سند العروة الوثقى - كتاب الحج - ج1

- الشيخ محمد السند المزيد...
391 /
7

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مقدّمة

الحمد للّه الذي جعل بيته مثابة للناس و أمنا، و الصلاة و السلام على سيد رسله و أشرف بريته الذي جعل له أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ و على آله المصطفين الأطهار الذين جعل لهم البيت فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً.

و بعد ... فهذه مجموعة بحوث أمليتها على جمع من الأفاضل على متن كتاب الحج من العروة خلال أيام التعطيل فجاءت بقلمهم بصورة التعليق على المتن و قد اشتمل هذا الجزء على عدّة قواعد هي:

الأولى: في شرطية اذن الأب في اعمال الصبي.

الثانية: عمد الصبي خطأ.

الثالثة: من أدرك احد الموقفين فقد أدرك الحج.

الرابعة: في شرطية أو جزئية الاحرام في الحج.

الخامسة: العدول في الاحرام و وحدة طبيعة الندب و الواجب.

السادسة: تقديم حق الناس على حق اللّه تعالى.

السابعة: تكليف الكفار بالفروع.

الثامنة: عدم صحة عبادات الكافر و المخالف.

التاسعة: الجب الصغير في المخالف.

العاشرة: في تعيين من يملك ما يقابل الدين و الوصية من التركة.

8

الحادية عشرة: اقرار أحد الشركاء بحق مشاع أو معين.

و من المؤمّل ان ينتفع بها أهل التحقيق و الغور الفقهي، و منه تعالى نرجوا التوفيق لا تمام ما بقي.

11 ذي القعدة الحرام المصادف لميلاد أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ 1419 ه‍ ق‌

9

[فصل من أركان الدين الحجّ]

الفصل الأوّل من أركان الدين الحجّ (1).

و هو واجب على كلّ من استجمع الشرائط الآتية من الرجال و النساء و الخناثي بالكتاب و السنّة و الإجماع من جميع المسلمين. بل بالضرورة، و منكره في سلك الكافرين (2) و تاركه عمدا مستخفّا به بمنزلتهم (3).

____________

(1) الحجّ بني عليه الإسلام، و يدلّ عليه جملة من الأخبار، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية (1)، و بهذا المضمون أخبار كثيرة.

(2) كما هو المعروف بلا خلاف بينهم إلّا في كلمات غير واحد من متأخّري هذا العصر حيث أنّهم التفتوا إلى أنّ المسألة مبنيّة على منكر الضروري و حيث- أنّهم ذهبوا إلى أنّ منكر الضروري ليس بنفسه موجبا للكفر إلّا بالاستلزام- علّقوا الكفر في المسألة على العلم بالاستلزام، و حيث أنّ الصحيح الذي حرّرناه في تلك المسألة في بحث الطهارة هو ما ذهب إليه المشهور من كون منكر الضروري بنفسه موجبا للكفر عند التقصير، بل قد ذكرنا هناك أنّ الضروري الذي عدّ من الأركان في الأدلّة يقتضي إنكاره الكفر مطلقا؛ إذ هو مقتضى الركنيّة المعبّر عنها ببناء الإسلام عليه كما في تقوّم ماهيّة شي‌ء بأركانها، المكنّى عنه و المدلول عليه ببناء ماهيّته على تلك الخمسة التي منها الحجّ.

(3) و الظاهر من التنزيل إرادة الكبيرة لا ما قد يوهم احتمال العبارة، نعم ما يتلوه من الفرض الآخر و هو التارك من دون الاستخفاف حيث حكم عليه أنّه من الكبائر يكون قرينة على إرادة الكفر الاصطلاحي حينئذ قرينة على إرادته الكفر الاصطلاحي.

و على أيّة حال فقد يفسّر الاستخفاف تارة بالاستخفاف بالدين و اخرى بالتهاون في الترك عمدا بغير داع إلّا إرادة الترك أو بداع آخر من رغبات و ملاذ مزاحمة، و قد يفسّر‌

____________

(1)- أبواب مقدّمات العبادات، ب 1، ح 2.

10

..........

____________

إنكار أهميّة وجوب الحجّ أو الاعتقاد بأنّه في غير محلّه.

و أمّا الأقوال في المسألة: فالمشهور كما يظهر من الجواهر في أوّل بحث الصلاة و في مسألة فورية الحجّ على أنّ الاستخفاف من الكبائر إذا كان بمعنى التهاون بقسميه بخلاف ما إذا كان بمعنى الأوّل و الحريّ بالبحث هو هذا المعنى دون البقية فإنّها و إن كانت من الاستخفاف إلّا أنّه من الظاهر إيجابها للكفر لانطباق عنوان الهتك أو إنكار الضروري، و يستدلّ للمشهور بمعتبرة الفضل بن شاذان- على الأصحّ- عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «الإيمان هو أداء الأمانة و اجتناب جميع الكبائر و هي قتل النفس ... و الاستخفاف بالحجّ» (1) و مثلها رواية الأعمش (2). و مفادهما ظاهر في أنّه من الكبائر.

و بذلك تحمل الطائفة الثانية من الروايات الواردة في ترك الصلاة مستخفّا أنّه موجب للكفر مع أنّه كفر الطاعة لا الكفر الاصطلاحي مثل موثقة مسعدة بن صدقة أنّه قال:

سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما بال الزاني لا نسمّيه كافرا و تارك الصلاة نسمّيه كافرا، و ما الحجّة في ذلك، فقال (عليه السلام): «لأنّ الزاني و ما أشبهه إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة لأنّها تغلبه و تارك الصلاة لا يتركها إلّا استخفافا بها ... فإذا نفيت اللذة وقع الاستخفاف، و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر» (3).

و صحيحة عبيد بن زرارة (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث الكبائر- قال: «إنّ تارك الصلاة كافر يعني من غير علّة» (5). و غيرها.

____________

(1)- باب 46، جهاد النفس، ح 33.

(2)- باب 46، جهاد النفس، ح 36.

(3)- باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

(4)- باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

(5)- باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

11

..........

____________

مع أنّه لو كنّا نحن و هذه الروايات فقط لأشكل الجزم بحملها على الكفر الاصطلاحي لكون الكفر استعمل كثيرا في الآيات و الروايات بمعنى مطلق الكفر لا الاصطلاحي بحيث لو اريد الاصطلاحي منه خاصّة لاحتيج إلى نصب قرينة خاصّة لا ما قد يشكل عليها من أنّ الالتزام بكفر مطلق تارك الفريضة لا يمكن الالتزام به أو أنّها واردة في خصوص تارك الصلاة، و ذلك لأنّها ليست واردة في مطلق تارك الصلاة أو الفريضة و إنّما في خصوص التارك عن عمد بداعي نفس الترك دون الداعي الشهوي و نحوه كما أنّ التعليل فيها يعمّ مطلق الفرائض و على ذلك تكون دلالتها تامّة على التحريم من الطائفة الثانية الواردة في ترك مطلق الفريضة أيضا.

و أمّا ما في بعضها من التعبير: «برئت منه ملّة الإسلام» (1) فهذا محمول على ما لو كان الاستخفاف راجعا إلى الدين؛ إذ الاستخفاف ذو درجات تشكيكية كما لا يخفى، و محل الكلام في مجرّد التهاون لا الراجع إلى نحو الاستهزاء و الهتك و الردّ و الانكار على اللّه و رسوله، و يشير إلى ذلك حسنة- كالمصحّحة- عن جابر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ما بين الكفر و الايمان إلّا ترك الصلاة» (2) من مقابلته مع الإيمان الظاهر في كونه كفرا مقابل الإيمان لا مقابل الإسلام قرينة على ذلك.

و أمّا الاستدلال على الكفر الاصطلاحي بما ورد من روايات تارك الحجّ من أنّه يموت نصرانيا أو يهوديا (3) فمن الظاهر أنّها بمعنى الحرمة لا الكفر الاصطلاحي و أنّه من الكبائر. و تقريب ذلك أنّ المذكور في الرواية هو حكم الكبيرة حيث إنّ المقيم على الكبيرة يكون بمنزلة الكافر عند موافاة الموت و في عالم الآخرة كما تشير إليه العديد من الروايات‌

____________

(1)- باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 5.

(2)- باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 7.

(3)- باب 7، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

12

و تركه من غير استخفاف من الكبائر (1) و لا يجب في أصل الشرع إلّا مرّة واحدة (2) ... الخ.

