التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج8

- حسن المصطفوي المزيد...
285 /
7

الجزء الثامن

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المدخل]

الحمد للّه ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، و الصلوة و السلام على أشرف السفراء و المرسلين، خاتم النبيّين، و آله الطاهرين المعصومين.

و بعد: فنبتدئ بحوله و قوّته و توفيقه جلّ و عزّ بالجزء الثامن من كتاب- التحقيق في كلمات القرآن الكريم- و أوّله حرف العين.

و أستعين اللّه تعالى و أستمدّه في هذا المشروع العالي، انّه خير معين، و ما توفيقي الّا باللّه، و ما النصر الا من عنده، و هو الجواد الكريم.

ربّ يسّر و لا تعسّر، سهّل علينا يا ربّ العالمين.

ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا و اعف عنّا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا و أنت أرحم الراحمين.

و افوّض أمرى الى اللّه انّ اللّه بصير بالعباد.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

باب حرف العين

عبأ

مقا- عبأ: أصل واحد، يدلّ على اجتماع في ثقل. من ذلك العب‌ء، و هو كلّ حمل من عزم أو حمالة، و الجمع الأعباء. و من الباب: ما عبأت به شيئا، إذا لم تباله، كأنّك لم تجد له ثقلا. و من الباب: عبأت الطيب، و عبّيت الكتيبة أعبّيها تعبية، إذا هيّأتها. و العباءة: ضرب من الأكسية، و قياسه صحيح، لأنّه يشتمل على لابسه و يجمعه.

مصبا- العباءة بالمدّ، و العباية بالياء لغة، و الجمع عباء و عباءات أيضا، و عبّيت الجيش: رتّبته. و عبأت الشي‌ء في الوعاء أعبؤ بفتحتين، و بعضهم يجيز اللغتين في كلّ من المعنيين و ما عبأت به: أى ما احتفلت. و العب‌ء مهموز مثل الثقل و زنا و معنى.

صحا- أبو زيد: عبأت الطيب عبأ: إذا هيّأته و صنعته و خلطته، و عبأت المتاع عبأ: إذا هيّأته، و عبّاته تعبئة و تعبيئا، كلّ من كلام العرب، و عبّأت الخيل تعبئة و تعبيئا، قال، و العب‌ء: الحمل، و الجمع الأعباء. و يقال لعدل المتاع عبأ، و هما عبئان، و الأعباء الأعدال. و عبأ الشي‌ء: نظيره. و ما عبأت بفلان عبأ: أى ما باليت، و كان يونس لا يهمز تعبية الجيش.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التهيّؤ المتمّ، و هو الحالة الأخيرة من التهيّؤ.

10

و من مصاديقه: عبأ المتاع، أو الجيش- إذا كان التهيئة في مرتبة تامّة.

و منها- العب‌ء اليه اوله: إذا كان متهيّأ قاصدا اليه أوله.

و منها- العب‌ء بمعنى الحمل أو العدل أو النظير- إذا كان متهيّأ، فيلاحظ في كلّ منها جهة كونه متهيّأ في مقام العرض.

و منها- العباءة، لكونها ملبوسة عند التهيّؤ للحركة و الخروج، و هي آخر لباس تلبس عند الحركة الى مقصد.

و منها- قولهم لا أعبأ به أى لا أبالي به، و معناه الحقيقىّ هو تهيّؤ النفس أو تهيئته للمقابلة بأمر أو شخص.

. قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزٰاماً- 25/ 77.

أى ما ينبغي للّه تعالى أن يكون متهيّأ بمقابلتكم و التوجّه إليكم و الارتباط بكم إلّا من جهة دعوتكم الى الصلاح و الخير و الفلاح و الإنعام عليكم، و أنتم فقد كذّبتم و كفرتم بدعوته و رسوله، و سوف يكون هذا التكذيب لزاما عليكم.

عبث

التهذيب 2/ 332- أ فحسبتم أنّما خلقناكم عبثا- أى لعبا. و قد عبث يعبث عبثا، فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه و ليس من باله، و نصب عبثا: لأنّه مفعول له في المعنى. و عن الفرّاء: عبثت الأقط أعبثه عبثا، و مثته و دفته. قال أبو عبيد: و فيه لغة اخرى: غبثته بالغين. و قال الأموي: الغبيثة بالغين: طعام يطبخ و يجعل فيه جراد، و هو الغثيمة أيضا. و عن ابن السكّيت: العبث مصدر عبث الأقط يعبثه عبثا: إذا خلط رطبه بيابسه، و هي العبيثة. و قال الليث: العبيث في لغة: المصل. و العبث: الخلط.

مصبا- عبث عبثا: عمل و لعب بما لا فائدة فيه، من باب تعب، فهو عابث، و عبث به الدهر: كناية عن تقلّبه.

مقا- عبث: أصل صحيح واحد، يدلّ على الخلط، يقال عبث الأقط و أنا أعبثه عبثا، و هو عبيث، و هو يخلط و يجفّف في الشمس و العبيث: كلّ خلط. و يقال في هذا الوادي عبيثة، أى خلط من حيّيين، و ممّا قيس على هذا: العبث و هو الفعل‌

11

لا يفعل على استواء و خلوص صواب، تقول عبث يعبث عبثا، و هو عابث بما لا يعنيه و ليس من باله.

و التحقيق

أن الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العمل من دون أن يكون له غرض عقلائىّ و فائدة مقصودة. و بهذا الاعتبار تطلق على ما اختلط فيه المقصود و غيره.

فيصير حينئذ غير مفيد، و لا ينتج ما هو المنظور. و تطلق على العبيث و العبيثة، فكأنّهما مطبوخان لا فائدة فيهما. و يقال عبث به الدهر إذا عمل به ما لا ينتج له فائدة.

و الفرق بين المادّة و بين الباطل و اللغو و اللهو و اللعب و المزاح:

فاللعب: اشتغال بعمل يلتذّ به، من دون أن يتوجّه الى نتيجة و فائدة.

و الباطل: يقابل الحقّ، و هو ما ليس له ثبوت و تحقّق.

و اللغو: ما لا يعتدّ به و يقع من غير تفكّر و رويّة.

و اللهو: ما يكون لك تمايل اليه و تلذّذ به من دون نظر الى نتيجة.

و المزاح: استيناس و مداعبة و هزل.

. أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لٰا تُرْجَعُونَ- 23/ 115.

فانّ الخلقة إذا لم يكن لها معاد و حساب و جزاء للصالح و الطالح، و لم يتميّز المحسن من المسي‌ء: فتكون عبثا و لغوا، و لا سيّما مع هذه الابتلاءات المادّيّة الدنيويّة و التضيق في معيشتها، و مع هذه التكاليف الإلهيّة التّى تتعلّق بالكمال و السعادة و الروحانيّة و إذا كانت الحياة منتهية الى الفوت بالموت: فما معنى المجاهدة في السير الى التزكية و تهذيب النفس و تحصيل الروحانيّة و التبتّل.

و إذا لم يكن معاد: أليس هذا يوجب التوغّل في العيش المادّى، و حصول التنازع و الاختلاف و القتل و الظلم و البغي و الفساد.

. أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصٰانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ- 26/ 128.

فإذا كان بناؤهم في الأراضى الخارجة المرتفعة، الزائد على حدود احتياجهم:

يعدّ عبثا، و يذمّ عليه: فكيف يجوز أن يكون بناء السموات و الأرض و ما بينهما عبثا-

12

و ما خلقت الجنّ و الإنس الّا ليعبدون.

عبد

مصبا- عبدت اللّه أعبده عبادة، و هي الانقياد و الخضوع، و الفاعل عابد، و الجمع عبّاد و عبدة. و العبد خلاف الحرّ، و أعبدت زيدا فلانا: ملكته إيّاه ليكون له عبدا، و لم يشتقّ من العبد فعل، و استعبده و عبّده: اتّخذه عبدا. و عبد عبدا: غضب غضبا وزنا و معنى، و الاسم العبدة.

مقا- عبد: أصلان صحيحان، كأنّهما متضادّان. و الأوّل من ذينك الأصلين يدل على لين و ذلّ، و الآخر على شدّة و غلظ. فالأوّل- العبد، و هو المملوك، و الجماعة العبيد، و ثلاثة أعبد، و هم العباد. قال الخليل: إلّا انّ العامّة اجتمعوا على تفرقه ما بين عباد اللّه و العبيد المملوكين، يقال هذا عبد بيّن العبودة، و لم نسمعهم يشتقّون منه فعلا، و لو اشتقّ لقيل عبد أى صار عبدا و أقرّ بالعبودة، و أمّا عبد يعبد عبادة: فلا يقال الّا لمن يعبد اللّه تعالى. و تعبّد يتعبّد تعبّدا، فالمتعبّد: المتفرّد بالعبادة. و استعبدت فلانا:

اتّخذته عبدا. و يقال أعبد فلان فلانا إذا جعله عبدا. و تأنيث العبد عبدة، كما يقال مملوك و مملوكة، و المعبّد: الذلول، يوصف به البعير أيضا. و من الباب الطريق المعبّد، و هو المسلوك المذلّل. و الأصل الآخر- العبدة، و هي القوّة و الصلابة، و يقال هذا ثوب له عبدة، إذا كان صفيقا قويّا، و من هذا القياس العبد مثل الأنف و الحميّة يقال هو يعبد لهذا الأمر. و فسّر- إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين، أى أوّل من غضب عن هذا و أنف من قوله.

الاشتقاق 10- و اشتقاق العبد من الطريق المعبّد، و هو المذلّل الموطوء. و قولهم بعير معبّد، يكون في معنى مذلّل، و يكون بمعنى مهنوء بالقطران ... و يمكن أن يكون اشتقاق عبيدة و معبد من العبد و هو الأنف. قال علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه:

عبدت فصمتُّ، أى أنفت فسكتّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو غاية التذلّل في قبال مولى مع الاطاعة، و هذا‌

13

المعنى يكون بالتكوين أو بالاختيار أو بالجعل.

فالأوّل كما في:

. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلّٰا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً- 19/ 93.

. وَ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً- 6/ 61.

. وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ- 51/ 56.

أى خلقتهم على هذه الكيفيّة و على أن يكونوا عبادا في جريان أمورهم و في البقاء و ادامة الحياة، فقدّر فيهم استعداد كونهم متذلّلين خاضعين مطيعين طبق التكوين. و هذا كما في الآية:. إِلّٰا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً.

فانّ العبوديّة التكوينيّة: هو التذلّل على حسب التكوين و بمقتضاه، لا بحسب الاختيار الثانوىّ و باقتضاء التعقّل و التفكّر.

و يمكن أن يراد في قوله- ليعبدون: مطلق العبوديّة، أو الاختيارىّ.

و الثاني كما في:

. قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ*- 7/ 65.

. أَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ- 71/ 3.

. ثُمَّ يَقُولَ لِلنّٰاسِ كُونُوا عِبٰاداً لِي مِنْ دُونِ اللّٰهِ- 3/ 79.

. يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ لٰا أَعْبُدُ مٰا تَعْبُدُونَ- 109/ 2.

فانّ العبادة بالاختيار: هو التعبّد طوعا و بحسب التعقّل و التفكّر.

و الثالث كما في:

. الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ- 2/ 178.

. ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ- 16/ 75.

فالعبوديّة الحقيقية: هو تطابق التعبّد الاختيارىّ التشريعىّ العبوديّة التكوينيّة، فانّ التشريع لازم أن يطابق التكوين، و الّا يلزم التضادّ فيما بينهما و يفوت الغرض المقصود من التكوين و الخلق.

و هذا كما قال تعالى.

. يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ- 2/ 21.

. إِنَّ اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ*- 3/ 51.

14

فالصراط المستقيم هو الطريق الّذى يوافق برنامج التكوين و الخلق و يكون مطابق ما خلق عليه من الكيفيّات، فإذا انطبق السلوك التشريعىّ على التكوين:

فيصدق الوصول الى الحقّ الثابت.

و هذا معنى قوله تعالى:

. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّٰاجِدِينَ وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ- 15/ 99.

بالوصول الى ما هو الحقّ و شهود ما هو الثابت و الواقع القاطع، من العظمة و الجلال في اللّه تعالى، و القدرة التامّة بما لا يتناهى و الحياة المطلقة الأزليّة الأبديّة غير المحدودة فيه، ثم الفقر و الاحتياج و المحدوديّة في الخلق- أنتم الفقراء إلى اللّه.

و إدراك هذا المعنى على حقيقته الواقعة: يطلق عليه حقّ اليقين، و هو مقام الايمان الكامل التامّ، و به يوصف أولياؤه الصالحون المنتخبون و أنبياؤه المخلصون- و اذكر عبدنا أيّوب، في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا، إلّا عبادك منهم المخلصين، سبحان الّذى أسرى بعبده ليلا.

و أمّا إذا خالفت العبوديّة الاختيارية التكوين: فهو الانحراف و الضلال و على خلاف الحقّ و الصراط المستقيم، كما في عبادة الأوثان و الأصنام و الكواكب و الأشجار و الأنعام و الافراد من الإنسان و الملائكة و الأرواح و العقول، فانّها قاطبة خلق اللّه و من أمره و اليه مبدؤها و معادها.

و الصالحون المخلصون المقرّبون منهم، من اختار العبوديّة للّه عزّ و جلّ، و خضع بتمام الذّلّة و الخضوع في قبال جلاله و عظمته، و وصل بالفناء و محو الأنانيّة الى رفيع مقام التوحيد المطلق.

فكيف يصحّ التعبّد في قبال من هو فان في عظمة اللّه تعالى.

. قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لٰا نَفْعاً- 5/ 76.

. قٰالَ أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ- 37/ 35.

. وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّٰاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهٰا- 39/ 17.

. أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- 36/ 60.

. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلٰائِكَةِ أَ هٰؤُلٰاءِ إِيّٰاكُمْ كٰانُوا يَعْبُدُونَ- 34/ 40.

