الإجارة

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
307 /
3

[تعريف الإجارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و هي كما نسب إلى أكثر أهل اللغة بمعنى الأجرة، و ظاهر رواية تحف العقول أنها بمعنى المصدر حيث قال (عليه السّلام): و أمّا تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك. إلخ (1)، و هل هي مصدر لأجر الثلاثي كما عن نجم الأئمة (2)، أو لآجر أو يساوق المؤاجرة كما عن غيره؟ فيه خلاف لا يهمنا البحث عنه. و المشهور في مفهومها أنها تمليك المنفعة بعوض.

و أشكل ذلك بوجهين: (أحدهما) كما عن شيخنا الأستاذ «(قدّس سرّه)» من أن الإجارة تتعلق بالعين فيقال آجرت الدار أو نفسي و لا يقال آجرتك سكنى الدار و لا عملي (3). فيعلم منه أن معناها لا تعلق له بالمنفعة أو العمل، و لا يتوهم أن الإجارة إذا أخذت المنفعة في مفهومها فلا بد من إضافتها إلى الدار دون سكناها، و ذلك لأن المراد من كونها بمعنى تمليك المنفعة أنها حصة من طبيعي التمليك الذي لا يضاف إلا إلى المنفعة كما في تفسير البيع بأنه تمليك عين بعوض لا أن مفهوم المنفعة هنا و مفهوم العين و متعلقاتها هناك مأخوذ في مفهوم الإجارة و مفهوم البيع.

____________

(1) تحف العقول: ص 333.

(2) راجع شرح الشافية: ج 3، ص 53.

(3) حاشية المكاسب: ص 32.

4

فمفهوم الإجارة عنده «(قدّس سرّه)» جعل العين بالأجرة و هي إضافة خاصة في قبال إضافة الملكية. و يندفع بأن الأجرة لا تكون إلا في قبال العمل و المنفعة كالثمن في قبال العين فلا محالة يراد جعل العين بالأجرة في قبال منفعتها. و مقتضى المقابلة و المعاوضة ملكية المنفعة للمستأجر كملكية المؤجر للأجرة فيكون الفرق بين المشهور و بينه «(قدّس سرّه)» أن تمليك المنفعة مدلول مطابقي للإجارة عند المشهور، و مما يتضمنه مفهوم الإجارة على ما أفاده «(قدّس سرّه)». نعم في عدم صحة إسناد الإجارة إلى المنفعة مع كونها بإزاء الأجرة خفاء.

و غاية ما يتخيل في وجهه أن مجرد المقابلة بين المنفعة و الأجرة لا يصحح إسناد عنوان اشتقاقي من الإجارة إليها فإن مصححه هو قيام المبدأ بما يوصف به أو يسند إليه. و الأجير هو العامل لا العمل و إن كانت الأجرة بإزاء العمل كما أن الثواب بإزاء العمل و المثاب هو العامل دون العمل و ليس قيام الأجرة بالعامل من باب ملكه للأجرة فإنه ربما يكون المالك غيره كما إذا آجر المولى عبده فإن الأجير هو العبد و مالك الأجرة مولاه فتأمل.

(ثانيهما) أن المنفعة غير قابلة للمملوكية إما لما توهم من أن المنفعة معدومة حال الإجارة و المعدوم لا يملك. و إما لما عن بعض من عاصرناه من أهل التدقيق من أن منفعة الدار سكناها و هي من أعراض السّاكن لا من أعراض الدار و عرض الساكن لو كان مملوكا لكان لموضوعه لا لغيره و متى لم يملكه الموجر فكيف يملكه المستأجر، و لذا ذهب إلى أن الإجارة تمليك العين في جهة خاصة في مدة مخصوصة في قبال البيع الذي هو تمليك العين من جميع الجهات من دون تقيدها بجهة و لا بمدة و تبعه في ذلك بعض الأجلة «(رحمه اللّه)».

و يندفع التوهم الأول بما حققناه في محله من أن الملكية الشرعية ليست من المقولات الواقعية حتى يتوقف العرض منها على موضوع محقق في الخارج بل من الاعتباريات بمعنى اعتبار معنى مقولي فالمعنى المقولي موجود بوجوده الاعتباري لا بوجوده الحقيقي المتوقف على موضوع محقق خارجا و قد أقمنا البراهين القاطعة عليه في‌

5

بحث الأحكام الوضعية من الأصول فراجع (1). و اعتبار الملكية لا يحتاج إلا إلى طرف في أفق الاعتبار و هو كما يمكن أن يكون عينا موجودة في الخارج كذلك يمكن أن يكون كليا في الذمة بل ربما يكون أوسع من ذلك كما في اعتبار الملكية لكلي الفقير و السيد في الزكاة و الخمس، و من الواضح أن المنافع و إن كانت معدومة في الخارج لكنها مقدرة الوجود بتبع وجود العين القابلة لاستيفاء المنافع منها.

و يندفع التوهم الثاني بأن سكنى الدار كما هو مبدأ لعنوان الساكنية المنتزع من ذات الساكن كذلك هو مبدأ لعنوان المسكونية المنتزع من الدار كما في كل عنوانين متضايفين فما هو من شئون الدار و حيثياتها الموجودة بوجودها هي حيثية المسكونية لا حيثية الساكنية التي هي من أعراض المستأجر.

غاية الأمر أن حيثية المسكونية وجودها بوجود الدار على حد وجود المقبول بوجود القابل و فعليتها بفعلية مضائفها القائم بالمستأجر في مقام الاستيفاء، و شئون العين قابلة لعروض الملكية لها كنفس العين. مع أنه يمكن أن يقال إن حقيقة السكنى المبدئي و إن كانت عين الكون في الدار و هو عرض لذات الكائن لا للدار، نعم الكون الأينى من الاعراض النسبية التي لها نسبة غير نسبتها إلى موضوعها، إلا أن هذا العرض حيث ان له نسبة إلى الدار يكون زمام أمره بيد مالك الدار و لا نعني بالملكية إلا ذلك.

و أما جعل الإجارة كما قيل تمليكا للعين في جهة خاصة في مدة مخصوصة و أنه معنى تمليك المنفعة ففيه أن معروض الملكية إن كان نفس تلك الجهة عاد محذور تعلق الملكية بالمنفعة و إن كان هي العين المخصصة بجهة و العين المتحيثة بحيثية مخصوصة بما هي مقيدة بها لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة، و تقيدها بالجهة تارة و إطلاقها أخرى لا يوجب تعدد الموضوع، و الالتزام بخروجها موقتا لا يمكن مع نفوذ بيعه لها و سائر الآثار المترتبة على ملك المؤجر لها كما لا يخفى.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 3. ص 56 أوائل بحث الاستصحاب.

6

كما أن العدول عما هو المشهور إلى جعلها بمعنى التسليط على العين للانتفاع بها بعوض غير وجيه، لأن المراد من السلطنة الإنشائية التسببية بالعقد هي السلطنة الاعتبارية كالملكية الاعتبارية دون السلطنة الفعلية الخارجية و السلطنة التكليفية المساوقة للترخيص التكليفي و السلطنة الوضعية المتحققة باجتماع شرائط نفوذ التصرف المعاملي.

و من الواضح أن السلطنة الاعتبارية في قبال الملكية الاعتبارية، و لا معنى لاعتبارها لمالك العين بعد فرض كونه مالكا لأنها دون مرتبة المالكية فليس لكل أحد بالإضافة إلى عين ملكية اعتبارية و سلطنة اعتبارية.

و أما السلطنة المرتبة على الملكية فهي الوضعية و التكليفية دون الاعتبارية المعبر عنها بالحق، و عليه فالموجب للعدول إن كان محذور كون المنفعة معدومة فاعتبار السلطنة على المنفعة مغن عن اعتبار السلطنة على العين لأن تعلق السلطنة بالمنافع و الأعمال المعدومة مما لا شبهة فيه، و إن كان محذور كون عرض الغير غير مملوك للمؤجر و أنّه لا بد من تعلق التمليك بالمملوك ففيه النقض بعدم السلطنة الاعتبارية لمالك العين حتى يجعلها للمستأجر و إن اكتفى المدعي بكفاية ملك العين في التسليط عليها و على منافعها. فلنا أن نقول بكفاية ملك العين في تمليك منافعها و إن لم تكن مملوكة له لكونها من أعراض الغير.

هذا مع أن السلطنة إن كانت بمعنى الإحاطة فهي عين الملك و قد تقدم محذور تعلق الملك بالعين و إن كانت بمعنى التمكن و القدرة على الشي‌ء فهذا المعنى لا مساس له إلا بالأفعال فلا معنى لاعتباره في الأعيان.

هذا إن كان موجب الرجوع محذور ملك المنفعة. و إن كان العدول لما مرّ منا من تعلق الإجارة بمفهومها بالعين فهو لا يقتضي اعتبار التسليط على العين بل مفهوم الإجارة جعل العين في الكراء.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: أن الإجارة كغيرها من العناوين المعاملية تمليك عقدي

لا عقد على‌

7

التمليك. بيانه: أن الأفعال تارة مباشرية لا يحتاج إلى التسبيب إليها بسبب و أخرى يحتاج إليه و هو تارة يحتاج إلى سبب طبيعي كالإحراق المتوقف على الإلقاء في النار و أخرى يحتاج إلى سبب جعلي كالمعاملات فان مضامينها يتوقف حصولها على التسبب إليها بأسباب جعلية من قول أو فعل عرفا أو شرعا.

و عليه فمضمون الإجارة كالبيع و نحوه أمر لا يحصل إلا بالعقد لا أنه عين الإنشاء على التحقيق بل قد ذكرنا في محله أن مفاهيم المعاملات كغيرها هي الموضوعة لها ألفاظها بما هي معان و مفاهيم لا بوجوداتها الحقيقية أي ما هو بالحمل الشائع تمليك مثلا و لا بوجوداتها الإنشائية التي هي من شئون استعمال ألفاظها فيها، لأن الوضع للانتقال من اللفظ إلى معناه فلا بد من أن يكون المعنى معرّى عن جميع أنحاء الوجود لأنّ الموجود لا يعرضه الوجود و الانتقال ليس إلّا الوجود الادراكي و المقابل لا يقبل المقابل كما أن المماثل لا يقبل المماثل.

نعم إذا وقع مثل هذه الألفاظ في مقام الحدود و شبهها كان المراد الجدي عين المراد الاستعمالي، و في غير ذلك مما كان النظر إلى حمل ما هو خارج عن مقام ذاتها عليها يكون المراد الجدي ما هو بالحمل الشائع بيع أو إجارة مثلا بفناء العنوان في المعنون و المفهوم في مطابقة كما أنه ربما تقتضي قرينة المقام الحمل على إرادة ما هو بيع إنشائي مثلا. كما إذا كان المحمول اشتراط نفوذه بشي‌ء فإنه شأن السبب دون المسبب و بقية الكلام تطلب من غير المقام.

الثاني: أن العهد هو الجعل و القرار سواء كان المجعول تكليفا أم وضعا معامليا أو غير معاملي

كما فصلنا القول فيه في تعليقة البيع و الخيارات، و العقد هو القرار المرتبط بقرار آخر فحيثية الجعل و القرار حيثية العهدية و حيثية الارتباط حيثية العقدية لا أن العقد هو العهد المشدد المؤكد ليتوهم أن تأكده باللفظ، و عليه فالإيجاب و القبول اللفظيان الانشائيان عهد و عقد إنشائي، و ما يتسبب بهما إليه من جعل الملكية بعوض عهد لبّي اعتباري، و هو من حيث ارتباط أحد القرارين بقرار آخر مطاوعى عقد لبي معنوي.

8

و هذا الجعل بما أنه عين إيجاد ملكية عين بعوض بيع حقيقي فلا دخل للقول و الفعل في حقيقة العهد و العقد و البيع لا مفهوما و لا مصداقا فاعتبار خصوص اللفظ أو العربي الماضوي منه في النفوذ يحتاج إلى الدليل فضلا عن لزوم كونه من الحقائق أو الأعمّ منه و من المجازات الشّائعة و منه تعرف أنّ التّسبب إلى حقيقة الإجارة بقوله: (أعرتك الدار شهرا بعوض كذا) لا مانع منه فضلا عن (بعت سكنى الدار) فإن أخبار بيع خدمة المدبر و الإطلاقات الشائعة القرآنية و غيرها من دون عناية أصدق شاهد على أن مفهوم البيع عرفا غير مقصور على تمليك عين بعوض و إن كان البيع المقابل للإجارة المحكوم بأحكام خاصة صنفا مخصوصا من طبيعي معناه اللغوي و العرفي.

الثالث [في أن الوفاء بالعقد هو القيام بمقتضاه]

قد ذكرنا في محلّه أن الوفاء بالعقد هو القيام بمقتضاه و عدم التجاوز عنه بحله و فسخه و بهذا المعنى إذا كان موردا للتكليف المولوي لم يثبت إلا اللزوم التكليفي دون الوضعي، فإن الأمر بالوفاء و النهي عن النقض لا يتعلقان إلا بالمقدور عليه في ظرف العمل و لازمه انحلال العقد بحله غاية الأمر أنه محرم، و حمل الأمر و النهي على الإرشاد إلى عدم الانحلال و الانتقاض و إن كان يلزمه اللزوم الوضعي خلاف الظاهر من الأمر و النهي.

و أما ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «(قدّس سرّه)» في استكشاف اللزوم الوضعي من إطلاق حرمة التصرف فيما انتقل عنه حتى بعد إنشاء الفسخ (1)، فيرد عليه أنه خلاف مقتضى الملكية، لا خلاف مقتضى العقد ليكون مصداقا للنقض المقابل للوفاء المنسوب إلى العهد و العقد، و قد أصلحناه في تعليقتنا على الخيارات بأن الوفاء كما يكون حقيقيا كذلك يكون عمليا كالتصديق العملي في باب الخبر، و الإبقاء العملي و النقض العملي في باب الاستصحاب، و التصرف فيما انتقل عنه معاملة معه معاملة ما لا عقد على كونه ملكا للغير فهو نقض عملي منهي عنه، و لو‌

____________

(1) المكاسب: الخيارات ص 215.

9

كان إنشاء الفسخ مؤثرا لكان ما انتقل عنه راجعا إليه و ملكا له و لا موجب لحجره عن ملكه. فحرمته مع هذه الحالة كاشفة عن عدم تأثير إنشاء الفسخ، و هو مساوق للزومه الوضعي.