____________

الاخرى من أنّه بمنزلتهم في الابتلاء بأصل العذاب، إذ لو كان المراد منها هو كفره في الدنيا لما علّق التنزيل على ما بعد الموت، و يشهد لما ذهب إليه المشهور من أنّه كبيرة لا كفر اصطلاحي ما في رواية داود بن كثير الرقي (1) و كذلك ما في مصحّحة عبيد بن زرارة (2) من جعل هذا الكفر في مقابلة الإيمان لا مقابل الإسلام. و من كل ذلك يندفع ما قد يشكل من أنه مجرد عدّة من الكبار لا يدل على أنه غير موجب للكفر؛ إذ عدّ الشرك الاصطلاحي من الكبار أيضا كما لا يخفى.

(1) لا خلاف في ذلك كما حكاه غير واحد، و يدلّ عليه الروايات الواردة (3) أنّ من تركه فليمت يهوديا أو نصرانيا، حيث انّ ذلك هو حكم الكبائر دون الصغائر فإنّها معفوّ عنها. هذا فيما لو تركه من الأصل أمّا لو كان التأخير بمعنى تأخير الفورية فسيأتي الكلام في مسألة 1.

(2) كما هو المشهور، بل ادّعى عليه الإجماع عدا الصدوق حيث قال في العلل الذي اعتمده و أفتى به أنّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة (4). و يدلّ على صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما كلّف اللّه العباد إلّا ما يطيقون إنّما كلّفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات- إلى أن قال:- و كلّفهم حجّة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك» (5)، و معتبرة الفضل و مصحّحة ابن سنان (6).

____________

(1)- الكافي ج 2، ص 383، ح 1.

(2)- الكافي ج 2، ص 384، ح 5.

(3)- باب 7، أبواب وجوب الحجّ.

(4)- العلل، ص 405، ح 5.

(5)- باب 3، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

(6)- باب 3، أبواب وجوب الحجّ، ح 2 و 3.

13

..........

____________

و استدلّ الصدوق بروايات الجدة (1) كصحيحة علي بن جعفر، و مصحّحة حذيفة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام»، و حسنة ابن جرير، مصحّحة حذيفة الثانية، و أقرب الاحتمالات في مفادها أنّها من قبيل الجمع في مقابل الجمع أي استغراق أهل الجدة في مقابل استغراق الأعوام و السنين لا أنّه من الفرد مقابل مجموع السنين أي ذو الجدّة الشخص الواحد في كلّ عام، فيكون مفادها نظير اغسلوا وجوهكم لا اغسل وجوههم، و لعلّ منشأ بيان ذلك ما ذكره في المستند من أنّ النسى‌ء كان رافعا للحجّ في بعض الأعوام فيوهم أنّه في سنة النسى‌ء لا حجّ فتصبح سنة خالية من الحجّ و يوكل إلى عام آخر، فهذه الروايات لدفع ذلك الوهم إن كان يناقش فيه بأن النسى‌ء رفع من صدر الإسلام فلا يبقى ذلك التوهّم في عصر الأئمة (عليهم السلام) أو يكون مفادها لبيان فورية الحجّ في كلّ عام.

و أنّ هناك وجوب مستجدّ و على أيّة حال فهذا الاستظهار قريب من الظنّ جدّا و ليس بتمحل في دلالة الروايات كبقيّة الوجوه المذكورة و إن كانت بقيّة الوجوه متينة في نفسها مثل أنّ وجوب الحجّ كفائي في كلّ عام لأجل إقامة الشعيرة كما دلّت عليه الروايات المعتبرة (2). و كذا الإقامة في الحرمين الشريفين.

و الذي منه يظهر أنّ الحكم كذلك في زيارة بقيّة المشاهد المشرّفة للمعصومين (عليهم السلام) كما اشير إليه في روايات المزار كذلك.

و يشهد لهذا الاحتمال و أنّه قريب المراد من ظهورها الاستشهاد في تلك الروايات بالآية الكريمة و إنّ إنكار مضمونها موجب للكفر حيث أنّ الظاهر الأوّلي بمقتضى الآية هو صرف الوجوب لكلّ فرد من أفراد الاستغراقية للموضوع فحينئذ يكون مفاد تلك‌

____________

(1)- باب 2، أبواب وجوب الحجّ.

(2)- باب 4، أبواب وجوب الحجّ.

14

[مسألة 1: لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ بعد تحقّق الشرائط فوري]

(مسألة 1): لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ بعد تحقّق الشرائط فوري (1). بمعنى أنّه يجب المبادرة إليه في العامّ الأوّل من الاستطاعة، فلا يجوز تأخيره عنه، و إن تركه فيه ففي العام الثاني، و هكذا، و يدلّ عليه جملة من الأخبار، فلو خالف و أخّر مع وجود الشرائط بلا عذر يكون عاصيا.

____________

الروايات إشارة إلى نفس الآية و هو الجمع المقابل للجمع الذي ذكرناه. و من ذلك يظهر أنّه لو بنى على تعارض هذه الروايات و الروايات الاولى و وصلت النوبة إلى التعارض فيكون ظهور الآية مرجّح للطائفة الاولى أو بنى على التساقط، فمقتضى التمسّك بالظهور الفوقاني و هو الآية هو عين مفاد الروايات الاولى؛ إذ ظهور الآية في رتبة متأخّرة عن ظهور الطائفتين من حيث النصوصية.

(1) و لا خلاف فيه كما في المتن إلّا عند متأخّري هذا العصر في وجه دليل المسألة لا في البناء على الحكم فتوى، و الحكم من حيث الاحتمالات البدوية يحتمل أربعة وجوه:

الأوّل: كونه حكما عقليا ظاهريا من جهة احتمال الفوت كما في الواجبات الموسّعة الاخرى.

الثاني: انّه وجوب شرعي طريقي لمراعاة عدم فوت أصل الفعل، و هذا هو الظاهر من طائفة من الروايات التي قيّدت مبغوضية الترك و العقوبة و ذيلته بإذا انجرّ بترك أصل الحجّ.

الثالث: أن يكون وجوبا نفسيا واقعيا شرعيا، و هو الظاهر من طائفة اخرى من الروايات كما سيأتي.

الرابع: أن يبنى على السعة و لم يفت به أحد، فتكون الفورية مستحبّة عامّة.

أمّا وجه القول الأوّل فقد استدلّ له أنّ ترك الحجّ ليس كترك الصلاة كما استدلّ به السيّد الخوئي (قدّس سرّه) من أنّ الأوّل يمتدّ زمانه فاحتمال الفوت فيه أقوى من الثاني، لكن هذا الوجه مضافا إلى كونه مثبتا للحكم بالمعنى الأوّل ممنوع صغرى.

و أمّا الوجه الثاني فيدلّ عليه تلك الروايات المشار إليها منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك و ليس له شغل يعذره‌

15

..........

____________

فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (1). و صحيحة محمّد بن الفضيل (2) قال: سألت أبا الحسن عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا فقال: «نزلت فيمن سوّف الحجّ حجّة الإسلام و عنده ما يحجّ به، فقال العامّ أحجّ العام أحجّ حتى يموت قبل أن يحجّ». و غيرها من روايات الباب ممّا قيّد النهي كناية عن التسويف و التأخير و الترك بترك أصل الحجّ و بحلول الموت، بقرينة إطلاق الشريعة على هذا الترك بعد عدم كون الفورية من الشرائع الأركان، فالمراد ترك أصل الفعل و وجه دلالة هذه الروايات على المعنى الثاني هو مراعاة و ملاحظة ترك أصل الفعل في حكم الفورية المنفهم منها، فيفهم من ذلك أنّها طريقيّة و إنّما العقوبة تسجلّ على ذي الطريق.

لكن قد اشكل على دلالتها بأنّها إنّما تسجّل العقوبة على ترك الفعل لا ترك الفورية و هي إرشاد إلى حكم العقل أي بمعناه الأوّلي. لكنّه يندفع بأنّه مع سعة الحكم لا وجه للعقوبة و هو مصادفة الترك؛ إذ الجواز العقلي التبعي لسعة المتعلّق معذّر في موارد عدم احتمال الفوت بالدرجة المعتدّ بها، فلا وجه للعقوبة حينئذ إلّا الالزام بالفورية القاطعة لعذر المكلّف، أضف إلى ذلك أنّه لا يدفع انفهام ذمّ التأخير بلحاظ الحيطة من الفوت.

