الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
5

الجزء الأول

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي فرض الصيام على عباده، تزكية لنفوسهم و تطهيرا لأبدانهم و انكسارا لشهواتهم. فرضه سبحانه عليهم ليذوق الغني مس الجوع و يرق على الضعيف، و يرحم الجائع.

و الصلاة و السلام على أفضل خليقته و خاتم رسله محمد و آله الذين أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

أمّا بعد، فقد رغّب إليّ حضار بحوثي الفقهية- بعد إنهاء البحث من كتاب الخمس- إلقاء محاضرات حول الصوم و أحكامه و مسائله و ما يمت إليه بصلة من أحكام الكفارات و غيرها، فنزلت عند رغبتهم، و ألقيت محاضرات على غرار مباحث كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الجليل محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدّس سرّه).

فهذه الصحائف تحوي على فذلكة ما ألقيته من محاضرات بعبارات موجزة خالية عن الإطناب الممل و الإيجاز المخل، عسى أن ينتفع بها الإخوة المؤمنون، فما كان به من صواب فمن فضل ربي، و ما كان فيه من خطأ و زلل فمن نفسي، فانّ العصمة للّه و لمن عصمه.

المؤلف‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[الصوم لغة و اصطلاحا و أقسامه]

كتاب الصوم و هو الإمساك عمّا يأتي من المفطرات بقصد القربة. (1)

____________

(1) أقسام الصوم و حكم المفطر و المستحل الصوم في اللغة: مطلق الإمساك.

قال ابن منظور فى اللسان: كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير، فهو صائم.

و قال الفيروزآبادي في القاموس: صام، يصوم، أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح.

و يؤيد ذلك قوله سبحانه مخاطبا مريم العذراء: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. (1)

فقولها: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ تفسير ما نذرته من الصوم، أعني: الإمساك عن الكلام في المقام، لا الطعام و الشراب بشهادة انّها أطعمت من الرطب قال‌

____________

(1). مريم: 26.

8

..........

____________

سبحانه: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. (1)

و في عرف الشرع أو المتشرعة: الكف عن المفطرات مع قصد القربة، كما عرّفه المحقّق في الشرائع.

يلاحظ على التعريف: أوّلا: أنّ المطلوب في النواهي هو نفس عدم صدور الفعل، لا صدور فعل منه كالكف فانّه فعل للنفس، فيرجع النهي عندئذ إلى الأمر.

و ثانيا: أنّ التعريف غير مطّرد لشموله الكف في الليل، و كان عليه أن يزيد في التعريف قوله: من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية، كما عليه العلّامة في الإرشاد. (2)

و الدليل قوله سبحانه: حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ. (3)

و عرّفه العلّامة بقوله: توطين النفس على الامتناع عن المفطرات مع النية. (4)

و هذا التعريف سالم عن كلا الإشكالين، و قد ذيّل في كلامه قوله: من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية.

ثمّ إنّ المراد من توطين النفس على الامتناع هو الأعم، أي سواء كان المقتضي موجودا كما إذا كان المأكول و المشروب في متناوله أو لا، فيكفي كونه عازما على ترك المفطرات وجد أم لم يوجد، كما أنّه تكفي النية الإجمالية على ترك المفطرات و إن لم يعرفها تفصيلا. و لو قلنا باشتراط التفصيل يلزم بطلان صوم كثير من‌

____________

(1). مريم: 25.

(2). مجمع الفائدة و البرهان: 5/ 7، قسم المتن.

(3). البقرة: 187.

(4). إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 1/ 219.

9

و ينقسم إلى: الواجب، و المندوب، و الحرام، و المكروه بمعنى قلّة الثواب.

و الواجب منه ثمانية: صوم شهر رمضان، و صوم القضاء، و صوم الكفّارة على كثرتها، و صوم بدل الهدي في الحجّ، و صوم النذر و العهد و اليمين، و صوم الإجارة و نحوها كالشروط في ضمن العقد، و صوم الثالث من أيّام الاعتكاف، و صوم الولد الأكبر عن أحد أبويه. و وجوبه في شهر رمضان من ضروريّات الدين، و منكره مرتدّ يجب قتله، و من أفطر فيه- لا مستحلا- عالما عامدا يعزّر بخمسة و عشرين سوطا، فإن عاد عزّر ثانيا، فإن عاد قتل على الأقوى. و إن كان الأحوط قتله في الرابعة. و إنّما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزّر في كلّ من

____________

الناس، لأنّ أغلب الناس غير واقفين على عامّة المفطرات و أحكامها.

ثمّ إنّ واقع الصوم هو توطين النفس على ترك المفطرات في الفترة الخاصة، فيدخل فيه من أفطر ساهيا لعدم المنافاة بين التوطين و صدور المفطّر سهوا. و إن أبيت إلّا عن دخول «ترك المفطرات» في ماهية الصوم لا مجرد «توطين النفس» فيدخل من أفطر نسيانا في الصوم حكما لا موضوعا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الصوم من أعظم الفرائض، و كفى فيه ما روي عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الولاية. و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الصوم جنّة من النار». (1)

ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المقام أمورا نشير إليها واحدا بعد آخر.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

10

المرّتين أو الثلاث و إذا ادّعى شبهة محتملة في حقّه درئ عنه الحدّ. (1)

____________

(1) أ. تقسيم الصوم إلى أقسام أربعة ينقسم الصوم إلى: الواجب كصوم شهر رمضان، و المندوب كصوم عرفة، و الحرام كصوم العيدين، و المكروه كصوم يوم عاشوراء و لا ينقسم إلى المباح، لأنّ العبادة تتقوم برجحان العمل، و المباح ما يكون فيه الطرفان سواء.

كما أنّ الكراهة في العبادات بمعنى كونه أقلّ ثوابا- كالصلاة في الحمام- لا بمعنى وجود منقصة و حزازة في العمل- كما هو الحال في سائر المكروهات- و إلّا فالصوم المكروه لا يصلح للتقرب، لأنّ ما كان مبغوضا للمولى أو تركه راجحا على فعله لا يكون مقرّبا، فلذلك فسّروا الكراهة في العبادة بمعنى كونه أقلّ ثوابا من فرد أو نوع آخر مع رجحانه في ذاته.

ثمّ إنّ المصنّف ذكر للصوم الواجب أقساما ثمانية مع أنّه أكثر من ثمانية، كصوم من نام عن العشاء حتى طلوع الفجر فصيام ذلك اليوم واجب عند جماعة، و الصوم الواجب بأمر الأب أو الجدّ؛ و لعلّه ترك الأوّل لعدم ثبوته عنده، و أمّا الثاني فهو داخل في بعض هذه الأقسام، و أمّا البحث عن أحكام هذه الأقسام فموكول إلى محله.

ب. وجوب الصوم من ضروريات الدين و المراد من الضروريات هي التي لا يكاد تختفي شرعيتها على من تديّن بشريعة الإسلام، و الصلاة و الصوم من هذا القبيل.

و هل إنكار الضروري بنفسه موجب للارتداد، أو لأجل كونه ملازما لإنكار الرسالة؟ و الحقّ هو الثاني، فليس هو سببا مستقلا للكفر.

11

..........

____________

نعم، السبب هو وجود الملازمة عند المنكر لا عند المسلمين، فلو أنكر عن شبهة فليس بمرتد. كما هو الحال فيمن نشأ في البلاد النائية عن الإسلام و المسلمين.

و الحاصل: انّ الإنكار إذا كان عند المنكر طريقا لإنكار الرسالة فهو مرتد، و إلّا فلا. و التفصيل في محلّه.

ج. حكم منكر وجوب الصوم إذا كان وجوب الصوم من الضروريات، فمنكره محكوم بالارتداد، و المرتد يقتل إذا كان الارتداد عن فطرة، و إلّا فيستتاب، فإن لم يتب قتل كما في المرتد عن فطرة. و التفصيل في محله.

و يدل على القتل في خصوص الصوم صحيحة بريد العجلي، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيّام، قال: «يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإنّ على الإمام أن يقتله، و إن قال: نعم، فإنّ على الإمام أن ينهكه ضربا».

و روى الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب مثله. (1)

د. من أفطر لا مستحلا إذا أفطر في شهر رمضان لا مستحلا، عالما عامدا، ذهب المصنّف إلى أنّه يعزّر بخمسة و عشرين سوطا؛ لخبر المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و إن كان أكرهها فعليه ضرب‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

12

..........

____________

خمسين سوطا نصف الحدّ، و إن كانت طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا». (1)

و في سند الحديث: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر؛ و كلاهما لم يوثّقا.

مضافا إلى أنّ الراوي هو المفضّل بن عمر، و قد اختلفت كلمات الرجاليّين في حقّه، و إن كان الحقّ كونه ثقة، و قد أملى الإمام (عليه السلام) عليه رسالة مفصلة في التوحيد، و هو كاشف عن جلالة مقامه، و إلّا لما بذل الإمام (عليه السلام) له هذا الجهد الأكيد.

و لكن المحقّق اعتذر عن ضعف السند بأنّ علماءنا ادّعوا على ذلك إجماع الإمامية، فيجب العمل بها، و تعلم نسبة الفتوى إلى الأئمّة (عليهم السلام) باشتهارها، و ستوافيك عبارته عند البحث في كفارة الصوم.

و على كلّ تقدير فالرواية واردة في خصوص الجماع، و في غيره يرجع إلى إطلاق رواية العجلي الذي جاء فيه، قوله: «فإنّ على الإمام أن ينهكه ضربا» فيكون موكولا إلى نظره.

ه‍. قتل المفطر غير المستحلّ في الثالثة إذا عاد المفطر عزّر ثانيا، فإن عاد قتل في الثالثة، و الدليل على ذلك صحيح سماعة، قال: سأله عن رجل أخذ في شهر رمضان و قد أفطر ثلاث مرّات و قد رفع إلى الإمام ثلاث مرّات؟ قال: «يقتل في الثالثة». (2)

و المراد برفعه إلى الإمام، هو إجراء الحدّ عليه لا مطلق رفع أمره و إن لم يجر‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الحديث 1.

(2). الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

13

..........

____________

عليه الحد.

و ممّا يدل على القتل في الثالثة صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة». (1)

و قد احتاط المصنّف بقتله في الرابعة، و ليس له دليل صالح سوى موثقة إسحاق بن عمار في مورد الزنا. 2 و مرسلة الكليني الظاهرة في مورد الخمر 3.

و التفصيل في محلّه.

و في الختام لو ادّعى المفطر الشبهة يقبل قوله، كما إذا قال: لم أكن عالما بالحكم الشرعي، فلا يجري عليه الحدّ، لمرسلة الصدوق عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:

«ادرءوا الحدود بالشبهات». 4

و الحديث و إن كان مرسلا لكن الصدوق ينسبه إلى الرسول و يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1، 2.

(2) 3. الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب حد المسكر، الحديث 7.

(3) 4. الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4.

