسجامه مع ما اقتضته أدلة عقد النكاح بقسميه، فإنه لو لا ذلك، و لو لا الإجماع و التسالم بين الأصحاب على عدم دخول خيار الشرط بخصوصه و عنوانه في النكاح، لم يكن محذور من الالتزام بدخوله فيه، فان كل ما قيل في وجه المنع سواهما لا يصلح شي‌ء منه لإثبات المدعى، خصوصا مع التزام جملة من الفطاحل بدخول الخيار الناشئ من تخلف الشرط فيه، فإنه ان دل على شي‌ء فإنما يدل على عدم كون اللزوم فيه حكما غير مفارق له، و لا أقل من كسره لدعوى التسالم على كونه كذلك على ما يظهر من غير واحد منهم.

الطائفة الثالثة

هناك موارد كثيرة اختلفت كلمات الاعلام في دخول خيار الشرط و عدمه فيها،

41

غير انا نقتصر على ذكر الموارد التي يحظى الخلاف فيها بنوع من البحث النسبي بحيث لم يكن الخلاف فيه منحصرا بقول شاذ أو رأي نادر.

و كيف كان، فالبحث يقع في موارد عديدة:-

42

1- البيع المعاطاتي

الذي يظهر من كلمات الأصحاب في وجه عدم دخول خيار الشرط للبيع المعاطاتي أمور ثلاثة:

1- ان المعاطاة لا تفيد إلا إباحة التصرف، و لا معنى لثبوت الخيار في الإباحة على ما عرفته في العقود الإذنية.

2- ان العقد المعاطاتي عقد جائز بالذات، فيكون اشتراط الخيار فيه لغوا محضا.

3- ما افاده الشيخ الأعظم (قدس سره) بقوله: «و اما التراضي الفعلي فلا يتصور دخول خيار الشرط فيه بناء على وجوب ذكر الشرط في متن العقد. و منه يظهر عدم جريان هذا الخيار في المعاطاة و ان قلنا بلزومها من أول الأمر أو بعد التلف، و السر في ذلك ان الشرط القولي لا يمكن ارتباطه بالإنشاء الفعلي» (1).

التحقيق في المقام

الظاهر انه لا وجه لترجيح أحد القولين- جواز دخول الخيار في المعاطاة و عدمه- في المقام بشكل مطلق، بل الاختيار هنا يرتبط بالمختار في حقيقة المعاطاة و مدلولها.

و على هذا الأساس:

فإن قلنا في المعاطاة بأن المقصود بها هو الإباحة المحضة و حقيقتها لا تتعدى ذلك- على ما يظهر من عبارات كثير من قدماء الأصحاب، و يقتضيه الدليل الأول- فالحق تمام الحق مع القائلين بعدم دخول الخيار الذي هو بمعنى ملك فسخ العقد‌

____________

(1) المكاسب ج 15: 127- 128.

43

فيها، ذلك «ان المعاطاة المقصود بها الإباحة ليست من العقود لكي يثبت فيها الخيار، بل هي تفيد إباحة خالصة، و يجوز لكل من المتعاطيين التصرف في ما أخذه من صاحبه، و لا يكون هذا التصرف تصرفا محرما، إذ المفروض ان مالكه الأصلي قد اذن في ذلك» (1).

و من هنا فلا تكون المعاطاة مشمولة لأدلة الخيار.

و ان قلنا بان المقصود بالمعاطاة هو الملك، فقد يقال فيها بعدم دخول الخيار إياها بالشرط للوجهين الأخيرين.

الا ان هذا القول لا يمكن الاعتماد عليه.

و ذلك لان: حديث لغوية اشتراط الخيار في العقود الجائزة «توهم فاسد، لأنه انما تلزم اللغوية فيما إذا لم يمكن انفكاك أحد الخيارين عن الآخر، مع ان الانفكاك بينهما من الوضوح بمكان، بديهة ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، إذ قد يسقط خيار المعاطاة و يبقى الخيار المصطلح، و قد يسقط الثاني و يبقى الأول، و قد يجتمعان سقوطا و بقاء.

و اذن فلا محذور في اجتماع خيار المعاطاة مع الخيارات المصطلحة ثبوتا و إثباتا، و هذا واضح لا ريب فيه» (2).

و سيأتي التعرض الى هذه الشبهة تفصيلا في المقصد الثاني ان شاء اللّٰه تعالى.