و أمّا ما يدلّ من الروايات على الوجه الثالث مثل صحيحة معاوية بن عمّار (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال اللّه تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: هذه لمن كان عنده مال و صحّة و إن كان سوّفه للتجارة فلا يسعه، و إن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به».

____________

(1)- باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

(2)- نفس المصدر و الباب، ح 8.

(3)- نفس المصدر و الباب، ح 1.

16

بل لا يبعد كونه كبيرا (1) كما صرّح به جماعة و يمكن استفادته من جملة من الأخبار.

____________

و وجه الدلالة فيها هو نفي السعة في التسويف كشقّ مغاير إلى الشقّ الثاني الذي فيه ترك أصل الفعل و الذي فيه العقوبة مشدّدة. و كذا صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أ رأيت الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحجّ كلّ عام و ليس يشغله عنه إلّا التجارة أو الدين، فقال: «لا عذر له يسوّف الحجّ إن مات و قد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».

و رواه الحلبي في الصحيح (1)، و وجه الدلالة فيهما هو ما تقدّم.

و قد يشكل بأنّ المتعيّن حمل روايات الوجه الثالث على روايات الوجه الثاني فيكون المحصّل أنّ الحكم طريقي لا نفسي.

و فيه أنّ دلالة الطائفة الثانية أقوى من ظهور الاولى في الطريقية لمكان المقابلة و التشقيق الصريح في البينونة؛ إذ التفصيل قاطع للشركة، بينما دلالة الطائفة الاولى هو على دخل الفورية في تنجيز ترك الفعل، و هو كما ينسجم مع الطريقية ينسجم مع النفسية و يلائمها و لا ينافيها، بل قد يكون أوكد، غاية الأمر حيث انّ الطائفة الاولى غيّيت من دون تفصيل بترك أصل الفعل كان ذلك معينا للظهور في كون الحكم طريقيا. و تحصّل أنّ الفورية واجب نفسي شرعي.

(1) و نسب ذلك إلى غير واحد كما في الجواهر، و استدلّ عليه:

أوّلا: بالآية الكريمة وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ بتقريب أنّ إطلاق الكفر على الترك دالّ على كبر المخالفة فتكون كبيرة، و لكن يرد عليه أنّ ظاهر الآية و كذا الروايات المفسّرة لها هو في ترك أصل الفعل لا الفورية، مضافا إلى أنّ الكفر بمعنى الخروج عن الطاعة و هو أعمّ من الكبيرة بناء على أنّها خصوص ما توعّد عليها.

الثاني: معتبرة الفضل بن شاذان على الأصحّ: عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) حيث عدّ فيها الكبائر و قال (عليه السلام): «و الاستخفاف بالحج»، بتقريب أنّ الاستخفاف كما يحصل‌

____________

(1)- نفس المصدر و الباب، ح 4.

17

..........

____________

بالإبزار الإنشائي يحصل أيضا بالعمل و هو تركه من غير عذر كما ذهب إليه في المستمسك و المستند، لكن يرد عليه أنّه و إن بنينا على اعتبار السند كما هو الصحيح إلّا أنّ الدلالة أخصّ من المدّعى، و ذلك لأنّ الاستخفاف من العناوين التشكيكية فقد يحصل بالتحقير و الاهانة الشديدة و المتوسطة، و قد يحصل بعدم الاعتناء أو عدم المبالاة أو قلّة الاهتمام، و لقد ذكرنا مرارا أنّ (1) العناوين التشكيكية ذات المصاديق غير المتواطية إذا كانت متعلّقة بحكم إلزامي، سواء الحرمة أو الوجوب كما في طاعة الوالدين و غيرها من العناوين و الأمثلة في الفقه، لا تكون حينئذ بكلّ مراتبها متعلّقة بالحكم، بل يكون متعلّق الحكم هو القدر المتيقّن من تلك المصاديق أبرزها، و وجه ذلك أنّه لو بني على الاستغراق للزم الالزام بذلك الحكم حتى في المصاديق الضعيفة جدّا على نسق تعلّق الحكم بمصاديق ضعيفة و شديدة على نسق واحد، و هم لا يلتزمون به لفرض تشكيكية الطبيعة المستلزم لتشكيكية الملاك الدالّ على أنّه إلزامي في الشديد و طلبي غير إلزامي فيما عداه، إلّا أن تقوم قرينة على غير ذلك كما في و فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ فمن ثمّ حينئذ لا يمكن البناء على أنّ الاستخفاف بالحجّ بكل مراتبه أنّه من الكبائر، بل لا حرمة في المراتب النازلة الخفيفة و إن كانت مكروهة مبغوضة، و يشهد لذلك في خصوص المقام أنّه قد ورد في الصلاة أنّ من أخّرها عن أوّل الوقت فقد استخفّ بها، أو أنّ من لم يتوضأ قبل الوقت لها فقد استخفّ بها، مع أنّه من المقطوع أنّ ذلك ليس من الاستخفاف المحرّم بل انّ الاستخفاف صادق على من يؤدّي الحجّ من دون اهتمام بنحو الأداء كأن يقصر على الواجبات مع عدم الشاغل عن المستحبّات و مع قلّة شوق و كثرة اهتمام بالتجارة مثلا و ما شابه ذلك فإنّه استخفاف بالحجّ و لا يلتزم بأنّه محرّم فضلا عن كونه من الكبائر، و كثيرا ما يحصل الترك بمعنى التأخير لأغراض معاشية و إن لم يكن عذرا شرعيا فليس هو من باب‌

____________

(1)- راجع سند العروة- صلاة المسافر.

18

[مسألة 2: لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر و تهيئة أسبابه]

(مسألة 2): لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر و تهيئة أسبابه وجب (1) المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة (2).

____________

الاهانة و التحقير بل هو قلّة اعتناء.

و من ثمّ كان المحصّل حينئذ من هذه الرواية هو كون الترك كبيرة إذا كان استخفافا بالابراز الإنشائي و نحوه لا مطلقا.

(1) وجب وجوبا مقدميا عقليا أو شرعيا على القول به امّا من باب المفوتة أو الواجب المعلّق أو الواجب المشروط بشرط متأخّر، و الأظهر هو الثالث في المقام و إن كان الوجهان الأوّلان ممكنين ثبوتا، و ذلك لما يطفح من مفاد الأدلّة من فعلية الوجوب بمجرّد الاستطاعة المالية و إن لم يحن الوقت الذي هو قيد للحكم أيضا، بل سيأتي في أنّ الوقت قيد عقلي في الحكم لا شرعي.

(2) على ما هو المعروف في العبائر من كون الاستطاعة المالية بحسبها، و ذهب السيّد الخوئي (قدّس سرّه)- كما سيأتي- أنّ الاستطاعة المالية لا تفيد الوجوب في تلك السنة بل يمكن أن تشمل السنة اللاحقة، أي بمعنى أنّ الاستطاعة المالية في السنة الاولى مع تخلية السرب في السنة الثانية محقّق لموضوع الوجوب، و ذهب السيّد الشاهرودي ((قدّس سرّه)) في التقريرات إلى أنّ الاستطاعة المالية يحتمل أن تكون محقّقة للموضوع حتى و إن كان تخلية السرب في السنة الخامسة، و هذه المسألة محل ابتلاء في هذه الأعصار في البلاد التي يكثر تعدادها السكاني، حيث انّ الذهاب للحجّ يكون بتسجيل النوبة ضمن نظام خاصّ و اقباض للمال للحصول على تلك النوبة بعد سنين، و قد أفتى السيّد الگلپايگاني (قدّس سرّه) بالوجوب و لو إلى خمسة عشر سنة. و إن كانت فتواه تحتمل وجها آخر و هو عدم تعطيل الحجّ في قطر من الأقطار بالنسبة لأهله.

و الحاصل أنّ البحث يجب أن ينعقد حول تقيّد الاستطاعة المالية بالمقارنة الزمنية لبقية أجزاء الموضوع، و سيأتي البحث مفصّلا حول ذلك و انّ الأقوى عدمه.

19

و لو تعدّدت الرفقة و تمكّن من المسير مع كلّ منهم اختار (1) أوثقهم سلامة و إدراكا.

و لو وجدت واحدة و لم يعلم حصول اخرى أو لم يعلم التمكّن من المسير و الادراك للحجّ بالتأخير فهل يجب الخروج مع الاولى أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرّد احتمال الادراك أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟ أقوال، أقواها الأخير (2).