15

فانّ الاطاعة و الخضوع لازم أن تكون في مقابل من له عظمة و جلال و هو المنعم المحسن و المفضل الرحمن الكريم الربّ الخالق الحافظ النافع الّذى بيده أزمّة الأمور و هو على كلّ شي‌ء قدير.

و لا يعقل العبوديّة لمن عجز و افتقر و ضعف و هو مخلوق محتاج في تكوّنه و بقائه و معيشته و ليس له ثبات و اقتدار و حياة و دوام.

. إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لٰا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً- 29/ 17.

فانّ إدامة الحياة و بقاء المعيشة إنّما هو بالرزق، و هو إعطاء ما يكون بدلا لما يتحلّل من القوى، و تجديدها حتّى تدوم الحياة.

و أمّا العبوديّة بتقليد الآباء السابقين، أو بمحافظة الشعائر و الرسوم المتداولة في أهل البلد أو القوم، أو اتّباعا من غير تحقيق و تفكّر و رويّة، أو بتصورات واهية و تخيّلات و توهّمات: فهي خارجة عن ميزان التعقّل و عن ضوابط العلم و المعرفة و الدقّة.

. أَ جِئْتَنٰا لِنَعْبُدَ اللّٰهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مٰا كٰانَ يَعْبُدُ آبٰاؤُنٰا- 7/ 70.

. مٰا يَعْبُدُونَ إِلّٰا كَمٰا يَعْبُدُ آبٰاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ- 11/ 109.

و أمّا الآثار المترتّبة على العبوديّة: فهي قاطبة انواع الرحمة و الفضل و الخير و السعادة و الفلاح، فانّ تحقّق العبوديّة يقتضى تحقّق الاستعداد و قابليّة المحلّ لأن يتعلّق به الرحمة و الخير من اللّه الرحمن الكريم و يتوجّه اليه الجود و الفضل و الإحسان، فانّه ذو فضل كبير.

. اللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ- 42/ 19.

. وَ لَوْ بَسَطَ اللّٰهُ الرِّزْقَ لِعِبٰادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ- 42/ 27.

. إِنَّ اللّٰهَ بِعِبٰادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ- 35/ 31.

. إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ وَ كَفىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا- 17/ 65.

. يٰا عِبٰادِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لٰا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- 43/ 68.

. أَ لَيْسَ اللّٰهُ بِكٰافٍ عَبْدَهُ- 39/ 36.

و في قبال العبوديّة: الاستكبار عن العبادة و الكفر بها، فانّه يوجب الانحراف عن مسير التكوين و برنامج الخلق، و بذلك يحرم عن إفاضة الخير و بسط الرحمة‌

16

و شمول الفضل و الإحسان .. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ.

و أمّا مفاهيم الغضب و القوّة و الصلابة و الأنف و الحميّة: فمعاني مجازيّة و من لوازم العبوديّة، فانّ التعبّد القاطع لشي‌ء يلازم القوّة و التصلّب و الحميّة و التأنّف فيه، و الغضب على خلافه.

و أما قوله تعالى:

. قُلْ إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعٰابِدِينَ سُبْحٰانَ رَبِّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 43/ 81.

فالمراد كونه في الدرجة الاولى من العبادة و الخضوع الكامل و الاطاعة التامّة الكاشفة عن المعرفة و حصول الارتباط، و هذا المعنى يوجد اقتضاء و يوجب استعداد كونه ولدا له، فان الولد من الوالد و أشبه الخلق به خلقا و خلقا، و أشدّ الناس ارتباطا في الظاهر و الباطن. و أيضا- إنّ العبوديّة تلازم المعرفة و الاطّلاع عن صفات المعبود و عن مقامات ظهوراته.

و الأوفق بالتعبير بالشرط أن يقال في معنى الآية الكريمة: إن كان للّه ولد حقيقتا فأكون أنا أوّل خاضع و مطيع له، في ظلّ العبوديّة للّه و هو الوالد، و هذا المعنى أظهر بل أصرح و أبلغ.

و أمّا العبيد في قوله تعالى:

. وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ*- 3/ 183.

فانّ الفرق بينه و بين العباد: هو فرق الألف و الياء، فالألف يدلّ على ارتفاع كما أنّ الياء يدلّ على انكسار و انخفاض.

و التعبير به إشارة الى أنّ اللّه تعالى لا يظلم عباده و لو كانوا في غاية الانكسار و الضعف و الاحتياج.

عبر

مصبا- عبرت النهر عبرا من باب قتل و عبورا: قطعته الى الجانب الآخر، و المعبر: شطّ نهر هو للعبور، و المعبر: ما يعبر عليه من سفينة أو قنطرة. و عبرت الرؤيا عبرا أيضا و عبارة: فسّرتها، و بالتثقيل مبالغة. و عبرت السبيل بمعنى مررت، فعابر‌

17

السبيل: مارّ الطريق. و عبرت الدراهم و اعتبرتها: بمعنى. و الاعتبار: يكون بمعنى الاختبار و الامتحان، مثل اعتبرت الدراهم فوجدتها ألفا، و يكون بمعنى الاتّعاظ.

و العبرة اسم منه. قال الخليل: العبرة و الاعتبار بما مضى أى الاتّعاظ و التذكّر، و جمع العبرة عبر. و يكون العبرة و الاعتبار بمعنى الاعتداد بالشي‌ء في ترتّب الحكم. و العبير:

أخلاط تجمع من الطيب. و عنبر: طيب معروف، و عبرت عن فلان تكلّمت عنه، و اللسان يعبّر عمّا في الضمير، أى يبيّن.

مقا- عبر: أصل صحيح واحد يدلّ على النفوذ و المضىّ في الشي‌ء يقال عبرت عبورا، و عبر النهر: شطّه. و يقال ناقة عبر أسفار: لا يزال يسافر عليها. و المعبر: شطّ نهر هيّئ للعبور. و المعبر: سفينة يعبر عليها النهر. و رجل عابر سبيل، أى مارّ. و من الباب العبرة، قال الخليل: عبرة الدمع جريه، و الدمع أيضا نفسه عبرة. و قولهم- عبر فلان يعبر عبرا من الحزن، و هو عبران و المرأة عبرى و عبرة، فهذا لا يكون الّا و ثمّ بكاء، و يقال استعبر إذا جرت عبرته. و من الباب: عبر الرؤيا يعبرها عبرا و عبارة و يعبّرها تعبيرا: إذا فسّرها، و وجه القياس في هذا عبور النهر، لأنّه بصير من عبر إلى عبر، كذلك مفسّر الرؤيا يأخذ بها من وجه الى وجه.

مفر- أصل العبر: تجاوز من حال الى حال. فأمّا العبور فيختصّ بتجاوز الماء إمّا بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، و منه عبر النهر لجانبه حيث يعبر اليه. و منه اشتقّ عبر العين للدمع. و عبر القوم إذا ماتوا كأنّهم عبروا قنطرة الدنيا. و أمّا العبارة فهي مختصّة بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلّم الى سمع السامع. و الاعتبار و العبرة بالحالة الّتى يتوصّل بها من معرفة المشاهد الى ما ليس بمشاهد، و التعبير مختصّ بتعبير الرؤيا و هو العابر من ظاهرها الى باطنها، و هي أخصّ من التأويل، فانّ التأويل يقال فيه و في غيره. و العبرىّ ما ينبت على عبر النهر. و شطّ معبر: ترك عليه العبرىّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: مجاوزة عن جريان أو أمر أو حالة، و فيها خصوصيّة ليست في جانبيها، في موضوع مادّىّ أو عقلىّ أو معنوىّ، و لا يتحقّق الّا بعد‌

18

تحقّق المجاوزة.

و الفرق بينها و بين المرور و المجاوزة: أنّ المرور يلاحظ فيه حالة الحركة على شي‌ء فعلا و في الحال. و المجاوزة يلاحظ فيها التجاوز المطلق عن شي‌ء أو الى شي‌ء و هي أعمّ- راجع- سرى و سير.

و أمّا مفاهيم- العبرة و الاعتبار و التعبير و العبارة:

فالعبرة فعلة لمرّة: فانّ الدمعة تتجاوز عن حدقة العين الى خارجها، و هذا تجاوز يتحقّق في أجزاء العين. و لمّا كان وقوع العبرة غالبا في حال الحزن، فتطلق المادّة عليه تجوّزا.

و الاعتبار افتعال بمعنى اختيار العبور و أخذه، فانّ الرجل المتفكّر العاقل إذا شاهد أمورا و قضايا مفيدة: يستفيد منها و ينتج في جريان معيشتها دنيويّا أو روحانيّا، و يطبّقها على حالاتها، فهو يتجاوز عمّا يشاهد في الخارج الى نفسها- المؤمن نظره عبرة.

و العبرة فعلة تدلّ على النوع، و هذا نوع من العبور.

و التعبير للرؤيا أيضا قريب من الاعتبار: فان المشاهد هنا واقع في الرؤيا، و المعبّر يتجاوز عمّا يشاهد الى امور خارجيّة و يطبّقه عليها.

و أمّا العبارة: فهو عبور عن معنى مقصود الى كلمات و ألفاظ خارجيّة تبيّنه و توضحه، فهو تجاوز عن مفهوم الى ملفوظ.

و العبور في النهر و أمثاله في الموضوعات الخارجيّة واضح.

فالقيود المذكورة لا بدّ أن تلاحظ في مصاديق الأصل، و الّا فيكون الاستعمال تجوّزا بأىّ مناسبة.

. إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ- 79/ 26.

. إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصٰارِ*- 24/ 44.

. لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ- 12/ 111.

. فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ- 59/ 2.

أى اختاروا العبرة في هذه الأمور و خذوها و استفيدوا من هذه الوقائع في جهة أنفسكم.

19

فانّ طالب المعرفة و الإصلاح لا ينظر الى شي‌ء و لا يمر بشي‌ء و لا يطّلع على شي‌ء الّا و يعتبر منه في برنامج حياته.

. يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيٰايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيٰا تَعْبُرُونَ- 12/ 43.

أى إن كنتم قادرين على تعبير الرؤيا و تطبيقها على الأمور الخارجيّة. و هذا يتوقّف على الاطّلاع على الصور المثاليّة المنطبقة على الأمور الطبيعيّة، و على الذوق و قوّة الاستنتاج و الاستنباط و التطبيق.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ .... فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً- 4/ 43.

المراد عدم جواز القرب الى صلاة تقام في مسجد أو محلّ آخر و القصد نحوها إذا لم يكن متوجّها، و هكذا إذا كان جنبا، فلا يجوز له الحركة و المشي الى جانب الصلاة الّتى تقام الّا في مورد العبور من تلك النقطة، بأن يكون قصده عبورا لا توقّفا فيها.

و ليس المعنى من قرب الصلاة: إقامتها، فانّ اللازم حينئذ أن يعبّر بقوله- و لا تقيموا الصلاة- و لا تصلّوا. أى لا تقصدوا القرب منها و إقامتها. و يدلّ عليه قوله- حتّى تعلموا ما تقولون، و إلّا عابري سبيل: فانّ العلم و التوجّه بما يقول مطلق يعمّ حال الصلوة و غيره. و إنّ عبور السبيل لا يجوّز اقامة الصلوة، بل الحركة و المشي في سبيله.

فاتّضح المراد من الآية الكريمة، و تنتفى الاحتمالات الضعيفة.

عبس

مقا- عبس: أصل صحيح يدلّ على تكرّه في شي‌ء و أصله العبس: ما يبس على هلب الذنب من بعر و غيره، و هو من الإبل كالوذح من الشاء. و اشتقّ منه عبس الرجل يعبس عبوسا، و هو عابس الوجه: غضبان، و عبّاس إذا كثر ذلك منه.

مصبا- عبس من باب ضرب عبوسا: قطب وجهه، فهو عابس، و به سمّى، و عبّاس أيضا للمبالغة، و به سمّى. و عبس اليوم: اشتدّ، فهو عبوس، و العبس:

ما يبس على أذناب الشاء و نحوها من البول و البعر، الواحدة عبسة، و بالواحدة سمّى.

20

الاشتقاق 44- و العبوس: ضدّ البشر. عبس الرجل يعبس عبوسا و عبسا.

و العبس: ما لصق من خطر الفحل من الإبل بذنبه.

صحا- عبس: كلح. و عبّس وجهه: شدّد للمبالغة. و التعبّس التجهّم. و قد عبس الوسخ في يد فلان أى يبس. و يوم عبوس أى شديد. و العنبس: الأسد، و منه سمّى الرجل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انقباض مع حزن. و قد سبق في البسر أنّه حصول أمر أو عمل قبل أوانه بعجلة، و هو حالة حاصلة بعد العبوس، و يذكر بعده- ثمّ عبس و بسر.

فالتكرّه مقدّمة تحصل قبل العبوس. كما أنّ الشدّة و الغضب يكونان من آثاره، و يتحصّلان بعد تحقّقه، و ليسا من الأصل.

و أمّا ما لصق بأذناب الشاه: فهو بمناسبة انقباض و تكرّه فيه.

. عَبَسَ وَ تَوَلّٰى أَنْ جٰاءَهُ الْأَعْمىٰ- 80/ 1.

. ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ- 74/ 22.

فالتولّى و البسور من آثار العبوس.

. إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً- 76/ 10.

يدلّ على أنّ مادّة العبوس تستعمل في ذوى العقول و غيرهم. فانّ الانقباض و التكره في كلّ شي‌ء بحسبه. و العبوس في اليوم عبارة عن انقباض و تعسّر في جريان أموره، كما قال تعالى:. وَ كٰانَ يَوْماً عَلَى الْكٰافِرِينَ عَسِيراً.