على ان المعاطاة على هذا القول- افادتها الملك- تمتاز بميزة خاصة هي انقلابها لازمة بالتصرف، فلا بأس باشتراط الخيار فيها بلحاظ حكمها بعد اللزوم، حيث يظهر الأثر في صحة إسقاطه و المصالحة عليه قبل اللزوم.

و اما حديث ان الشرط القولي لا يمكن ارتباطه بالإنشاء الفعلي فيرده:

أولا: منافاته لما التزم به في المعاطاة من ثبوت جميع الخيارات في المعاطاة، بناء‌

____________

(1) مصباح الفقاهة ج 2: 160.

(2) مصباح الفقاهة ج 2: 163.

44

على افادتها الملك بقول مطلق، أو خصوص ما لا يختص بالبيع منها على الأقل.

قال (رحمه اللّٰه): «و ان قلنا بإفادة الملك، فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا، بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم، كما سيأتي عند تعرض الملزمات، فالخيار موجود من زمن المعاطاة، الا ان أثره يظهر بعد اللزوم، و على هذا فيصح إسقاطه و المصالحة عليه قبل اللزوم.

و يحتمل ان يفصل بين الخيارات المختصة بالبيع فلا تجري، لاختصاص أدلتها بما وضع على اللزوم من غير جهة الخيار، و بين غيرها كخيار الغبن و العيب بالنسبة إلى الرد دون الأرش فتجري، لعموم أدلتها» (1).

اللهم الا ان يكون مراده هناك خصوص الخيارات المجعولة من قبل الشارع، فلا يشمل ما يحتاج إلى الإنشاء في جعله.

ثانيا: ما افاده المحققان الأصفهاني و الايرواني (قدس سرهما) من رفض ما ذكره (قدس سره) من عدم إمكان ربط الإنشاء الفعلي بالشرط القولي.

قال المحقق الايرواني (رحمه اللّٰه): «اما بناء على الاكتفاء بالتواطي و إنشاء العقد بانيا على الشرط فجريانه في المعاملات الفعلية مما لا سبيل إلى إنكاره، كما ان جريانه في المعاملات القولية الغير الجامعة للشرائط الراجعة إلى الإنشاء الداخلة بذلك في المعاطاة واضح، بل لا يبعد القول بدخول الشرط في المعاملات الفعلية مطلقا، فإنه لو قال مقارنا للفعل: بشرط كذا، رابطا قوله بفعله كفى و حصل به الربط، و كان التزامه ذلك من جزئيات الإلزام في الالتزام» (2).

و قال المحقق الأصفهاني (قدس سره): «كما ان الفعل ربما يرتبط بالقول، بل يكون من حيث احتفافه به محسوبا منه، كالقرينة الحالية، حيث ان حالها حال المقالية في القرينية و بها يكون اللفظ ظاهرا فعلا في غير معناه الوضعي، كذلك ربما يرتبط‌

____________

(1) المكاسب ج 6: 237- 238.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب/ قسم الخيارات: 27.

45

القول بالفعل فيوسع دائرة دلالته تارة و يضيقها أخرى، فإذا قال مقارنا للتعاطي- مثلا-: على ان يكون لي الخيار، كان هذا القول المقارن مربوطا بذلك الإنشاء الفعلي و موجبا لتقيده بالالتزام المزبور» (1).

و بعبارة اخرى: ان الشرط لا يرتبط بما ينشأ به العقد و ما يبرز الاعتبار، كي يقال بعدم إمكان ربط اللفظ بالفعل، و انما يتعلق بالمنشإ و الاعتبار النفساني مع قطع النظر عما يبرزه في الخارج. و من هنا فإذا كان ذلك الاعتبار مقيدا في واقعة- و لو بفضل الدلالة اللفظية عليه- ثم أنشأ ذلك المقيد بالفعل في الخارج، بأن قام الفعل مقام اللفظ في إنشاء المدلول المتفق عليه مع تباينهما و تواطئهما حينه على الشرط، لم يكن وجه للقول بعدم شمول أدلة الشروط له، فضلا عن القول بامتناعه و عدم تعقله.

ثالثا: ان فرض انحصار التعبير عن الشرط باللفظ و من ثم القول بعدم جريان الخيار في المعاطاة لعدم إمكان ارتباط الشرط القولي بالإنشاء الفعلي، مما لا مبرر له، فإنه كما يمكن التعبير عن الإنشاء و الالتزام العقدي بالفعل، كذلك يمكن التعبير عن الالتزام التبعي لذلك الالتزام بالفعل أيضا، و خير شاهد على ذلك ما يقوم به الخرسان في مقام إنشاء مراداتهم، بل و ما يقوم به الكامل في مقام بيان ما يعتبره في نفسه مع الاطرش، فإنه كما يتصدى لبيان أصل العقد بالإشارة و الفعل يقوم ببيان شروطه في ذلك العقد بهما أيضا.