و على أي تقدير إذا لم يخرج مع الاولى و اتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير استقرّ عليه الحجّ (3) و إن لم يكن آثما بالتأخير؛ لأنّه كان متمكّنا من الخروج مع الاولى إلّا إذا تبيّن عدم ادراكه لو سار معهم أيضا.

____________

(1) هذا الوجوب عقلي لا شرعي لأنّه من باب المقدّمة العلمية لا الوجودية و هو وجوب إحراز الامتثال، و الظاهر كما ذكره غير واحد من الأعلام عدم إلزام العقل بالأوثق إحرازا للامتثال بل يكتفي بما يوثّق و يطمئن بحصول الامتثال به.

(2) و هو الصحيح كما يعلم وجهه من التعليقة السابقة حيث أنّه من باب لزوم إحراز الامتثال العقلي فلا يكتفى باحتمال الامتثال.

(3) هذا مبنى على كون موضوع حكم استقرار الحجّ مطلق الترك مع التمكين لا الترك الاهمالي مع التمكّن. و بعبارة اخرى انّ لدينا في المقام حدوث حكم وجوب الحجّ و هو يكون بمجرّد الاستطاعة و هذا الوجوب قد يكون عزيمة و قد يكون رخصة مع وجوبه كما في موارد الحرج و المشقّة الشديدة التي ذكروها، و ستأتي لاحقا. و لدينا حكم بقاء الحجّ و استقراره في الذمّة و موضوعه بالإضافة إلى موضوع الحدوث، ينضاف إليه جزء آخر و هو الترك، و قد اختلف في كونه الترك المطلق حتى في موارد الرخصة الشرعية و العقلية أو في ما عدا الرخصة الشرعية أو في خصوص الترك الاهمالي؟

و تحرير الكلام فيه بجملة مختصرة- و التفصيل سيأتي لاحقا- أنّه قد استدلّ على بقاء وجوب الحجّ- أي الحكم الثاني- أوّلا: بأدلّة التسويف المتقدّمة و تقريبها ليس‌

20

..........

____________

بلحاظ ما بعد الموت؛ لأنّها بلحاظ ذلك المقطع غاية ما تدلّ عليه إنّما هو تسجيل العقوبة لا بقاء الحجّ في الذمّة ليقضى عنه، بل وجه دلالتها هو أنّها منطبقة على من سوّف مرّة واحدة ثمّ انتفت عنه الاستطاعة في السنة الثانية ثمّ أراد في العام الثاني أن يدرأ عن نفسه العقوبة قبل حلول الموت عليه في العام الثالث أو ما يأتي من عمره فإنّه بإتيانه للحجّ في العام الثاني أو ما بعده تسقط عنه العقوبة لانتفاء موضوعها المأخوذ في الدليل و هو الترك إلى الموت أي أنّ موضوع العقوبة في أدلّة التسويف جزءان: الاستطاعة و التسويف بترك الحجّ فعند ما يحجّ ينتفي الجزء الثاني و يتحصّل من ذلك أنّ دلالة روايات التسويف على العقوبة بتوسط الجزءين المزبورين تكون دالّة أيضا على استقرار الحجّ في الذمّة و لزوم الإتيان، فرارا من العقوبة الشديدة بعد الموت بتحقّق الجزء الثاني و على ذلك تكون دالّة على أنّ موضوع استقرار الحجّ هو الترك الاهمالي لا موارد الرخصة الشرعية و الرخصة العقلية؛ لأنّها مختصّة بالتسويف العصياني، أي المقترن بترك الفورية اللازمة. ثمّ انّه لا يشكل على دلالتها بأنّ هذا المدلول الالتزامي لتسجيل العقوبة في الروايات مدلول التزامي لبعض الأفراد فلا يكون حجّة.

و ذلك لأنّ الفرض الذي ذكرناه ليس هو أحد أفراد العموم بل هو أحد حالات الأفراد اللازمة لكلّها و إن لم تكن كلّ حالات الأفراد، و بعبارة اخرى: انّ كلّ فرد من الغالب اللازم تطرأ عليه تلك الحالة ثمّ تطرأ عليه حالة الموت فتلك الحالة إذن لازمة لكلّ الأفراد لا لبعضها دون بعض عدا ما لو فرضنا فرضا ما و هو الذي سوّف و مات في العام الثاني و هو لا ينفي الغالب الذي يتمّ به حجّية الدلالة الالتزامية.

و المحصّل أنّ أدلّة التسويف بلسان تسجيل العقوبة باعثة و محرّكة لافراغ الذمّة و لو بعد عام الاستطاعة في من ترك مهملا.

و ثانيا: قد استدلّ على بقاء وجوب الحجّ ثانيا بروايات وجوب إخراج حجّة‌

21

..........

____________

الإسلام من أصل تركة الميّت الصرورة بتقريب:

انّ الحجّ لو لم يكن مستقرّا قبل الموت على الميّت الصرورة لما كان دينا يخرج من أصل المال و لا يشكل على ذلك بأنّ الإخراج من أصل المال.

لعلّه من قبيل إخراج ثمن التجهيز مع عدم كونه لازما قبل الموت.

و ذلك لورود التعبير بالدين في الروايات الدالّة على أنّه مستقرّ في الذمّة قبل ذلك، أي أنّ التعبير بالدين هو بنفسه دالّ على الاستقرار بغضّ النظر عن الإخراج من نفس التركة كما أنّه سيأتي في محلّه أنّ الصرورة الذي تحقّقت استطاعته بعد الموسم مثلا و مات قبل الموسم الآخر لا تشمله تلك الروايات.

و حينئذ يقع البحث في تلك الروايات مضافا إلى كيفيّة دلالتها تفصيلا عن المحمول و الحكم، و عن تحديد الموضوع فيها. و تلك الروايات:

منها: صحيحة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مات فأوصى أن يحجّ عنه؟ قال: «إن كان صرورة فمن جميع المال، و إن كان تطوّعا فمن ثلثه» (1).

و تقريب دلالتها: أمّا من جهة المحمول فبما تقدّم من أنّ الإخراج من أصل التركة دالّ على ذلك إجمالا فلاحظ، و أمّا من جهة الموضوع فقد يقال بالإطلاق، لإطلاق طبيعة الموضوع حيث انّ الصرورة يصطلح عليه في الشرع و الرواية ب‍ (من لم يحجّ)، سواء كان مستطيعا أو لا، ترك بالاهمال أو لا- غاية الأمر لا بدّ من تقييده بمن كان مستطيعا لأنّه الذي يستقرّ عليه الحجّ و هو قضية الاخراج من أصل التركة- أي بلحاظ شغل الذمّة ما قبل الموت بالواجب المالي- لا أنّها في مقام تأسيس الايجاب بالموت- كما هو الحال في التجهيز، فإنّ ذلك يحتاج إلى مئونة، هذا و لكن التمسّك بالإطلاق في الموضوع قد يتأمّل فيه لعدم كونها في صدد الاطلاق من حيث حالات الموضوع، بل هي في أصل المقابلة.

____________

(1)- باب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

22

..........

____________

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «يقضي عن الرجل حجّة الإسلام من جميع ماله» (1).

و التقريب فيها كتقريب ما تقدّم، بل إطلاق الموضوع فيها أخفى حيث لم يرد فيه تعبير (الصرورة). نعم كلمة (يقضي) فيها دالّة على استقرار السابق و قضاء ما هو فائت لا مطلق الصرورة و إن لم يستطع.

و منها: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل توفّى و أوصى أنّ يحجّ عنه قال: «إن كان صرورة فمن جميع المال؛ إنّه بمنزلة الدين الواجب، و إن كان قد حجّ فمن ثلثه، و من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام و لم يترك إلّا قدر نفقة الحمولة و له ورثة فهم أحقّ بما ترك فإن شاءوا أكلوا و إن شاءوا حجّوا عنه» (2).

فالاستشهاد بصدر الرواية. أمّا الذيل فلا يعارض ما سبق لأنّه في فرض غير المستطيع مالا لأنّ ليس له إلّا النفقة الحمولة لا أزيد.

و أمّا الصدر فتقريب إطلاق الموضوع فيها أنّه الصرورة كما تقدّم استعماله و وضعه لمطلق من لم يحجّ غاية الأمر لا بدّ من بيان أنّ الرواية في صدد إطلاق الموضوع، مضافا إلى الإطلاق الطبيعي و القرينة على ذلك أي الإطلاق اللحاظي الآلي.

