التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج6

- حسن المصطفوي المزيد...
316 /
5

الجزء السادس

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المدخل]

الحمد للّٰه على هدايته و توفيقه لما دعا اليه من سبيله، و اصلّي و اسلّم على سيّد أنبيائه و رسله، خير خلقه و أشرف بريّته، و آله المعصومين الطاهرين من عترته.

و بعد: فنبدأ بحول اللّٰه تعالى و قوّته، و تأييده و لطفه و رحمته، في الجزء السادس من كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم)، و أوّله حرف الشين، و منه أستمدّ و أستعين، إنّه خير معين.

و أرجو من السادة العظام أن يراجعوا المقدّمة من الجزء الأوّل، قبل مطالعة مباحث الكتاب، ليكونوا على بصيرة من المباني المنظورة.

ربّ يسرّ و لا تعسّر، سهّل علينا يا ربّ العالمين.

أللّهمّ أنت الموفّق و الهادي، و ما النصر إلّا من عندك.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

. بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

باب حرف الشّين

شأم

مقا- شأم: أصل واحد يدلّ على الجانب اليسار، من ذلك المشأمة و هي خلاف الميمنة، و الشأم: أرض عن مشأمة القبلة، يقال الشأم و الشآم، و يقال رجل شآم و امرأة شآميّة.

أسا- شأم: هو من أهل الشأم، و رجل شآم، و قد أشأم، و قعد شأمة:

يسرة. و الشأم عن مشأمة القبلة. و شائم بأصحابك: ياسر. و اعتمد على رجله الشؤمى: اليسرى. و شئم فلان و هو مشؤوم. و أصابهم بالشؤم و المشأمة. و جرى لهم الطائر الأشأم، و الطير الأشائم. فإذا الأشائم كالأيامن و الأيامن كالأشائم.

الجمهرة 3/ 72- الشؤم: مهموز و ربّما خفّف الهمز فقيل شوم. و أخذ على شومي يديه: إذا أخذ على يساره. و شوم الإبل: سودها.

كتاب الأفعال 2/ 111- شأمت القوم و المكان شأما: أخذت في شماله، و الرجل قومه: أنزل بهم الشؤم، و شئم: صار مشؤوما. و أشأم: أتى الشام.

مصبا- الشؤم: الشرّ، و رجل مشؤوم: غير مبارك. و تشاءم القوم به: مثل تطيّروا به. و الشام بهمزة ساكنة و يجوز. تخفيفها، و النسبة شاميّ على الأصل، و يجوز شأم بالمد من غير ياء، مثل يمنّي و يمان.

8

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل اليمن و الميمنة، و اليمن هو البركة و القوّة مادّية و معنويّة في كمّ أو كيف، فيكون الشؤم عبارة عن ما يرادف الضعة مع الضعف.

و مصاديق الأصل: اليد اليسرى، و جهة المشأمة، في قبال الميمنة و اليد اليمنى. و اللون الأسود في قبال البياض. و المشئوم في مقابل ما كان مباركا ميمونا:

فانّ اليد اليمنى لها قوّة و زيادة قدرة و تحرّك و بركة، و هذا بخلاف اليد اليسرى ففيها الضعف و الضعة و المحدوديّة، و لا يجري منها الخير و البركة كما في اليد اليمنى.

و بهذا الاعتبار يطلق عنوان الميمنة و الميسرة على الجهتين في الجيش. و هكذا لون البياض و السواد من جهة القوّة.

فظهر أنّ اطلاق مادّة الشأم على اليد بلحاظ الضعف و الضعة فيها و لا خصوصيّة لموضوع اليد، كما أنّ الميمنة و المشأمة: يلاحظ فيهما جهتا القوّة و البركة و ضعفهما، لا جهتا جانبي اليمين و الشمال- راجع الشمل.

. وَ كُنْتُمْ أَزْوٰاجاً ثَلٰاثَةً فَأَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ- 56/ 10.

. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا هُمْ أَصْحٰابُ الْمَشْأَمَةِ- 90/ 19.

فتدلّ الآيات الكريمة على أنّ المراد اختلاف المقامات من جهة القوّة و الضعف في الايمان و الروحانيّة و نورانيّة القلب و القرب من اللّٰه. و لا توجّه فيها الى جانبي اليمين و اليسار و كونهم في مكان عن يمين أو شمال.

فأصحاب المشأمة: هم الّذين وقعوا في محدودة الأنانيّة و في دائرة الحياة المادّية الظلمانيّة و في سجون التمايلات النفسانيّة، و انقطعوا عن روح و ريحان و جنّة نعيم، في سموم و حميم و ظلّ من يحموم.

و المشأمة كالميمنة: مصدر كالشأم. و الشؤم: اسم مصدر.

و التعبير بالمشأمة دون الشأم أو موادّ اخر: فانّ المصدر الميميّ يدلّ على زيادة‌

9

و استمرار بواسطة زيادة في المبنى و اللفظ. و الشأم هو ضعف مع ضعة في ذات الشي‌ء و في نفسه، و هذا دون موادّ المضيقة و النار و الجحيم و أمثالها.

فمرجع المشأمة الى ضعف في قوّة النفس الانسانيّة في نفسها.

شأن

مقا- شأن: أصل واحد يدلّ على ابتغاء و طلب. من ذلك قول العرب- شأنت شأنه أي قصدت قصده. و من ذلك قولهم- ما هذا من شأني أي ما هذا من مطلبي و الّذي أبتغيه. و امّا الشؤون: فما بين قبائل الرأس، الواحد شأن. و إنّما سمّيت بذلك لأنّها مجاري الدمع، كأنّ الدمع يطلبها و يجعلها لنفسه مسيلا.

صحا- الشأن: الأمر و الحال، يقال لأشأننّ شأنهم أي لافسدّن أمرهم.

و الشأن واحد الشؤون و هي مواصل قبائل الرأس و ملتقاها و منها تجي‌ء الدموع. قال ابن السكّيت: الشأنان عرقان ينحدران من الرأس الى الحاجبين ثمّ الى العينين.

و يقال اشأن شأنك، أي اعمل ما تحسنه. و شأنت شأنه أي قصدت قصده.

و ما شأنت شأنه أي لم أكترث له.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ظهور أمر و تجلّي عمل عن حالة باطنيّة.

و توضيح ذلك: أنّ للإنسان من جهة الحضور و الواقعيّة الحقّة مقامات:

الأوّل- مقام رسوخ الصفات في القلب.

الثاني- حضور المعارف الحقّة في أثر تلك الصفات و جلاء النفس.

الثالث- ظهور الحالات على اقتضاء تلك المعارف و المشاهدات.

الرابع- الإفاضات و الإظهارات الخارجيّة على اقتضاء تلك الحالات.

و هذه الإظهارات من جهة أنّها منتسبة الى الفاعل و بلحاظ جهة الصدور:

يطلق عليها الشأن. و إذا يلاحظ فيها جهة الانتساب الى وقوعها في الخارج و تحقّقها في عالم الطبيعة و المادّة: يطلق عليها العمل.

10

و بهذا الاعتبار يفترق عالم الأمر و عالم الخلق في التكوين: فانّ عالم الأمر هو الإفاضات و النفخ من دون توجّه و حاجة الى المادّة.

. يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ- 55/ 29.

يراد ظهور الإفاضات الرحمانيّة و الألطاف الجارية على مقتضى السؤالات و الدعوات بألسنة حاليّة أو مقاليّة.

و تنكير الشأن: يدلّ على التنوّع و التبدّل و التغيّر، و على هذا لا يمكن أن يراد منه مقام الصفات و لا مقام العلم و الإدراك و لا مقام الحال، فانّ هذه المقامات لا تقبل التحوّل و التنوّع في مقام الالوهيّة، و إن كانت اعتباريّة صرفة في تلك المقام- و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه.

و لمّا كانت من الصفات الراسخة صفة القدرة، و القدرة تلازم الاختيار و تنفي الاضطرار و الجبر: فيكون الشأن من اللّٰه العزيز بالاختيار و الارادة، و هذا معنى قوله تعالى:. وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ- 5/ 64.

فانّ اليد تستعمل بمعنى القدرة. و المغلول هو المحدود في مقابل المبسوط.

. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ.

. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ .... لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ- 80/ 37.

أي ما يتظاهر منهم و ما يتراءى في اثر شدائد حالاتهم: يغنيهم عن التوجّه الى ما سوى أنفسهم.

و قلنا إنّ الشأن هو ما يتظاهر بمقتضى الحال، و ما يناسبه قهرا أو بالاختيار، و هذا حقيقة معنى الآية الكريمة-. يَوْمَ تُبْلَى السَّرٰائِرُ.

. وَ مٰا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ مٰا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لٰا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلّٰا كُنّٰا عَلَيْكُمْ شُهُوداً- 10/ 61.

ذكر الشأن في مقابل العمل: يدلّ على أنّه غيره، و قلنا إنّ الشأن هو ما يتظاهر بمقتضى الحال و يلاحظ فيه جهة الصدور بالقهر أو بالاختيار. و أمّا الفعل فهو عمل‌

11

يصدر باختيار و يلاحظ فيه العمل من حيث هو أو من جهة الوقوع و التحقّق.

. فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ- 24/ 62.

أي لبعض من أعمال لهم تقتضيها حالاتهم و طبائعهم و تشتهيها سرائرهم.

شبه

مصبا- الشبه: من المعادن ما يشبه الذهب. و الشبيه و الشبه: المشابه.

و شبّهت الشي‌ء بالشي‌ء: أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما، و تكون الصفة ذاتيّة و معنويّة. و قد يكون مجازا- الثوب كالدرهم، أي في قيمته. و اشتبهت الأمور و تشابهت: التبست فلم تتميّز و لم تظهر. و شبّهته عليه تشبيها مثل لبّسته عليه.

مقا- شبه: أصل واحد يدلّ على تشابه الشي‌ء و تشاكله لونا و وصفا، يقال شبه و شبه و شبيه. و الشبه من الجواهر: الّذي يشبه الذهب. و المشبّهات من الأمور:

المشكلات. و اشتبه الأمران: إذا أشكلا. و ممّا شذّ عن الباب: الشبهان.

التهذيب 6/ 90- قال الليث: الشبه ضرب من النحاس يلقى عليه دواء فيصفرّ، و سمّي بالشبه: لأنّه شبّه بالذهب. و تقول: في فلان شبه من فلان.

و شبّهت هذا بهذا، و أشبه فلان فلانا. و قال الليث: المشبهات من الأمور:

المشكلات، و تقول شبّهت عليّ يا فلان إذا خلط عليك، و اشتبه الأمر إذا اختلط.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو تنزيل شي‌ء مقام شي‌ء آخر بمناسبة و مشاكلة بينهما في الصورة، و هذا بخلاف المماثلة فهو التجانس و التناسب في مادّة و ذات.

و المجرّد منها لازم، و باب الإفعال و المفاعلة متعدّ الى واحد، و التفعيل متعدّ الى مفعولين، و قد يستعمل بالحرف، فيقال: هو شبه و شبيه، و أشبهه و شابهه، و شبّهه أسدا و بالأسد.

و التشابه لمطاوعة المفاعلة، كما أنّ التشبّه لمطاوعة التفعيل، و الافتعال كالمجرّد‌

12

و يدلّ على الاختيار و الانتخاب.

فالمشابهة: هو الإشباه مع الاستمرار، و التشابه: هو مطاوعة المشابهة مستمرا، فيدلّ على تحقّق الشبه من حيث هو من دون نظر الى متعلّق كما في المشابهة.

. إِنَّ الْبَقَرَ تَشٰابَهَ عَلَيْنٰا- 2/ 70.

. أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ- 13/ 16.

. وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّٰانَ مُتَشٰابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشٰابِهٍ- 6/ 141.

. تَشٰابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ- 2/ 118.

أي إنّ البقر الّذي قد أمرنا بذبحه قد وقع في مورد شبهة علينا و يشكل علينا تعيين مصداقه.

و اجعلوا للّٰه شركاء خالقين و لهم خلق في قبال خلق اللّٰه حتّى يتشابه الخلقان عليهم.

و الزيتون و الرمّان كلّ من أفرادهما متشابه أو غير متشابه فانّ لكلّ منهما أصنافا مختلفة و أفراد كلّ صنف متشابهة و بالنسبة الى صنف آخر غير متشابهة.

و قال الّذين لا يعلمون لولا يكلّمنا اللّٰه أو تأتينا آية كذلك قال الّذين من قبلهم مثل قولهم، فقلوب الفريقين متشابهة.

. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ- 3/ 7.

ينبغي الاشارة الى امور:

1- الإنزال- هو التنزيل من مقام عال الى مرتبة سافلة، فانّ المعارف الإلهيّة و الحقائق النورانيّة الّتي تلائم عوالم اللاهوت و الجبروت و الملكوت، إذا أريد تفهيمها و بيانها في عالم الناسوت: لا بدّ من تنزيلها الى هذا العالم من جهة الألفاظ و البيان و الموضوعات و الأحكام، فيعبّر عن تلك الحقائق بعبارات مخصوصة بهذا العالم، فانّ الكلمات إنّما وضعت في قبال المعاني المادّيّة المحسوسة و لو تصوّرا بإدراكاتنا المحدودة، و لا توجد لنا ألفاظ وضعت للمعاني و المفاهيم الّتي هي من سنخ عوالم من ما وراء المادّة من حيث هي.