لا يقال لا موجب هنا لحمل الوفاء و النقض على العملي بخلاف باب الخبر، فان التصديق الجناني غير مطلوب قطعا لعدم كون صدق العادل من الأمور الاعتقادية حتى يجب تحصيل اليقين بصدقه، و التصديق اللساني لا أثر له حتى يؤمر به، و كذا في باب الاستصحاب، فان النقض الحقيقي لليقين ليس أمرا اختياريا حتى ينهى عنه، بل بقاؤه و ارتفاعه ببقاء سببه و ارتفاعه، فلا يراد إلا النقض العملي.

لأنا نقول، الموجوب للعدول هو أن الفسخ إن كان عن حق فلا محالة يؤثر إنشاؤه، و مع تأثيره لا معنى لإيجاب الوفاء بعنوانه أو حرمة النقض بعنوانه، و إن لم يكن عن حق فلا أثر له. فلا يتمكن من الفسخ حتى ينهى عنه. فالنهي عن النقض الحقيقي لغو على أي تقدير بخلاف النقض العملي بالتصرف فيما انتقل عنه، فإنه مقدور عليه على أي تقدير. فتحريمه الملازم للزوم صحيح، فيحمل عليه النهى عن النقض.

10

فصل الإجارة عقد لازم

بمقتضى العمومات المذكورة في كتاب البيع و النصوص الخاصة في المقام، و عليه فينبغي التعرض لمسائل تتعلق بهذا الباب:

الاولى: ينفسخ عقد الإجارة كالبيع بالإقالة بتراضي الطرفين على فسخ العقد،

و هو مما لا خلاف فيه. إلّا أن الأدلة اللفظية قاصرة عن شمولها لما عدا البيع. فان خبر ابن حمزة هكذا: «أيما عبد أقال مسلما في بيع» (1) الخبر، و مرسل الفقيه: «أيما مسلم أقال مسلما ندامة في البيع» (2)، و مرسل الجعفري: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأذن لحكيم بن حزام في التجارة حتى ضمن له إقالة النادم» (3)، و الظاهر من التجارة هو البيع و الشراء، و أما خبر سماعة بن مهران: «أربعة ينظر اللّه إليهم يوم القيامة أحدهم من أقال نادما» (4)- الخبر، فلا إطلاق له بل المراد إقالة النادم في مورد مشروعيتها، فهو كما إذا قيل: إن من تزوج فله ثواب كذا أي بشرائطه، فلا يؤخذ بإطلاقه.

نعم إذا قلنا بأن التقابل من العقود كما في بعض الكلمات، و هو قطعا من العقود المتعارفة، فهو كسائر العقود المتعارفة المشمولة للأدلة العامة صحة و لزوما، فلا‌

____________

(1) الوسائل: ج 12، باب 2، من أبواب آداب التجارة، ح 2، ص 286.

(2) الوسائل: ج 12، باب 2، من أبواب آداب التجارة، ح 2، ص 286.

(3) الوسائل: ج 12، باب 2 من أبواب آداب التجارة، ح 1، ص 286.

(4) الوسائل: ج 12، باب 2 من أبواب آداب التجارة، ح 5، ص 287.

11

يحتاج إلى دليل بالخصوص في كل باب.

و لا يتوهم أن التقايل على طبق القاعدة فلا يحتاج إلى دليل عام أو خاص، نظرا إلى أن حقيقة المعاقدة متقومة بالالتزامين من الطرفين فمع رفع اليد منهما عن التزامهما لا معاقدة حقيقة فإنه يندفع بما ذكرناه في محلّه من أن العهد و العقد أمر اعتباري شرعا و عرفا، و يتحقق بأسبابه الجعلية شرعا و عرفا. و مع تحققه لا يرتفع إلا بسبب عرفا و شرعا، و لا يتقوم بالتزامهما النفساني حتى يرتفع بارتفاعهما قلبا، و سلطنة المالك على ماله بإيقاع التصرفات المشروعة في حد ذاتها أجنبية عن السلطنة على عقده بحله، و بقية الكلام في محلّه.

الثانية: في أن الإجارة لا تنفسخ ببيع العين المستأجرة،

و تنقيح القول فيه بالبحث في موارد:

(منها) ما إذا باع الموجر العين المستأجرة من غير المستأجر،

و لا خلاف فيه عندنا لا من حيث صحة البيع و لا من حيث بقاء الإجارة الصحيحة اللازمة على حالها، و غاية ما يتوهم اقتضاؤه انفساخ الإجارة تبعية ملك المنفعة لملك العين.

بمعنى أن مالك العين له تمليك منافعها المملوكة له بتبع ملك العين. فاذا خرجت العين من ملكه لم تكن منافعها التي لها بعد خروجها ملكا له. كما إذا تلفت العين بعد الإجارة. فانتقال العين كتلفها، و زوال المنفعة عن ملكه كزوالها بتلف العين، و يندفع بأن العين كما يملكها مالكها ملكية مرسلة لا موقتة و أن بيعها لا يوجب توقيت ملكها بل تنتقل الملكية المرسلة إلى غيره كذلك يملك منافعها ملكية مرسلة لا موقتة. فله تقطيعها بالإجارة. فالمنافع التي توجد بعد نقل العين مملوكة لمالكها من الأول. فلم يلزم تمليك ما لا يملكه فيما بعد البيع، و لا يقاس بتلف العين في بعض مدة الإجارة. لأنه لا منفعة رأسا هناك. فلا شي‌ء حتى يملكه أو يملّكه.

و لا يخفى عليك أن إبطال الإجارة بهذا الوجه من التبعية المتوهمة لا يقتضي بطلان البيع، كما عن المحقق الأردبيلي «(قدّس سرّه)» حيث قال: و لو كانت المنافاة‌

12

ثابتة لبطل البيع العارض عليها لا الإجارة. إلخ (1)، فإن التبعية لملك المنفعة بالإضافة إلى ملك العين. فهو لازم لا ينفك عن ملك العين لا من طرف ملك العين بحيث لا ينفك ملك العين عن ملك المنفعة. فإنه الذي يقتضي بطلان البيع دون الإجارة، لأن المفروض صحة الإجارة و سلب منفعة العين عنها. فلا يتمكن مالك العين من تمليك العين على وجه لا ينفك عن ملك منافعها من حال وقوع البيع فتدبر. و ستجي‌ء إن شاء اللّه تعالى بقية الكلام في المسألة الآتية- هذا- مع دلالة غير واحد من النصوص على أن البيع لا ينقض الإجارة.

نعم إذا كان المشتري جاهلا بكون المبيع مسلوب المنفعة فله الخيار بلا كلام و إنما الكلام في وجهه. و قد ذكر له وجوه:

أحدها: ما عن المشهور من أنه نقص و عيب. و حيث إن العيب هو النقص أو الزيادة في الخلقة الأصلية. و ليس هنا كذلك و الإلزام التخيير بين الفسخ و الإمساك بالأرش. و لا يقولون به فلذا أوّله غير واحد بأنه عيب حكمي فلا يقتضي إلا الخيار.

و فيه أنه إن أريد من العيب الحكمي العيب العرفي بالتوسعة في دائرة العيب و عدم القصر على خصوص النقص و الزيادة في الخلقة كما بنينا عليه في محلّه.

فاللازم إجراء أحكام العيب عليه. و لا يقولون به. و إن أريد من العيب الحكمي تنزيل سلب المنفعة منزلة العيب في خصوص الخيار دون الأرش. فالمدعي يطالب بالدليل على هذا التنزيل.

ثانيها: ما عن صاحب الجواهر «(رحمه اللّه)» من اقتضاء إطلاق العقد تعجيل التسليم للانتفاع (2) و هو أخص من المدعى، إذ ربما تكون منفعة السنة الآتية مملوكة بالإجارة فلا يمنع من التعجيل في التسليم مع أن مجرد وجوب التسليم و التعجيل فيه‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الإجارة، ص 9.

(2) جواهر الكلام: ج 27، ص 206.

13

لا يقتضي الخيار إلا إذا وقع موقع الالتزام حتى يثبت الخيار بالتخلف عنه. و ليس تعذر التسليم في مدة خاصة موجبا للخيار فتدبر.

ثالثها: ما عن غير واحد من أنه من باب تخلف الوصف نظرا إلى أن المشتري إنما اشتراه بعنوان أنه ذو منفعة فتبين أنه مسلوب المنفعة. و ردّ بأن الوصف إذا لم يقع العقد مبنيا عليه في مرحلة المعاقدة فلا أثر لتخلفه بل يدخل تحت تخلف الداعي الذي لا يوجب خيارا.

رابعها: ما عن جامع المقاصد من كونه ضررا فهو يوجب الخيار (1). و فيه أن الضرر المالي غير مفروض و نقض الغرض المعاملي إنما يوجب الخيار لو كان غرضا عقديا لا خارجيا متمحضا في الدعوة. و مطلق الضرر و لو بنقض الغرض الشخصي لا يوجب خيارا عند الأصحاب.

و التحقيق أن خصوصيات المبيع تارة تكون متعلقة للأغراض الشخصية من المتعاملين ككون العبد كاتبا أو خياطا و نحوهما فلا أثر لها إلا إذا ذكرت في العقد أو وقع العقد مبنيا عليها و أخرى من الأغراض النوعية العقلائية في مرحلة المعاملة ككون الدار قابلة للسكنى و الدابة قابلة للركوب و منافع الأعيان المقصودة من شرائها هكذا فهي بمنزلة الشرط الضمني و التوصيف اللبّي لتلك القرينة النوعية و لأجله قلنا أن خيار الغبن ليس إلا لأجل أن الغرض في باب المعاملات المالية نوعا اقامة مال مقام مال في المالية فتخلفها من باب تخلف الشرط الضمني و ان لم تؤخذ عنوانا للمبيع في مقام البيع، و لا بد من إرجاع كلام من قال بأن الخيار لتخلف الوصف أو لضرر المنطبق على نقض الغرض الى ما ذكرناه من التوصيف اللبي و نقض الغرض النوعي.

(و منها) ما إذا باع العين المستأجرة من شخص المستأجر

و المعروف فيه أيضا صحة البيع و بقاء الإجارة على حالها فيجتمع على المشتري الثمن و الأجرة و لم أجد‌

____________

(1) جامع المقاصد: ج 1، ص 417.

14

حكاية الخلاف صريحا إلا عن العلامة في الإرشاد (1). و ما قيل في توجيهه أمور:

أحدها: ما عن جامع المقاصد من أن منفعة العين نماء الملك فتتبعها (2) و حيث إن مالك العين بالشراء هو المستأجر فكون الأجرة في قبال نماء ملكه يوجب ورود المعاوضة على مال المالك بماله، و هذا وجه مختص بهذه الصورة دون الصورة السابقة التي كان المشتري المالك للعين فيها غير مالك المنفعة فلا يرد المحذور، و لكنه و ان كان كذلك إلا أن منشأ الاشكال في الصورتين واحد و هو استتباع ملك العين لملك المنفعة مطلقا حتى مع استيفائها بإجارة سابقة و قد عرفت ما فيه.

ثانيها: ما عن المحقق الأردبيلي «(قدّس سرّه)» في شرحه على الإرشاد و هو أن ملك المنفعة تابع لملك العين فاذا ملك العين يلزم ملكيتها تبعا أيضا و حينئذ فلو بقيت الإجارة على حالها يلزم كون المنفعة ملكا بالإجارة و البيع أيضا، و هو تحصيل الحاصل و جمع العلتين على معلول واحد. انتهى كلامه رفع مقامه (3).

و وجه اختصاص هذا المحذور بهذه الصورة أن المالك في هذه الصورة واحد فإن المشتري هو المستأجر و المملوك أيضا واحد و هي المنفعة الخاصة فليس هناك إلا ملكية واحدة تصحح انتزاع المالكية من المستأجر المشتري للعين و انتزاع المملوكية من المنفعة الواحدة، فإذا حصل هذا الواحد بالبيع و الإجارة معا لزم اجتماع سببين على مسبب واحد بخلاف الصورة السابقة فإن مالك العين فيها غير مالك المنفعة و المالكية و المملوكية متضايفتان و المتضايفان، متكافئان في القوة و الفعلية و التعدد و الوحدة فتعدد المالكية يستلزم تعدد المملوكية فلا يلزم ورود سببين على ملكية واحدة.

نعم يرد على الصورة السابقة أن مقتضى التعدد لمكان التضايف اجتماع المثلين‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الإجارة، ص 14 (متن الإرشاد).

(2) جامع المقاصد: ج 1، ص 417.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الإجارة، ص 14.

15

لفرض اجتماع ملكيتين في منفعة واحدة و هو المانع من كون الواحد ملكا لشخصين بالاستقلال، و هذا المحذور لا يقصر عن محذور اجتماع سببين على مسبب واحد.

و الجواب أن التبعية ليست بمعنى عدم انفكاك ملك المنفعة عن ملك العين عن ملك المنفعة، و إلا لما شرعت الإجارة و ليست بمعنى عدم انفكاك ملك العين عن ملك المنفعة و الا لما صح البيع في الصورتين لا انه تنفسخ الإجارة، لأنه بعد اشتغال المحل بالعرض لا مجال لورود مثله عليه و بعد تأثير السبب المتقدم أثره لا مجال لتأثير السبب المتأخر و مقتضاه بطلان البيع دون الإجارة، بل تبعية ملك المنفعة في خصوص ما إذا ملك العين بلا سبق استيفاء لمنفعتها، فلا مانع من تمليك المنفعة استقلالا كما في الإجارة، و لا موجب لاستتباع ملك العين لملك المنفعة مع سبق استيفائها بإجارة و نحوها كما فيما نحن فيه.

ثالثها: ما عن جامع المقاصد أيضا، (1) و هو أنه كما لا يمكن نكاح المملوكة، و لا بقاء النكاح بعد الملك. فالملكية مانعة عن حدوث الزوجية و عن بقائها، كذلك ملك العين يمنع عن عروض ملك المنافع و عن بقاء ملك المنافع.

و تقريبه أن النكاح يقتضي ملك البضع وحده فاذا ملك الرقبة لا يستقل ملك البضع لعدم بقاء الناقص بعد الاستكمال، و ملك المنافع بالاستقلال بعد ملك العين كذلك، لأن ملك العين يوجب خروج الملك السابق عن حد النقص إلى الكمال فلا معنى لبقاء النقص على حاله.

و الجواب أن الزوجية و الملكية شرعا متقابلتان. لقوله تعالى «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (2)، و التفصيل قاطع للشركة فلذا لا تجتمعان حدوثا و بقاء، و أما ملك المنافع بالاستقلال مع ملك العين، فلا دليل عقلا و لا نقلا على تقابلهما و عدم اجتماعهما، و أما التقريب المزبور الذي هو بمنزلة الجامع لتصحيح قياس ما نحن فيه بملك الأمة المزوجة فمندفع بأن العين و منافعها مالان و ملكان لا‌

____________

(1) جامع المقاصد: ج 1، ص 417.