قد يقال: إنّ التعبير بإيصاء الميّت قبل موته دالّ على أنّ الحجّ قد استقرّ في ذمّته بتفويته و إهماله فوصايته به خوفا من العقوبة و تفريغا للذمّة كالعادة في موارد الوصية أنّها في الامور التي تترك و تفوّت و حينئذ يكون التقسيم الذي في الجواب إنّما هو في ذلك المورد (أي الذي فوّت فيه الحجّ).

و فيه: منع الانصراف إلى تلك الموارد فاعتبر الحال في الديون المالية فإنّها كثيرا ما يوصى بها للترك العذري الشرعي و العقلي و مع ذلك يوصى بها لبراءة الذمّة، و كذلك في الصلوات الفائتة بعذر في الأداء و القضاء، بل لقائل أن يقول إنّ البعض يوصي‌

____________

(1)- نفس الباب، ح 3.

(2)- نفس الباب، ح 4.

23

..........

____________

بالحجّ و إن لم يخلّى له السرب في حياته أو لم يكن صحيحا في بدنه و لم يحجّ عن نفسه أو كانت الاستطاعة المالية في اخريات حياته رغبة منه في أداء تلك الفريضة، كلّ ذلك لأجل الخوف من اشتغال الذمّة في الآخرة، مضافا إلى ما أيّدنا به الإطلاق من معتبرتي ضريس و بريد الآتيتين.

بل انّ في ذيل صحيحة معاوية (1) بن عمّار كفرض ثالث في المقسم- و هو الميّت الموصي- و هو من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام و لم يترك إلّا قدر نفقة الحمولة انّه لا يحجّ عنه المحمول على من لم يستقرّ عليه الحجّ في كلمات الأصحاب بقرينة مقتضى القاعدة ممّا يدلّ على أنّ الوصية أعمّ من التفويت.

و انّ جوابه (عليه السلام) في صدد الإطلاق من ناحية الموضوع- هو إيقاعه المقابلة بين الصرورة و بين من حجّ من دون أن يقيّد الصرورة بكون الترك إهماليا أو الأعمّ منه، فحينئذ تدلّ على أنّ استقرار الحجّ بتوفّر الاستطاعة و الترك بمطلقه.

و كذلك التقريب في دلالة رواية حارث بياع الأنماط (الرواية الخامسة في الباب)، و كذا تقريب الدلالة في الرواية السادسة و التي هي نفس الواقعة في الرواية الرابعة إلّا أنّها رواية اخرى لها. ثمّ انّه قد يشكل على دلالة هذه الروايات على حكم الاستقرار باحتمال أنّها في صدد بيان حكم آخر و هو ايجاب الحجّ النيابي عن الصرورة الميّت ذي المال و إن لم يكن مستقرّا عليه الحجّ من قبل و انّه يخرج من أصل المال كوجوب الدفن و التكفين فيما إذا استلزم مالا مع أنّه لم يكن وجوب التكفين دينا على الميّت من قبل إلّا أنّه يخرج من أصل التركة، و قد تعرّضنا لهذا الاحتمال من قبل مع الاجابة عنه، إلّا أنّه قد يستشهد له بمعتبرة ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) في رجل خرج حاجّا حجّة الإسلام فمات في الطريق، فقال: «إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام، و إن مات دون الحرم فليقضي عنه وليّه حجّة الإسلام».

____________

(1)- باب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

(2)- باب 26، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

24

..........

____________

و أيضا صحيحة بريد العجلي (1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجّا و معه جمل له و نفقة و زاد فمات في الطريق، قال: «إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام، و إن كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجّة الإسلام، فإن فضل عن ذلك شي‌ء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين».

و تقريب دلالة هذه الروايات على هذا الاحتمال أنّ الرواية في مورد الصرورة الذي انتفت قدرته البدنية على الحجّ قبل الاعمال فلا يكون ممّن استقرّ عليه الحجّ فتكون الروايتان دالّتين على الحكم الآخر المزبور.

و يدفع هذا التوهّم بأنّ الروايتين من هذه الجهة و إن لم يتعرّض الأصحاب لها في كلماتهم، بل تعرّضوا الجهات اخر فيها، إلّا أنّ الصحيح في مفادهما هو دلالتهما على أنّ الصحّة البدنية و القدرة على تمام الاعمال ليست قيدا شرعيا في وجوب أصل الحجّ الأعمّ من النيابة و المباشرة و إنّما هي قيد شرعي في الحجّ المباشري، أي أنّه يكفي في وجوب الحجّ و الإحجاج نيابة عن المستطيع قدرته المالية كما هو الحال نصّا و فتوى في الذي أقعد أو شاخ و هرم أو مرض مرضا يئس من البرء بعده، فالمسألتان من وادي واحد. أضف إلى ذلك استبعاد أن تكون الروايتان في صدد جعل وجوب آخر لا يتكفّله عموم التشريع في الآية، و على هذا فلا يتوهّم دلالة الروايتين المزبورتين على كون الاستطاعة المأخوذة في الوجوب بكلّ أجزائها (المالية و البدنية و السربية) هو صرف الحدوث لا البقاء إلى آخر الأعمال، بل غاية الدلالة هو تقييد بعض الأجزاء و هو السربية و البدنية في فرض خاصّ و هو عدم اعتبار حصولها في إيجاب الحجّ النيابي عن المكلّف. فيتحصّل من روايات الإحجاج عن الميّت أنّ حكم استقرار الحجّ موضوعه مطلق المستطيع حتى التارك برخصة عقلية أو شرعية، إلّا أن يقوم دليل على تخصيص موضوع حكم الاستقرار كما لا‌

____________

(1)- نفس الباب، ح 2. و مثلها صحيحة زرارة في الباب المزبور.

25

..........

____________

يبعد، و سيأتي في بعض الرخص الشرعية.

بل يستفاد من الروايتين الأخيرتين و إن كانتا في الحجّ النيابي التأييد بكون موضوع الاستقرار مطلق الترك و إن لم يكن إهمالا، و وجه التأييد للاستشهاد المزبور أنّ الروايتين على ما فسّرناهما ليس من استقرّ عليه الحجّ و إنّما هما في صدد الوجوب النيابي أداء كالمقعد و المريض الذي يئس من البرء، و إن احتملتا أنّهما في الاستقرار، و يستدلّ عليه بلفظ من استطاع في الآية الشريفة (1) ببيان أنّ موضوع الحكم تارة يؤخذ كصفة مشبهة لفعل قابل للبقاء فحينئذ ظاهر الدليل أنّ الموضوع من القسم الثالث (المادامي) (2)، و أمّا إذا كان بنحو الفعل أو الصفة المشبهة المأخوذة من الفعل الدفعي لا البقائي فظاهره أنّ الموضوع بحدوثه موجد لحدوث الحكم و بقائه، فكلمة من استطاع في الآية دالّة على بقاء وجوب الحجّ و حدوث الاستطاعة لأنّ (استطاع)

____________

(1)- (وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).

(2)- دخل الموضوع في حدوث و بقاء الحكم على أنحاء خمسة:

الأوّل: حدوث الموضوع دخيل في حدوث الحكم و بقائه مثل صيغة النذر أو القتل.

الثاني: حدوث الموضوع و بقاؤه دخيل في كلّ من حدوث الحكم و بقائه كاستطاعة الحجّ.

الثالث: حدوث الموضوع دخيل في حدوث الحكم و بقائه في بقائه و يسمّى ما دامي كالخمر.

الرابع: الحدوث و البقاء دخيل في الحدوث دون بقاء الحكم.

الخامس: الحدوث و جزء من البقاء دخيل في الحدوث و البقاء الطويل كما قد يدّعى في الحجّ حدوث و بقاء الموضوع في العام الأوّل دخيل في حدوثه و بقائه لكلّ الأعوام. ثمّ لتنبّه أنّه كما ذكرنا ذلك التقسيم بلحاظ موضوعات الأحكام يجري ذلك التقسيم أيضا بلحاظ الأجزاء المتعدّدة للموضوع الواحد فانتبه، فدخل الاجزاء للموضوع الواحد في الحكم ليست على وتيرة واحدة غالبا. ثمّ إنّه ليتنبّه أيضا أنّه قد تختلف دخالة أجزاء الموضوع الواحد في نمط متعلّق الحكم الواحد بأن يكون الاجزاء قيدا في مطلق نمط الوجوب كالاستطاعة المالية في الحجّ، و بعضها الآخر في خصوص نمط معيّن من الحكم كالصحّة البدنية فإنّها قيد في الوجوب المباشري في الحجّ لا الأعمّ منه و من النيابي كما هو الحال في المقعد و نحوه.