14

[الفصل الأوّل في النيّة]

الفصل الأوّل في النيّة يجب في الصوم القصد إليه مع القربة و الإخلاص كسائر العبادات و لا يجب الإخطار، بل يكفي الداعي و يعتبر فيما عدا شهر رمضان حتى الواجب المعيّن أيضا القصد إلى نوعه من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقا كان أو مقيّدا بزمان معيّن، من غير فرق بين الصوم الواجب و المندوب، ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض، مثلا، أو غيرها من الأيّام المخصوصة، فلا يجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمّته متّحدا أو متعدّدا، ففي صورة الاتّحاد أيضا يعتبر تعيين النوع، و يكفي التعيين الإجماليّ كأن يكون ما في ذمّته واحدا، فيقصد ما في ذمّته و إن لم يعلم أنّه من أيّ نوع، و إن كان يمكنه الاستعلام أيضا، بل فيما إذا كان ما في ذمّته متعدّدا أيضا يكفي التعيين الإجماليّ، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلا أو ثانيا أو نحو ذلك. (1)

____________

(1) الفصل الأوّل في النيّة يجب في الصوم الإتيان به خالصا لوجه اللّه، و يدل على كونه من العبادات ارتكاز عامّة المسلمين بل أهل الكتاب الذين كتب عليهم الصيام كما كتب علينا، و يؤيده قوله سبحانه في ذيل الآية: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1) لأنّ التقوى تأتي‌

____________

(1). البقرة: 183.

15

..........

____________

نتيجة العمل الذي يقوم به الإنسان لوجه اللّه، و إلّا فالعمل النابع عن الهوى لا يورث التقوى.

لا يجب الإخطار بل يكفي الداعي العبادات أعمال اختيارية شرّعت لغايات خاصة، و مثلها لا تنفك عن النية و يكون اشتراط النية- حسب الظاهر- أمرا زائدا، و لكن الذي صار سببا لذكر النية فيها- إمّا ركنا داخلا في جوهر العبادة أو شرطا خارجا عنها كما هو الحقّ- هو انّ النية بالمعنى المتقدم (صدور الفعل عن قصد و إرادة) غير كاف في صحتها بل لا بدّ من إتيان الفعل لوجه اللّه لا لداع آخر و الذي يعبّر عنه بقصد القربة أو قصد الأمر، و عندئذ يقع الكلام فيما هو الواجب في باب النية (بهذا المعنى لا بمعنى القصد و الإرادة)، فهل هي الإخطار بالبال عند الإتيان بالعمل، أو هو الداعي إلى الفعل المركوز في النفس؟

فالنية على المعنى الأوّل من مقولة حديث النفس و من باب التصوّر الفكري، و على الثاني عبارة عن الداعي الذي يحصل منه انبعاث و ميل إلى العمل، فالدواعي المركوزة في نفس المصلّي، إمّا الإذعان بكونه سبحانه أهلا للعبادة، أو الخوف من ناره و الطمع في جنته، و كلّ يدعو الإنسان إلى العمل و يدفعه إلى الامتثال.

و بعبارة أخرى: النية بالمعنى الأوّل عبارة عن العلم التفصيلي بالفعل و غايته، و أكثر من قال بأنّه من قبيل الإخطار يريد انّ المكلّف يخطر بباله: انّه يأتي بالعمل قربة إلى اللّه لتكون النية عبارة عن العلم التفصيلي بالعمل و غايته.

و أمّا النية بالمعنى الثاني، فليس فيه علم تفصيلي بل علم إجمالي ارتكازي بحيث لو سئل لأجاب بأنّه يصلّي لوجه اللّه.

16

..........

____________

إذا عرفت الفرق بين المعنيين فنقول: لا شكّ في أنّ الإخطار بالبال مجز قطعا، إنّما الكلام في كونه واجبا و عدم كفاية الداعي.

و الظاهر كفايته لوجهين:

أ. انّ القيام بالصلاة و الصوم كالقيام بسائر العبادات كقراءة القرآن و الزيارات و الأذكار و غيرها، فلا نجد أحدا يأتي بها بنحو الإخطار بالبال، بل يقتصر فيها بالداعي بحيث لو سئل عن عمله يقول: أقرأ القرآن للّه تبارك و تعالى.

فإذا كانت النية بمعنى الداعي كافية في سائر العبادات فالجميع من باب واحد.

ب. انّ تفسير النية بالإخطار بالبال يستلزم لزوم بقائه في ذهنه غير ذاهل عنه إلى آخر العمل، و هذا يصحّ في العبادات الفعلية كالصلاة فانّ المصلي لا يذهل عمّا نواه في أوّل الصلاة إلى نهايتها، و أمّا العبادات الفاعلية كالصوم و الوقوف في منى و عرفات فربما يكون الإنسان ذاهلا، كالنائم في صوم رمضان و في أوقات الوقوف بمنى و عرفات، فتلزم صحة العمل بلا نية، و هذا بخلاف ما فسرنا النية بالداعي المركوز في ذهنه فهو موجود في ذهن الصائم و الواقف في الموقفين سواء كان مستيقظا أو نائما، متوجها أو ذاهلا، إذ كلّما سئل عن العمل و علته لأجاب بأنّه قام به لإنجاز التكليف و هذا الأمر الموجود المركوز في الذهن هي النية اللازمة في العبادات الفعلية و الفاعلية من أوّل العمل إلى نهايته.

اعتبار قصد النوع لا شكّ انّ الصوم على أنواع مختلفة، فقد يكون واجبا، كصوم شهر رمضان أو صوم كفّارة أو صوم قضاء أو صوم نذر يوم خاص.

و مثله صوم اليوم المندوب، فقد يكون مندوبا على وجه الإطلاق، و قد يكون‌

17

..........

____________

في يوم معين كصوم الأيّام البيض.

فهل يكفي قصد مطلق الصوم من دون قصد النوع من كونه من رمضان أو صوم قضاء أو صوم كفارة أو لا؟

ذهب المحقّق في الشرائع إلى التفصيل و قال: و يكفي في رمضان أن ينوي انّه يصوم متقربا إلى اللّه، و هل يكفي ذلك في النذر المعيّن، قيل: نعم، و قيل: لا، و هو الأشبه، و لا بدّ فيما عداهما من نية التعيين، و هو القصد إلى الصوم المخصوص، فلو اقتصر على نية القربة و ذهل عن تعيينه لم يصح. (1)

و على ذلك فالمحقّق يفصّل بين شهر رمضان فلا يعتبر فيه قصد النوع، و بين صوم القضاء و الكفارة فيعتبر فيهما نية النوع، و يتردّد في النذر المعين و يميل إلى أنّه يصوم بعنوان انّه صوم نذر.

و قد نقل عن العلّامة و غيره أقوال و نظريات لا حاجة إلى ذكرها، لأنّ المسألة من المسائل المستنبطة و التفريعية و ليست من المسائل المنصوصة و المتلقاة عن الأئمة، فلكلّ نظره و دليله، فنقول: يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: إذا كان عليه أنواع من الصوم بلا تقيد بزمان إذا كان عليه أنواع من الصوم، كالكفارة و القضاء و النذر المطلق (إذا نذر أن يصوم يوما) فأراد أن يصوم لإبراء ذمته مما اشتغلت به ذمته، فهل يجب عليه تعيين النوع بكونه صوم كفارة أو صوم قضاء أو صوم نذر أو لا؟

و بعبارة أخرى: إذا وجب عليه صوم ثلاثة أيّام، للكفارة و القضاء و النذر، فهل يكفي صوم ثلاثة أيام له سبحانه من دون أن ينوي صوم كلّ نوع أو لا يكفي؟ وجهان:

____________

(1). الشرائع: 1/ 139.

18

..........

____________

1. انّ الواجب عليه الصوم الكلي المشترك بين أفراده، فإذا صام ثلاثة أيام، فقد قام بواجبه، مثل ما إذا كان لزيد على عمرو دراهم ثلاثة لكلّ درهم سبب خاص من قرض أو ضمان أو نذر، فدفع إليه دراهم ثلاثة في فترات متباعدة، فتبرأ ذمّته من دون أن يقصد في كلّ إعطاء سببا خاصا.

2. لا يكفي، لأنّ الواجب ليس هو الصوم الكلي في ضمن أفراد، بل الواجب الصوم الخاص المعنون بأحد هذه العناوين الماضية.

و الحقّ هو الثاني، و انّ الواجب ليس مطلق الصوم، بل الصوم المعنون بأحد هذه العناوين، و يمكن إثباته بالوجهين التاليين:

الأوّل: ما سلكه سيّد مشايخنا المحقّق البروجرديّ في تعليقته الشريفة و نوّه به أيضا في درسه الشريف، و هو أنّه يجب قصد العناوين المأخوذة في موضوعات التكاليف و متعلّقات الأمر، إذا كان الأمر تعبديا كالقضاء و الكفّارة و النذر و إن لم يجب التعرض لسائر خصوصيات التكليف من كونه واجبا أو ندبا، و على ذلك فليس الواجب مطلق الصوم بل المعنون بواحد من هذه العناوين، فلو قصد مطلق الصوم لا يحسب لواحد منها و لا يسقط الأمر.

أقول: إنّ هذا الدليل متين لو ثبت انّ هذه العناوين، عناوين تقييدية لا تعليلية، فقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كفّر» في مقابل كلام الأعرابي حيث قال: «هلكت و أهلكت، و واقعت أهلي في شهر رمضان» يحتمل الأمرين.

كما يحتمل أن يكون موضوعا للحكم كالصلاة و الغصب، يحتمل أن يكون علّة للحكم أي يجب الصيام للتكفير و قضاء ما فات.

اللّهمّ إلّا أن يدّعي ظهورها في كونها عناوين تقييدية، كما هو ليس ببعيد.

فإن قلت: إنّ ذلك يتمّ في عنوان القضاء، و أمّا عنوان الأداء فما الدليل على لزوم قصده مع عدم وقوعه تحت الأمر كالقضاء؟

19

..........

____________

قلت: نعم هو أيضا واقع تحت الأمر، و ذلك لأنّ المكلّف مأمور بإتيان الأجزاء و القيود في الوقت، فإتيانها فيه من القيود فيلزم قصده في ضمن قصد العنوان المشتمل على جميع الأجزاء و القيود و لو بعنوان إجمالي. اللّهمّ إلّا أن يقال:

انّ الواجب هو الإتيان بالأجزاء و القيود في الوقت، و إن لم يلتفت إلى أنّ الإتيان في الوقت، لا قصد الإتيان بها فيه، و لكنّه كما ترى مخالف لارتكاز المتشرعة.

الثاني: ما سلكه العلمان الحكيم و الخوئي- (قدّس اللّه سرّهما)- و هو استكشاف اختلاف الطبائع من اختلاف الآثار، أي أنّ طبيعة صوم القضاء غير طبيعة صوم الكفارة، و طبيعتهما غير طبيعة صوم النذر، و إنّما يستكشف اختلاف الطبائع من اختلاف آثارها. كما هو الحال في غير هذا المورد، فطبيعة صلاة الظهر غير طبيعة صلاة العصر، بشهادة اختلاف آثارهما حيث يجب تقديم الأولى على الثانية، و لو نواها يجب العدول إلى الأولى، مثل اختلاف صلاتي الفجر و نافلتها، فيجوز تقديم النافلة على الفجر دون صلاة الفجر، كما لا يجوز تأخيرها عن الحمرة المشرقية بخلاف صلاة الفجر، و بذلك يستكشف انّ هاهنا موضوعات مختلفة لها آثار كذلك و ليس ما به الاختلاف في الموضوع إلّا قصد عنوان الظهر و العصر و الفجر و النافلة.

و أمّا اختلاف الآثار في المقام، فانّ القضاء يسقط إذا استمر المرض إلى شهر رمضان الآتي بخلاف الكفّارة فلا تسقط، كما أنّ لصوم الكفارة بدلا و ليس لصوم القضاء بدل، و بذلك يستكشف اختلاف الموضوع و ليس له مصدر إلّا أخذ هذه العناوين فيها مع قصدها.

أضف إلى ذلك استمرار سيرة المسلمين و ارتكازهم على لزوم القصد.

