التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج3

- حسن المصطفوي المزيد...
365 /
2

الجزء الثالث

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

رب يَسِّر و لا تُعسِّر سَهِّل علينا يا رَبَّ العٰلَمين.

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ.

و صَلواتُه و سَلامُهُ على خَير خَلقه خاتَم النبيّين أبى القاسم محمّدٍ و آله الطاهِرينَ المعصومين.

و بعد: فنبدأ بحول اللّه و قوّته و توفيقه بالجزء الثالث من كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم] و أوّله حرف الخاء.

و أستعين اللّه عزّ و جلّ و أستمدّه في هذا الأمر انّه خير موفّق و خير معين، وَ مَا النَّصْرُ إِلّٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

3

[باب الخاء]

خبأ:

مصبا- خبأت الشي‌ء خبأ مهموز من باب نفع:

سترته، و عنه الخابية، و ترك الهمزة تخفيفا الكثرة الاستعمال و ربّما همزت على الأصل، و خبأته: حفظته، و التشديد تكثير و مبالغة، و الخبأ: اسم لما خبئ، و الخبا: ما يعمل من و برأ و صوف و قد يكون من شعر و الجمع أخبية مثل كساء و أكسية، و خبت النار خبوا من باب قعد:

خمد لهبها، و يعدّى بالهمزة.

مقا- خبأ: يدلّ على ستر الشي‌ء، فمن ذلك خبأت الشي‌ء أخبؤه خبأ. و الخبأة: الجارية تخبأ، و من الباب الخباء، تقول أخبيت إخباء و خبّيت و تخبّيت، كلّ ذلك إذا اتخذت خباء.

أسا- له خبيئة خبأها ليوم حاجته، و له خبايا، و لفلان مخابئ و مخازن، و أخرج خبأ السماء خبأ الأرض أى المطر النبات، و خبّأت الجارية، و جارية مخبّأة، و نساء مخبّآت و مخبآت، و امرأة خبأة: تخنس بعد الإطلاع، و اختبأت من فلان استترت منه، و اختبأت له: إذا عميت له شيئا ثمّ سألته عنه. و خابأتك: حاجيتك و له خابية من خلّ و خواب.

[و الظاهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الاستتار الشديد- بحيث لا يدركه الحواسّ الظاهرة، و بهذا القيد تتميّز و تفترق عن مادّة اتستر و الخفي و الخدر، فانّ الستر مطلق الاستتار، و الخفاء في مقابل الظهور،

4

و الخدر يؤخذ فيه مفهوم المحدوديّة المانعة عن التظاهر و التحرّك.

. أَلّٰا يَسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‌ءَ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مٰا تُخْفُونَ وَ مٰا تُعْلِنُونَ- 27/ 25- أى ما كان مستورا و مخفيّا عنكم و أنتم لا تدركونه بحواسّكم من تكون المعادن و النبات و الحيوان و الإنسان و ظهور قواها الى الفعليّة و خروج المواليد و بروز المراتب من الاستعدادات و فيضان الفعليّات من العلويّات و فيها، فيشمل قاطبة التكوين و الخلق و الإبداع و الإنشاء و الإفاضات في العوالم المادة و الروحانية.

و أشار تعالى الى توضيح هذا المعنى بعد ذاكر جريان قوم ثمود و لوط بقوله:-. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ حَدٰائِقَ ذٰاتَ بَهْجَةٍ .... أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرٰاراً وَ جَعَلَ خِلٰالَهٰا أَنْهٰاراً وَ جَعَلَ لَهٰا رَوٰاسِيَ ...

. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ .... أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ بُشْراً .... أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ ... الآية- 65.

فظهر لطف التعبير بكلمة الخبأ دون الخفي و الخدر و غيرها.

و ظهر أيضا انّ اطلاق هذه المادّة على معنى الحفظ و الخمود و الخباء باعتبار كون الخباء حافظا و ساترا، و خمود النار يقرب من كونها مستورة و قريبة من الخفاء، كما انّ المحفوظيّة كذلك. راجع- خبى.

و اطلاق الخباء مصدرا على المخبو مبالغة كالعدل على العادل، ففي الخبأ مبالغة زائدة من الخبيئة.

و امّا عمومية الخبأ و شموله على جميع مراتب الوجود الامكانى من الجواهر و الأعراض‌

5

إذا كانت في السر و الخفاء و الكمون ثمّ أخرجت و ظهرت و تحقّقت: فلا يقتضى المقام بسط المقال فيها.

خبت:

مصبا- أخبت الرجل إخباتا: خضع للّه و خشع قلبه، قال تعالى:. وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.

مقا- خبت: أصل واحد يدلّ على خشوع، يقال أخبت يخبت اخباتا إذا خشع. و أخبت للّه تعالى، قال عزّ ذكره: وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. و أصله من الخبت و هو المفازة لا نبات بها.

صحا- الخبت: المطمئنّ من الأرض فيه رمل. و الإخبات الخشوع للّه. و فيه خبتة أى تواضع. و الخبت أيضا ماء لكلب.

مفر- الخبت: المطمئنّ من الأرض، و أخبت الرجل: قصد الخبت أو نزله نحو أسهل و أنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللين و التواضع قال اللّه تعالى:. وَ أَخْبَتُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ. و قال تعالى:. وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أى- المتواضعين، نحو لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ*. و قوله تعالى فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أى تلين و تخشع، و الإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى. وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ.

أسا- نزلوا في خبت من الأرض و خبوت و هي البطون الواسعة المطمئنّة. و أخبت القوم: صاروا في الخبت مثل أصحروا. و من المجاز أَخْبَتُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ: اطمأنّوا اليه، و هو يصلّى بخشوع و إخبات و خضوع و انصات، و قلبه مخبت.

الفروق- الفرق بين الخضوع و الإخبات: أن المخبت هو المطمئنّ‌

6

بالايمان، و قيل هو المجتهد بالعبادة، و قيل الملازم للطاعة و السكون و هو من أسماء المدح مثل المؤمن و المتّقى، و ليس كذلك الخضوع لأنّه يكون مدحا و ذمّا. و أصل الإخبات أن يصير الى خبت و هو الأرض المستوية الواسعة، كما تقول أنجد إذا صار الى نجد، فالاخبات على ما يوجبه الاشتقاق هو الخضوع المستمرّ على استواء.

التهذيب 7/ 310- قال الليث: الخبت عربيّة محضة، و جمعه خبوت و هو ما اتّسع من بطون الأرض. و قال ابن الأعرابى: الخبت ما اطمئن من الأرض و اتّسع. و قال العدوىّ: الخبت الخفي المطمئنّ، و خبتت ذكره إذا خفى، و منه المخبت من الناس، أخبت الى ربّه: اطمأنّ اليه.

و التحقيق

انّ الخبت هو المتّع المطمئنّ من الأرض و لها انخفاض و انحطاط، و بهذا اللحاظ قال بعضهم: هو الوادي العميق الوطي كما في التهذيب، مضافا الى أنّ المتّع المطمئنّ يلازمه الانخفاض، و أيضا انّ الانخفاض يستفاد من كلمات قريبة من مادّة الخبت، كالخبط و الخفض و الخرّ و الخضع و الخشوع و الخسأ و الخفت و الخفي.

و امّا الإخبات: فهو كالإصحار و الإنجاد، اى نسبة المفهوم الى الفاعل و يلاحظ فيه هذه الحيثيّة، فيكون معناه نسبة الخبت و قيامه بالفاعل و تلبّسه به، و هذا معنى الورود و الدخول و النزول فيه.

فالإخبات هو النزول الى محيط متّسع مطمئنّ حتّى يستقرّ فيه و يطمئنّ و يخلّص عن الاضطراب و الانحراف و الاختلاف و التردّد، و يلازم هذا المعنى حقيقة الايمان و التسليم و الطمأنينة كما في الآيات:

7

فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ- 22/ 54-. فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ- 22/ 34-. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ 11/ 23 فنزلوا الى محيط الخضوع و الطمأنينة، و حصل لهم الطمأنينة و الخضوع للّه و الى اللّه، و هذا نتيجة الايمان و العمل الصالح.

خبث:

مصبا- خبث الشي‌ء خبثا من باب قرب خلاف طاب، و الاسم الخباثة، فهو خبيث، و الأنثى خبيثة، و يطلق الخبيث على الحرام كالزنا و على الردي‌ء المستكره طعمه أو ريحه كالثوم و البصل و منه الخبائث و هي الّتى كانت العرب تستخبثها مثل الحيّة و العقرب، قال تعالى:. وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ- أى لا تخرجوا الردي‌ء في الصدقة عن الجيّد، و الأخبثان البول و الغائط، و شي‌ء خبيث اى نجس، و جمع الخبيث خبث و خبثاء و خبثة مثل ضعيف و ضعفة، و لا يكاد يوجد لهما ثالث، و جمع الخبيثة خبائث، و خبث الرجل بالمرأة يخبث من باب قتل: زنى بها، فهو خبيث و هي خبيثة، و أخبث: صار أخبث و شرّ- مقا- خبث: أصل واحد يدلّ على خلاف الطيب، يقال خبيث أى ليس بطيّب. و أخبث إذا كان أصحابه خبثاء، و من ذلك التعوّذ من الخبيث المخبث، فالخبيث في نفسه و المخبث الّذى أصحابه و أعوانه خبثاء.

مفر- المخبث و الخبيث: ما يكره رداءة و خساسة، محسوسا أو معقولا: و أصله الردي‌ء الدخلة الجاري مجرى خبث الحديد، و ذلك يتناول الباطل في الاعتقاد و الكذب في المقال و القبيح في الفعال.

8

[فظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو ما يخالف الطيب، و قد استعملت في كلام اللّه المتعال أيضا في مقابل الطيب- حَتّٰى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، ...

قُلْ لٰا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ، ... وَ لٰا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.

ثمّ انّ الخبث على أنواع: أمّا في الكلام- و مثل كلمة خبيثة. أو في الأحكام و الآراء- وَ لٰا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ. أو في الموضوعات- الْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ، ... كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ. أو في معنى كلّى أعمّ- قُلْ لٰا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ. أو في الأعمال و الأفعال- كٰانَتْ تَعْمَلُ الْخَبٰائِثَ. أو من جهة المراتب و المقامات- حَتّٰى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.

فالمعاني المذكورة كلّها من مصاديق الأصل، كالزنا في الأفعال، و البول و الغائط في الموضوعات، و البصل و الثوم في الروايح.

و المقابلة بالطيب في الآيات المزبورة: كاقامة البرهان في اثبات موضوع الخبث في الموارد، و كتعليق الحكم بالوصف المشعر بالعليّة.

. وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ- 5/ 100- فانّ الطيب يحتاج الى قيود زائدة و امتيازات حاصلة حتّى يتحقّق عنوان الطيب، كما في الجهل و العلم و في كلّ صفة حميدة روحانيّة، فانّ تحقّقها يحتاج الى امتياز و قيد إضافي زائد، بخلاف كلّ مقام أو مرتبة أو صفة لا تحتاج الى قيد.

فظهر انّ التمييز في الواقع- [. مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلىٰ مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ- 3/ 179- و. لِيَمِيزَ اللّٰهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 8/ 37- بالنسبة الى الطيّب فانّه يحتاج الآيتين الى التثبيت و تحقيق قيده و صفته الزائدة، و لكنّ الاكثريّة و الأصالة في الموردين للطيّبين المؤمنين، بل انّ جميعهم كانوا‌

9

متظاهرين للايمان، فناسب أن ينسب التمييز الى الخبيث و يميز من بين الطيّبين، أى يفصل الخبيث من المؤمنين حقّا.

و كذلك تقديم الخبيث في سائر المولود: فانه باقتضاء المقام و المورد.