اذن فلا وجه لدعوى عدم دخول شرط الخيار للمعاطاة بقول مطلق.

خلاصة البحث

يتلخص البحث في دخول الخيار في البيع المعاطاتي في نقاط:

الاولى: ان الحديث عن دخول الخيار في المعاطاة و البحث عنه، انما يتصور بناء على عدم القول بكون المقصود منها و حقيقتها الإباحة المحضة، و الا فالقول بالعدم‌

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب/ قسم الخيارات: 51.

46

أوضح من ان يخفى.

الثانية: ان كون عقد المعاطاة جائزا قبل التصرف فيه، لا يمنع من القول بدخولها الخيار و لو بلحاظ الأثر بعد اللزوم.

الثالثة: لا مبرر لإنكار الخيار فيها بدعوى عدم ارتباط الشرط القولي بالإنشاء الفعلي، فإن الحديث في إمكان دخول شرط الخيار فيها لا يرتبط بنحو التعبير عنه في ضمنها، فقبولها للخيار أمر، و عدم تصور التعبير عنه أمر آخر. خصوصا بملاحظة ان المعاطاة عندهم- و منهم الشيخ الأعظم (قدس سره)- لا يختص بما ينشأ بالفعل محضا، بل يعم المعاملات اللفظية غير الجامعة للشرائط.

على انك قد عرفت إمكان التعبير عنه فيها باللفظ و الفعل على حد سواء، لا سيما مع التزامه هو (رحمه اللّٰه) في الشرط الثامن من شرائط صحة الشروط بكفاية التواطي و التباني على الشرط و إيقاع العقد مبنيا عليه، و كونه بحكم المذكور في متن العقد، بحيث يكون من دونه تجارة لا عن تراض (1).

اذن فالصحيح في المقام هو القول بدخول الخيار للبيع المعاطاتي على حد جريانه في العقد اللفظي حرفا بحرف.

____________

(1) راجع المكاسب/ الخيارات: 282.

47

2- بيع الصرف

قال الشيخ في المبسوط: «اما الصرف فيدخله خيار المجلس لعموم الخبر، فاما خيار الشرط فلا يدخله أصلا إجماعا، لأن من صحة العقد القبض» (1).

و تبعه عليه ابن إدريس (قدس سره).

و قد رده العلامة (قدس سره) في المختلف بأن «الإجماع ممنوع، و التعليل ليس بجيد، فان التقابض لا يدفع خيار الشرط» (2).

أقول: الظاهر انه ليس مراد شيخ الطائفة (قدس سره) بقوله: «ان من صحة العقد القبض» كون القبض بحد ذاته منافيا لجعل الخيار، كي يدفع بأن التقابض لا يدفع خيار الشرط، و الا فبطلانه أوضح من ان يخفى، إذ لازمة انتفاء الخيار في جميع موارد تحقق التقابض من العقود، بيع صرف كان أو غيره، و هو ما يعني انتفاء الخيار في أغلب موارد العقود، و يجلّ شأن شيخ الطائفة عن الالتزام به.

و انما مراده (رحمه اللّٰه)- و اللّٰه العالم- ان اعتبار التقابض في الصرف بحيث لا يصح بدونه- دون سائر العقود- يكشف عن ارادة الشارع لانهاء المعاملة بين المتعاملين و قطع العلقة بينهما قبل التفرق، بحيث يتفرقان و لا علقة بينهما بلحاظ العقد الذي جرى بينهما، فيتنافى مع جعل الخيار المستلزم لإبقاء العلاقة.

بل و يمكن ان يقال ان إنهاء العلامة المستكشف بوجوب التقابض في المجلس، ينبئ عن كون اللزوم بعده لزوما حكميا خارجا عن ارادة المتعاقدين.

الا ان دفعنا لإشكال العلامة (قدس سره)- بالصيغة التي ذكرها- و توجيهنا‌

____________

(1) المبسوط/ كتاب البيع- فصل في بيع الخيار.

(2) مختلف الشيعة ج 2: 173.

48

لكلام الشيخ (رحمه اللّٰه) لا يعني الموافقة عليه، فان للمناقشة في كلا دليله مجالا واسعا.