26

..........

____________

فعل حدثي لم يؤخذ كصفة مشبهة أي المستطيع، بل الآية أخذت جانب الحدوث غاية الأمر أنّ الجانب الحدوثي من الاستطاعة لا مانع من الالتزام بكونه مقيّد بقدر من الامتداد الزمني حتى آخر الاعمال بنحو مسمّى الوجود لطبيعي فعل الحجّ الصادق على العامّ الأوّل، أو غيره كما لو كانت الاستطاعة المالية سابقة على القدرة على الوصول إلى المشاعر بعامين كما في بعض البلدان النائية في الزمن الأوّل أو في البلدان ذات التعداد السكاني الكثير حيث انّ الذهاب فيها بالنوبة و ذلك فيما لو دلّ الدليل كما سيأتي فيكون المحصّل من الآية أنّ وجوب الحجّ بقاء موضوعه عين وجوب الحجّ حدوثا، لا أنّه هناك موضوعان لحكمين أحدهما وجوب الحجّ حدوثا بالاستطاعة و الآخر استقرار الحجّ في الذمّة بالاستطاعة مع الترك كي يبحث حينئذ انّ الترك المأخوذ هل هو الاهمالي أو الأعمّ فيتحصّل حينئذ أنّ وجوب الحجّ بقاء هو بمطلق الترك بدلالة الآية بل في الحقيقة بالاستطاعة مجرّدة من دون امتثال كأي تكليف آخر. و يعضد ذلك أنّ الحجّ لم يوقّت في الأداء بوقت غير قابل للتكرّر لكي يكون قضاء غاية الأمر أخذت فيه الفورية كما دلّلنا عليها. فحينئذ رفع اليد عن استقرار الحجّ بقاء محتاج إلى دلالة خاصّة كما لو كانت الرخصة في الترك شرعية و استفيدت ملازمتها لعدم استقراره.

ثمّ انّه قد يقال: إنّ موضوع استقرار الحجّ و إن كان هو الترك المطلق و لو عن عذر أو أنّه عين الوجوب حدوثا أي يكفي فيه تحقّق الموضوع حدوثا في العام الأوّل مع عدم امتثاله مطلقا إلّا أنّه يبقى إشكال عدم تحقّق أصل الاستطاعة حدوثا فضلا عن الاستقرار و البقاء فلا يصحّ حينئذ ما ذهب إليه الماتن و تقرير الإشكال ببيان أنّ العلم بالموضوع و العلم بالحكم و العلم بالمتعلّق المأخوذ و إن كان مقتضى القاعدة فيه إن لم يؤخذ شرعا أن يكون مقدّمة علمية أي لأجل إحراز الامتثال فقط أو لأجل تحقّق التنجيز لأصل الحكم إلّا أنّه في بعض الموارد يكون مندرجا في المقدّمات الوجودية‌

27

..........

____________

للامتثال كما مثّلوا بتعلّم القراءة في الفاتحة و السورة و تعلّم أجزاء و شرائط الصلاة و الصوم و الحجّ حيث إنّه بدون ذلك لا تتحقّق القدرة من رأس على إتيان تلك المتعلّقات. و كذا الحال في ما نحن فيه حيث إنّ الجهل بخصوص القافلة الموصلة إلى الحجّ و عدم العلم بها موجب للعجز و عدم القدرة كمن يكون في برية و لا يهتدي إلى الجهة و الطريق المفضية إلى مكّة حينئذ يكون عاجزا عن الوصول لا سيّما مع الالتفات إلى أنّ في الآية دلالة خاصّة على الاستطاعة السربية حيث عبّرت و قيّدت الاستطاعة بحرف الجر (إلى) الدالّ على الجهة و كذا عنوان (السبيل) فمع انتفاء تلك القدرة لا تحقّق للوجوب حدوثا فضلا عن البقاء.

و فيه: أنّ الجهل المفروض في المقام ليس هو في الطريق المفضي إلى الحجّ و إنّما هو في تخيّل انطباق طبيعي الطريق المفضي على غير المفضي و إلّا فأصل انطباق و تواجد الطبيعي على الطريق الموصل لم ينتف العلم به في فروض المسألة لأنّه وجدانا يعلم بأنّ خصوص ذلك الطريق المفضي في الواقع أنّه أحد الطرق فكيف يفرض العجز؟ هذا فضلا عن ما إذا قلنا إنّ الاستطاعة في الآية هي على اتّخاذ الطريق لا سلوكه بجعل حرف الجرّ متعلّقا ب‍ (سبيلا) فالأمر أوضح حينئذ.

و من ثمّ يظهر أنّ ما ذهب إليه الماتن من استقرار الحجّ تامّ.

28

[فصل في شرائط وجوب حجّة الإسلام]

فصل في شرائط وجوب حجّة الإسلام

[و هي امور:]

و هي امور:

[أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل]

أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل فلا يجب على الصبي (1) و إن كان مراهقا.

____________

(1) الكلام في الصبي يقع تارة بمقتضى القاعدة و تارة في الروايات بحسب المقام، فأمّا حسب مقتضى القاعدة فالأقوال في مشروعية عبادة الصبي المهمّ منها ثلاثة:

الأوّل: ما ينسب إلى المشهور من كون البلوغ شرط التكليف، و عليه يكون عدم إجزاء حجّه عمّا لو بلغ مقتضى القاعدة.

الثاني: و الذي يظهر من الشهيدين و بعض المواضع من صاحب الجواهر و بعض مشايخنا (قدّس سرّه) من أنّ البلوغ قيد التنجيز و القلم المرفوع هو قلم التنجيز و المؤاخذة و عليه يكون الأجزاء على مقتضى القاعدة و عدمه لو دلّت الروايات الخاصّة في الباب على خلاف مقتضى القاعدة.

الثالث: و هو المختار أنّه قيّد الفعلية التامّة فتكون التكاليف في حقّه اقتضائية أي فعلية ناقصة، و على هذا القول يفصل في الاجزاء و إن كان في خصوص المقام يقال بالإجزاء.

أمّا الروايات الخاصّة الواردة في المقام (1) فموثّق إسحاق بن عمّار (2) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت»، و مثله معتبرة شهاب (3)- على الأصحّ-، و هذه الرواية تحتمل في الدلالة بدوا معنيين:

____________

(1)- مستدرك الوسائل، باب 11- 12، أبواب وجوب الحجّ.

(2)- الوسائل، باب 12، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

(3)- باب 12، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.

29

..........

____________

الأوّل: أن يكون السائل قد سأل عن صبي قد حجّ و هو ابن عشر سنين فيجيبه (عليه السلام) بوجوب إعادة الحجّ عليه بعد البلوغ فيكون صريحا في شرطية البلوغ في وجوب الحجّ كقيد اتّصاف.

الثاني: انّ السائل أراد ب‍ (يحجّ) أي يلزم بالحجّ و يكلّف بالحجّ، أي عن وجوب الحجّ، فأجابه (عليه السلام) انّ وجوب الحجّ مقيّد بالبلوغ و على ذلك فيحتمل المفاد أنّ التنجيز و الالزام بالحجّ بعد البلوغ فلا ينفي كون الحجّ مشروعا عند غير البالغ أو أنّ حجّه غير مجز.

إلّا أنّ الصحيح المعنى الأوّل لكونه المتبادر أوّلا مع أصالة عدم التقدير المحتاج إليها في المعنى الثاني، و يشهد أيضا لذلك أنّه (عليه السلام) قد غاير بين عنوان الحجّ الذي فرض فيه ابن عشر سنين ممّا يبين أنّ الحجّ قد فرض وقوعه من ابن عشر سنين من السائل إلّا أنّه (عليه السلام) بيّن أنّ الطبيعي الواقع من الصبي ليس هو متّصف بالعنوان الخاصّ و هو حجّة الإسلام.