(2) المؤمنون: 6.

16

من باب النقص و الكمال، فلا مانع من بقاء ملك المنافع على ما هو عليه من الاستقلال. ثم إنه يتفرع- على ما ذكرنا من التبعيّة غير المنافية لبقاء الإجارة على حالها- رجوع المنافع إلى المشتري مع ظهور بطلان الإجارة، و إلى البائع مع فسخ الإجارة بما يسوّغ فسخها.

أما في صورة بطلان الإجارة فلان استتباع ملك العين لملك المنفعة مع الإمكان قهري لا قصدي، و إنما القصدي في باب البيع نفس تمليك العين، فلا يلزم من رجوع المنافع إلى المشتري مع عدم قصد البائع تخلف العقد عن القصد، بل لو قصد البائع عدم تمليك المنافع لم يكن له أثر إلّا إذا رجع إلى عدم قصد البيع فإنّ قصد العدم مع عدم الأثر لقصد ثبوته لغو. فما لم تكن المنفعة مسلوبة و مستوفاة باستيفاء اعتباري إجاري و نحوه كانت تابعة لملك العين، و مجرد اعتقاد المسلوبية و قصد السلب لا يحقق السلب، فتبقى على حكم التبعية قهرا. و منه يظهر أنه لو كان سلب المنفعة بإبقائها لنفسه أو بنقلها إلى غيره بعنوان الشرط في ضمن البيع فظهر بطلان الشرط بوجه كانت المنفعة عائدة إلى المشتري، إذ لا سلب حقيقة.

نعم إذا قلنا بأن الشرط الفاسد بعد ظهور فساده يوجب الخيار كان للبائع حق فسخ البيع، و به يمتاز الشرط الفاسد عن الإجارة الفاسدة الأجنبية عن البيع. كما أنه لو كانت المعاملة البيعية الواقعة على العين المستأجرة باعتقاد صحة الإجارة غبنية كان للبائع الخيار و لو لم يكن هناك شرط. فالمنفعة على أي حال للمشتري، و انما الخيار للبائع في صورتي الغبن و الشرط، و لو مع عدمه دون الاعتقاد فقط أو القصد المحض.

هذا كله حكم بطلان الإجارة، و أما في صورة فسخ الإجارة، فربما يتوهم أن ملك العين مقتض لملك المنافع، و الإجارة الصحيحة من الموانع، و بعد فسخها و زوال المانع يؤثر المقتضي أثره كما في كل مقتض و مانع.

و يندفع بأن منزلة الفسخ ليس منزلة انتهاء أمد الإجارة ليصح توهم زوال المانع، فان الفسخ لا يوجب التوقيت. بل عنوانه ردّ المعاملة و عود العوضين الى ما‌

17

كانا عليه، فيستحيل عود المنفعة الى غير البائع الموجر، فهو بمنزلة المقتضي لملك البائع و هو على الفرض مؤثر. مضافا الى أن تمامية المقتضي في مقام الثبوت لا تجدي في أمثال المقام. بل لا بد من تمامية المقتضي في مقام الإثبات، و بعد عدم تأثير البيع في ملك المشتري للمنفعة في مدة الإجارة لم يوجد فرد آخر من البيع حتى يكون مشمولا للمقتضي في مقام الإثبات. فتدبر جيدا.

(و منها) ما إذا تقارن البيع و الإجارة

بأن صدر البيع من المالك و الإجارة من وكيله في زمان واحد، و فيه وجوه: (أحدها) صحتهما معا (ثانيها) بطلانهما معا (ثالثها) صحة البيع و بطلان الإجارة.

أما وجه صحتهما فربما يستند فيه إلى عدم تنافيهما نظرا إلى أن متعلق أحدهما العين، و متعلق الآخر المنفعة، و فيه أن عدم المنافاة الذاتية لا يقتضي عدم المنافاة بالكلية لثبوت المنافاة العرضية لمكان استتباع ملك العين لملك المنفعة فيتنافيان في هذا اللازم.

و أما وجه بطلانهما معا فهو ما عرفت من منافاتهما العرضية مع عدم المرجح لأحد الأمرين فيبطلان معا، و فيه أن بطلان البيع من رأس مبني على أن استتباع ملك العين لملك المنفعة بنحو اللزوم، و لا يقول به أحد، و إلا لما صحّ البيع و لو مع سبق الإجارة، و منه يظهر وجه الثالث. فيصح بيع العين من دون استتباع لملك المشتري للمنفعة، و من دون تأثير للإجارة في تمليك المستأجر المنفعة فتبقى منفعة مورد الإجارة على ملك البائع و ما ذكرنا من صحة البيع و بطلان الإجارة أولى من التعبير ببطلانهما معا في مورد التزاحم. و عن بعض أعلام العصر طاب ثراه تقوية الوجه الأول بقوله «(رحمه اللّه)»: «لعدم التزاحم. فإن البائع لا يملك المنفعة، و إنما يملك العين، و ملكية العين توجب ملكية المنفعة للتبعية و هي متأخرة عن الإجارة» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

(1) العروة الوثقى: الفصل الثاني من كتاب الإجارة في ذيل المسألة الثانية.

18

و فيه (أولا) أن التقدم و التأخر المفروضين بين ملك العين و ملك المنفعة تقدم و تأخر طبعي لا زماني، بداهة حصول ملك العين، و ملك المنفعة في زمان واحد و هو زمان تمامية الإيجاب و القبول، و التقدم و التأخر الطبعي لا ينافي المقارنة الزمانية بين المتقدم و المتأخر بالطبع. بل لا ينافي الاتحاد في الوجود، فان ملاك هذا التقدم و التأخر كما هو محقق في محله إمكان الوجود. بمعنى أنه يمكن أن يكون للمتقدم وجود. و لا وجود للمتأخر، و لا عكس كالواحد و الاثنين، و من البين أيضا أن التنافي في التأثير ليس إلا بلحاظ وجود الأثر خارجا، و في الوجود الخارجي لهما المعية و المقارنة الزمانية، و لا تقدم و لا تأخر بلحاظ وعاء التأثير. فما فيه التنافي لا تقدم و لا تأخر فيه، و ما فيه التقدم و التأخر لا تنافي فيه. فتدبره فإنه حقيق به.

(و ثانيا) أن ملك المنفعة بمقتضى التبعية متأخر عن ملك العين بالبيع لا عن الإجارة، لأن الإجارة و ان كانت في عرض البيع المتقدم على ملك المنفعة إلا أن ما مع المتقدم على شي‌ء ليس متقدما على ذلك الشي‌ء، لأن التقدم و التأخر لا يكون إلا بملاك مخصوص و هو بين نفس المتقدم و المتأخر لا بين ما معه و غيره.

(و ثالثا) أن الإجارة لها المعية مع البيع بالزمان لا بالطبع، فان المعية الطبعية إنما تتصور فيما إذا كانا معلولي علة واحدة، فالبيع و الإجارة ليس بينهما معية طبعية كما أنه ليس بينهما تقدم و تأخر طبعي، فلو فرضنا أن ما مع المتقدم متقدم فليس بينهما المعية حتى تكون الإجارة متقدمة على ملك المنفعة لتقدم البيع عليه.

و التحقيق صحتهما معا، و انتقال العين مسلوبة المنفعة إلى المشتري، و انتقال المنفعة في مدة خاصة إلى المستأجر، و ذلك لأن مالك العين له مالان و ملكان و له السلطنة على نقل كل منهما بالاستقلال، و قد مرّ أن التبعية ليست بنحو اللزوم بحيث لا ينفك ملك المنفعة عن ملك العين و لا ملك العين عن ملك المنفعة، و استباع ملك العين لملك المنفعة لا يزاحم سلطان المالك على ماله، فله السلطنة على نقلهما معا في عرض واحد كما له السلطنة على نقل المنفعة قبلا، فالاستتباع إنما هو في فرض عدم إعمال السلطنة في نقل المنفعة، فليس البيع و الإجارة من باب‌

19

المتمانعين حتى يتوهم أن مانعية الإجارة عن اقتضاء تمليك العين على حد مانعيّة تمليك العين عن اقتضاء الإجارة، بل لا استتباع رأسا مع سلب المنفعة إمّا حقيقة أو استيفاء اعتباريا، فكما أن الإجارة السابقة لا تبقي مجالا لأصل الاستتباع كذلك الإجارة المقارنة، و كما أن عدم المنفعة حقيقة ليس مانعا عن اقتضاء ملك العين بل لا اقتضاء له لملك المعدوم كذلك عدمها و سلبها الاعتباري، و من جميع ما ذكرنا يظهر حال ما إذا كان المشتري شخص المستأجر، فإن تملك المنفعة بالإجارة يختلف حكمه مع تملكها بالبيع فله فسخ البيع دون الإجارة و بالعكس.

و مما يؤكد ما ذكرنا أن من يستشكل في البيع و الإجارة المتقارنين زمانا بتوهم التزاحم، لا أظنه يستشكل في البيع المشروط بملك المنفعة لزيد في مدة خاصة أو المشروط ببقائها على ملك البائع، إذ ليس مخالفا للكتاب و لا منافيا لمقتضى العقد، لأن اللازم مفارق لا غير مفارق، مع أن نقل المنفعة و سلبها عن العين بالإجارة كنقلها و سلبها بالشرط، و عدم الاستتباع مع تصرف الوكيل كعدمه مع تصرف المالك. نعم من يرى صحة الإجارة لتقدمها رتبة على ملك المنفعة التابع لملك العين ينبغي أن يقول في النقل على وجه الاشتراط بالتزاحم، لأن النقل بالشرط تابع للبيع و قيد فيه و هو متأخر طبعا عن البيع كتأخر ملك المنفعة بالبيع فهما لازمان في عرض واحد فتدبر جيدا.

المسألة الثالثة: في بطلان الإجارة بموت المؤجر و المستأجر،

و فيه أقوال: قول بالبطلان مطلقا، و قول بعدمه مطلقا، و قول بالبطلان بموت المستأجر فقط. و قبل التعرض للاستدلال ينبغي أن يعلم أن مقتضى كون هذه المسألة و سابقتها متفرعة على لزوم الإجارة أن البحث في انفساخ الإجارة الصحيحة و عدمه، و هو أيضا مقتضى الاستدلال بعمومات لزوم الإجارة، و عليه فينبغي التعبير في عنوان البحث بالانفساخ و عدمه دون البطلان و عدمه، كما أن مقتضى الوجوه العقلية- هنا و في المسألة السابقة لعدم ملك المنفعة مقارنا للبيع و للموت- هو عدم تأثير العقد دون تأثيره و انفساخه بالبيع أو الموت.

20

و عليه فلا مجال إلا لدفع الشبهة دون الاستدلال بعمومات اللزوم أو الصحة أو استصحاب بقاء العقد، إذ ما لم يحرز كون المؤجر مالكا لا مجال لدعوى تأثير تمليكه بأدلة الصحة أو لدعوى بقاء العقد و التمليك بالدليل أو الأصل، نعم إذا شك في الصحة شرعا من حيث اعتبار عدم البيع أو عدم الموت أو انفساخ العقد شرعا بطروّ البيع أو الموت، صح الاستدلال بإطلاقات أدلة الصحة أو أدلة اللزوم.

و لا ينحصر وجه الشبهة في الشبهات العقلية بل اختلاف الفتاوى كاف في الشك في الصحة أو اللزوم. ثم إن الوجوه العقلية المستدل بها هنا بعضها مشترك مع المسألة السابقة كتبعية ملك المنفعة لملك العين، و جوابه ما تقدم، و بعضها يختص بالمقام، كما قيل من أن انقضاء مدة الإجارة إما جزء المقتضي للتأثير أو شرط التأثير، و مع مصادفة متمم السبب للموت لا معنى للتأثير كالموت بين الإيجاب و القبول أو كالموت قبل القبض في الصرف مثلا، و هذا غير مناف لكون المؤجر مالكا للمنفعة المرسلة اللاموقتة بحال حياته، و إنما البطلان لعدم تمامية سبب الملك للمستأجر.

و فيه أن الأمر كذلك لو كانت تمامية المدة جزء أو شرطا إلا أنه أي دليل على كونه كذلك، مع ابتنائه على كون جزء السبب أو شرط تأثيره مأخوذا على وجه تأخر العلّة عن معلولها، لعدم تعقل الملك المقارن لتمامية المدة إذ ملك المنفعة المتقدمة لغو، و عليه فلا يعقل دخل تمامية المدة، و على فرض المعقولية إنما يلتزم بالشرط المتأخر إذا كان موجب للالتزام به، و مجرد احتمال شرطيته في الصحة أو في اللزوم يدفع باطلاقاتهما. و توهم- دلالة بطلان الإجارة بالتلف و لو بعد القبض على ذلك نظرا إلى أن الموجب عدم انقضاء مدة الإجارة لتلفه قبل الانقضاء- مدفوع بأن الوجه عدم المنفعة في الواقع في المدة المضروبة فلا ملك، لا من حيث عدم تمامية المدة و عدم تمامية السبب، فالسبب تام لكنه لا منفعة حتى تملك و تملّك، لا أن السبب ناقص من حيث عدم تمامية المدة.

21

و مما ذكرنا يظهر فساد وجه اعتباري آخر حكي عن الغنية (1) و الخلاف (2)، و هو أن المستأجر رضي على أن يستوفي المنفعة من ملك المؤجر، فإنه إن أريد استيفاؤها من ملك المؤجر للمنفعة، فقد بينا أنه يملك المنفعة المرسلة اللاموقتة فله تمليكها، و إن أريد استيفاؤها من العين المملوكة للمؤجر، ففيه أن اللازم في تملك المنفعة من المؤجر ملكه لها لا للعين لصحة الإجارة من المستأجر بلا شبهة، مع أن العين مملوكة له حال تمليك المنفعة هنا، و ملكه للعين حال الاستيفاء بلا موجب، و لو فرض إيقاع الإجارة هكذا بأن يتملك منه منفعة العين المملوكة للمؤجر حال استيفائها التزمنا فيه بمقتضى هذا التقييد بالبطلان، إلا أنه أخصّ من المدعى كما لا يخفى.

ثم إنه ربما يستدل للبطلان تارة و للصحة اخرى بخبر إبراهيم بن محمد الهمداني، و هو كما رواه في الوسائل عن الكافي هكذا: «قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السّلام) و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الإجارة في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شي‌ء من الإجارة ما لم يمض الوقت فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضية بموت المرأة؟ فكتب: إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة فان لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّه» (3). و رواه في الحدائق عن التهذيب بتفاوت في بعض الكلمات، منها ما لم ينقض الوقت، و منها أم تكون الإجارة منتقضة، و منها و إن لم تبلغ في الشرطية الثانية بالواو لا بالفاء (4).