خبر:

مصبا- خبرت الشي‌ء أخبره من باب قتل خبرا علمته، فأنا خبير به، و اسم ما ينقل و يتحدّث به: خبر، و الجمع أخبار و أخبرنى فلان بالشي‌ء فخبرته، و خبرت الأرض: شققتها للزراعة و أنا خبير، و منه المخابرة و هي المزارعة على بعض ما يخرج من الأرض و اختبرته بمعنى امتحنته، و الخبرة اسم منه.

مقا- خبر: أصلان، فالأوّل العلم، و الثاني يدلّ على لين و رخاوة و غزر. فالأوّل- الخبر العلم بالشي‌ء، تقول لي بفلان خبرة و خبر، و اللّه تعالى خبير أى عالم بكلّ شي‌ء. و الثاني- الخبراء و هي الأرض اللينة، و الخبير الأكّار و هو من هذا، لأنّه يصلح الأرض و يدمثها و يليّنها، و على هذا يجرى هذا الباب كلّه، و أمّا المخابرة التي نهى عنها فهي المزارعة بالنصف لها أو الثلث أو الأقلّ أو الأكثر، و يقال له الخبر أيضا و قال قوم: المخابرة مشتقّ من اسم خيبر. و من الّذى ذكرناه من الغزر قولهم للناقة الغزيرة خبر، و كذلك المرادة العظيمة خبر، و الجمع خبور و من الّذى ذكرناه من اللين: تسميتهم الزبد خبيرا، و الخبير النبات الليّن، و‌

في الحديث

- و نستخلب الخبير.

و الخبير: الوبر، و مكان خبير: إذا كان دفيئا كثير الشجر و الماء، و قد خبرت الأرض، و هو قياس الباب. و ممّا شذ الخبرة و هي الشاة يشتريها القوم يذبحونها و-

10

و يقدّسون لحمها.

صحا- الخبر: المزادة العظيمة، و الجمع خبور، و يشبه بها الناقة في غزرها فتسمّى خبرا، و الخبر واحد الأخبار، و أخبرته بكذا و خبّرته بمعنى و الاستخبار السؤال عن الخبر، و كذلك التخبر، و المخبر خلاف المنظر و كذلك المخبرة، و المخبرة أيضا و هو نقيض المرأة، و الخبراء: القاع ينبت السدر، و الجمع خبارى و خبارى و الخبراوات، يقال خبر الموضع فهو خبر و أرض خبرة و خبراء، و الخبار: الأرض الرخوة ذات الحجرة، و يقال أيضا: من أين خبرت هذا الأمر أى من أين علمت، و الاسم الخبر و هو العلم بالشي‌ء، و الخبير: العالم و الخبير: الأكّار، و منه المخابرة و هي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض و هو الخبر أيضا، و الخبير: النبات و‌

في الحديث

: نستخلب الخبير

اى نقطع النبات و نأكله. و الخبير: الوبر و قولهم لأخبرنّ خبرك أى لأعلمنّ علمك.

الفروق ص 74- الفرق بين العلم و الخبر: انّ الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها، ففيه معنى زائد على العلم، من قولك خبرت الشي‌ء إذا عرفت حقيقة خبره، و أنا خابر و خبير.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاطّلاع النافذ و العلم بالتحقيق و الاحاطة و الدقّة. و من هذا المعنى التخبّر و الاستخبار و الخبر و الخبير و الخبرة و مشتقاتها.

و أمّا الخبر بفتحتين اسما: فانّه وسيلة الاطّلاع و الوصول الى التخبّر و العلم.

و أمّا مفهوم الزراعة: فانّ الزارع يتخبّر دائما محيط أرضه المزروعة و-

11

و يتفحّص عن الآفات الداخليّة و الخارجيّة العارضة و يجعلها تحت نظره و دقّته.

فهو الخابر و المتخبّر في هذه القسمة و يديم تحقيقه فيها.

فهذه الحيثية منظورة في مفهوم هذه الكلمة اى الزارع من حيث انّه على هذه الصفة. و كذلك مفهوم الخبراء و هي الأرض اللينة، يراد منها الأرض الّتى جعلت تحت النظر و التحقيق و التليين، لا مطلق الأرض اللينة، و بهذا يندفع اختلاف المعاني الّتى ذكرت لهذه الكلمة.

و أمّا الخبر بمعنى الناقة: اى الناقة الغريرة الكاملة القويّة، و هي تكون ذات تجربة و فهم و معرفة بوظائفها و كيفية سلوكها و سيرها متحملّة صابرة فكأنّ كلمة الخبر مصدر اطلق عليها كالعدل بمعنى العادل، مبالغة.

و أمّا المزادة العظيمة بمعنى الرواية: فالظاهر أنّ من مصاديق الناقة الغزيرة الناقة الرواية الكاملة، و من هذه الحيثيّة قد اشتبه على بعض فجعلوا الرواية من معاني الخبر مستقلا، كما أنّ كلمة الراوية تطلق أوّلا على البعير الراوية، ثمّ بمناسبته على مطلق الراوية.

. وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلىٰ مٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً- 18/ 68- اى علماء و معفرة دقيقة. سَآتِيكُمْ مِنْهٰا بِخَبَرٍ- 27/ 7- اى ما فيه علم و اختبار عن حقيقة الحال وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ*، ... إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ، ... إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمٰا تَفْعَلُونَ، ... إِنَّهُ بِعِبٰادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ، ... إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ- فهو تعالى عالم بحقائق أفعالهم و أعمالهم و صنائعهم و بواطن ما في أنفسهم في الدنيا و الاخرة لا يخفى عليه شي‌ء من مكنونات قلوبهم و دقائق أعمالهم.

فظهر لطف التعبير بالخبير دون العليم و العارف و غيرهما.

12

وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ*، ... وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ*، ... إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ*- و قد ذكر اسم الخبير في كلام اللّه العزيز مقارنا بهذه الأسماء الثلث، و لا يخفى ما في التناسب بينه و بينها، فان الحكمة و اللطف و العلم يجمعها الخبر، فالحكمة هي التدبير و التحقيق، و اللطف هو النفوذ.

. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا- 99/ 4- أى ما فيها علوم تحقيقيّة و اختبارات دقيقة و اطّلاعات نافذة واقعيّة.

فظهر الفرق بين الخبر و النبأ و الرواية و الحديث، و ظهر لطف التعبير بالخبر في موارد استعماله و ذكره في كلامه العزيز. و قال تعالى-. إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا- و لم يأت بكلمة الخبر، ليناسب الفاسق فانّه يروى الرواية من دون تحقيق و تدقيق.

خبز:

مقا- خبر: أصل واحد يدلّ على خبط الشي‌ء باليد. تخبّزت الإبل السعدان: إذا خبطته بأيديها، و من ذلك خبز الخبّاز الخبز. و يقال: الخبز ضرب البعير بيديه الأرض.

صحا- الخبز: الّذى يؤكل، و الخبز: المصدر، و قد خبزت الخبز و اختبزته، و يقال أيضا خبزت القوم إذا أطعمتهم الخبز، و رجل خابز أى ذو خبز مثل تامر و لابن. عن ابن السِكيت: الخبز السوق الشديد. و الخبز: ضرب البعير بيده الأرض و هو على التشبيه. و الخبزة: الطلمة و هي عجين يوضع في الملّة حتّى ينضج.

التهذيب 7/ 215- خبز: قال الليث- الخبز: الضرب باليد و الخبز السوق الشديد. أبو عبيدة: الخبزة هي الطلمة الّتى تدفن في الملّة‌

13

و الملّة: الرماد و التراب الّذى أوقد عليه النار. و الخبز مصدر خبزت و الخبازة صنعة الخبّاز، و الخبيز: الخبز المخبوز، و خبزت القوم أخبزهم إذا أطعمتهم الخبز. و الخبّاز: بقلة معروفة و يقال لها الخبّازى.

[و الّذى تحصّل من مراجعة كلماتهم: أنّ الخبز اسم لما ينضج و يطبخ من الحنطة أو الشعير أو سائر الحبوب في الملّة أو بأىّ وسيلة.

ثمّ انّ الاشتقاق منه انتزاعىّ، فيقال خبز يخبز خبزا و هو خبّاز.

و أمّا مفهوم الخبط أو ضرب البعير بيديه: فمأخوذ من مفهوم الخبز. فانّ الخبز يلازمه عجن الدقيق و غمزه و ضربه باليد أو بالرجل حتى يخمر كاملا.

و أمّا السوق الشديد: فلم يثبت في الفصيح.

. أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً- 12/ 36- و تأويل هذه الرؤيا ما قال يوسف-. وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ- فانّ حمل الخبز فوق الرأس عبارة عن حمل الغمز و الضرب و الشدّة و النضج فوق الرأس، و الحمل العادي هو الحمل على الظهر، و أيضا انّ المطلوب من الخبز ان يؤكل او يطعم، و الحمل على الرأس خارج عن العرف، و أكل الطير منه أيضا يدلّ على حالة غير متعارفة فيدلّ على عروض حالة غير منتظرة تستطعم الطير منها.

أو يدلّ على حدوث حالة يكون ما فوق رأسه غذاء للطير.

خبط:

مصبا- خبطت الورق من الشجر خبطا من باب ضرب: أسقطته، فإذا اسقط فهو خبط، فعل بمعنى مفعول مسموع كثيرا، و تخبّطه الشيطان: أفسده، و حقيقة الخبط: الضرب، و خبط البعير الأرض: ضربها بيده.

14

مقا- خبط: أصل واحد يدلّ على وطأ و ضرب، يقال خبط البعير الأرض بيده: ضربها. و يقال خبط الورق من الشجر، و ذلك إذا ضربها ليسقط. و قد يحمل على ذلك فيقال لداء يشبه الجنون الخباط، كأنّ الإنسان يتخبّط. قال تعالى-. كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ. و يقال لما بقي من طعام أو غيره: خبطة. و الخبطة: الماء القليل، لأنه يتخبط فلا يمتنع. و يقال انّ الخبطة المطرة الواسعة في الأرض، لأنّها تخبط الأرض تضربها. و‌

روى

انّ الخابط النائم

، فانّه يخبط الأرض بجسمه. و يجوز أن يكون الشجاع الخابط- انّما سمّى به لأنّه يخبط، تخبطه المارّة.

صحا- خبط البعير الأرض بيده خبطا: ضربها، و منه قيل خبط غشواء و هي الناقة الّتى في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقّى شيئا، و خبط الرجل إذا طرح نفسه الرجل حيث كان لينام. و خبط الشجر إذا ضربها بالعصا ليسقط ورقها، و اختبطنى فلان إذا جاء يطلب معروفك من غير آصرة. و خبطت الرجل إذا أنعمت عليه من غير معرفة بينكما. و قولهم ما أدرى أىّ خابط ليل هو: أى أىّ الناس هو، و الخباط كالجنون و ليس به، تقول منه: تخبّطه الشيطان أفسده.

[و الّذى يظهر من هذه الكلمات و غيرها: انّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الاسقاط بضرب او نحوه كالوطأ و التأثير. و الاسقاط و- كذلك الضرب و نحوه أعمّ من أن يكون محسوسا او معقولا.

15

يقال خبط الورق، خبط البعير بخفّ يده، خبطه بالعصا، و هو مخبوط اى أصابه الزكام، و خبطته الدواب أى كسرته، خبطتهم المنايا اى أماتتهم، فالجامع بينها هو الإيصال و التأثير بنحو يوجب السقوط المطلق.

و باقى المعاني يرجع الى هذا الأصل الكلّى كما لا يخفى.

و أمّا مفاهيم- الإفساد و النوم و الجنون و المرض: فتفسير باللوازم.

. كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ- 2/ 275- صيغة تفعّل تدلّ على المطاوعة و المتابعة، يقال خبّط الشيطان اى جعله خابطا فتخبّطه الشيطان اى فطاوع الشيطان و تابع و خبطه.