و يشهد لذلك بما لا استرابة فيه صدر الرواية الثانية التي قطّعها صاحب الوسائل حيث انّ فيها السؤال عن العبد و أمّ الولد يحجّان أ يجزي حجّهما عن حجّة الإسلام بعد عتقهما، و السؤال عن غير البالغ واقع في سياق ذيل ذلك أي أنّ السؤال من حجّ غير واجد لشرائط الحجّ هل يجزي عن حجّة الإسلام بعد تحقّق الشرائط حينئذ فتدلّ الرواية على أنّ البلوغ شرط كقيد اتّصاف في الملاك.

و باسناد الصدوق عن أبان عن الحكم بن حكيم، و في بعض النسخ ابان بن الحكم و الظاهر وقوع السهو من الناسخ. و استبعاد رواية ابان عن الحكم لعدم روايته عنه في غير هذا المورد ليس بمعتمد. قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الصبي إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يكبر» (1)، و في ذيلها في العبد كذلك و هذه الرواية بمضمونها‌

____________

(1)- باب 13، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

30

و لا على المجنون (1) و إن كان ادواريا إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الاعمال و لو حجّ الصبي لم يجزأ عن حجّة الإسلام و إن قلنا بصحّة عباداته و شرعيّتها كما هو الأقوى و كان واجدا لجميع الشرائط سوى البلوغ ففي خبر مسمع عن الصادق (عليه السلام) لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام. و في خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عن ابن عشر سنين يحجّ قال (عليه السلام): «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم و كذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».

____________

وردت عند العامّة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1).

و هذه الرواية غير معارضة لما تقدّم لأنّها قد غييت الاجزاء بالبلوغ، و يكون مفادها حينئذ انّه يعطى ثواب و ملاك الواجب تفضّلا كما لو مات قبل البلوغ، و على أي تقدير ففي هذه الرواية إشارة لا تخفى على صحّة القول الثاني بل الثالث الذي حرّر في مقتضى القاعدة.

و رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم فعليه حجّة الإسلام» و المسألة بحمد اللّه واضحة بذلك.

(1) أمّا المجنون فإن كان جنونه مطبقا لا يعقل و لا يدرك شيئا من رأس فهذا ليس موردا للرفع و لا للوضع الشرعي كما في الصبي الغير مميّز، أمّا إذا كان جنونه ممزوجا بدرجة من الادراك و هو على درجات كما هو ملاحظ، فالشأن في رافعية حديث القلم بالنسبة إليه شأن الدرجات التشكيكية في موضوع قاعدة الحرج و الدرجات التشكيكية في موضوع قاعدة الضرر، و الأقوال فيه- أي في المورد الذي يكون الرفع رفعا تشريعيا امتنانيا قابلا للوضع- هو الأقوال المارّة آنفا في الصبي المميّز.

فعلى القول الثاني و الثالث في المجنون المطبق من رأس يجب عليه الحجّ بعد الافاقة، أي الذي الرفع فيه عقلي لا شرعي كما هو كذلك في القول الأوّل. و أمّا‌

____________

(1)- المغني لابن قدامة، ج 3، ص 162.

31

[مسألة 1: يستحبّ للصبي المميّز أن يحجّ]

(مسألة 1): يستحبّ للصبي (1) المميّز أن يحجّ و إن لم يكن مجزيا عن حجّة الإسلام، و لكن هل يتوقّف ذلك عن إذن الولي أو لا؟ المشهور بل قيل لا خلاف فيه انّه مشروط بإذنه لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي و للكفّارة و لأنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن. و فيه أنّه ليس تصرّفا ماليا و إن كان ربّما يستتبع المال و أنّ العمومات كافية في صحّته و شرعيّته مطلقا فالأقوى عدم الاشتراط في صحّته و إن وجب الاستئذان فى بعض الصور، و أمّا البالغ فلا يعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيّتهما و أمّا في حجّه الواجب الواجب فلا إشكال.

____________

المجنون المخالط بإدراك على درجات كما قلنا فمقتضى القولين الأخيرين هو الاجزاء لا سيّما و أنّ الرفع امتناني، و لعلّ وجه ورود الروايات الخاصّة في الصبي بلسان مغلظ بأنّه يأتي بحجّ الإسلام و إن أتى بعشر حجج لعلّ وجهه هو لدفع ما قد يستفاد و يستظهر من عدم اقتضاء حديث الرفع رفع المشروعية و الاجزاء لكونه امتنانيا.

و يشير إلى الدرجات التشكيكية في الجنون و أنّ المرفوع في كلّ منها بحسبه، و من ثمّ كان الرافع للفعلية التامّة و المؤاخذة لا لأصل المشروعية تغاير التعابير الواردة في رفع القلم أو عدم كتابة السيّئات و تغاير تلك التعابير عن الموضوع تارة بعنوان الجنون و المجنون و تارة بالسفيه و ثالثة المعتوه و رابعة فاقد العقل.

قاعدة في شرطيّة إذن الأب في أعمال الصبي

(1) و يدلّ عليه نفس عمومات مشروعية الحجّ و استحبابه بناء على القول الثاني و الثالث في حديث رفع القلم عن الصبي من أنّه رفع الفعلية التامّة أو التنجيز و المؤاخذة لا أصل المشروعية، و يرشد إلى ذلك ما تقدّم من الروايات في المسألة‌

32

..........

____________

السابقة من لزوم إعادة حجّه بعد بلوغه الدالّ على ارتكاز مشروعية الحجّ للصبي لدى الرواة، و أيّا ما كان فالروايات المزبورة هي وجه مستقلّ في الدلالة على الاستحباب، كما يمكن الاستدلال على المشروعية بما ورد من روايات عديدة من استحباب احجاج الأولياء للصبيان (1) بضميمة أنّ الاعمال يأتي بها المميّز بنفسه لا بحمل الولي له عليها كما هو الحال في الرضيع و غير المميّز. هذا كلّه في أصل الاستحباب.

أمّا اشتراط إذن الأب في حج الصبي فقد يستدلّ بوجوه:

الأوّل: استلزام الحج للتصرّف المالي، أو أنّه بنفسه تصرّف مالي، و هو ضعيف كما أشار إلى وجه ضعفه في المتن.

الثاني: كون مشروعية الاستحباب هي القدر المتيقّن من الأدلّة، و هو ضعيف أيضا لأنّ الأدلّة كما تقدّمت الإشارة إليها مطلقة بحمد اللّه.

الثالث: أولوية اشتراط الإذن في حج الصبي منه في البالغ و حيث انّ في البالغ يشترط ذلك للنصّ المعتبر الوارد و هو معتبرة هشام (2). و فيه أنّه سيأتي ضعف الاستشهاد بتلك الرواية في البالغ.

الرابع: دعوى أنّ مقتضى ولاية الأب على الصبي في أمواله بل و كافّة اموره من نكاحه و تربيته و تأديبه مقتضاها أنّ حركات الطفل و سفره و ترحاله يكون بيد الأب؛ إذ هو المسئول عن أمن الصبي و مصيره، فجعل مثل تلك السلطة و الولاية العامّة ينافيها كون الصبي مالك الاختيار بنحو مطلق لا سيّما في فعل مثل الحجّ المستلزم للسفر حتى لحاضري المسجد الحرام لا العبادة المحضة كالصوم و الصلاة من حيث هما اللتان لا تستلزمان كون الصبي مطلق الاختيار في ما يكون الأب مولى فيه بخلاف ما إذا كثرت صلاته الندبية و كثر صومه.

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ.

(2)- باب 10، الصوم المحرّم، ح 3.

33

..........

____________

إلّا أنّ المحصل من هذا الوجه ليس هو شرطية إذن الأب على وزان شرطية الشروط في الماهيّات كشرطية الطهارة في الصلاة بل هو من قبيل العناوين الطارئة أو المزاحمة الرافعة للرخصة في الفعل، و على هذا فلو حجّ الصبي من دون إذن أبيه لكان فساد حجّه من جهة المبغوضية المجتمعة مع المحبوبية نظير اجتماع الأمر و النهي، و على هذا نخرج بقاعدة فقهية كلّية و هي اختلاف الحال في غير البالغ عن البالغ من اشتراط إذن الأب في امور الأوّل مطلقا دون الثاني. فلا يوقع البحث في تصرّفات غير البالغ من زاوية العقوق و البرّ فقط كما في البالغ بل يجب الالتفات و التفطّن إلى ولاية الأب عموما عليه في ذلك.