13

2- قلنا في كلمة الآية: إنّها ما تكون موردا للتوجّه و القصد في السير الى المقصود و وسيلة للوصول بها اليه. و هذا المعنى يناسب التنزيل.

3- قلنا في الحكم: إنّ المحكم هو الّذي جعل ذا حكم و رأي قطعيّ لا ترديد فيه و لا تشابه، و يقابله المتشابه الّذي ليس فيه بتّ و لا صراحة.

و المحكمات الصريحة القطعيّة منّ امّ الكتاب و أساسه، فانّها موارد للاستفادة و الاستفاضة لعموم الناس، و فيها تبيين الحلال و الحرام و ما يحتاج اليه في الحياة البشريّة.

4- و أمّا الآيات المتشابهة: فهي آيات توصل السالك الى عالم اللاهوت و حقائقها و معارفها، و يستفيد منها بعد تحقّق النورانيّة و الروحانيّة على اختلاف السلوك و مراتبها. فالآية المتشابهة يختلف تشابهها باختلاف مراتب المعرفة و النورانيّة، فكلّما زيدت المعرفة و الارتباط الروحانيّ: قلّ التشابه و الترديد.

و هذه الآيات لا بدّ من وجودها في الكتاب، فانّها للخواصّ و أهل المعرفة.

5- و الّذين في قلوبهم زيغ: فيتّبعون ما تشابه، فانّ من لم يتنوّر قلبه لا يمكن له الاستفادة من حقائق تلك الآيات و التوجّه الى معارفها، و لا سيّما إذا كان منحرفا عن الحقّ و متّبعا عن الضلال، فيستفيد منها على مقتضى رأيه و يفسّرها على ما يطابق هواه و نظره.

. ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا- 3/ 7.

أي لا يعلم محمله و مرجعه الحقيقيّ إلّا اللّٰه و الّذين وصلوا الى حقيقة العلم و رسخت المعرفة في قلوبهم.

و التعبير بالتأويل: إشارة الى أنّ المتشابه لا يفسّر بالظاهر و بالمفاهيم المادّية الظاهريّة، بل يؤوّل الى معنى باطنيّ، طبق الدلالة العامّة و الاشتراك المعنويّ في الألفاظ، و على مقتضى نورانيّة الباطن.

. اللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ- 39/ 23.

و القرآن أحسن حديث يذكر فيه أحسن ما يذكر في العلوم المتنوّعة و المعارف‌

14

الحقّة من الأخلاقيّات و تهذيب النفس و السلوك الى اللّٰه تعالى و الحقائق الإلهيّة و ما يرتبط بما وراء عالم المادّة و العلوم الاجتماعيّة و آداب المعاشرة و قصص من الأنبياء الماضين.

و هذا الكتاب بظاهره و من جهة الكلمات و التعبيرات و ظاهر المطالب و كلّيات المعاني: لا امتياز له، و هو كسائر الكتب المؤلّفة، إلّا أنّ الدقّة و التحقيق و التدبّر في جزئيّات ألفاظه و معانيه و تعبيراته: تعطي امتيازا له في حدّ الاعجاز للبشر- راجع موارد مربوطة كالقرء و غيره.

فهو ظاهرا متشابه، كما في المتشابهات من الآيات، إلّا أنّ القلوب و الجلود تقشعرّ من عظمته، و ما يعلم تأويله إلّا اللّٰه و الراسخون في العلم.

و هو مع هذا مثاني، أي انعطافات من العلائق المادّيّة، راجع ثنى.

. وَ قَوْلِهِمْ إِنّٰا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّٰهِ وَ مٰا قَتَلُوهُ وَ مٰا صَلَبُوهُ وَ لٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ .... وَ مٰا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللّٰهُ إِلَيْهِ- 4/ 157.

هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ اليهود لم يقتلوه و لم يصلبوه بل إنّ هذا الأمر قد شبّه لهم من الخارج بأيّ طريق قد وقع.

و أمّا جزئيّات هذا الأمر: فخارج عن مرحلة التحقيق و البحث.

و أمّا رفعه اليه: يراد الرفع الروحاني، فانّ الرفع الجسدانيّ الى جانب اللّٰه تعالى غير مناسب. نعم لمّا كان بدن عيسى (ع) و تكوينه على نحو مخصوص ممتاز [. بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ] فلا يبعد كون بدنه قريبا من البدن البرزخيّ أو قابلا بذلك.

و التعبير بالتشبيه متعدّيا: إشارة الى تحقّق المعنى بالارادة الغيبيّة و من جانب اللّٰه المتعال.

. كُلَّمٰا رُزِقُوا مِنْهٰا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قٰالُوا هٰذَا الَّذِي رُزِقْنٰا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشٰابِهاً- 2/ 25.

الموضوعات في عالم المادّة و البرزخ متقاربة شكلا، كما أنّ البدن الدنيويّ و البرزخيّ أيضا متشابهان في الصورة.

و إذا اريدت ثمرات روحانيّة: فانّ المؤمنين الكاملين يستلذّون في حياتهم‌

15

الدنيا بأنواع الثمرات الروحانيّة و هم كانوا يأنسون بها.

و أمّا وجود السابقة و التشابه: فانّ السابقة توجب زيادة انس و تكشف عن وجود علاقة من قبل، و كذلك وجود التشابه في الصورة.

و تدلّ الآية الكريمة على أنّ كلّ رزق يرزقون به في الآخرة: إنّما هو متشابه بالرزق الدنيويّ و بما استفاض منه في أيّام حياته، فمن حرم عن الأرزاق الروحانيّة في الدنيا فهو محروم عنها في الآخرة أيضا.

. وَ جَنّٰاتٍ مِنْ أَعْنٰابٍ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّٰانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشٰابِهٍ- 6/ 99.

الافتعال يدلّ على إفادة النسبة على الوفاق و المطاوعة من دون إباء قهرا أو اختيارا، كما أنّ المفاعلة تدلّ على الاستمرار.

و عبّر في هذه الآية بصيغة الافتعال (مشتبها) و في آية:. وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّٰانَ مُتَشٰابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشٰابِهٍ- 6/ 141.

بصيغة التشابه: فانّ الطوع و الاختيار يلازم التنوّع و حصول الاختلاف، فإذا ذكر الاختلاف (مختلفا) في هذه الآية: اقتضى ذكر التشابه، و هذا بخلاف الآية السابقة الّتي لم يذكر فيها الاختلاف.

شتّ

مصبا- شتّ شتّا من باب ضرب: إذا تفرّق، و الاسم الشتات، و شي‌ء شتيت متفرّق، و قوم شتّى على فعلى متفرّقون، و جاءوا أشتاتا كذلك، و شتّان ما بينهما: بعد.

مقا- شتّت: أصل يدلّ على تفرّق و تزيّل، من ذلك تشتيت الشي‌ء المتفرّق، تقول شتّ شعبهم شتاتا و شتّا، تفرّق جمعهم. و يقال جاء القوم أشتاتا. و ثغر شتيت: مفلّج حسن، و هو من هذا كأنّه يقال إنّ الأسنان ليست بمتراكبة. و شتّان ما هما، يقولون إنّه الأفصح. و ربّما قالوا- شتّان ما بينهما.

التهذيب 11/ 269- قال الأصمعيّ: شتّ بقلبي كذا و كذا، أي فرّقه.

و يقال شتّ بي قومي: أي فرّقوا أمري، و شتّوا أمرهم: فرّقوه. و قد استشتّ الأمر‌

16

و تشتّت إذا انتشر. و يقال جاء القوم أشتاتا، و شتات شتات. و وقعوا في أمر شتّ و شتّى. و إنّي أخاف عليكم الشتات أي الفرقة. و شتّان مصروفة عن شتت، فالفتحة الّتي في النون هي الفتحة الّتي كانت في التاء، و تدلّ تلك الفتحة على أنّه مصروف عن الماضي. و كذلك و شكان و سرعان، و الأصل: و شك و سرع. و شتّان ما هما، و لا يقال شتّان ما بينهما.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو تفرّق مخصوص و هو تفرّق الأعضاء و الأجزاء كلّ من الآخر، في مادّيّ أو معنويّ.

و التفرّق أعمّ من أن يكون بين أجزاء أو جزئين أو غيرها، فيقال تفرّق زيد و عمرو. فالتفرّق في قبال مطلق التجمّع. و الانفصال في قبال مطلق الاتّصال، و يلاحظ فيه حصول مطلق فصل بعد وصل، و الأغلب كونه في شي‌ء واحد.

. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً- 24/ 61.

. يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ- 99/ 6.

. فَأَخْرَجْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْ نَبٰاتٍ شَتّٰى- 20/ 53.

أي أن تأكلوا في حال كونكم مجتمعين أو متفرّقين. يومئذ يخرج الناس متفرّقين لمشاهدة الأعمال. و أخرجنا به أزواجا من نباتات مختلفة متفرّقة.

. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى- 59/ 14.

أي إنّهم في الظاهر مجتمعون على برنامج واحد و لكنّ بواطنهم متشتّتة، لا يجمعها رأي واحد.

و هذا الشتّ في أمر معنويّ، و استعمال المادّة في هذه الآية و في الآية السابقة في مقابل مادّة الجمع: يدلّ على الأصل المذكور.

و شتّى: جمع شتيت، كمرضى في المريض.

. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّٰى فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ- 92/ 5.

أي إنّ مجاهداتكم متشتّتة و ليست في صراط واحد و على مقصد فارد.

17

و ينبغي للعاقل المتدبّر أن تكون مساعيه في حياته على برنامج صحيح منظّم، تقرّبه من مطلوبه و مقصوده، و تسلكه الى سعادته، و ترشده الى صلاحه و كماله-. لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ.

شتو

مقا- شتو: أصل واحد لزمان من الأزمنة، و هو الشتاء، خلاف الصيف، و هي الشتوة، و الموضع المشتاة و المشتىٰ. و قال الخليل: الشتاء معروف، و الواحد الشتوة، و هذا قياس جيّد، و هو مثل شكوة و شكاء. و يقال أشتى القوم إذا دخلوا في الشتاء، و شتوا إذا أصابهم الشتاء.

مصبا- الشتاء: قيل جميع شتوة، نقله بعضهم عن الفرّاء و غيره، و يقال إنّه مفرد علم على الفصل، و لهذا جمع على الأشتية، و جمع فعال على أفعلة مختصّ بالمذكّر، و اختلف في النسبة فمن جعله جمعا قال في النسبة شتويّ ردّا الى الواحد، و ربّما فتحت التاء فقيل شتويّ على غير قياس، و من جعله مفردا نسب اليه على لفظه فقال شتائيّ و شتاويّ.

التهذيب 11/ 396- قال الليث: الشتاء معروف، و الواحدة: شتوة، و الموضع المشتى و المشتاة، و الفعل شتا يشتو، و يوم شات و يوم صائف. و العرب تسمّي القحط شتاء، لأنّ المجاعات أكثر ما تصيبهم في الشتاء إذا قلّ مطره و اشتدّ برده. و هذه مشاتينا و مصايفنا و مرابعنا، أي منازلنا في الشتاء و الصيف و الربيع، و عن ابن الأعرابيّ: الشتا: الموضع الخشن، و الشتا: صدر الوادي.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الصيف و هو زمان برودة الهواء، و الاشتقاق فيها انتزاعيّ.

. لِإِيلٰافِ قُرَيْشٍ .... رِحْلَةَ الشِّتٰاءِ وَ الصَّيْفِ- 106/ 2.

فانّ أفراد قريش كانوا يرتحلون الى بلاد خارجة عن الحجاز و مكّة، للتجارة‌

18

و لتأمين معاشهم، ففي الصيف الى أراضي الشامات الواقعة في جهة الشمال من الحجاز، و هي فعلا أراضي أردن و فلسطين و إسرائيل و لبنان و سوريّا، و هي من الأراضي المعتدلة. و في الشتاء الى أراضي اليمن الواقعة في جهة الجنوب من الحجاز، و هي من المناطق الحارّة القريبة من خطّ الاستواء، بين 10 درجة الى 18 و في قريب من 65 درجة طولا.

شجر

مقا- شجر: أصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، و لا يخلو معناهما من تداخل الشي‌ء بعضه في بعض و من علوّ في شي‌ء و ارتفاع، و قد جمعنا بين فروع هذين البابين لما ذكرناه من تداخلهما. فالشجر معروف، الواحدة شجرة، و هي لا تخلو من ارتفاع و تداخل أغصان. و واد شجر: كثير الشجر، و يقال هذه الأرض أشجر من غيرها، أي أكثر شجرا. و الشجر كلّ نبت له ساق. و شجر بين القوم الأمر: إذا اختلف أو اختلفوا و تشاجروا فيه، و سمّيت مشاجرة لتداخل كلامهم بعضه في بعض. و اشتجروا: تنازعوا. و أمّا شجر الإنسان: فقال قوم هو مفرج الفم، و كان الأصمعي يقول: الشجر الذقن بعينه، و القولان عندنا متقاربان لأنّ اللحيين إذا اجتمعا فقد اشتجرا، كما ذكرناه من قياس الكلمة. و يقال اشتجر الرجل إذا وضع يده على شجرة. و يقال شجرت الشي‌ء: إذا تدلّى فرفعته.