و الحاصل: انّ الصوم في عامة الموارد عمل واحد، و هو توطين النفس على ترك المفطرات، غير انّ اختلاف الأثر في أنواع ذلك العمل الواحد يقتضي أخذ‌

20

..........

____________

عنوان في كلّ نوع ليتميز به عن غيره، و عندئذ يكون موضوعا للأثر الخاص و ليس هو إلّا عنوان القضاء أو الكفّارة، فيكون الواجب هو الصوم المقيد بأحدهما و لا يسقط إلّا بالإتيان بالقيد.

فإن قلت: إنّ صوم الصبي يختلف حكما مع صوم البالغ و الأثر متعدّد و لكن الطبيعة واحدة.

قلت: إنّ الاختلاف في الأثر إنّما يكشف عن تعدّد الموضوع إذا كان اختلاف الأثر راجعا إلى الموضوع لا إلى المكلّف، فالصوم قضاء يختلف حكمه عن الصوم كفارة، و أمّا اختلاف صوم الصبي مع صوم البالغ فيرجع اختلافهما إلى الاختلاف في المكلّف لا في الموضوع، أعني: الصوم، حيث يجب على البالغ دون الصبي، ففي مثله لا مانع من أن يكون الموضوع نوعا واحدا، و الحكم مختلفا، واجبا على المكلّف، و مستحبا على غيره.

حكم صورة الشك ثمّ إذا شككنا في شرطية قصد العنوان و عدمه، فهل المرجع هو البراءة بحجّة انّ الشك في شرطية قصد النوع في المتعلّق فيكون في باب الشكّ بين الأقل و الأكثر، أو الاشتغال بحجّة انّ مرجع الشكّ يعود إلى كيفية إطاعة الأمر المتحقّق؟

و أنّ الأمر هل يسقط بمجرّد الإتيان بلا إشارة إلى النوع، أو لا يسقط إلّا بقصد النوع؟ و الثاني هو المتعين.

الثاني: إذا كان عليه صوم زمان معين إذا نذر المكلّف أن يصوم أوّل خميس من شهر رجب، فهل يكفي مطلق الصوم و إن لم يقصد نوعه، أو لا يكفي و لا بدّ من قصد نوعه؟ تظهر الثمرة فيما إذا نذر صوم يوم معيّن ثمّ ذهل و صام ذلك اليوم بلا تعيين نوعه و التفات إلى نذره.

21

..........

____________

قال الشيخ: يفتقر لأنّه زمان لم يعيّنه الشرع في الأصل للصوم، فافتقر إلى التعيين، و قيل لا يفتقر لأنّ الشرع و إن لم يعيّن زمانه في الأصل فقد تعيّن بالنذر، و كما لا يفتقر رمضان إلى نية التعيين لتعيّن زمانه هكذا النذر. (1)

الظاهر كفايته، لأنّ محلّ الكلام فيما إذا لم يتعلّق بذمته صوم قضاء أو كفارة بناء على عدم صحّة نذر التطوع لمن عليه شي‌ء من الفرض كما سيوافيك، و إلّا فيدخل في المسألة السابقة. و عندئذ يصحّ و إن لم ينو العنوان. لأنّ الزمان لا يصلح إلّا للصوم المقدور و يعدّ الزمان من مشخصاته. نعم لو فاته صوم فرض بعد تعلّق النذر، يلزم عليه تعيين العنوان للوجه المتقدم.

فإن قلت: كيف يصحّ و يجزي عن الواجب، مع أنّ اليوم صالح لإطاعة أمرين: أحدهما: الأمر الاستحبابي المتعلّق بصوم كلّ يوم، و الثاني: الأمر النذري المتعلّق بصيام ذلك اليوم، و مع تعدّد الأمرين و إمكان امتثالهما كيف يجزي عن الواجب؟

قلت: يكفي قصد الأمر الاستحبابي، و لا يجب قصد الأمر النذري.

توضيحه: انّه يشترط في صحّة النذر، رجحان متعلّقه، و بما انّ صوم كلّ يوم مستحب- عدا العيدين- صار المتعلّق راجحا، و بذلك صحّ نذر صومه، و على ذلك فالعمل بما هو هو، مستحب، و بما انّه مصداق الوفاء بالنذر واجب بالعرض، و الأمر الأوّل، تعبدي يجب قصده و المفروض قصده حيث قصد صيام الغد الملازم لقصد امتثال أمره، و الأمر الثاني توصلي لا يجب قصده، فتكون النتيجة انّ امتثال صوم الغد الملازم لامتثال أمره إجمالا كاف، و إن لم يقصد الأمر النذري و ما هذا إلّا لأنّه لم يقصد بالنذر إلّا امتثال ذلك الأمر الاستحبابي و المفروض أنّه قصده، و ما لم يقصده، لا يجب قصده.

____________

(1). الجواهر: 16/ 189.

22

..........

____________

و ما ربما يقال: بأنّ التعيّن الواقعي لا يكفي في انطباق ما في الذمة من حقّ الغير عليه (1) غير تام، و ذلك لأنّ الانطباق أمر قهري، و المفروض انّ الزمان لا يصلح إلّا لهذا النوع من الصوم و ليس لهذا الصوم النذري واقع سوى الإتيان به بالأمر الندبي المتعلّق به، و المفروض أنّه أتاه بنفس ذلك الأمر، فلا يبقى وجه لعدم الصحّة.

و هذا نظير ما إذا كان لزيد في ذمّة عمرو دينار، فدفع الثاني إليه الدينار ذاهلا عن كلّ عنوان، فإنّه كاف في براءة ذمّته.

و ربما يقال بأنّه يجب لزوم قصد النوع في النذر، لأنّ النذر يستلزم كون الفعل المنذور ملكا للّه سبحانه على المكلّف كما هو الظاهر، و يقتضيه مفهوم صيغة النذر، و تسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية و لولاه لما تعيّن الخارج بذلك كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية عينا كان أو فعلا. (2)

يلاحظ عليه: بالإشكال في المشبّه و المشبه به.

أمّا الأوّل، فلأنّ مفاد صيغة النذر وضع تكليف على ذمّته لوجه اللّه لا تمليك شي‌ء للّه سبحانه في ذمّته.

و أمّا الثاني، فلأنّ عدم الكفاية أوّل الكلام، لأنّ الدائن لم يكن يملك على ذمة المديون إلّا دينارا، و قد ملّكه المديون و ملكه الدائن و إن لم يقصد العنوان.

الثالث: تعيين نوع المندوب هل يعتبر تعيين النوع المندوب؟ اختار المصنّف لزومه قائلا بأنّه يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض أو غيرها من الأيّام المخصوصة، فلا يجزي القصد‌

____________

(1). المستمسك: 8/ 199.

(2). المستمسك: 8/ 198.

23

[تعيين نوع المندوب و حكم شهر رمضان]

و أمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم و إن لم ينو كونه من رمضان، بل لو نوى فيه غيره جاهلا أو ناسيا له أجزأ عنه، نعم إذا كان عالما به و قصد غيره لم يجزه، كما لا يجزي لما قصده أيضا بل إذا قصد غيره عالما به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة و جدّد نيّته قبل الزوال لم يجزه أيضا بل الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحّة غيره فيه و إن لم يقصد الغير أيضا، بل قصد الصوم في الغد مثلا فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان كما أنّ الأحوط في المتوخّي أي المحبوس الّذي اشتبه عليه شهر رمضان و عمل بالظنّ أيضا ذلك، أي اعتبار قصد كونه من رمضان، بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوّة. (1)

____________

إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، و لكن الظاهر عدم لزومه، لأنّ مفاد الأمر بصوم أيّام البيض في رواية الزهري عن علي بن الحسين (1) هو أن يصوم تلك الأيام للّه و المفروض انّه قد صام بهذه النيّة.

و أمّا لزوم صومها بعنوان أيّام البيض فلم يدل عليه دليل.

و إن شئت قلت: إنّ الزمان يعدّ من مشخصات صوم ذلك اليوم، فقد صام أيام البيض قاصدا للّه و ليس وراء ذلك مطلوب حتى يقصد.

و بعبارة واضحة: انّ المطلوب صوم أيّام البيض بالحمل الشائع الصناعي و قد صامها لا صومها بعنوان الحمل الأوّلي.

(1) الرابع: حكم شهر رمضان قد اتضح ممّا ذكرنا لزوم قصد العنوان فيما إذا كان الزمان صالحا لأزيد من‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

24

..........

____________

نوع واحد و عدم لزومه فيما إذا لم يصلح إلّا لنوع واحد، و لذلك قلنا بعدم لزوم قصد النوع في المنذر و المندوب المعيّنين، و عندئذ يقع الكلام في حكم صوم شهر رمضان، فهل يكفي في صحّة صوم شهر رمضان قصد الصوم و إن لم يقصد كونه من رمضان؟ هناك صور ذكرها المصنّف و نحن نقتفيه.

الأولى: إذا نوى صوم الغد لوجه اللّه إذا نوى في شهر رمضان صوم الغد متقربا إلى اللّه، كفى من غير حاجة إلى التعرّض بكونه من ذلك الشهر و ذلك ببيانين:

1. انّ الزمان يعيّن نوع الصوم و المفروض انّه قصد صوم ذلك الزمان فينطبق قهرا على صوم شهر رمضان، فما هو الواجب هو قصد صوم الغد و أمره و قد حصل. و أمّا ما لم يحصل و هو قصد كونه صوم شهر رمضان فليس واجبا.

2. انّ الواجب هو صوم شهر رمضان مجرّدا عن قصد صوم نوع آخر كالكفارة و القضاء على نحو السلب التحصيلي لا السلب المعدولي، و المفروض انّه إذا صام يوم الغد و لم يضمّ عنوانا آخر فقد تحقق الواجب مع السلب التحصيلي.

و امّا قصد كونه من شهر رمضان فلم يدل عليه دليل، قال سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1) و المفروض انّه صام الشهر بالحمل الشائع الصناعي و إن لم يصمه بالحمل الأوّلي الذاتي.

و بذلك يظهر النظر فيما ذكره المصنف في آخر المسألة: الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحّة غيره و إن لم يقصد الغير بل قصد الصوم في الغد فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان.

____________

(1). البقرة: 185.

25

..........

____________

الثانية: لو نوى فيه غيره جاهلا أو ناسيا له إذا نوى صوم غير شهر رمضان مع كونه جاهلا أو ناسيا. (1)

إنّ الجهل و النسيان تارة يتعلّق بالموضوع كأن يجهل انّ الغد شهر رمضان أو ينسى انّه منه، و أخرى بالحكم كأن يجهل عدم صحّة غير صوم رمضان فيه، أو نسي لكن مع العلم بالموضوع.

و الظاهر من المحقّق الحلّي انّ محط البحث هو الأوّل، و لكن الظاهر من المحقّق الخوئي انّ محطّه هو الثاني و إن أشار في ثنايا كلامه إلى صورة نسيان الموضوع و الظاهر من المصنّف في المسألة السادسة هو الأعم.