عبقر

صحا- العبقر: موضع تزعم العرب أنّه من أرض الجنّ، ثمّ نسبوا اليه كلّ شي‌ء تعجبّوا من حذقه أو جودة صنعته و قوّته، فقالوا عبقرىّ، و هو واحد و جمع، و الأنثى عبقريّة، يقال ثياب عبقريّة. و في الحديث- إنّه كان يسجد على عبقرىّ، و هي هذه البسط التّى فيها الأصباغ و النقوش حتّى أنّهم قالوا ظلم عبقرىّ، و هذا عبقرىّ قوم،

21

للرجل القوىّ، ثمّ خاطبهم اللّه بما تعارفوه قال عبقرىّ حسان. و قرء بعضهم- عباقرىّ، و هو خطأ، لأنّ المنسوب لا يجمع على نسبته. و عبقر السراب: تلألأ.

لسا- عبقر: موضع بالبادية كثير الجن، يقال في المثل- كأنّهم جنّ عبقر.

قال الفرّاء: العبقرىّ الطنافس الثخان، واحدتها عبقريّة، و العبقرىّ: الديباج. قال ابن سيده: و العبقرىّ و العباقرىّ ضرب من البسط، الواحدة عبقريّة، قال، و عبقر قريه باليمن توشّى فيها الثياب و البسط، فثيابها أجود الثياب، فصارت مثلا لكلّ منسوب الى شي‌ء رفيع، فكلّما بالغوا في نعت شي‌ء متناه نسبوه اليه. قال الأصمعىّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقرىّ؟ قال: يقال هذا عبقرىّ قوم كقولك هذا سيّد قوم و كبيرهم و شديدهم و قويّهم و نحو ذلك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو القاطعيّة و القوّة و التفوّق و هذه الكلمة مشتقّة من العقر بمعنى القطع و الحبس، زيدت فيه الباء للدلالة على الشدّة و الجهر، فانّ الباء من حروف الجهر و الشدّة و الضغط، و هذا كما في العقرب أيضا، إلّا أنّ الشدّة و الضغط فيه حاصلة في الآخر و من الآخر و الذنب.

فالعبقر يدلّ على شي‌ء فيه قوّة و قاطعيّة و تفوّق بالنسبة إلى أشياء اخر، كما في البساط، أو اللباس، أو الفراش، أو الشخص، أو المكان، أو غيرها، إذا كان متفوّقا و عاليا و فيه قاطعيّة من جهة الصورة و المعنى.

و أيضا- فيها تناسب مع مادّة عرق زيدت فيها الباء كما في كلمة عرقب، و العرق بمعنى الأصل و الامتداد.

. مُتَّكِئِينَ عَلىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسٰانٍ- 55/ 76.

يراد كلّ شي‌ء فيه عظمة و تفوّق و أصالة و بقاء، و هو يعلو على غيره و يقطعه و جمع حسان باعتبار الكثرة في العبقرّى، فانّه جنس كما في- رفرف خضر، و هذا المعنى ينطبق على جهة روحانيّة أيضا، فانّ الاتكاء في الجنّة من جهة الروحانيّة على مقامات معنويّة إلهيّة أصيلة قاطعة.

22

و سبق في الرفرف: انّه ما كان خارجا عن الحدّ الأصلى متّصلا به.

عتب

مصبا- عتب عليه عتبا من بابى ضرب و قتل و معتبا أيضا: لامه في تسخّط، فهو عاتب، و عتّاب مبالغة، و به سمّى، و عاتبه معاتبة و عتابا. قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال و مذاكرة الموجدة. و أعتبنى: الهمزة للسلب، أى أزال الشكوى و العتاب، و استعتب: طلب الإعتاب: و العتبة: الدرجة، و الجمع العتب، و تطلق العتبة على أسكفّة الباب.

مقا- عتب: أصل صحيح يرجع كلّه الى الأمر فيه بعض الصعوبة من كلام أو غيره. من ذلك العتبة و هي اسكفّة الباب، و إنما سمّيت بذلك لإرتفاعها عن المكان المطمئنّ السهل. و عتبات الدرجة: مراقيها، كلّ مرقاة من الدرجة عتبة. و يشبّه بذلك العتبات تكون في الجبال، و تجمع أيضا على عتب. و كلّ شي‌ء جسا و جفا فهو يشتقّ له هذا اللفظ، يقال فيه عتب، إذا اعتراه ما يغيّره من الخلوص، يقولون حمل فلان على عتبة كريهة و عتب كريه من بلاء و شرّ. و من الباب و هو القياس الصحيح: العتب: الموجدة، تقول عتبت على فلان عتبا و معتبة، أى وجدت عليه، ثمّ يشتقّ منها فيقال: أعتبنى أى ترك ما كنت أجد عليه و رجع الى مسرّتى، و هو معتب راجع عن الإساءة.

و يقولون: أعطانى العتبى أى أعتبنى. و لك العتبى أعطيتك العتبى.

التهذيب 2/ 277- قال ابن شميل: العتب: الموجدة، تقول عتب فلان على فلان عتبا و معتبة: إذا وجد عليه. و قد أعتبنى فلان أى ترك ما كنت أجد عليه من أجله و رجع الى ما أرضانى عنه بعد إسخاطه إيّاى عليه. و العتبى: اسم على فعلى، يوضع موضع الإعتاب، و هو الرجوع عن الإساءة الى ما يرضى العاتب. و التعتّب و المعاتبة و العتاب: كلّ ذلك مخاطبة المدلّين أخلّاءهم طالبين حسن مراجعتهم و مذاكرة بعضهم بعضا ما كرهوا ممّا كسبهم الموجدة. و العتب: الرجل الّذى يعاتب صاحبه أو صديقه في كلّ شي‌ء إشفاقا عليه و نصيحة له.

23

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: توجيه قول الى شخص بعنوان لوم و ذمّ على ما صدر منه، بالشدّة و الغلظة.

و الإدلال: هو المؤاخذة و الاجتراء. و الموجدة: الغضب و السخط.

و الإعتاب: جعل شخص عاتبا، و لازم هذا المعنى تبدّل عنوان المعتوبيّة بكونه عاتبا للغير. و العتاب هو المعاتبة، و يدلّ على الاستمرار.

و في العتاب تحقير للطرف بكونه ملوما و مذموما و في مورد المؤاخذة و السخط، و بهذه المناسبة يطلق العتبة على الخشبة السفلى من الباب الّتى يوطأ عليها، و على ما يكون كريها. و يطلق على المرقاة بهذه المناسبة.

و الأغلب اطلاق الإعتاب و الاستعتاب بالنسبة الى النفس و هو جعل النفس في مورد لوم على عمله، و طلبه من نفسه أن يلومه عليه، و هذا المعنى مرجعه الى الرجوع و التوبة و التنبّه و كونه مرضيّا.

و أمّا طلب العتاب من الغير: فهو من لوازم التنبّه و الرجوع في نفسه.

. فَيَوْمَئِذٍ لٰا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لٰا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- 30/ 57. فَالْيَوْمَ لٰا يُخْرَجُونَ مِنْهٰا وَ لٰا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- 45/ 34.

. ثُمَّ لٰا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لٰا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- 16/ 84.

فالاستعتاب في هذه الآيات الكريمة بمعنى طلب اللوم و التنبّه لنفسه، أى فلا يكلّفون بالتنبّه و الرجوع و التوبة، لانقضاء زمان العمل و المجاهدة، فلا ينفعهم لومهم لأنفسهم و ندامتهم عن أعمالهم الّتى سبقت منهم.

و التعبير بالاستعتاب دون الرجوع و التوبة و التنبّه و غيرها: فانّ التعتّب أوّل مرحلة في مسير الرجوع و التنبّه، فإذا لم يكن له فائدة، بل لم يوجد له اقتضاء: فكيف يصحّ أن يذكر غيره من المراحل المتأخّرة.

. فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّٰارُ مَثْوىً لَهُمْ وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمٰا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ- 41/ 24.

أى فان صبروا و استقاموا على طريقتهم: فمثواهم النار و العذاب، و إن حصل‌

24

لهم تنبّه و استعتاب في أنفسهم: فهو تنبّه ظاهرىّ سطحىّ و ليس عن تدبّر و تعمّق باطنىّ، و لا يكونون من المعتبين الّذين تنبّهوا و رجعوا و لو من جهة التفكّر و الاعتقاد و الحالة الباطنيّة، لاختتام مسيرهم اعتقادا و حالة و عملا، فلا يوجد فيهم اقتضاء التحوّل و التنبّه.

عتد

مصبا- عتد الشي‌ء عتادا: حضر، فهو عتد و عتيد أيضا، يتعدّى بالهمزة و التضعيف فيقال أعتده صاحبه و عتّده: إذا أعدّه و هيّأه. و العتيدة: التّى فيها الطيب و الأدهان.

مقا- عتد: أصل واحد يدلّ على حضور و قرب. قال الخليل: تقول عتد الشي‌ء و هو يعتد عتادا، فهو عتيد حاضر. و من ذلك سمّيت العتيدة التّى يكون فيها الطيب و الأدهان. و يقال للشي‌ء المعتد إنّه لعتيد، و قد أعتدناه، و هيّأناه لأمران حزب، و جمع العتاد عتد و أعتدة. قال الخليل: يقولون هذا الفرس عتد أى معدّمتى شاء صاحبه ركبه، الذكر و الأنثى فيه سواء. فأمّا العتود: فذكر الخليل فيه قياسا صحيحا، و هو الّذى بلغ السفاد، فان كان كذا فكأنّه شي‌ء أعدّ للسفاد.

التهذيب 2/ 194- قال الليث: العتاد: الشي‌ء الّذى تعدّه لأمر ما و تهيّئه له.

و يقال إنّ العدّة انّما هي العتدة، و أعدّ يعدّ إنّما هو أعتد يعتد، و لكن أدغمت التاء في الدال. و أنكر آخرون فقالوا اشتقاق أعدّ من عين و دالين. و هذا ما لدىّ عتيد، أى حاضر، و قال بعضهم: قريب. و يقال: أعتدت الشي‌ء فهو معتد و عتيد، و قد عتد الشي‌ء عتادة فهو عتيد: حاضر، قاله الليث، قال: و من هنالك سمّيت العتيدة الّتى فيها طيب الرجل و أدهانه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التهيّؤ الفعلىّ الحاضر لأمر. و الفرق بينها‌

25

و بين موادّ- الإعداد و التهيئة و الإحضار: أنّ الإعداد يلاحظ فيه الإحصاء و الضبط حتّى يتحصّل التعرّف.

و التهيئة: يلاحظ فيه مطلق تنظيم المقدّمات من أوّلها الى آخرها.

و الإحضار: يلاحظ فيه مطلق الحضور في مقدّمه أو غيرها.

فالتهيئة يكون قبل الإعداد، و الإعداد مرتبته قبل الإحضار، و الاعتداد هو يتحقّق في مرتبة الإحضار، مع قيد أن يكون لأمر.

فيكون التهيئة و الاعداد من مقدّمات الاعتاد، كما أنّ الإحضار من لوازم الاعتاد، فالتفسير بها من باب التقريب.

. وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً- 12/ 31.

. أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً*- 4/ 18.

. إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلظّٰالِمِينَ نٰاراً- 18/ 29.

يراد إحداث هذه الأمور و فعليّتها. بحيث تكون حاضرة عندهم.

. مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ- 50/ 18.

. وَ قٰالَ قَرِينُهُ هٰذٰا مٰا لَدَيَّ عَتِيدٌ- 50/ 23.

لدى: ظرف مكان بمعنى عند و يستعمل في المكان الحاضر. و الرقيب: من يكون له إشراف مع التفتيش و التحقيق. و العتيد: هو الحاضر المتهيّأ بالفعل.

هذا بالنسبة الى ظاهر المعنى بالإطلاق. و أمّا بالنسبة الى الحقيقة فنقول: إنّ النفس في وحدته فيه كلّ القوى، فيه جهة تسوق الى الصلاح و النور، و جهة تسوق الى الفساد و الظلمة. و الأعمال من الحسنات و السيّئات إنّما تصدر من النفس بهداية من الجهتين.

و النفس فيه قوّة الضبط و المراقبة و الإشراف و الاحاطة و الحضور، و كلّ جهة من جهات النفس و قواه متخالفة بالاعتبار و متّحدة بالحقيقة.

و ما من تفكّر أو حركة أو عمل يظهر في الخارج الّا و هو مضبوط في النفس بتمام خصوصيّاته- لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها.

و هذا حقيقة مفهوم الرقابة و العتاد في ما يصدر من الإنسان، و لا نحتاج الى‌

26

اثبات ملائكة تراقب أعمال الإنسان و تضبطها خارجا عن نفسه، و هذا المقدار أمر مقطوع لنا.

عتق

مصبا- عتق العبد عتقا من باب ضرب و عتاقا و عتاقة، و العتق اسم منه، فهو عاتق، و يتعدّى بالهمزة فيقال أعتقته فهو معتق على قياس الباب، و لا يتعدّى بنفسه فلا يقال عتقته، و لا عبد معتوق. و هو عتيق، و جمعه عتقاء، و ربّما جاء عتاق، و أمة عتيق أيضا، و عتيقة، و جمعها عتائق. و عتقت الخمر من بابى ضرب و قرب. و درهم عتيق، و الجمع عتق. و عتقت الشي‌ء من باب ضرب: سبقته، و منه فرس عاتق إذا سبق الخيل. و يقال لما بين المنكب و العنق عاتق، و الجمع عواتق.

مقا- عتق: أصل صحيح يجمع معنى الكرم خلقة و خلقا و معنى القدم.

و ما شذّ من ذلك فقد ذكر على حدة. قال الخليل: عتق العبد يعتق عتاقا و عتاقة و عتوقا، و أعتقه صاحبه إعتاقا. و قال الأصمعىّ: عتق فلان بعد استعلاج، إذا صار رقيق الخلقة بعد ما كان جافيا. و يقال حلف بالعتاق أو هو مولى عتاقة. و صار العبد عتيقا، و لا يقال عاتق في موضع عتيق، إلّا أن تنوى فعله في قابل فتقول عاتق غدا.

