أحكام الرضاع في فقه الشيعة

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
189 /
3

[آية الرضاع في الكتاب]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً «نساء: 23»‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقدمة

بقلم العلامة السيّد مرتضى الحكمي‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد خاتم النّبيين، و على آله الأئمة الميامين.

أضع هذه المقدمة- بين يدي الأفاضل من القراء- لكتاب أحكام الرضاع في فقه الشيعة (فقه الرضاع) متوخيا فيها عرض المفاهيم الّتي تحوّل بها الرّضاع من موضع الفتوى الى عالم الاستدلال و المبنى، شمل مناقشة العامة- أيضا- في فقههم، مما أفصح عن مكانة الفقيه المحاضر و قيمة الكتاب في الفقه المعاصر، و ما اقتضى الأمر من الإشارة إلى الوحي و التشريع، و الاجتهاد، و ما بذله أصحاب التقرير من الجهد و الدقّة، و الضبط و الاستيعاب، رائدهم في ذلك نشر العلم، و إحياء الشريعة و تراث فقه الشيعة‌

بين التشريع و الاجتهاد:

جاءت الأديان الإلهيّة: شرعة للسلوك، و منهاجا للعمل. و قد بلّغت الرّسالة الإسلاميّة للنّاس كافة عبر الكتاب و السنة، و السيرة النبويّة، و حيا من اللّه، اتخذها المسلمون قدوة للعمل، و التمسها الفقهاء أساسا لمعرفة الأحكام.

8

و لذلك: يحق لنا ان نقول: ان الدين يبدأ بالوحي و ينتهي بالفتوى.

وحي من اللّه، و بلاغ من الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) و تبيين من الأئمّة (عليهم السلام) و فتوى من المجتهدين، ممن وصفوا- و صفا عاما- في هذا الحديث: (فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام ان يقلّدوه) (1) هذا المنصب الخطير. و لهذا كانت المرجعيّة شاخصة العلم بالرسالة الإسلاميّة، رائدة العمل بالوحي و التشريع الإلهي. و من المواضيع التي تناولتها أيدي الفقهاء هو موضوع.

فقه الرّضاع

فان في هذا الموضوع أحكاما تتعلق بعموم المنزلة، و نشر الحرمة، و ما يقتضي ذلك من موازنة في الأقوال و المذاهب، و تفضيل الروايات بعضها على بعض، و ترجيحها من حيث المضمون، و الدلالة، و السند. و يدور البحث فيها حول موضوعات و مسائل عويصة، ترجع إلى أحكام الرضاعة، و الرضيع، و المرتضع، و الشروط المعتبرة فيها، و ما الى ذلك من فروض و فروع، و مناقشات أدّت إلى البحث الجامع حول هذه القاعدة التحريميّة:

(يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب) (2) و المزايا المتعلّقة بها، و ما يستثني منها، و ما يترتب عليها من أحكام شرعيّة ثابتة.

____________

(1) كتاب الاحتجاج ص 254- 255، ط النجف الأشرف نقلا عن تفسير الامام الحسن العسكري ص 141.

(2) الوسائل ج‍ 20 ص 371 في الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح‍ 1 ط مؤسسة آل البيت (عليهم السلام): قم.

9

الرّضاع في فقه الإماميّة و العامة

لم يختلف الفقيهان في تحريم النكاح بالنسب، كما حددته الآية الكريمة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ (1).

و لم يختلفا- أيضا- في أصل تحريم النكاح بالرّضاع، كما في هذه الآية الكريمة وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ (2).

و إنّما الاختلاف: فيما حرم من الرّضاع بعموم المنزلة في السنة، و في جملة من الشروط.

ألف- في فقه الشيعة الإمامية.

أهم شرائط التحريم في الرّضاعة (3):

1- ان يكون الوطي صحيحا، و ان كان عن شبهة.

2- ان تكون الرّضاعة في يوم و ليلة، لا يفصل بينهما برضاع آخر.

3- أو ما أنبت اللحم، و شدّ العظم.

4- ان يكون خلال الحولين. كل ذلك من الثدي و تكون المرضعة بالغة و حيّة.

5- كفاية عشر رضعات كاملة في التحريم من الثدي، إذا لم يتخلل فيها بأكل أو شرب.

6- اتحاد الفحل في اللبن.

____________

(1) النساء: 23.

(2) النساء: 23.

(3) منهاج الصالحين ج‍ 2 ط طهران للإمام الخوئي ص 275

10

ب- في فقه العامة:

أهم شرائط التحريم في الرضاعة (1):

1- كفاية الرضعة الكاملة.

2- أو لا يكون عدد الرضعات بأقل من خمس رضعات متفرقات.

3- أو مطلق التغذية من اللبن، و ان لم يكن من الثدي.

4- عدم اشتراط ان تكون المرضعة بالغة و حيّة.

و يذكر الشّيخ الطوسي- شيخ الطائفة في الخلاف (2)- من متفردات الإماميّة الّتي خالفها جميع الفقهاء، هو ما إذا: (حصل بين صبيين الرضاع الذي يحرم مثله، فإنّه ينشر الحرمة إلى اخويهما و أخواتهما. و قال جميع الفقهاء خلاف ذلك).

و من أوجه النقاش بين الفقهين ما تعرض له هذا الكتاب (فقه الرّضاع) في مسألة التحديد في نشر الحرمة بعشر رضعات برواية رووها عن عائشة انها قالت: «كان في القرآن ان ما يحرم من الرضاع عشر رضعات، ثم نسخ و نزل ان ما يحرم خمس رضعات» (3).

قال الإمام الخوئي ردا على ذلك: «و من هنا ذهب الى كل منهما طائفة. فإنّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر، و نزول التحديد بالخمس، كيف يسوغ الإفتاء بأن الحدّ هو العشر استنادا الى القرآن المنسوخ» كما لا يجوز الإفتاء بخمس رضعات، لعدم وجود هذا النسخ في القرآن.

____________

(1) فقه السنة ج‍ 2 ص 74 للسيّد سابق.

(2) للشّيخ الطوسي ج‍ 2 ص 163 ط طهران- كتاب الرضاع.

(3) المغني لابن قدامة ج‍ 9 ص 192- 193.

11

تشريع الحرمة في الرضاع:

و قد تضمن هذا التشريع سرا من اسرار التكوين، من اتساع دائرة المحارم بالرضاع، و تضييق حدودها من حيث حرمة النكاح في الموقت و الدائم.

و لعلّ تأثير اللبن الواحد في تكوين الإنسان، و تكييف بنيته الروحيّة و الجسميّة هو الذي ادّى الى الحاقة بالمحارم الّذين يختلفون عن غيرهم في الخصائص الجنسيّة و العاطفيّة فيما بينهم.

فكان دور التشريع في هذا الأمر دور الكشف عن الواقع المجهول عند البشريّة، و دور خروجها عن حد البهائم، و حياة الحيوانات الضارية.

ثم انّه لا بد من ان يكون في هذا التحريم مفسدة ملزمة، تلحق بالاسرة البشريّة، و هي تريد التناكح و التناسل و المصاهرة فيما بينها، بعيدة عن التلوثات و الاوضار المادية، و المفاسد الأخلاقيّة، الأمر الذي لا يمكن استكناهه، و كشف إسراره و كوامنه الا بالتشريعات الإلهيّة، الّتي تزامل المصالح الإنسانيّة العليا، وفق اسرار الخليقة المنسجمة معها، فيما ينبغي ان يتخالط النّاس أو لا يتخالطوا.

و نظير هذا التشريع القرآني: هو النّهي عن نكاح ما نكح الآباء، و الجمع بين الأختين وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ (1) وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ (2) تجويزا لما مضى، و تحريما لما يأتي.

و الرخصة في الإبقاء على ما مضى من هذا النكاح المحظور بعد نزول‌

____________

(1) النساء: 22- 23.

(2) النساء: 22- 23.

12

الآية الكريمة في التحريم، دليل على ما للمشرع من سلطة تشريعيّة مطلقة فيما يرى من ترخيص أو حظر في زمان دون زمان إذا كان المشرع هو اللّه.

و لم يفعل الشارع مثل ذلك في ارتداد أحد الزوجين عن الإسلام، أو إسلام أحدهما دون الآخر. بل شرع البينونة بينهما.

و من هذا المنطلق: يمكن الإجابة عن نكاح الأخوات و الاخوة- ان صحّ ذلك- فيما سلف من ولد آدم، اباحة في جيل، و حظرا في جيل آخر. و لعل هناك أمر آخر في التوالد استأثر بعلمه اللّه. و هو أعلم ببواطن الأمور.

منهجيّة الكتاب:

و قد اتّبع في هذا الكتاب: المنهج الموضوعي الذي يتميز بوحدة الموضوع، و استيعاب جميع العناصر، و الأحكام التشريعيّة، ذات الانطباق الواحد في اطار موحد، و نظرية عامة، و تخطيط شامل، يحيط بجميع مفردات الموضوع، و موادها، و مسائلها المبسطة في مختلف كتب الفقه الموسوعيّة.

و قد اقتضى هذا المنهج: التعرض للبحث عن النكاح الدائم و المنقطع، و عن المملوكة، و المحلّلة، و ما يتعلّق به من وطي الشبهة، و مسألة الضمان، و مهر المثل، و غير ذلك من الأبحاث المترابطة.

مكانة المحاضر:

و من ابرز المجتهدين- و هو على قمة الفقاهة و الاجتهاد- الإمام‌

13

الخوئي، الذي تدارس مع طلابه النابهين: الفقه و الأصول، و دلّهم على الاجتهاد و الفتوى، و حاضر عليهم- فيما حاضر- هذا المبحث الجليل، و خرج معهم بهذا الموضوع الجديد.