قال المحقّق: إذا نوى الحاضر في شهر رمضان، غيره من الصيام، مع جهالته بالشهر، وقع عن رمضان لا غير، و قيل: لا يجزي مع العلم، لأنّه لم يطلق فيصرف إلى صوم ذلك الزمان، و صرف الصوم إلى غيره لا يصحّ، فلا يجزي عن أحدهما، و الأوّل أولى، لأنّ النيّة المشترطة حاصلة، و هي نية القربة، و ما زاد لغو لا عبرة به، فكان الصوم حاصلا بشرطه، فيجزي عنه. (2)

و قال في المدارك في تفسير عبارة المحقّق: و إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الجاهل بالشهر و العالم به، و بهذا التعميم قطع في المعتبر. (3)

ثم إنّ البحث فيما إذا كان مكلفا بصيام شهر رمضان و صام فيه غيره، دون‌

____________

(1). البحث في المقام مركز على ما إذا كان مكلّفا بالصوم، و مع ذلك صام عن غيره فلا يقع عن غيره- بكلمة واحدة- و أمّا وقوعه عن رمضان ففيه التفصيل بين العلم و الجهل، و أمّا البحث في المسألة السادسة فالواجب تخصيصها بما إذا لم يكن مكلفا بصوم رمضان كالمسافر فيقع الكلام في وقوعه عن غيره أو لا، و ليس هناك موضوع للتفصيل بين العلم و الجهل كما لا يخفى.

(2). المعتبر: 2/ 645.

(3). المدارك: 6/ 31.

26

..........

____________

ما إذا لم يكن مكلفا فيه لكونه مسافرا ... و يأتي الكلام فيه في المسألة السادسة فلاحظ، و كان على الماتن التصريح بذلك، و تخصيص المسألة السادسة بما إذا لم يكن مكلّفا. و على أيّ تقدير فسواء أ كان محور البحث هو الجهل و النسيان المتعلقين بالموضوع أو بالحكم أي حرمة نية صوم الغير في هذا اليوم، أو كان أعمّ ففي المسألة قولان:

الأوّل: عدم الإجزاء عن شهر رمضان، و ذلك لأنّ ما نواه لم يكن مشروعا و ما كان مشروعا فلم ينوه فكيف يسقط به الأمر.

و إن شئت قلت: الواجب هو صوم الغد مجرّدا عن نيّة غيره بالسلب التحصيلي و المفروض عدم حصوله.

الثاني: انّ المقام من قبيل الخطأ في التطبيق كيف و الصائم بما هو رجل مسلم ينوي بصفاء ذهنه الأمر المنجّز عليه. ثمّ ربما يعتقد لأجل الجهل و النسيان، أنّ الواجب هو صوم القضاء إذا تعلق الجهل و النسيان بالموضوع أو يعتقد عن جهل و نسيان بصحّة صوم غير رمضان فيه إذا تعلّقا بالحكم، و قصد مثل هذا الأمر في الحقيقة، عنوان مشير إلى قصد الأمر الواقعي و إن كان خاطئا في الاعتقاد.

و بذلك يندفع ما ربما يقال من «انّ الواجب صوم رمضان المتقيّد بعنوان عدمي و هو غير متحقق في المقام». و ذلك لأنّه و إن قصد صوم غيره حسب الظاهر لكنّه في بدء الأمر قاصد لامتثال الأمر الواقعي و هو صوم شهر رمضان ففي مثل ذلك لا ينافي نية غيره، لأنّه صوريّ و الأمر الجدّي غيره.

و هذا مثل ما لو قال: بعت هذا الفرس العربي مشيرا إلى ما تحت يده و كان غنما لا فرسا.

و يؤيد ذلك ما ورد من الروايات في أنّ من صام آخر شعبان بنية انّه من شعبان ثمّ تبيّن انّه من رمضان صحّ صومه.

27

..........

____________

روى سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي صمت اليوم الذي يشك فيه فكان من شهر رمضان أ فأقضيه؟ قال: «لا، و هو يوم وفّقت له». (1)

روى بشير النبال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم الشك، فقال: «صمه فإن يكن من شعبان كان تطوعا، و إن يكن من شهر رمضان، فيوم وفّقت له». 2

و مورد الروايات و إن كان الجهل بالموضوع لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، فيعمّ صورة النسيان و لا يرى للجهل هناك خصوصية، لأنّ الكلّ من أقسام الجهل غير انّ أحدهما غير مسبوق بالعلم و الآخر مسبوق به.

الثالثة: إذا كان عالما به و قصد غيره إذا كان عالما بأنّ الغد شهر رمضان فنوى غيره، هذا إذا فسرنا العلم بالعلم بالموضوع، و أمّا إذا عمّمناه إلى العلم بالحكم و هو العلم بعدم صحّة غيره فيشكل فرض المسألة، إذ كيف يقوم المسلم بصوم الغد بعنوان القضاء مع أنّه يعلم بأنّه لا يصحّ الصوم إلّا لرمضان إلّا إذا كان مبدعا أو غير ذلك.

فالحقّ هو البطلان لما سبق من أنّ الواجب هو صوم يوم الغد مجرّدا عن نيّة صوم غيره بالسلب التحصيلي و قد انقلب السلب إلى الإيجاب و قصد صوم غيره، فالمنويّ غير واجب، و لا مشروع، و الواجب و المشروع غير منوي.

و ذهب المحقّق الهمداني (قدّس سرّه) إلى الصحّة و قال: إنّ صوم رمضان- بعد فرض أنّه لا يعتبر في حقيقته عدا الإمساك في هذا الوقت تقربا إلى اللّه- ليس مغايرا لما نواه، بل هو عينه، و لكنّه لم يقصده بهذا الوجه، و المفروض عدم مدخلية هذا القصد في صحته، و إلّا يلزم عدم صحّة الصوم في الصورتين التاليتين:

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2 و 3.

28

..........

____________

الصورة الأولى: إذا قصد جنس الصوم قربة إلى اللّه من غير التفات إلى خصوص نوعه.

الصورة الثانية: إذا قصد غيره مع الجهل بكون الغد من رمضان مع أنّ الخصم معترف بالصحّة فيهما. (1)

يلاحظ عليه: أنّ البطلان ليس لأجل انّه لم يقصد كونه من رمضان حتى يستلزم البطلان في الصورتين المزبورتين، بل البطلان مستند إلى المانع و هو انّه قصد غيره كالقضاء أو الكفارة، و بذلك فقد الواجب شرطه الذي عبّرنا عنه بالسلب التحصيلي.

و بذلك يظهر الفرق بين المقام و الصورتين الماضيتين خصوصا الصورة الأولى، أي ما إذا نوى صوم الغد دون أن يعنونه بعنوان خاص.

و بذلك تبيّن انّه لا يجزي عن رمضان و لا لما قصده. إمّا لأنّه منهي عنه و هو فيما إذا كان عالما بالحكم، أو أنّه ليس بمأمور به و لا واجد للملاك إذا كان عالما بالموضوع دون الحكم.

و منه يتضح الفرق بين المقام و الصورة الثانية، فانّ الجهل هناك مصحّح لتمشي قصد القربة بخلاف المقام.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) حاول أن يثبت صحّة الصوم و إجزاءه عمّا نوى عن طريق الترتّب بأن يكون الأمر بأحدهما مطلقا و بالآخر على تقدير ترك الأوّل، فيأمر أوّلا بصوم رمضان ثمّ يأمر على فرض تركه بصوم القضاء و بما انّ هذا أمر ممكن و إمكانه يساوق وقوعه، فامّا النهي فبما انّه غيري لا يقتضي الفساد بوجه. (2)

يلاحظ عليه: بأنّ النهي في المقام ليس نهيا غيريا بل هو نهي مولوي نفسي لحرمة صوم القضاء في شهر رمضان خصوصا إذا كان عالما بالحكم، و أمّا إذا كان‌

____________

(1). مصباح الفقيه: 14/ 334 بتصرّف.

(2). مستند العروة: 24.

29

..........

____________

عالما بالموضوع فقد عرفت انّ البطلان يستند إلى عدم الأمر أوّلا، و عدم الملاك ثانيا، و لعدم العلم بوجود الملاك للصوم القضائي في شهر رمضان و هذا بخلاف إزالة النجاسة عن المسجد و الصلاة فيه، فانّ الصلاة فيه مع وجود النجاسة ليست حراما بالذات بل حرام غيري على القول بأنّ ترك الصلاة مقدمة لفعل الإزالة.

الرابعة: إذا قصد غيره عالما به مع تخيّل صحّة الغير فيه المقصود انّه إذا كان عالما بكون الغد من شهر رمضان لكن يتخيل انّه يصحّ فيه صوم غيره، فصام بتلك النية لكن علم بعدم الصحّة في أثناء النهار قبل الزوال فقال الماتن: لم يجز.

و ذلك لاختصاص دليل الاجتزاء بالنية قبل الزوال بغير المقام، فانّ محط الروايات فيما إذا لم ينو الصوم فإذا ارتفع النهار نوى أن يصوم.

روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار، في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و إن لم يكن نوى ذلك من الليل، قال: «نعم ليصمه و ليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئا». (1)

الخامسة: صوم المحبوس قال الماتن: إنّ الأحوط في المتوخّي- أي المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان و عمل بالظن- اعتبار قصد كونه من رمضان بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة.

لا شكّ انّ مقتضى القاعدة هو صيام جميع الأيام لتحصيل الإطاعة‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 2.

30

..........

____________

القطعية، لكنّه- مضافا إلى أنّه موجب للحرج المنفي- موجب لدوران الأمر بين المحذورين إذ كلّ يوم كما يحتمل كونه من رمضان، يحتمل كونه من العيدين.

و لذلك قالوا، يعمل بالظن، فيختار شهرا للصيام.

و عندئذ يقع الكلام في لزوم قصد كونه من رمضان إذا تحرّى و حصل له الظن، أو احتمل كونه من رمضان، أو لا وجهان:

1. انّ ما ظنّ أو احتمل، يكون بالنسبة إليه شهر رمضان، فقد عرفت أنّه لا يشترط فيه قصد عنوان الشهر فيما إذا أيقن بكونه من رمضان، بل يكفي قصد صوم الغد فكيف إذا ظنّ أو احتمل.

2. يجب قصد عنوانه، للفرق الواضح بين المقامين، لأنّه فيما إذا كان اليوم متعيّنا عند الصائم فانّه من شهر رمضان و كان الزمان غير صالح لصوم غيره، ففي مثله إذا قصد صوم الغد مشيرا إلى امتثال أمره ينطبق على الأمر الوارد في قوله:

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، و أمّا المقام فلمّا صار كونه من شهر رمضان بتعبد من الشارع و افتراض، فعليه أن يقصد شهر رمضان حتى يتعنون بكونه رمضان و يقتصر به، و إلّا يكون نسبة رمضان إليه و إلى غيره سواسية.

و للسيد المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) بيان آخر في المقام بأنّ أمر الغد دائر بين كونه من غير رمضان، أو منه، أو بعده. فعلى الأوّل يكون تطوعا، و على الثاني يكون أداء، و على الثالث قضاء. و لأجل ذلك لا بدّ من تعيين كونه من رمضان ليحسب منه إمّا أداء أو قضاء، و إلّا فلو لم يعين و قصد طبيعيّ الصوم لم يقع عنه بل يقع نافلة و تطوعا. (1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا دار أمر الغد بين الأمور الثلاثة فكيف يجب عليه قصد صوم رمضان مع أنّ من المحتملات انّه قبل رمضان. و الأولى في تقرير الوجوب ما ذكرناه.

____________

(1). مستند العروة: 27.

31

[المسألة 1: لا يشترط التعرّض للأداء و القضاء و لا الوجوب و الندب و لا سائر الأوصاف الشخصيّة]

المسألة 1: لا يشترط التعرّض للأداء و القضاء و لا الوجوب و الندب و لا سائر الأوصاف الشخصيّة، بل لو نوى شيئا منها في محلّ الآخر صحّ إلّا إذا كان منافيا للتعيين.

1. مثلا إذا تعلّق به الأمر الأدائيّ فتخيّل كونه قضائيّا فإن قصد الأمر الفعليّ المتعلّق به و اشتبه في التطبيق فقصده قضاء صحّ.