فالتعبير بالتخبّط دون الخبط: اشارة الى انّ خبط الشيطان ليس ابتدائيّا و من دون مقدّمة و اقتضاء، بل بتبعيّة ذلك الشخص و مطاوعته و طلبه و اقتضاء المورد، و يدلّ عليه آخر الآية-. ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا.

و المعنى- ان آكل الربا لا يقوم في حياته و لإدامة حياته و في معيشته الا كقيام من خبطه الشيطان و مسه و أسقطه من مقامه و تعقله و استقلاله فصار مغلوبا عقله و مقهورا تعقله و مختلا تفكره.

و لا يخفى أن الضرب من الشيطان يتحقق بصورة المس، و هو أقوى مراتب التأثير-. وَ إِذٰا مَسَّ الْإِنْسٰانَ الضُّرُّ ...،. وَ مٰا مَسَّنِيَ السُّوءُ ...،. أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطٰانُ ...،. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ*.

و أمّا حالة المخبوطيّة و كون آكل الربا كمن مسّه الشيطان و صار في اختلال من جهة العقل و التدبير و نظم الأمور: فقد يشاهد منهم بالحسّ و الدقّة.

16

خبل:

مصبا- الخبل: الجنون و شبهه كالهوج و البله و قد خبله الحزن: إذا أذهب فؤاده، من باب ضرب، فهو مخبول و مخبل، و الخبل أيضا: الجنون، و خبلته خبلا من باب ضرب أيضا فهو مخبول: إذا أفسدت عضوا من أعضائه أو أذهبت عقله، و الخبال: يطلق على الفساد و الجنون.

مقا- خبل: أصل واحد يدلّ على فساد الأعضاء. فالخبل:

الجنون، يقال اختبله الجنّ، و الجنّى خابل، و الجمع خبّل. و الخبل فساد الأعضاء، و يقال خبلت يده إذا قطعت و أفسدت. و يقال فلان خبال على أهله اى عناء عليهم لا يغنى عنهم شيئا.

التهذيب 7/ 424- قال الليث: الخبل جنون أو شبهه في القلب و رجل مخبول و به خبل، و رجل مخبل: لا فؤاد معه، و قد خبله الدهر و الحزن و السلطان و الحبّ و الداء- خبلا. و الخبل: فساد الأعضاء حتّى لا يدرى كيف يمشى، فهو متخبل و خبل و مختبل، و الخبال: الفساد و الجنون و عصارة أهل النار. و‌

في الحديث

: من أكل الرباء أطعمه اللّه من طينة الخبال يوم القيامة.

و قال رجل من العرب: انّ لنا في بنى فلان خبلا في الجاهليّة- اى قطع أيد و أرجل.

الاشتقاق 256- المخبّل الشاعر، من الخبل، و الخبل استرخاء المفاصل من ضعف أو جنون، و الخبال: الهلاك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو مطلق الاسترخاء و الهوان، سواء كان في الأعضاء الظاهرة أو الباطنة.

17

فالجنون و الفساد في عضو و البله و قطع اليد و العناء في القلب و الوجع في عضو و ضعفه و هلاكه: كلّها من مصاديق ذلك الأصل.

و أما طينة الخبال: اى مادّة الهوان و الاسترخاء في القوى الروحانيّة و الشخصيّة الموجودة في يوم القيامة. و هذا الحديث يفسّر الآية الكريمة السابقة- كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ.

و مفهوم الخبل قريب من الخبط و الخبت.

. لٰا تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ لٰا يَأْلُونَكُمْ خَبٰالًا- 3/ 118- اى لا يقصرون و لا يسامحون في الخبال عليكم و إيراد الهوان و الضعف و الاسترخاء فيكم، و يؤيّد هذا المعنى آخر الآية- وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ- اى يحبّون المشقّة و الضرر عليكم.

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلّٰا خَبٰالًا- 9/ 47- اى لا يزيد و لا يؤثّر خروجهم فيكم الّا الاسترخاء و الهوان فيكم من جهة الارادة و قوّة الايمان.

و يدلّ على هذا المعنى آخر الآية- وَ لَأَوْضَعُوا خِلٰالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ- اى و يجعلون أنفسهم في خلالكم يطلبون الفتنة ثمّ انّ الأصل في مفهوم الخبل أن يستعمل في استرخاء القوى الباطنيّة من الإنسان، كاسترخاء العقل و الفكر و الارادة و الصبر و التدبير و غيرها، و بهذا يظهر الفرق بين هذه المادّة و مادّة الضعف و الاسترخاء و الهوان و غيرها. و ظهر أيضا ضعف ما يفسّر المفسّرون الآيتين بالفساد: فانّه معنى عامّ و لا يناسب الموردين، مضافا الى انّ الفساد ليس بمعنى حقيقى- للمادّة، و قلنا انّ الأصل الواحد هو الاسترخاء.

18

خبى:

صحا- الخابية: الخبّ، و أصلها الهمز لأنّه من خبأت الّا انّ العرب تركت همزها، و خبت النار تخبو خبوّا أى طفئت، و أخبيتها أنا.

التهذيب 7/ 605- الخابية: أصلها الهمز من خبأت قلت العرب تترك الهمز في أخبيت و خبيت و في الخابية، لكثرتها في كلامهم استثقلوا الهمز، و يقال خبت النار إذا حمد لهبها و سكن خبوا، فهي خابية، و قد أخبأها المخبئ إذا أخمدها.

[و الظاهر أنّ هذه المادّة يائيّا أو واويّا مشتقّ بالاشتقاق الأكبر من مادّة خبأ مهموزا، و قد سبقت، و هذه المادّة مضافا الى كونها مخففّة لينة تدلّ على انخفاض و انكسار، فتستعمل في المحسوسات و الأمور الماديّة، كخفاء النار و سترها، و خفاء اللهب و انخفاضه، و خفاء الكنز.

. مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمٰا خَبَتْ زِدْنٰاهُمْ سَعِيراً- 17/ 97- اى كلما سترت لهبها و انخفضت صوتها و انكسرت حدّتها: نزيدهم حدّة و التهابا، فانّ- جهنّم من حيث هي جهنّم عبارة عن تلك الحدّة و التوقّد و اللهب.

و لا يخفى ما بين الخبى و البوخ و الخيب أيضا من التناسب و الاشتقاق الأكبر، يقال باخت النار اى خمدت و باخ غضبه اى سكن، و خاب اى افتقر.

ثمّ انّ نسبة الازدياد اليهم لا الى جهنّم: للمبالغة في تعذيبهم و للاشارة الى انّ التسعر و التوقّد يتحقّق أوّلا في وجودهم ثمّ في جهنّم، و هذا هو الحقّ فانّ منشأ جهنّم منهم و من باطنهم- وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ*، ... وَ أَمَّا

19

الْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً، ... فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ، ... وَ أُولٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النّٰارِ، ... فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ.

ختر:

صحا- الختر: الغدر، يقال ختره فهو ختّار.

مقا- ختر: يدلّ على توان و فتور، يقال تختّر الرجل في مشية و ذلك أن يمشى مشية الكسلان، و من الباب الختر و هو الغدر و ذلك أنّه إذا ختر فقد قعد عن الوفاء. و الختّار: الغدّار.

التهذيب 7/ 294- قال الفرّاء و غيره: الختّار: الغدّار. و يقال: الختر: أسوء الغدر. و قال الليث: الختر: كالخدد و هو ما يأخذك من شرب الدواء و السم و نحو دلك حين تضعف. عن ابن الأعرابي: خترت نفسه أى خبثت و تختّرت أى استرخت. و التختّر التفتّر و الاسترخاء. شرب اللبن حتّى تختّر.

[و الظاهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو التواني و الكسل. و هو قريب من مفهوم الخبل بمعنى الاسترخاء، و الرخ بمعنى اللين، و الخدر بمعنى الصون و الستر، و الخدع و الختل بمعنى الغدر.

و امّا إطلاقها على الغدر: فانّ منشأ الغدر في الأغلب هو التواني و الكسل حتّى يوجب التخلّف و نقض العهد و عدم الوفاء، و ينتهى ذلك الى الغدر، فالغدر من حيث هو ليس بمفهوم الختر، بل يستفهم في مورد التواني.

و الفرق بين الخبل و الختر: انّ الخبل استرخاء في الأعضاء و لا سيّما في الأعضاء الباطنيّة ذاتها، و الختر هو التواني في القصد و العمل.

. وَ مٰا يَجْحَدُ بِآيٰاتِنٰا إِلّٰا كُلُّ خَتّٰارٍ كَفُورٍ- 31/ 32- أى من كان متوانيا‌

20

و كسلا في جريان أموره و العمل بوظائفه: فانّه ينتهى الى أن لا يستفيد من وسائل التوفيق و أسباب التعبّد و الطاعة، و هي النعم الداخليّة و الخارجيّة و الأنفسيّة و الآفاقيّة، و هذا حقيقة الكفران و لمّا كان من أعظم النعم الالهية: الآيات التكوينيّة الالهيّة و الآيات التشريعيّة، فالكفران يتعلّق بها أيضا.

و التعبير في الختر بصيغة المبالغة و في الكفران بصيغة الصفة المشبهة اشارة الى أنّ استمرار الختر ينجرّ الى الكفران، و إذا تثبّت الكفران في الباطن ينتهى الى جحود الآيات و مخالفة النعم الالهيّة.

و الفرق بين الختر و التواني و الكسل: يظهر في مادتهما.

ختم:

صحا- ختمت الشي‌ء ختما فهو مختوم و مختم، شدّد للمبالغة، و ختم اللّه له بخير، و ختمت القرآن: بلغت اخره، و اختتمت الشي‌ء نقيض افتتحته، و الخاتم و الخاتم و الختام و الخاتام كلّه بمعنى، و الجمع الخواتيم، و تختّمت: إذا لبسته، و خاتمة الشي‌ء: آخره، و محمّد خاتم الأنبياء ص، و الختام: الطين الّذى يختم به، و خِتٰامُهُ مِسْكٌ: أى آخره لأنّ آخر ما يجدونه رائحة المسك، و عليها ختم أى طينة مختومة مثل قبض بمعنى مقبوض.

مقا- ختم: أصل واحد و هو بلوغ آخر الشي‌ء، يقال ختمت العمل و ختم القاري السورة. فأمّا الختم و هو الطبع على الشي‌ء،- فذلك من الباب أيضا، لأنّ الطبع على الشي‌ء لا يكون الّا بعد بلوغ آخره في الأحراز، و الخاتم مشتقّ منه لأنّ به يختم، و‌

21

يقال الخاتم و الخاتام و الخيتام. و ختام كلّ مشروب: آخره. قال تعالى خِتٰامُهُ مِسْكٌ، أى انّ آخر ما يجدونه منه عند شربهم ايّاه رائحة المسك.

التهذيب 7/ 313- قال الليث: ختم يختم اى طبع، و الخاتم: الفاعل و الخاتم: ما يوضع على الطينة، و هو اسم مثل العالم. و الختام: الّذى يختم به على كتاب. و ختام الوادي: أقصاه، و خاتمة السورة: آخرها، و خاتم كلّ شي‌ء: آخره. و يقال ختمنا زرعنا إذا سقيته أوّل سقية فهو الختم و الختام اسم له، لأنّه إذا سقى فقد ختم بالرجاء، و خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ- كقوله- طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ*.

لسا- ختمه يختمه ختما و ختاما: طبعه، فهو مختوم و مختم، و الختم على القلب أن لا يفهم شيئا و لا يخرج منه شي‌ء كأنّه طبع. و قوله- فَإِنْ يَشَإِ اللّٰهُ يَخْتِمْ عَلىٰ قَلْبِكَ-

قال قتادة

: ينسك ما آتاك.