فنقول: أما الاستدلال به للفساد فأحسن وجوهه ما حكي عن غير واحد من‌

____________

(1) الجوامع الفقهية: كتاب الغنية، ص 540.

(2) الخلاف: ج 2، ص 207.

(3) الوسائل: ج 13، باب 25، من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 268.

(4) الحدائق الناضرة: ج 21، ص 541.

22

المشايخ من حمل الوقت في آخر السؤال على مدة أصل الإجارة لا على المدة المضروبة لدفع الأجرة بقرينة الإنفاذ و الانقضاء أو الانتقاض، و حمل ما في الجواب أيضا عليه ليكون الجواب مطابقا للسؤال، و حمل الشرطية الأولى حفظا لتقابلها مع الشرطية الثانية على عدم بلوغ شي‌ء من مدة الإجارة بأن يكون زمان العقد منفصلا عن زمان المنفعة المملوكة بالعقد، و حمل قوله (عليه السّلام) «فلورثتها تلك الإجارة» على أن أمرها بيد الورثة ردا و إمضاء أو فعلا و تركا، و حمل قوله (عليه السّلام) فتعطى ورثتها إلخ. على أن مقدار استحقاقهم الموروث من المرأة ما بلغت المرأة من النصف أو الثلث دون باقي مدة الإجارة، و هذا لازم انفساخ الإجارة بموتها.

و أما الاستدلال به للصحة فله تقريبان: (أحدهما) ما هو عين التقريب المزبور، من حيث إرادة مدة الإجارة من الوقت، و من حمل الشرطيتين على عدم البلوغ رأسا و على عدم البلوغ بتمامه، إلا أن اللام في قوله (عليه السّلام) فلورثتها لام الاختصاص لقيام الورثة مقام مورثهم بقرينة قوله (عليه السّلام) «فلورثتها تلك الإجارة» فلا موقع أصلا للحمل على أن الورثة لهم أن يؤجروا و أن لا يؤجروا كما أنها لهم لا ردها و إمضاؤها لهم، و قوله (عليه السّلام) «فتعطى» هو دفع الأجرة بالنسبة إلى المنفعة الماضية لا استحقاق هذا المقدار من الأجرة بل استحقاق فعلية الدفع بالمقدار المزبور، فالشرطية الاولى مصححة للإجارة، و الشرطية الثانية غير منافية لها، فان استحقاق الأجرة تماما لا ينافي عدم استحقاق الدفع إلا بمقدار ما بلغت المرأة من النصف أو الثلث.

(ثانيهما) حمل الشرطيتين على الإجمال و التفصيل لا على عدم البلوغ رأسا أو تماما، فإن الأول خارج عن مورد السؤال، و هذا الحمل مما لا بد منه بناء على نسخة الكافي بالعطف بالفاء فإنه بعنوان التفريع للتوضيح، و الكافي أضبط من التهذيب.

و التقريب حينئذ ما تقدم من كون اللام للاختصاص- هذا- و الظاهر كما استظهره غير واحد من الأعلام أن المراد بالوقت في تمام الفقرات هو الوقت‌

23

المضروب لدفع الأجرة لا مدة الإجارة، و الظاهر من الخبر أن محطّ نظر السائل هو الوقت المضروب و أن صدره إنما جي‌ء به تحقيقا لمورد الشرط، و إلا لم يكن وجه لقوله «على أن تعطى» (إلخ) بذلك التفصيل، و أن الشرطية الأولى بقوله (عليه السّلام) «إن كان لها وقت مسمى» لا مجال لها إلا بالإضافة إلى الوقت المضروب، و إلا فإجارة الضيعة لا بد فيها من مدة بخلاف دفع الأجرة فإنه قابل لأن يكون موقتا و أن لا يكون و حينئذ فالسؤال بملاحظة أن الورثة يجب عليهم كالمورّث إنفاذ الإجارة الخاصة المشروطة بالإضافة إلى دفع الأجرة في الوقت المضروب له فلا يستحقون دفع الأجرة في كل سنة إلا عند انقضائها، أو يسقط الوقت عن الوقتية فكأنه لا إجارة بهذه الخصوصية المعبر عنه بانقضاء الإجارة و انتقاضها بتوهم حلول الدين بموت الدائن كالمديون أو أنه شرط عليها خارج عن حقيقة الإجارة، و حينئذ لا دلالة له على بطلان الإجارة، أو أن منشأ السؤال سقوط الشرط بملاحظة انفساخ الإجارة فتستحق الورثة أصل الأجرة بالمقدار الذي بلغته المرأة من الوقت كما أفيد في الشرطية الثانية، فيكون الخبر دليلا على البطلان، و مع هذين الاحتمالين لا مجال للاستدلال بالخبر على الصحة و لا على البطلان، فتبقي العمومات في العقود و في الإجارة بالخصوص بلا مخصص لها.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل:

أنه بناء على البطلان بهذا الخبر إذا كان الموجر وليا فمات الولي أو المولى عليه فالظاهر عدم البطلان، لخروجه عن مورد النص، لأن ظاهره كون المؤجر مالكا لإضافة الإيجار و الضيعة إليها، و الولي ليس بمالك و المولى عليه ليس بمؤجر (لا يقال) فاذا كانت الإجارة بالتوكيل و مات الموكل ينبغي القول بالصحة مع أنه باطل (لأنا نقول) نسبة الإجارة إلى الموكل محفوظة فان الاسناد كما يتحقق بالمباشرة كذلك بالتسبيب فيصدق أنه آجر فمات دون عمل الولي فإنه لا يسند إلى المولى عليه. نعم إذا استندنا إلى الوجوه الاعتبارية في البطلان فالمناط موت المالك أو المتملك سواء كان كبيرا أم صغيرا و سواء كانت الإجارة بالمباشرة أم بالتوكيل أم بالولاية.

24

الثاني [كما أن الإجارة لا تبطل بالبيع لا تبطل بالزواج و لا بالانعتاق،]

كما أن الإجارة لا تبطل بالبيع كما تقدم في المسألة الثانية لا تبطل بالزواج و لا بالانعتاق، لسلب المنفعة بوجه صحيح فتتزوج المرأة مسلوبة المنفعة من حيث الخدمة المنافية للاستمتاع في وقتها، و ينعتق العبد مسلوب المنفعة لفرض سلطنة المرأة على نفسها من حيث إجارة نفسها للخدمة و لو في الزمان المصادف للزوجية، و لفرض ملك المولى لمنافع مملوكه مطلقا فله أن يستوفيها بالإجارة المصادف زمانها لزمان حريته، نعم في نفقة المملوك بحث في أنها على المولى أو على المملوك في كسبه أو غير ذلك من الوجوه، و ظاهر بعض الأعلام «(رحمه اللّه)» «أنها على المولى فإنه حيث استوفى منفعته فكأنه باق في ملكه، و ظاهره وجوب نفقته من حيث المالكية مع أن تنزيله باستيفائه منزلة كونه مالكا له حتى تكون نفقة المملوك على مالكه» (1) يحتاج إلى دليل.

نعم الظاهر أن نفقته على مولاه لا من حيث المالكية بل من حيث لزوم تسليم العين المستأجرة بحيث يتمكن المستأجر من استيفاء منفعتها و هو موقوف على بذل النفقة كبذل نفقة الدار إذا احتاجت إلى عمارة أو تخلية و نحوهما مما تتوقف عليه صلاحية الدار لاستيفاء منفعتها، و لا يقاس بباب الوقف حيث إن نفقة العبد الموقوف على الغير في كسبه لا على الواقف، كما أن نفقة الدار الموقوفة من منافعها لا على واقفها، و ذلك لعدم الموجب بعد تمامية الوقف لتكفل الواقف ما هو صلاح العين الموقوفة بخلاف العبد المستأجر كما مر.

الثالث: قد استثني من القول بصحة الإجارة مع موت المؤجر أو المستأجر موارد:

(منها) الأجير الخاص،

و فسره في الجواهر بمن آجر نفسه على أن يعمل بنفسه عملا مخصوصا، و قد حكم «(قدّس سرّه)» بانفساخ الإجارة بموته (2).

____________

(1) راجع كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي: ص 330 في ذيل المسألة الرابعة يجب على المستأجر سقي الدابة و علفها.

(2) جواهر الكلام: ج 27، ص 212.

25

و التحقيق أن الأجير الخاص إن أريد به ذلك مع فرض كون وقت العمل محدودا و مات قبل مجي‌ء الوقت فالإجارة باطلة لا منفسخة، لعدم المنفعة له في ذلك الوقت فلا شي‌ء حتى يملك أو يملك، و إن أريد به ذلك فقط من دون تحديد بزمان فمضى زمان يمكن فيه إيجاده فمات فالإجارة صحيحة في نفسها لوجود الطرف الصالح لتأثير العقد في تمليكه و تملكه، و الموت لا بد من أن يكون موجبا لانفساخها لدخوله تحت عنوان التلف قبل القبض بناء على التعدي من البيع إلى غيره و إلا فلا موجب لانفساخها كما لا موجب لبطلانها، نعم للمستأجر فسخ العقد من باب خيار تعذر التسليم بعد عدم كونه من التلف قبل القبض، و مما ذكرنا تبين ما في إطلاق التعبير بالبطلان و ما في إطلاق التعبير بالانفساخ الذي لا موقع له الا مع فرض الصحة حيث لا انحلال مع عدم الانعقاد.

و (منها) ما إذا اشترط على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه

كما عن جماعة التصريح به كالمحقق الأردبيلي (1) و صاحب الحدائق (2) و صاحب مفتاح الكرامة (3)، بل لم يذكروا من وجوه الأجير الخاص غيره، و حيث إن مورد الاشتراط ما إذا ملك الكلي أو ملكه فالاشتراط المزبور خارج عن حقيقة الإجارة، فالمملوك هو الكلي فيكون كسائر الديون، و تعذر الشرط لا يوجب الا الخيار فمع عدم الفسخ يؤخذ بدله من تركته لا أنه تبطل الإجارة من الأول و لا أنها تنفسخ من الحين، و الوجه في الكل واضح.

و (منها) ما إذا آجر البطن الأول

من الموقوف عليهم العين الموقوفة مدة تزيد على مدة حياتهم نظرا إلى اختصاص ملكهم بمدة حياتهم بسبب جعل الواقف، و لم أجد فيه خلافا من أحد و إن كان يظهر التردد من بعضهم إلا أنه لا جزم من أحد بصحتها.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الإجارة، ص 10

(2) الحدائق الناضرة: ج 21، ص 542.

(3) مفتاح الكرامة: ج 7، ص 81.

26

و تحقيق القول فيه أن دعوى الصحة مبنية على أمرين: (أحدهما) أن ملكية الواقف المجعولة لجميع البطون ملكية واحدة مرسلة و الواحد لا يتكثر و لا يتبعض، و حيث إنها عرض غير قار فلا تتحدد و لا تتقيد بالزمان فلا معنى لتقطيعها و تحديدها بالأزمنة ليكون تمليكا لجميع البطون لئلا تكون لكل منهم ملكية تامة مرسلة.

(ثانيهما) أن الملكية الواحدة المرسلة كما لا يمكن تقطيعها و تحديدها كذلك إعطاؤها لجميع البطون في عرض واحد، إذ لا يعقل أن يكون طرف الواحد الشخصي متعددا، فإن الإضافات تتشخص بتشخص أطرافها مع أنها على الفرض إضافة واحدة. و الجمع بين هذين الأمرين يقتضي جعل الملكية الواحدة المرسلة للبطن الأول، ثم بعد انقراضهم للبطن الثاني و هكذا، نظير انتقال ملكية المورث إلى وارثه، و الفرق أنه في الإرث بجعله تعالى و في الوقف بجعل الواقف، و يؤيده أنه في مورد جواز بيع الوقف إذا لم يكن للبطن الموجود ملكية مرسلة كيف يتمشى منه البيع الذي هو التمليك المرسل، و عليه فالملكية المرسلة للعين في كل بطن تستتبع الملكية المرسلة لمنافعها و حينئذ تصح منه الإجارة و لو زائدا على مدة حياته فتنتقل العين مسلوبة المنفعة إلى البطن اللاحق بجعل الواقف لئلا يتوهم أنه مناف لتلقي كل بطن ملك الموقوف من واقفة لا من البطن السابق.

(لا يقال) العين بمنافعها و إن كانت مملوكة للبطن الموجود ملكية مرسلة إلا أنها متعلق حق البطون اللاحقة و لا تنفذ أية معاملة كانت فيما كان فيه حق الغير.

(لأنا نقول) ليس لكل بطن بمقتضى جعل الواقف إلا الملكية و لا حق زيادة عليها لا فعلا و لا في زمانه. هذه غاية تقريب دعوى الصحة.

و تندفع المقدمة الأولى بأن الملكية المرسلة لا تتعدد بمعنى أن تكون هناك ملكيات مرسلة فإنه مناف لفرض وحدتها و أما بسط الملكية المرسلة على البطون فلا مانع منه إلا توهم امتناع تحددها و تقيدها بالزمان، و هو مدفوع بأن التحدد بالزمان تارة بالذات كما في الأعراض غير القارة فان التدرجية عين الحركة المساوقة للتقدر بالزمان، و اخرى بالعرض كما في الأمور القارة، فإنها و إن لم تتقدر بالزمان لكنه يمر‌

27

عليها الزمان فيمكن لحاظها مع هذا الزمان و مع زمان آخر، فهذا الواحد المستمر مع الأزمنة يمكن تقطيعة بلحاظ الأزمنة المارة عليه و يجعل لكل بطن في كل زمان قطعة من هذا الواحد المستمر، و ليس هذا أيضا من تبعض البسيط فان معنى عدم تبعضه ان الملكية ليس لها نصف و ثلث و ربع لا أن هذا البسيط باعتبار استمراره مع الزمان لا يمكن جعل طرفه في هذا الزمان بطنا و جعل طرفه في زمان آخر بطنا آخر.

و تندفع المقدمة الثانية بأن الواقف ليس له إلا التصرف في ماله بجعل العين محبوسة عن التصرفات على الطبقات و تسبيل منافعها لهم على الترتيب و ليس له بعد إعطاء ماله من الملكية المرسلة سلبها عنهم و إعطاؤها لغيرهم، فإنه ليس له الولاية على البطون بالتوريث إلى أشخاص خاصة، نعم له بسط ملكيته على الطبقات، فإنه تصرف في ماله بحيث لا يستتبع سلطنة على أحد، فإن ملك كل بطن محدود فينتهي أمده لا أنه ينتزعه عنه و يجعله لغيره.