و تطوير فقه الرضاع من الفتوى الى الاستدلال و المبنى: أمر غير يسير، يدلّ على قدرة الفقيه، و دقة اجتهاده، و ما بلغ اليه من تفوق، و مهارة، و إبداع، و أعلميّة، الى جانب نهوضه بالمرجعيّة العليا في مجاري الأمور (1) و قيامه بالنيابة العامة عن الإمام الغائب (عليه السلام).

و كان الإمام الخوئي (ره) العالم الذي نعتت حياته: (العالم حيّ و ان مات) و نعيت مماته: (إذا مات العالم ثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدّها شي‌ء).

جهد المقررين:

و قد عنّ لي- ببضاعتي المزجاة- ان أقدم لهذا الكتاب: (فقه الرضاع) الذي تظافرت عليه جهود الامام الخوئي، و تلميذيه: آية اللّه الشّيخ محمّد تقي الإيرواني، و آية اللّه السيد محمّد مهدي الخلخالي، الذين وصف تقريرهما- في تقريظه ب‍ «. حسن العبارة، جيّد البيان، وافيا بالمراد.».

و رجا من اللّه جلّ شأنه: «. ان يزيد من توفيقهما، و يجعلهما من أعلام الدين، و حفاظ شريعة سيد المرسلين».

و هو ما دل على إبداعهما في أعداد هذا الأثر الجليل من شريعة محمّد‌

____________

(1) البحار ج‍ 25 ص 93.

14

(صلّى اللّه عليه و آله) و فقه آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) راجين ان يكون هذا الجهد مرضيا لدى (بقية اللّه) الإمام الغائب- عج- انّه ولي التوفيق.

مرتضى الحكمي طهران- صفر المظفر 1314 ق الموافق 9/ 5/ 72. ش‌

15

[كلمة محمد تقي الإيرواني حول الكتاب]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيبين.

و بعد فان من نعم اللّه تعالى علي فيما مضى من حياتي و ما قضيته من سني عمري التوفيق لحضور مجالس و محاضرات المربي الثقافي الأعظم السيّد الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي «دام ظله الشريف» في الموضوعات المختلفة الفقهيّة و الأصوليّة و غيرها في شتى المناسبات، و كان من ذلك المحاضرات الّتي ألقاها في أحكام الرضاع في الفقه الإسلامي في مناسبتين و قد وفقت للحضور في إحدى المناسبتين و سجّلت ما ألقاه «دام ظله» و حضر الأخ العلامة السيّد محمّد مهدي الخلخالي في كلتا المناسبتين و قد مزجت ما سجلته و ما سجله و هذبته بعنوان: الرسالة الرضاعيّة في تقرير ما ألقاه الأستاذ الأعظم السيد الأكبر الخوئي «دام ظله الوارف» في هذا الجانب من الفقه الإسلامي. و قد ابدى بعض إخواننا الأفاضل بعض الملاحظات في مختلف جوانب الرسالة ليستفيد منها المراجع لهذه الرسالة.

و أسأله تعالى ان يكون ذلك كله مقبولا لدى من نتقرب اليه تعالى برضاه و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيبين.

محمّد تقي الإيرواني 1412 ه‍. ق- النجف الأشرف‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[كلمة محمد مهدي الخلخالي حول الكتاب]

بسمه تعالى

أحمده تبارك و تعالى على نعمه و آلائه و أصلّي و أسلم على أشرف بريّته، و خير خلقه، و خاتم رسله محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الطيبين الطّاهرين الذين ارتضعوا من ثدي الرسالة النبوية لبانة الوحي الإلهية.

أما بعد فقد حظيت مسألة الرضاع في الفقه الإسلامي بمنزلة هامة، و أهميّة فائقة، فإن الرضاع لحمة كلحمة النسب (1)، يحرم به ما يحرم بالنسب، و له ربط وثيق بحرمة النكاح، فان ربط الرضاعة بين الرضيع و المرضعة يكون كربط النسب بين الولد و الوالدة ربط تكوين و اشتقاق، و ليس ذلك إلّا لسريان حقيقة الأصل في فروعه، و الرضاع بشرائطه له تأثير في ذلك الربط الأصيل، و ان كان أضعف من النسب، و من هنا أوسع اللّه تعالى لنا دائرة القرابة بإلحاق الرضاع بها، لان بدن الرضيع يتكون من لبن المرضعة، و لذلك يرث منها الطباع و الأخلاق، كما يرث منها ولدها الذي ولدته، و حيث أنا لم نحط علما بتأثير الرضاعة، و لا في مقدارها و لا شرائطها و لا شرائط المرضعة و لا الرضيع، فلا بد و أن نقتصر على ما ورد به النص الشرعيّ، و نرجع فيما شك الى ما تقتضيه الأصول و القواعد العامّة، و قد اختلفنا مع سائر المذاهب في جملة من الشروط، و من المعلوم ان مذهب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو الحق الذي لا ريب فيه، فإنّهم المطهّرون من الدنس و الخطأ، و المرتضعون من ثدي الرسالة و هم أحد الثقلين الذين تركهما‌

____________

(1) لاحظ ملحق رقم (1) ص 165.

18

الرسول الأعظم مرجعا للأمة، و لقد أشار الكتاب الكريم إلى أهميّة الربط الرضاعي، حيث أنّه عدّه في سياق الرّبط النسبي الموجب لحرمة نكاح الأمهات و الأخوات حيث قال عز من قائل:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ. (1).

كما و قد اهتمت به السنة الشريفة، و أحاديث العترة الطّاهرة، فورد حوله و حول أحكامه عشرات الرّوايات و الأخبار، منها ما روي عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن طرق الفريقين (2). قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

و لهذا قد اهتم فقهاؤنا العظام بمسألة الرضاع على مرّ تاريخ الفقه الإسلامي، و عمدوا على تشييد قاعدة في الرضاع يرجع إليها في التفريعات المناسبة، و كانت من أهم القواعد الفقهيّة.

و كان ممن تصدى لتحقيق هذه القاعدة و تشييد مبانيها من فجع الإسلام و المسلمون و الأوساط العلميّة بفقده (3) بفاجعة عظيمة في عصرنا‌

____________

(1) نساء: 23.

(2) وسائل الشيعة ج 20 ص 371 في الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1 و 7- طبع مؤسسة آل البيت قم سنة 1412 ه‍- ق.

و المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ج 1 ص 453 مادّة «حرم» عن البخاري، و مسلم، و غيرهما عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

(3) قد ارتحل سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) الى جوار ربّه الكريم في 8 صفر سنة 1413 ه‍- في النجف الأشرف، و كانت ولادته في 15 رجب سنة 1317 ه‍- في بلدة (خوي) من بلاد آذربيجان.

19

الحاضر، و هو سيدنا الأستاذ الأعظم آية اللّه العظمى الإمام الخوئي (قده) فإنّه كان منارا للعلم، و علما للفضيلة و التحقيق، و بابا من أبواب مدينة علوم أهل البيت (عليهم السلام) و يا أسفاه يا سيدي الأستاذ حين أحرّر هذه الكلمات، و لا أرى لك شخصا في الحياة و لا أستطيع أن أؤدي حقك يا فقيد العلم، و يا زعيم الأمة، فهنيأ لك ثم هنيئا لك لقد عشت سعيدا، و مت سعيدا مظلوما، و وفدت على رب كريم و نزلت ضيفا عزيزا على جدك أمير المؤمنين، عليه صلوات المصلين، و بقيت الأوساط العلميّة تنعاك، و لكن أنت حيّ، بآثارك لا تنسى، و تكون كمن سبقك من أعلام الدين خالدا و منارا للهدي، و أنت حيّ مرزوق عند ربّك أبدا، فسلام عليك طبت مضجعا و موئلا، و لعمر و الحق لقد اشتملت أبحاث سماحته (قده) في هذه الرسالة كغيرها من أبحاثه على تدقيقات لطيفة، و تحقيقات عميقة، اقتضاها البحث، كما هو المشهود في أبحاثه في سائر المجالات العلميّة فقها و أصولا و تفسيرا و رجالا.

و قد وفّقني اللّه تعالى بمنّه و لطفه للحضور في أبحاثه العالية في الأصول و الفقه و التفسير، و قرّرت من أبحاثه القيمة ما ساعدني التوفيق على تقريره و تحريره، و من تلك الأبحاث ما ألقاه (قده) في تشييد قاعدة الرضاع محتوى هذه الرسالة في مناسبتين (1) من أيام العطلات التقليدية في الحوزة العلميّة المباركة في النجف الأشرف زادها اللّه شرفا و عزا، لقد كان‌

____________

(1) (الأولى) في شهر رمضان سنة 1374 ه‍- ق، و الثّانية في شهر رمضان سنة 1375 ه‍- ق، و قد كان (قدّس سرّه) ملحا على الدراسة حتى في أيّام العطلات التقليدية بنشاط تام، و حوله تلامذته يغتنمون الفرصة بالارتشاف من منهلة العذب.

20

ممن حضر في المناسبة الأولى سماحة العلامة الحجّة الفقيه الشّيخ محمّد تقي الإيرواني (دامت بركاته) محررا ما أفاده السيّد الأستاذ (قده) و قد حبّذ نشر هذه الرسالة الكريمة الّتي هي من إفادات أستاذنا المعظم (قده) مزجا بين ما حررته و ما حرره (دامت إفاضاته) فأجبته على ما أحب، و قدّمت له ما طلب، أداء لمقامه الكريم و تقديرا لحقه على الحوزة العلميّة و قد طبعت (1) هذه الرسالة في النجف الأشرف بعد ملاحظة سيّدنا الأستاذ (قده) لها و الأدلاء عليها بتقريظه العطر، و حيث أن البحث عن الرضاع كان ينطوي على دقائق و تحقيقات أفادها (قده) تجدر بالاهتمام، و تليق بالتأمّل و الدّراسة لذلك آثرنا تجديد طباعة (2) هذه الرسالة ثانية، و نشرها على الملأ الفقهي العام، تعميما للفائدة، و إغناء للمكتبة الإسلاميّة، و خدمة للفقه و الفقهاء، و اللّه ولي التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل.