2. و أمّا إذا لم يقصد الأمر الفعليّ بل قصد الأمر القضائيّ بطل، لأنّه مناف للتعيين حينئذ.

3. و كذا يبطل إذا كان مغيّرا للنوع كما إذا قصد الأمر الفعليّ لكن بقيد كونه قضائيّا مثلا. أو بقيد كونه وجوبيّا مثلا فبان كونه أدائيّا أو كونه ندبيّا، فإنّه حينئذ مغيّر للنوع و يرجع إلى عدم قصد الأمر الخاصّ. (1)

____________

(1) في المسألة فروع أشير إليها في المتن بأرقام رياضيّة، نتناولها بالبحث.

أمّا الأوّل، فبما انّه قصد الأمر الفعلي أداء كان أو قضاء لكن تخيل انّه أمر قضائي يصح صومه، لأنّه لا يشترط في صحّة العمل سوى الإتيان به بأمره الواقعي، و أمّا قصده الأمر القضائي فلمّا كان من باب الخطأ في التطبيق لا يضرّ بقصده الأمر الواقعي.

نعم على القول بشرطية قصد عنواني الأداء و القضاء اللّذين يعدّان من خصوصيات المأمور به يشكل الحكم بالصحّة كما عليه السيد البروجردي في تعليقته و قد عرفت أنّه موضع تردّد، لاحتمال كونها من العناوين التعليليّة، و لو قلنا بلزوم قصدها فيما كان عليه صوم أداء و قضاء، فلأجل تميز المأمور به بعضه عن بعض، فلو لم يكن عليه قضاء لا تجب عليه نية الأداء، و لو قيل بوجوبه تكفي النية‌

32

[المسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلا، أو العكس، صحّ]

المسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلا، أو العكس، صحّ و كذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفّارة أو غيرها فبان الثاني مثلا أو العكس، و كذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحاليّة

____________

الإجمالية حيث إنّ الأمر الفعلي، المتعلّق بالصوم الأدائي، يلازم نية الأداء إجمالا.

و لعلّ هذا المقدار من نيّة الأداء كاف في الصحّة.

و أمّا الثاني، فقد حكم الماتن ببطلانه معلّلا بأنّه مناف للتعيين حينئذ و الأولى أن يعلّله بأنّه مناف لقصد الأمر الواقعي، فما قصده امتثاله، لم يؤمر به، و ما أمر به من الأمر الأدائي لم يقصده، و قد أشار إلى ما ذكرنا من وجه البطلان في ذيل الفرع الثالث.

و أمّا الثالث، أي قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائيا بحيث لو لا الأمر القضائي، لما قصد غيره فتبين الخلاف و انّ الأمر كان أدائيا. أو قصد الأمر الفعلي بقيد انّه وجوبي فبان انّه ندبي، بحيث لو لا كونه وجوبيا، لما صام و لما قصده، فقد حكم الماتن بالبطلان، بحجّة انّه مغيّر للنوع، فالقصد الحقيقي تعلّق بالقضاء، و الواجب عليه نوع آخر و هو الأداء، كما أنّه تعلّق بالصوم الواجب، و ما عليه، هو الصوم المندوب ثمّ فسّره بأنّه يرجع إلى عدم قصد الأمر الخاص.

و قد عرفت انّه المتعيّن، فإن تغيّر النوع من آثار عدم قصد الأمر الواقعي، و قصد الأمر الخيالي جدا.

و بذلك يظهر انّ سبب البطلان في موارد اختلال النيّة هو عدم قصد الأمر الواقعي، و أمّا كونه مغيّرا للنوع فهو راجع إليه.

33

فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة و بالعكس. (1)

____________

(1) لا شكّ انّ هذه الخصوصيات ليست دخيلة لا في الأمر و لا في المأمور به، و ليست قصدها واجبة و لا مستحبة، و إنّما الكلام في كون قصد خلافها مضرّة أو لا، و احتمال الصحّة و الفساد مبنيّان على كون المقام من قبيل الخطأ في التطبيق، أو من قبيل تقييد الامتثال.

فعلى الأوّل يصحّ الصوم كما هو المطّرد في باب النيّة، فانّ المسلم بصدد امتثال الأمر الفعلي لينال الثواب، أو يبتعد عن العقاب غاية الأمر يتصور انّ اليوم، هو اليوم الثاني، أو العكس من شهر رمضان أو من صوم الكفارة فينوي صوم اليوم الثاني، بحيث لو وقف على خطئه، لعدل عن نيّته.

و على الثاني تشكل الصحّة، لأنّ الامتثال مقيد بما ليس بمتحقّق، بحيث لو وقف على خطئه، لما صام و لما امتثل الأمر الإلهي، فيكون من قبيل عدم قصد الأمر الواقعي.

هذا إذا كان عليه قضاء يوم، و أمّا إذا كان عليه قضاء يومين: يوم من هذه السنة، و يوم من السنة السابقة، فلو صام بلا تعيين، فهل يحسب من السابقة، أو من الحالية؟ تظهر الثمرة انّه لو وقع من السابقة و افترضنا انّه لم يقض صوم السنة الحالية، تجب عليه كفارة التأخير، بخلاف ما لو وقع من اللاحقة، إذ لا تتعلق به كفارته.

الظاهر أن يقال- تبعا لبعض الأعلام- انّه يقع عمّا هو أخفّ مئونة و هو قضاء السنة السابقة، دون الأكثر مئونة، و هو قضاء السنة الجارية، لأنّ الوقوع عنها يتوقف على خصوصية زائدة مؤثرة في سقوط كفارة التأخير و المفروض انّه لم يقصدها.

34

[المسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل]

المسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الإمساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى. (1)

[المسألة 4: لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات، و لكن تخيّل أنّ المفطر الفلانيّ ليس بمفطر]

المسألة 4: لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات، و لكن تخيّل أنّ المفطر الفلانيّ ليس بمفطر، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه. و كذا إن لم يرتكبه و لكنّه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه. و أمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه في الأقوى. (2)

____________

(1) إذا نوى الإمساك عن عشرين أمرا يعلم بدخول جميع المفطرات فيها كفى، لوجود النيّة عن الإمساك عن المفطرات و إن لم يعرفها بعينها. نظير تروك الإحرام.

و بعبارة أخرى: الواجب، الإمساك عن المفطّرات الواقعية لأمره سبحانه، متقرّبا به دون التقرب بإمساك الجميع بل إمساكه مقدمة لتحقق ما هو الواجب و هو الإمساك عن المفطرات الواقعية، نعم لو تقرب بإمساك الجميع يكون مصداقا للتشريع المحرم.

(2) في المسألة فروع ثلاثة، أفتى المصنّف بالبطلان في الفرعين الأوّلين و بالصحة في الثالث.

أمّا وجهه في الأوّل فلاستعمال المفطر، و مقتضى إطلاق دليله، كونه مبطلا في صورتي العلم بكونه مفطرا و عدمه، و لو كان هنا كلام فإنّما هو في وجوب الكفارة و عدمه.

و أمّا الثاني، أعني: إذا لاحظ في نيته، الإمساك عمّا عداه ففيه وجهان:

البطلان كما عليه الماتن، لأنّ الصوم عبارة عن التقرب إلى اللّه بنية الإمساك عن عامة المفطرات، و المفروض انّه نوى الإمساك عن بعضها لا كلّها.

35

[المسألة 5: النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة و إن كان متّحدا.]

المسألة 5: النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة و إن كان متّحدا. نعم لو علم باشتغال ذمّته بصوم، و لا يعلم أنّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمّة. (1)

____________

و الصحة لأنّ المسلم بطبيعته ينوي في الصوم، الإمساك عن المفطرات الواقعيّة إجمالا، و لكنّه تخيل انّ الارتماس مثلا ليس بمفطر فهو من قبيل الخطأ في التطبيق، فهو نوى الإمساك عن الارتماس في النية الأولى الإجمالية، و ان نوى خلافها تفصيلا.

و هنا وجه آخر و هو التفصيل بين تقييد الامتثال بالإمساك عمّا عداه فالبطلان عندئذ هو المحكّم إذ لم يتعلق القصد الجدّي بالإمساك عن المفطرات جميعا، و بين عدم تقييده به بل ينوى الإمساك إجمالا عن المفطرات في الشريعة، و لكن يتخيّل انّ الارتماس غير مفطر على وجه لو وقف على أنّه من المفطرات لنوى الإمساك عنه، فالصحّة عندئذ هو المتعين و المتعارف بين الناس هو الحالة الثانية.

و أمّا الفرع الثالث، و هو ما تخيل انّ الارتماس ليس بمفطر و لكن لم يلاحظ في نيته، الإمساك عمّا عداه و الفرق بين الفرعين: الثاني و الثالث، هو كون العلم في الثاني مقرونا باللحاظ، دون الثالث، فقد حكم الماتن فيه بالصحّة و هو مشكل، إذ كيف يصحّ مع عدم نيته الإمساك عنه لا إجمالا و لا تفصيلا، إلّا إذا سبقته نيّة إجمالية بالإمساك عن جميع المفطرات في الشريعة ثمّ تخيل انّ الشي‌ء الفلاني ليس بمفطر، و لم يلاحظ ذلك، إذ عندئذ يدخل الإمساك عنه في النية الإجمالية الأولى، و لازم كفاية ذلك هو الصحة في الصورة الثانية أيضا و لكنه (قدّس سرّه) اختار البطلان فيها.

(1) وجهه انّ وقوع العمل عن النفس أقلّ مئونة، من الوقوع عن الغير، فهو أكثر مئونة، و يكفي في الأوّل قصد نفس الفعل، بخلاف الثاني فهو رهن أمر آخر و هو‌

36

[المسألة 6: لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره واجبا كان ذلك الغير أو ندبا]

المسألة 6: لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره واجبا كان ذلك الغير أو ندبا، سواء كان مكلّفا بصومه أو لا، كالمسافر و نحوه، فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير، سواء كان عالما بأنّه رمضان أو جاهلا، و سواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا، و لا يجزي عن رمضان أيضا، إذا كان مكلّفا به مع العلم و العمد، نعم يجزي عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ. و لو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضا لم يصحّ قضاء و لم يجز عن رمضان أيضا مع العلم و العمد. (1)

____________

نيّة الإتيان عن الغير فإذا فقد الشرط اللازم ينطبق على الأقل مئونة.

نعم عند ما يتردد اشتغال ذمته بين كونه له أو لغيره يكفي قصد ما في الذمّة، لأنّه يتضمن قصد النيابة على تقدير كونه للغير.

(1) قد اشتهر بين الأصحاب أنّه لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره، قال المحقّق: «لا يقع في شهر رمضان صوم غيره» و ادّعى في الجواهر عليه الشهرة بين الأصحاب نقلا و تحصيلا (1).

توضيح الحال يتوقف على الكلام في موردين:

الأوّل: إذا كان مكلّفا بصومه إذا كان مكلّفا بصوم رمضان، كما إذا كان عاقلا بالغا، حاضرا قادرا على الصوم، ففي مثله إذا نوى الصوم عن غيره، لا يقع عن غيره مطلقا، عالما كان بالموضوع و أنّ الشهر، شهر رمضان أو جاهلا به، عالما كان بالحكم و انّه لا يقع‌

____________

(1). الجواهر: 16/ 203.

37

..........

____________

غيره فيه أو جاهلا، لما قلنا من أنّه لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره.

و أمّا وقوعه عن رمضان فقد مرّ وجه التفصيل في صدر الكتاب من أنّه لا يجزي عنه إذا صام مع العلم بعدم الصحّة، و يجزي إذا صام عن جهل و نسيان.