و أما مسألة جواز البيع شرعا في موارد خاصة فغاية ما يقتضيه البيع أنه تمليك مرسل لا أنه إعطاء ملكيته المرسلة، فحقيقة البيع هي التمليك لا تمليك المملوك فضلا عن تمليك المملوك بالملكية المرسلة، و تمام الكلام في محلّه. و إنما تعرضت لهذا المقدار تنبيها على أن احتمال الصحة ليس على حدّ يستغرب و ينسب الالتباس و الاشتباه إلى من يميل اليه، مع أن مثل المحقق في الشرائع تردد أولا ثم قال: أظهره البطلان (1)، و العلامة في القواعد يقول الأقرب البطلان (2) و هكذا، فليس احتمال الصحة واضح البطلان و باللّه المستعان.

(تنبيه):

إذا كان الموجر ناظر الوقف فمات قبل انقضاء مدة الإجارة فهل تنفذ إجارته مطلقا، أو لا تنفذ مطلقا، أو تنفذ فيما إذا كانت لمصلحة الوقف دون مصلحة البطون اللاحقة؟ كما عن شيخنا الأستاذ «(قدّس سرّه)» (3) لأنّ الواقف له أن يولي‌

____________

(1) شرائع الإسلام: كتاب الوقف القسم الثالث في شرائط الموقوف عليه.

(2) قواعد الأحكام: ج 1، ص 224.

(3) إجارة المحقّق الخراساني، لم يطبع بعد، راجع الذريعة، ج 1، ص 122.

28

أمر ملكه و ماله الى أحد و أما إعطاء الولاية على الموقوف عليهم فلا، لأنه لا سلطان للواقف الا على نفسه و ماله فلا نظر للناظر إلا في العين الموقوفة و ما هو صلاحها لا ما هو صلاح الموقوف عليهم.

و الجواب انه لا ريب في ان إجارة العين الموقوفة منوطة باذنه فكما انه من باب الولاية على التصرف في العين الموقوفة لا من باب الولاية على البطن الموجود فكذا اجارة ما يتعلق بالبطن المعدوم. و السرّ فيه ان العين صارت بالوقف ملكا لهم مسلوبة السلطنة بجعل الواقف، و الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.

و مما ذكرناه يتضح ان اعتبار ولاية المتولي و القيم المعبر عنه بالناظر ليس اعتبار قيامه مقام البطون و انه نائب عنهم، فتمضي إجارته عليهم. كيف؟ و قد فرض انهم ملكوا مالا مسلوب السلطنة و لا بد من ان يكون كذلك، إذ ليس للواقف ولاية عليهم حتى يكون له جعل من ينوب منابهم و يقوم مقامهم ليكون سلطانه سلطانهم، بل اعتبار الولاية له اعتبار قيامه مقام الواقف، فإنه قبل الوقف له الولاية على ماله بأنحاء التصرفات، فله جعل ماله الولاية عليه باقيا لنفسه أو جعل غيره قائماً مقام نفسه، فلم ينتقل الملك عنه بإنشاء الوقف الا هكذا.

و بما بينا لا يبعد القول بمضي إجارته على البطون المتأخرة سواء كانت لرعاية مصلحة العين الموقوفة أم لرعاية مصلحة البطون المتأخرة عن زمان حياته، و تمام الكلام في محله، كما انه تبين الفرق بين جعل الناظر للوقف و جعل القيم للصبي، فإنه و ان كان من باب جعل الولاية عليه و على ماله كما هو للجاعل، الا انه له جعل الولاية له على الصغير، فتصرف القيم- فيما يصادف زمان كبره مع عدم كونه مما لا بد منه فعلا تداركا لما يفوته في حال كبره- محل التأمل كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في محلّه.

29

فصل لا إشكال في إجارة المشاع

كبيعه و غيره من العقود، غاية الأمر ان استيفاء المنافع لا بد من ان يكون بإذن الشريك كما في البيع أيضا، و لا يخفى أن إشاعة المنافع ليست بعين إشاعة العين و إلا لانحصرت قسمتها بقسمة العين فلا تنقسم منافع الدار إلا بقسمة الدار نصفين بل إشاعتها بملاحظة نفسها و ان كانت لا إشاعة فيها الا بلحاظ كونها من شئون العين و حيثياتها الوجودية، و بهذه الإضافة تمتاز عن الكلي الذي لا إشاعة فيه. و الوجه فيما ذكران بعض الأعيان المشاعة التي لا تقبل القسمة الخارجية تكون منافعها مشاعة قابلة للقسمة، فلو كانت إشاعتها بعين إشاعة العين لكانت قسمتها بعين قسمة العين، إذ ليست القسمة إلا إفراز المشاع و تعيين اللامتعين، فلا معنى للقسمة مع عدم الإشاعة و هذا كالدابة إذا استأجرها اثنان بالاشتراك، فان ركوبها قابل للقسمة بالمدة أو بالفرسخ مع انها لا تقبل القسمة، فيعلم منه ان إشاعة المنافع باعتبار نفسها لا بعين إشاعة العين. و حينئذ فكما يمكن تنصيف سكنى الدار بتنصيف الدار كذلك بتنصيف مدة الإجارة.

30

فصل [العين المستأجرة أمانة لا يضمن المستأجر إلّا مع التعدّي أو التفريط، و فيه تحقيق حقيقة الأمانة]

المعروف بل قيل لا خلاف فيه أن العين المستأجرة كالدابة مثلا امانة لا يضمنها المستأجر إلا مع التعدي أو التفريط، و لا بد من تحقيق حقيقة الامانة حتى يجدي في غير مقام (فنقول) الأمانة مالكية و شرعية.

و التأمين المالكي على قسمين: تأمين عقدي كالوديعة التي حقيقتها الاستنابة في الحفظ و هي الامانة بالمعنى الأخص، و تأمين بالتسليط على ماله برضاه، فتكون امانة بالمعنى الأعم، و بهذا المعنى أطلقت الأمانة على العين المستأجرة و المرهونة و العارية و المضارب بها و نحوها، و الأمانة الشرعية فيما كان التسليط على المال بحكم الشارع كما في تسليط الولي على مال القاصر و كالتسليط على اللقطة و مجهول المالك و غير ذلك.

أما الأمانة المالكية بالمعنى الأعم فتحققها- بالتسليط على المال عن الرضا- إنما يستفاد مما ورد في الأبواب المتفرقة من العارية (1) و المضاربة و نحوهما بعنوان «ان صاحب العارية مؤتمن و ان صاحب البضاعة مؤتمن» خصوصا بعد ضمه الى أن صاحب الوديعة مؤتمن، مع أنه ليس في هذه الموارد مصداق للتأمين المالكي إلا تسليطه على ماله عن رضاه. فيعلم منه أن كل تسليط عن الرضا ائتمان، و ما يذكر‌

____________

(1) الوسائل: ج 13، باب 1، من كتاب العارية، ح 1، ص 237.

31

- في مقام التقييد من انه لا بد من أن يكون التسليط بعنوان التسليط منه على ماله لا بعنوان مال مالكه، و عن الرضا المحض لا عن لا بدية و استحقاق للغير، و انه لا يكون مبنيا على أمر غير واقع- كل ذلك من المحققات للتسليط عن الرضا لا أمر زائد عليه و (دعوى) أن صاحب العارية مؤتمن اي بحكمه في عدم الضمان لا انه مؤتمن من قبل المالك حقيقة فلذا لا يضمن كما في الجواهر، بل دعوى عدم مصداق عرفا للأمانة إلا الوديعة (1) (ممنوعة) فإن الجمع- بين الوديعة و العارية و بينها و بين البضاعة في عنوان الائتمان- كاشف عن ان كليهما تامين مالكي حقيقة فلذا لا يناسبه الضمان كما هو المتعارف في الحكم بعنوان ملازم عرفا له. لا أنه ائتمان عنوانا و نفي الضمان حقيقة، فإنه خلاف الظاهر.

مضافا الى التعبير عن مثل هذا التسليط بالائتمان في غير مقام الحكم بعدم الضمان كما في حكاية إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السّلام) حيث قال (عليه السّلام): قد بلغك انه يشرب الخمر فائتمنته. إلخ (2) و موردها دفع المال للاتجار به لا الاستيداع. نعم سائر ما ورد في هذه الأبواب من الحكم بعدم التغريم إذا كان مأمونا هو كالحكم بعدم التغريم «إذا كان عدلا مسلما» في رواية أخرى (3)، فإن الملحوظ فيها عدم التغريم من حيث التفريط يعني إذا كان مأمونا و مسلما عدلا فهو لا يفرط، و الا فالضمان من حيث التلف لا يتفاوت فيه البر و الفاجر و اما قوله (عليه السّلام): «بعد ان كان أمينا» (4) فهو محتمل للأمرين: فتارة يراد بعد ان كان أمينا بالحمل الشائع فهو كقوله (عليه السّلام) «إذا كان مأمونا» (5)، و اخرى يراد بعد ان كان أمينا لك و قد اتخذته أمينا بإثبات يده على‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 27، ص 216.

(2) الوسائل: ج 13، باب 6 من أحكام الوديعة، ح 1، ص 230.

(3) الوسائل: ج 13، باب 4 من أحكام الوديعة، ح 3، ص 228.

(4) الوسائل: ج 13، باب 4 من أحكام الوديعة، ح 5، ص 228.

(5) الوسائل: ج 13، باب 1 من كتاب العارية، ح 3، ص 236.

32

مالك.

و مما ذكرنا في حقيقة الأمانة المالكية بالمعنى الأعم تعرف خروج المقبوض بالبيع الفاسد عن ضابطة الامانة لأنه تسليط منه بعنوان أنه مال مالكه بالعقد لا أنه تسليط منه على مال نفسه، و لا يعقل تأمين المالك على ماله، مع انه تسليط مبني على أمر غير واقع فلم يتمحض التسليط عن رضي.

و أما في باب الإجارة فالإشكال من وجهين: (أحدهما) ان اللازم في باب الإجارة تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة لا التسليط على العين.

(ثانيهما) لا بدّية المؤجر لاستحقاق المستأجر فلا يكشف تسليطه بعد العقد عن تأمينه و عن رضاه بإثبات يده على العين.

نعم لا ريب في أن إقدامه على الإجارة عن محض الرضا أقدام منه برضاه على ما تستدعيه الإجارة من التسليط بضميمة ان الغالب بقاء المؤجر على ما هو عليه من الرضا، و إلا يشكل الأمر في كونه تأمينا مالكيا و إن كان عدم الضمان مستفادا من غير واحد من الأخبار.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: أن العين بعد مدة الإجارة هل هي غير مضمونة كما في المدة أو مضمونة؟

فيه و جهان: (أحدهما) الضمان كما عن الإسكافي و الطوسي على ما في الجواهر (1). (ثانيهما) عدم الضمان كما هو المشهور.

و بناء عدم الضمان على وجوه: (أحدها) انها امانة مالكية في المدة و بعدها.

(ثانيهما) انها أمانة شرعية في المدة و بعدها. (ثالثها) انها امانة مالكية في المدة و أمانة شرعية بعدها. (رابعها) انها أمانة شرعية في المدة و مالكية بعدها كما عن بعض الأجلة ممن قارب عصرنا.

أما وجه الضمان فعموم على اليد و لا مخصص له هنا إلا أدلة باب الإجارة الدالة على عدم ضمان العين المستأجرة الظاهرة في كون الحيثية تقييدية، فلا يعقل‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 27، ص 216.

33

إطلاقها لما بعد مدة الإجارة لا ان الإجارة حيثية تعليلية لعدم الضمان حتى يعقل إطلاقها لما بعد المدة، و عدم كون العين أمانة مالكية لما تقدم من الجواهر من أن مصداق الأمانة المالكية عرفا منحصر في الوديعة، و عدم كونها أمانة شرعيّة، لما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى من عدم انطباقها على المورد من غير فرق بين مدة الإجارة و ما بعدها.

و أما وجه كونها أمانة مالكية مطلقا فما قدمناه من أن التسليط الخارجي عن رضي تأمين مالكي بالمعنى الأعم، و الظاهر- من التسليط على العين بعنوان التأمين إثبات يده على المال الى أن يطالبه المالك كما في سائر موارد الأمانات و الحقوق، و التسليط الخارجي ليس كالتسليط الاعتباري إنشائيا تسبيبيا حتى يقبل الإطلاق و التقييد، بل الاستيلاء الخارجي باق حقيقة الى أن يستولي عليه مالكه، نعم القيد الذي يكون التسليط به أمانة مالكية و هو الرضا به- قابل للاستمرار و عدمه، و مع الشك فيه يستصحب بقاؤه فيترتب حكم الأمانة شرعا، و معه لا يبقى مجال للرجوع الى عموم اليد لفرض خروج اليد الأمانية عن العموم.

و أما وجه كونها أمانة شرعية مطلقا فهو حصر الأمانة المالكية في الوديعة، و حيث يجوز شرعا وضع اليد على العين لاستيفاء المنفعة في المدة و لإيصالها الى مالكها بعده فهي أمانة شرعية مطلقا.

و أما وجه كونها أمانة مالكية في المدة و شرعية بعدها فهو كون الاستيلاء الذي يقتضيه عقد الإجارة هو الاستيلاء مقدمة لاستيفاء المنفعة فما دام يستحق الاستيفاء يستحق الاستيلاء، و الظاهر تسليط المالك حسب ما يقتضيه عقد الإجارة فهي أمانة مالكية في المدة، و حيث إنه يجوز بعدها وضع اليد لإيصالها الى مالكها فهي أمانة شرعية.

و أما وجه كونها أمانة شرعية في المدة و مالكية بعدها فهو أن التسليط في المدة حيث إنه عن استحقاق المستأجر فلا يكون عن رضا بخلاف ما بعد المدة فإنه لا استحقاق فيكون عن رضا محض- هذا- و التحقيق إنّ التأمين المالكي- بالمعنى الأعم‌

34

المستفاد من أبواب العارية و المضاربة و الوكالة- ملاكه التسليط على العين عن رضا محض إما لاستيفاء المنفعة كما في الإجارة، أو للانتفاع بها كما في العارية، أو للاتجار بها كما في المضاربة، أو لبيعها و نحوه من التصرفات كما في الوكالة، و قد عرفت أن اللابدّية فضلا عن مجرد الاستحقاق لا تنافي بقاء الرضا المحض الذي بعثه على الإجارة المقتضية للتسليط على ماله في مدة الإجارة، و ان بقاءه بعدها مع الالتفات الى انقضاء المدة و التمكن من المطالبة بسبب عدم المطالبة الكاشف عن كون هذا الاستيلاء بقاء عن رضاه كما كان حدوثا، و مع الشك يستصحب بقاؤه على حاله المحقق للأمانة المالكية تعبدا، فيترتب عليها حكمها من دون وصول النوبة إلى عموم قاعدة اليد المخصص بما عدا مورد الامانة.