محمّد مهدي الموسوي الخلخالي ربيع الأوّل 1414 ه‍- ق- طهران‌

____________

(1) في سنة 1412 ه‍- ق و ذلك في حياة السيّد الأستاذ (قدّس سرّه).

(2) و قد أضفنا في بعض التعاليق أقوال العامة للمقارنة بين الفقه على المذاهب الخمسة. و هناك بعض الملحقات أيضا.

21

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

أسباب حرمة النكاح في الإسلام

و هي أربعة: فإن حرمة النكاح في شريعة الإسلام بين اي رجل و أية امرأة سواء أ كانت على نحو الدوام أم على النحو المؤقت إما أن تستند الى النسب القائم بينهما خاصة كحرمة النكاح بين الرّجل و امه، و أخته و بنته، و بنت أخيه و بنت أخته، و عمته و خالته و هي العناوين النسبيّة السبعة المذكورة في الآية 23 من سورة النساء.

أو تستند الى الرضاع المحقق لا حد العناوين المتقدمة بينهما خاصة، فتتحقق به أمومة رضاعيّة، و اخوة رضاعيّة و هكذا.

أو تستند الى السبب فقط، و نعني به ما لم يكن نسبا و لا رضاعا، كالتزويج بذات العدة مع العلم بكونها ذات عدة، و العلم بعدم جواز التزويج في العدة أو مع الدخول بها و ان جهل الحكم و الموضوع، و كالتزويج بذات البعل مع العلم بالحكم و بأنها ذات بعل، أو مع الدخول بها و ان جهل الحكم أو كونها ذات بعل.

أو تستند الى المركب من النسب و غيره، أو المركب من الرضاع و غيره، و ذلك كأم الزوجة نسبا أو رضاعا، فان حرمتها على زوج بنتها تستند‌

22

الى مجموع الأمرين: الزوجيّة القائمة بين ذلك الزوج و زوجته، و بنوة تلك الزوجة لتلك المرأة نسبا أو رضاعا، و هكذا بنت الزوجة المدخول بها، و زوجة الأب، و زوجة الابن، و أخت الزوجة، فان الكلام في ما يعم التحريم الموقت. كما تقدم. و قد اصطلح الفقهاء على هذا القسم من أسباب التحريم بالمصاهرة.

و قد تعرّض القرآن الكريم للأقسام الأربعة، فذكر العناوين النسبيّة السبعة أولا في الآية 23 من سورة النساء، و هي الأم و البنت و الأخت- و هذه الثلاثة متقومة بنسب واحد- و العمة و الخالة و بنت الأخ و بنت الأخت- و هذه الأربعة تتقوم بنسبين.

ثم أخذ في ذكر القسم الثّاني، فذكر نوعين منه، و هما الأم الرضاعيّة و الأخت الرضاعيّة، و ثبت الباقي بالسنة.

ثم ذكر أربعة أصناف من القسم الرابع، و هي: (1) أمهات النساء.

(2) و الربائب من النساء المدخول بهن. (3) و حلائل الأبناء (4) و الجمع بين الأختين.

و ذكر الصنف الخامس، و هي زوجات الآباء قبل هذه الآية (1).

و ذكر من القسم الثّالث صنفا واحدا، و هي المطلقة ثلاثا (2) [1] و قد تقدم ان الكلام في ما يعم التحريم الموقت.

____________

[1] لا بأس بذكر رواية تضمنت لذكر فهرس جميع الفروج المحرّمة في الشريعة

____________

(1) سورة النساء الآية: 22

(2) سورة البقرة الآية: 228 و 229 و 230.

23

____________

الإسلاميّة.

و هي ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال سئل أبي (عليه السلام) عمّا حرّم اللّه عز و جل من الفروج في القرآن، و عمّا حرّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في سنته.

فقال: «الذي حرّم اللّه عز و جل أربعة و ثلاثون وجها: سبعة عشر في القرآن، و سبعة عشر في السنة، فأمّا الّتي في القرآن:

(1) (1) فالزنا، قال اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ (2) (2) و نكاح امرأة الأب قال اللّه تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (3) (3) و أُمَّهٰاتُكُمْ (4) وَ بَنٰاتُكُمْ (5) وَ أَخَوٰاتُكُمْ (6) وَ عَمّٰاتُكُمْ (7) وَ خٰالٰاتُكُمْ (8) وَ بَنٰاتُ الْأَخِ (9) وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ (10) وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (11) وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ (12) وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (13) وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ (14) وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ (15) وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ (4) (16) و الحائض حتى تطهر، قال اللّه تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (5) (17) و النكاح في الاعتكاف قال اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ (6).

و أمّا الّتي في السنة (1) فالمواقعة في شهر رمضان نهارا (2) و تزويج الملاعنة بعد اللعان (3) و التزويج في العدّة (4) و المواقعة في الإحرام (5) و المحرم يتزوّج أو يزوّج (6) و المظاهر (7) قبل أن يكفر (7) و تزويج المشركة (8) و تزويج الرجل امرأة قد طلقها للعدّة تسع تطليقات (9) و تزويج الأمة على الحرّة (10) و تزويج الذميّة على المسلمة (11)

____________

(1) الترقيم من الكاتب، لا في أصل الرواية، لغرض التوضيح.

(2) سورة: الإسراء: 32.

(3) سورة: النساء: 22.

(4) سورة: النساء: 23.

(5) سورة: البقرة: 222.

(6) سورة: البقرة: 187.

(7) أي من ظاهر امرأته على ما ذكر في الفقه كتاب الظهار.

24

و المقصود بالبحث في هذه الرسالة انّما هو الرضاع باستيفاء جميع الأحكام المتعلّقة بسببيته لحرمة النكاح فنقول:

سببيّة الرضاع لنشر الحرمة

سببية الرضاع لنشر حرمة النكاح في الجملة مورد اتفاق فقهاء الإسلام و ان وقع الخلاف في خصوصياته (1)، و قد استفاضت الاخبار بذلك، و هي على قسمين: قسم يتضمن بيان قاعدة كلية تطبيقا على بعض الموارد الخاصة أو ابتداء و هو قولهم (عليه السلام): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (2). أو ما يقرب من هذا التعبير، و في بعضها: «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة» (3) كما ان في بعضها رواية الجملة الأولى عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (4) و قسم تعرض لبيان الحكم في الموارد الخاصة و لم يتعرض للقاعدة الكليّة المزبورة (5) و لا إشكال في هذه الاخبار من ناحية السند، لاستفاضتها و صحة بعضها.

____________

و تزويج المرأة على عمّتها و خالتها (12) و تزويج الأمة من غير إذن مولاها (13) و تزويج الأمة على من يقدر على تزويج الحرة (14) و الجارية من السبي قبل القسمة (15) و الجارية المشركة (16) و الجارية المشتراة قبل ان يستبرءها (17) و المكاتبة الّتي قد أدت بعض المكاتبة» (6).

____________

(1) ملحق رقم (2) ص 165.

(2) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 مما يحرم بالرضاع ح 1، 2، 7 و غيره ط مؤسسة آل البيت: قم سنة: 1412 ه‍.

(3) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 مما يحرم بالرضاع ح 1، 2، 7 و غيره ط مؤسسة آل البيت: قم سنة: 1412 ه‍.

(4) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 مما يحرم بالرضاع ح 1، 2، 7 و غيره ط مؤسسة آل البيت: قم سنة: 1412 ه‍.

(5) الوسائل: ج 20 الأبواب المتعددة مما يحرم بالرضاع، ط المؤسسة

(6) البحار ج 103 ص 367 باب جوامع محرمات النكاح ح 1 عن الخصال.

25

حديث: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

و ينبغي التكلم في مدلول هذه الجملة الشريفة، و مقداره سعة و ضيقا تمهيدا لما يأتي من المباحث و يتم ذلك ضمن جهات:

ما هو المراد من الموصول؟ الجهة الأولى

ان من الواضح انّه ليس المراد بكلمة (ما) الموصولة شخص من يحرم بالنسب ليكون المعنى ان كل شخص يحرم من النسب فهو بعينه يحرم من الرضاع، لان نفس المحرم بالنسب لا معنى لكونه محرما من جهة الرضاع و اما ارادة النوع منها- بأن تكون كناية عن العناوين الّتي هي مورد الحكم بالحرمة في باب النكاح كالأمومة و البنوة و الاخوة ليكون المعنى: ان كل عنوان محرم من جهة النسب يحرم نظيره من جهة الرضاع- فيبعدها انّها خلاف الظّاهر، إذ الظّاهر ان المحرم بالرضاع هو نفس المحرم بالنسب لا نظيره، مضافا الى استلزامها استعمال لفظ (ما) في من يعقل.

و الذي يقوى في النظر ان تكون (ما) كناية عن الفعل، فيكون المعنى:

ان الفعل الذي يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع أيضا، فنكاح الام النسبية محرم من جهة النسب، فكذا نكاح الام الرضاعيّة محرم من جهة الرضاع.

و عليه، فالجملة الشريفة بمقتضى إطلاق الموصول فيها بإطلاق صلته نعم كل حكم تحريمي مترتب على النسب و لا يختص بباب النكاح، مثلا:

يحرم تملك الام و الأب النسبيين، فكذا الام و الأب الرضاعيين بمقتضى إطلاق الجملة الشريفة.