مصبا- الشجر: ماله ساق صلب يقوم به، كالنخل و غيره. الواحدة شجرة، و يجمع أيضا على شجرات و أشجار. و شجر الأمر بينهم شجرا من باب قتل:

اضطرب. و تشاجروا بالرماح: تطاعنوا. و أرض شجراء: كثيرة الشجر. و المشجرة:

موضع الشجر.

التهذيب 10/ 528- الشجرة: الواحدة، تجمع على الشجر و الشجرات و الأشجار. و المجتمع الكثير منه في منبته: شجراء، و أمّا المشجرة: فهي أرض تنبت الشجر الكثير. و أرض شجيرة، و واد شجير: ذو شجر كثير. فيما شجر بينهم، أي فيما وقع من الاختلاف من الخصومات حتّى اشتجروا و تشاجروا، أي تشابكوا‌

19

مختلفين. و يقال التقى فئتان فتشاجروا برماحهم. و كلّ شي‌ء خالف بعضه بعضا فقد اشتبك و اشتجر، و سمّي الشجر شجرا لدخول بعض أغصانه في بعض، و من هذا قيل لمراكب النساء مشاجر، لتشابك عيدان الهودج بعضها في بعض.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما نما و علا و ظهرت منه غصون و أوراق، سواء كان مادّيّا أو معنويّا.

فالمادّيّ كما في:. وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبٰالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ- 22/ 18.

. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً- 36/ 80.

. إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ- 48/ 18.

يراد الشجر المادّيّ الخارجيّ.

و المعنويّ كما في:. لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ- 56/ 52.

. وَ لٰا تَقْرَبٰا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونٰا مِنَ الظّٰالِمِينَ*- 2/ 35.

. وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ- 17/ 60.

فانّ الشجر في ما وراء عالم المادّة لا بدّ أن يكون من سنخه، و لا أقلّ من كونه خارجا عن المادّة و الكثافة، و لا يخرجه عن كونه مصداقا لمفهوم الشجر حقّا، فانّه مفهوم عامّ.

و المناسب بمفهوم الشجرة في عالم البرزخ: هو ما ينمو و يعلو و يتظهّر في النفس و يعبّر عنه بالأنانيّة، و هذا هو الحجاب الأكبر، و الصنم الأعظم-. تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ، و هذا هو الشرك في قبال اللّٰه العزيز و الظلم الشديد-. فَتَكُونٰا مِنَ الظّٰالِمِينَ* ...،. إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

. فَلَمّٰا ذٰاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمٰا سَوْآتُهُمٰا- 7/ 22.

. مٰا نَهٰاكُمٰا رَبُّكُمٰا عَنْ هٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلّٰا أَنْ تَكُونٰا مَلَكَيْنِ- 7/ 20.

. قٰالَ يٰا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لٰا يَبْلىٰ- 20/ 120.

20

فوسوس له الشيطان بأنّ النهي عن الشجرة لأن يكونا ملكين و أن يخرجا عن حدود الانسانيّة. و الإنسان لازم أن يقوّي نفسه و يتوجّه اليه و يأتي بما يزيده قدرة و سلطة و حكومة و تشخّصات حتى يتمكّن من إدامة الحياة و يتحصّل له البقاء في العيش.

غفلة عن أنّ قدرة النفس و قوّته و سلطته إنّما تتحصّل بالعبوديّة و الإطاعة و كسر الأنانيّة، و بهذا يتحقّق البقاء و الدوام له، و يرتفع الضعف، و تمحو آثار السوءات عن وجوده.

و هذه الوسوسة الشيطانيّة جارية في أكثر أهل الدنيا المغرورين بها.

و قد تطلق الشجرة في ظهور حقّ و تجلّيه و ارتفاع نوره و اعتلائه.

. فِي الْبُقْعَةِ الْمُبٰارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ- 28/ 30.

. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لٰا شَرْقِيَّةٍ- 24/ 35.

يراد مقام التجلّي و الظهور الأعظم لنوره.

فظهر أنّ الأصل الواحد في الشجرة: هو المتجلّي المتظاهر المتعالي، أعمّ من أن يكون في مقام مادّيّ أو روحانيّ.

. وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلّٰا فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَمٰا يَزِيدُهُمْ إِلّٰا طُغْيٰاناً كَبِيراً- 17/ 60.

المراد من هذه الشجرة الملعونة: الّذين يتظاهرون من المسلمين و يترفّعون و يدعون الناس الى أنفسهم خلاف الرسول و الكتاب، و هؤلاء قد لعنوا في القرآن الكريم بعناوين مختلفة، بالظلم، و الفساد، و الكفر، و إيذاء اللّٰه و رسوله، و نقض الميثاق.

. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ- 33/ 57.

. فَبِمٰا نَقْضِهِمْ مِيثٰاقَهُمْ لَعَنّٰاهُمْ- 5/ 13.

. أَلٰا لَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الظّٰالِمِينَ- 11/ 18.

فالمصداق الأتمّ من هذا العنوان: الطوائف اللاتي يخالفن المسلمين، و يظلمن الناس، و يؤذين أئمّة الإسلام، و ينقضن عهودهم.

21

و في رأس هذه الجماعات: بنو اميّة، و وردت روايات فيها.

. فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ- 4/ 65.

في موضوعات قد ارتفعت و تظاهرت و أوجبت اختلافات فيما بينهم.

فالشجر و التشاجر إذا وقع في مقام الروحانيّة و الالوهيّة: فهو شجرة مباركة و تجلّي نور. و إذا وقع في قبال الحقّ: فهو ظهور باطل و خلاف و أنانيّة، سواء كان في موضوع خارجيّ أو في عمل.

شح

مصبا- الشحّ: البخل، و شحّ يشحّ من باب قتل، و في لغة من بابي ضرب و تعب، فهو شحيح، و قوم أشحّاء و أشحّة، و تشاحّ القوم: إذا شحّ بعضهم على بعض.

مقا- شحّ: الأصل فيه المنع، ثمّ يكون منعا مع حرص. من ذلك الشحّ و هو البخل مع حرص. و يقال تشاحّ الرجلان على الأمر، إذا أراد كلّ واحد منهما الفوز به و منعه من صاحبه. و الزند الشحاح: الّذي لا يوري. و يقولون للمواظب على الشي‌ء شحشح، و لا يكون مواظبته عليه إلّا شحّا به. و يقولون للغيور شحشح، و هو ذاك القياس، لأنّه إذا غار منع.

الفروق- 144- الفرق بين الشحّ و البخل: أنّ الشحّ الحرص على منع الخير، و يقال زند شحاح إذا لم يور نارا و إن أشحّ عليه بالقدح، كأنّه حريص على منع ذلك. و البخل منع الحقّ، فلا يقال لمن يؤدّي حقوق اللّٰه تعالى بخيل.

لسا- الشحّ و الشحّ: البخل، و الضمّ أعلى. و قيل هو البخل مع الحرص و هو أبلغ في المنع من البخل. و قيل البخل في أفراد الأمور و آحادها، و الشحّ عامّ. و قيل البخل بالمال و الشحّ بالمال و المعروف. و شحّ بالشي‌ء و عليه يشحّ. و الشحشاح:

الممسك البخيل.

22

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو البخل الشديد الراسخ في القلب، و من لوازم هذا المعنى كونه أبلغ، و أن يكون مع الحرص.

. وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*- 59/ 9.

أي الّذي يصان عن الشحّ المكنون في نفسه: هو المفلح.

و هذه الصفة إذا رسخت و ثبتت في القلب و غلبت على القوى: تمنع النفس عن مطلق عمل الخير قولا و فعلا، بل تمنع عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تعليم الجاهل و تربية الناس و هدايتهم و إرشادهم، و الإنفاق و الإحسان و الإعانة بأيّ صورة يمكنه و الخدمة لهم.

. وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَ إِنْ تُحْسِنُوا- 4/ 128.

أي و قوربت الأنفس بالشحّ و موزجت به، فيشكل لها الإحسان و العمل بالمعروف و الصلاح و الخير أزيد ممّا عليه.

فدفع الشحّ و العمل بالخير و الصلاح: هو طريق الفلاح.

. فَإِذٰا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدٰادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ- 33/ 19.

. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذٰا جٰاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ- 33/ 19.

فالشحّ: حالة طبيعيّة و صفة باطنيّة لهم يظهر منهم قبل مجي‌ء الخوف و بعد زواله، و هو نتيجة حبّ النفس و حبّ الحياة الدنيا، فيجمع المال للحياة الدنيا، و لا يطلب في أعماله إلّا تعظيم نفسه، فيمنع الخير و إجراءه للنفس.

و اختلاف التعبير في- عليكم- على الخير: إشارة الى أنّ شحّهم في المرتبة الاولى على جماعة المسلمين و في خصوص قدرتهم و قوّتهم و نفوذهم و وسعهم، و إنّهم يمنعون عن هذه البسطة لهم و حريصون لها، ثمّ إذا جاءهم الخوف يتوجّهون اليهم و يتوسّلون بهم ليدفعوا عنهم الشرّ، ثمّ إذا ارتفع الخوف سلقوهم و يظهرون شحّهم‌

23

عليهم و يمنعون عن كلّ خير لهم.

فالمرتبة الاولى أشدّ و أقوى، و هي مبدأ الثانية، كما أنّ مبدأ الاولى أيضا هو حبّ النفس من حيث هو، و هذا هو الشرك.

شحم

مقا- شحم: أصل يدلّ على جنس من اللحم، من ذلك الشحم، و هو معروف، و شحمة الاذن معلّق القرط. و رجل مشحم كثير الشحم، و إن كان يحبّه قيل شحم، و إن كان يطعمه أصحابه قيل شاحم، و إن كان يبيعه قيل شحّام.

مصبا- الشحم من الحيوان معروف، و الشحمة أخصّ منه، و الجمع شحوم. و شحم شحامة: كثر شحم جسده، فهو شحيم. و شحمة الاذن: ما لان في أسفلها، و هو معلّق القرط.

الجمهرة 2/ 160- و الشحم معروف، يقال شحم الرجل يشحم شحما، إذا سمن، و هو شحم و شحيم. و أشحم الرجل إذا شحمت إبله، و هو شاحم لاحم، إذا كان عنده الشحم و اللحم، كما قالوا- تامر لابن، و رجل شحم لحم إذا قرم (اشتدّت شهوته) اليهما. و أشحم الرجل أصحابه إذا أطعمهم الشحم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل اللحم من الحيوان، أي ما كان أبيض و فيه دسومة.

. وَ عَلَى الَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمٰا إِلّٰا مٰا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمٰا أَوِ الْحَوٰايٰا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ- 6/ 146.

الظاهر من الظفر: هو المخلب في الطير و الحافر في الدوابّ، و لا يبعد كونه أعمّ منهما. و الشحوم: من البقر و الغنم ما يكون قابلا للتفصيل و التفكيك إلّا ما في ظهورهما. و ما في محتويات داخلهما و المختلط بالعظم: فغير محرّم.

24

و هذا التضييق في الحكم كان مخصوصا باليهود-. ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِبَغْيِهِمْ.

شحن

مقا- شحن: أصلان متبائنان، أحدهما يدلّ على المل‌ء، و الآخر على البعد.

فالأوّل- قولهم- شحنت السفينة: إذا ملأتها. و من الباب أشحن فلان للبكاء: إذا تهيّأ له كأنّه اجتمع له. و أمّا الآخر: فالشحن الطرد، يقال شحنهم إذا طردهم. و يقال للشي‌ء الشديد الحموضة إنّه ليشحن الزبّان أي يطردها. و من الباب الشحناء و هي العداوة، و عدوّ مشاحن أي مباعد.

الجمهرة 2/ 160- و شحنت البيت و غيره أشحنه شحنا إذا ملأته، و شحنت الثغر بالجند إذا سددته بهم، و شحنت السفينة إذا ملأتها، و شحنت على فلان أشحن شحنا من الشحناء.

أسا- شحن السفينة: ملأها و أتمّ جهازها كلّه، و بينهما شحناء: عداوة، و هو مشاحن لأخيه. و يقال للشي‌ء الشديد الحموضة: إنّه ليشحن الذباب أي يطرده.

التهذيب 4/ 184- قال الليث: الشحن: ملؤك السفينة و إتمامك جهازها كلّه، فهي مشحونة. قلت: و الشحنة: ما يقام للدوابّ من العلف الّذي يكفيها يومها و ليلتها، هو شحنتها. و شحنة الكورة: من فيهم الكفاية لضبطها من أولياء السلطان. و قال الليث: الشحناء: العداوة، و هو مشاحن لك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التماميّة من جهة الجهاز و الوسائل اللازمة، و هذا المعنى في كلّ شي‌ء بحسبه.