و امرأة عتيقة حرّة من الاموّة، و امرأة عتيقة أيضا، أى جميلة كريمة، و فرس عتيق، رائع بيّن العتق، و ثوب ناعم عتيق. و العتيق أيضا: الكريم من كلّ شي‌ء. و قد عتق و عتق، إذا أتى عليه زمن. قال الخليل: جارية عاتق، أى شابّة أوّل ما أدركت. ابن الأعرابىّ: انّما سمّيت عاتقا لأنّها عتقت من الصبا و بلغت أن تدرّع. قالوا و الجوارح من الطير عتاق لأنّها تصيد و لا تصاد فهي أكرم الطير، و كأنّها عتقت أن تصاد. قال الخليل: البيت العتيق: الكعبة لأنّه أوّل بيت وضع للناس، و سمّى بذلك لأنّه أعتق من الغرق أيّام الطوفان فرفع، و يقال أعتق من الحبشة عام الفيل. و يقال أعتق من أن يدّعيه أحد فهو بيت اللّه تعالى. و يقال للبئر القديمة عاتقة. و الخمر العتيقة الّتى عتقت زمانا حتّى عتقت. و ممّا شذّ: عاتقا الإنسان، و هما ما بين المنكبين و العنق.

مفر- العتيق: المتقدّم في الزمان أو المكان أو الرتبة، و لذلك قيل للقديم عتيق‌

27

و للكريم عتيق و لمن خلا عن الرقّ عتيق. و العاتقان: ما بين المنكبين، و ذلك لكونه مرتفعا عن سائر الجسد. و العاتق الجارية الّتى عتقت عن الزوج. و عتق الفرس تقدّم بسبقه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الانطلاق من حدود و قيود. و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد و المصاديق، ففي كلّ مورد بحسبه و باقتضاء الموضوع.

فالخمر العتيق إذا لم يكن محدودا بصنع جديد و عمل حاضر. و عبد عتيق إذا كان حرّا و خارجا عن محدودة العبوديّة و الرقّيّة. و فرس عاتق إذا سبق و خرج عن حدود سير الخيل المتسابقة. و ما بين المنكب و العنق عاتق لخروجه عن مسؤوليّة متوجّهة اليهما و كونه منطلقا. و البيت العتيق لكونه منطلقا عن نسبة الى شخص أو غرض خاصّ أو قيد محدود، فانّه ينسب الى اللّه تعالى فقط من دون قيد آخر.

و أمّا مفاهيم- القدمة و الجمال و الكرم و النعومة و الشباب و غيرها: فهي من لوازم الأصل في موارد متناسبة.

. لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ- 22/ 33.

. وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ- 22/ 29.

التوصيف بالعتيق اشارة الى كونه منزّها عن أىّ لون و انتساب خاصّ، و عن قيد و محدوديّة و غرض مادّىّ، و عن أىّ برنامج انحرافىّ دنيوىّ.

فهو مظهر التنزّه و الطهارة و القداسة و الانطلاق الصرف، و ليس فيه عنوان خاصّ و لا جهة الى جانب مخصوص.

و الى هذا المعنى يشير قوله تعالى:

. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً- 3/ 96.

أى و قد وضع بناؤه في أوّل مرتبة لعموم طبقات الناس و توجّههم اليه من دون اختصاص الى جهة.

28

. وَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ الَّذِي جَعَلْنٰاهُ لِلنّٰاسِ سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ- 22/ 25.

عتل

مقا- عتل: أصل صحيح يدلّ على شدّة و قوّة في الشي‌ء. من ذلك الرجل العتلّ، و هو الشديد القوىّ المصحّح الجسم. و اشتقاقه من العتلة الّتى يحفر بها. و العتلة أيضا: الهراوة الغليظة من الخشب، و الجمع العتل، و من الباب العتل و هو أن تأخذ بتلبيب الرجل فتعتله أى تجرّه اليك بقوّة و شدّة، و لا يكون عتلا الا بجفاء و شدّة.

و زعم قوم إنّهم يقولون- لا أنعتل معك أى لا أنقاد.

التهذيب 2/ 270- فاعتلوه: قرء عاصم و حمزة و الكسائي بكسر التاء. و ابن كثير و نافع و ابن عامر و يعقوب بضمّ التاء. قلت: هما لغتان فصيحتان، يقال عتله يعتله و يعتله. و عن مجاهد في فاعتلوه أى خذوه فاقصفوه كما يقصف الحطب. و ابو معاذ:

العتل: الدفع و الإرهاق بالسوق العنيف. ابن السكّيت: عتلته الى السجن و عتنته، إذا دفعته دفعا عنيفا. و العتلّ: جاء في التفسير إنّه الشديد الخصومة، و أيضا الجافي الخلق اللئيم الضريبة، و هو في اللغة: الغليظ الجافي.

مفر- عتل: الأخذ بمجامع الشي‌ء و جرّه بقهر، كعتل البعير. و العتلّ: الأكول المنوع يعتل الشي‌ء عتلا.

و التحقيق

أن الأصل الواحد في المادّة: هو الغلظة و التعنّف و الجفاء ليس فيه لينة و لا عطوفة.

و هذا المعنى باقتضاء حروفها الظاهرة، فانّ أعين من حروف الجهر و الاستفال، و التاء من الشدّة و الاستفال، و اللام من الشدّة و الاستفال أيضا. و يدلّ على هذا اشتراك كلمات- عبل، عصل، عضل، عثل، عردل، عرطل، عبم، عين، عتن، في مفهوم الشدّة.

و من مصاديق الأصل: الرجل الغليظ الجافي، و الأكول المنوع و الهراوة‌

29

الغليظة و هي العصا الضخمة من حديد أو غيره.

و أمّا اشتقاقه- عتله يعتله: فيدلّ على إعمال غلظة و عنف و شدّة بالنسبة اليه، و هذا يتحقّق بجرّ أو جذب أو دفع أو حمل أو إسراع أو غيره إذا وقع بالغلظة و العنف و الجفاء.

. مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِكَ زَنِيمٍ- 68/ 13.

العتلّ على وزان جنب شدّد للمبالغة، و هو الرجل الغليظ المتعنّف الجافي.

و الزنيم من ليس له أصالة و نسب صحيح و هو معلّق.

. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىٰ سَوٰاءِ الْجَحِيمِ- 44/ 47.

أى خذوه ثمّ أعملوا في حقّه غلظة و عنفا و جفاء حتّى يرد الى وسط الجحيم.

و هذا المعنى آكد في التشديد من مفهوم الجرّ و الجذب، فانّ النظر الى إعمال الغلظة بأىّ طريق كان، و ليس الجرّ جزءا من مفهوم المادّة، و ترى استعماله في الدفع و غيره أيضا، مع أنّ الأثيم لا يبعد عن الجحيم حتّى يجرّ اليه- و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين.

عتو

مصبا- عتا يعتو عتوّا من باب قعد: استكبر و تجبّر فهو عات. و عتا الشيخ يعتو عتيّا: أسنّ و كبر، فهو عات.

مقا- عتو: أصل صحيح يدلّ على استكبار. قال الخليل و غيره: عتا يعتو عتوّا:

استكبر، و كذلك يعتو عتيّا، فهو عات. و الملك الجبّار عات. و جبابرة عتاة. و يقال تعتّى فلان و تعتّت فلانة إذا لم يطع.

كتاب الأفعال 2/ 396- و عتا الملك عتوّا: تجبّر و استكبر، و الريح: جاوزت مقدار هبوبها، و الشيخ عتيّا: بلغ غاية الكبر، و عن الأدب: لم يقبله.

لسا- عتا يعتو عتوّا و عتيّا: استكبر و جاوز الحدّ. و قال الأزهرىّ: و العتا:

العصيان، و العاتي: الجبّار، و جمعه عتاة، و العاتي: الشديد الدخول في الفساد المتمرّد لا يقبل موعظة. و عتا الشيخ عتيّا و عتيّا: أسنّ و كبر و ولّى.

30

صحا- تقول عتوت يا فلان تعتو عتوّا و عتيّا و عتيّا، و الأصل عتوّا ثمّ أبدلوا إحدى الضمّتين كسرة فانقلبت الواو ياء فقالوا عتيّا ثم اتبعوا الكسرة الكسرة فقالوا عتيّا ليؤكّد البدل، و رجل عات، و قوم عتىّ، قلّبوا الواو ياء.

الفروق ص 160- الفرق بين الطغيان و العتوّ: أنّ الطغيان مجاوزة الحدّ في المكروه مع غلبة و قهر. و العتّو: المبالغة في المكروه فهو دون الطغيان- ريح صرصر عاتية- أى مبالغة في الشدّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو مجاوزة عن الحدّ في طريق الشرّ و الفساد، أى مبالغة في سلوك طريق الشرّ.

فالأصل فيها ما قلناه، و ليست بمعنى الاستكبار أو التجبّر أو العصيان أو شديد الدخول في الفساد أو التولّى أو غيرها. نعم الإدامة و الإصرار على هذه الموضوعات المكروهة المضرّة: تكون عتوّا.

. لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً- 25/ 21.

. وَ أَمّٰا عٰادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عٰاتِيَةٍ- 19/ 29.

فجعل الاستكبار مقدّمة على العتوّ و الريح الصرصر ليس فيها استكبار و لا تولّى بل مجاوزة في شدّة جريانها.

. وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا- 19/ 8.

أى بلغت من جهة كبر السنّ بحال العتوّ و المبالغة في جريان السير، و هو الانتهاء في الكبر.

و هذا المورد أيضا ينفى مفهوم التجبّر و الاستكبار و العصيان.

. وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهٰا وَ رُسُلِهِ- 65/ 8.

. فَلَمّٰا عَتَوْا عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ- 7/ 166.

. فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّٰاعِقَةُ- 51/ 44.

يراد الإصرار و المبالغة و السير في الاعراض و الانحراف عن الأوامر و النواهي‌

31

الالهيّة.

و أمّا التعبير في هذه الموارد بهذه المادّة دون غيرها: فانّ النظر الى جهة الإصرار و إدامة السير في طريق الشرّ و المكروه.

و يراد من الشرّ و الفساد: مطلق مفهومهما، مادّيّا أو معنويّا أو عرفيّا أو شخصيّا أو بالنسبة الى جهة خاصّة.

عثر

مصبا- عثر الرجل في ثوبه يعثر، و الدابّة أيضا من باب قتل، و في لغة من باب ضرب، عثارا، و العثرة للمرّة، و يقال للزلّة عثرة لأنّها سقوط في الإثم. و عثر عليه عثرا من باب قتل و عثورا: اطّلع عليه، و أعثره غيره: أعلمه به.

مقا- عثر: أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على الاطّلاع على الشي‌ء، و الآخر- على الإثارة للغبار. فالأوّل- عثر يعثر عثورا، و عثر الفرس يعثر عثارا: و ذلك إذا سقط لوجهه، قال بعض أهل العلم: إنما قيل عثر من الاطلاع، و ذلك أنّ كلّ عاثر فلا بدّ أن ينظر الى موضع عثرته. و يقال عثر الرجل يعثر عثورا و عثرا: إذا اطّلع على أمر لم يطّلع عليه غيره- كذا قال الخليل. و أعثرت فلانا على كذا إذا أطلعته عليه.

و العاثور: المكان يعثر به. و الأصل الآخر العثير و العثيرة و هو الغبار الساطع.

التهذيب 2/ 324- قال الليث: عثر الرجل إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره، و أعثرت فلانا على أمر أى أطلعته. و عثر الرجل عثرة، و عثر الفرس عثارا، و عيوب الدوابّ تجي‌ء على فعال، مثل العثار و العضاض و الخراط و الضراح و الرماح. و العثرىّ من الزروع، ما سقى بماء السيل و المطر و اجرى اليه الماء من المسايل و حفر له عاثور، أى أتىّ يجرى فيه الماء اليه. و جمعه عواثير. و عن ابن الأعرابىّ: رجل عثرىّ: ليس في أمر الدنيا و لا في أمر الآخرة. و أبو عبيد: العثير:

الغبار، و قال الليث: الغبار الساطع.

صحا- العثرة: الزلّة، يقال عثر به فرسه فسقط. و عثر عليه أى اطّلع عليه. و تعثّر لسانه: تلعثم. و العاثور: حفرة تحفر للأسد و غيره ليصاد. و يقال للرجل إذا تورّط:

32

قد وقع في عاثور شر.

و التحقيق

أن الأصل الواحد في المادّة: هو ورود على مورد من دون تفكّر و اختيار دفعة و بغتة على طريق السقوط.

و من مصاديقه: هجوم على شي‌ء بغتة، و سقوط في شي‌ء دفعة، و سقوط و كبوة، و زلّة تنتهي الى السقوط، و إحاطة و اطّلاع من دون مقدّمة و دفعة.

و من آثاره الّتى قد تترتّب عليه: حصول العلم، التعسر و الهلاكة، و إثارة الغبار، و غيرها.

. وَ كَذٰلِكَ أَعْثَرْنٰا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السّٰاعَةَ لٰا رَيْبَ- 18/ 21.

أى جعلنا الناس منتهين الى الكهف و واردين بغتة و من دون مقدّمة عليه و على أصحاب الكهف، ليتدبّروا فيهم و في حالاتهم و سوابقهم.

. فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً فَآخَرٰانِ- 5/ 107.

أى المعثور على استحقاقهما إثما، فيثنّى و يجمع الضمير في المبنىّ للمفعول من اللازم. و المراد إعثارهما واردين بغتة في الإثم، بأىّ موجب و بأىّ مؤثّر أو عامل يكون.

و التعبير بالمادّة: اشارة الى أنّ هذا الهجوم قد تحقّق بغتة من دون تفكّر و انتخاب.