26

و الذي يعضد ذلك ما رواه في الكافي عن عبد اللّه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: «سئل و انا حاضر عن امرأة أرضعت غلاما مملوكا لها من لبنها حتى فطمته، هل لها ان تبعه؟ فقال: لا، هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه و أكل ثمنه. ثم قال: أ ليس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1).

فاستدل الامام (عليه السلام) على عدم جواز بيع الابن الرضاعي و تنزيله منزلة الابن النسبي في ذلك- بالجملة المباركة، بتقريب ان تملك الابن من النسب حرام فهو حرام من الرضاع.

و يدل على ذلك أيضا ما رواه الشّيخ بسند معتبر عن أبي بصير و أبي العباس و عبيد، كلهم جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «و لا يملك أمه من الرضاعة و لا أخته و لا عمته و لا خالته، إذا ملكن عتقن.

و قال: ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع» (2).

و الحاصل ان مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (3) و الخبرين المتقدمين تنزيل الرضاع منزلة النسب في كل حكم تحريمي مترتب على النسب من غير اختصاص بباب النكاح.

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 405 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1، ط المؤسسة.

(2) الوسائل: ج 18 ص 247 الباب 4 من بيع الحيوان ح 1، ط المؤسسة.

(3) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ح 1، ط المؤسسة.

27

و ربّما يتوهم في المقام ان لازم إطلاق الموصول في الجملة الشريفة (1).

من هذه الجهة ما لا يمكن الالتزام به من الأحكام، فان لازمه انّه إذا ارتضع غير هاشمي من لبن هاشمي أن تحرم على المرتضع الزكاة مع انّه غير هاشمي، لأن حرمة الزكاة مترتبة في الشريعة المقدسة على الانتساب الى هاشم، فيقوم الرضاع مقامه في هذه الجهة. و كذا لازمه ان يحرم الخمس على الهاشمي المرتضع من لبن غير الهاشمي إذا كان موضوع حرمة الخمس الانتساب الى غير هاشم لا عدم الانتساب الى هاشم. و كذا لازمه حرمة مباشرة ولد المسلم المرتضع من لبن كافر، حيث ان ولد الكافر بحكم الكافر، و الرضاع يقوم مقام النسب.

و لكن التوهم المذكور يندفع بان ظاهر الجملة الشريفة (2) تنزيل الرضاع منزلة النسب بما هو نسب من دون نظر الى أية خصوصية من الخصوصيّات القائمة بالنسب، فهي ليست ناظرة إلى خصوصيات الأنساب بحيث يترتب على الرضاع حكم كل نسب بما له من الخصوصيّات ليترتب على ابن الكافر الرضاعي حكم ابن الكافر النسبي، و على غير الهاشمي المرتضع من لبن الهاشمي حكمه بما أنّه هاشمي، بل مفادها ليس الا حكما عاما بالإضافة الى جميع البشر، و هو تنزيل الرضاع منزلة النسب بما هو نسب لا بما هو نسب خاص، فهي تنزل الأمومة الرضاعيّة منزلة الأمومة النسبيّة في مالها من الأحكام التحريميّة، و هكذا سائر العناوين.

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ح 1، ط المؤسسة.

(2) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ح 1، ط المؤسسة.

28

عدم اختصاص التنزيل بالحرمة الدائمة الجهة الثّانية

ان مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (1) عدم اختصاص التنزيل في باب النكاح بالحرمة الدائمة، فتشمل الحرمة الموقتة، كالجمع بين الأختين فيحرم الجمع بين الأختين الرضاعيتين بحكم إطلاقها.

مضافا الى صحيحة أبي عبيدة الحذاء المرويّة في الكافي و الفقيه قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة» (2).

عدم اختصاص التنزيل بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال الجهة الثّالثة

ان مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (3) أيضا عدم اختصاص التنزيل فيها بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال، فتعم الحرمة الّتي للنسب فيها دخل بنحو الجزئيّة كما في المصاهرة الّتي هي علقة متقومة بعلقتين، كالعلقة المتحققة بين أم الزوجة و زوج بنتها، فإنّها متقومة بالزوجيّة الكائنة بينه و بين بنتها، و الأمومة المتحققة بينها و بين بنتها، فأم المرأة الّتي ليست زوجة للشخص لا تحرم عليه من هذه الجهة، كما ان من ليست أما لزوجة الشخص لا تحرم عليه من هذه الجهة فهي علقة قائمة بنسب و سبب، و القاعدة المتقدمة (4) بحكم إطلاقها تنزل الرضاع منزلة النسب في هذه‌

____________

(1) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

(2) الوسائل: ج 20 ص 402 الباب 13 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1، و ج 20 ص 477 ح 2 و ص 476 ح 2 من الباب: 24 و ص 487 ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ح 2 ط المؤسسة.

(3) يحرم من الرضاع ما يحرمن النسب.

(4) يحرم من الرضاع ما يحرمن النسب.

29

العلقة، فألام الرضاعيّة للزوجيّة تحرم على زوج بنتها الرضاعيّة، كما تحرم عليه أمها النسبيّة، نعم هذه القاعدة (1) لا تتكفل تنزيل الرضاع منزلة الجزء الآخر و هو الزوجيّة، فإذا أرضعت امرأة ولد زيد فلا تحرم على زيد أم هذه المرأة النسبيّة لعدم تنزيل القاعدة المزبورة (2) الرضاع منزلة الزوجيّة، فلا تصير تلك المرأة برضاعها ولد زيد بحكم زوجته لتكون أمها النسبيّة أم زوجته.

ثم انّه يترتب على ما ذكرناه حرمة أم الموطوء و أخته و بنته الرضاعيات على الواطئ، و كذلك حرمة أم المزني بها و بنتها الرضاعيتين على الزاني، بناءا على ما هو المشهور بين الفقهاء من الحرمة في النسب، فما عن العلامة و المحقق الثّاني (قدّس سرّهما) )- من القول بعدم التحريم في المسألة الثّانية- لا نعرف له وجها صحيحا، على ان صحيحة محمّد بن مسلم (3) قد دلت بظاهرها على التحريم، نعم بناءا على ما اخترناه- من عدم الحرمة فيها في النسب- لا مجال للقول بها في الرضاع، و تحمل الصحيحة حينئذ على الكراهة.

البحث حول عموم المنزلة الجهة الرّابعة:

هل التنزيل في الجملة الشريفة (4) مقصور على العناوين السبعة المذكورة في الآية المباركة (5) فلا يثبت بالرضاع غيرها أو انّه‌

____________

(1) يحرم من الرضاع ما يحر من النسب.

(2) يحرم من الرضاع ما يحر من النسب.

(3) الوسائل: ج 20 ص 427 الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2، ط المؤسسة.

(4) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

(5) سورة النساء الآية: 23.

30

يعم العناوين الملازمة لها؟ مثلا: عنوان أم الأخ يتحقق في ضمن عنوان الأم أو منكوحة الأب، فهو عنوان ملازم لبعض العناوين المذكورة، فإذا تحقق بالرضاع هذا العنوان- كما إذا ارتضع صبي مع زيد فأصبح أخا لزيد من الرضاعة- فهل تحرم أم ذلك الصبيّ على زيد حيث انها أم أخيه من الرضاعة؟ المشهور عدم العموم [1]

____________

[1] المراد من عموم المنزلة: شمول الحرمة بالرضاع للعناوين الملازمة للعناوين المحرمة بالذات، و ان افترقت عنها، لأنّها لازم أعم، أي العنوان اللازم يكون أعم من الملزوم المحرّم ذاتا فيقال: مثلا: ان أم الأخ بمنزلة الأم، فكما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع أيضا، و يتحقق عموم المنزلة في الموارد التالية (أحدها): أم الأخ.

و هذا العنوان بنفسه ليس من المحرمات بالنسب كي يحرم مثله بالرضاع، لعدم الدليل على الحرمة بهذا العنوان، الّا انّه قد يقترن مع عنوان محرّم بالنسب، أو بالمصاهرة، و قد يفترق عنهما، و يتحقق بالرضاع فقط، و لكن لا يوجب الحرمة إلّا عن طريق عموم المنزلة، لملازمة هذا العنوان لبعض العناوين النسبيّة المحرمة كما أشرنا، و لكن حيث انّه لازم أعم فإذا افترق عن المحرّم الذاتيّ فلا يوجب الحرمة، بيان ذلك ان العنوان المذكور يتحقق إمّا بالنّسب أو المصاهرة، أو بالرضاع، و تحرم المرأة بالأولين، دون الرضاع الّا على القول بعموم المنزلة، فيتحقق في 1- أمّك.

فإنّه يصدق عليها أم أخيك، إذا كان لك أخ شقيق، و هي محرمة عليك بالنسب، و هذا ظاهر.

2- زوجة أبيك (أي أم أخيك من أبيك) و هي محرمة عليك بالمصاهرة، لأنّها زوجة أبيك و قال عزّ من قائل وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ.

3- الأم الرضاعيّة لأخيك.

و هذه كما إذا أرضعت أجنبيّة أخاك- و هي ليست بأمك و لا زوجة أبيك- فان هذه أم رضاعيّة لأخيك تحرم عليه، و لكن لا تحرم عليك، لعدم صدق عنوان «الأم»، و لا

31

____________

«زوجة الأب» عليها، نعم يصدق عليها العنوان الملازم للعنوانين المحرمين (1) و هو عنوان «أم الأخ» و لكن هذا ليس من العناوين المحرمة الّا على القول بعموم المنزلة، و لا نقول به.

و مثل «أم الأخ» «أم الأخت» فهي إمّا ان تكون أما لك أيضا- كما إذا كانت الأخت شقيقة لك، أو تكون أمها زوجة أبيك كما إذا لم تكن شقيقة، و الأولى تحرم عليك نسبا، و الثّانية تحرم عليك مصاهرة.