و‌

قال الزجّاج

: يربط على قلبك بالصبر.

و الخاتم: ما يوضع على الطينة و الختام: الطين الّذى يختم به على الكتاب. و الختم: المنع. و الختم أيضا حفظ ما في الكتاب بتعليم الطينة. و يقال فلان ختم عليك بابه إذا أعرض عنك، و ختم لك بابه إذا آثرت على غيرك. و ختم القرآن إذا قرأه الى آخره. و خاتم كلّ شي‌ء و خاتمته: عاقبته و آخره. و ختام كلّ مشروب: آخره. و ختام الوادي: أقصاه. و ختام القوم و خاتمهم و خاتمهم: آخرهم. و ختم البذر: تغطيته. و لذلك قيل للزارع: كافر لأنّه يغطى البذر بالتراب.

22

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الافتتاح و الابتداء، أى الكمال الشي‌ء و البلوغ الى آخره و نهايته.

و أمّا مفهوم الطبع: فهو قريب من التثبيت، و هو متّحد مصداقا بالختم- لا مفهوما، و اتّحادهما مصداقا أوجب الالتباس، و لا سيما إذا استعملا- بحرف على، يقال ختم عليه و طبع عليه، و قد يفترقان في بعض الموارد، يقال ختم القاري السورة، و طبع الدرهم أى نقشه.

و الختام مصدر كالختم، و قد يطلقان على الذات مبالغة، يقال و عليها ختم، و خِتٰامُهُ مِسْكٌ، كما أنّ الخاتم صفة قد يطلق على الذات باعتبار اتّصافه في المعنى بصفة الخاتميّة.

و الخاتم كالعالم اسما مزيدا فيه من الختم: يدلّ على الذات المتّصفة- بالختم و فيه مبالغة زائدة.

و أما اطلاق الختم على الطينة المختومة بها، و على أوّل سقية بعد الزرع- و على تغطية البذر: كلّها باعتبار الأصل الواحد، كاطلاق الخاتم على معانيه،- فهذه المعاني كلّها من مصاديق المفهوم الحقيقي، و قد لوحظت فيها حيثيّة الأصل و ليست هذه المعاني بذاتها منظورة.

. مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ 33/ 40 اى الفرد الآخر من سلسلة الأنبياء، و به ينتهى النبوّة.

و هذه الصيغة آكد في الدلالة على الخاتميّة من صيغة الخاتم اسم فاعل، لأنّ الخاتم أعمّ من أن يكون الختم بنفسه أو بغيره، بخلاف الخاتم اسما فانّه يدلّ على من به يتحقّق صفة الختم.

23

و أمّا علّة ذكر هذه الصفة في المورد: فانّ المورد في مقام تبليغ- الفرائض و الأحكام- الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالٰاتِ اللّٰهِ، ... مٰا كٰانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اللّٰهُ لَهُ- فيصرح بانّه رسول اللّه الموظّف بان يبلّغ رسالات اللّه، بل انّه خاتم النبيّين و له الرسالة التامّة و النبوّة الكاملة- راجع المحاكمة ج 1. خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ ...،. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ- 36/ 65- قلنا انّ الختم إتمام الجزء الآخر من الشي‌ء، و المراد هنا حيث استعمل بحرف على: الوصول الى الغاية و البلوغ الى المنتهى في قبال القلوب و السمع و الأفواه و على ضررها، فينتج قطع الرحمة و اللطف و التوجّه من جانب اللّه عزّ و جلّ عنهم، و طبع قلوبهم و سمعهم و أفواههم بحيث لا يدخل فيها شي‌ء من الفيوضات الرحمانيّة و لا يخرج منها شي‌ء.

. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللّٰهُ يَخْتِمْ عَلىٰ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللّٰهُ الْبٰاطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ- 42/ 24- أى كيف يمكن لك الافتراء عليه مع أنّ الختم على قلبك في صورة الافتراء بيد اللّه و تحت ارادته و قدرته، و كذلك محو الباطل و احقاق الحقّ، و هؤلاء يمهل المفترى المبطل، فانّه إغراء للعبيد بالجهل و إضلال لهم عن الحقّ.

. خِتٰامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ الْمُتَنٰافِسُونَ- 83/ 26 الختام يرجع الى صدر الآية-. يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ- الرحيق هو الشراب الصافي الخالص، و المختوم هو البالغ الى حدّ النهاية و المنتهى الى الكمال و التمام في موضوعه و بحسب حاله و وصفه و خصوصيّته. فيكون المراد من الختام: هو آخر جزء و منتهى قسمة من الشراب الّذى يشربون.

24

ثمّ ان التكميل و التتميم يستعملان غالبا بالنسبة الى الأجزاء الارتباطيّة في مقابل النقص. و الختم يستعمل في الأجزاء الاستقلاليّة، و قلنا في مادة تم ان الكمال يستعمل في الكيفيّات و التمام في الكميّات.

خدّ:

صحا- الخدّ في الوجه، و هما خدّان، و المخدّة لأنّها توضع تحت الخد، و المخدّة أيضا حديدة تخدّ بها الأرض اى تشقّ و الأخدود: شقّ في الأرض مستطيل، و خدّ الأرض يخدها، و ضربة أخدود أى خدّت في الجلد، و الخدّة: الحفرة، و الخداد ميسم في الخد و البعير و مخدود، و المتخدّد مهزول.

التهذيب 6/ 560- قال ابن المظفّر: الخدّ من الوجه من لدن المحجر الى اللحى من الجانبين جميعا، و منه اشتقّ اسم المخدّه، و الخدّ جعلك أخدودا في الأرض تحفره مستطيلا. و في القرآن- قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ و كانوا خدّوا في الأرض أخاديد و أوقدوا عليها النيران حتّى حميت ثم عرضوا الناس على الكفر فمن امتنع ألقوه فيها حتّى تحترق. و رجل متخدّد: مهزول- قليل اللحم. و قال غيره: رأيت خدّا من الناس اى طبقة و طائفة، و قتلهم- خدّا فخدّا أى طبقة بعد طبقة. و يقال تخدّد القوم إذا صاروا فرقا.

مقا- خدّ: أصل واحد، و هو تأسّل الشي‌ء و امتداده الى السفل فمن ذلك الخدّ خدّ الإنسان، و به سميت المخدّه. و الخدّ: الشقّ، و الأخاديد الشقوق في الأرض. و التخدّد: تخدّد اللحم من الهزال. و الخداد: ميسم من المياسم، و لعلّه يكون في الخدّ.

[و الظاهر انّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الشقّ المستطيل سواء‌

25

كان في أرض أو في جلد أو لحم أو وجه أو في غيرها.

و يقرب منها لفظا و معنا: الخقّ و الخطّ و الخرق و الخرب و الشقّ.

و قيد الشق و الاستطالة مأخوذان في موارد استعمالها و مصاديقها كلّا و لا يقال خدّة و لا أخدود الّا في الحفرة المستطيلة.

و امّا خدّ الوجه: فكأنّ جانبي الأنف مجرى مستطيل لدمع العين.

و أمّا الطبقة من الناس: فتطلق عليها إذا لوحظت انتزاعها و اشتقاقها صفّا واحدا من بين جماعة من الناس.

و أمّا صيغة أخدود: فهي افعول كالاحدوث و الاغلوط و الاعجوب و الارجوز و غيرها، تدلّ على ذات او مفهوم متشخّص متظاهر متميّز.

قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ- 85/ 4- و هم كانوا كفّارا جابرين من الملل الماضية، يعذّبون المؤمنين بالأخاويد الممتلئة نارا، و لم تشخّص زمان حياتهم و مكانهم و سائر خصوصيّاتهم في التاريخ، و المقصود فناؤهم و قتلهم و انّ قدرتهم و مسلطتهم و حكومتهم ما أغنى عنهم شيئا. راجع ص 356 في استدراكها يشير تعالى الى ضعف عقلهم و وهن تدبيرهم، و تصوّرهم بأنّ حياتهم و بقاءهم و ادامة عيشهم يستند الى هده الأخاديد و تعذيب المخالفين.

وَ لٰا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّٰاسِ- 31/ 18- اى لا تمله عنهم. و أمّا علّة- التعبير بهذه الكلمة دون الوجه و غيره: فانّ التصعير و الامالة في الوجه يظهر في المرتبة الاولى في الخدّين، فانّ الخدّ واقع في وسط الوجه و قبال نظر الناظر، و الأنف كالشاخص المستقيم بين الخدّين، و هذا المعنى توجّه دقيق و رعاية أدب لطيف عند الصحبة و المذاكرة.

26

خدع:

مصبا- خدعته خدعا، و الاسم منه الخدع، و الخديعة مثله، و الفاعل الخدوع مثل رسول، و خدّاع أيضا و خادع، و الخدعة: ما يخدع به الإنسان مثل اللعبة لما يلعب به، و الحرب خدعة بالضمّ و الفتح، و يقال انّ الفتح لغة النبي ص، و خدعته فانخدع، و الأخدعان عرقان في موضع الحجامة، و المخدع بضمّ الميم: بيت صغير يحرز فيه الشي‌ء و تثليث الميم لغة مأخوذ من أخدعت الشي‌ء إذا أخفيته مقا- خدع: أصل واحد ذكر الخليل قياسه: قال الخليل الإخداع إخفاء الشي‌ء، و بذلك سمّيت الخزانة المخدع. و على هذا الّذى ذكر الخليل يجرى الباب، فمنه خدعت الرجل: ختلته، و منه: الحرب خدعة و خدعة، و يقال خدع الريق في الفم، و ذلك انّه يخفى في الحلق و يغيب، و يقال ما خدعت بعيني نعسة، اى لم يدخل المنام في عينى. و الأخدع عرق في سالفة العنق و هو خفى. و رجل مخدوع: قطع أخدعه. و لفلان خلق خادع إذا تخلّق بغير خلقه و هو من الباب لأنّه يخفى خلاف ما يظهره.

صحا- خدعه يخدعه خدعا و خدعا أيضا مثل سحره يسحره سحرا أى ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم، و الاسم الخديعة، يقال هو يتخادع أى يرى ذلك من نفسه، و خادعته مخادعة و خداعا. و المخدع و المخدع مثال المصحف و المصحف: الخزانة. و رجل مخدّع أى خدّع مرارا في الحرب. و الحرب خدعة و خدعة، و الفتح أفصح، و خدعة أيضا مثل همزة، و رجل خدعة أى يخدع الناس.

27

الفروق ص 214- الفرق بين الخدع و الغرور: أنّ الغرور إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضرّه مثل أن يرى السراب فيحسبه ماء فيضيع ماءه فيهلك عطشا، و تضيع الماء فعل أدّاه اليه غرور السراب ايّاه، و كذلك غرّ إبليس آدم ففعل آدم الأكل الضارّ له. و الخدع أن يستر عنه وجه الصواب فيوقعه في مكروه، و أصله من قولهم خدع الضبّ إذا توارى في حجره، و خدعه في الشراء أو البيع إذا أظهر له خلاف ما أبطن فضره في ماله. و أصل الغرور الغفلة، و الغرّ الّذى لم يجرّب الأمور يرجع الى هذا فكأنّ الغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضرر. و الخدع مرجع يستر عنه وجه الأمر.

[فظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إخفاء ما من شأنه أن يكون ظاهرا و معلوما. و صيغة خادعته فتخادع: تدلّ على ادامة الخدع.

و المخدع: بمعنى الخزانة و المحفظة، أى ما يحفظ و يخفى فيه الأموال أو الأجناس الّتى من شأنها ان تكون في أيدى الناس و اختيارهم.

و هذه الخصوصيّة لا بدّ ان تكون ملحوظة في جميع موارد استعمالها.

و ظهر انّ الخدع غير الحيلة و الغرور و المكر.

. وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ- 8/ 62- أى أن يخفوا منك بعض أمورهم و يستروا عنك بعض آراءهم و أفكارهم المربوطة الخبيثة.

. وَ مٰا يَخْدَعُونَ إِلّٰا أَنْفُسَهُمْ- 2/ 9- فانّ كلّ عمل مستكره قبل أن يصل أثره الى الغير يؤثّر في نفس العامل و يوجد ظلمة في قلبه و بعدا عن اللّه تعالى.

. يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ- 4/ 142- أى و هم مستمرّون في‌

28

في الخداع في قبال الحقّ تعالى، و ذلك بإظهار الايمان و الطاعة و العبوديّة و العبادة و الامتثال مع استبطان الكفر و الخلاف و النفاق.

و موضوع الخداع بالنسبة اليهم و في أنفسهم، و كذلك في كلّ مورد، و علم اللّه تعالى و احاطته و عدم التأثير فيه: لا ينافي صدق الخداع.

و امّا قوله تعالى-. وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ- معناه: انّه تعالى يختم على قلبه و يحجبه عن مشاهدة آياته و شواهد ربوبيّته و مظاهر عظمته و مجالي جلاله و جماله و يخفى عنه ما فيه خيره و هدايته و سعادته.

فتحقّق أنّ نتيجة الخداع مع أىّ شخص كان: انّما ترجع الى نفس العامل.

خدن:

مقا- خدن: أصل واحد و هو المصاحبة.

فالخدن: الصاحب، يقال خادنت الرجل مخادنة. و خدن الجارية:

محدّثها. قال أبو زيد: خادنت الرجل: صادقته.

مصبا- الخدن: الصديق في السرّ، و الجمع أخدان مثل حمل و أحمال و خادنته: صادقته.

صحا- الخدن و الخدين: الصديق، يقال خادنت الرجل، و منه خدن الجارية- و لا متخذات أخدان، و رجل خدنة: يخادن الناس كثيرا.

التهذيب 7/ 280- قال الليث: الخدن و الخدين: الّذى يخادنك اى يكون معك في كلّ أمر ظاهر و باطن. قال: و كانوا في الجاهليّة لا يمتنعون من خدن يحدّث الجارية، فجاء الإسلام بهدمه. مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لٰا مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ- يعنى أن يتّخذن أصدقاء.

و التحقيق

انّ الأصل الواحد في هذه المادّة بقرينة موارد الاستعمال‌

29

و اللغات القريبة منها مادّة و اشتقاقا: هو المصاحب سرّا، بان تكون مصاحبته في الخفاء لا في الظاهر و العلن.

و جهة الخفاء و السرّ تستفهم من موادّ- الخبن و الخبأ و الخدر و الخدع و الخفي و الخلب و الخمن- القريبة منها مادّة.

. غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لٰا مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ 4/ 25- 5/ 5- بأن لا- يتّخذن رفقاء في السرّ يخفين بها.

فظهر الفرق بين الخدن و المصاحب و الرفيق، ثمّ ظهر أيضا لطف التعبير بها دون مادّة المصاحبة و الرفاقة و غيرها.

و لا يخفى انّ التعبير باتّخاذ الخدن يؤيد مفهوم المصاحب في السر و على خلاف الجريان العادي، كما في قوله تعالى- الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ، ... وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطٰانَ وَلِيًّا، ... وَ مٰا يَنْبَغِي لِلرَّحْمٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، ... لٰا تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ، ... اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ*، ... مَا اتَّخَذَ صٰاحِبَةً وَ لٰا وَلَداً. و هذا التعبير في اللغة الفارسيّة أيضا يستعمل في ذلك المورد، فيقال- رفيق گرفته است.

خذل:

مصبا- خذلته و خذلت عنه من باب قتل:

و الاسم الخذلان، إذا تركت نصرته و اعانته و تأخّرت عنه، و خذّلته تخذيلا: حملته على الفشل و ترك القتال.

مقا- خذل: أصل واحد يدلّ على ترك الشي‌ء و القعود عنه. فالخذلان: ترك المعونة، يقال خذلت الوحشيّة: أقامت على ولدها و هي خذول. و من الباب: تخاذلت رجلاه: ضعفتا و رجل خذلة: للّذى لا يزال يخذل.

30

التهذيب 7/ 323- قال الليث: تقول خذل يخذل خذلا و خذلانا و هو تركك نصرة أخيك، و خذلان اللّه تعالى للعبد ألّا يعصمه من السيّئة فيقع فيها. و الخاذل و الخذول من الظباء و البقر الّتى تخذل صواحباتها في المرعى و تنفر مع ولدها. و الصواب: و تتخلّف مع ولدها و قيل- تنفرد مع ولدها. و عن الأصمعى: الخذول- الّتى تتخلّف عن القطيع- و قد خذلت و خذرت.

[فظهر أن الأصل الواحد في هذه المادّة هو ترك النصرة و العون، و يختلف هذا المعنى باختلاف الموارد و الأشخاص، فانّ مفهوم النصرة من الأفراد و في مواردها مختلفة، فنصر اللّه عزّ و جلّ و عونه أشدّ مراتب النصر و أقوى و أتمّ، ثمّ النصر من الأنبياء الهادين و الأئمّة حجج اللّه على الناس أجمعين، ثمّ من العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء، ثمّ من الآباء- المؤمنين المتقين، ثمّ من الأصدقاء الاخوان في اللّه ربّ العالمين.

و يؤيّد هذا الأصل: استعمالها في مقابل النصر في الآية الكريمة. وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ- 3/ 160- فإذا انقطع النصر من عند اللّه تعالى و صرف عونه و لطفه و توجّهه و كرمه و فضله و تأييده و توفيقه عن عبد، و هو أتمّ النصر و أكمل الاعانة و التأييد: فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ و من غيره.

. وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولًا- 25/ 29- و من شأن الشيطان خذل العبد و إضلاله و تركه على الحيرة و الضلالة و المخذوليّة.

. لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا- 17/ 22- فانّ غير‌

31

اللّه تعالى لا يليق بأن يتوجّه اليه و يستعان به، و من اتّخذ غيره إلها و يتوجّه اليه و يستنصر منه: فهو يكون في نتيجة أمره مخذولا.

و خصوصيّة الأصل ملحوظ في جميع المشتقّات.

و لا يخفى لطف التعبير في الآية- وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ- بصورة الشرط و التعليق، دون الشيطان و من يتّخذ إلها: فنسب اليهما الخذلان. فانّ نصر اللّه عزّ و جلّ لا ينقطع عن عباده بالكلّية.

خرب:

مصبا- خرب المنزل فهو خراب، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف فيقال أخربته و خرّبته، و الخربة: الثقبة وزنا و معنى، و الجمع خرب مثل غرفة و غرف، و الخربة أيضا عروة المزادة، و الأخرب الكبش الّذى في اذنه شقّ أو ثقب مستدير، فان انخرم ذلك فهو أخرم، و فعله خرب و خرم خرما من باب تعب، و خرب يخرب من باب قتل خرابة بالكسر: إذا سرق.

مقا- خرب: أصل يدلّ على التثلّم و التثقّب. فالخربة: الثقبة و العبد الأخرب: المثقوب الاذن. و الخرب: ثقب الورك. و الخربة:

عروة المزادة. و من الباب و هو الأصل، الخراب ضدّ العمارة، و الخرب منقطع الجمهور من الرمل. فأمّا الخارب فسارق الإبل خاصّة و هو القياس لأنّ السرق إيقاع ثلمة في المال.

صحا- الخرب: منقطع الجمهور من الرمل، و الخرب أيضا ثقب الورك، و الخربة مثله، و كذلك الخرابة و قد يشدّد، و الخربة أيضا:

عروة المزادة و كلّ، ثقب مستدير فهو خربة، و الخراب ضدّ العمارة، و قد‌

32

خرب الموضع فهو خرب، و دار خربة، و أخربها صاحبها، و خرّبوا بيوتهم شدّد لفشو الفعل أو للمبالغة، و الخارب: اللصّ.

التهذيب 7/ 358- قال لليث: الخراب: نقيض العمران. و الخربة جمعها الخرب كالكلمة و الكلم، و الفعل من كلّ ذلك: خرب يخرب خرابا و قد خرّبه المخرّب تخريبا. قال أبو عبيد: و الّذى نعرف في الكلام: أنّها الخربة، و هي عروة المرادة، سمّيت خربة لاستدارتها، و كلّ ثقب مستدير فهو خربة، مثل ثقب الاذن، و جمعها خرب.

[و الظاهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل العمران. ثمّ انّ مفهوم الخراب يختلف بالموارد و الموضوعات، فقد يكون بالتثلم و الانكسار، و قد يكون بالتثقّب، أو بالاختلال و حدوث خلل، أو بالضعف و الوهن، أو بالفساد، أو بالهدم، أو غير ذلك. و آية تلك المعاني أن تصح نسبة العمران اليها و تقبل التعمير.

و هذه الخصوصيّة ملحوظة في جميع موارد استعمالها، فيقال: خرب المنزل، و خرب الكبش إذا شقّ اذنه، و خرب الرجل إذا دهن أمانته و سرق، و خرب العبد فهو أخرب إذا نقب اذنه، و هكذا- خرّب المزادة: جعل لها ثقبة و تخرّب الدود و الشجرة: ثقبها، و خرّب البيت: هدمه. يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ- 59/ 2- أى يهدمونها لئلا تستنفع منها غيرهم. مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا- 2/ 114- أى في هدمها، أو في احداث خلل فيها، أو بالإفساد في نظمها، أو بإيجاد ضعف و وهن في جريان برنامجها. و كلّ ذلك يطلق عليه التخريب.

33

و لا يخفى أن الخرب قريب من الخرق و الخرم لفظا و معنى. و لا يبعد أن يكون مفهوم الثقب في الخرب مأخوذا من الخرم، فيكون استعمال الخرب في الثقب واردا في غير الفصيح و من غير الفصحاء تشابها.

خرج:

مصبا- خرج من الموضع خروجا و مخرجا و أخرجته أنا، و وجدت للأمر مخرجا اى مخلصا، و الخراج و الخرج ما يحصل من غلّة الأرض، و لذلك يطلق على الجزية.

مقا- خرج: أصلان، و قد يمكن الجمع بينهما الّا انّا سلكنا الطريق الواضح. فالأوّل- النفاذ عن الشي‌ء. و الثاني- اختلاف لونين. فأمّا الأوّل فقولنا خرج يخرج خروجا. و الخراج بالجسد. و الخراج و الخرج الإناوة لأنّه مال يخرجه المعطى. و الخارجي: الرجل المسوّد بنفسه من غير أن يكون له قديم، كأنّه خرج بنفسه. و الخروج: خروج السحابة، يقال ما أحسن خروجها، و فلان خرّيج فلان، إذا كان يتعلّم منه كأنّه هو الّذى أخرجه من حدّ الجهل. و يقال ناقة مخترجة إذا خرجت على خلقة الجمل. و أمّا الأصل الآخر: فالخرج لونان بين سواد و بياض يقال نعامة خرجا و ظليم أخرج. و من الباب أرض مخرّجة إذا كان نبتها في مكان دون مكان. و ذلك ما ذكرناه من اختلاف اللونين.