و مثله ما إذا نوى في شهر رمضان قضاء الماضي أيضا، لم يصح قضاء، و أمّا إجزاؤه عن رمضان ففيه التفصيل بين العلم و الجهل، فيجري في الثاني دون الأوّل.

الثاني: ما إذا لم يكن مكلّفا بالصوم إذا لم يكن مكلفا بالصوم لأجل كونه مسافرا، فهل يصحّ صوم غيره فيه أو لا؟

فهنا مانعان:

الأوّل: صوم غير رمضان في رمضان و قد مضى انّ رمضان لا يصلح لصوم غيره.

الثاني: وقوعه في السفر هل السفر يصلح للصيام أو لا.

أمّا الأوّل فليس بمانع و قولهم: «لا يصلح شهر رمضان لغيره» ناظر إلى ما إذا كان مكلّفا بالصوم لا إلى الأعم منه و من غير المكلّف، و ليس رمضان كيوم عيد فطر أو يوم أضحى اللّذين يمنعان عن أيّ صوم فيه حتى لو صادف نذره أحد هذين اليومين.

روى القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة (كلّ يوم جمعة) دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم، يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاءه و كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه‌

38

..........

____________

الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم إن شاء إليه». (1)

فليس كون الظرف يوم رمضان مانعا إذا لم يكن مكلفا بصيامه و بذلك يظهر عدم تمامية التعميم في قول الماتن: «سواء كان مكلفا بصومه أو لا كالمسافر» فعدم الصحّة يختص بالأوّل، أي بما إذا كان مكلفا بالصوم دون ما إذا لم يكن.

بقي الكلام في مانعية السفر من غير فرق بين وقوعه في رمضان أو لا، و تأتي المسألة في فصل خاص أي الزمان الذي يصحّ فيه الصوم ضمن الشرط الخامس، و حاصل مختارهم في جواز الصوم في السفر هو انّه لا يصحّ من الصوم الواجب إلّا ثلاثة:

1. صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع.

2. صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا و هو ثمانية عشر يوما.

3. صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة أو سفرا و حضرا.

و أمّا المندوب، فالأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر إلّا ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة، و سيوافيك تفصيله.

و لا يخفى انّ تكرار البحث تارة في صدر الكتاب، و أخرى في المقام أوجب التعقيد في المسألة، و كان عليه تخصيص الأوّل بما إذا كان مكلفا بالصوم و مع ذلك صام غيره، فيحكم بأنّه لا يقع عن غيره، و أمّا وقوعه عن رمضان ففيه التفصيل.

و تخصيص الكلام في المقام بما إذا لم يكن مكلفا بالصوم كالمسافر، فإذا صام هل يقع عن الغير أو لا؟ و ليس هنا موضوع للبحث عن وقوعه عن شهر رمضان.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2.

39

[المسألة 7: إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر، و لو إجمالا]

المسألة 7: إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر، و لو إجمالا كما مرّ، و لو نوى غيره فإن كان مع الغفلة عن النذر صحّ و إن كان مع العلم و العمد ففي صحّته إشكال. (1)

____________

(1) تتضمّن المسألة فروعا ثلاثة:

الأوّل: إذا نذر صوم يوم معيّن و لكنّه صامه متقربا إلى اللّه من دون أن ينوي كونه امتثالا للوفاء بالنذر و لو إجمالا.

فقد حكم الماتن بعدم إجزائه عن النذر، فعليه القضاء.

قال السيد الخوئي (قدّس سرّه) في وجهه: أنّ مفاد قوله: «للّه عليّ أن أصوم» هو تمليك عمله للّه سبحانه، فيكون مالكا و العبد مملوكا و الصوم مملوكا للّه على وجه كلي في الذمّة، و من المعلوم أنّ أداء ما في الذمة يحتاج إلى القصد و التعيين، فلو كانت ذمّته مشغولة بدينار و دفع دينارا من دون أن يقصد به فراغ ذمته فلا يحسب أداء للدين بل يحسب عطاء ابتدائيا.

فمثله الصوم المملوك للّه، فلو لم ينو أنّه بصدد إفراغ ذمّته من الدين فربّما يحسب أنّه تطوع ابتدائي لا عمل بالنذر.

و ردّ بأنّه لا معنى للملكية الاعتبارية له سبحانه كما لا يخفى. (1)

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه و إن كان مالكا للملك و الملكوت بالملكية التكوينية وَ لِلّٰهِ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*، و لكنّه لا مانع من أن يكون مالكا لشي‌ء اعتبارا إذا ترتّب عليه أثر اجتماعي، مثل قوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ. (2)

____________

(1). مستند العروة الوثقى: 34.

(2). الأنفال: 1.

40

..........

____________

و الأولى أن يمنع كون مفاد النذر تمليك شي‌ء للّه سبحانه في ذمّته و إنّما هو التزام للقيام بالمنذور به.

فلو قال: «لو نجحت في الامتحان فللّه عليّ أن أصلّي نافلة الليل» يكون معناه الالتزام بالمنذور به و تجسيده في الخارج.

و أين هذا من تمليك شي‌ء للّه سبحانه في ذمّته؟!

و الحقّ أن يقال انّ في المقام أمرين:

أحدهما: الأمر الاستحبابي المتعلّق بصلاة الليل.

الثاني: الأمر بالوفاء بالنذر لقوله سبحانه: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. (1)

و الأوّل منهما: تعبدي، و الآخر: توصلي يسقط بلا قصد امتثاله و إن كان ترتّب الثواب رهن قصده.

و على ذلك فالذي التزم هو به عن طريق النذر هو الإتيان بالنافلة بأمرها الاستحبابي، فإذا أتاه بتلك النية فقد قام بوظيفته و أدّى بما التزم و جسّد المنذور به فيسقط أمره، و ليس له وراء ذلك واجب شرعي تعبدي يحتاج إلى قصد.

و أمّا الأمر بالوفاء بالنذر، فإنّما هو توصلي يسقط بمجرّد الإتيان بالمنذور به بكافة أجزائه و شرائطه، و من شرائطه الإتيان به بأمره الاستحبابي.

و على ضوء ذلك فالأقوى الصحّة، لأنّ اليوم لا يصلح إلّا لصومه و المفروض انّه قد صامه بأمره.

نعم، لو نذر كليا بأن قال: للّه عليّ أن أصوم يوما، ثمّ صام يوم الخميس لا يكون مسقطا عن النذر، لأنّ انطباقه على الفرد الموجود يتوقف على القصد كما أنّ انطباق الدين الكلّي على ما أعطى بلا نية، بحاجة إلى دليل.

____________

(1). الحج: 29.

41

..........

____________

إلى هنا تبيّن انّ الحقّ صحّة الصوم في الفرع الأوّل.

و أمّا الفرع الثاني و هو يشارك الفرع الأوّل في عدم قصد امتثال أمر النذر و لكن يفارقه انّه قصد عنوانا آخر غير ما وجب عليه بالنذر، كما إذا نذر انّه لو نجح في الامتحان يصوم يوم الخميس المعيّن قضاء و لكنّه صام من باب الكفارة غافلا عن نذره.

فيقع الكلام عن وقوعه للثاني.

و يمكن أن يقال بالصحة، و ذلك لأنّ المقام من قبيل المتزاحمين و الصوم للكفارة كالصوم للقضاء من باب واحد جامعان للمصلحة و فاقدان للمفسدة غير انّ الأمر بالقضاء يقدّم على الأمر بالصوم لأجل الكفارة فيكون الأوّل بمنزلة الأهم لأجل النذر و ضيقه. و الثاني بمنزلة المهم لسعته.

و لما سقط الأمر الأوّل لأجل الجهل و الغفلة فلا مانع من امتثال الأمر الثاني لعدم التزاحم في مقام الفعلية.

هذا إذا قلنا بأنّ مراد المصنّف من قوله صحّ، أي صحّ للثاني و يحتمل القول بأنّه يصحّ للأوّل أي قضاء، و ذلك من باب الخطأ في التطبيق كما مرّ بيانه سابقا.

و حاصله: انّ الصائم يقصد الأمر الفعلي و يظنّ انّه هو الأمر بالكفارة بحيث لو نبّهه أحد على خطئه، لعدل عن نيّته إلى امتثال الأمر بالقضاء.

و أمّا الفرع الثالث، فهو نفس الفرع الثاني لكن قصد الأمر الثاني عن علم و قصد.

فربما يقال بالبطلان و عدم صحّته لا للأوّل لعدم قصده جدا، و لا للثاني لكونه منهيا عنه، لأنّ الأمر بالصوم بالقضاء يلازم النهي عن الصوم للكفارة.

و يمكن تصحيحه من باب الترتب بأن يكون مأمورا للصوم قضاء على‌

42

[المسألة 8: لو كان عليه قضاء رمضان السنة الّتي هو فيها، و قضاء رمضان السنة الماضية]

المسألة 8: لو كان عليه قضاء رمضان السنة الّتي هو فيها، و قضاء رمضان السنة الماضية، لا يجب عليه تعيين أنّه من أيّ منهما، بل يكفيه نيّة الصوم. قضاء و كذا إذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيد. و كذا إذا كان عليه كفّارتان غير مختلفتين في الآثار. (1)

____________

وجه الإطلاق و للصوم كفارة بشرط عصيان الأمر الأوّل و المفروض تحقّقه فالأمر الثاني أمر لا منازع له، و قد ثبت في مبحث الترتّب انّ إمكانه يساوق وقوعه و لا يحتاج إلى دليل زائد عليه.

(1) تحتوي المسألة فروعا ثلاثة:

1. لو كان عليه قضاءان أحدهما للسنة الماضية التي مضت عليها سنة كاملة و لم يقض، و تعلّقت به كفارة التأخير و الآخر للسنة الحالية على وجه لم تتعلق لحدّ الآن به كفارة التأخير و إنّما تتعلّق إذا لم يقضه إلى نهاية السنة، فهل يكفي صوم يومين بعنوان قضاء رمضان من دون تعيين، أو لا؟

ذهب الماتن إلى الإجزاء، و لعلّ وجهه عنده هو انّ ذمّة الإنسان مشغولة بصومين على الوجه الكلي كاشتغال ذمّته بالدينارين، فيكفيه صومان بعنوان القضاء كما يكفي دفع دينارين و إن لم يعين سبب الدينار الأوّل أو الثاني.

يلاحظ عليه بما ذكرنا سابقا من أنّ الميزان لوجوب التعيين و عدمه هو انّه لو كان الصومان مختلفين في الأثر يجب تعيينهما، و ذلك لأنّ اختلاف الأثر كاشف عن أخذ قيد في موضوع كلّ، يغاير القيد المأخوذ في الآخر، و لا طريق إلى نية هذا القيد إلّا بالتعيين. و بما انّ الصوم الأوّل لا تتعلّق به كفارة التأخير بخلاف الثاني، فالاختلاف في الأثر يكشف عن اختلاف الموضوعين بأخذ قيد في أحدهما دون‌

43

..........

____________

الآخر أو أخذ قيد في كلّ مغاير مع المأخوذ في الآخر، و بما انّ القيد مجهول فلا طريق إلى قصده إلّا قصد التعيين.

و مع ذلك فالأقوى كفاية نية الصوم قضاء من دون تعيين، لاشتراكهما في الحكم الكلي، فإنّ الثاني محكوم بما حكم به على الأوّل، لكن على الوجه الكلي إذ قد حكم الشارع على نحو الضابطة بأنّ الصوم الفائت إذا لم يقض- بلا عذر- إلى دخول رمضان الثاني تتعلّق به كفارة التأخير، و كلا الصومين داخلان تحت هذه الضابطة غير انّ الشرط تحقّق في أحدهما دون الآخر، و هذا لا يكون دليلا على الاختلاف في الأثر.