و أما الأمانة الشرعية فملاكها الترخيص في إثبات اليد على مال الغير لحفظه أو لإيصاله إلى المالك بنحو من أنحاء الإيصال كما استفيد من أدلة اللقطة و مجهول المالك و أشباه ذلك، و ليس مجرد الترخيص الشرعي تأمينا شرعيا، مثلا لا ريب في أن وضع اليد على العين المستأجرة جائز شرعا لكنه إما لكونها أمانة مالكية فيكون كالترخيص في العارية، فهو من باب إباحة ما أباحه مالكه لا تأمين من الشارع، و إما لكونها مما يستحق استيفاء المنفعة فيها فهو من باب إنفاذ السبب الموجب لاستحقاق الاستيلاء الموقوف عليه الاستيفاء، لا أنه ترخيص ابتدائي من الشارع كما في اللقطة، فإن الترخيص في الالتقاط ترخيص ابتدائي في وضع اليد على مال الغير ليوصله اليه بالتعريف أو ليحفظه له خارجا أو في ذمته بعد التعريف، فهو أمين الشارع لعدم انبعاث هذا الترخيص عن سبب سابق مسوّغ لوضع اليد عليه، فتوهم- أن العين في مدة الإجارة أمانة شرعية- فاسد، لما عرفت.

و أما بعد المدة و فرض عدم شمول التأمين المالكي له و لو بالأصل، فلعدم الدليل على الترخيص حتى يكون ترخيصا غير منبعث عن مسوّغ له، إذ غاية ما في الباب أنه لا ريب في وجوب إيصالها إلى مالكها و حرمة إهمالها، و من الواضح أن وجوب الرد الى مالكها وجوب عرضي يتبع حرمة إمساكها كما في كل مورد كانت‌

35

هناك يد على المال بدون إذن مالكه، فإن إمساكه حرام فرده واجب، و ليس هناك إيجاب الإيصال ابتداء حتى يكون حاله كحال الترخيص الابتدائي، فتوهم- أنه أمانة شرعية بعد المدة مع عدم الدليل على الترخيص في وضع اليد و لا على وجوب الإيصال الابتدائي غير التابع لحرمة الإمساك- فاسد، كما أن توهم- كونه أمانة مالكية في خصوص ما بعد المدة لعدم الاستحقاق المانع من التأمين المالكي أيضا- فاسد، لعدم تحقق الشي‌ء بمجرد عدم المانع فلا بد من إثبات كون هذا الاستيلاء بتسبيب المالك عن رضاه كما بينا.

و أما التمسك بقاعدة الإحسان لعدم الضمان بدعوى أن وضع يده- على المال بداعي إيصاله إلى مالكه- إحسان إلى مالكه و (ما على المحسنين من سبيل) الشامل لكل سبيل دنيوي أو أخروي. ففي غاية الإشكال لا لأن إيصال المال الى مالكه إحسان و مع فرض التلف قبل وصوله كما هو مورد البحث لا إيصال فلا إحسان.

و ذلك لأن الفعل إذا صدر بقصد عنوان حسن من العناوين الحسنة يتصف بالحسن و إن لم يتحقق مبدأ ذلك العنوان في الخارج، مثلا إذا ضرب اليتيم بداعي التأديب يصدر منه الضرب حسنا و إن لم يتأدب في الخارج و إذا كذب لانجاء المؤمن صدر منه حسنا و إن لم يترتب عليه نجاته خارجا، و كذا العكس، فإنه إذا ضرب اليتيم لا بقصد التأديب و تأدب به لم يصدر منه الفعل حسنا و إن تأدب، و كذا في الكذب لا بداعي إنجاء المؤمن و ترتب عليه نجاته، و ذلك لأن الحسن و القبح العقليين اللذين هما مورد البحث بين العدلية و الأشاعرة بمعنى كون الفعل ممدوحا عليه فاعله أو مذموما عليه، و لا يعقل أن يكون كذلك إلا إذا كان مقصودا، و لا يعقل أن يكون بوجوده الواقعي مناطا للمدح و الذم.

و منه تعرف أن حديث الحسن الفاعلي و الحسن الفعلي غير صحيح في مثل هذا الحسن أو القبح الذي هو مورد الكلام في الأصول و الكلام، فلا إشكال في قاعدة الإحسان من هذه الجهة، إنما الإشكال فيها من حيث إن العناوين القبيحة من حيث نفسها لا يتغير قبحها الطبيعي بعروض عنوان حسن بحسن غير لزومي، ألا‌

36

ترى أن إيصال النفع الى غيره حسن لكنه لا يرتفع به قبح الكذب بخلاف عنوان إنجاء المؤمن، فإن تركه فيه هلاك المؤمن و هو ظلم قبيح بذاته، و من البيّن أن وضع اليد على مال الغير بدون إذنه و رضاه إساءة اليه و ظلم عليه فمجرد داعي الإيصال لا يرفع قبحه، و لذا لو لم يكن دليل على جواز الالتقاط لم يكن الالتقاط بقاعدة الإحسان جائزا.

(لا يقال) ترك إيصال المال قبيح فحسن الإيصال من الحسن اللزومي.

(لأنا نقول) أما إذا لم تكن له يد على المال فايصاله غير واجب و تركه بترك اليد عليه غير قبيح، و أما إذا كانت يده عليه فايصاله لازم من حيث حرمة إمساكه، و إيصاله حينئذ من باب ترك الإساءة لا من باب أنه إحسان محض. و بالجملة قاعدة الإحسان إنما تجدي في موارد جواز وضع اليد حتى يتمحض في الإحسان، مثلا إذا علم من حال زيد الرضا بوضع اليد على ماله لإيصاله فإنه ليس منه تسليط ليكون أمانة مالكية، إلا أنه إذا كان وضع اليد جائزا فوضع يده عليه لإيصاله كان إحسانا محضا منه، و مع تلفه قبل وصوله لا ضمان بقاعدة الإحسان المخصصة لقاعدة اليد كتخصيصها بقاعدة الائتمان، و من جميع ما ذكرنا تبين أن العين في المدة و بعدها أمانة مالكية إلا في صورة عدم الالتفات الى انقضاء المدة أو عدم التمكن من المطالبة، فإنه حينئذ لا كاشف عن أن هذا الاستيلاء عن رضا المالك بقاء إلا بالأصل، و أما مع العلم بأنه غير راض ببقائها تحت يده بعد المدة و إن لم يلتفت فلا رافع للضمان، و قد عرفت حال الأمانة الشرعية.

الثاني: هل حال العين المقبوضة بالإجارة الفاسدة كالمقبوضة بالصحيحة غير مضمونة أو لا؟

فنقول: أما في صورة الجهل بالفساد فالمقبوض هنا و إن كان يفارق المقبوض بالبيع الفاسد من حيث إنه لا يعقل في البيع أن تكون العين أمانة مالكية، حيث لا يعقل جعل ملك أحد أمانة عنده، و هذا بخلاف الإجارة فإن العين- على تقديري الصحة و الفساد حيث إنها ملك المؤجر- قابلة للتأمين المالكي، إلا أن الإجارة كالبيع في محذور آخر و هو ابتناء اقباض العين على أمر غير حاصل و هو‌

37

استحقاق الإقباض، فلم يكن التسليط حقيقة عن الرضا حتى يكون هنا مصداقا للتأمين المالكي.

و التحقيق أن الرضا إذا تعلّق بشي‌ء موصوف بوصف عنواني فمجرد اعتقاد- اتصاف شي‌ء بذلك الوصف العنواني- لا يوجب فعلية الرضا لعدم انطباق عنوانه، و أما إذا اعتقد تحقق الوصف العنواني و تحقق منه الرضا فالرضا الموجود فعلي لا تقديري، تنجيزي لا تعليقي، لاستحالة تقديرية الموجود الفعلي و تعليقيته فلا محالة يترتب عليه أثره، نعم عدم الرضا معلّق على الالتفات الى عدم تحقق العنوان، و الاعتبار بالرضا الفعلي وجودا و عدما لا بالرضا التقديري وجودا و عدما، و لأجله نقول بصحة العقد على الموصوف مع تخلف وصفه، و بصحة العقد مع فساد شرطه فتدبر جيدا.

و يمكن أن يقال بالفرق بين البيع و الإجارة من هذه الحيثية أيضا، بتقريب انه كما لا معنى لتأمين المالك على ماله كذلك لا معنى لإناطة تسليط المالك على ماله بالرضا، فان العين بعد البيع أجنبية عن البائع فلا معنى لإناطة تسليطه للمشتري بالرضا، و ليس الرضا السابق إلا رضا بالبيع المنوط برضا البائع دون أداء مال المشتري إليه، فلا كاشف عن التسليط عن الرضا في البيع بخلاف الإجارة لكون العين ملك الموجر فتعقل اناطة التسليط عليها برضا مالكها، فالأقوى أن المقبوض بالبيع الفاسد جهلا مضمون مطلقا دون المقبوض بالإجارة الفاسدة جهلا.

و أما إذا علم بالفساد فالمقبوض بالإجارة الفاسدة أولى بعدم الضمان من المقبوض بالصحيحة، لاشتراكهما في التسليط عن رضا و عدم شبهة الاستحقاق و اللابدّية المانعة عن التأمين المالكي عند بعضهم في الإجارة الفاسدة في صورة العلم بالفساد.

و أما المقبوض بالبيع الفاسد فالتسليط و إن كان عن رضا محض لعلمه بفساد العقد، لكنه ليس بعنوان إثبات يد الغير على ماله بحيث يبقى على حاله و ينتفع به كما في العارية حتى يكون تأمينا مالكيا بالأمانة بالمعنى الأعم، بل عنوان هذا‌

38

التسليط هو التسليط المطلق على جميع التصرفات المتلفة و غيرها فكيف يكون تأمينا مالكيا، إلا أن يقال بعدم شمول قاعدة اليد لليد المأذونة و عدم اختصاص الخارج باليد الأمانية، نظرا الى أن مقتضى الغاية أن العهدة إنما هي في مورد لا بدّ فيه من أداء المال الى مالكه، و المال الذي كانت اليد عليه بإثبات المالك عليه ليس أدائيا إلا إذا طالب به المالك بحيث ينتهي أمد الإثبات بمطالبته أو يقال بخروج مثل هذه اليد بالأولوية، فإنه إذا كان التسليط لمجرد الانتفاع مع بقاء العين موجبا لعدم فعلية الضمان، فالتسليط المطلق حتى في الإتلاف أولى بأن يكون مانعا عن الضمان، و لو لا هذان الوجهان لزم القول بالضمان مع التلف لقاعدة اليد و عدم الضمان مع الإتلاف لكونه بإذن مالكه فلا تعمه قاعدة الإتلاف قطعا، و هذا أيضا في نفسه مبعّد آخر لشمول قاعدة اليد لمثله، و اللّه أعلم.

الثالث: هل يصحّ شرط ضمان العين المستأجرة كالدابة و الدار أو لا؟

فنقول:

منشأ الاشكال أمور:

أحدها: معارضة عموم «المؤمنون عند شروطهم» (1) مع عموم الأخبار الناطقة بالمنطوق أو المفهوم بعدم الضمان بنحو العموم من وجه، و الترجيح للثاني لموافقته للشهرة بل لعله لم ينقل الخلاف إلا من بعض متأخري المتأخرين.

و (الجواب) ما حرر في محله من تقدّم أدلة العناوين الثانوية على أدلة العناوين الأولية إما بالحكومة و إما بالجمع العرفي أو بوجه آخر فلا نطيل الكلام بذكره للتسالم على التقديم في هذه الأعصار.

ثانيها: ما عن الجواهر من عدم كون الشرط شارعا بل هو كالنذر و العهد (2)، و مرجعه إلى عدم سببية الشرط، مع انه خلاف المعهود منهم في غير المقام و قد نصّ على نفوذه في العارية، و ليس هذا قياسا فان الضمان قابل للتسبب اليه وجودا و عدما، و الشرط لا يعقل أن يكون سببا تارة و غير سبب اخرى مع وحدة المسبب‌

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 293، ح 173.

(2) جواهر الكلام: ج 27، ص 217.

39

فهذا الوجه كسابقه في وضوح البطلان.

ثالثها: كما في الجواهر أيضا أنه مناف لمقتضى الأمانة الآبية عن التضمين (1).

و (الجواب) أن التأمين تارة عقدي كالوديعة التي هي استنابة في الحفظ فيد الودعي يد المالك و لا معنى لكون الإنسان ضامنا لنفسه و أخرى تأمين خارجي بتسليطه للغير على ماله عن رضاه لاستيفاء المنفعة أو للانتفاع به أو للاتّجار به فقد اتخذه في هذه الموارد أمينا على ماله و هذا إنما يكون مع تجرّد التسليط عن كل شي‌ء، و اما إذا سلطه على نحو جعل ماله في عهدته فهذا ضد التأمين فلا يكون التسليط تأمينا بنفسه حتى ينافي التضمين بل مع تجرده.

نعم إذا كانت العين أمانة شرعية فشرط ضمانها شرط مناف للأمانة، إلا أن المبنى غير صحيح كما تقدم، بل يمكن أن يقال إن ترخيص الشارع في وضع اليد على العين ليس ترخيصا أصليا نفسيا ليتمحض في التأمين على أى حال بل ترخيص على طبق تسليط المالك فاذا سلطه بقول مطلق كان ترخيص الشارع تأمينا و إذا سلطه بجعل العين في عهدته كان ترخيصه على طبق تسليط المالك لفرض التبعية في الترخيص.

رابعها: ان الشرط مناف لمقتضى العقد، و تحقيق الحال فيه ان المراد بمقتضى العقد تارة نفس مدلوله، و ليس مدلوله إلا تمليك المنفعة بالأجرة، و هذا المعنى لا اقتضاء فيه بالنسبة إلى الضمان و عدمه.

نعم إذا كانت الإجارة تمليك العين في مدة خاصة بجهة مخصوصة- كما قيل و نقلناه سابقا- أمكن دعوى اقتضاء العدم حيث إن الإنسان لا يضمن مال نفسه، إلا انه كما عرفت غير صحيح، و اخرى يراد بمقتضى العقد مقتضاه و لو مع الواسطة، و المفروض عدم الضمان بمقتضى بعض الأخبار من دون ملاحظة الأمانة المالكية أو الشرعية، فشرط الضمان مناف لمقتضى العقد بهذا المعنى المنطبق عليه عنوان‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 27، ص 217.