صحا- خرج خروجا و مخرجا، و قد يكون المخرج موضع الخروج يقال خرج مخرجا حسنا، و هذا مخرجه. فأمّا المخرج فقد يكون مصدرا لقولك أخرجه، و المفعول به، و اسم المكان، و الوقت، تقول أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، و هذا مخرجه، و الخرج و الخراج: الإتاوة، و يجمع على‌

34

إخراج و أخاريج و أخرجة. و الخرج: السحاب أوّل ما ينشأ، يقال خرج له خرج حسن. و الخريج: خلاف الدخل. و خرّجه في الأدب فتخرّج و هو خرّيج فلان على فعّيل بالتشديد مثال عنّين بمعنى مفعول. و ناقة مخترجة إذا خرجت على خلقة الجمل. و الخرج من الأوعية معروف و هو عربى، و الجمع خرجة مثل حجر و حجره. و الخراج ما يخرج في البدن من القروح، و رجل خرجة ولجة مثال همزة أى كثير الخروج و الولوج. و الخارجي: الّذى يسود بنفسه من غير أن يكون له قديم.

مفر- خرج خروجا: برز من مقرّه أو حاله، سواء كان مقرّه دارا أو بلدا أو ثوبا، و سواء كان حاله حالة في نفسه أو في أسبابه الخارجة و الإخراج أكثر ما يقال في الأعيان- كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ. و يقال في التكوين الّذى هو من فعل اللّه تعالى- وَ اللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ و التخريج اكثر ما يقال في العلوم و الصناعات. و الخرج أعمّ من الخراج، و جعل الخرج في مقابل الدخل- فعل نجعل لك خرجا، و الخراج مختصّ في الغالب بالضريبة على الا [فظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو ما يقابل الدخول و الولوج، أى النفاذ عن شي‌ء، قال تعالى-. رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...-. لَنْ نَدْخُلَهٰا حَتّٰى يَخْرُجُوا مِنْهٰا ...-. مٰا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ مٰا يَخْرُجُ مِنْهٰا*.

ثمّ انّ الخروج امّا في المادّيات كما في-. خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ*.

أو يكون أحد الطرفين مادّيّا كما في-. كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا- و. يُخْرِجْ أَضْغٰانَكُمْ ...-. لِتُخْرِجَ النّٰاسَ مِنَ الظُّلُمٰاتِ.

35

أو يكون الطرفان خارجين عن المادّة- فَاخْرُجْ مِنْهٰا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ*.

أو يكون الخروج تكوينيّا لا اختيار فيه- وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنٰاءَ- ...

تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٰاتٍ مِنْ أَكْمٰامِهٰا.

و أمّا معاني- الخرج و الخراج و الخريج و الخارجي و الخرجاء و غيرها: فهذه كلّ واحد منها باعتبار جهة الخروج و النفاذ و البروز، كما لا يخفى.

فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً- 18/ 94- اى شيئا مخرجا من أموالنا.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرٰاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ- 23/ 72- و الخراج مزيد من الخرج زيدت الألف فيه لتدلّ على الاستمرار و التحقّق، و فيه اشارة الى انّ الخرج المفروض و المعدّ من جانب اللّه المتعادل مستمرّ و ثابت.

و قلنا انّ الخرج هو ما يخرج و يفرض من المال بأىّ غرض كان و بأىّ مقدار يفرض و يتعيّن و بأىّ مصرف يكون، و هذا هو الفرق بينه و بين الثمن و العوض و الأجر و أمثالها.

فظهر لطف التعبير به في الآيتين الكريمتين، فانّ الخرج المنظور فيهما ليس في قبال مبيع و لا في معاملة و لا عوضا عن عمل و لا أجرا لشي‌ء و لا محدودا بحدود معيّنة أو في مصرف معيّن.

خردل:

صحا- الخردل: معروف، الواحدة خردلة، خردلت اللحم أن قطعته صغارا، بالدال و الذال جميعا.

مقا- و من ذلك خردلت اللحم: قطعته و فرّقته. و الّذى عندي في هذا انّه مشبّه بالحبّ الّذى يسمّى الخردل، و هو اسم وقع فيه الاتّفاق بين العرب و العجم، و هو موضوع من غير اشتقاق. و من قال خرذل‌

36

جعل الذال بدلا من الدال.

الأبنية عن حقائق الأدوية- خردل: سيندان بود، و او كرم و خشك است اندر درجه سوّم اندر آخرش، و جنسى را از وى سپيد اسفند گويند، و ما آنرا خردل بابلى گوييم.

احياء التذكرة- خردل- لبان- كبر [الصلبيّه] خردل أبيض، نفس الفصيلة خردل أسود، خردل برّى. الخردل الفارسي و هو نبات آخر يسمّى حرف السطوح: نبات حارّ الذّاع، و تسميته بالكبر خطأ و خلط عامّى، و النوع الأسود أقوى من الناحية الطبيّة.

[و يظهر من مراجعة المراجع أنّ الخردل عبارة عن مطلق الحبوب الصغار أو الحبّ المسمّى بالفارسيّة إسفند، و الاشتقاق منه انتزاعىّ، يقال:

خردلته إذا قطّعته و فرّقته صغارا كالحبّ الصغير.

و لا يبعد ان تكون هذه الكلمة مزيدة من الخرد و هو بمعنى البكر و غير الممسوسة و غير المثقوبة، يقال جارية خريدة و درّة خريدة، و هذا كما في زيد و زيدل، فالحبّ باعتبار أصالته و عدم تجزيّة من شي‌ء و كونه متفرّدا لم يمسس يطلق عليه الخردل. و بهذا يظهر لطف التّعبير به في الآيتين الكريمتين، دون الذرّة و الحبّة و القطعة الصغيرة و غيرها:

إِنْ تَكُ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ- 31/ 16- وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا- 21/ 47- اى على وزن حبّة صغيرة لم تمسس بيد أحد فنحن نأتى بها و لا تغفل عن إحضارها و ان كانت مستورة في صخرة او في السماوات و الأرض.

37

ثمّ انّ المنظور في آية-. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ- مشاهدة نتيجة العمل و أثره و ان كان مثقال ذرّة صغيرة و في غاية الدقّة. و امّا في هذه الآية-. وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا- فالنظر فيها الى إتيانه و إحضاره و ان كان في الصغر كالخردل و لم يمسسه أحد و لم يصل اليه يد.

فظهر اللطف في اختلاف التعبير فيهما.

خرّ:

مصبا- خرّ الشي‌ء يخرّ من باب ضرب: سقط، و الخرير: صوت الماء. و عين خرّارة: غزيرة النبع.

مقا- خرّ: أصل واحد و هو اضطراب و سقوط مع صوت، فالخرير: صوت الماء، و عين خرارّة. و قد خرّت تخر. و يقال للرجل إذا اضطرب بطنه قد تخرخر. و خرّ إذا سقط. و يقال خرّ الماء الأرض شقّها و الأخرة: واحدها خرير، و هي أماكن مطمئنّة بين الربوين تنقاد و الخرّ من الرحى: الموضع الّذى تلقى فيه الحنطة، و هو قياس الباب، لأنّ الحبّ يخرّ فيه. و خرّ الاذن: ثقبها، مشبّه بذلك.

مفر- خرّ عليهم السقف- فمعنى خرّ سقط سقوطا يسمع منه خرير، و الخرير يقال لصوت الماء و الريح و غير ذلك ممّا يسقط من علوّ. و قوله تعالى-. وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً- فاستعمال الخرّ: تنبيه على اجتماع أمرين السقوط و حصول الصوت منهم بالتسبيح، و قوله من بعده.- وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ- فتنبيه أنّ ذلك الخرير كان تسبيحا بحمد اللّه لا بشي‌ء آخر.

التهذيب 6/ 564- قال الليث: الخرير صوت الماء و صوت‌

38

و الريح. قال: و خرير العقاب: حفيفه. و قد يضاعف إذا توهم- سرعة الخرير في القصب و نحوه، فيحمل على الخرخرة، و أمّا في الماء فلا يقال الّا خرخرة. و الهرّة خرور في نومها. و الخرخرة صوت النمر في نومه، يخرخر خرخرة، و يخرّ خريرا، و خرّ الميّت فهو خارّ، و خرّ الحجر إذا تد هدى من الجبل.

[فظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو سقوط مع صوت مخصوص بهذه الحالة، و لا يبعد أن يكون الأصل هو الصوت المخصوص مع السقوط أو في حال- السقوط، و يدلّ على هذا المعنى اطلاق كلمات- الخرير و الخرخرة و الخرخورة و الخرّارة و التخرخر- على أصوات مخصوصة. و هذا المعنى فيه دلالة على شدّة و قوّة و حدّة في السقوط، فان تلك الأصوات انّما تظهر و تسمع في السقوط الشديد و إذا كان عن حدّة.

و يمكن أن يكون بعض هذه الكلمات من الاشتقاق الانتزاعى، بمناسبة مادّة اللفظ و قربها من تلك الأصوات، كما في أسماء الأصوات.

. وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً- 7/ 143-. فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ السَّمٰاءِ- 22/ 31- فيدل اللفظ على كمال السقوط و شدّته و هيبته و حدّته، ففي الاولى في مقابل جلّى الربّ و ظهور نوره الباهر العزيز. و في الثانية في مقابل السعادة الانسانيّة و الحقيقة- الروحانيّة الالهيّة و الفيوضات الرحمانيّة و المقامات المعنويّة النورانيّة.

. وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً- 12/ 100-. يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً- 17/ 107- فيها اشارة الى كمال الخضوع و نهاية الحدّة في السقوط و التواضع.

و بهذا ظهر لطف التعبير بهذه المادّة في الموارد.

39

خرص:

صحا- الخرص: حرز ما على النخل من الرطب تمرا، و قد خرصت النخل، و الاسم الخرص، تقول كم خرص أرضك، و الخرّاص:

الكذّاب، و قد خرص يخرص خرصا و تخرّص أى كذب، و خرص الرجل فهو خارص اى جائع مقرور، و لا يقال للجوع بلا برد خرص، و يقال للبرد بلا جوع خصر. و الخرص: الحلقة من الذهب أو الفضّة، و الجمع الخرصان و الخرص ما علا الجبّة من السنان، و ربّما سمّوا الرمح بذلك. و الخرص الجريد من النخل. و ماء خريص اى بارد.

الاشتقاق 509- و اشتقاق خروص فعول من قولهم اخترص هذا الكلام اى اختلقه، و منه خرص النخل لأنه على غير حقيقة. و في التنزيل- قُتِلَ الْخَرّٰاصُونَ أى الكذّابون. و الخرص: قناة الرمح، و الجمع أخواص و مخارص و خرصان. و الخرص: ضرب من الحلي امّا حلقة و اما شنف مقا- خرص: اصول متباينة جدّا. فالأوّل- الخرص و هو خرر الشي‌ء، يقال خرصت النخل إذا حرزت ثمره. و الخرّاص: الكذّاب، و هو من هذا لأنّه يقول ما لا يعلم و لا يحقّ. و أصل آخر- يقال للحلقة من الذهب خرص. و أصل آخر و هو كلّ ذى شعبة من الشي‌ء ذى الشعب فالخريص من البحر: الخليج منه. و الخرص: كلّ قضيب من شجرة و جمعه خرصان، و من هذا الأصل تسميتهم الرمح الخرص. و أصل آخر و هو الخرص و هو صفة الجائع المقرور، يقال خرص خرصا.

مفر- قُتِلَ الْخَرّٰاصُونَ- قيل لعن الكذّابون، و حقيقة ذلك أنّ كلّ قول مقول عن ظنّ و تخمين يقال خرص سواء كان مطابقا للشي‌ء أو مخالفا‌

40

من حيث انّ صاحبه لم يقله عن علم و لا غلبة ظنّ و لا سماع بل اعتمد فيه على الظنّ و التخمين كفعل الخارص في خرصه، و كلّ من قال قولا على هذا النحو قد يسمّى كاذبا و ان كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه كما حكى عن المنافقين- قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ ... وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ ... لَكٰاذِبُونَ.