نعم لو صام يوما فقط و انتهت السنة بلا تعيين لا يصلح إلّا للفائت الأوّل، و ليس له أن يجعله قضاء للسنة الثانية إلّا بالنيّة، و ذلك لأنّ الصوم المطلق يصلح للأوّل و أمّا الثاني فإنّما يصلح له إذا كان له فائت واحد، و أمّا مع التعدّد فلا مرجح لوقوعه عن السنة الثانية، و بالتالي تتعلّق به كفارة التأخير.

2. إذا كان عليه نذران من قبيل نذر الشكر، كما إذا نذر و قال: إن رزقت ولدا أصوم يوما و لو شفيت من المرض أصوم يوما آخر، يكفي له صومان لامتثال النذرين، و ذلك لعدم اختلافهما في الأثر.

و مثل ذلك إذا كان كلاهما لأجل الزجر.

إنّما الكلام إذا كان أحد الصومين من قبيل نذر الشكر و الآخر نذر الزجر، كما إذا قال: للّه علي إن فاتت منّي صلاة، أن أصوم يومه، و في الوقت نفسه قال: لو شفيت أصوم يوما، فهل يكفي صوم يومين بلا تعيين؟ الظاهر نعم.

و يظهر من المحقّق البروجردي (قدّس سرّه) على ما في تعليقته و المحقّق الكلبايكاني (قدّس سرّه) أنّ النذرين إذا كانا مختلفين حسب الغاية يجب التعيين.

44

[المسألة 9: إذا نذر صوم يوم خميس معيّن و نذر صوم يوم معيّن، من شهر معيّن فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن يكفيه صومه]

المسألة 9: إذا نذر صوم يوم خميس معيّن و نذر صوم يوم معيّن، من شهر معيّن فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن يكفيه صومه، و يسقط النذران فإن قصدهما أثيب عليهما و إن قصد أحدهما أثيب عليه، و سقط عنه الآخر. (1)

____________

و لعلّ وجهه أخذ عنواني الشكر و الزجر في المنذور كأنّه قال: أصوم شكرا أو زجرا.

يلاحظ عليه: أنّ العنوانين من قبيل الدواعي و الغايات لا من قبيل الموضوع.

3. إذا كانت عليه كفّارتان غير مختلفتين في الآثار، كما إذا حنث حلفه مرّتين و لم يجد الإطعام و الكسوة و الرقبة فتعيّن عليه صيام ثلاثة أيّام قال سبحانه:

لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمٰانَكُمْ. (1)

وجه الكفاية معلوم لأنّه ليس عليه إلّا صيام ستة أيّام، فإذا صام كذلك يسقط الواجب.

(1) يقع الكلام في أمور:

الأوّل: في صحّة النذر الثاني إذا نذر صوم يوم خميس معيّن كالخميس الأوّل من شهر رجب المسمّى بيوم‌

____________

(1). المائدة: 89.

45

..........

____________

الرغائب، و نذر صوم أوّل كلّ شهر، فصادف أوّل الشهر أوّل خميس من هذا الشهر، كما هو الحال في سنتنا الحالية- أعني: سنة 1419 ه‍- فهل يصحّ تعلّق نذرين، تأسيسيّين بيوم واحد أو لا؟ الظاهر الصحّة إذا كان بين المتعلّقين عموم و خصوص من وجه نظير المثال السابق، و مثله ما إذا نذر صوم يوم دحو الأرض و صوم آخر خميس من ذي القعدة الحرام فاتّفقا يوما واحدا؛ نعم لو كان النذر الثاني تعبيرا ثانيا عن النذر الأوّل، كما إذا نذر أن يطعم زيد بن عمرو و كان أكبر ولده، ثمّ نذر أن يطعم أكبر ولد عمرو، فالنذر الثاني يكون إمّا لغوا أو تأكيدا.

فتكون النتيجة صحّة النذرين إذا كانا أشبه بالقضايا الحقيقية و بطلانها إذا كان مثل القضايا الخارجية.

الثاني: في كفاية صوم يوم الخميس الظاهر كفاية صوم يوم الخميس عنهما لقيامه على ما فرض على نفسه، بصوم يوم الخميس المعيّن و المفروض عدم مندوحة، لامتثال آخر، و لا مانع من امتثال أمرين بفعل واحد، خصوصا إذا قصد امتثال الأمرين المختلفين عنوانا، بصيامه يوما معيّنا.

الثالث: ما هو محور الثواب؟ الظاهر انّ الثواب يدور على الأمر الذاتي المتعلّق بنفس يوم الخميس، إمّا لكونه أوّل خميس من شهر رجب أو أوّل يوم منه، إذ لولاه لما تعلّق به النذر، لأنّه يشترط وجود الرجحان في متعلّقه، و أمّا الأمر المتعلّق بالوفاء بالنذر، أعني: قوله سبحانه: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (1)، فهو أمر توصلي يسقط بما قصد امتثاله، و يترتب‌

____________

(1). الحج: 29.

46

[المسألة 10: إذا نذر صوم يوم معيّن، فاتّفق ذلك اليوم في أيّام البيض مثلا]

المسألة 10: إذا نذر صوم يوم معيّن، فاتّفق ذلك اليوم في أيّام البيض مثلا، فإن قصد وفاء النذر و صوم أيّام البيض أثيب عليهما، و إن قصد النذر فقط أثيب عليه فقط و سقط الآخر، و لا يجوز أن يقصد أيّام البيض دون وفاء النذر. (1)

____________

عليه الثواب، إذا قصد امتثاله.

و لكن الظاهر من الماتن دوران الثواب على قصد الأمر العرضي، حيث قال:

«فإن قصدهما أثيب عليهما، و إن قصد أحدهما أثيب عليه و سقط عنه الآخر».

و الأولى أن يقول: فإن قصد الأمر الذاتي أثيب عليه و صحّ العمل لما سيوافيك من عدم وجوب قصد عنوان الوفاء بالنذر في صحّة العمل، و إن قصد الأمر العرضي أثيب عليه، و صحّ العمل أيضا، لأنّ قصده رمز لقصد الأمر الذاتي المتعلّق، و إن قصدهما، أثيب عليهما، و إن لم يقصد واحدا منهما صحّ إذا أتى به متقربا إلى اللّه، و تعبير الماتن في المسألة الآتية أظهر ممّا جاء هنا.

(1) هنا صور ثلاث للامتثال و ترتب الثواب:

1. إذا قصد كلا الأمرين: الذاتي و العرضي، صحّ العمل و يترتب الثواب عليهما.

2. إذا قصد الأمر العرضي، صحّ العمل أيضا لما عرفت من أنّه مرآة إلى الأمر الذاتي و أثيب للأمر العرضي المقصود تفصيلا.

3. إذا قصد الأمر الذاتي دون الأمر العرضي، فقد أفتى الماتن بعدم الكفاية و قد عرفت صحّة العمل، لأنّها تدور على الأمر الذاتي، و الأمر المتعلّق بعنوان الوفاء بالنذر توصلي يسقط، و إن لم يقصد امتثاله فالصحّة في جميع الصور هي الأقوى.

47

[المسألة 11: إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب، أو جهات من الاستحباب، أو من الأمرين فقصد الجميع أثيب على الجميع]

المسألة 11: إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب، أو جهات من الاستحباب، أو من الأمرين فقصد الجميع أثيب على الجميع، و إن قصد البعض دون البعض أثيب على المنويّ و سقط الأمر بالنسبة إلى البقيّة. (1)

[المسألة 12: آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن- رمضان كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق]

المسألة 12: آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن- رمضان كان أو غيره- عند طلوع الفجر الصادق، و يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم الّذي يريد صومه، و مع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعيّن الآخر يجوز متى تذكّر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، و أجزأه عن ذلك اليوم، و لا يجزيه إذا تذكّر بعد الزوال، و أمّا في الواجب الغير المعيّن فيمتدّ وقتها اختيارا من أوّل الليل إلى الزوال دون ما بعده على الأصحّ، و لا فرق في ذلك بين سبق التردّد أو العزم على العدم، و أمّا في المندوب فيمتدّ إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الأقوى. (2)

____________

(1) و قد ظهرت الحال فيها فلا نعيد.

(2) في المسألة فروع أربعة:

الفرع الأوّل: نيّة الصوم ابتداء و انتهاء في الواجب المعيّن ذهب المشهور إلى أنّ مبدأ النية فيه هو أوّل جزء من الليل و منتهاه طلوع الفجر الصادق.

قال الشيخ في الخلاف: وقت النيّة من أوّل الليل إلى طلوع الفجر أيّ وقت نواه أجزأه، و تضيق عند طلوع الفجر.

و قال الشافعي: وقت الوجوب قبل طلوع الفجر الثاني لا يجوز أن يتأخر عنه، فإذا بقي من الليل قدر نيّة فقط فقد تضيّق عليه، كما إذا بقي من وقت الظهر قدر أربع ركعات تعيّنت عليه.

48

..........

____________

قال: فإن وافق انتهاء النية مع انتهاء الليل أجزأه، و إن ابتدأ بالنية قبل طلوعه فطلع الفجر قبل اكمالها لم يجزه.

و أمّا وقت الجواز ففيها ثلاثة أوجه: ظاهر المذهب أنّ وقتها ما بين غروب الشمس و طلوع الفجر الثاني أي وقت أتى بها فيه أجزأه؛ و به قال أبو العباس، و أبو سعيد و غيرهما.

و فيه من قال: وقتها بعد نصف الليل، فإن نوى قبل النصف لم يجزه.

ثمّ نقل عن أبي إسحاق قولا شاذا، و هو انّ وقت النية أي وقت شاء من الليل و لكن بشرط أن لا يفعل بعدها ما ينافيها، مثل أن ينام بعدها و لا ينتبه حتى يطلع الفجر. (1)

و ما ذكره أبو إسحاق مخالف للضرورة.

و بذلك يظهر الاتّفاق بين ما عليه المشهور من علمائنا و ما عليه الشوافع من حيث المبدأ و المنتهى، فالمبدأ هو الذي أسماه بوقت الجواز، و المنتهى هو الذي أسماه بوقت الوجوب.

نعم لبعض أصحابنا خلاف في المسألة ذكره العلّامة في مختلف الشيعة، فقد خالف ابن أبي عقيل و السيد المرتضى و ابن الجنيد في ذلك حيث إنّ لكلّ منهم رأيا خاصا في مبدأ النية.

قال ابن أبي عقيل: يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدّم النيّة في اعتقاد صومه ذلك من الليل. (و كأنّه يشترط تقدّم النية على طلوع الفجر بشطر كبير كأن ينوي أوّل الليلة أو بعد مضيّ شي‌ء منها).

و قال المرتضى: وقت النيّة في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى وقت زوال الشمس.

و قال ابن الجنيد: جائز أن يبتدئ بالنية و قد بقى بعض النهار و يحتسب به‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 166، كتاب الصوم، المسألة 5.

49

..........

____________

من واجب إذا لم يكن قد أحدث ما ينقض الصيام. (1)

و على ذلك فالأقوال أربعة: قول للمشهور، و قول لابن أبي عقيل من لزوم تقدّم النيّة من اللّيل، و قول للمرتضى من جواز تأخيره إلى قبل زوال الشمس، و قول لابن الجنيد و هو جواز تأخيره إلى ما قبل المغرب.