فيقال شحنت البيت: إذا أتممت تجهيزاتها اللازمة على ما تقتضيها، و شحنت السفينة: في إتمام ما يلزم في كونها مجهّزة، و شحنت الثغر: إذا أكملت ما يلزم لها من القوى الدفاعيّة و حفظ الثغور، و إنّه ليشحن: إذا كان مجهّزا و مهيّأ للعمل المعيّن، و هو مشاحن: إذا قام مجهّزا في مقابل فرد آخر و يلازمه العداوة و الخلاف، و الفعل منه‌

25

الشحناء، و هكذا الشحنة: لما يستعدّ و يجهّز لتأمين طعام الدوابّ، أو لتأمين محلّ.

و أمّا مفهوم الدفع و الردّ: فهو من لوازم الأصل، فانّ التجهيز يلازم التكميل و رفع النواقص و الحاجات، و هذا المعنى يلازم الاستقلال و التنحّي و التباعد.

. فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- 26/ 119.

. وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنّٰا حَمَلْنٰا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- 36/ 41.

. وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- 37/ 140.

يراد المجهّز التمام الجامع للشرائط اللازمة و الجهات المقتضية، حتّى يصحّ فيه السكنى على الماء و حركته و جريانه و الاطمينان عليه من الغرق.

و لا يخفى أنّ خلق الماء على كيفيّة مخصوصة و مقدار معيّن من اللطافة، و خلق موادّ الفلك بحيث يتمكّن من الاستقرار في الماء و الجريان فيه، و هكذا تكوين الهواء على شرائط مقتضية، و هكذا سائر الشرائط و اللوازم كلّها راجعة الى اللّٰه المتعال- راجع الفلك.

و ظهر أنّ الشحن ليس بمعنى المل‌ء، و لا يناسب في الآيات الكريمة أن يحمل عليه، فانّ اقتضاء التعبير فيها أن يكون الشحن قبل حمل الذريّة و قبل ركوبهم، و هذا غير صحيح. مضافا الى أنّ مل‌ء الفلك مطلقا ليس من الجهات المرجّحة المحسّنة في الموارد، بل بالعكس.

شخص

مقا- شخص: أصل واحد يدلّ على ارتفاع في شي‌ء. من ذلك الشخص، و هو سواد الإنسان إذا سما لك من بعد. ثمّ يحمل على ذلك فيقال شخص من بلد الى بلد، و ذلك قياسه. و منه أيضا شخوص البصر، و يقال رجل شخيص و امرأة شخيصة، أي جسيمة. و من الباب أشخص الرامي، إذا جاز سهمه الغرض من أعلاه، و هو سهم شاخص، و يقال إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به، و ذلك أنّه إذا قلق نبا به مكانه فارتفع.

مصبا- شخص يشخص شخوصا: خرج من موضع الى غيره، و يتعدّى‌

26

بالهمزة فيقال أشخصته. و شخص شخوصا أيضا: ارتفع، و شخص البصر إذا ارتفع. و يتعدّى بنفسه فيقال شخص الرجل بصره إذا فتح بعينيه لا يطرف، و ربّما يعدّى بالياء فقيل شخص الرجل ببصره، فهو شاخص، و أبصار شاخصة و شواخص، و شخص السهم شخوصا: جاوز الهدف من أعلاه. و الشخص: سواد الإنسان تراه من بعد ثمّ استعمل في ذاته.

أسا- رأيت أشخاصا و شخوصا، و امرأة شخيصة كقولك جسيمة، و شخص من مكانه و أشخصته. و من المجاز: شخص الشي‌ء إذا عيّنه، و شي‌ء مشخّص، و شخص بصر الميّت، و شخص اليك بصري، و الأبصار نحوك شاخصة، و أشخص فلان بفلان إذا اغتابه، و أشخصت له في المنطق إذا اغتابه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ترفّع في مورد خاصّ أو لفرد، في خارج أو في منطق أو في عضو.

فيقال رجل شخيص أي مترفّع في حالاته، و شخص من مكانه إذا ترفّع منه و انتقل الى مكان آخر، و شخص بصره إذا ترفّع و فتح عينيه و نظر الى علوّ كأنّه ينظر الى ما فوق محيطه الظاهريّ.

. إِنَّمٰا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصٰارُ- 14/ 42.

شخوص البصر إنّما يتحقّق إذا صرف نظره عن كلّ محسوس و تحيّر في توجّهه و شخص بصره كأنّه لا يبصر شيئا و لا يهتدي الى سبيل، و ذلك من شدّة الحادثة و حدّتها و إحاطة الابتلاء و الدهشة و الحيرة-. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لٰا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ.

. وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذٰا هِيَ شٰاخِصَةٌ أَبْصٰارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يٰا وَيْلَنٰا قَدْ كُنّٰا فِي غَفْلَةٍ- 21/ 97.

من شدّة ابتلاء ذلك اليوم.

و تدلّ الآية الكريمة على أنّ الشخوص نتيجة الغفلة، فانّ من غفل عن درك‌

27

المطلوب و سلوك الطريق الحقّ و لم يتوجّه الى ما هو المقصود: فيصبح في غده حيران و من شدّة اضطرابه سكران-. وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ.

شدّ

مقا- شدّ: أصل واحد يدلّ على قوّة في الشي‌ء، و فروعه ترجع اليه، من ذلك شددت العقد شدّا أشدّه. و الشدّة: المرّة الواحدة، و هذا القياس في الحرب أيضا.

و من الباب الشديد و المتشدّد: البخيل. و عن أبي زيد: أصابتني شدّى أي شدّة.

و يقال أشدّ القوم إذا كانت دوابّهم شدادا. و شدّ النهار: ارتفاعه. و الأشدّ:

العشرون، و يقال أربعون سنة. و بعضهم يقولون لا واحد لها.

مصبا- شدّ الشي‌ء يشدّ من باب ضرب شدّة: قوي، فهو شديد، و شددته شدّا من باب قتل: أوثقته. و الشدّة: المرّة منه. و شددت العقد فاشتدّت، و منه شدّ الرحال، و هو كناية عن السفر. و رجل شديد: بخيل. و شدّد عليه: ضدّ خفّف.

التهذيب 11/ 265- الشدّ: الحمل، تقول شدّ عليه في القتال. و الشدّ:

الحضر، و الفعل اشتدّ. و الشدّة: الصلابة. و الشدّة: النجدة و ثبات القلب.

و الشدّة: المجاعة. و رجل شديد: شجاع. و إنّه لحُبّ الخير لشديد، أي لبخيل. قال الفرّاء: الأشدّ: واحدها شدّ في القياس، و لم أسمع لها بواحد. و عن أبي الهيثم:

واحدة الأنعم نعمة، و واحدة الأشدّ شدّة، و الشدّة: القوّة و الجلادة. و الشديد:

الرجل القويّ، و كأنّ الهاء في النعمة و الشدّة كانت زائدة، و كأنّ الأصل نعم و شدّ، فجمعا على أنعم و أشدّ، كما قالوا رجل و أرجل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الرخاوة، كما أنّ القوّة ما يقابل الضعف، و الخشونة ما يقابل اللين.

و ليست المادّة بمعنى القوّة و لا الثقل و لا الصلب و لا الحدّة، فانّ كلّا منها يوصف بها، كما في:. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ.

28

. وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً ...،. وَ كٰانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً.

فالشدّة ليست بمفهوم مستقلّ، بل تدلّ على درجة قويّة عالية من كلّ مرتبة، و هي تختلف باختلاف الموضوعات، ففي كلّ موضوع بحسبه.

ففي الموضوعات الخارجيّة:. أَوْ آوِي إِلىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ- 11/ 80.

. وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ- 48/ 29.

. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدٰادٌ- 12/ 48.

و في الموضوعات الروحانيّة:. عَلَيْهٰا مَلٰائِكَةٌ غِلٰاظٌ شِدٰادٌ- 66/ 6.

و في الأعمال الخارجيّة:. وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ- 2/ 191.

و في الأعمال الروحانيّة:. وَ اشْدُدْ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ- 10/ 88.

و فيما يرتبط بالأمور الاخرويّة:. أَنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ* ...،. أَنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعَذٰابِ ...،. وَ لَعَذٰابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ ...

. وَ لَمّٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً- 12/ 22.

. وَ لَمّٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوىٰ آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً- 28/ 14.

. فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا- 18/ 82.

الاولى راجعة الى النبيّ يوسف (ع)، و الثانية الى الكليم موسى (ع)، و الثالثة الى الغلامين اليتيمين.

و أمّا التعبير بصيغة الجمع: إشارة الى أنّ بلوغ الشدّة لازم أن يتحقّق في جميع القوى الظاهريّة و الباطنيّة و من جميع الجهات.

و بلوغ الأشدّ يختلف بالاستعدادات الذاتيّة ثمّ بالاختلاف في الأمور الّتي يتوقّع حصولها موضوعا و حكما.

و تحديده بزمان معيّن غير صحيح، و يمكن انطباقه على بلوغ عشرين الى الأربعين، باختلاف الأشخاص و الموضوعات .. حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قٰالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ.

و لمّا كان مفهوم الشدّة من مراتب الموضوعات: فلا حاجة لنا الى البحث في موارده، فليراجع الى متعلّقاته.

29

شرب

مقا- شرب: أصل واحد منقاس مطّرد، و هو الشرب المعروف، ثمّ يحمل عليه ما يقاربه مجازا و تشبيها. تقول: شربت الماء أشربه شربا، و هو المصدر، و الشّرب الاسم. و الشرب القوم الّذين يشربون. و الشرب: الحظّ من الماء. و الشربة: ماء يجمع حول النخلة يكون منها شربها، و الجمع شرب. و المشربة: الموضع الّذي يشرب منه الناس. و ماء شروب و شريب: إذا صلح أن يشرب و فيه بعض الكراهة.

و الإشراب: لون قد اشرب من لون، يقال فيه شربة حمرة. و يقال اشرب فلان حبّ فلان: إذا خالط قلبه. و شارب الإنسان معروف، و يجمع على شوارب. و الشوارب أيضا عروق محدقة بالحلقوم. و حمار صخب الشوارب من هذا، إذا كان شديد النهيق.

مصبا- الشراب: ما يشرب من المائعات، و شربته شربا، و الاسم الشرب، و قيل هما لغتان، و الفاعل شارب، و الجمع شاربون و شرب و يجوز شربة. قال السرقسطي: و لا يقال في الطائر شرب الماء و لكن يقال حسا. و قيل العبّ شرب الماء من غير مصّ. و قال الأصمعيّ: يقال في الحافر كلّه و في الظلف (أي ذي الظلف) جرع الماء يجرعه، و هذا كلّه يدلّ على أنّ الشرب مخصوص بالمصّ حقيقة و لكنّه يطلق على غيره مجازا. و الشرب: النصيب من الماء.

التهذيب 11/ 352- و قال الليث: يقال شرب شربا و شربا، و الشرب:

وقت الشرب. و المشرب: الوجه الّذي يشرب منه و يكون موضعا و مصدرا.

و الشراب: اسم لما يشرب، و كلّ شي‌ء لا يمضغ فانّه يقال فيه يشرب. و رجل شروب: شديد الشرب، و قوم شرب. و قال الفرّاء: العرب تقول- أكّل فلان مالي و شرّبه، أي أطعمه الناس و سقاهم به. و الشوارب: مجاري الماء في الحلق.

أسا- شرب الماء و العسل و الدواء. و رجل شروب و شرّيب، و سقاني بالمشربة و هي الإناء. و من المجاز: أشربتني ما لم أشرب، إذا ادّعى عليه ما لم يفعل. و اشرب الثوب حمرة. و فيه شربة من الحمرة. و اشرب حبّ كذا. و شرب ما القي عليه إذا‌

30

فهمه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو تناول شي‌ء مايع أو كالمائع مادّيّا أو معنويّا، و يقابله الأكل.

فالمايع المادّيّ كما في:. كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّٰهِ ...،. كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ...،. فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً ...،. مٰاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرٰابٌ ...،. فَانْظُرْ إِلىٰ طَعٰامِكَ وَ شَرٰابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.

و ما هو كالمائع كما في:. وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ .... يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهٰا شَرٰابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهُ.

يراد العسل، فانّ المائع ما لا يحتاج الى المضغ.

و المعنويّ كما في:. وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ- 2/ 93.

فالإشراب يطلق في مورد لا يكون الشرب بنحو طبيعيّ فيه كما في غير الحيوان أو فيه بالجبر. و العجل ليس من المائعات، و لكنّ المراد نفوذ شأنه و جريان حبّه، و هذا النحو من جريان الأمر و نفوذ المقام و التمكين في القلوب: شرب معنويّ و تناول باطنيّ.

و التعبير بالعجل دون نفوذه و جريان أمره: للمبالغة، فكأنّ العجل من جميع جهاته و خصوصيّاته قد اشرب و اجري في القلوب.

و الشرب في الآخرة كما في:. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ...،. فَشٰارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ...،

. وَ أَنْهٰارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ ...،. لَهُمْ شَرٰابٌ مِنْ حَمِيمٍ*.