40

الشرط المخالف للكتاب و السنة.

لكن حيث إن الشرط دائما يتعلّق إما بأمر لم يكن و إما بعدم أمر كان فلا بدّ من دعوى انقسام اللازم إلى مفارق و غير مفارق و إلى حكم غير قابل للتغير بعروض عنوان الشرط و نحوه و حكم قابل للتغير، فالمخالفة المانعة شرعا عن نفوذ الشرط هي المخالفة لما لا يتغير، و المنافاة المانعة عقلا عن نفوذ الشرط هي المنافاة للازم غير مفارق، فان انفكاكه محال، و لو لا استثناء الشرط المخالف أمكن أن يقال كما مرّ بالحكومة أو الجمع العرفي فإن مقتضاهما كون الحكم المرتب على العنوان الاولى حكم طبعي و موضوعه الماهية بشرط لا، إلا أن الاستثناء دلّ على أن الشرط قسمان و أن الحكم طور ان فلا بدّ من إحراز أحد الطورين، و عليه فلا بدّ من نفي حكم المستثنى بنفي عنوانه بأصالة عدم المخالفة بالعدم الأزلي، حيث لا حكم و لا شرط و لا مخالفة و لا يقين إلا بانقلاب عدم الحكم و عدم الشرط إلى النقيض مع الشك في تحقّق المخالفة بتحقّقهما فالأصل عدمها، و أورد عليه غير واحد بأن المخالفة أخذت في لسان الدليل بنحو وجودها الربطي لا بوجودها المحمولي و بنحو مفاد كان الناقصة لا التامة، فاستصحاب عدمها المحمولي و مفاد ليس التامة لا ينفي عنوان الخاص إلا بالملازمة العقلية، لأن بقاء العدم المحمولي إلى زمان وجود طرفي المخالفة ملازم عقلا لعدم كون الشرط مخالفا، فالأصل مثبت و لا نقول به.

و تحقيق الجواب عنه ما فصلنا القول فيه في باب الشروط من تعاليقنا على الخيارات للعلامة الأنصاري «(قدّس سرّه)»، و مجملة أن الوجود الرابط المقابل للوجود المحمولي هو ثبوت شي‌ء لشي‌ء المختص بالقضايا المركبة الإيجابية دون البسيطة، و هو غير الوجود الناعتى المختص بالأعراض الذي هو قسم من الوجود المحمولي لا قسيم له كما توهم، و العدم عين الليسية و الانتفاء فلا يعقل أن يكون رابطا كما أن الناعتية مختصة بطرف وجود العرض و العدم النعتي غلط، إذ لا حلول للعدم في الموضوع حتى يوصف بالناعتية كما توهم، كما أن النسبة الحكمية و هو كون هذا ذاك العامة لجميع القضايا المركبة و البسيطة مختصة بطرف الثبوت، فليست هناك حالة بين‌

41

الموضوع و المحمول بحيث تكون عين الليسية و الانتفاء فليس لنا عدم ناعتي و لا عدم رابط و لا نسبة سلبية بل المعقول من العدم في كل ذلك عدم الماهية التي من شأنها أن تكون موجودة في الموضوع و عدم الربط بين مبدأ المحمول و موضوعه و عدم مطابقة الموضوع لعنوان المحمول.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن السالبة المحصلة حيث إن مفادها سلب النسبة فهي كما بين في محله أعم من أن تكون سالبة بانتفاء المحمول و ان تكون سالبة بانتفاء الموضوع فليس المستصحب عدم المخالفة بنحو العدم المحمولي ليرد المحذور بل المستصحب عدم كون الشرط مخالفا و لو بعدم الموضوع، فلا منافاة بين كون المخالفة مأخوذة في القضية الإيجابية بنحو الوجود الرابط المتقوم بوجود الطرفين و كون عدمها أعم مما يتوقف على وجود الموضوع و مما لا يتوقف، حيث إن مفاد السالبة المحصلة دائما سلب النسبة لا النسبة السلبية.

نعم قد ذكرنا في باب الشروط ان هذا التصحيح صحيح فيما إذا كانت سالبة منطوقية و أما إذا كانت بالمفهوم فهي لها شأن آخر فان المفهوم تابع للمنطوق سعة و ضيقا و من جميع الجهات إلا في النفي و الإثبات، و إذا كان المنطوق متضمنا لمحمول مرتب على موضوع محقق فمفهومه سلبه عن موضوعه فيتمحض في السالبة بانتفاء المحمول، و مفاد الاستثناء الا شرطا خالف كتاب اللّه، و ليس في الأدلة كل شرط لا يخالف كتاب اللّه فهو نافذ حتى يحقق هذا المعنى و لو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بالاستصحاب، إلا أنه فيما أرسله في الغنية هكذا: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب و لا سنّة (1)، فيمكن إثبات عدم المنع منه في الكتاب و أنه شرط لم يمنع منه الكتاب و لو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لكنه لا وثوق بكونه غير ما ورد في سائر الأخبار، و اللّه أعلم.

و لشيخنا العلّامة الأنصاري «(قدّس سرّه)» (2) تقريب الأصل بوجه آخر و هو‌

____________

(1) الجوامع الفقهية: كتاب الغنية، ص 525.

(2) المكاسب: قسم الخيارات، ص 278.

42

أصالة عدم الحكم غير القابل للتغير و جعله مرجعا للأصل المتقدم، و لعلّه بالنظر إلى أن نفي عنوان المخالف تارة بنفي المبدأ و هو عدم المخالفة و اخرى بنفي الانتساب المقوم لعنوانية العنوان و ثالثة بنفي المعنون، و مآل الكل إلى نفي العنوان، و حيث إن الحكم الشخصي الذي هو مورد الكلام قد انقلب عدمه إلى الوجود فلا بدّ من إرجاع السلب إلى حيثية عدم قبوله للتغير فيعود محذور استصحاب العدم المحمولي، و إن أريد استصحاب عدم الحكم المخالف على وجه الكلية فهو لا يشخص حال هذا الحكم الذي تعلق بخلافه الشرط، فهو نظير أصالة عدم الكر في الحوض فإنها لا تشخص حال كرية الماء الموجود و عدمها إلا أن يقال إن الموارد تختلف من حيث اجداء الأصل الكلي و عدمه ففي مثل الماء المشكوك في الحوض حيث إن الغرض الحكم بعدم انفعاله بورود النجاسة عليه فلا بدّ من تشخيص حاله و في مثل الصلاة التي حدث في أثنائها ما يشك في مانعيته لا حاجة إلى إحراز حال ما بعد الحادث و إنما الغرض الحكم بصحة الصلاة و من البيّن أن الصلاة التي لم يحدث فيها مانع صحيحة و هو قابل للإحراز بالأصل و هنا كذلك فان الغرض عدم الحكم المخالف لهذا الشرط في الكتاب و إحرازه بالأصل ممكن و إن لم يحرز كون هذا الحكم الجزئي مخالفا أو غير مخالف فتدبّر.

و أما ما يورد عليه من معارضة الأصل المزبور بأصالة عدم الحكم القابل للتغير فمدفوع بأنه لا حاجة إلى إحراز الموافقة للحكم الذي يقبل التغير حتى يترتب على عدمه عدم كون الشرط موافقا فلا ينفذ و الوجه واضح، و قد بيّنا في باب الشرط أن المدار في النفوذ و عدمه على المخالفة و عدمها لا على الموافقة و عدمها فراجع، و من جميع ما ذكرنا تبين أن صحة شرط الضمان و إن كانت قوية إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه.

43

فصل دخول الخيار في عقد الإجارة

فنقول: الخيارات على أقسام (أحدها) ما ثبت للبيع بعنوانه بدليل يختص به كخيار المجلس و خيار الحيوان. (ثانيها) ما ثبت للبيع بدليل خاص و بدليل عام كخيار العيب بل و خيار التأخير و خيار الرؤية، فإن هذه الخيارات و إن كانت لها أدلّة خاصة بالبيع لكنها مشمولة لقاعدة نفي الضرر (1) العامة للبيع و غيره. (ثالثها) ما ليس له دليل خاص كالخيارات التي لا مدرك لها إلا قاعدة نفي الضرر العامة للبيع و غيره.

أما القسم الأول فلا يجري في غير البيع و الوجه واضح.

و أما القسم الثالث فيجري في البيع و الإجارة و غيرهما و الوجه واضح.

و أما القسم الثاني فهو بمقتضى عموم دليله العام و إن كان يثبت في الإجارة أيضا لكنه تفارق الإجارة البيع في هذا القسم بأمرين: (أحدهما) عدم ترتب حكمه الخاص كالأرش في العيب، فإنه على المشهور على خلاف القاعدة فلا يثبت في غير البيع، و كذا خيار التأخير، فإنه بمقتضى دليله الخاص مشروط بعدم اقباض المبيع و حدوثه محدود بمضي ثلاثة أيام، و لا يعتبر شي‌ء منهما في غير البيع بل يدور مدار الضرر و لو مع اقباض المبيع و عدم مضى الثلاثة.

____________

(1) الوسائل: ج 17، باب 12، من أبواب إحياء الموات، ح 3، ص 341.

44

(ثانيهما) ان الخيارات الثابتة بعناوينها للبيع حق فسخ العقد كما هو معنى الخيار عند علمائنا الأخيار فيكون قابلًا للصلح عليه بشي‌ء و قابلًا في حد ذاته للانتقال بالإرث و قابلًا للإسقاط و الشرط بخلاف ما ثبت بعنوان نفي الضرر فان المرفوع بالقاعدة هو اللزوم الضرري من دون إثبات حق بالقاعدة، و الجواز الذي هو بديل اللزوم حكم لا يقبل الأمور المتقدمة، و اما ثبوت تلك الأمور في خيار الغبن مع أن منشأه القاعدة فلأجل الإجماع على قبوله للإسقاط و نحوه فيكشف عن كونه حقا، مضافا إلى إمكان الاستدلال بما ورد في باب تلقي الركبان (1) من انهم بالخيار إذا دخلوا السوق و لا منشأ له إلا الغبن، و مع ثبوت الخيار بعنوانه يكون حاله حال خيار المجلس الذي هو ملك الفسخ عندهم، و هل يصح شرط أحد الخيارات المختصة بالبيع بعنوانه كخيار المجلس و الحيوان و نحوهما أو لا؟

و حيث إن قصور الدليل عن إثبات الخيارات الخاصة لغير البيع ليس مقتضيا لعدمها في غيره ليكون من الشرط المخالف للكتاب و السنة فلا مانع من هذه الحيثية إلا أن كل واحد من الخيارين المزبورين مخصوص بخصوصية، بحيث لو أريد إثباته بحده لم يكن قابلًا للثبوت بالشرط، و لو أريد إثبات مماثله من وجه بالشرط كان مرجعه إلى شرط الخيار لا إلى شرط خياري المجلس و الحيوان، مثلا خيار المجلس مغيّى بالافتراق غير المحدود بزمان معين فاشتراطه بحده شرط مجهول و مع تعيين زمان الافتراق بساعة مثلا كان مرجعه إلى شرط الخيار إلى ساعة، و يشهد له انه لو مضت الساعة و لم يفترقا لم يكن خيار و لو افترقا قبل ساعة لم يكن الباقي خيار المجلس، و كذا خيار الحيوان، فان له خصوصية بحيث لو تلف المبيع انفسخ البيع و إن حدث به حدث كان في عهدة البائع، فإن اشترط خيار ثلاثة أيام فقط فهو شرط الخيار الذي لا اختصاص له بالحيوان و لا بالمشتري، و إن اشترط ذلك الخيار المخصوص بحكم خاص فمثله غير قابل للاشتراط هنا، فان تلف المبيع فحيث إنه ملك المشتري‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 12، ص 326.

45

فالقاعدة تقتضي أن يكون التلف منه، و مع ذلك يختص التلف في الثلاثة بكونه من البائع بانفساخ العقد، و هنا العين ملك المؤجر و تلفه منه من دون انفساخ.

نعم تبطل الإجارة حيث لا منفعة واقعا حتى تملك و تملّك، و بطلان الإجارة غير الانفساخ و اما ضمان الحدث فهو و إن كان قابلًا للاشتراط و ليس كالانفساخ حكما غير قابل للاشتراط إلا أن العين هنا ملك المؤجر و تلف وصفه من مالكه فاشتراط كونه منه لغو، فشرط خيار الحيوان بحده غير معقول، و شرط خيار ثلاثة أيام فقط ليس من شرط خيار الحيوان.

نعم كل خيار- لا يشتمل على محذور كخيار التأخير- لا مانع منه كما إذا اشتراط الخيار مع عدم اقباض العين بعد مضي ثلاثة، فإنه ليس فيه محذور لا من حيث التقييد بعدم اقباض العين و لا من حيث التحديد بمضي الثلاثة، و كخيار العيب، فإنه لا يمتاز عن غيره إلا بالأرش و اشتراط الخيار- بين الفسخ و الإمساك بالأرش- لا مانع منه لصحة اشتراط التدارك بما به التفاوت.

46

فصل في ما يتعلق بشرائط العوضين في عقد الإجارة

اعلم انه ذكر المحقق «(قدّس سرّه)» في الشرائع شروطا خمسة و هي: معرفة الأجرة إذا كانت من المكيل و الموزون بالكيل و الوزن، و مملوكية المنفعة، و معلومية المنفعة، و إباحة المنفعة، و كونها مقدورا على تسليمها (1).

و زاد عليها بعض أعلام العصر شروطا أخر من بقاء العين باستيفاء المنفعة (2) فلا تصح إجارة الخبز للانتفاع بأكله و من صلاحية العين للانتفاع بها، فلا تصح إجارة الأرض للزراعة مع عدم إمكان وصول الماء إليها و من إمكان استيفاء المنفعة فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد، و الظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإضافات، لأن بعضها من مقوّمات الإجارة و بعضها مندرج في أحد الشرائط السابقة.

أما مسألة إجارة الخبز للأكل فهي خارجة عن حقيقة الإجارة، لأن المنافع حيثيات و شئون للعين تستوفى منها تدريجا و ليس للخبز هذا الشأن و أكله إتلافه لا استيفاء شأن من شئونه.

و أما إجارة الأرض للزراعة فإن استيفاء المنفعة تابع لا مكانها في مدة الإجارة، و حيث لا تصلح الأرض للزراعة فعلا فهي غير واجدة لهذه المنفعة، و الكلام في‌

____________

(1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة، الفصل الثاني في شرائطها.

(2) العروة الوثقى: الركن الثالث من الفصل الأول من كتاب الإجارة.