فهذا القيد لازم أن يلاحظ في جميع المصاديق.

و العاثور: يلاحظ فيه القيد، أى الورود بغتة و من دون توجّه.

عثو

مقا- عثى: كلمة تدلّ على فساد، يقال عثا يعثو، و يقال عثى يعثى، مثل عاث.

مفر- العيث و العثىّ يتقاربان، نحو جذب و جبذ، الّا أنّ العيث أكثر ما يقال‌

33

في الفساد الّذى يدرك حسّا، و العثىّ فيما يدرك حكما، يقال عثى يعثى عثيّا، و على هذا- و لا تعثّوا في الأرض مفسدين، و عثا يعثو عثوّا. و الأعثى: لون الى السواد. و قيل للأحمق الثقيل أعثى.

الجمهرة 2/ 45- العثو: أصل بناء العثواء، يقال ضبع عثواء إذا كانت كثيرة الشعر على وجهها. و كذلك يقال رجل أعثى و امرأة عثواء إذا كثر الشعر على خدودهما.

و في بعض اللغات عثا يعثو عثوا في معنى عاث يعيث إذا أفسد، و ليس بثبت.

لسا- عثا: لون الى السواد مع كثرة شعر، و الأعثى: الكثير الشعر الجافي السمج. و العثوة: جفوف شعر الرأس و التباده و بعد عهده بالمشط. عثى شعره يعثى عثوا و عثا. قال ابن سيده: عثا عثّوا، و عثى عثوّا: أفسد أشدّ الإفساد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو امتداد في الخروج عن الاعتدال. و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد، فمن مصاديقه: ظهور الفساد بالخروج عن العدل و الصلاح.

و خروج اللون عن صفائه الى الكدورة و السواد. و خروج الفرد عن حالة التعقّل الى الحمق و الضعف فيه. و ظهور الالتباد و الجفاف و الاختلاط في الشعر في الضبع أو في الإنسان. و اللمّة من شعر الرأس الخارج عن حدّ الاذن.

و بين المادّة و موادّ- عثل، عثم، عثن، عجر، عسم، عشم، عشب، عضل- اشتقاق و تقارب في اللفظ و المعنى.

فظهر أنّ الفساد من مصاديق الأصل، و ليس بأصل. و يدلّ على هذا استعمال المادّة مع مادّة الفساد في كلام اللّه المجيد:

. كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّٰهِ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- 2/ 60. وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفٰاءَ مِنْ بَعْدِ عٰادٍ .... وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- 7/ 74. وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*- 11/ 85. وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً .... وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- 29/ 36.

34

فالآية الاولى راجعة الى بنى إسرائيل، و الثانية الى قوم هود، و الثالثة الى قوم شعيب، و كذلك الرابعة.

و المراد النهى عن خروجهم في الحياة المادّيّة و الاجتماعيّة عن برنامج العدالة و الانصاف و رعاية الحقوق فيما بينهم، سالكين الى سبيل الفساد و الإفساد في الأمور و الإخلال في النظم، فانّ هذا يوجب الإفساد و إخلال الأمور الروحانيّة.

و لا يخفى أنّ الإفساد من أعظم الأمور المنهيّة، و هو في قبال النظم و البرنامج العدل الإلهىّ، و إخلال فيها، راجع: أرض- فسد.

و أمّا العيث: فهو يدلّ على شدّة و كثرة في الخروج عن العدل و القرب من الفساد، حيث إنّ الياء يدلّ على الانكسار و الانحطاط فيكون الانحطاط في العيث أشدّ من العوث و العثو.

عجب

مقا- عجب: أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على كبر و استكبار للشي‌ء و الآخر- خلقة من خلق الحيوان. فالأوّل العجب و هو ان يتكبّر الإنسان في نفسه، تقول هو معجب بنفسه، و تقول من باب العجب: عجب يعجب عجبا، و أمر عجيب، و ذلك إذا استكبر و استعظم. قالوا: و زعم الخليل أنّ بين العجيب و العجاب فرقا.

فأمّا العجيب و العجب مثله: فالأمر يتعجّب منه. و أما العجاب فالّذي يجاوز حدّ العجيب، قال و ذلك مثل الطويل و الطوال. و يقولون عجب عاجب. و الاستعجاب:

شدّة التعجّب. و الأصل الآخر العجب و هو من كلّ دابّة ما ضمّت عليه الوركان من أصل الذنب.

مصبا- العجب من كلّ دابّة: ما ضمّت الورك من أصل الذنب و هو العصعص. و عجبت من الشي‌ء عجبا من باب تعب و تعجّبت و استعجبت و هو شي‌ء عجيب أى يعجب منه، و أعجبنى حسنه، و اعجب زيد بنفسه بالبناء للمفعول:

إذا ترفّع و تكبّر، و يستعمل التعجّب على وجهين: أحدهما- ما يحمده الفاعل و معناه الاستحسان و الإخبار عن رضاه به. و الثاني- ما يكرهه و معناه الإنكار و الذّم له. ففي‌

35

الاستحسان يقال أعجبني بالألف. و في الذّم و الإنكار عجبت و زان تعبت التهذيب 1/ 386- عن ابن الأعرابيّ: العجب: النظر الى شي‌ء غير مألوف و لا معتاد. و قال: العجب: الّذى يحبّ محادثة النساء و لا يأتى الريبة. و العجب: فضلة من الحمق صرفها إلى العجب. و تقول عجّبت فلانا بشي‌ء تعجيبا فعجب منه.

و عجوب الكثبان: أواخرها المستدقّة. و ناقة عجباء بيّنة العجب: إذا دقّ أعلى مؤخّرها و أشرفت جاهرتاها، و هي خلقة قبيحة فيمن كانت.

صحا- العجيب: الأمر يتعجّب منه، و كذلك العجاب، و العجّاب أكثر منه، و كذلك الأعجوبة. و قولهم عجب عاجب كقولهم ليل لائل يؤكّد به، و التعاجيب لا واحد لها من لفظها. و لا يجمع عجب و لا عجيب، و يقال جمع عجيب عجائب مثل أفيل و أفائل. و قولهم أعاجيب كأنّه جمع أعجوبة مثل احدوثة و أحاديث.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الحالة الحاصلة من رؤية شي‌ء خارجا عن الجريان الطبيعىّ المتوقّع عادتا، فهذه الحالة يطلق عليها التعجّب. و ان كانت الرؤية متعلّقة بنفسه و صفاته و أعماله: فيطلق عليها العجب بالضمّ، و كأنّ العجب كالغسل اسم مصدر يدلّ على ما يتحصّل من المصدر، و هو الصفة النفسانيّة.

و بهذه المناسبة تطلق على المؤخّر إذا دقّ على خلاف المعتاد. و على من يستأنس بمحادثة النساء دون الرجال.

و الفرق بين العجيب و العجاب و العجب و العجب: أنّ العجب كالحسن ما فيه تعجّب خفيف ظاهرىّ، لمكان الفتحتين و الفتحة خفيفة. و العجب يدلّ على ما فيه تعجّب يسير منخفض لمكان الكسرة. و العجيب يدلّ على ما فيه تعجّب ثابت لمكان الياء. و العجاب يدلّ على ما فيه تعجّب ممتدّ، لمكان الألف، ففيه اقتضاء تعجّب كثير ممتدّ.

و بهذا يظهر خصوصيّة استعمال كلّ منها في مورد خاصّ بالنظر الى تلك الخصوصيّة و الامتياز.

36

. أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ‌ءٌ عُجٰابٌ- 38/ 5.

. أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هٰذٰا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ‌ءٌ عَجِيبٌ- 11/ 72.

. اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً- 72/ 1.

فالتعجّب في الجريان الأوّل كثير و ممتدّ، ثمّ في الثاني، ثمّ الثالث.

. أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جٰاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلىٰ رَجُلٍ*- 7/ 63.

. وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذٰا كُنّٰا تُرٰاباً أَ إِنّٰا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ- 13/ 5.

. يٰا وَيْلَتىٰ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هٰذٰا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ‌ءٌ عَجِيبٌ قٰالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ- 11/ 73.

يراد أرأيتم هذه الأمور الخارجة عن الجريان الطبيعىّ و الخارقة للعادة موارد تعجّب و استغراب! مع أنّ الاستغراب إذا نسب الى الجريان الطبيعىّ و حوسب بمعايير طبيعيّة و بمقاييس مادّية، لا فيما ينسب الى اللّه المتعال، و بيده أزّمة الأمور، و بتقديره جريان الطبيعة و ما ورائها.

. فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنٰا .... بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ- 37/ 12.

يراد الإضراب عن مقام الاستفتاء، فانّهم ليسوا في مقام التفهّم و تحرّى الحقيقة و تحقيق الحقّ، بل برنامجهم الاستهزاء و التحقير، و حالهم كذلك، مع أنّك كنت في تعجّب من أحوالهم.

فجملة- و يسخرون- حاليّة من متعلّق- عجبت، أى و تتعجّب منهم و من أقوالهم و أحوالهم، و هم يسخرون.

و الإعجاب إفعال بمعنى جعل شخص متعجّبا عن شي‌ء، كما في:

. وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ- 2/ 204.

. قُلْ لٰا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ- 5/ 100.

. وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ- 63/ 4.

ثمّ انّه لا فرق في التعجّب بين أن يكون متعلّقه ممدوحا أو مذموما.

فالممدوح كما في:

. وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ- 9/ 25.

37

و المذموم كما في:

. وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ- 5/ 100.

و المعيار هو الخروج عن الجريان الطبيعىّ المعتاد.

عجز

مقا- عجز: أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على الضعف، و الآخر على مؤخّر الشي‌ء. فالأوّل- عجز عن الشي‌ء يعجز عجزا، فهو عاجز، أى ضعيف. و من الباب العجوز: المرأة الشيخة، و الجمع عجائز. و الفعل عجّزت تعجيزا، و يقال فلان عاجز فلانا، إذا ذهب فلم يوصل اليه. و يجمع العجوز على العجز أيضا. و ربّما حملوا على هذا فسمّوا الخمر عجوزا، و إنّما سمّوها لقدمها، كأنّها امرأة عجوز. و العجزة و ابن العجزة:

آخر ولد الشيخ. و أمّا الأصل الآخر- فالعجز مؤخّر الشي‌ء، و الجمع أعجاز، حتّى أنّهم يقولون: عجز الأمر و أعجاز الأمور. و العجيزة عجيزة المرأة خاصّة إذا كانت ضخمة، يقال امرأة عجزاء، و الجمع عجيزات، و لا يقال عجائز، كراهة الالتباس.

مصبا- عجز عن الشي‌ء عجزا من باب ضرب و معجزة بالهاء و حذفها، و مع كلّ وجه فتح الجيم و كسرها: ضعف عنه، و عجز عجزا من باب تعب و هذه اللغة غير معروفة عندهم. و عن ابن الأعرابىّ: إنّه لا يقال عجز الإنسان بالكسر إلّا إذا عظمت عجيزته. و أعجزه الشي‌ء: فاته. و أعجزت زيدا: وجدته عاجزا. و عجّزته تعجيزا: جعلته عاجزا. و عاجز الرجل: إذا هرب فلم يقدر عليه. و العجز من الرجل و المرأة: ما بين الوركين و هي مؤنّثة، و بنو تميم يذكّرون، و فيها أربع لغات فتح العين و ضمّها و مع كلّ واحد ضمّ الجيم و سكونها، و الأفصح وزان رجل، و الجمع أعجاز، و العجز من كلّ شي‌ء: مؤخّره يذكّر و يؤنّث.

مفر- عجز الإنسان: مؤخّره، و به شبّه مؤخّر غيره. و العجز أصله التأخّر عن الشي‌ء و حصوله عند عجز الأمر أى مؤخّره، كما ذكر في الدبر، و صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشي‌ء و هو ضدّ القدرة و أعجزت فلانا و عجّزته و عاجزته: جعلته عاجزا.

38

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل القدرة في الجملة، فالعجز له مراتب، و بانتفاء القدرة على أىّ شي‌ء كان، و في أىّ مقدار يتحقّق مفهوم العجز، كما في القدرة.

و أمّا مفهوم الضعف: فهو في مقابل القوّة- من بعد ضعف قوّة.

و بلحاظ مفهوم العجز: تطلق المادّة على اصول الشجر المنتهى اليها، لتحقّق الضعف و الهرم فيها، و لشدّة الحاجة فيها الى التغذّى من الماء و الطين، و انتفاء الطراوة و الخضارة فيها. و هكذا في مؤخّر كلّ شي‌ء و مثله العجوز و العجوزة من الإنسان إذا استولى عليه الضعف و الحاجة و انتفى عنه الاقتدار و حالة الطراوة و التحرّك و العمل.

و هذه الآثار تشاهد في العجز و هو مؤخّر الإنسان، فليس فيه الّا السكون و الهوىّ.

و أعجزه: جعله عاجزا، و هو معجز.

و المعاجزة: استدامة العجز و استمراره.

. يٰا وَيْلَتىٰ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هٰذَا الْغُرٰابِ- 5/ 31:

. يٰا وَيْلَتىٰ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ- 11/ 72.

. إِذْ نَجَّيْنٰاهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلّٰا عَجُوزاً فِي الْغٰابِرِينَ- 37/ 135.

يراد الضعف و انتفاء الاقتدار في جهة دفن جسد أخيه. و العجز في جهة توليد الطفل و استعداده.

و هذا هو اللطف في التعبير بالمادّة دون كبر السنّ و الكهولة و غيرهما.

و يشار في الآية الثالثة الى جهة العجز في الايمان و الطاعة، و التخلّف عن امتثال أمر اللّه و أمر رسوله، مع كونها ضعيفا فقيرا في نفسها.

. وَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيٰاتِنٰا مُعٰاجِزِينَ أُولٰئِكَ فِي الْعَذٰابِ مُحْضَرُونَ- 34/ 38.