فمن المسلّم أنّ الموضوعات و المحمولات في عوالم الآخرة مغايرة لما في الحياة الدنيا المادّية، و أمّا خصوصيّاتها و كيفيّة حدود الجسمانيّة و الروحانيّة فيها: فغير قابلة للبحث و التحقيق بهذه القوى و الإدراكات المحدودة الضعيفة.

و المفهوم الكلّيّ: هو تناول ما كان لطيفا و له جريان في الذائقة، أعمّ من أن تكون الذائقة من أيّ سنخ و من أيّ عالم.

31

و الشرب الروحانيّ كما في:. إِنَّ الْأَبْرٰارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كٰانَ مِزٰاجُهٰا كٰافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ يُفَجِّرُونَهٰا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخٰافُونَ يَوْماً- 76/ 6، فظاهر الآية الكريمة تعلّقها الى عالم الدنيا، فانّ الأبرار في حياتهم الدنيا لهم حياة بدنيّة جسمانيّة، و حياة معنويّة روحانيّة، و بمقتضى كلّ من الحياتين ما يلائمه من الطعام و الشراب.

و عطف- يوفون بالنّذر: يدلّ على أنّ الآية الكريمة ناظرة الى الحياة الدنيا و الى جهة الروحانيّة الباطنيّة منها.

شرح

مصبا- شرح اللّه صدره للإسلام شرحا: وسّعه لقبول الحقّ، و تصغير المصدر شريح و به سمّي. و شرحت الحديث شرحا: بمعنى فسّرته و بيّنته و أوضحت معناه. و شرحت اللحم: قطعته طولا، و التثقيل مبالغة و تكثير.

مقا- شرح: أصيل يدلّ على الفتح و البيان. من ذلك شرحت الكلام و غيره شرحا: إذا بيّنته. و اشتقاقه من تشريح اللحم.

مفر- شرح: أصل الشرح: بسط اللحم و نحوه، يقال شرحت اللحم و شرّحته، و منه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهيّ و سكينة من جهة اللّه و روح منه.

و شرح المشكل من الكلام: بسطه و إظهار ما تخفي من معانيه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو بسط مخصوص في موضوع، و يقابله القبض. و أمّا مفاهيم التبيين و الفتح و التفسير و التوضيح و التوسيع و غيرها: فانّما هي باعتبار البسط في موضوع.

. أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ- 94/ 1.

. أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ- 39/ 22.

. قٰالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي- 20/ 25.

32

شرح الصدر انبساط فيه و رفع الانقباض ليستعدّ لقبول النور و الايمان، فالانشراح: تحقّق اقتضاء و استعداد فقط، و يدلّ عليه ما في بقيّة الآيات:

. وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ...،. فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّٰهِ ...،. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.

فانّ هذه الجملات في مقام تحقّق الاقتضاء و رفع الموانع.

و يدلّ على ما ذكرنا: صريح الآية الكريمة:

. فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ- 6/ 125.

فيصرّح بانّ انشراح الصدر وسيلة الهداية.

و التعبير بعدها بحرف اللام- لك، للإسلام، لي: إشارة الى أنّ الشرح إنّما يتحقّق لنفعهم و لينتفعوا به و ليتحصّل الإسلام و الايمان.

و أمّا التعبير بالباء في الآية-. وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّٰهِ- 16/ 106: إشارة إلى أنّ هذا النحو من الانشراح ليس بشرح طبيعيّ، بل انشراح بوسيلة الكفر، فانّ الصدر مرتبة ظاهريّة أوليّة من القلب، و هو محلّ نزول الإسلام أو الكفر، و في هذا المورد قد نسب الشرح الى العبد، بخلاف الآيات السابقة، فانّ اللّه تعالى لا يمكن له أن يشرح قلب عبده بالكفر.

و يدلّ على أنّ الشرح يقابل القبض و الضيق: قوله تعالى في الآية 6/ 125-. وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ، فكما أنّ الانشراح يكون وسيلة للهداية: فالتضيّق أيضا وسيلة الضلالة.

فظهر أنّ انشراح الصدر أوّل شرط في السير الى اللّه تعالى، و هو باب الورود الى طريق الهداية، و تحقّق استعداد لطلب الكمال.

شرد

مقا- شرد: أصل واحد و هو يدلّ على تنفير و إبعاد، و على نفار و بعد، في انتشار. من ذلك شرد البعير شرودا، و شرّدت الإبل تشريدا اشرّدها، و منه- فشرّد بهم من خلفهم- يريد نكّل بهم و سمّع، و هو ذلك المعنى، إنّ المذنب إذا أذنب‌

33

و عوقب عليه: فقد شرّد بتلك العقوبة غيره، لأنّه يحذر مثل ما وقع بالمذنب، فيشرد عن الذنب و ينكل.

مصبا- شرد البعير شرودا من باب قعد: ندّ و نفر. و الاسم: الشراد، و شرّدته تشريدا.

التهذيب 11/ 320- شرد البعير يشرد شرادا، و كذلك الدوابّ، و فرس شرود و هو المستعصي على صاحبه. و قافية شرود: عائرة سائرة في البلاد. و شرد الجمل شرودا، فهو شارد، فإذا كان مشرّدا: فهو شريد طريد. و تقول أشردته أطردته: إذا جعلته شريدا طريدا لا يؤوى. و قال الفرّاء: فشرّد بهم- يقول إن أسرتهم يا محمّد فنكّل بهم من خلفهم ممّن تخاف نقضه للعهد، لعلّهم يذّكرّون فلا ينقضون العهد.

و أصل التشريد التطريد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو نفار مع وحشة، كما أنّ النفار فيه مفهوم الكراهة، أي طرد مع كراهة، و الندّ يؤخذ فيه معنى التفرّق، أي نفار مع تفرّق.

. فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- 8/ 57.

قلنا في الثقف: إنّه الدرك الدقيق المحيط، أي إذا أدركت الناقضين الكافرين في صفوف الأعداء المقاتلين: فخذهم أخذة شديدة و نكّلهم بنكال و بأشدّ عذاب، حتّى يكون عبرة للّذين من ورائهم من المخالفين، فينفروا عن المخالفة و المقاتلة و نقض المعاهدة، متوحّشين خائفين.

و أيضا إنّ الناقضين هم أيادي الكفّار، و بوسيلتهم يصنع الكفّار ما يصنعون، فإذا أخذوا و قتلوا: يشرّد الكفّار من خلفهم.

شرذمة

التهذيب 11/ 450- و الشرذمة: الجماعة القليلة. و قال الليث: الشرذمة:

القطعة من السفرجلة و نحوها.

34

مقا- و من ذلك الشرذمة: و هي القليل من الناس، فالذال زائدة، و إنّما هي من شرمت الشي‌ء إذا مزّقته، فكأنّها طائفة انمزقت و انمارت عن الجماعة الكثيرة، و يقال ثوب شراذم أي قطع.

لسا- الشرذمة: القليل من الناس. و عن أبي عمير: شردمة و شرذمة بالذال و الدال.

و الشرذم، الشرذمة: القطعة من الشي‌ء، و الجمع شراذم. و الشرذمة في كلام العرب: القليل. و ثياب شراذم: أخلاق منقطعة.

صحا- الشرذمة: الطائفة من الناس و القطعة من الشي‌ء. و ثوب شراذم: أي قطع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه الكلمة: هو القطعة المنقطعة، و بينها و بين موادّ الشرم (بمعنى الخرق و المزق و القطع) و الشذر (يدلّ على تفرّق و تميّز) و الشذّ (و يدلّ على الانفراد و المفارقة): اشتقاق أكبر.

فيلاحظ في هذا المفهوم قيدان: قطعة محدودة، و منقطعة من شي‌ء آخر. و أمّا قيد القلّة: فليس من مدلول اللفظ.

. فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدٰائِنِ حٰاشِرِينَ إِنَّ هٰؤُلٰاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ- 26/ 54.

التعبير بهذه الكلمة: إشارة الى أنّ هذه الجمعيّة من أصحاب موسى (ع) طائفة قد تفرّقت و انقطعت عن بني إسرائيل، و أوجدت اختلافا بينهم. ثمّ وصفها بعده بكونهم قليلين: فيدلّ على عدم دلالة الكلمة على قيد القلّة.

فظهر لطف التعبير بها دون كلمات- القوم، الطائفة، الجماعة، و غيرها.

شرّ

مقا- شرّ: أصل واحد يدلّ على الانتشار و التطاير. من ذلك الشرّ خلاف‌

35

الخير. و رجل شرّير، و هو الأصل، لانتشاره و كثرته. و الشرّ: بسطك الشي‌ء في الشمس. و الشرارة، و الجمع الشرار، و الشرر: ما تطاير من النار، الواحدة شررة.

و يقال شرشر الشي‌ء إذا قطّعه. و الإشرارة: ما يبسط عليه الشي‌ء.

مصبا- الشرّ: الفساد و الظلم، و الجمع شرور، من باب تعب، و في لغة من باب قرب. و الشرّ: السوء. و رجل شرّ: أي ذو شرّ. و قوم أشرار، و هذا شرّ من ذاك، و الأصل أشرّ، و استعمال الأصل لغة لبني عامر، و الشرر: مقصور من الشرار.

الجمهرة 1/ 82- الشرّ و هو ضدّ الخير، رجل شرّير: كثير الشرّ. و زعم بعض أهل اللغة أنّ الشرّ يجمع شرورا. فأمّا شرار النار: فيقال: شررة و شرارة:

فمن قال شررة قال في الجمع شرر، و من قال شرارة: قال شرار في الجمع. و يقال شررت اللحم و الثوب و أشررته: إذا بسطته ليجفّ، فهو مشرّ و مشرور.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الخير، و قلنا في الخير: إنّه عبارة عمّا يختار و ينتخب و يكون له رجحان و فضل.

فالشرّ ما يكون مرجوحا و لا يتمايل الى اختياره و انتخابه.

فالخير في الحقيقة: ما فيه نفع و حسن أثر و صلاح. و الشرّ ما فيه ضرر و سوء اثر و فساد. و قد يكون شي‌ء فيه ضرر كالدواء و ليس بشرّ، أو يكون شي‌ء فيه اختلال و فساد و ليس بشرّ كالمريض، أو يكون شي‌ء من جهة الصورة قبيحا و ليس بشرّ.

فيلاحظ في الشرّ أثر الشي‌ء من حيث هو- راجع السوء.

و الشرّ يتصوّر على أنحاء: إمّا في أصل التكوين و الخلق بالذات، أو في التكوينيّات بالعرض، أو في الآثار و الأعمال.

و القسم الأوّل ممتنع: فانّ التكوين نشر رحمة و إفاضة فيض و تجلّي من الصفات و الأسماء الإلهيّة و ظهور و بسط نور، و لا يتصوّر فيها الشرّ:

. رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً- 40/ 7.

. مٰا خَلَقَ اللّٰهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِلّٰا بِالْحَقِّ- 30/ 8.

36

. بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ- 3/ 26.

و القسم الثاني هو لحوق الشرّ بالعرض، كما في:

. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ- 8/ 55.

. فِي نٰارِ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أُولٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ- 98/ 6.

. مِنْ شَرِّ مٰا خَلَقَ- 113/ 2.

فانّ الموجود في أيّ مرحلة كان إذا انحرف عن صراط الحقّ الّذي خلق عليه، و ضلّ عن سبيل الاهتداء الّذي هداه اللّه بالفطرة الأوّليّة اليه: فقد بعد عن محيط الخير و الرحمة، و غيّر خلق اللّه و بدّل فطرته السليمة، و هذا هو المراد من قوله تعالى:

. فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ- 4/ 119.

و أمّا الشرّ في الآثار و الأعمال المترتّبة: و هو العمل على خلاف نظم التكوين و التشريع، كما قال تعالى:

. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ- 99/ 8.

. مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ- 114/ 4.

. مِنْ شَرِّ غٰاسِقٍ إِذٰا وَقَبَ وَ مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ وَ مِنْ شَرِّ حٰاسِدٍ إِذٰا حَسَدَ- 113/ 3.

و توضيح ذلك: أنّ مراتب التكوين و الخلق في أنفسها حقّ و خير، لا باطل فيها و لا شرّ:

. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ- 32/ 7.

. وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلًا- 3/ 191.

و مراتب التشريع و الأديان الالهيّة: على وفق التكوين و في جهة إبقائه و إتمامه و إكماله، فالتشريع تتميم التكوين، و لا يمكن وجود الاختلاف بينهما، و إلّا فيتحقّق التضادّ في جريان الأمور:

. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*- 61/ 9.

37

. وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً- 16/ 89.

و الانحراف عن مجرى التكوين و التشريع: إنّما يوجب الخروج عن جريان الخير و الفلاح و النظم الطبيعيّ الّذي جعله اللّه تعالى و قدّره.

ثمّ إنّ الانحراف إمّا في الآراء و الأفكار، أو في الأخلاق و الصفات الباطنيّة الانسانيّة، أو في الأعمال و الآداب الخارجيّة.

و في أثر كلّ من هذه الانحرافات يتحصّل شرّ و يصيب صاحبه، و قد يصيب الشرّ من الخارج: إمّا بسبب انحرافات في أفراد متجاوزين، كما في:

. مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ ...،. مِنْ شَرِّ مٰا خَلَقَ.