و أمّا إذا أرضعت امرأة أجنبيّة أختك فهي تكون أما رضاعيّة لأختك، و لكن لا تحرم عليك الّا بعموم المنزلة كما عرفت في «أم الأخ».

فتحصل ممّا ذكرنا: انه إذا كانت أم أخيك أو أختك إما لك أيضا فتحرم عليك نسبا و رضاعا، لأنّ أم الأخ أو الأخت حينئذ تكون أمك، و هي محرمة عليك نسبا و رضاعا.

و كذا أم الأخ أو الأخت بالمصاهرة فهي محرمة أيضا لأنّها زوجة أبيك.

و أمّا الأم الرضاعية لأخيك أو أختك من دون ان تكون زوجة لأبيك فلا تحرم عليك لا بالنسب، و لا بالمصاهرة لعدم النسبة و لا المصاهرة، و لا الرضاع المحرّم الّا عن طريق عموم المنزلة، و لا نقول به. و كذا الأم النسبي لأخيك الرضاعي كما في مثال المتن.

(المورد الثّاني) أم ولد الولد (أم الحفيد أو الحفيدة) و هذا العنوان أيضا لا يحرم ذاتا، نعم يتحقق بالنسب و المصاهرة و الرضاع، و تحرم عليك المرأة في الأولين، دون الثّالث، الا عن طريق عموم المنزلة، فيتحقق في 1- بنتك فإنّه يصدق عليها أنّها «أم ولد ولدك» إذا كان لها ولد من زوجها، إذ هي ولدك، فابنها يكون ولد ولدك، و هي أمة، لأنّها أم حفيدك أو حفيدتك و هي محرمة عليك لأنّها بنتك النسبيّة، و هذا ظاهر.

2- زوجة ابنك إذ يصدق عليها أنّها أم ولد ولدك فيما إذا كان لها ولد من ابنك (زوجها) و هذه تحرم بالمصاهرة- كما هو ظاهر- فإنّها حليلة الابن المحرمة بالنص القرآني لا بعنوان أم الحفيد.

____________

(1) أي الأم و زوجة الأب.

32

____________

3- الأم الرضاعية للحفيد و هذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبيّة حفيدك أو حفيدتك، فإنّها يصدق عليها عنوان أم ولد الولد، و لكن لا تحرم عليك، لعدم النسبة، و لا المصاهرة، و ليس هناك الّا الرضاع بعموم المنزلة لملازمة هذا العنوان (أم ولد الولد) مع العنوان النسبي (البنت).

و يتحقق هذا العنوان عن طريق الرضاع غير المحرّم على الموارد التالية أيضا، و تكون من موارد عموم المنزلة تحت عنوان «أم ولد الولد» كالمثال المتقدم و هي:

ألف- لو أرضعت زوجة ابنك ولدا أجنبيّا، و كان لذلك الولد أم نسبيّة، فإنّها تحل لك، و ان صدق عليها عنوان «أم ولد ولدك».

ب- نفس الفرض و كان لذلك الولد أم أخرى رضاعيّة، فإنّها تحل لك أيضا، و ان صدق عليها عنوان «أم ولد الولد».

و الحاصل: ان الّتي تحرم مع صدق هذا العنوان عليها هي زوجة الابن عن طريق المصاهرة، و البنت عن طريق النسب و امّا لو صدق هذا العنوان عن طريق الرضاع فقط، دون المصاهرة و النسب فلا أثر له الّا بعموم المنزلة، لعدم حرمة هذا العنوان بالنسب ذاتا كي يحرم مثله بالرضاع. نعم هو ملازم للمحرم الذاتي.

و بالجملة: ان أمهات ولد الولد لا تحرمن، الّا من كانت بنتك، أو زوجة ابنك.

(المورد الثّالث): جدة الولد و هذا العنوان يتحقق أيضا بالنسب و المصاهرة، و الرضاع، و يحرم في الأولين، دون الأخير لتحققه في:

1- أمك إذ هي جدة ولدك، فإنّه لو كان لك ولد فامك جدّة ولدك و حرمة هذه ظاهرة.

2- أم الزوجة (جدة الولد بالمصاهرة) فإنّه إذا كان لك ولد من زوجتك، فأمها تكون جدة ولدك و هذه تحرم بالمصاهرة بعنوان «أم الزوجة» «أمهات النساء» دون عنوان جدة الولد.

3- أم مرضعة ولدك (جدته الرضاعيّة).

كما إذا أرضعت أجنبيّة ولدك و كانت لتلك المرضعة أم، فهي لا تحرم عليك و ان صدق عليها «جدة ولدك» لعدم حرمة هذا العنوان بما هو في النسب كي يحرم مثله

33

____________

بالرضاع، الّا بعموم المنزلة لأنّها بمنزلة الأم النسبيّة.

هذا كله فيما إذا كان ولدك نسبيا و كان له جدة من الرضاع، و اما إذا كان لك ولد رضاعي كما إذا أرضعت زوجتك طفلا أجنبيّا و كان لذاك الطفل الرضيع جدّة من النسب، أو من الرضاع- بان رضع من ثدي امرأة أخرى لها أم- فجداته تحل لك، لعدم النسب، و لا المصاهرة، إلّا الرضاع غير المحرم، لكونها بمنزلة الأم النسبيّة.

هذه كله في جدّة ولدك و أمّا أم ولدك فهي حلال لك لأنّها إما زوجتك، أو مرضعة ولدك، و لا مانع من تزويجها إذا لم تكن مزوجة.

(المورد الرّابع) أم العم أو العمّة:

فإنّها لا تحرم بهذا العنوان أيضا الّا ان يقترن بعنوان محرم ذاتي أو نقول بعموم المنزلة و لا نقول به فان هذا العنوان يتحقق أيضا إما بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، و يحرم في الأولين، دون الثّالث، لتحققه في 1- الجدّة للأب فإنّه يصدق عليها أنّها أم عمك أو عمتك، و هذه تحرم بالنسب، كما هو ظاهر، لأنها أمك بالواسطة.

2- زوجة الجدّ:

كما إذا لم يكن العم أو العمّة شقيقا لأبيك، و هذه تحرم بالمصاهرة لأنها زوجة الجدّ.

3- الأم الرضاعيّة للعم أو العمّة و هذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبية عمّك أو عمّتك فإنّها تكون أما لهما.

و هذه لا تحرم عليك، لعدم النسب، و لا المصاهرة بينك و بينها و ليس هناك الّا الرضاع، و هو لا يحرّم في الفرض، لعدم حرمة هذا العنوان (أم العم أو العمة) في النسب كي يحرم مثلها بالرضاع، الّا عن طريق الملازمة بينه و بين الجدّة، و لا نقول باستلزامها الحرمة، الّا على القول بعموم المنزلة.

(المورد الخامس): أم الخال أو الخالة و هذه أيضا تتحقق في ثلاثة موارد 1- الجدة للأم:

و هذه تحرم عليك بالنسب كما هو ظاهر.

34

____________

2- زوجة الجد للام:

و هذه تحرم عليك بالمصاهرة.

3- الام الرضاعيّة لهما:

و هذه لا تحرم عليك، لعدم النسب و لا المصاهرة، فلا موجب لتحريمها الّا الرضاع بعموم المنزلة و لا نقول به كما في الموارد السّابقة.

(المورد السّادس): أخت الولد و هذا العنوان بنفسه ليس من العناوين المحرمة بالذات أيضا، كالعناوين المتقدمة، و لكن قد تتحد مع العنوان المحرم بالنسب أو المصاهرة لتحققه في الموارد الثّلاثة التالية أيضا.

1: بنتك:

فإنّه يصدق عليها أنها أخت ولدك إذا كان لك ولد آخر، و هذه تحرم بالنسب، لأنّها بنتك، و هذا ظاهر.

2: بنت امرأتك:

و هي الربيبة فإنّها تكون أختا لولدك من أمه، و هذه تحرم عليك بالمصاهرة، لأنّها ربيبتك.

3: الأخت الرضاعيّة لولدك:

و هذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبية ولدك و كانت لها أو لزوجها بنت و كان الزوج هو الذي نشأ اللبن بسببه- المعبّر عنه في الاصطلاح الفقهي بالفحل أو صاحب اللبن- فإنّه يصدق على تلك البنت أنّها أخت ولدك عن طريق الرضاع، و هذه لا تحرم عليك بهذا العنوان، لانّ المحرّم انّما هو عنوان البنت لا أخت الولد، فإنّها لا تحرم عليك الّا ان تكون بنتك، أو ربيبة لك أو نقول بعموم المنزلة في الرضاع، هذا.

و لكن قد دلت النصوص الخاصّة (1) على انّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 391 في الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 10، صحيحة علي بن مهزيار، و في الباب 16 ص 404 ح 1 صحيحة أيوب ابن نوح و يأتي ذكرهما في ص 39 و ح 2 في نفس الباب و يأتي الكلام في ذلك في ص 50 في المسألة الثّالثة و ص 51 في المسألة الرّابعة.

35

و عن المحقق الداماد اختيار العموم، و حكي ذلك عن الحلي في أخت الابن و جدته لأمه. و قبل الورود في البحث‌

ينبغي التنبيه على أمرين

تحرير محل الكلام: (الأوّل)

ان محل الكلام في المسألة يلزم ان يكون العنوان الملازم الذي لا ينفك عن بعض العناوين المحرمة نسبا أو سببا، كعنوان أم الأخ و أخت الابن و جدة الابن، دون العنوان الذي يمكن انفكاكه عنها كأخت الأخ،

____________

اللبن (1) و لا في أولاد المرضعة (2) فلا يصح نكاحهن ابتداء، و لا استدامة و عليه لو ارتضع ولدك من جدته لامه حرمت عليك زوجتك الّتي هي أم ذاك الولد، لأنّها صارت حينئذ من أولاد صاحب اللبن، كما انّها صارت من أولاد المرضعة، و يحرم نكاحهن على أبي المرتضع، و المفروض أنت أبو المرتضع، و صارت زوجتك- الّتي هي أم المرتضع- من أولاد صاحب اللبن، و أولاد المرضعة، فيبطل نكاحها معك، فإنّ أولاد صاحب اللبن و أولاد المرضعة بمنزلة أولادك كما في النصوص المذكورة.