يراد استمرار حالة كونهم عاجزين في هذا السعى و العمل، و لا حاجة الى تفسير المعاجز بمعنى الإعجاز متعدّيا، مع أنّهم ليسوا في تلك الحالة و لا يمكن لهم حصولها.

و على هذا يذكر الاعجاز منهم بصورة النفي في سائر الموارد:

39

. وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّٰهِ- 9/ 2.

. إِنَّ مٰا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ مٰا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- 6/ 134.

. وَ مٰا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ*- 42/ 31.

. لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ- 24/ 57.

و هذا يوجب نفى كونهم معجزين، و حالة الاعجاز هو اتّصاف بها، فتنفى أيضا.

مضافا الى أنّ إعجازه يوجب محدوديّة و تحوّلا و ضعفا في قدرته مع كونه غير محدود لا نهاية لذاته و صفاته.

. وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ لٰا فِي الْأَرْضِ- 35/ 44.

أى سواء كان ذلك الشي‌ء سماويّا أو أرضيّا.

و سواء كان الإعجاز في امور أرضيّة أو سماويّة.

. وَ مٰا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي السَّمٰاءِ- 29/ 22.

فانّ الاعجاز بأىّ نحو كان و في أىّ جهة يكون: يلازم التأثير و التسلّط و التفوّق و الحكومة.

و أمّا التعبير بالعجز دون الضعف: فانّ العجز ما يقابل القدرة، و كما أنّ للقدرة مراتب، للعجز أيضا مراتب، فنفى مطلق العجز عنه تعالى يلازم نفى أىّ مرتبة من ضعف و غيره.

. تَنْزِعُ النّٰاسَ. كَأَنَّهُمْ أَعْجٰازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ- 54/ 20.

. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهٰا صَرْعىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجٰازُ نَخْلٍ خٰاوِيَةٍ- 69/ 7.

فالانقعار هو الانقلاع، و الخوى هو السقوط بعد تقوّمه. و أعجاز النخل أصولها، فانّ تقوّم اصول الشجر و حياته ما دامت في الماء و الطين تتغذّى منهما، و إذا انقلعت و سقط الشجر: تبقى محرومة عن مادّة حياتها، فتزول عنها الرطوبة و الحياة في مجاورة الهواء، و لا سيّما في النخل فانّه في التقيّد في حدّ زائد، و قد ييبس بمجرّد تحرّك في أصوله و تغييرها.

و أمّا التذكير في الاية الاولى، و التأنيث في الثانية: فانّ النظر في الاولى الى‌

40

جنس النخل. و أمّا الثانية: فالنظر فيها الى الأفراد. و هذا فانّ المنظور في الاولى: مطلق نزعهم. و في الثانية: كونهم مصروعين، فيشبّهون بالأعجاز الكثيرة الّتى ترى من مصاديق النخل.

عجف

مصبا- عجف الفرس من باب تعب: ضعف، و من باب قرب لغة، فهو أعجف، و شاة عجفاء، و جمع الأعجف عجاف على غير قياس، و انّما جمع على عجاف إمّا حملا على نقيضه و هو سمان، أو على نظيره و هو ضعاف، و يعدّى بالهمزة فيقال:

أعجفته، و ربّما عدّى بالحركة فقيل عجفته من باب قتل.

مقا- عجف: أصلان صحيحان أحدهما يدلّ على هزال، و الآخر على حبس النفس و صبرها على الشي‌ء أو عنه. فالأوّل و هو الهزال و ذهاب السمن، و الذكر أعجف، و الأنثى عجفاء، و الجمع عجاف من الذكران و الإناث، و ليس في كلام العرب أفعل مجموعا على فعال غير هذه الكلمة. و يقال أعجف القوم: إذا عجفت مواشيهم و هم معجفون. و حكى الكسائىّ: شفتان عجفاوان، أى لطيفتان. و قال أبو عبيد: يقال عجف إذا هزل، و القياس عجف، لأنّ ما كان على أفعل و فعلاء فماضيه فعل نحو عرج يعرج، إلّا ستّة حروف، جاءت على فعل و هي سمر و حمق و رعن و عجف و خرق، و حكى الأصمعى في الأعجم عجم. و ربّما اتّسعوا في الكلام فقالوا أرض عجفاء، أى مهزولة لا خير فيها و لا نبات، و يقولون نصل أعجف أى دقيق. و أمّا الأصل الثاني- فقولهم عجفت نفسي عن الطعام أعجفها، إذا حبست نفسك عنه، و هي تشتهيه، و عجفت غيرى قليل. و يقال: عجفت نفسي على المريض إذا صبرت عليه و مرّضته.

الاشتقاق- 223- و العجفاء: فعلاء من العجف، و عجّفت الإنسان، إذا أطعمته نصف قوته و لم يشبع. و عجفت نفسي على فلان، إذا تعطّفت عليه. و عجفت نفسي على المريض إذا رفقت به و رحمته.

مفر- سبع عجاف، أى الدقيق من الهزال، من قولهم نصل أعجف دقيق.

41

و عجفت نفسي عن الطعام و عن فلان: أى نبت عنهما.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل السمن، أى هزال مطلق ينشأ عن حبس النفس عن الطعام، ففيه قيدان حبس النفس، و حصول هزال.

و الفرق بينها و بين الهزال و الضعف و النحف: أنّ الهزال يلاحظ فيه التهاون، فانّ الهزل يقابل الجدّ و الأحكام. و الضعف يقابل القوّة، و هو أعمّ من أن يكون في هزال أو بغيره. و النحف يلاحظ فيه قلّة اللحم. و تقرب من مفهوم العجف موادّ الكفّ و العكف و العزف و العفّ و اللطف و النزف و النسف و النظف و النصف.

و يناسب هذه المعاني كون الفاء من حروف الهمس و الرخاء و الاستفال و السكون و الزلق. و العين و الكاف و النون و اللام أيضا تشارك في أغلب هذه الصفات.

. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنٰا فِي سَبْعِ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلٰاتٍ- 12/ 46.

تدلّ الآية على تقابل السمن و العجف. و أمّا التعبير بالمادّة: فانّ المقام يقتضى الجوع و الحبس عن الطعام، ليأكلن البقرات السمان. و أيضا يناسب التعبير بها السنين المجدبة فيها مجاعة و مضيقة من جهة الطعام- ثمّ يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ.

عجل

مصبا- عجل عجلا من باب تعب و عجلة: أسرع و حضر، فهو عاجل، و منه العاجلة للساعة الحاضرة، و سمع عجلان أيضا، و سمّى به، و المرأة عجلى، و تعجّل و استعجل في أمره كذلك، و أعجلته: حملته على أن يعجل، و عجلت الى الشي‌ء سبقت اليه، فأنا عجل. و العجل: ولد البقرة ما دام له شهر.

مقا- عجل: أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على الإسراع. و الآخر على بعض‌

42

الحيوان. فالأوّل- العجلة في الأمر، يقال هو عجل و عجل، لغتان. و استعجلت فلانا:

حثثته. و عجلته: سبقته. و العجالة: ما تعجّل من شي‌ء، و يقال من العجالة: عجّلت القوم. كما يقال لهّنتهم. و قال أهل اللغة: العاجل ضدّ الآجل، و يقال للدنيا العاجلة، و للآخرة الآجلة. و قالوا إنّ المعجّل و المعجل من النوق الّتى تنتج (أى بإلقاء الولد):

قبل أن تستكمل الوقت فيعيش ولدها، و ممّا حمل على هذا العجلة: عجلة الثيران. و من الباب العجلة: الإداوة الصغيرة، و الجمع العجل. و الأصل الآخر- العجل: ولد البقرة، و في لغة عجّول.

الاشتقاق- 299- العجلان: فاشتقاقه من العجل، يقال أقبل فلان عجلان، و الجمع عجال. و العجلة: المزادة من أديمين، و الجمع عجل. و المعجل:

الناقة الّتى نحر أو مات، و الجمع المعاجيل، و العجلة: ضرب من النبت.

العين- 1- العجل: العجلة. و استعجلته: حثثته و أمرته أن يعجل في الأمر. و أعجلته و عجلته أى كلّفه أن يعجّل، و عجّل يا فلان أى عجّل أمرك.

و العجلة: المنجنون يستقى عليها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل البطؤ، و هو الاستباق و الإسراع في أمر من دون أن يتصبّر الى حلول وقته.

سواء كان ذلك الأمر ممدوحا أو مكروها، و سواء كان النيّة و قصد المريد خيرا أو شرّا.

و هذه الصفة على خلاف الطمأنينة و الصبر و السكون، و منشأها ضعف النفس و قلّة الاستعداد و ضيق القلب و المحدوديّة.

فهذه الصفة مذمومة و لو كانت في امور مطلوبة مستحسنة.

و أمّا إطلاق العجل على ولد البقرة: فبمناسبة كونه عجولا مسرعا في حركاته و أموره بالنسبة الى امّه الوقور السكون.

و أمّا إطلاق العاجل على الدنيا: فباعتبار كونه دار ممرّ، و الحياة الدنيا تمضى‌

43

كمضىّ السحاب تمطر و تظلم و تنعدم.

فالعجلة في الشرّ و المكروه، كما في:

. وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذٰابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللّٰهُ وَعْدَهُ- 22/ 47.

. لَوْ يُؤٰاخِذُهُمْ بِمٰا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذٰابَ- 18/ 58.

و العجلة في الخير:

. هُمْ أُولٰاءِ عَلىٰ أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضىٰ- 20/ 84.

. وَ لٰا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ- 2/ 114.

و في حسن النيّة:

. لٰا تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ- 75/ 16.

و في سوء النيّة:

. وَ يَدْعُ الْإِنْسٰانُ بِالشَّرِّ دُعٰاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ عَجُولًا- 17/ 11.

و الفرق بين العجل و الاستعجال و الإعجال و التعجيل: أنّ العجل: هو نفس الاستباق و الإسراع في الأمر- و لا تعجل بالقرآن. و التعجيل: هو جعل شي‌ء آخر مسرعا- لعجّل لهم العذاب- أى جعل العذاب لهم مسرعا. و الإعجال: هو التعجيل مع كون النظر فيه الى جهة قيام الفعل لا الى جهة الوقوع كما في التفعيل- و ما أعجلك عن قومك- فالنظر فيه الى جهة الفاعل و جهة الصدور. و الاستعجال هو طلب العجلة و الرغبة، سواء كان الطلب عن نفسه أو عن غيره- و يستعجلونك بالعذاب أى يطلبون عنك نزول العذاب و التعجيل فيه. قال يا قوم لم تستعجلون بالسيّئة قبل الحسنة- أى تدعون و تطلبون عن أنفسكم العجل، و هذا المعنى يرجع الى التمايل القلبي و التوجّه الى السيّئة.

فظهر أنّ العجلة مذمومة إلّا أن يكون العجل بحسن النيّة و الاعتقاد، كما في:

. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ- 2/ 203.

و قلنا إنّ العجل نتيجة الضعف و المحدوديّة و ضيق النفس، و الإنسان خلق ضعيفا و محدودا.

. خُلِقَ الْإِنْسٰانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيٰاتِي فَلٰا تَسْتَعْجِلُونِ- 21/ 37.

44

فمن اصول خلقته من جهة الصفات و الأخلاق النفسانيّة: صفة العجل، فانّ الصفات النفسانيّة حقيقتها كيفيّات نفسانيّة و أطوارها و خصوصيّاتها، و هذه الصفات عين النفس و الذات، فانّ النفس في وحدته كلّ القوى، و لا تغاير بينها الّا بالاعتبار و اللحاظ.

و لمّا كان الإنسان محدودا ضعيفا: ففيه صفة العجل قهرا و بالطبيعة، فيصحّ أن يطلق عليه- خلق الإنسان من عجل.

و هذا حقيقة قوله تعالى:

. وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا.

. وَ يَدْعُ الْإِنْسٰانُ بِالشَّرِّ دُعٰاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ عَجُولًا- 17/ 11.

ثمّ إنّ الإنسان بمقتضى هذه المحدوديّة و العجل: يشكل عليه الصبر و الوقار و الطمأنينة، فيختار بالطبع العاجلة، و لا يصبر على الآجلة.

. إِنَّ هٰؤُلٰاءِ يُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَرٰاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا 76/ 27.

و. مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْعٰاجِلَةَ عَجَّلْنٰا لَهُ فِيهٰا مٰا نَشٰاءُ- 17/ 18.

. كَلّٰا بَلْ تُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ- 17/ 20.

فالإنسان لو خلّى و طبعه، و لم يخضع لحكم اللّه و قوانين دينه و برنامج تعليم الرسول و تربيته و تزكيته: فهو عاجل و يحبّ العاجل المسرع، و لا يتوجّه الى الآجل المتأخّر.

نعم هو مختار في اختيار أىّ من البرنامجين العاجل أو الآجل، و الرسول مبعوث من جانب اللّه تعالى الى هدايتهم و سوقهم الى الفلاح و الصلاح و الكمال و السعادة الحقيقيّة، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر.

و هذا الاختيار في محيط الحياة الدنيا يوجب ترك اليوم العظيم، و الاعراض عن الحياة العليا الحقّة، فينتفى جميع الفضائل الروحانيّة، و يسقط تمام الكمالات و المراتب الانسانيّة، فلا يرى إلّا ظاهرا و عاجلا، مع أنّ العاجلة أيضا بيده تعالى و بإرادته و تقديره. عَجَّلْنٰا لَهُ فِيهٰا مٰا نَشٰاءُ لِمَنْ نُرِيدُ.

و إذا أعرض عن سبيل الحقّ، و ظهر الضلال و الانحراف: فيميل الإنسان الى‌

45

أىّ طريق شيطانىّ و يبتلى بأىّ واد مهلك مظلم، و يخضع تحت أىّ برنامج مفسد يعميه عن سلوك الصراط الحقّ.

و عبادة العجل: من هذه الآثار المكروهة السيّئة:

. ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظٰالِمُونَ*- 2/ 51.

. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ- 4/ 153.

. وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوٰارٌ- 7/ 148.

. قٰالَ فَمٰا خَطْبُكَ يٰا سٰامِرِيُّ قٰالَ بَصُرْتُ بِمٰا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهٰا وَ كَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قٰالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيٰاةِ أَنْ تَقُولَ لٰا مِسٰاسَ .... وَ انْظُرْ إِلىٰ إِلٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عٰاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ- 20/ 96. قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ- 2/ 93.

قلنا في السمر: إنّ السامرىّ رجل من أصحاب موسى (ع)، و كان ساحرا و لعلّه كان من السحرة المؤمنين بموسى (ع) فلمّا شاهد قوم موسى (ع) هذا العجل المصنوع من الحلّى، و هو متجسّد و له صوت مخصوص و صورة عجل، و مادّته من الذهب و الحلىّ: فجذبهم هذا و دعاهم إسراعهم في الأمور الدنيويّة و زينتها الى ترك الحقّ و الإعراض عن الربّ و هو خالق كلّ شي‌ء، فغرّتهم الحياة الدنيا العاجلة.

فأشرب حبّ العجل في قلوبهم، فانّه ملموس مشاهد حاضر عاجل، و هذا بخلاف عوالم الحياة الروحانيّة، فانّها آجلة.

و أمّا تناسب العجل: فانّ أهل العاجلة يحبّون ما فيه حضور و تحرّك و تعجّل و إسراع و جذبة، و العجل مظهر هذه الصفات و الخصوصيّات، و قد اختار السامرىّ هذه الصورة المناسبة بحالهم.

عجم

مصبا- العجمة: في اللسان لكنة و عدم فصاحة، و عجم بالضمّ، فهو أعجم،

46

و المرأة عجماء، و هو أعجمىّ على النسبة للتوكيد: أى غير فصيح و إن كان عربيّا، و جمع الأعجم أعجمون، و جمع الأعجمىّ أعجميّون على لفظه أيضا، و على هذا فلو قال لعربىّ يا اعجمىّ، لم يكن قذفا، لأنّه نسبة الى العجمة و هي موجودة في العرب، و كأنّه قال يا غير فصيح، و بهيمة عجماء لأنّها لا تفصح. و صلاة النهار عجماء، لأنّه لا يسمع فيها قراءة، و استعجم الكلام علينا: مثل استبهم. و أعجمت الحرف: أزلت عجمته بما يميّزه عن غيره بنقط و شكل، فالهمزة للسلب. و أعجمته: خلاف أعربته. و أعجمت الباب:

أقفلته. و العجم: خلاف العرب، و العجم وزان قفل: لغة فيه، الواحد عجمىّ مثل زنج و زنجىّ و روم و رومىّ، فالياء للوحدة. و العجم: النوى من التمر و العنب و النبق و غير ذلك، و الواحدة عجمة. و العجم بالسكون: صغار الإبل. و العجم: العضّ و المضغ.

مقا- عجم: ثلاثة اصول: أحدها يدلّ على سكوت و صمت، و الآخر- على صلابة و شدّة، و الآخر- على عضّ و مذاقة. فالأوّل الرجل الّذى لا يفصح، هو أعجم، و المرأة عجماء بيّنة العجمة. و يقال عجم الرجل، إذا صار أعجم، و يقال للصبىّ ما دام لا يتكلّم و لا يفصح: صبىّ أعجم. و قولهم: العجم الّذين ليسوا من العرب، فهذا من هذا القياس، كأنّهم لمّا لم يفهموا عنهم سمّوهم عجما، و يقال لهم عجم أيضا. قال الخليل: حروف المعجم: هي الحروف المقطّعة، لأنّها أعجميّة. و كتاب معجّم، و تعجيمه تنقيطه كى تستبين عجمته و يضح.

العين 1/ 274- العجم: ضدّ العرب. و رجل أعجمىّ: ليس بعربىّ. و قوم عجم و عرب. و الأعجم: الّذى لا يفصح. و العجماء: كلّ دابّة أو بهيمة. و الأعجم: كلّ كلام ليس بعربيّة إذا لم ترد به التشبيه. و تقول استعجمت الدار عن جواب السائل:

سكتت. و تعجيم الكتاب: تنقيطه كى تستبين عجمته و يصحّ. و عجمة الرمل: أكثره و أضخمه، و قيل آخره، أو المتراكم منه المشرف على ما حوله. و عجم التمر:

نواة. و الإنسان يعجم التمرة: إذا لاكها بنواتها في فمه. و الثور يعجم قرنه:

يضربه بشجرة لينظّفه. و عجمته: ذقته.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو عقدة في إبهام. و من مصاديقه: اللكنة في‌

47

اللسان سواء كان من ضعف فيه أو في التكلّم بلغة. و عقدة إذا أوجبت التواء و إبهاما.

و الباب المقفل إذا اغلق و لم يبن: و الأمر الصعب إذا لم ينكشف. و الصبىّ إذا لم يفصح. و النوى ما دام متعقّد او لم يفلق. و صغار الإبل ما دامت لم تستعدّ للحمل.

و البهيمة المعقود لسانها و لا تقدر على إبانة غرضها. و الرمل المجتمع الضخم ما لم ينتشر.

و العقدة في أصل الذنب. و ما يقع في مورد المضغ و الاختبار.

فيعتبر في كلّ مورد منها: لحاظ القيدين المذكورين.

و أمّا حروف المعجم: فالتحقيق فيها أنّها عبارة عن حروف التهجّى المقطّعة، و هي موادّ تركّب الكلمات، و ما دامت لم تتركّب: فهي مبهمة لا انكشاف فيها و متعقّدة لا تبيّن و لا دلالة فيها، و لا فرق فيها بين أن تكون منقوطة أو غير منقوطة، و إن كان الإبهام و الإهمال في غير المنقوطة منها من جهتين، و على هذا تسمّى مهملة، و المنقوطة معجمة على أصلها.

و الإعجام ليس بمعنى التنقيط، بل بمعنى الإبهام و التعقّد كما ذكرنا.

و أمّا قولهم- أعجمت الحرف: يراد منه هذا المعنى، و هو جعل الحرف متميّزا بالشكل و النقطة ليعرف كونه من حروف التهجّى و المعجم.

فظهر أنّ البحث الطويل و مختلف الأقوال في المورد في غير محلّه.

و أمّا قولهم- إنّ العجمىّ للواحد: فانّ كلمات (العرب و العجم و الروم و الزنج) للجنس، فإذا نسب فرد الى الجنس يكون للواحد.

و تقرب من المادّة: موادّ- العجس (الحبس)، و العجف (الترك و الحبس)، و العجر (التعقّد). لفظا و معنى.

و الأعجم صفة مشبهة كالأبكم و الأصمّ، و هو من يتّصف بكونه ذا عجمة و فيه تعقّد و إبهام، و إذا نسب شخص اليه فيكون للواحد، و الوحدة ليست بمفهومة من ياء النسبة، بل هي من لوازم النسبة، و قد اشتبه هذا المعنى على بعضهم، فحكموا بأنّ الياء للوحدة لا للنسبة.

. وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمٰا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسٰانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هٰذٰا لِسٰانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ- 16/ 103.

48

. وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقٰالُوا لَوْ لٰا فُصِّلَتْ آيٰاتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفٰاءٌ وَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ- 41/ 44.

. وَ لَوْ نَزَّلْنٰاهُ عَلىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مٰا كٰانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ- 26/ 198.

تدلّ الآيات الكريمة على امور:

1- إنّ العجمة في هذه الموارد بمعنى الإبهام مع تعقّد، و هو الأصل، لا بمعنى اللغة غير اللغة العربيّة، و الّا لما كانت متفاهمة بينهم، مع أنّ هذا القرآن الموجود فيما بين أيدينا عربىّ، و أيضا قولهم- لو لا فصّلت آياته- في مورد نزول القرآن أعجميّا:

يشعر بأنّ مرادهم الإفصاح و التبيين و التفصيل، لا اللغة العربيّة.

2- و قد أجاب تعالى عن قولهم- بأنّ القرآن غير مبيّن: بقوله تعالى:. فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. اشارة الى أنّ التعقّد و الإبهام انّما هي من جانب قلوبهم، لا من جهة العجمة الّتى ادّعوها.

3- قولهم- إنّما يعلّمه بشر: نظرهم الى جهة المعاني و الأحكام و القوانين و الإرشاد و الأخلاقيّات الّتى توافق الكتب السالفة السماويّة، و لمّا لم يكن العرب مأنوسا بها: حكموا بأنّ واحدا من غير العرب علّمه هذه المعلومات المندرجة في القرآن.

و أجاب تعالى عن قولهم، بقوله-. لِسٰانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ- فانّ القرآن فيه خصوصيّتان: امتياز معنوىّ من جهة المعاني و المفاهيم و المعارف. و امتياز ظاهرىّ من جهة التعبيرات و الجملات و الكلمات، و الامتيازان متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.

و تبيين المعاني و الإفصاح عنها و التفصيل فيما بين الحقائق في مقام التعبير:

هو الّذى يعبّر عنه بالعربيّة و عدم العجمة، و هذا الأمر لا يتمشّى عن أعجمىّ في لسانه عقدة و إبهام.

4- و لو نزّلناه على بعض الأعجمين: اشارة الى كون توجّههم الى الظواهر الصرفة، و شدّة تعصّبهم في العربيّة، و أنّهم لا يتوجّهون الى المعاني، و لا يرغبون الى الحقائق و المعارف الإلهيّة، بحيث إن كان الكتاب الإلهىّ و الأحكام السماويّة، ينزّله على رجل غير فصيح أعجمىّ: ما كانوا ليؤمنوا به، تعصّبا منهم و تعلّقا بالظواهر.

49

5- فقرأه عليهم: اشارة الى كمال التعصّب و منتهى التعقّد بحيث إن كان الرسول أعجميّا و مأمورا بالقراءة عليهم فقط من جانب اللّه تعالى: لما وافقوا و ما رضوا بذلك.

عدّ

مصبا- عددته عدّا من باب قتل، و العدد بمعنى المعدود. قال الزجّاج: و قد يكون العدد بمعنى المصدر، نحو- سنين عددا، و قال جماعة: هو على بابه، و المعنى- سنين معدودا، و عدّدته: مبالغة، و اعتددت بالشي‌ء أى أدخلته في العدّ و الحساب، فهو معتدّ به محسوب غير ساقط. و الأيّام المعدودات: أيّام التشريق. و عدّة المرأة: قيل أيّام أقرائها، و قيل تربّصها المدّة الواجبة عليها، و الجمع عدد. و قوله تعالى- فطلّقوهنّ لعدّتهن: قال النحاة: اللام بمعنى في، أى في عدّتهن، و مثله- و لم يجعل له عوجا، و العدّ: الماء الّذى لا انقطاع له، و قال أبو عبيد: العدّ بلغة تميم، الكثير، و بلغة بكر بن وائل، هو القليل. و العدّة: الاستعداد و التأهّب. و العدّة ما أعددته من مال أو سلاح أو غير ذلك، و الجمع عدد. و أعددته إعدادا: هيّأته و أحضرته. و العديد: الرجل يدخل نفسه في جماعة و قبيلة و ليس له فيها عشيرة. و هو عديد بنى فلان.

مقا- عدّ: أصل صحيح واحد لا يخلو من العدّ الّذى هو الإحصاء و من الإعداد الّذى هو تهيئة الشي‌ء، و الى هذين المعنيين ترجع فروع الباب كلّها. فالعدّ:

إحصاء الشي‌ء، تقول: عددت الشي‌ء أعدّه عدّا، فأنا عادّ، و الشي‌ء معدود.

و العديد: الكثرة. و العدد: مقدار ما يعدّ، و يقال ما أكثر عديد بنى فلان و عددهم، و إنّهم ليتعادّون و يتعدّدون على عشرة آلاف، أى يزيدون عليها. و من الوجه الآخر- العدّة: ما اعدّ لأمر يحدث. يقال: أعددت الشي‌ء اعدّه إعدادا، و استعددت للشي‌ء و تعددت له. قال أبو عبيدة: العدّ: القديمة من الركايا الغزيرة، و لذلك يقال حسب عدّ اى قديم و الجمع أعداد، و قد يجعلون كلّ ركيّة عدّا، و يقولون ماء عدّ. قال أبو حاتم:

العدّ: ماء الأرض، كما أنّ الكرع ماء السماء.

العين 1/ 90- عددت الشي‌ء عدّا: حسبته و أحصيته. و فلان في عداد‌

50

الصالحين، أى يعدّ فيهم. و عداده في بنى فلان: إذا كان ديوانه معهم. و عدّة المرأة: أيّام قروئها. و العدّة جماعة قلّت أو كثرت. و العدّ: مصدر كالعدد. و هذه الدراهم عديدة هذه، إذا كانت في العدد مثلها. و هم يتعادّون، إذا اشتركوا فيما يعدّد به. و العداد:

اهتياج وجع اللديغ، و ذلك إذا تمّت له سنة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إحصاء مع جمع، و بهذين القيدين تفترق عن موادّ الحصى، الحسب، و غيرهما.

و يدلّ على هذا ذكرها في مقابلة مادّة الإحصاء و الحسب، كما في:

. وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسٰابَ- 17/ 12.

. وَ أَحٰاطَ بِمٰا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ عَدَداً- 72/ 28.

. لَقَدْ أَحْصٰاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا- 19/ 94.

و قلنا في الحصى: إنّ الإحصاء هو الضبط علما. و الحسب: هو الإشراف على شي‌ء بقصد الاختبار.

ثمّ إنّ الحساب و الإشراف بقصد الاختبار في مقابل العدد و الحصى. و أمّا الإحصاء: فمعناه الإجمالي مقدّم على العدّ- كما في:

. لَقَدْ أَحْصٰاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا و التفصيلّى مؤخّر عنه- كما في:

. وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا- 14/ 34.

. فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ- 65/ 1.

كما أنّ الإحاطة الاجماليّة مقدّمة على الإحصاء. و أنّ الجمع الاجمالىّ مقدّم على العدد- كما في:

. جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ- 104/ 2.

. وَ أَحٰاطَ بِمٰا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ عَدَداً- 72/ 28.

فظهر أنّ العدد مصدرا هو جمع في ضبط أفراده (شماره و ضبط كردن) و هذا‌

51

المعنى لا يصدق على الواحد، فالواحد ليس بعدد، و ذكره في مقام الحساب: من جهة أنّه مبدأ الأعداد و مادّتها و في رديفها.

و من مصاديق الأصل: التهيئة فانّها جمع و ضبط تفصيلىّ، و العدّة كاللقمة ما يعدّ و يضبط من مال أو سلاح أو غيرهما. و عدّة المرأة: لبناء النوع كالجلسة، أى نوع مخصوص من أيّام معدودة للمرأة.

. وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّٰا تَعُدُّونَ- 22/ 47.

. أَنّٰا أَرْسَلْنَا الشَّيٰاطِينَ عَلَى الْكٰافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا فَلٰا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمٰا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا- 19/ 84.

. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلّٰا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصٰاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا- 19/ 94.

يراد جمعها و إحصاؤها بحيث لا يغفل عن ذرّة منها، و لا يعزب عن علمه و احاطته شي‌ء.

و الإعداد: جعل شي‌ء في مقام الجمع و الإحصاء- و أعدّ له عذابا عظيما، أعدّ اللّه لهم جنّات، أعدّ اللّه لهم مغفرة، و أعدّ لهم سعيرا، النار الّتى اعدّت للكافرين، اعدّت للذين آمنوا- فالإعداد فيها ليس بمعنى التهيئة، فانّ اللّه تعالى يجمع موادّ الحسنات و السيّئات و يحسبها و يحصيها و يلحقها بهم و يوصلها الى عامليهم، لا أن يوجد عذابا و أجرا و نارا و جنّة من عنده.

. وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ- 8/ 60.

و الجمع و الإحصاء علّة أخيرة و وسيلة تامّة في الجهاد، دون التهيئة. و كذلك في:

. وَ لَوْ أَرٰادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً- 9/ 46.

و التهيئة الأوّليّة ليست بعلامة في الإقدام بالعمل و في الخروج الى العدوّ فعلا.

و لا يخفى أنّ حقيقة التهيئة و نتيجتها: هذا المعنى و هو الجمع مع الإحصاء فانّ الإحصاء المجرّد (شماره كردن) لا يفيد في مقام التهيّؤ، فمفهوم الجمع مأخوذ في معنى المادّة على أىّ حال.

52

و الاعتداد: افتعال، و يدلّ على اختيار الجمع و الإحصاء:

. فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا- 33/ 49.

أى تختارونها.

فظهر أنّ حقيقة المادّة: هو الجمع في إحصاء و حساب، و التعبير في تعريفه بالحساب و الإحصاء من باب التضيّق في اللغة.

عدس

مقا- عدس: ليس فيه من اللغة شي‌ء لكنّهم يسمّون الحبّ المعروف عدسا. و يقولون: عدس زجر للبغال.

التهذيب 2/ 68- عن الأموىّ: عدس يعدس و حدس يحدس: إذا ذهب في الأرض. و من أسماء العرب: عدس و حدس. ابن الاعرابىّ قال: العدس من الحبوب يقال له العلس و العدس و البلس. و قال الليث: و العدسة: بثرة تخرج، و هي جنس من الطاعون، و قلّما يسلم منها. و عدس: زجر البغل، و ناس يقولون: حدس.

إحياء التذكرة ص 432- عدس: يسمّى البلسن، و إدمانه يولد السرطان و الماليخوليا، و هو يسكّن السعال و أوجاع الصدر، و غسل البدن به ينقّى البشرة و يصفّى اللون. و أصل اسم عدس باللغة الهيروغليفيّة: أدس، و هو نبات له أزهار بنفسجيّة صغيرة، و أصنافه في مصر البحرىّ و الصعيدىّ، و هو غذاء أساسىّ في مصر و لا سيّما للطبقات الفقيرة. و قولهم: إنّ الإكثار منه يولد الجذام و الأورام الصلبة و السرطان: بعيد عن الصواب. و نسبة الحديد في العدس عالية جدّا، و هي تعادل ما يحتويه الكبد من الحديد.

صحا- عدس في الأرض أى ذهب، يقال عدست به المنيّة، و عدس لغة في حدس. و العدس: شدّة الوطء و الكدح. و جاء في وصف الضبع: عدوس السرى أى قويّة على السير. و العدس حبّ معروف. و العدسة: بثرة يخرج بالإنسان و ربّما قتلت.

و عدس: زجر البغل. و ربّما سمّوا البغل عدس بزجره.

قع- (عداشاه)- عدس، حبّة عدس.

53

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الحبّ المعروف، و يذكر له خواصّ في مفردات الطبّ فراجعها.

و لعلّ المعاني الاخر مأخوذة منه تجوّزا. كالبثرة في البدن، لكونها على شكله.

و الذهاب و المشي و الوطء و السير فانّ العدس كالموطّإ، و يناسبه السير و المشي، و بهذه المناسبة يطلق في الزجر.

و يفهم من استعمال المادّة في جريان امور بنى إسرائيل و أيضا من استعمال الكلمة في العبريّة: أنّ هذا الحبّ كان متداولا في قديم الأيّام.

. وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا 2/ 61.

و هذا يدلّ على نهاية الضعف و الانكسار في إيمانهم، حيث إنّهم يتوجّهون الى لذائذ المآكل و محاسن الأطعمة، من دون أن يطلبوا التصبّر و التحمّل و الاستقامة و التوجّه الى لذائذ الروحانيّات.

عدل

مصبا- العدل: القصد في الأمور و هو خلاف الجور، يقال عدل في أمره عدلا من باب ضرب، و عدل على القوم عدلا أيضا و معدلة بكسر الدال و فتحها، و عدل عن الطريق عدولا: مال عنه و انصرف، و عدل عدلا من باب تعب: جار و ظلم. و عدل الشي‌ء: مثله من جنسه أو مقداره، و عدله: ما يقوم مقامه من غير جنسه- أو عدل ذلك صياما، و هو مصدر في الأصل، يقال عدلت هذا بهذا عدلا من باب ضرب: إذا جعلته مثله قائما مقامه- ثمّ الّذين كفروا بربّهم يعدلون. و هو أيضا الفدية- و إن تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها. و التعادل: التساوي. و عدّلته تعديلا فاعتدل: سوّيته فاستوى، و منه قسمة التعديل، و هي قسمة الشي‌ء باعتبار القيمة و المنفعة لا باعتبار المقدار، فيكون الجزء الأقلّ قد يعادل الجزء الأعظم في قيمته و منفعته. و عدلت الشاهد: نسبته الى العدالة و صفته بها. و عدل هو بالضمّ عدالة و عدولة، فهو عدل أى مرضىّ يقنع به.

54

و يطلق العدل على الواحد و غيره بلفظ واحد، و جاز أن يطابق في التثنية و الجمع، فيجمع على عدول، و ربّما طابق في التأنيث.

مقا- عدل: أصلان صحيحان، لكنّهما متقابلان كالمتضادّين، أحدهما يدلّ على استواء، و الآخر- يدلّ على اعوجاج. فالأوّل- العدل من الناس: المرضىّ المستوى الطريقة، يقال هذا عدل و هما عدل، و هما عدلان أيضا و هم عدول. و العدل:

الحكم بالاستواء. و من الباب العدلان: حملا الدابّة سمّيا بذلك لتساويهما. و العديل:

الذي يعادلك في المحمل. و العدل: نقيض الجور، تقول عدل في رعيّته. و من الباب:

المعتدلة من النوق، و هي الحسنة المتّفقة الأعضاء. فأمّا الأصل الاخر: فيقال في الاعوجاج: عدل و انعدل أى انعرج.

مفر- العدالة و المعادلة: يقتضى معنى المساواة، و يستعمل باعتبار المضايفة.

و العدل و العدل يتقاربان، لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، و على ذلك قوله- أو عدل ذلك صياما و العدل و العديل فيما يدرك بالحاسّة، كالموزونات و المعدودات و المكيلات، فالعدل و التقسيط على سواء، و على هذا روى- بالعدل قامت السماوات و الأرض، تنبيها انّه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدا على الآخر أو ناقصا عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظما، و العدل ضربان: مطلق يقتضى العقل حسنه و لا يكون في شي‌ء من الأزمنة منسوخا و لا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو الإحسان الى من أحسن اليك، و عدل يعرف كونه عدلا بالشرع و يمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة، كالقصاص، و لذلك قال- فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه- و جزاء سيّئة سيّئة مثلها، فسمّى اعتداء و سيّئة، و هذا النحو هو المعنىّ بقوله- إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان.

الفروق 194- الفرق بينه و بين الإنصاف: أنّ الإنصاف إعطاء النصف.

و العدل يكون في ذلك و في غيره، ألا ترى أنّ السارق إذا قطع قيل انّه عدل عليه، و لا يقال انّه أنصف.

و الفرق بين العدل و القسط: أنّ القسط هو العدل البيّن الظاهر و منه سمّى المكيال قسطا و الميزان قسطا، لأنّه يصوّر لك العدل في الوزن حتّى تراه ظاهرا،

55

و قد يكون من العدل ما يخفى، و لهذا قلنا انّ القسط هو النصيب الّذى بيّنت وجوهه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو توسّط بين الإفراط و التفريط بحيث لا تكون فيه زيادة و لا نقيصة، و هو الاعتدال و التقسّط الحقيقىّ.

و بمناسبة هذا الأصل تطلق على الاقتصاد و المساواة و القسط و الاستواء و الاستقامة، كلّ منها في مورد مناسب مع لحاظ القيد.

و إذا استعملت بحرف عن: تدلّ على الإعراض و الانصراف و التمايل، و ذلك بمقتضى دلالة كلمة- عن- الدالّة على الانصراف. و هذا كما في قولنا- رغب فيه أى أحبّه، و رغب عنه أى أعرض عنه، و المراد حصول الرغبة و تحقّق العدل في الجهة المخالفة المنفيّة.

ثمّ إنّ العدالة في الرأى إمّا و الأفكار: إذا كان مصونا عن الانحراف و الضعف و الحدّة، و يطابق الحقّ و الصواب، كما في:

. وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ- 4/ 58.

يراد إظهار الحقّ في الحكم من دون أن يكون في بيانه نقصان أو زيادة.

و إمّا في الصفات النفسانيّة: بأن تكون الأخلاق الباطنيّة معتدلة ليس فيها إفراط و لا تفريط، كالشجاعة إذا لم يكن فيها تهوّر و لا جبن، و كذلك الصفات القلبيّة الاخرى، فالعدل هو الميزان في كون الأخلاق محمودة مطلوبة، و طرفاه رذيلتان مذمومتان:

. إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ- 5/ 106.

و إمّا في الأعمال: و هو في الأقوال، و في الوظائف الانفراديّة، و في الأعمال الاجتماعيّة. و ذلك بأن تكون على حقّ و صدق بحت ليس فيها زيادة و لا نقيصة، و لا إفراط و لا تفريط:

. وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لٰا مُبَدِّلَ لِكَلِمٰاتِهِ- 6/ 115.

. وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ- 6/ 152.

56

. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً- 4/ 3.

. وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ- 42/ 15.

أو في المطلق و عموم الموارد: كما في:

. فَلٰا تَتَّبِعُوا الْهَوىٰ أَنْ تَعْدِلُوا- 4/ 135.

لا تخالطوا الهوى بالعدل، و لا تجعلوا اتّباع الهوى طريقا الى وصول العدل، في حكم أو في اظهار صفة باطنيّة أو في عمل أو قول، و في كلّ حركة و سكون.

و لا يخفى أنّ العدل شرط في تحقّق الموضوع على صواب و حقّ و صدق خالصا عن زيادة و نقيصة، و هو كالمادّة. و الإخلاص في إجراء العدل كالصورة و الروح. فكلّ شي‌ء فيه عدل و إخلاص: فهو متحقّق على الحقّ و التمام و الكمال، و يترتب عليه جميع آثاره.

أو في اللّه عزّ و جلّ: فالعدل من الأسماء الحسنى، و هو كالصعب صفة، أى من يتّصف بالعدالة و ثبتت فيه هذه الصفة. و لا حاجة لنا الى جعلها مصدرا و هو للمبالغة، كما يقال.

و قلنا إنّ الأصل في المادّة: هو التوسّط و الاعتدال من دون زيادة و نقيصة.

و ليس بمعنى وضع شي‌ء في موضعه كما ينبغي، على ما فسّره الفلاسفة و الحكماء، فانّ العدل قد يلاحظ من حيث هو من دون توجّه الى الوضع، أو الى الموضع.

فهو تعالى عدل في صفاته و في أفعاله، لا يرى في صفة من صفاته و لا في فعل من أفعاله افراط و لا تفريط و لا خروج عن حدّ الاعتدال.

و يقابله الجور و هو التمايل الى شي‌ء خارج عن المتن الحقّ، و من مصاديق الجور، الظلم و هو اضاعة الحقّ و عدم تأدية ما هو الحقّ.

و سبق في الظلم: أنّه إنّما ينشأ من الضعف و الفقر و الحاجة و الجهل. أو الغفلة، و كلّ منها ممتنع في حقّ اللّه عزّ و جلّ.

فهو تعالى عدل مطلق في جميع الجهات و من جميع الحيثيّات-. وَ مَا اللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ. راجع- ظلم.

فظهر أنّ اللّه تعالى عدل في صفاته و في آرائه و أقواله و أعماله، فانّه عالم قادر‌