التهذيب 7/ 129- تخرّص فلان علىّ الباطل و اخترصه: أى اختلقه و افتعله. و يجوز أن يكون- الخرّاصون- الّذين انّما يتظنّون الشي‌ء لا يحقّونه فيعملون بما لا يعلمون. قلت و أصل الخرص: التظنّى فيما لا يستيقنه، و منه قيل: خرصت النخل و الكرم إذا حرزت ثمره، لأنّ الحرز انّما هو تقدير بظنّ لا احاطة. و قال الليث: الخريص شبه حوض واسع ينفجر اليه الماء من نهر ثمّ يعود الى النهر و الخريص ممتلئ، و يقال خريص النهر جانبه أبو عبيد: الخرص السنان.

و التحقيق

انّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو افتعال و اختلاف على الظنّ من دون ان يستند الى أساس محكم و أصل متين، و هذا المعنى انّما يحصل بعد حصول الظنّ، معتمدا عليه، كخرص النخل و الثمر.

و تفسيرها بالكذب ليس على ما ينبغي.

و أمّا المعاني المذكورة- كالجائع المقرور، و الحلقة، و الخليج، و الحوض المخصوص، و الرمح: فباعتبار الزلزال و الاضطراب و الارتعاش و عدم السكون و الثبات على حالة و فقدان الاستناد و الاعتماد فيها: فانّ الجائع المقرور مرتعش بدنه مضطرب أعضاؤه، و الحلقة لا تعتمد على أساس لاستدارتها و هي تدور و تتحرّك بمحرّك ما، و الخليج ليس لها ثبات و سكون كالبحر، و هكذا الحوض‌

41

المخصوص و القضيب و الرمح قناته.

. إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلّٰا تَخْرُصُونَ- 6/ 148- مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَخْرُصُونَ- 43/ 20- فيظهر من الآيات أنّ الخرص انّما يتحقّق بعد حصول الظنّ و بعد فقدان العلم و في هذه الحالة.

و لمّا كان الخرص متصوّرا في حالة فقدان العلم: فهي تدلّ على وهنه و غاية ضعفه و تأسيس أساس الخرص على مبنى الجهل و الوهم، فهذا الافتعال من أقبح الأمور و أو من الأعمال، و يخالف العقل و الفكر الصحيح، و على هذا يقول اللّه عزّ و جلّ-. قُتِلَ الْخَرّٰاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سٰاهُونَ- 51/ 10- فإنهم في هذا الافتعال منهمكون في الغفلة و مستترون في الجهل و السهو.

خطم، خرطوم:

مقا- خطم: يدلّ على تقدّم شي‌ء في نتو يكون فيه، فالمخاطم: الأنوف، واحدها مخطم. و رجل أخطم: طويل الانف.

و الخطام للبعير سمّى بذلك لأنّه يقع على خطمه، و يقال انّ الخطمة و عن الجبل، فهذا هو الباب. [النتّو ارتفاع و انتفاخ. و الرعن الطول] و قال في الرباعي: و الخرطوم معروف، و الراء زائدة، و الأصل فيه الخطم مصبا- خرط: خرطت الورق خرطا: حتتته من الأغصان، و الخرطوم: الأنف، و الجمع خراطيم، مثل عصفور و عصافير. و قال في الخطم:

مثل فلس، من كلّ طائر منقاره، و من كلّ دابّة مقدّم الأنف و الفم.

التهذيب 7/ 256- قال الليث: الخطم من البازي و من كلّ شي‌ء: منقاره و من كلّ دابّة خطمه: مقدّم أنفه و فمه، نحو الكلب و البعير. و الأخطم: الأسود أبو العبّاس عن ابن الأعرابى: هو من السباع الخطم و الخرطوم، و من الخنزير‌

42

الفنطيسه، و من ذى الجناح غير الصائد: المنقار. و من الصائد المنسر الشيباني: الأنوف يقال لها المخاطم، واحدها مخطم.

و قال ص 227- الخرط: قشرك الورق عن الشجر اجتذابا بكفّك و الخروط من الدوابّ الّذى يجتذب رسنه من يد ممسكه ثمّ يمضى عائرا خارطا. قال أبو عبيد: الخروط: الّذى يتهوّر في الأمور و يركب رأسه في كلّ ما يريد بالجهل و قلّة المعرفة بالأمور. و الخريطة مثل- الكيس مشرج من أدم و خرق، و كذلك خرائط السلطان و عمّاله- لكتبهم. و يقال اخروّط بهم الطريق و السفر: إذا مضى و امتدّ. و رجل مخروط الوجه: إذا كان في وجهه طول و كذلك مخروط اللحية إذا كان فيها طول من غير عرض.

لسا- خرطم: الخرطوم الأنف، و قيل مقدّم الأنف، و قيل: ما ضمّ الرجل عليه الحنكين. أبو زيد: الخطم و الخرطوم- الأنف. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ- فسرّه ثعلب فقال: يعنى الوجه. قال ابن سيده: و عندي أنّه الأنف و الخرطوم للفيل و هو أنفه، و يقوم له مقام يده و مقام عنقه، و الخروق الّتى فيه لا تنفذ و انّما هو وعاء إذا ملأه الفيل من طعام أو ماء أولجه في فيه، لأنّه قصير العنق لا ينال ماء و لا مرعى. و للبعوضة خرطوم. و خرطمه ضرب خرطومه، و خرطمه: عوّج خرطومه. و المخرنطم: الغضبان المتكبّر مع رفع رأسه.

[فظهر أنّ كلمة الخرطوم بمعنى الأنف الطويل الممتدّ، سواء قلنا انّها مأخوذة من مادّة الخطم بمعنى الأنف، و الاضافة تدلّ على الطول و الامتداد، فانّ‌

43

زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، فهي على فرعول. أو أنّها مأخوذة من الخرط على فعلوم، بمناسبة كون الخرطوم كالخشبة المقشورة أو أنّها كاليد تقشر بها الأوراق او لطولها. أو انّها رباعيّة أصيلة على زنة فعول، و خرطم كدحرج.

و على أىّ صورة فالخرطوم مظهر التأنّف و التكبّر و التظاهر كما في الأنف، يقال- أرغم أنوفهم. و بهذه المناسبة و رد في الآية الكريمة- سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ- 68/ 17- اى نجعل على خرطومه علامة ليرغم أنفه و ينكسر تأنّفه و يزول استكباره و استعزازه.

و الضمير راجع الى العتلّ الزنيم الّذى كٰانَ ذٰا مٰالٍ وَ بَنِينَ و إذا تتلى عليه الآيات يقول هذه أساطير الأوّلين.

فهو مع استكباره و تأنّفه يجمع المال و يجلب المأكولات كصاحب الخرطوم و هذا هو اللطف في التعبير بهذه الكلمة في الآية الشريفة.

خرق:

مصبا- الخرق: ثقب في الحائط و غيره، و الجمع خروق، و هو مصدر في الأصل من خرقته من باب ضرب إذا قطعته. و خرّقت تخريقا مبالغة. و قد استعمل في قطع المسافة فقيل خرقت الأرض إذا جبتها. و خرق الغزال و الطائر خرقا من باب تعب: إذا فزع فلم يقدر على الذهاب، و منه قيل خرق الرجل خرقا من باب تعب أيضا: إذا دهش من حياء أو خوف، فهو خرق، و خرق خرقا أيضا إذا عمل شيئا فلم يرفق فيه فهو أخرق، و الأنثى خرقاء. و الخرقة من الثوب: القطعة منه، و الجمع خرق مثل سدرة و سدر.

مقا- خرق- أصل واحد و هو مزق الشي‌ء وجوبه، الى ذلك‌

44

يرجع فروعه. فيقال خرقت الأرض أى جبتها. و اخترقت الريح الأرض، أى جابتها. و المخترق: الموضع الّذى يخترقه الرياح. و الخرق: المفازة لأن الرياح تخترقها. و الخرق: الرجل السخي كأنّه يتخرّق بالمعروف. و الخرق نقيض الرفق، كأنّ الّذى يفعله متخرّق. و التخرّق: خلق الكذب، و ريح خرقاء: لا تدوم في الهبوب على جهة. و الخرقاء: المرأة لا تحسن عملا. و الخرقاء من الشاء و غيرها: المثقوبة الاذن. و الخرقة معروفة. و من الباب الخرق و هو التحيّر و الدهش.

صحا- خرقت الثوب و خرّقته فانخرق و تخرّق و اخرورق، يقال في ثوبه خرق، و هو في الأصل مصدر، و خرّقت الأرض: جبتها، و الخرق:

الأرض الواسعة تتخرّق فيها الرياح، و جمعها خروق، و الخريق: المطمئنّ من الأرض و فيه نبات. و الخريق: الريح الباردة الشديدة الهبوب.

مفر- الخرق: قطع الشي‌ء على سبيل الفساد من غير تدبّر و لا تفكّر، قال تعالى-. أَ خَرَقْتَهٰا لِتُغْرِقَ أَهْلَهٰا- و هو ضدّ الخلق، و انّ الخلق هو فعل الشي‌ء بتقدير و رفق، و الخرق بغير تقدير. قال تعالى-. وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنٰاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ- اى حكموا بذلك على سبيل الخرق و باعتبار القطع، قيل خرق الثوب و خرقه، و خرق المفاوز و اخترق الريح، و خصّ الخرق و الخريق بالمفاوز الواسعة، امّا لاختراق الريح فيها و امّا لتخرّقها في الفلاة، و خصّ الخرق بمن ينخرق في السحاب. و قيل لثقب الاذن إذا توسّع خرق، و صبى أخرق و امرأة خرقاء: مثقوبة الاذن ثقبا واسعا. و باعتبار ترك التقدير قيل: رجل أخرق و خرق و امرأة‌

45

خرقاء، و شبّه بها الريح في تعسّف مرورها فقيل ريح خرقاء. و خرق الغزال إذا لم يحسن أن يغدو لخرقه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو العمل و التصرّف السوء، فينطبق على مفاهيم- القطع، و المزق، و الشقّ، و الطعن، و الفرق، و الثقب، و التجاوز عن الجريان و العادة و الاختلاق- باختلاف الموارد.

فيقال خرق الثوب أى شقّها و مزقها و قطعها، و خرق الأرض أى مشى فيها بنحو المزق و الشدّة و على خلاف الجريان الطبيعىّ و العادىّ في المشي و الطريق، و هذا المعنى مجاز و مأخوذ من خرق الأرض و التصرّف السماء فيها، و خرق الغزال إذا حصلت له حالة الوحشة و انقطع جريان حاله و خرج عن الاعتدال، و اخترقت الريح الأرض إذا تجاوزت عن حدّ الجريان الطبيعي و مزق مهبّها، و هكذا سائر المعاني السابقة للمادّة.

. حَتّٰى إِذٰا رَكِبٰا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهٰا، قٰالَ أَ خَرَقْتَهٰا لِتُغْرِقَ أَهْلَهٰا- 18/ 71- اى عمل فيها تصرّف سوء من الثقب أو القطع أو الشقّ أو الفرق أو غيرها ممّا يوجب الغرق لأهلها.

. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ- 17/ 37- اى لن تقدر أن تشقّها و تمزقها و تتصرّف فيها بما يخالف جريانها الطبيعي.

. وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنٰاتٍ- 6/ 100- أى و تصرّفوا تصرّف سوء في البنين و البنات، و اختلقوا له بنين و بنات، و تجاوزوا عن الجريان الصحيح في أمرهم، و فرّقوهم عن شأنهم و قطعوهم عن سلسلتهم.

و هذه اللطائف هي الّتى أوجبت اختيار هذه المادّة بالتعبير في مواردها.

46

خزن:

مصبا- خزنت خزنا من باب قتل: جعلته في المخزن، و جمعه مخازن، و الخزانة مثل المخزن و الجمع خزائن، و شي‌ء خزين فعيل بمعنى مفعول، و خزنت السرّ: كتمته. و خزن اللحم من باب تعب: تغيّرت ريحه، على القلب من خنز.