و من هنا قال السيّد الأستاذ (قدّس سرّه) في المنهاج ج 2 ص 268:

« (مسألة 1280) لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة و رضاعا و لا في أولاد المرضعة ولادة لا رضاعا، فإذا أرضعت زوجة الجد للأم طفلا من لبن جده لأمه (3) حرمت أم المرتضع على أبيه (4)، و لا فرق في المرضعة بين أن تكون أما لأم المرتضع، و ان لا تكون اما لها بل تكون زوجة لأبيها».

____________

(1) ولادة و رضاعا.

(2) ولادة لا رضاعا كما صرّح بذلك السيّد الأستاذ (قدّس سرّه) (في المنهاج ج 2 ص 268 كتاب النكاح أحكام الرضاع م 1280 ط 28) و الدليل على التفصيل بين أولاد صاحب اللبن و أولاد المرضعة بذلك هو ما يستفاد من نصوص الباب و لسنا بصدد التحقيق من هذه الناحية، فراجع ص 52 م 3 و ص 54 م 4 من هذا الكتاب.

(3) اي جد الولد لام الولد.

(4) اي على ابي الولد و هي زوجته.

36

فإنها قد تكون أختا فتحرم، و قد لا تكون أختا فلا تحرم، كما إذا كان لزيد أخ من امه دون أبيه و كان لذلك الأخ أخت من أبيه فهي أخت أخي زيد لكنها ليست أختا لزيد لا من أمه و لا من أبيه فلا تحرم على زيد، و إذا لم تحرم أخت الأخ الّتي ليست بأخت في باب النسب فعدم حرمتها بالرضاع اولى، فعدم تأثير الرضاع في مثل هذا العنوان ينبغي ان يخرج عن محل النزاع. نعم أخت الأخ من الأبوين تحرم في النسب دائما فتحرم مثلها من الرضاع أيضا، بناء على عموم التنزيل.

الأمر الثاني ما هو مقتضى الأصل

(الأمر الثّاني):- ان مقتضى الأصل في موارد الشّك في تحقق الرضاع المحرم، أو سببيته لنشر الحرمة هل هو الحرمة أو الحل؟

فنقول: أما الشبهة المصداقية بأن يشكّ في تحقق أصل الرضاع أو بعض شروطه، فاذا لم يكن ما يثبت ذلك المشكوك من أصل أو أمارة، فمقتضى الاستصحاب عدم تحققه، مثلا: إذا شكّ في أصل تحقق الرضاع بين زيد و هند فالأصل عدمه، و كذا إذا شكّ في مدة الرضاع أو عدده و لم يعلم تحقق المقدار المعتبر في التحريم و إذا شكّ في تحقق النكاح الصحيح بين الفحل و المرضعة، أو كون الوطء بنحو الزنا فمقتضى أصالة الصحّة فيه كونه بنحو مشروع، فيكون اللبن محرّما، و كذا إذا شككنا في حياة المرضعة فمقتضى استصحاب حياتها تحقق هذا الشرط.

و أما الشبهة الحكميّة، كأن يشكّ في اشتراط نشر الحرمة بالرضاع بشكل خاص، فان كان هناك إطلاق يتمسك به لنفي اعتبار ذلك الأمر فهو،

37

و الا بان كان الدليل مجملا، أو كان معارضا بإطلاق دليل آخر، و لم تنته النوبة إلى الترجيح أو التخيير، فلا مانع من التمسك بعمومات الحل كالآية المتضمنة لحل ما وراء العناوين المحرمة (1) و الآية المتضمنة لإباحة نكاح ما طاب من النساء (2) لان مقتضى العمومات جواز نكاح أية امرأة، و قد خرج عن هذا العموم طوائف من النساء، فاذا شكّ في اعتبار شي‌ء في العنوان الخارج بالتخصيص، كان المخصص مرددا بين الأقل و الأكثر، و حيث انّه منفصل فالقاعدة في مثله تقتضي التمسّك بالعموم في مورد الشّكّ.

أصالة الحل

و لا يخفي انّه لا يمكن التمسّك في المقام بأصالة الحل، لأنّها محكومة بأصالة عدم تحقق الزوجيّة بين الشخصين الذين يشكّ في تحقق الحرمة بينهما بالرضاع، و هذا بخلاف الشبهة المصداقيّة، فإنّ استصحاب عدم تحقق الزوجيّة فيها محكوم بالأصل المنقح عدم تحقق الرّضاع، لكون الشّكّ في تحقق الزوجيّة مسببا عن الشّكّ في تحقق الرّضاع.

و أما أصالة الحل الواردة في رواية مسعدة بن صدقة المعتبرة الّتي يقول الامام (عليه السلام) فيها: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (3) فقد تحقق في محله ان المراد ما يعم الأصل التنزيلي و الامارة المقتضيين للحل لا خصوص ما يساوق أصالة البراءة، و ذلك بقرينة ما ذكر‌

____________

(1) سورة النساء الآية: 24.

(2) سورة النساء الآية: 23.

(3) الوسائل: ج 17 ص 89 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4، ط المؤسسة.

38

فيها من الأمثلة، فإن مثبت الملكية في العبد و الثوب هي اليد، و نافي الاخوة و الرضاع في الزوجة هو الاستصحاب.

هذا تمام الأمرين الذين أردنا التنبيه عليهما.

و نقول بعد ذلك: ما يمكن ان يستدل به، أو استدل به للقائلين بعموم المنزلة وجهان:

أدلة القول بعموم المنزلة

1- إطلاق الحديث:

الأوّل- إطلاق قولهم (عليهم السلام): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1) حيث ان أم الأخت، و أخت الابن و جدة الابن لامه، و غيرها من العناوين الملازمة، محرمة بالنسب، فتحرم بالرضاع، فصلة الموصول بإطلاقها تعم هذه العناوين، فيعمها الموصول فيشملها الحكم، و هو التحريم بالرضاع، هذا.

و لا يخفى ان توهم الإطلاق من هذه الجهة في الجملة الشريفة (2) يبتني على كون (ما) الموصولة كناية عن الأشخاص كما عليه المشهور، و حينئذ فلتوهم ان شخص أم الأخ- مثلا- محرمة في النسب بأي عنوان كان من العناوين فتحرم بالرضاع مجال، و اما على ما سلكناه- من كون الموصول كناية عن الفعل- فلا مجال للتوهم المزبور أصلا، إذ عليه يكون المعنى: «يحرم بالرضاع الفعل الذي يحرم بالنسب» و من الواضح ان مورد الحرمة في الأدلّة هي العناوين السبعة، فليس الموصول على مسلكنا بمعنى‌

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1، ط المؤسسة.

(2) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1، ط المؤسسة.

39

الشخص ليتوجه النّظر اليه، و يقطع النّظر عن العنوان.

الجواب عن ذلك و الجواب عن هذا الوجه على مسلك المشهور هو ان ظاهر الجملة الشريفة النّظر الى المحرمات الثّابت تحريمها في الشريعة المقدسة بنحو القضايا الحقيقية، و من الواضح اختصاص ذلك بالعناوين المذكورة فيها، إذ لم يرد في دليل من الأدلّة التحريم بعنوان من العناوين الملازمة، و على تقدير إجمال القاعدة من هذه الجهة، فالمرجع عمومات الحل المتقدمة (1) كما تقتضيه القاعدة في تردد المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر.

2- الروايات الخاصّة:

الوجه الثّاني- الروايات الخاصّة الواردة في الباب و عمدتها روايتان:

الأولى: صحيحة علي بن مهزيار قال: «سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثّاني (عليه السلام) ان امرأة أرضعت لي صبيا فهل يحل لي ان أتزوج ابنة زوجها؟ فقال: ما أجود ما سألت، من هاهنا يؤتى أن يقول النّاس:

حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل. هذا هو لبن الفحل لا غيره. فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة الّتي أرضعت لي، هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشرا متفرقات ما حل لك شي‌ء منهن و كن في موضع بناتك» (2).

الثّانية: صحيحة أيوب بن نوح قال: «كتب علي بن شعيب الى أبي الحسن (عليه السلام) امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي ان أتزوج بعض‌

____________

(1) ص 37.

(2) الوسائل: ج 20 ص 391 الباب 6 مما يحرم بالرضاع ح 10، ط المؤسسة.

40

ولدها؟ فكتب (عليه السلام): لا يجوز ذلك لك، لان ولدها صارت بمنزلة ولدك» (1).

و تقريب الاستدلال بهاتين الصحيحتين هو ان مقتضى إطلاق تنزيل بنات الفحل في الصحيحة الأولى منزلة بنات ابي المرتضع بقوله (عليه السلام):

«و كن في موضع بناتك»- و تنزيل أولاد المرضعة في الصحيحة الثّانية منزلة أولاد أبي المرتضع بقوله (عليه السلام): «لان ولدها صارت بمنزلة ولدك»- هو التنزيل بلحاظ جميع الآثار، فيصير أخو أبي المرتضع بمنزلة العم، و أبو ابي المرتضع بمنزلة الجد و أم المرتضع بمنزلة حليلة الأب، فإذا كان أولاد الفحل ذكروا حرم عليهم التزويج بها، و كذا مقتضاه صيرورة أولاد أبي المرتضع اخوة لأولاد الفحل، و هكذا.