اما الإجماع، فدعواه في المقام على المنع غريب منه (قدس سره)، كيف و لم يذهب الى ما اختاره أحد من أصحابنا غير ابن إدريس، بل و لم يذكره أكثر الأصحاب حتى في عداد ما اختلف في دخوله الخيار فيه، بل مقتضى عبارة الأكثر: «خيار الشرط يثبت في كل نوع من العقود سوى النكاح و الوقف و كذا الإبراء و الطلاق و العتق» (1)، و عبارة الشهيد (قدس سره) في المسالك حيث لم يستثن من البيع الا ما يتعقبه العتق فقط (2)، جريانه في الصرف بلا خلاف.

نعم، تردد العلامة (قدس سره) في القواعد فيه حيث قال: «و في ثبوته في الصرف اشكال» (3)، رغم اختياره لعبارة الأكثر في خيار الشرط، و اختياره الدخول صريحا في التذكرة (4).

و كيف كان، فدعوى تحقق الإجماع على عدم دخول خيار الشرط في الصرف مقطوعة البطلان، و لا سبيل لإثباتها بوجه.

و اما دعوى اقتضاء وجوب التقابض لانهاء العلقة المنافي لجعل الخيار، فيردها منعها صغرى و كبرى.

اما الصغرى: فلما افاده المحقق الايرواني (قدس سره) بقوله: «المقدمة الأولى أشد منعا، و انى لنا السبيل الى ان المقصود من اعتبار التقابض في الصرف و السلم ان يفترقا و لم تبق بينهما علقة، فإنه ان أريد من العلقة استحقاق تسليم المبيع و الثمن فهو‌

____________

(1) كفاية الأحكام/ كتاب المتاجر- احكام الخيار. و قواعد الاحكام/ كتاب البيع- المقصد الخامس- المطلب الأول- الثالث خيار الشرط.

(2) مسالك الافهام ج 1/ كتاب المتاجر- احكام الخيار.

(3) قواعد الاحكام/ كتاب البيع- المقصد الخامس- المطلب الأول- الثالث خيار الشرط.

(4) تذكرة الفقهاء ج 7: 341.

49

مسلّم، لكن لا يجدي في المقصود، و ان أريد ما سوى ذلك من علقة فهو ممنوع» (1).

و بعبارة اخرى: ان غاية ما يقتضيه وجوب التقابض هو قطع علقة المتبايعين من حيث استحقاق تسليم المبيع و الثمن، باعتبار ان كلا منهما قد استلم ما يستحقه قبل الافتراق، فلا موضوع لبقاء حقه في مطالبة صاحبه، و لكن اين هذا من ثبوت حق الفسخ له و مطالبة صاحبه بعده بإرجاع ما سلّمه إياه بالقبض قبل الافتراق.

و اما الكبرى: فقد منع العلامة (قدس سره) الملازمة في التذكرة (2).

و أوضحه المحقق الايرواني (قدس سره) بقوله: «اما بيان منع الملازمة بين بقاء الخيار و بقاء العلقة فهو ان متعلق الخيار هو العقد، و تزلزل العقد أجنبي من بقاء العلقة بين نفس المتعاقدين و استحقاق كل من صاحبه شيئا.

نعم، بعد الفسخ بالخيار يحصل ذلك الاستحقاق، و اين ذلك مما قبل الفسخ و حال قيام العقد» (3).

اما المحقق الأصفهاني (رحمه اللّٰه) فقد أوضح المنع بقوله: «ان المقصود رفع علقة الملكية، و الذي يثبت بالشرط علقة حقية، و لا منافاة بين رفع إحداهما و إثبات الأخرى» (4).

و الحاصل: ان قطع العلقة الملكية بين كل من المتبايعين و ماله بالقبض و الإقباض شي‌ء، و ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما بحيث يكون له رفع العقد و إرجاع ما انتقل عنه الى ملكه شي‌ء آخر، و لا يلزم من نفي أحدهما نفي الآخر.

نعم، قد يقال بلغوية الخيار قبل القبض، لسلطنة كل من المتعاقدين على الفسخ و رفعه بحد ذاته. الا انه توهم لا أساس له، و ستعرف بطلانه في المقصد الثاني مفصلا.

____________

(1) تعليقة الايرواني على المكاسب/ قسم الخيارات: 27.

(2) تذكرة الفقهاء ج 7: 341.

(3) تعليقة الايرواني على المكاسب/ قسم الخيارات: 27.

(4) تعليقة الأصفهاني على المكاسب/ قسم الخيارات: 50.