و إمّا باصابة من الحوادث الخارجيّة كما في:

. وَ إِذٰا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعٰاءٍ عَرِيضٍ- 41/ 51.

. وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ- 41/ 49.

و قد يكون الشرّ في النظرة الأوّليّة الظاهريّة فقط دون الواقع الحقّ، كما في:

. وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ- 2/ 216.

. وَ يَدْعُ الْإِنْسٰانُ بِالشَّرِّ دُعٰاءَهُ بِالْخَيْرِ- 17/ 11.

. مٰا لَنٰا لٰا نَرىٰ رِجٰالًا كُنّٰا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرٰارِ- 38/ 62.

فظهر أنّ مراتب الحقّ من التكوين و التشريع هي الخير، كما أنّ مراتب الباطل و الانحراف هي الشرّ، فالسالك الى الحقّ لازم له أن يسير في طريق الخير، و يجتنب عن سبيل الشرّ، هذا هو حقيقة الصراط المستقيم.

. وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ- 3/ 104.

. أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ- 12/ 39.

. إِنَّمٰا عِنْدَ اللّٰهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ- 16/ 95.

. وَ اللّٰهُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ- 20/ 73.

. وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ- 2/ 142.

ثمّ إنّ كلمة الشرّ كالخير مشبهة كالصعب، و ليست بصيغة تفضيل.

و أمّا مفهوم الشرر و الشرار كالحسن و الجبان: فالتحريك يدلّ على تحرّك في‌

38

الوصف، و هو التطاير و التظاهر في النار، و يستعمل هذا المفهوم في مورد إرادة الشرّ، لا في موارد الاستفادة منه.

. إِنَّهٰا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ- 77/ 32.

راجع القصر.

و أمّا قولهم- شررت اللحم أو الثوبَ أي بسطته: فانّ في الشرّ مفهوما من البسط و النشر، كما أنّ في الخير شيئا من القبض، فانّ الاختيار و الاجتباء و الانتخاب لا تخلو عن معنى القبض و الجمع. و على هذا قال بعضهم كما في المقاييس: إنّ الأصل في المادّة هو التطاير و الانتشار.

شرط

مقا- شرط: أصل يدلّ على علم و علامة و ما قارب ذلك من علم. من ذلك الشرط العلامة، و أشراط الساعة: علاماتها. و سمّي الشرط: لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. و يقولون أشرط فلان نفسه للهلكة: إذا جعلها علما للهلاك.

و يقال أشرط من إبله و غنمه، إذا أعدّ منها شيثا للبيع. و من الباب شرط الحاجم، و هو معلوم، لأنّ ذلك علامة و أثر. و يقال إنّ أشراط الساعة أوائلها. و من الباب الشريط و هو خيط يربق به البهم، و إنّما سمّي بذلك لأنّها إذا ربطت به صار لذلك أثر. و من الباب الشرط و هو المسيل الصغير، و سمّي بذلك لأنّه أثر في الأرض كشرط الحاجم.

مصبا- شرط الحاجم شرطا من بابي ضرب و قتل، الواحدة شرطة، و شرطت عليه كذا شرطا أيضا و اشترطت عليه. و جمع الشرط شروط. و الشرط: العلامة، و الجمع أشراط. و الشرطة، و فتح الراء لغة قليلة، و صاحب الشرطة: الحاكم.

و الشرط: أعوان السلطان، و إذا نسب الى هذا قيل شرطيّ ردّا الى واحده. و شرط المعزى: رذالها. و الشريطة في معنى الشرط، و جمعها شرائط.

الجمهرة 2/ 341- و الشرط: ردي‌ء المال من الإبل و الغنم، و الجمع أشراط.

و أشرط فلان نفسه لهذا الأمر: جعل نفسه علما له. و الشرطان نجمان من منازل‌

39

القمر. و الشرط للحجّام، و أصله الشقّ.

التهذيب 11/ 308- قال الليث: الشرط معروف في البيع. و الفعل:

شارطه فشرط له على كذا و كذا، و هو يشرط، و الشرط: بزغ الحجّام بالمشرط. و قال أبو سعيد: أشراط الساعة علاماتها و أسبابها الّتي هي دون معظمها و قيامها، قال، و أشراط كلّ شي‌ء ابتداء أوّله، و الشرط: الدون من الناس، و الّذين هم أعظم منهم ليسوا بشرط، و شرط المال: صغارها، و الشرط: سمّوا شرطا لأنّ شرطة كلّ شي‌ء خياره، و هم نخبة السلطان من جنده. أشرط نفسه: استخفّ بها و جعلها شرطا أي شيئا دونا خاطر بها. و قال أبو عمرو: أشرطت فلانا لعمل كذا، أي يسّرته و جعلته يليه، فهو مشرط له أي معدّ له.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الإلزام و الالتزام بشي‌ء لشي‌ء آخر بحيث يتوقّف وجود ذلك الشي‌ء عليه، إمّا في ذاته و في نفس الأمر، أو من جهة التعهّد و الالتزام.

و هذا المعنى ملحوظ في جميع مصاديق الأصل: فأشراط الساعة: وقائع حادثة قبل الساعة يتوقّف مجي‌ء الساعة على حدوثها. و الشرط: ما يلتزم في جريان الحكومة به و يشرط به، و هو وجود جند و أفراد يحفظون النظم و يعينون الحاكم. و في الحجامة يلتزم بالبزغ و الشقّ لخروج الدم، فالبزغ شرط فيه، ثمّ إنّ الشروط من جهة أنّها مقدّمة للمشروط و فانية فيه و واقعة في ظلّه: يقال إنّها في مرتبة دانية و خفيفة. و من جهة أنّ المشروط يتوقّف على وجودها و يتحقّق في ظلّ تحقّقها: فهي في مرتبة مختارة عالية. و أيضا إن الشرط يلازم التهيئة و الإعداد. و هذه المعاني الأخيرة من لوازم الأصل و هي معاني مجازيّة.

. فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السّٰاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جٰاءَ أَشْرٰاطُهٰا فَأَنّٰى لَهُمْ إِذٰا جٰاءَتْهُمْ ذِكْرٰاهُمْ- 47/ 18.

قلنا في الساعة: إنّها إذا ذكرت معرّفة يراد منها الزمان المحدود المعيّن، و هي‌

40

عند الإطلاق تنصرف الى زمان الموت، و هو أشدّ حالة ابتلاء، حيث إنّ الإنسان يفارق جميع ما يحبّه من مال و أهل و ملك و تعلّق و عشيرة، و يسير الى عالم غير مأنوس.

و أشراط تلك الساعة: هي ظهور آثار الضعف و الوهن في البدن و قواه و الوقوع في القوس النزولّي من الحياة الدنيا و فراق الأحبّة و إحاطة الهموم و الكربات و النقصان في التمتّعات المادّيّة و غيرها.

و يقول تعالى: إنّهم في غفلة عن الساعة، و لا يتوجّهون الى أشراطها الحادثة في وجودهم و في محيط حياتهم، فكيف يكون حالهم إذا تذكّروا و توجّهوا الى الساعة و شاهدوها قريبة منهم.

. كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ- 8/ 6.

. قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلٰاقِيكُمْ- 62/ 8.

شرع

مصبا- الشرعة: الدين، و الشرع و الشريعة مثله، مأخوذ من الشريعة و هي مورد الناس للاستقاء، سمّيت بذلك لوضوحها و ظهورها، و جمعها شرائع، و شرع اللّه لنا كذا يشرعه: أظهره و أوضحه. و المشرعة: شريعة الماء. و الناس في هذا الأمر شرع، و تسكن الراء للتخفيف: أي سواء. و شرعت في الأمر أشرع شروعا: أخذت فيه. و شرعت في الماء شروعا: شربت بكفّيك أو دخلت فيه. و شرع الباب الى الطريق شروعا: اتّصل به، و شرعته أنا: يستعمل لازما و متعديا، و يتعدّى بالألف أيضا فيقال أشرعته إذا فتحته و أوصلته. و طريق شارع: يسلكه الناس عامّة، و الجمع شوارع.

مقا- شرع: أصل واحد، و هو شي‌ء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة: و هي مورد الشاربة الماء. و اشتقّ من ذلك الشرعة في الدين و الشريعة.

و من الباب: أشرعت الرمح نحوه إشراعا. و ربّما قالوا في هذا شرعت. و الإبل الشروع: الّتي شرعت و رويت. و يقال: أشرعت طريقا إذا أنفذته و فتحته، و شرعت أيضا. و حيتان شرّع: تخفض رؤوسها و تشرب. و شرعت الإبل إذا أمكنتها من‌

41

الشريعة. هذا هو الأصل ثمّ حمل عليه كلّ شي‌ء يمدّ في رفعة و غير رفعة، من ذلك الشرع و هي الأوتار، واحدتها شرعة، و الشراع جمع الجمع. و من ذلك شراع السفينة و هو ممدود في علوّ، و شبّه بذلك عنق البعير، فقيل شرع البعير عنقه، و قد مدّ شراعة.

مفر- الشرع: نهج الطريق الواضح، يقال شرعت له طريقا، و الشرع مصدر ثمّ جعل اسما للطريق النهج، فقيل له شرع و شرع و شريعة، و استعير ذلك للطريقة الإلهيّة.

التهذيب 1/ 424- قال أبو إسحاق في قوله-. شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً: قال بعضهم:

الشرعة في الدين، و المنهاج الطريق. و قيل الشرعة و المنهاج جميعا: الطريق، و الطريق هاهنا الدين. و قال محمد بن يزيد: شرعة، معناها: ابتداء الطريق، و المنهاج:

الطريق المستمرّ. قال ابن الأعرابي في قوله شرع لكم من الدين: أي أظهر، و الشارع الرّبانيّ: العالم العامل المعلّم، و شرّع فلان إذا أظهر الحقّ و قمع الباطل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إنشاء طريق واضح ماديّا أو معنويّا. و من مصاديق الأصل: طريق الورود للاستقاء فيقال إنّه شريعة للماء. و شرع الطريق أي أنشأه واضحا. و شرع في الأمر أي أحدث طريقا في خصوص هذا الأمر و ابتدأ في السلوك فيه. و شرع من الدين أي انشأ من الدين المعنويّ و البرنامج في الحياة طريقا واضحا بيّنا.

و بهذه المناسبة يطلق على عنق البعير و على شراع السفينة و على أوتار في العود و غيره.

و أمّا مطلق مفاهيم الإيضاح، الإيصال، الفتح، الأخذ، الإنفاذ، الإظهار، الابتداء: فليس من الأصل، بل من لوازمه و آثاره.

. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ- 42/ 13.

. أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللّٰهُ- 42/ 21.

أي إنشاء طريق واضح من الدين في الحدود المذكورة.

42

فالشرع إحداث طريق مبيّن إمّا من جانب اللّه الحقّ تعالى، أو من جانب الشركاء و الشياطين الباطلة من دون إذن من اللّه تعالى. كما أنّ الدين أيضا أعمّ من الحقّ و الباطل-. لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ.

فالشرع لا بدّ أن يكون في البرنامج و الأحكام الالهيّة من جانب اللّه تعالى، حتّى يطابق التكوين و القوانين التكوينيّة- راجع الشرّ.

فالشريعة إذا كانت من جانب غير اللّه و لم يكن باذنه و إنشائه: فهو شرك و انحراف عن التوحيد و عن صراطه المستقيم، و السالك فيه يسير إلى مسير خلاف دينه و رضاه، و هو يعبد الشيطان و يطيعه.

. وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ عَمّٰا جٰاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً- 5/ 48.

الجعل قريب من التقدير، و هو يتحقّق بعد التكوين. و جعل الشرعة و تقديرها أعمّ من أن يكون في سبيل الحقّ أو الباطل، كلّ منهما بمقتضى أسباب موجبة، كما قال تعالى:. وَ جَعَلْنٰا جَهَنَّمَ لِلْكٰافِرِينَ حَصِيراً ...،. وَ أَرٰادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنٰاهُمُ الْأَخْسَرِينَ.

و الشرعة فعلة للنوع، يراد نوع من إنشاء الطريق، و هذا التعبير يناسب المقام، حيث تنسب الكلمة الى الفرق المختلفة، بخلاف ما إذا نسبت الى النبيّ (ص) فيعبّر بكلمة الشريعة مطلقة.

. ثُمَّ جَعَلْنٰاكَ عَلىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهٰا وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ- 45/ 18.

. وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كٰانَتْ حٰاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتٰانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً- 7/ 163.

الشرّع جمع شارعة، بمعنى من ينشئ طريقا يسلكه، فالحيتان يتحرّكن في البحر على خطّ ممتدّ، كلّ فرقة على طريقة خاصّة.

و لعلّ تحريم صيد الحيتان يوم السبت: كان لحفظ نسلها و تكثير تناسلها و لتمرينهم تقوى النفس و قطع الطمع، أو لغيرها.

43

شرق

مصبا- شرقت الشمس شروقا من باب قعد و شرقا أيضا: طلعت.

و أشرقت: أضاءت. و منهم من يجعلهما بمعنى. و أشرق: دخل في وقت الشروق.