جواب المحقق الخراساني (قده): و قد أجاب عن الاستدلال بهاتين الصحيحتين- صاحب الكفاية المحقق الخراساني (قدّس سرّه) في رسالته الرضاعيّة- بان المستفاد من التنزيل الذي تضمنته الصحيحتان ليس الا التنزيل بلحاظ حرمة تزويج ابي المرتضع بأولاد المرضعة أو صاحب اللبن، و لا يستفاد منهما حكم تزويجه بغيرهن أو تزويج غيره بهن، و ان السؤال عن جواز تزويجه و عدمه يوجب صرف وجه الإطلاق في التنزيل الى التنزيل بلحاظ حرمة تزويجه بهن. هذا.

المناقشة في جوابه: و لا يمكن المساعدة على ما افاده (قدّس سرّه) إذ هو خلاف المفهوم العرفي من الصحيحتين المتقدمتين، فان التنزيل قد جاء بلسان التعليل‌

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 404 الباب 16 مما يحرم بالرضاع ح 1، ط المؤسسة.

41

للحكم بعدم الجواز في الصحيحة الثّانية، و بلسان تطبيق الكبرى على الصغرى في الصحيحية الاولى، و من الواضح افادة كل منهما العموم بالنّظر العرفي، نعم إذا كان التنزيل في مرتبة نفس الحكم كان قاصراً عن افادة العموم، كما في قوله (عليه السلام) في بعض روايات العصير العنبي: «هو خمر لا تشربه» (1) فان مجي‌ء الحكم بقوله (عليه السلام): «لا تشربه» بالتنزيل بقوله: «هو خمر» يمنع عن استفادة الإطلاق من التنزيل المزبور، فإنّه يصلح لكونه قرينة على اختصاص التنزيل بهذا الأثر، و لا أقل من الاحتمال، و هذا بخلاف ما إذا جاء التنزيل بلسان التعليل، أو تطبيق الكبرى على الصغرى في الرتبة المتقدمة على الحكم، فإنّه يفيد العموم بلا ريب، و عليه فلا مناص من استفادة عموم التنزيل من الصحيحتين المتقدمتين.

و الذي يوضح ذلك ان العناوين المتضايفة كما هي متلازمة في مرحلة الثبوت و الواقع متلازمة في مرحلة التنزيل، فكما ان كون زيد أبا لعمرو لا ينفك في الواقع عن كون عمرو ابنا له، فكذا في مرحلة التنزيل لا ينفك تنزيل زيد منزلة الأب لعمرو عن تنزيل عمرو منزلة الابن له، و هكذا تنزيل شخص منزلة ابن الأخ، أو ابن الابن لشخص آخر لا ينفك عن تنزيل الآخر منزلة العم و الجد، و هكذا، الا ان ذلك لا يقتضي المصير الى عموم المنزلة بالمعنى المصطلح عليه، و هو شمول التنزيل للعناوين الملازمة، فإن مقتضاه مع غض النّظر عما سيأتي في الصفحة 44 ليس إلا التعدي في الحكم بالحرمة الى كل عنوان أصلي مترتب على كون أولاد المرضعة أو‌

____________

(1) الوسائل: ج 17 ص 234 الباب 7 من الأشربة المحرمة ح 4، ط المكتبة الإسلاميّة عن التهذيب ج 9 ص 122 و اللفظ هكذا (فقال: خمر لا تشربه).

42

صاحب اللبن أولادا لأبي المرتضع فيكون المستفاد منها عموم التنزيل في المورد الخاص، فيحرم على أخي أبي المرتضع ان يتزوج بأولاد المرضعة أو صاحب اللبن، لأنّه عمهن و يحرم عليهم ان يتزوجوا بأخت أبي المرتضع، لأنّها عمتهم، كما يحرم ان يتزوجوا بأم ابي المرتضع، لأنّها جدتهم، و يحرم على أبي أبي المرتضع ان يتزوج بهن لانّه جدهن، كما ان مقتضى ذلك حرمة تزويج أولاد المرضعة أو صاحب اللبن بأولاد أبي المرتضع، لا من جهة أنّهم إخوة أخيهم، فإن هذا العنوان- كما تقدم- لا يقتضي التحريم في النسب فضلا عن الرضاع، بل لصيرورتهم اخوة لهم بالتنزيل المزبور، فإن حقيقة الإخوة ليست الا الاشتراك في الأب أو في الأم أو في كليهما إلا في الأخوين الرضاعيين، فان الشّارع اعتبر هناك في الإخوة الاشتراك في الفحل، و لم يكتف بالاشتراك بالأم، و بالتنزيل المزبور يصبح الأب الحقيقي لأولاد أبي المرتضع أبا تنزيليا لأولاد المرضعة أو صاحب اللبن، فيشتركون في أب واحد، فتتحقق الاخوة بينهم، كما ذهب اليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالته الرضاعيّة و ان كان الأشهر خلاف ذلك.

و ما أورده عليه بعض الأساطين- من اختلاف الاخوة و الاشتراك في الأب مفهوما، و ان كلا منهما ليس عين الآخر، و ان عنوان أولاد الأب عنوان ملازم للاخوة لا عينه- لا يساعد عليه الفهم العرفي.

ثم ان مقتضى عموم التنزيل في الصحيحتين المتقدمتين ص 39 حرمة زوجة أبي المرتضع- سواء أ كانت اما للمرتضع أم لا- على أولاد صاحب اللبن أو المرضعة، لأنّها حليلة أبيهم التنزيلي، فتشملها الآية المتضمنة لحرمة‌

43

نساء الآباء على أولادهم (1).

ما أفاده الشيخ الأنصاري و المناقشة فيه: و أما ما افاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام- من ان مقتضى التنزيل المزبور صيرورة أم المرتضع بمنزلة الأم لأولاد صاحب اللبن أو المرضعة- فهو أمر غريب، إذ لا ملازمة أصلا بين تنزيل ابي المرتضع منزلة الأب لهم و تنزيل امه منزلة الام. نعم تحرم عليهم بما أنّها حليلة أبيهم كما تقدم.

و تظهر الثمرة في أم أم المرتضع، فإنّها على قول الشيخ تحرم عليهم، لأنّها جدتهم، و على ما قلناه لا تحرم، لعدم حرمة أم حليلة الأب ما لم تكن جدة.

أدلة أخرى لعموم المنزلة

و قد يستدل لعموم المنزلة ببعض الروايات الأخر كرواية مالك بن عطية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يتزوج المرأة فتلد منه، ثم ترضع من لبنه جارية، يصلح لولده من غيرها ان يتزوج تلك الجارية الّتي أرضعتها؟ قال:

لا هي بمنزلة الأخت من الرضاعة، لأن اللبن لفحل واحد» (2).

و صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال:

(قلت له: أرضعت أمي جارية بلبني، قال: هي أختك من الرضاعة، قلت:

فتحل لأخ لي من أمي لم ترضعها أمي بلبنه، يعني ليس بهذا البطن و لكن ببطن آخر، قال: و الفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لأبي و أمي. قال:

____________

(1) الآية: 22 من سورة النساء.

(2) الوسائل: ج 20 ص 393 الباب 6، من ما يحرم بالرضاع ح 13، ط المؤسسة.

44

اللبن للفحل، صار أبوك أباها و أمك أمها» (1). و غيرهما من الروايات.

المناقشة فيها و لا يخفى ان الاستدلال لذلك بهذه الطائفة من الروايات في غير محله، إذ لا ريب في تحقق مثل عنوان الأخوة و الأبوة و الأمومة بالرضاع، لأنّها من العناوين السبعة، فإنّ الرضاع إذا تحقق بشروطه المعتبرة أصبح الفحل و المرضعة أبوين للمرتضع، و أصولهما أجدادا و جدات له، و من في حاشيتهما عمومة و خؤولة و أولاد عمومة و خؤولة، و فروعهما اخوة و أولاد اخوة، و كان فروع المرتضع أولادا لهما، و الكلام في المقام انّما هو في تحقق العناوين الملازمة بالرضاع و هذه الروايات أجنبية عن ذلك.

هذا تمام الكلام في الجهة الرّابعة. و قد ظهر مما حققناه فيها ان عموم المنزلة بالمعنى الذي ذهب اليه بعض كالمحقق الداماد (قدّس سرّه) لا دليل عليه. و لكن عموم التنزيل في تنزيل أولاد المرضعة و أولاد صاحب اللبن منزلة أولاد أبي المرتضع- كما دلت عليه الروايتان الصحيحتان المتقدمتان (2)- مما لا محيص عن الالتزام به في مقام الإثبات في نفسه.

و لكن هنا أمر آخر يمنعنا عن الالتزام به و مخالفة المشهور، و هو ان هذه المسألة مما يعم الابتلاء بها و كان الابتلاء بها يقع كثيرا في زمان الأئمة (سلام اللّه عليهم) و من بعدهم، فلو كانت الحرمة ثابتة لأولاد أبي المرتضع و لمن في حاشيته لكان ذلك من الواضحات، و لظهر و بان، فكيف و لم‌

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 395 الباب 8، من ما يحرم بالرضاع ح 3، ط المؤسسة.

(2) تقدمتا في الصفحة 39.