صحا- خزنت المال و اختزنته: جعلته في الخزانة. و خزنت السرّو اختزنته: كتمته. و المخزن: ما يخزن فيه الشي‌ء. و الخزانة واحدة- الخزائن. و خزن اللحم بالكسر: أنتن، مثل خنز مقلوب منه.

مقا- خزن: أصل يدلّ على صيانة الشي‌ء، يقال خزنت الدرهم و غيره خزنا و خزنت السرّ.

مفر- الخزن: حفظ الشي‌ء في الخزانة، ثمّ يعبّر به عن كلّ حفظ كحفظ السرّ و نحوه- وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ، فاشارة منه الى قدرته تعالى على ما يريد إيجاده، أو الى الحالة الّتى أشار اليها‌

بقوله ع

- فرغ ربّكم من خلق الخلق و الرزق و الأجل.

و قوله تعالى- فَأَسْقَيْنٰاكُمُوهُ وَ مٰا أَنْتُمْ لَهُ بِخٰازِنِينَ- قيل معناه حافظين له بالشكر، و قيل هو اشارة الى ما أنبأ عنه قوله- أَ فَرَأَيْتُمُ الْمٰاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ- الآية. و الخزنة جمع الخازن- وَ قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا*- في صفة النار و صفة الجنّة. و قوله تعالى-. وَ لٰا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزٰائِنُ اللّٰهِ- اى عندي مقدوراته الّتى صنعها الناس، لأنّ الخزن ضرب من المنع، و قيل جوده- الواسع و قدرته، و قيل هو قوله- كُنْ*.

التهذيب 7/ 208- قال الليث: خزن الشي‌ء يخزنه خزنا: إذا أحرزه في خزانة، و اختزنه لنفسه، و خزانة الرجل قلبه و خازنه‌

47

لسانه. و الخزانة: اسم المكان الّذى يخزن فيه الشي‌ء. و الخزانة:

عمل الخازن. قال ابن الأنبارى: في- وَ لٰا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزٰائِنُ اللّٰهِ- غيوب علم اللّه الّتى لا يعلمها الّا اللّه. و قيل للغيوب: خزائن- لغموضها على الناس و استتارها عنهم، و خزن المال إذا غيبه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الجمع و الضبط في محلّ و مورد معيّن، و هذا المعنى أعمّ من أن يكون المخزون مادّيّا أو معنويّا أو يكون- المخزن جسمانيّا أو روحانيّا، كما في المال المضبوط في الخزانة، و العلوم المضبوطة في القلب، و الصفات المخزونة في النفس.

و أمّا معاني الحفظ و الاستتار و الغيبة و الكتمان و الصيانة: فمن لوازم هذا الأصل و آثاره. و أمّا النتن في اللحم: فمضافا الى القلب، أنّ النتن من آثار الضبط و الحفظ في اللحم، فانه يفسد و ينتن بمضىّ أيّام محدودة.

وَ مٰا أَنْتُمْ لَهُ بِخٰازِنِينَ، ... لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، ... وَ قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا سَلٰامٌ، ... عِنْدِي خَزٰائِنُ اللّٰهِ*، ... عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ ...

. وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ- 15/ 21- فانّ كلّ ما في الوجود فهو اثر من فيوضاته الرحمانيّة، و كلّما في عالم الإمكان فله أصل في مقام الأسماء و الصفات الربّانيّة، و تلك الحقائق و الصفات الثابتة الأزليّة الواسعة الالهيّة مخازن للفيوضات و التجلّيات في العوالم.

. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزٰائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ- 38/ 9- قلنا انّ مراتب الوجود و عوالم التكوين مظاهر رحمانيّة و آثار من تجليّات رحمته، فالرحمة الحقّة الثابتة اللاهوتيّة خزانة الفيوضات و مبدؤها و منشأها. و امّا التعبير بصيغة الجمع:

48

فباعتبار كثرة مظاهرها و تنوّع مجاليها في العوالم.

. وَ لٰا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزٰائِنُ اللّٰهِ- 11/ 21- فانّ الصفات العليا من الرحمة و القدرة و العلم و الحياة الأزليّة الابديّة الواسعة غير المتناهية مخصوصة للّه ذى الجلال و العظمة و العزّ و الجبروت. و ليس لأحد ما له من الجلال و الجمال و و الاقتدار الّا ما أراد و آتى و أعطى- وَ لِلّٰهِ خَزٰائِنُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ...

. وَ قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ- و. قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا سَلٰامٌ- 39/ 71- 73- يراد الأفراد الموكلين المأمورين المدبّرين من الملائكة في تلك العوالم، اى في مقامات الجنّة للمقرّبين، و مقامات الجحيم للمعتدين.

و لمّا كان اهل الجنّة مؤانسين و ملائمين و روحانيّين و نورانيّين: فسلّمت الملائكة عليهم و استقبلتهم بروح و ريحان. و هذا بخلاف أهل جهنّم فانّهم يكونون مستغرقين في الوحشة و الظلمة و الحيرة و الحسرة و الجهالة، فتعرض الملائكة عليهم و يقولون أ لم يأتكم رسل من ربّكم.

خزى:

مصبا- خزى خزيا من باب علم: ذلّ و هان، و أخزاه اللّه: أذلّه و أهانه. و خزى خزاية: استحيى، فهو خزيان، و المخزية على صيغة الفاعل: الخصلة القبيحة، و الجمع المخزيات و المخازي التهذيب 7/ 490- قال الليث: الخزي: السوء، يقال خزى الرجل يخزى خزيا، و اللّه أخزاه و أقامه على خزية و على مخزاة. يقال من الهلاك خزى خزيا، و من الحياء خزى خزاية، و يقال خزيت فلانا إذا استحييت منه. و رجل خزيان و امرأة خزيا: و هو الّذى عمل أمرا قبيحا فاشتدّ لذلك حياؤه و خزايته.

49

مقا- خزو: بالحرف المعتلّ، أصلان: أحدهما- السياسة. و الآخر- الابعاد. فأمّا الأوّل فقولهم خزوته إذا سسته. و أمّا الآخر- فقولهم أخزاه اللّه أى أبعده و مقته، و الاسم الخزي. و من هذا الباب قولهم خزى الرجل: استحيا من قبح فعله، خزاية، فهو خزيان، و ذلك أنّه إذا فعل ذلك و استحيا تباعد و نأى.

صحا- خزا- خزاه يخزوه خزوا: ساسة و قهره. و خزى يخزى خزيا أى ذلّ و هان. و قال ابن السكيت: وقع في بليّة.

لسا- و الخزي: السوء، خزى الرجل يخزى خزيا: وقع في بليّة و شرّه و شهرة فذلّ بذلك و هان. و قد خزى يخزى إذا افتضح و تحير فضيحة و الخزية و الخزية: البليّة يوقع فيها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الحالة الحاصلة عقيب الابتلاء الشديد و بعد نزول البلاء و الشدّة و العذاب الأليم، من التأثر و التحيّر و- اختلال الفكر و التدبير و فساد النظم في الحياة و تفرّق الحوّاسّ.

و امّا معاني- الذلّ و الهوان و البعد و الفضيحة و السوء و الحياء: فمن لوازم هذا الأصل الواحد و من آثاره المترتّبة عليه.

و بهذا يظهر الفرق بينها و بين هذه اللغات.

و لا يخفى ما بين الخزي و الخزو و الخذو من الاشتقاق الأكبر، لتقارب المعاني و الألفاظ، فانّ الخذو هو الاسترخاء، و الخزو هو القهر و هو في مقابل الهوان، و هما متلازمان خارجا.

و يدلّ على هذا الأصل ذكر هذه المادّة بعد النار و العذاب و في مقام-

50

الابتلاء و الشدّة و العذاب، كما في قوله تعالى-. رَبَّنٰا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّٰارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ...،. مَنْ يَأْتِيهِ عَذٰابٌ يُخْزِيهِ* ...،. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُخْزِيهِمْ.

و قد ذكرت في مقابل الذلّ و السوء في-. فَنَتَّبِعَ آيٰاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزىٰ ...-. إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكٰافِرِينَ: فيدلّ على أنّ معناها الحقيقي يخالف الذلّ و السوء، و كذلك الفضيحة-. فَلٰا تَفْضَحُونِ .... وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُخْزُونِ.

ثمّ انّ الخزي من أشدّ العذاب و هو أحرّ من النار، و يدلّ عليه ذكره بعد النار و العذاب المطلق و في مقابل العذاب العظيم، كما في قوله تعالى-. يُعَذِّبْهُمُ اللّٰهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ ...،. عَذٰابٌ يُخْزِيهِ* ...،. لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ* ...

. فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي- 15/ 68- أى لا تجعلوني مستغرقا في التحيّر و الدهشة و تشتت الأفكار و اختلال النظم، و ذلك من شدّة التأثّر و من سوء ما تريدون في حقّى و من قبيح عملكم.

و الخزي من أشدّ ابتلاء الكفّار و المخالفين في الدنيا، حيث انّهم في أثر قبائح أعمالهم و ادامة فسقهم و ضلالهم و كفرهم، يعذّبون بأنواع من البلاء، حتى يقعوا في تيه الحيرة و وادى الدهشة فلا يدرون سبيل النجاة و لا يهتدون رشدا- فَأَذٰاقَهُمُ اللّٰهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا- 39/ 26- لِنُذِيقَهُمْ عَذٰابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا- 41/ 16- و التعبير بالاذاقة: اشارة الى انّ خزى الدنيا آية من خزى الآخرة، و مثله التعبير بصيغة التنكير كما في- لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ*.

و قريب من هذه المادّة لفظا و معنى أيضا: مادّة الخسأ.

خسأ:

مقا- خسأ: يدلّ على الابعاد، يقال خسأت الكلب، و في القرآن- اخْسَؤُا فِيهٰا- كما يقال ابعدوا.

51

مفر- خسأ: خسأت الكلب فخسأ، أى زجرته مستهينا به فانزجر، و ذلك إذا قلت له اخسأ، قال تعالى في صفة الكفّار: اخْسَؤُا فِيهٰا. و قال تعالى:. كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ*، و منه خسأ البصر، أى انقبض عن مهانة، قال. خٰاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ.

التهذيب 7/ 482- خسأ: قال الليث و غيره: تقول خسأت الكلب إذا زجرته، فقلت اخسأ. و الخاسئ من الكلاب و الخنازير: المباعد. و قد خسأ الكلب يخسأ خسوءا. قال تعالى لليهود-. كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ*- اى مدحورين. و يقال: اخسأ اليك و اخسأ عنّى. و خسأ البصر إذا كل و أعيى يخسأ خسوءا. و يقال خسأته فخسأ، أى أبعدته فبعد.

صحا- خسأت الكلب خسئا: طردته، و خسأ الكلب بنفسه، يتعدّى و لا يتعدّى، و انخسأ- الكلب أيضا.

لسا- الخاسئ من الكلاب و الخنازير و الشياطين: البعيد الّذى لا يترك أن يدنو من الإنسان. و الخاسئ: المطرود. و خسأ الكلب طرده قال: كالكلب ان قيل له اخسأ انخسأ اى ان طردته انطرد. و تخاسأ- القوم بالحجارة: تراموا بها و كانت بينهم مخاسأة.

و التحقيق

انّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الطرد مع الاهانة. و أمّا الابعاد و الزجر: فمن لوازم هذا الأصل و آثاره.

و أمّا خسأ البصر: فهو أيضا من هذا المعنى، اى الانطراد إذا كان النظر بصورة التدقيق و التعرّض فلا يمكن له ادامة النظر لنفوذ المنظر و استحكامه و- إتقانه، و أمّا الاعياء و الكلّ: فمن آثار هذا المعنى أيضا.