أقول: تطلق النيّة و يراد منها أحد أمرين:

1. صدور الفعل عن الإنسان عن قصد و إرادة مقابل ما لا يلزم صدوره كذلك، مثل طهارة الثوب فلو غسله نائما أو غير قاصد كفى في إقامة الصلاة معه، بخلاف ردّ السلام فانّه واجب مع قصد الفعل و إرادته.

2. الإتيان بالفعل متقربا إلى اللّه تبارك و تعالى لا رياء و سمعة و لا بسائر الدواعي النفسانية، و المراد من النية في المقام هو الأوّل، التي هي شرط لكلّ فعل اختياري لا الثاني.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الصوم عمل اختياري و عبادي، فبما انّه عمل اختياري يجب أن يمسك عن المفطرات عن قصد و إرادة، و حيث إنّ مبدأ الإمساك هو طلوع الفجر الثاني، فلا بدّ أن تكون النيّة مقارنة معه و يكفي في ذلك وجودها في أيّ جزء من أجزاء الليل على نحو يكون متحققا في نفسه، وقت الطلوع.

و بذلك يعلم عدم تمامية قول المرتضى و ابن الجنيد من كفاية صدور بعض الفعل عن إرادة و إمساك، و إلى ذلك يشير العلّامة بقوله:

إنّ النيّة محصلة للفعل و يقع الفعل بحسبها، و هي إنّما تؤثر في المتجدّد دون الماضي، لأنّ النيّة عبارة عن إرادة يقع الفعل عليها، و لا تتعلّق الإرادة بالماضي، لاستحالة تحصيل الحاصل. 2

____________

(1) 1 و 2. مختلف الشيعة: 3/ 365، كتاب الصوم. و لعلّ قول السيد راجع إلى صورتي الجهل و النسيان في الصوم المعين، أو الصوم غير المعين كما سيوافيك، كما يحتمل أن يكون قول ابن الجنيد راجعا إلى الصوم المندوب، و بما انّ كتابي القديمين ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ليس بأيدينا، فالقضاء الباتّ مشكل.

50

..........

____________

كما أنّ قول ابن أبي عقيل من لزوم تقديم النية على شي‌ء من الليل غير تام، و ذلك لقوله سبحانه: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (1)، فالآية ظاهرة في كفاية الإمساك المقرون مع النية عند طلوع الفجر، فلا وجه لتقديمها إلّا شيئا يسيرا من باب المقدمة.

و أمّا القول بكفاية النيّة في جزء من اللّيل، فذلك لاتّفاقهم على صحّة صوم من نوى و نام و استيقظ بعد طلوع الفجر، و لم يقل أحد بلزوم درك الفجر الثاني مستيقظا.

لا مبدأ للنية في الصوم ما تقدّم هو المعروف بين علمائنا، لكن لنا هنا كلام، و هو انّ النيّة في التحقيق هو الداعي إلى الفعل لا الإخطار و على ذلك فلا وجه لتخصيص جواز النية بأوّل الليل، بل لو تقدمت النية على الليل لكفى ذلك إذا بقيت في ذاكرته، بحيث لو سئل عن وجه إمساكه بعد طلوع الفجر لأجاب لأجل الصوم.

و على ذلك لا مبدأ للنية، بل يكفي وجود الداعي قبل الليل أيضا لو لم يغفل عنها و استمر إلى طلوع الفجر الثاني، و قد عرفت كفاية وجوده في النفس و إن نام بعدها و استيقظ بعد طلوع الفجر.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) لما أخذ بقول المشهور رتب على من نوى قبل الليل ثمّ نام فاستيقظ بعد طلوع الفجر فروعا و قال:

الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان النوم في شهر رمضان و ما كان في غيره؛ فإن كان الثاني، كما لو نام في اليوم الأخير من شعبان قاصدا صوم الغد و لم يستيقظ إلّا بعد الفجر، فالظاهر فساد صومه حينئذ، لأنّه في زمان نيته لم يكن بعد مأمورا بالصوم، لعدم حلول الشهر الذي هو زمان تحقّق الوجوب، فكيف ينوي‌

____________

(1). البقرة: 187.

51

..........

____________

الامتثال؟ و في زمان الأمر لم يكن قابلا له، لأنّ النائم لا يؤمر بشي‌ء، فلم يؤمر بالصوم، لا في زمان التفاته و لا في زمان عدم التفاته.

و إن كان الأوّل، كما لو نام عصر اليوم الأوّل من شهر رمضان ناويا صوم الغد، فحينئذ إن قلنا بالانحلال و إن أمر كلّ يوم يحدث عند غروب ليلته، فالكلام هو الكلام (في الصورة الأولى)، فانّ الأمر بالصوم لم يكن حادثا قبل النوم و بعده لا يكون قابلا للتكليف.

و أمّا إذا بنينا على أنّ تلك الأوامر كلّها تحدث دفعة في أوّل الشهر و انّه يؤمر في الليلة الأولى بصيام الشهر كلّه على نحو الواجب التعليقي كما هو الصحيح على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و كذا الروايات، فالظاهر حينئذ هو الحكم بالصحّة لوجود الأمر سابقا، و قد حصلت النيّة على الفرض، و الفعل مستند إلى الاختيار، فلا مانع من الصحّة. (1)

يلاحظ عليه: الظاهر هو الصحّة حتى على القول بحدوث أمر كلّ يوم قبيل طلوع الفجر، إذ لا مانع من قصد الأمر الاستقبالي و إن لم يحدث، و لذلك أطبق المشهور على صحّة من نوى أوّل الليل ثمّ نام و لم يستيقظ إلّا بعد الفجر، ذلك لوجود النية في قرارة ذهنه قبيل طلوع الفجر.

و بعد ما حرّرت المقام وقفت على تعليقه الأستاذ (قدّس سرّه) على المقام و إليك نصّها:

لا وقت للنيّة شرعا، بل المعيار حصول الصوم عن عزم باق في النفس و لو ذهل عنه بنوم و شبهه، و لا فرق في حدوث هذا العزم بين أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه أو قبلها، فلو عزم على صوم الغد من اليوم الماضي و نام على هذا العزم إلى آخر الغد صحّ صومه على الأصحّ.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: 43- 44، كتاب الصوم.

52

..........

____________

الفرع الثاني: فيما إذا نسي أو جهل في الواجب المعيّن إذا نسي أو جهل كونه رمضان أو المعين الآخر، يجوز الصوم متى تذكّر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر و أجزأه عن ذلك اليوم و لا يجزيه إذا تذكّر بعد الزوال.

قال الشيخ في الخلاف: وقت النية من أوّل الليل إلى طلوع الفجر، أيّ وقت نواه، أجزأه، و يضيق عند طلوع الفجر هذا مع الذكر، و أمّا إذا فاتت ناسيا جاز تجديدها إلى عند الزوال. (1)

و قال المحقّق: و لو نسيها ليلا جدّدها نهارا ما بينه و بين الزوال، فلو زالت الشمس فات محلها. (2)

و نقل في الحدائق عن المحقّق في المعتبر، و العلّامة في التذكرة و المنتهى، انّه موضع وفاق بين الأصحاب. (3)

و المخالف في المقام هو ابن أبي عقيل و ابن الجنيد؛ أمّا الأوّل، فلم يفرّق بين العامد و الناسي، و قال: و يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدّم النيّة في اعتقاد صومه ذلك من الليل، و من كان صومه تطوعا أو قضاء رمضان، فأخطأ أن ينوي من الليل فنواه بالنهار قبل الزوال أجزأه، و إن نوى بعد الزوال لم يجزه. (4) حيث خصّ جواز التأخير بالصوم المندوب و قضاء رمضان، دون صوم نفس رمضان.

و أمّا الثاني، فهو على جانب النقيض من ابن أبي عقيل، فقد جوّز الإتيان بالنية بعد الزوال في الفرض مع الذكر و النسيان. 5

____________

(1). الخلاف: 2/ 166، المسألة 4، كتاب الصوم،.

(2). الشرائع: 1/ 139.

(3). الحدائق: 13/ 19.

(4) 4 و 5. مختلف الشيعة: 3/ 367.

53

..........

____________

و مقتضى القاعدة هو البطلان، لما عرفت من أنّ الواجب، هو تحقّق الإمساك مقرونا بالنية، فقبول إمساك لا بهذا الوصف يحتاج إلى دليل ثانوي.

ثمّ إنّ المذكور في كلام الفقهاء هو صورة النسيان، و قد نقل عن الجواهر انّ الشهيد عطف الجاهل على الناسي و قال: «أو كان جاهلا بوجوب ذلك اليوم»، و على كلّ تقدير فقد استدلّ على الحكم بوجوه غير نقية:

1. الاتفاق الذي حكاه المحقّق و العلّامة في المعتبر.

2. ما روي أنّه جاء أعرابي يوم الشك فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك.

3. فحوى ما دلّ على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال.

4. أصالة عدم وجوب تبييت النية مع النسيان.

5. ما دلّ على رفع الجهل و النسيان فانّ إيجاب القضاء يقتضي عدم رفعهما.

6. ما في المنتهى: فإذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال، جاز مع النسيان.

و قد ناقش غير واحد من المتأخرين، منهم: صاحب الحدائق، و الجواهر، و السيد المحقّق الخوئي في الوجوه المذكورة.

أمّا الأوّل، فلاحتمال اعتماد القائلين بالصحّة، بهذه الوجوه و يصبح الإجماع مدركيّا.

أمّا الثاني، فالموجود في السنن الكبرى عن طريق عكرمة الإباضي عن ابن عباس هو مجي‌ء الأعرابي ليلة هلال رمضان أنّه رأى الهلال، فنادى بلالا أن يؤذّن بالصوم غدا، و ليس فيها قوله: «من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك» و إليك‌

54

..........

____________

صورة الحديث:

جاء أعرابي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: إنّي رأيت الهلال- يعني هلال رمضان- قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يا بلال أذّن في الناس أن يصوموا غدا». (1)

نعم، بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك بقية النهار».

و قد أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما. (2)

و أمّا الثالث، فمضافا إلى أنّ الدليل ورد في المسافر دون المريض، أنّ الاستدلال به يتوقف على إحراز المناط القطعي.

نعم ربما يقال بوجود الفارق بين المقيس عليه و المقيس. أمّا الأوّل فانّ الصوم لا يجب على المسافر واقعا، إلّا من زمان وروده ببلده أو محلّ إقامته، فإذا نوى الصيام من هذا الحد، فقد أتى بما وجب عليه واقعا من دون نقص و قد ثبت بالدليل انّ هذا بمنزلة الصوم من طلوع الفجر.

و أمّا الثاني فالواجب عليهما الصوم من طلوع الفجر الثاني، غير انّ الجهل و النسيان صارا عذرا لترك هذا المقدار من الواجب، و معه كيف يجتزئ بهذا الناقص، عن المأمور به الواقعي، حيث إنّ ما كان واجبا عليه لم يأت به، و ما أتى لم يكن مأمورا به. (3)

يلاحظ عليه: أنّ عدم الأمر في المسافر و المريض، قبل الحضور في البلد، أو البرء، ليس من باب فقد المقتضي بل من باب وجود المانع، و لذلك لو أفطرا قبل‌

____________

(1). البيهقي، السنن الكبرى: 4/ 211- 212، و للرواية صور مختلفة تشترك جميعها في مجي‌ء الراوي في الليل.

(2). الخلاف: 2/ 168، المسألة 6 في صوم النافلة الذي سيأتي الكلام حوله في الفرع الرابع.

(3). مستند العروة: 45 بتلخيص.