47

شرائط نفوذ الإجارة لا في مقومات حقيقة الإجارة، فما لا منفعة له لا تعقل في حقه حقيقة الإجارة.

و أما مسألة كنس الحائض فهي منفعة غير مباحة و إذا عممنا المملوكية إلى ملك التصرف فهي لا تملك هذه المنفعة من نفسها حتى تملكها فهي داخلة في الشرائط المتقدمة، فالأولى اتباع ما في الشرائع و نحن نتبع أثره في ذكر الشرائط في طيّ مسائل:

المسألة الأولى في معرفة الأجرة إذا كانت من المكيل أو الموزون بالكيل و الوزن،

و ليعلم أن مانعية الجهالة بما هي لا دليل عليها حتى في البيع و مانعيّة الغرر في البيع و إن كانت منصوصة بقوله (عليه السّلام) «نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر» (1) إلا انه لا دليل عليها في غيره إلا ما أرسله الشهيد «(قدّس سرّه)» في القواعد و هو قوله (عليه السّلام) «نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الغرر» (2) و انجباره بعمل الأصحاب غير معلوم إلا بملاحظة انهم يمنعون عن الغرر مطلقا مع انه لا مدرك له إلا هذا المرسل فيظن باستنادهم اليه، مع إمكان استفادة المناط من نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر و عدم خصوصيته في نظرهم للبيع، كما أن أدلة اعتبار الكيل و الوزن مختصة بالبيع فلا موجب لاسرائه إلى غيره مع ارتفاع الغرر بالمشاهدة، و منه تعرف ان استحسان كفاية المشاهدة كما في الشرائع (3) ليس بذلك البعيد. نعم إذا قلنا بعموم رفع الغرر فطريق رفعه مختلف في نظر العرف، و لا يرتفع الخطر في نظرهم عن المكيل و الموزون إلّا بكيله و وزنه، فإن الأغراض النوعية‌

____________

(1) عيون أخبار الرضا: ج 2، ص 45، الباب 31، ح 168.

(2) القواعد و الفوائد: ج 2، ص 61، القاعدة 164.

(3) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الثاني من شرائط الإجارة.

48

العقلائية في باب المعاوضات كما تختلف باختلاف الأشياء من حيث الذات و الحقيقة و من حيث الكيف و الصفة كذلك من حيث الكم و المقدار، و لا يرتفع الغرر من هذه الحيثية إلا بالكيل و الوزن، و قد ذكر المحقق «(قدّس سرّه)» بمناسبة الأجرة أحكاما و إن لم تكن من فروع شرطية معرفة الأجرة و نحن نذكر تلك الأحكام في طيّ مباحث:

المبحث الأول: الأجرة تملك بنفس العقد

بمقتضى سببية العقد و عدم اشتراطه شرعا بشي‌ء كالقبض في بيع الصرف و السلف، و لا إشكال و لا خلاف فيه عندنا، و ما ينسب إلى ظاهر القواعد من الفرق بين شرط التأجيل و عدمه لا منشأ له إلا تعبيره باستقرار الأجرة، و الظاهر أن الوجه فيه كون العقد بسبب شرط التأجيل في معرض الانحلال بسبب التخلف و اعمال الخيار، و هذا غير توقف الملك على انقضاء الأجل. نعم عن جماعة من العامة حصول الملك تدريجا باستيفاء المنفعة تدريجا، نظرا إلى ان المنافع معدومة و المعدوم لا يملك و حيث انها تدريجية الوجود فيعقل حصول ملك المنفعة الموجودة تدريجا بتدريجه الوجود، و حيث إن الإجارة معاوضة فلا يعقل ملك تمام الأجرة دفعة و ملك ما يقابلها تدريجا فلا محالة تملك الأجرة تدريجا لا دفعة بالعقد، و قد قدمنا فساد المبنى في أوائل كتاب الإجارة، و أن الملكية الشرعية و العرفية ليست من الاعراض المقولية الخارجية حتى تتوقف على موضوع محقق في الخارج بل من الاعتبارات فراجع، مع ان لازم التقريب المزبور انه لا تملك المنافع إلا باستيفائها و إلا فلا وجود لها، و عليه فلا تصح الإجارة مع عدم الاستيفاء في تمام المدة و حينئذ لا يستحق المؤجر شيئا من الأجرة بالعقد بل بالضمان و تفويت المنافع.

الثاني [المعروف أنّه مع عدم اشتراط التأجيل يجب التعجيل]

المعروف هنا و في باب البيع انه مع عدم اشتراط التأجيل يجب التعجيل مع إطلاق العقد و مع اشتراط التعجيل الذي هو مؤكد لما يقتضيه إطلاق العقد، و توضيح المقام برسم أمور.

(منها) أن مدلول العقد هنا هو تمليك المنفعة بالأجرة

و في البيع تمليك العين‌

49

بالعوض، و من المسلم عندهم انه ليس في البيع بالثمن المؤجل و لا في الإجارة بالأجرة المؤجلة تعليق في تمليك العوض و لا تقييد في المملوك بالأجل، لما في الأول من التعليق في العقود الممنوع عنه فيها و لما في الثاني من عدم قبول الأعيان للتحدد بالزمان فلا معنى للدرهم الغدى بحيث يكون ظرفا لنفسه نظير الواجب المعلق فاذا لم يكن تعليق و لا تقييد في المؤجل فلا معنى لإطلاق العقد من حيث مدلوله لنفى التعليق و التحديد في ما لم يؤخذ فيه أجل.

و (منها) ان منشأ وجوب التسليم عند المطالبة أحد أمرين:

الأول: عموم «الناس مسلطون على أموالهم» (1) لأن سلطان الغير على الامتناع مع مطالبة المالك مناف لسلطان مالكه فوجوب التسليم حينئذ من لوازم الملك الذي هو مدلول العقد كما ان شرط التأجيل تقييد من المالك لسلطانه على ماله فالعقد يدل بالمطابقة على الملك و بالالتزام على وجوب التسليم عند المطالبة إلا ان لازم هذا الوجه عدم جواز امتناع كل من المالكين مع امتناع الآخر، لأن ظلم أحد و معصيته لما يجب عليه لا يسوّغ ظلم الآخر و معصيته.

الثاني: الالتزام الضمني بالتسليم بإزاء التسليم المستكشف ببناء العقلاء في باب المعاوضات، فان بناءهم على التمليك بإزاء التمليك و التسليط الفعلي بإزاء التسليط الفعلي على ما أوضحنا حاله في مباحث القبض من التعليقة على الخيارات (2) و لذا لكل منهما الامتناع من التسليم مع امتناع الآخر و عدم استحقاق الامتناع مع بذل الآخر إلى غير ذلك من فروعه، و التأجيل يقيّد هذا المعنى و ينتفي معه الالتزام الضمني المزبور فيبقى عموم دليل السلطنة بالإضافة إلى الآخر على حاله، فإطلاق العقد في قبال هذا التقييد بالنظر إلى ما اشتمل عليه من الالتزام بالتسليم المعاوضي يقتضي استحقاق التسليم حالا.

____________

(1) عوالي اللئالى: ج 1، ص 222، ح 99.

(2) تعليقة المكاسب، ج 2، ص 198، في ذيل قول الشيخ الأعظم: يجب على كل من المتبايعين تسليم.

50

و (منها) ان شرط التعجيل يتصوّر على وجوه

بعضها مؤكد لإطلاق العقد و بعضها غير مؤكد.

أحدها: اشتراط الإسراع في الأداء عند المطالبة، و هذا هو الذي كان يقتضيه إطلاق العقد وجوبا تارة و استحقاقا اخرى، و هذا هو المتعارف من اشتراط التعجيل في مقابل الإهمال و المسامحة في التسليم.

ثانيها: اشتراط الإسراع في الأداء طالب أم لم يطالب، و هذا مما لا يقتضيه العقد بمدلوله الالتزامي على الوجهين، فان مقتضى سلطنة الناس على أموالهم عدم سلطان الغير على الامتناع مع المطالبة، فإنه المنافي لسلطان الغير على المطالبة دون عدم التسليم مع عدم المطالبة، فإنه ليس فيه مزاحمة لسلطان المالك حتى يكون منفيا بالالتزام، و كذا استحقاق التسليم المعاوضي المتحقق بالالتزام الضمني حاله حال سائر الحقوق لا يقتضي أداء الحق الا عند مطالبته.

ثالثها: شرط حق التعجيل بطور شرط النتيجة، و هو غير مؤكد لمقتضى إطلاق العقد على الوجهين، فان المراد من كونه مؤكدا أن التعجيل الذي يقتضي إطلاق العقد وجوبه يقتضي الشرط وجوبه و كذا التعجيل الذي يقتضي إطلاق العقد استحقاقه يقتضي الاشتراط استحقاقه، فالوجوب و الاستحقاق أثر تعلق الشرط لا متعلق الشرط كشرط حق التعجيل.

رابعها: ما أضاف إلى ما ذكر بعض الأعلام «(قدّس سرّه)» و جعله مؤكدا للعقد و هو: «اشتراط عدم حق التأخير بنحو النتيجة، نظرا إلى أن التعجيل في قبال التأجيل، و شرط الأجل مقتضاه حق التأخير، و مقتضى إطلاق العقد عدم حق التأخير الذي هو شأن التأجيل المقابل للتعجيل، فشرط عدم حق التأخير شرط مؤكد لمقتضى إطلاق العقد» (1).

و فيه (أولا) أن الحق جعلي قابل للإثبات بالشرط، و عدم الحق ليس كذلك‌

____________

(1) راجع كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي: ص 84 في ذيل الشرط الثاني.

51

إلا إذا كان هناك مقتض لثبوته فيكون شرط عدمه إبداء للمانع عن ثبوته كشرط عدم الخيار في العقد المقتضي له، و ليس هنا مقتض لحق التأخير حتى يعقل شرط عدمه، بل لا حق هنا لعدم علته.

و (ثانيا) ان هذا الشرط لغو على أي تقدير، فإنه شرط النتيجة فاما ان يؤثر و اما لا يؤثر فمع تأثيره لا أثر له إلا الخيار الذي لا يعقل ترتبه مع عدم تخلف الشرط و مع عدم تأثيره فالأمر أوضح، و بالجملة إنما تتصور الفائدة لشرط التعجيل من حيث إنه يوجب تخلفه أو التخلف عنه الخيار و هو يتصور في شرط الوصف و شرط الفعل دون شرط النتيجة الذي له التأثير و عدمه لا التخلف على الوجهين حتى يترتب عليه الخيار، و اما قبول الحق للإسقاط فهو فرع الصحة و لا يعقل إلا في اشتراط الحق لا في اشتراط عدمه إذ ليس هنا شي‌ء يقبل الاسقاط، و الاستحقاق الذي هو اثر الشرط كما عرفت فرع صحة متعلقة فتدبر جيدا.

(خامسها) اشتراط التعجيل المقابل لاشتراط التأجيل فكما في الثاني يستحق المستأجر تسلم المنفعة قبل تسليم الأجرة فكذا في الأول يستحق المؤجر تسلم الأجرة قبل تسليم المنفعة، و هذا الشرط غير مؤكد لإطلاق العقد المبنى على التسليم المعاوضي من الطرفين بل مناف له على حد منافاة شرط التأجيل، و لا مانع من صحته كعدم منافاة شرط التأجيل، لمنافاة كليهما للإطلاق لا للعقد كما في نظائره.

الثالث: لا ريب في صحة شرط التأجيل و لزومه

بشرط أن يكون الأجل مضبوطا، فالكلام في أمرين:

(أحدهما) في صحة الشرط و قد عرفت انه لا مانع إلا توهم منافاته لمقتضى العقد، و قد عرفت ان كون الأجرة حالّة مقتضى إطلاق العقد من حيث مدلوله الالتزامي لا انها مقتضى حقيقة الإجارة حتى على احتمال رجوع التأجيل إلى التعليق في الملكية أو إلى التحديد في المملوك كما احتملهما شيخنا الأستاذ «(قدّس سرّه)» في تعاليقه على كتاب الخيار، فان التنجيز و عدم التحديد أيضا لازم إطلاق الملكية و إطلاق المملوك، و قد علم من صحة التأجيل في البيع أن التعجيل‌

52

ليس من اللازم غير المفارق حتى يدخل اشتراط الأجل في مخالفة الكتاب و السنة، و اما ما عن بعض العامة من أن المنفعة إذا كانت كلية في الذمة فتمليكها من السلم في المعنى فلا بد من اقباض عوضها حالا فهو على فرض صحته لا يوجب إلحاق الإجارة ببيع السلم المشروط بإقباض الثمن حالا.

(ثانيهما) في مضبوطية الأجل المشترط، و الكلام فيه تارة من حيث مانعية الجهالة عن نفوذ الشرط و اخرى في فساد الإجارة بنفس اشتراط الأجل المجهول من حيث سرايته إلى الأجرة المقوّمة لحقيقة الإجارة. و العمدة هو الثاني، فإنه لو لا السراية لم تبطل الإجارة بفساد الشرط على ما هو المحقق عند المحققين من عدم فساد العقد بفساد شرطه، اما الأول فمبني على صحة ما أرسله الشهيد من نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الغرر (1)، مضافا إلى دعوى انصرافه إلى الالتزامات المعاملية المستقلة في التحصل دون مثل الشرط الذي هو التزام ضمني تبعي خصوصا إذا لم يكن متعلقة مالا فإنه لا غرر فيه و لا خطر من حيث عدم ذهاب ماله هدرا بل فيما إذا كان مالا أيضا لا غرر، لأنه غير مقابل بالمال ليذهب هدرا بذهاب مقابله، و ليس مجرد عدم وصول المال المشترط خطرا و ضررا.

نعم إن عمّمنا الخطر و الضرر إلى نقض الغرض المعاملي فوقوعه مع الجهل في نقض غرضه الواقع موقع الالتزام وقوع في الخطر و الضرر، و اما الثاني و هو سراية الجهالة من الشرط إلى العقد فيكون العقد غرريا فيفسد من ناحية غرريته و إن لم تكن غررية الشرط منهيا عنها، فمجمل القول فيه أن الشرط تارة بمعنى التقييد و اخرى بمعنى الالتزام في ضمن الالتزام البيعي أو الإجاري.

أما إذا كان بمعنى التقييد و ورد العقد على المقيد سواء كان قيدا للمعوض أم للعوض فلا محالة يكون أحد العوضين غرريا بذاته، و إذا ورد التقييد على أحد العوضين كما في التوصيف الذي يوجب تخلفه الخيار فلا غرر في ذات أحد العوضين‌

____________

(1) القواعد و الفوائد: ج 2، ص 61 القاعدة 164.