45

ينسب القول به الى أحد من أصحابنا القدماء غير ابن حمزة، و من المتأخرين غير صاحب الكفاية (السبزواري) و اختاره المحقق الشّيخ الأنصاري، و اما الشّيخ الطوسي فقد قال به في كتابي النهاية و الخلاف و عدل عنه في كتاب المبسوط الذي هو آخر كتبه، كما صرح بذلك ابن إدريس في سرائره، و السيّد الطباطبائي في رجاله، بل الشّيخ نفسه حيث أحال في مواضع من مبسوطه على سائر كتبه و منها النهاية و الخلاف، و اما العلامة فقد توقف في الحكم، و هذا يكشف كشفا قطعيا عن اختصاص التحريم بابي المرتضع و عدم عمومه لمن هو في حواشيه أو فروعه. أضف الى ذلك انّه لا توجد رواية واحدة- و ان كانت ضعيفة- تدل على عدم جواز تزويج من في حاشية ابي المرتضع و فروعه بأولاد صاحب اللبن أو المرضعة، بل الظّاهر من موثقة إسحاق بن عمار جواز ذلك على كراهة فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل تزوج أخت أخيه من الرضاعة؟ قال: ما أحب ان أتزوج أخت أخي من الرضاعة» (1) فان السائل سأل عن حكم تزوج رجل أخت أخيه من الرضاعة و الامام (عليه السلام) لم يردعه عن ذلك، و انّما أجاب بأنّه لا يحب ذلك لنفسه. و هذا يدل بوضوح على الكراهة و عدم الحرمة.

و كيف كان: فمما ذكرناه يتضح ان علقة الرضاع كما تحدث أبوه رضاعيّة لصاحب اللبن بالإضافة إلى المرتضع، فيكون صاحب اللبن أبا له مضافا الى أبيه النسبي، كذلك تحدث أبوه تنزيلية لأبي المرتضع بالإضافة الى‌

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 368 الباب 6، من أبواب ما يحرم من النسب ح 2.

ط المؤسسة.

46

أولاد المرضعة، و كذا بالإضافة إلى أولاد صاحب اللبن، فعلقة الرضاع تحدث ابوتين.

فأركان الرضاع بعد ما كانت في نفسها ثلاثة: المرتضع، و المرضعة، و صاحب اللبن كما في النسب، صارت بضميمة التنزيل المزبور أربعة:

الثّلاثة المتقدمة و أبو المرتضع حيث صار بالرضاع أبا لأولاد صاحب اللبن و لأولاد المرضعة.

الأركان الأربعة للرضاع

1- المرتضع.

2- المرضعة.

3- صاحب اللبن (زوج المرضعة).

4- أبو المرتضع.

فاذا تحقق الرضاع بشروطه المعتبرة تحققت العلقة بين المرتضع و من يتفرع منه و بين كل من المرضعة و صاحب اللبن، بفروعهما و أصولهما، و من في حاشيتهما نسبا أو رضاعا، أو في حاشية أصولهما على تفصيل يأتي بيانه ان شاء اللّه، و تحققت أيضا بين ابي المرتضع و بين أولاد المرضعة و أولاد صاحب اللبن.

و يقع الكلام في حكم كل واحد من الأركان الأربعة بالإضافة الى من عداه ممن تحققت العلقة بالرضاع بينه و بينه منها، و من الأصول و الفروع‌

47

و الحواشي، في فصل مستقل، كما يقع الكلام في حكم الأصول و الفروع و الحواشي من كل واحد بالإضافة إلى الأصول و الفروع و الحواشي من الآخرين في فصل خاص، فتكون الفصول خمسة‌

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الفصل الأوّل- في حكم المرتضع

الفصل الأوّل:- في حكم المرتضع بالإضافة إلى غيره، و يتم بيانه في ضمن مسائل:

1- حرمة المرضعة على المرتضع:

المسألة الأولى- تحرم المرضعة على المرتضع، لأنّها بالإرضاع تكون أما له و قد دل على ذلك الكتاب (1) و السنة (2) كما تقدم.

2- حرمة أصول المرضعة على المرتضع:

المسألة الثّانية- تحرم أصول المرضعة على المرتضع، لأنّهم يكونون أجدادا و جدات له، فلا يجوز ان يتزوج أبو المرضعة فصاعدا بالمرتضعة، كما لا يجوز ان يتزوج المرتضع بأم المرضعة فصاعدا، و كذا الحكم في حواشي أصول المرضعة كأخي ابي المرضعة و أخته، و أخي أم المرضعة و أختها، لأنّهم يكونون أعماما و عمات و أخوالا و خالات، و لا فرق في حرمة أصول المرضعة على المرتضع بين النسبيين و الرضاعيين، كما سيظهر ان شاء اللّه في المسألة الثّالثة.

____________

(1) الآية 23 من سورة النساء الناطقة بحرمة الام من الرضاعة.

(2) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1، مما يحرم بالرضاع (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ح 1، ط المؤسسة.

50

3- حرمة حواشي المرضعة على المرتضع:

المسألة الثّالثة- تحرم حواشي المرضعة على المرتضع، فلا يجوز ان يتزوج المرتضع بأخت المرضعة، لأنّها خالته من الرضاعة، كما لا يجوز ان يتزوج أخو المرضعة بالمرتضعة، لأنّها بنت أخته من الرضاعة.

و ما ذكرناه من الحكم في هذه المسألة و المسألة السّابقة لا اشكال فيه و لا خلاف إذا كانت علقة الأصول و الحواشي بالمرضعة علقة نسبية.

و أما إذا كانت علقتهم بها رضاعية فالمشهور هو الحكم بالحرمة أيضا، إلا أن العلامة في القواعد و المحقق الثّاني في جامع المقاصد خالفا في ذلك، و حكما بعدم الحرمة، و استندا في ذلك الى اعتبار اتحاد الفحل في نشر الرضاع الحرمة مطلقا، و حيث ان وحدة الفحل غير متحققة في هذه الموارد- لأن العلقة بين المرتضع و أصول المرضعة أو حواشيهم أو حواشيها الرضاعيين قائمة برضاعين، و صاحب اللبن في كل من الرضاعين غير صاحب اللبن في الآخر بالطبع- فلا حرمة في البين.

و يرد على ذلك: ان اعتبار وحدة الفحل بمقتضى ما يفهم من أدلة اعتبارها (1) انّما هو في تحقق الاخوة الرضاعيّة بين شخصين، فاذا ارتضع شخصان الرضاع المحرم من امرأة واحدة مثلا، و كان اللبن في رضاع كليهما لشخص واحد، تحققت الاخوة بينهما، كما تتحقق الحرمة بين كل منهما و كل من الفحل و المرضعة، و إذا كان اللبن في رضاع أحدهما لشخص و في رضاع الآخر لشخص آخر، لم تتحقق الاخوة بينهما، و ان حرم كل منهما على كل من الفحل و المرضعة، ففي المقام يعتبر أن يكون رضاع المرتضعة‌

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 388 الباب 6 مما يحرم بالرضاع، ط المؤسسة.

51

و رضاع أخيها أو أختها الرضاعيين من لبن شخص واحد، فاذا تحقق ذلك تحققت الاخوة بينهما، فتحرم على أخيها الرضاعي بنتها الرضاعيّة، كما تحرم عليه بنتها النسبية، و كذا يحرم على أختها الرضاعيّة ابنها الرضاعي، كما يحرم عليها ابنها النسبي، فتقييد إطلاق أدلة الرضاع بوحدة الفحل انّما هو في مورد خاص و الإطلاق في سائر الموارد باق بحاله.

مضافا الى دلالة صحيحة الحلبي على ذلك، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحل له أن يتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال ان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل، و ان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك» (1).

و كذا موثقة عمار الساباطي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلام رضع من امرأة، أ يحل له ان يتزوج أختها لأبيها من الرضاع؟ فقال لا، فقد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: فيتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ قال: فقال: لا بأس بذلك، ان أختها الّتي لم ترضعه كان فحلها غير فحل الّتي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان فلا بأس (2).

4- حرمة فروع المرضعة على المرتضع:

المسألة الرّابعة- تحرم على المرتضع فروع المرضعة نسبا و ان نزلوا، سواء أ كان أبوهم فحلا للمرتضع أم لا، لتحقق الاخوة من قبل الام بينه و بينهم بالرضاع.

____________

(1) الوسائل: ج 20 ص 389 الباب 6، مما يحرم بالرضاع ح 3، ط المؤسسة.

(2) الوسائل: ج 20 ص 388 الباب 6، مما يحرم بالرضاع ح 2، ط المؤسسة.

52

و لا يشترط اتحاد الفحل هنا، بلا خلاف ظاهرا، لإطلاق الآية المباركة المتضمنة لحرمة الأخوات من الرضاعة (1).

و قوله (عليه السلام): (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (2).

مضافا الى موثقة جميل بأحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شي‌ء من ولدها، و ان كان من غير الرجل الذي كانت أرضعته بلبنه» (3) و هي صريحة الدلالة على ذلك.

و لكن تعارضها صحيحة صفوان بن يحيى، عن ابي الحسن (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: أرضعت أمي جارية بلبني، فقال: هي أختك من الرضاعة قلت: فتحل لأخ لي من أمي لم ترضعها أمي بلبنه، يعني: ليس بهذا البطن و لكن ببطن آخر؟ قال: و الفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لأبي و أمي. قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها و أمك أمها» (4) فإنّها بمقتضى الاستفصال بقوله (عليه السلام): «و الفحل واحد» تدل على اعتبار وحدة الفحل في المقام، حيث ان ظاهرها ان الأخ أخ نسبي بمقتضى اضافة اللبن اليه.

و لكنها بمقتضى أعراض المشهور عنها ساقطة عن الحجيّة على ما هو المعروف بينهم من سقوط الحجية بالاعراض. و اما بناءا على ما اخترنا- من‌

____________

(1) الآية: 23 سورة النساء.

(2) الوسائل: ج 20 ص 371 الباب 1 مما يحرم بالرضاع ح 1، ط المؤسسة.

(3) الوسائل: ج 20 ص 403، الباب 15، مما يحرم بالرضاع ح: 3، ط المؤسسة.

(4) الوسائل: ج 20 ص 395 الباب 8 مما يحرم بالرضاع ح 3، ط المؤسسة.