و أيّام التشريق ثلاثة، و هي بعد يوم النحر، قيل لأنّ لحوم الأضاحي تقدد في الشرقة و هي الشمس، و قيل تشريقها تقطيعها و تشريحها، و شرقت الشاة شرقا من باب تعب إذا كانت مشقوقة الاذن، فهي شرقاء، و يتعدّى بالحركة، يقال شرقها شرقا من باب قتل. و الشرق: جهة شروق الشمس، و المشرق مثله و هو بكسر الراء، و بالفتح و هو القياس، لكنّه قليل الاستعمال. و شرق الجرح بالدم: امتلأ مقا- شرق: أصل واحد يدلّ على إضاءة و فتح. من ذلك شرقت الشمس إذا طلعت، و أشرقت إذا أضاءت، و الشروق: طلوعها، و يقولون لا أفعل ذلك ما ذرّ شارق، أي طلع. و المشرقان: مشرقا الصيف و الشتاء. و قال قوم إنّ اللحم الأحمر يسمّى شرقا: فان كان صحيحا فلانّه من حمرته كأنّه مشرق. و ممّا شذّ عن هذا الباب قولهم: شرق بالماء إذا غصّ به شرقا.

الاشتقاق 305- شريق: إمّا من شرقت الشمس إذا أضاءت أو شرقت إذا انبسطت. و الشرق ضدّ الغرب. و صبح شارق و مشرق، و الإشراق مصدر، و قد سمّت العرب عبد الشارق.

التهذيب 8/ 316- الشرقة: الأرض الشديدة الخضرة الريّا. الشريق:

المشبع بالزعفران. و قال الليث: شرق فلان بريقه و كذلك غصّ بريقه. و يقال للشي‌ء إذا اشتدّت حمرته بدم أو نحوه أو بحسن لون أحمر: قد شرق شرقا. و يقال للنبت الّذي يرفّ من شدّة الخضرة: شرق، كأنّه غاصّ بكثرة مائه الّذي يجري فيه. عن ابن الأعرابيّ: الشرق: الشمس. قال ابن السكّيت: الشرق الشمس، و الشرق: المكان الّذي تشرق فيه الشمس. يقال: طلع الشرق و الشرق، و لا يقال غاب الشرق و لا الشرق. و يقال شرقت الشمس تشرق شروقا: إذا طلعت، و أشرقت إشراقا: إذا أضاءت على وجه الأرض.

44

الفروق 254- الفرق بين الطلوع و البزوغ و الشروق: أنّ البزوغ أوّل الطلوع-. فَلَمّٰا رَأَى الشَّمْسَ بٰازِغَةً. و الشروق الطلوع، تقول طلع الرجل و لا يقال شرق الرجل، فالطلوع أعمّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الطلوع مع الإضاءة. و على هذا لا يصحّ أن يقال: شرق الرجل. و يدلّ على هذا المعنى استعمالها في مقابل الغروب بمعنى البعد و الغيبة، و العشاء بمعنى الظلام، كما في:. يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْرٰاقِ ...،. لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ.

و الإشراق متعدّ بمعنى جعل شي‌ء آخر شارقا، و هذا المعنى أعمّ من أن يكون المشرق في نفسه شارقا كالشمس فانّها شارقة و مشرقة، أو يكون مشرقا و غير شارق في نفسه، بأن يكون وسيلة للإشراق و منعكسا فيه الشروق الى غيره، كالأرض و ما فيها، فانّها في أنفسها مظلمة إلّا أنّها ينعكس فيها الضياء و ينتقل الى غيرها من الأجسام.

ثمّ إنّ الشروق يختلف شدّة و ضعفا، فمن مصاديقه: شروق اللحم حمرة بعد الذبح، و شروق النبت خضرة في موسمه، و شروق عضو حمرة بدم أو لون، و يلاحظ في كلّ منها جهة طلوع و إضاءة بحسبه.

و بهذا اللحاظ تستعمل المادّة في مورد غصّ بالريق أو غيره، فانّه يوجب حدوث حالة خارقة تضطرب النفس شديدا و يحمرّ اللّون.

و بهذه المناسبة تستعمل مجازا في موارد تناسبها.

و اسم المكان من المادّة: المشرق و المشرق، و التثنية المشرقان، و الجمع المشارق. و المشرق: كلّ محلّ يشرق و يطلع فيه شارق، و الشارق أعمّ من أيّ طالع مشرق، شمسا أو غيرها من النجوم.

فكلّ من المفرد و التثنية و الجمع إذا اطلق من دون قرينة مخصّصة يعمّ الموارد كلّها، كما في:

. قٰالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا- 26/ 28.

45

. قٰالَ يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ- 43/ 38.

. فَلٰا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشٰارِقِ وَ الْمَغٰارِبِ إِنّٰا لَقٰادِرُونَ- 70/ 40.

و قد تعمّ موارد المحسوسات و المعنويّات- كما في:

. وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مٰارِجٍ مِنْ نٰارٍ .... رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ- 55/ 17.

. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا- 73/ 9.

. رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ رَبُّ الْمَشٰارِقِ إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا- 37/ 5.

فالمشرق المتفاهم العرفيّ: هو محلّ طلوع الشمس من الأرض في المرتبة الاولى من طلوعها. و المغرب محلّ غروبها و غيبتها، و قد يطلق عليهما المشرقان تغليبا، كما في آية 43/ 38.

و لا يبعد أن يراد من المشرقين: المشرقان من شارقين مختلفين، من الشموس السماويّة.

و قد يراد من المشارق: المشارق الجزئيّة باعتبار شروق الشمس في كلّ يوم في نقطة مخصوصة معيّنة، كما في:

. وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كٰانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشٰارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغٰارِبَهَا الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا- 7/ 137.

أي مجموع الأراضي الّتي في جهة الشرق و في جهة الغرب.

. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ- 24/ 35.

فهذه الشجرة المتجلّية المتعالية غير منسوبة الى شرق بأن تكون طالعة شارقة متجدّدة، و لا منسوبة الى غرب بأن تكون غائبة و تصير الى تبعّد و غروب.

فالشجرة المباركة لا توصف بالشروق و لا بالغروب المتحوّلين المتجدّدين، فالمراد منها في هذا المورد الشروق و الغروب المعنويّان، و يمكن أن يراد المفهوم المطلق الأعمّ.

. وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهٰا مَكٰاناً شَرْقِيًّا- 19/ 16.

46

يراد في هذا المورد المكان الشرقيّ من جهة مسكنها، أي مكانا منسوبا الى شروق الشمس فيه، حتّى يكون مطلعا للشمس و في معرض حرارتها.

. إِنّٰا سَخَّرْنَا الْجِبٰالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْرٰاقِ- 38/ 18.

أي الزمان المظلم و هو يتحقّق بحصول الظلام بالحركة الوضعيّة في الأرض، و العشيّ فعيل و هو الزمان المتّصف بالظلام. و في زمان إشراق الشمس و إضاءتها حتّى يكون المسبّح في ضياء، و التسبيح في الظلام أصل، و على هذا قدّم في المورد.

. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ- 15/ 73.

يراد هنا إشراق بالقوّة و القدرة و النفوذ و التدبير في الأمور و إعمال ما يريدون من الأعمال و إجراء ما يشاءون من الأمور المادّيّة، ففي تلك الحالة و مع وجود هذه القدرة و القوّة لهم أخذتهم الصيحة، فلا يستطيعون صرفا.

فهذا الاشراق نوع من الإضاءة، و هو تصرّف و نفوذ و تدبير في امور نفوس آخرين و في موضوعات خارجيّة، مضافا الى امور نفسه.

فلا حاجة لنا الى تفسير الكلمة بمعاني مجازيّة اخرى.

. وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا وَ وُضِعَ الْكِتٰابُ- 39/ 69.

الآية الكريمة في بيان القيامة الكبرى. [ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرىٰ فَإِذٰا هُمْ قِيٰامٌ يَنْظُرُونَ].

إشارة الى تحقّق مالكيّة الربّ و نفوذه الحقّ، و هذا المعنى إنّما يتوقّف على رفع الأنانيّة و آثارها و مقتضياتها و خصوصيّاتها في عالم المادّة.

. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ- 14/ 48.

و الأرض و ما فيها بمعناها الخاصّ، أو ما يعمّها و السماوات المادّيّة بمعناها العامّ: إنّما تكون خاشعة في منتهى حدّ الذلّة و الإخلاص الطبيعيّ و الفناء و الانمحاء، بحيث لا يبقى في وجودها إلّا أثر حكمه و سلطانه و نفوذه، فتصير تلك الأجسام الجامدة حيّة مستنيرة مستشرقة منعكسا فيها نور الربّ و سلطان حكمه، فهي إذا مشرقة.

. أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا ...،. وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ* ...،. وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا

47

يَعْلَمُونَ- 29/ 64.

و أمّا التعبير- أشرقت بنور ربّها: فانّ الأرض و السماوات كانت في الحياة الدنيا مستشرقة، أو مشرقة: بذاتها أو بواسطة شموس أو كواكب ثوابت. و أمّا في الآخرة:

فتكون مشرقة بنور الربّ.

و الشروق: إنّما يطلق في مقام طلوع مع ضوء في الذات.

شرك

مصبا- شركته في الأمر أشركه من باب تعب شركا و شركة: إذا صرت له شريكا، و جمع الشريك شركاء و أشراك. و شرّكت بينهما في المال تشريكا، و أشركته في الأمر و البيع: جعلته لك شريكا. ثمّ خفّف المصدر بكسر الأوّل و سكون الثاني، و استعمال المخفّف أغلب، فيقال شرك و شركة، كما يقال كلم و كلمة. و شاركه و تشاركوا و اشتركوا و طريق مشترك، و الأصل مشترك فيه. و الشرك: النصيب، و منه قولهم لو أعتق شركا له في عبد أي نصيبا، و الجمع أشراك. و الشرك: اسم من أشرك باللّه إذا كفر به. و الشرك للصائد معروف، و الجمع أشراك، و قيل الشرك جمع شركة كقصب و قصبة.

مقا- شرك: أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة و خلاف انفراد، و الآخر يدلّ على امتداد و استقامة. فالأوّل- الشركة و هو أن يكون بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، و يقال شاركت فلانا في الشي‌ء: إذا صرت شريكه، و أشركت فلانا: إذا جعلته شريكا لك، و أشركه في أمري. و أمّا الأصل الآخر- فالشرك لقم الطريق، و هو شراكه أيضا، و شراك النعل مشبّه بهذا، و منه شرك الصائد، سمّي بذلك لامتداده.

الجمهرة 2/ 348- و الشرك مصدر شركت الرجل في ماله أشركه شركا، و شارك فلان فلانا شرك عنان و شرك مفاوضة، فالعنان في صنف من المال بعينه، و المفاوضة في جميعه. و شريك الرجل و مشاركه: سواء. و أشرك باللّه تعالى و هو أن يدعو معه شريكا. و شراك النعل معروف، و الجمع شرك، و شرّكت النعل تشريكا، و قال قوم: أشركتها إشراكا، و ليس بالعالي، و الشراك: الطريق الدقيق ينشعب عن‌

48

جادّة، و الجمع شرك. و شرك الصائد: حبالته، الواحدة شركة، و الجمع شرك أيضا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو تقارن فردين أو أفراد في عمل أو أمر بحيث يكون لكلّ واحد منهم نصيب فيه أو تأثير.

و بهذه المناسبة تطلق على السهم و النصيب، و على الشرك باعتبار تأثيره في الصيد و مشاركته الصائد في هذا العمل، و على شراك النعل فانّ تأثيره في التنعّل كالنعل و له سهم في هذا اللبس. و على شراك الطريق فانّ استقامة الطريق فيها تأثير في السير و الهداية الى المقصود.

. قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ .... وَ مٰا لَهُمْ فِيهِمٰا مِنْ شِرْكٍ وَ مٰا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ- 34/ 22.

الشرك يتحقّق باشتراك مستقيم في العمل، و هذا أشدّ تأثيرا من كونه ظهيرا، فالظهيريّة مرجعها الى المعاونة و هي في المرتبة اللاحقة.

. يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ- 31/ 13.

فانّ الظلم هو التعدّي و تضييع الحقّ في قبال العدل، و لا ظلم أشدّ و أسوأ من التعدّي الى مقام عظمة الربّ و تنزيله الى مقام عبده المخلوق و جعله في مرتبته، حتّى يكونا شريكين.

و هذا الظلم يختلف باختلاف مراتب التشريك سعة و ضيقا و شدّة و ضعفا، كالقول في تأثير المخلوق في التكوين.

. أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمٰاوٰاتِ*- 35/ 40.

و التأثير في مقام التربية و الالوهيّة:. إِنَّمٰا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّٰهَ وَ لٰا أُشْرِكَ بِهِ- 13/ 36.

. إِنَّمٰا أَدْعُوا رَبِّي وَ لٰا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً- 72/ 20.

. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكٰائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ- 10/ 35.

و في مقام العبادة و الطاعة:

49

. وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ- 6/ 121.

. وَ قٰالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا عَبَدْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ- 16/ 35.

و توضيح ذلك: أنّ الشرك باللّه في مقابل التوحيد، و التوحيد له مراتب ثلاث:

توحيد في الذات، و توحيد في الصفات، و توحيد في الأفعال. فتكون مراتب الشرك أيضا راجعة الى ثلاث طبقات.