50

نتيجة البحث

يتحصل مما تقدم ان الحق في المقام هو إلحاق بيع الصرف بسائر أفراد البيع في دخول شرط الخيار فيه، و ذلك لعدم وجود ما يصلح مخصصا لعموم أدلة وجوب الوفاء بالشرط بالنسبة إليه.

51

3- الرهن

اختلفت كلمات الاعلام في دخول خيار الشرط للرهن، من حيث كونه منافيا للاستيثاق الذي يبدو كونه الهدف الأساس من الرهن.

فمنهم من صرّح بعدم دخول الخيار فيه، و منهم من صرّح بدخوله فيه، بل لم يذكره بعضهم- كالشهيد في الدروس- حتى في عداد ما اختلف في دخوله فيه، في حين تردد فيه بعضهم كالعلامة (قدس سره) في التحرير.

قال المحقق العاملي (قدس سره): «و اما ما يلزم من أحد الطرفين دون الآخر كالرهن، فالشرط جار فيه في الرهن من قبل الراهن، لمكان لزومه، و يبنى الحال فيه من قبل المرتهن على الخلاف في الشرط، و ظاهر المبسوط انه لا يدخله، و استشكل في التحرير و غاية المرام في الأول، لأن الرهن وثيقة للدين و الخيار ينافي الاستيثاق.

و يدفعه ان الاستيثاق في المشروط بحسب الشرط، فلا منافاة. و قد اعتمده الصيمري بعد ما استشكل فيه» (1).

و قال الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه) في المكاسب: «و منه- مما اختلف في جريان الخيار فيه- الرهن، فان المصرح به في غاية المرام عدم ثبوت الخيار للراهن، لأن الرهن وثيقة للدين و الخيار ينافي الاستيثاق.

و لعله لذا استشكل في التحرير و هو ظاهر المبسوط، و مرجعه الى ان مقتضى طبيعة الرهن شرعا بل عرفا كونها وثيقة و الخيار مناف لذلك.

و فيه: ان غاية الأمر كون وضعه على اللزوم، فلا ينافي جواز جعل الخيار.

____________

(1) مفتاح الكرامة ج 4: 569.

52

بتراضي الطرفين» (1).

و قد أورد المحقق الايرواني (قدس سره) على هذا الدفاع بأن: «المدعى هو ان شرط الخيار و تزلزل عقد الرهن بذلك مناف للاستيثاق المقصود في عقد الرهن، فيدخل في الشرط المخالف لمقتضى العقد» (2).

و قد أوضح المحقق الأصفهاني (قدس سره) ذلك بقوله: «لا يخفى عليك ان حقيقة الرهن ان كانت هي كون الرهن وثيقة للدائن، أو كونها محبوسة على الدين ليستوفي منها الدين عند امتناع المديون، و لئلا يضرب معه الغرماء، فمقتضى حقيقته مع قطع النظر عن حكمه عرفا و شرعا آب عن دخول شرط الخيار فيه، فان قصد جعل العين محبوسة على الدين و قصد الالتزام بحل المحبوسية قصد أمرين متنافيين، كما ان الاستيثاق و شرط السلطنة على رفع الاستيثاق متنافيان، فلا يتأتى القصد الجدي إليهما في عقد واحد.

و منه يتضح ان صحة التقايل لا تلازم صحة اشتراط الخيار، فان التقايل و ان كان إبطالا للمحبوسية و رفعا للاستيثاق، لكنه ليس من قصد أمرين متنافيين في إنشاء واحد، فالتراضي على رفع الاستيثاق المحقق أمر، كما إذا وثق الدائن بالمديون من أول الأمر فلم يأخذ على دينه وثيقة منه، و تحصيل الاستيثاق بحيث لا يتمكن المديون من كل ما ينافيه و الالتزام بما لا يبقى معه وثوق في عين تلك الحال أمر آخر.

نعم، إذا أمكن ان يحدث فيما بعد ما لا حاجة معه الى الاستيثاق، بحيث لو كان محققا فعلا لما أقدم على أخذ الوثيقة، فحينئذ يمكن شرط الخيار معلقا على حصوله، حيث انه شرط غير مناف على ذلك التقدير.

و الغرض: أن منافاة الاستيثاق للشرط داخلة في منافاة الشرط مع نفس حقيقة الرهن ذاتا لا مع حكمه عرفا أو شرعا» (3).

____________

(1) المكاسب ج 15: 124.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب/ قسم الخيارات: 27.

(3) تعليقة الأصفهاني على المكاسب/ قسم الخيارات: 50.