و لمّا كان حقّ التوحيد: هو تسبيح الذات عن أيّ حدّ مادّيّ، و حدود عرضيّة و طوليّة في البرزخيّة، و حدود ذاتيّة في عالم العقل: فهو تعالى نور مطلق و حياة مطلق و وجود بحت منزّه عن أيّ حدّ و وصف و تصوّر.

فيكون منزّها عن مقارنة وصف و مقابلة شي‌ء و وجود شريك، فانّ مرجع هذه الأمور الى تحديده خارجا أو ذاتا. فنفي الشريك يلازم التوحيد- لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

. لٰا تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمٰا هُوَ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ- 16/ 51.

. لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*- 2/ 255.

. وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا بَعِيداً- 4/ 116.

ثمّ إنّ التوحيد في أصل الذات: يلازم التوحيد في الصفات المنتزعة الملحوظة المعتبرة، و في الأفعال المتجلّية المتظاهرة من الصفات، كما يتراءى في صفات النفس و قواها الملحوظة و في أفعالها و أعمالها الظاهرة المتجلّية من صفاتها، مع أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى.

فالأسماء و الصفات المتكثّرة و الأفعال المتجلّية: كلّها يرجع الى مبدأ واحد و وجود بحت فارد لا اسم له و لا رسم و لا وصف.

و هذه الوحدة القاهرة الأصيلة البحتة: هي الحاكمة الحقّة الثابتة في جميع مراتب الوجود-. أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ.

فالتوجّه الى الظلّ إذا وقع بوجه استقلاليّ و من حيث هو هو: فهو شرك في قبال التوحيد، في أيّ مرتبة كان. و أمّا إذا كان التوجّه الى جهة كونه وجها و فيه ظهور النور و التجلّي: فهو توحيد-. وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ.

50

فالتوحيد الصفاتي: أن يرى جميع الصفات في الممكنات و الأشياء راجعة الى صفاته تعالى و فانية فيها و متجلّية عنها، كما في الذوات، فالنظر اليها بالنظر الموضوعيّ الاستقلاليّ و من حيث هي هي: يكون شركا.

و هكذا التوحيد الأفعالي: فالنظر اليها من حيث هي و مستقلّة شرك، و أمّا النظر إليها من جهة كونها مجالي لأفعاله تعالى و فانية فيها و مضمحلّة في جنب تأثيره تعالى و قدرته و نفوذه و سلطان عظمته: فهو توحيد حقّ- فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فالإنسان في أيّ نظرة لا يخلو من أن يكون موحّدا أو مشركا، سواء كان متوجّها الى حقيقة حالته أم لم يتوجّه.

. وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ- 6/ 121.

. وَ ادْعُ إِلىٰ رَبِّكَ وَ لٰا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ لٰا تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- 28/ 87.

فالمناط في الشرك: هو جعل شي‌ء مستقلّا و له موضوعيّة و هو مورد نظر و توجه بذاته أو بصفته أو بفعله، و كلّما ازداد التوجّه اليه و اشتدّ النظر الى خصوص وجوده و خصوصيّته: تزداد مرتبة الإشراك به تعالى، و يهون الارتباط فيما بينه و بين اللّه.

. وَ يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً- 18/ 42.

. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ*- 4/ 48.

. وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ السَّمٰاءِ- 22/ 31.

فالمشرك هو المنقطع عن اللّه تعالى، و المحروم عن بحر كرامته و لطفه وجوده و فضله، و الساقط عن مقام الروحانيّة الرفيعة، و المنحرف عن صراط العبوديّة و إطاعة الربّ الحقّ العزيز.

شرى

مصبا- شريت المتاع أشريه: إذا أخذته بثمن أو أعطيته بثمن، فهو من الأضداد. و شريت الجارية شرى، فهي شريّة، فعيلة بمعنى مفعولة، و عبد شريّ،

51

و يجوز مشريّ و مشريّة، و الفاعل شار، و الجمع شراة مثل قاض و قضاة، و تسمّى الخوارج شراة: لأنّهم زعموا أنّهم شروا أنفسهم بالجنّة لأنّهم فارقوا أئمّة الجور، و إنما ساغ أن يكون الشرى من الأضداد، لأنّ المتبايعين تبايعا الثمن و المثمن، فكلّ من العوضين مبيع من جانب و مشريّ من جانب. و يمدّ الشرى و يقصر، و هو الأشهر، و إذا نسبت الى المقصور قلبت الياء واوا و الشين باقية على كسرها و قلت شرويّ كما في ربويّ و حمويّ.

مقا- شرى: اصول ثلاثة: أحدها يدلّ على تعارض من الاثنين في أمرين أخذا و إعطاء مماثلة، و الآخر نبت، و الثالث هيج في الشي‌ء و علوّ. فالأوّل- قولهم شريت الشي‌ء و اشتريته: إذا أخذته من صاحبه بثمنه، و ربّما قالوا شريت إذا بعت- و شروه بثمن بخس. و أشراء الشي‌ء: نواحيه، الواحد شرى، و سمّي بذلك لأنّه كالناحية الاخرى. و الشرى مقصور، يقال شرى الشي‌ء شرى. و أمّا النبت:

فالشري، يقال إنّه الحنظل، و يقولون الشرية: النخلة الّتي تنبت من النواة.

و الشرى موضع كثير الدغل. و الأصل الثالث- قولهم شري لرجل شرى إذا استطير غضبا، و يقال شري البعير في سيره إذا أسرع. و شري الأبرق إذا استطار.

مفر- الشراء و البيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن، و البائع دافع المثمن، هذا إذا كانت المبايعة و المشاراة بناضّ (الدرهم و الدينار)، و أمّا إذا كانت بيع سلعة بسلعة صحّ أن يتصوّر كلّ واحد منهما مشتريا و بايعا، و من هذا الوجه صار لفظ البيع و الشراء يستعمل كلّ واحد منهما في موضع الآخر. و شريت بمعنى بعت أكثر، و ابتعت بمعنى اشتريت أكثر. و يجوز الشراء و الاشتراء في كلّ ما يحصل به شي‌ء- اشتروا الحياة الدنيا.

التهذيب 11/ 401- قال الليث: شري البرق يشرى: إذا تفرّق في وجه الغيم، و قال غيره: شري البرق: إذا تتابع لمعانه، و استشرى مثله، و من هذا يقال للرجل إذا تمادى في غيّه و فساده. و استشرى فلان في الغيّ: إذا لجّ فيه، و المشاراة:

الملاجّة. و قال الليث: الشرى: داء يأخذ في الرجل أحمر كهيئة الدراهم. و أشراء الحرم: نواحيه. و شرى الفرات: ناحيته. ابن الأعرابيّ: أشرى حوضه: ملأه.

52

و الشريانات: عروق رقاق في جسد الإنسان. و عن أبي زيد: شريت بمعنى بعت، و شريت أي اشتريت. و الشرى: يكون بيعا و اشتراء. و الشاري: البائع و أيضا المشتري.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو تحصيل شي‌ء و أخذه في جريان أمره. فمن هذا الباب تحصيل المثمن و أخذ المبيع المقصود في جريان معاملة. و أخذ الشريانات للدم من القلب في جريان تحرّكه و ضرباته. و أخذ الحرم أو الفرات من مواضع نواحيه و أطرافه في جريان أمره و إلحاقها به. و تحصيل اللمعان و البسط في جريان الغيم.

و تحصيل الغيّ و الفساد في مقام الملاجّة. و هكذا. فلا بدّ من لحاظ الخصوصيّة في الموارد.

و أمّا إطلاق المادّة في مقام البيع: فانّما هو في موارد يكون النظر الى مفهوم التحصيل و الأخذ، فالمادّة مستعملة بمعنى الأخذ في جريان أمر، و ذلك يشتبه على الناظر غير البصير.

. وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ- 2/ 102.

. فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ .... بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا- 2/ 90.

أي أخذوا أنفسهم و جعلوها في مضيقة و مهلكة و محدوديّة و كفر و محجوبيّة.

و التعبير بالاشتراء: إشارة الى الاختيار الدالّ عليه الافتعال، كما في:. اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ* ...،. اشْتَرَوُا الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ.

. وَ لٰا تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلًا*- 2/ 41.

أي أخذوا و حصّلوا في قبال العهد و الآيات الكريمة العظيمة الثمينة ثمنا قليلا.

و لا يجوز التفسير بالبيع: فانّ الآيات و العهد ليست بمملوكة لهم حتّى يصحّ التعبير بالبيع و النقل و الإعطاء.

53

و المراد هو الإعراض عن الآيات التكوينيّة و التشريعيّة و عدم التوجّه اليها و عدم الاستفادة منها، و الكفر بها في مقابل متاع قليل من الدنيا.

. فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ- 4/ 74.

الضمير (في فليقاتل) يرجع الى-. وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، أي ليقاتل هذا المسلم المبطّئ، في سبيل اللّه و في سبيل المستضعفين، من يأخذ الحياة الدنيا و يترك الآخرة، و ليتوجّه إلى أنّ هذا خير له-. وَ مَنْ يُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. و الموصول (الّذين) مفعول به و ليس بفاعل، حتّى يحتاج الى جعل الشراء بمعنى البيع، مع أنّ هؤلاء (يختارون الآخرة) لا يحتاجون الى هذا الأمر، مضافا الى أنّ البيع معنى مجازيّ.

و هذا الأمر تحريص و تشويق و إرشاد للمبطّئين في الجهاد و القتال.

. وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ- 2/ 207.

أي يأخذ نفسه و يجعله في محدودة الطاعة و مرضاة اللّه، و تحت سلطته و حكمه و أمره، فنفسه مأخوذ له و في اختيار عقله.

فهذا أخذ في سبيل الخير و للصلاح و الفلاح، كما أنّ الآية-. وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ- 2/ 102.

يراد أخذ النفس و جعله في سبيل الشرّ و الضلال و محدودة الانحراف و الكفر.

و مثله الاشتراء: كما في-. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمٰانِ لَنْ يَضُرُّوا اللّٰهَ شَيْئاً- 3/ 177- في تحصيل الكفر و الانحراف.

. إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ- 9/ 111.

في تحصيل الجنّة.

و لا يخفى أنّ الشراء في قوله تعالى:. شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ...،. مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ، اشتروا به أنفسهم: لا يناسب أن يحمل على معنى البيع، فانّ البيع يلازم التبديل و النقل و التحويل و إخراج المبيع عن التصرّف، و في هذه الصورة كيف يمكن تحصيل الخير أو الشرّ أو المرضاة له.

54

نعم مفهوم البيع في النفس إنّما يصحّ إطلاقه في الجهاد و القتل و بذل النفس كما في:. إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ .... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ- 9/ 111.

إلّا أن يراد مطلق جعل المبيع تحت سلطة المشتري و حكمه و اختياره.

. فَأَرْسَلُوا وٰارِدَهُمْ فَأَدْلىٰ دَلْوَهُ قٰالَ يٰا بُشْرىٰ هٰذٰا غُلٰامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضٰاعَةً .... وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ- 12/ 20.

الظاهر أنّ قول الوارد يا بشرى هذا غلام: خطاب للطائفة السيّارة، و بعد هذه البشارة أرادوا بإسراره لينتفعوا في معاملته، ثم أخذوه بثمن بخس.

و هذا الشراء إمّا من الوارد البشير، فانّه كمنشد الضالّة و العامل في إخراجه من البئر و إنجائه، و لا أقلّ له من حقّ العمل في قبال تسليمه، أو أنّ إخوته كانوا مطّلعين و أرادوا أن يعرّفوه بكونه عبدا آبقا، و باعوه منهم ليتحقّق النقل من البلد الى بلد آخر.

و مفهوم الأخذ أولى من الاشتراء في معاملة، فانّ المعاملة لم تكن صحيحة، و هو حرّ غير مملوك لأحد. و هكذا البيع: فانّه تجوّز و على خلاف الأصل. و التعبير بالشراء دون الاشتراء: إشارة الى أنّ هذا الأخذ لم يكن باختيار و انتخاب، بل بمطلق أخذ عاديّ-. وَ كٰانُوا فِيهِ مِنَ الزّٰاهِدِينَ- فانّ الزهد هو التمايل الشديد الى جهة الترك.

و هذا بخلاف الأخذ في مصر مرتبة ثانية: فعبّر فيها بالاشتراء الدالّ على الاختيار في العمل و المطاوعة الاراديّة-. وَ قٰالَ الَّذِي اشْتَرٰاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوٰاهُ- 12/ 21.

فظهر أنّ الشرى مجردّا يدلّ على مطلق الأخذ في جريان أمر، و الاشتراء بمناسبة المطاوعة و الاختيار يدلّ على أخذ المبيع في المعاملة، إذا كان مع تفهّم و اختيار و انتخاب، و استعماله في مورد البيع إذا كان النظر الى جعل الثمن كالمبيع و المبيع في نظر المشتري كالثمن.

و ممّا يدلّ على أنّ الأصل في المادّة مطلق الأخذ، قوله تعالى:. وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ- 31/ 6.