و المحصّل من هذه القاعدة كون الإذن بمقتضى ولايته شرطا طارئا لا على نسق شروط الماهية الوضعية بل على وزان الشرط التكليفي المتولّد من ولاية الأبّ الوضعية و التكليفية على الصبي، و يشهد له ما ذكروه من الفراغ في موجبات الضمان في القصاص من ضمان الآمر للصبي بالركوب على مركب في موضع الخطر حيث قيّدوا الضمان بكونه من دون إذن الأبّ.

الأوّل: وجوب طاعة الأبوين و هو عنوان ثانوي طارئ ملاكه مقدّم على المستحبّات، إلّا أنّ المسلم بين غير المتقدّمين من الفقهاء هو حرمة عقوقهما أي وجوب الطاعة بالدرجة التي يلزم من عدمها العقوق لا مطلق طاعتهما و برّهما فإنّه أمر راجح لكن ليس بلازم، و من ثمّ إذا فرض التزاحم بين برّهما و إطاعتهما بالقدر المستحبّ و بقيّة المستحبّات العبادية التي منها الحجّ بنحو يتعيّن التزاحم أي لم يتمكّن من إرضائهما بها حينئذ ينظر إلى الأهمّ ملاكا فيكون من الأولى مراعاته لا تعيّنه.

فمن ذلك يتحصّل عدم لزوم إذنهما في مشروعية و رجحان الحجّ المستحبّ إلّا إذا استلزم عقوقهما فإنّه حينئذ يحرم العقوق، و أمّا صحّة الحجّ على فرض العصيان‌

34

..........

____________

فلا إشكال فيها لأنّه ليس الفعل الغير المرضي سبب للعقوق كما حرّر في محلّه بشهادة أنّه يمكن إتيان الحجّ المستحبّ مع إغفالهما فلا يحصل عقوق ممّا يدلّ على انفكاكهما و عدم السببية التوليدية بينهما، و المحرم من المقدّمات خصوص المقدّمة السببية التوليدية.

الثاني: ما استدلّ به صاحب الحدائق من معتبرة هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«قال رسول اللّه (ص): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن صاحبه ... إلى أن قال: و من برّ الولد أن لا يصوم تطوّعا و لا يحجّ تطوّعا و لا يصلّي تطوّعا إلّا بإذن أبويه و أمرهما و إلّا كان الضيف جاهلا و كانت المرأة عاصية و كان العبد فاسقا عاصيا و كان الولد عاقّا» (1). و السند و إن كان فيه أحمد بن هلال العبرتائي إلّا أنّا قد ذكرنا مرارا أنّ انحرافه كان في الغيبة الصغرى و أنّ التوقيعين الصادرين هما من الناحية المقدّسة لا من العسكري (عليه السلام) و أنّ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه فما ترويه عنه هو أيام استقامته كما هو الحال في عليّ بن أبي حمزة البطائني، و أمّا الدلالة فهي و إن بنى صاحب الحدائق و غيره من أعلام متأخّري العصر على كون دلالتها على اللزوم تامّة و انّ خدش الثاني فيها بوجوه ثلاثة:

ضعف السند و قطعيّة بطلان المضمون لدلالتها على توقّف الصلاة المستحبة على إذن الأبوين، و توقّف صحّة الصوم و الصلاة المستحبّين على أمرهما لعدم قول قائل بالأوّل و عدم توقّف الصحّة على الأمر و إنّما على الإذن و الرضا لو قيل به.

و الصحيح عدم دلالة الرواية على ذلك بل هي إمّا محمولة على الاستحباب نظرا للتعبير بالبر و هو أمر ندبي عموما، و أمّا العقوق المعتبر في الرواية فهو درجة تنزيلية لا العقوق الحقيقي كما ورد التعبير بالعقوق في ترك الابن لإهداء الثواب لوالديه الميّتين مع أنّه من الواضح أنّه ليس بمرتبة الحرمة؛ إذ قد عرف العقوق في اللغة (بالشقّ) فاستعيرها هنا بمعنى شقّ عصى الطاعة و الإحسان و البرّ أو قطع الصلة فلا‌

____________

(1)- باب 10، من الصوم المحرّم، ح 3.

35

[مسألة 2: يستحبّ للوليّ أن يحرم بالصبي غير المميّز بلا خلاف]

(مسألة 2): يستحبّ (1) للوليّ أن يحرم بالصبي غير المميّز بلا خلاف لجملة من الأخبار بل و كذا الصبية (2) و إن استشكل فيها صاحب المستند.

____________

يصدق حقيقة من دون ذلك، إلّا إذا علم للشارع تعبّد تنزيلي إلحاقي في مصداق معيّن بتلك الماهية و لا يمكن دعواها هاهنا لأنّ التنزيل في الرواية صالح أن يكون بعناية الاستحباب، أو أنّها تحمل على موارد حصول العقوق كما لو كانا يتأذان بذلك و إن كان الوجه الأوّل أظهر لارداف الصلاة و الصيام بذلك مع أنّه من الواضح عدم حصول العقوق حقيقة كما لا يراد تنزيلا في هذه الرواية فالسياق و الارداف للحجّ معهما قرينة على تعيّن الوجه الأوّل.

و أمّا الخدشة في السند فقد عرفت حالها، و أمّا دعوى القطع ببطلان توقّف الصلاة على الأمر فمدفوعة بأنّ دلالة الرواية ليست توقّف مشروعيّة الصلاة المستحبّة على أمرهما و إنّما دلالتها هو ما ذكرناه من كون طاعتهما أو عقوقهما عنوان تكليفي طارئ لا شرط وضعي كما هو الحال في قاعدة ولاية الأب على الصبي المتقدّمة آنفا، و إنّما هو عنوان طارئ كما لو طرأ عنوان العقوق على الصلاة المستحبّة من البالغ.

و أمّا الخدشة الثالثة فضعيفة للغاية؛ إذ المراد من الأمر هاهنا الكناية عن الإذن و الرضا.

(1) كما تدلّ عليه روايات عديدة في أبواب متفرقة (1) سيأتي استعراض نماذج منها و حدود دلالتها في الجهات اللاحقة و لم يحك خلاف في ذلك.

(2) كما هو المحكيّ عن المشهور و أشكله النراقي و استدلّ له بصحيحتين متقدّمتين في المسألة السابقة التي فرض فيها حجّ الصبية و لكنّه مخدوش بأنّ فرض الروايتين هو في الصبية المميّزة لمكان إسناد الحجّ بنحو الإطلاق إليها.

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، و الباب 47 من أبواب الطواف، و الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، و الباب 3 من أبواب الذبح.

36

و كذا المجنون (1) و إن كان لا يخلو عن إشكال لعدم نصّ فيه بالخصوص فيستحقّ الثواب عليه.

____________

و يستدلّ له أيضا بما ورد في بعض الروايات (1) من عنوان (الصبية) الذي هو جمع مكسر للصبي إلّا أنّه يطلق في الاستعمال على موارد الجمع من الجنسين. و كذا عنوان الصغار (2) و لا يبعد ذلك حتى في عنوان (الصبيان) و لا يتوهّم أنّ مرادنا من ذلك إطلاق (الصبيان) على جمع (الصبيات) من دون وجود (صبية ذكور) معهم، بل مرادنا إطلاقه في الاستعمال العرفي على موارد الاجتماع من الجنسين تغليبا لجانب الذكور.

و قد درج الفقهاء في استظهار الأعمّ من الجنسين في موارد الخطاب بضمير الجمع المذكر كما في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ و قوله تعالى: مَنِ اسْتَطٰاعَ ممّا يراد في مثل هذه الموارد جنس المكلّف و يؤتى بلفظ المذكّر من باب التغليب.

(1) نسب ذلك إلى الأصحاب و هو- كما تقدّم في صدر البحث عن الشرط الأوّل- ذو درجات و تلك الدرجات التي يبقى معها شيئا من التمييز و الادراك هي موضع الرفع الشرعي و أنّ الرفع على ثلاثة أقوال و أنّ أقواها الثالث، و هو كون القلم قلم الفعلية و بالتبع المؤاخذة لا رفع قلم التكليف. فالمشروعية ستكون بعموم الأدلّة الأوّلية و أمّا المجنون الذي لا يبقى معه تمييز من رأس فهو محل كلام و الانصاف أنّ ما حكي عن المنتهى من الاستدلال بمساواته للصبي غير المميّز لا سيّما المولود، في محلّه و ليس من القياس الظنّي كما قد قيل.

و الوجه في ذلك ما علم من أدلّة التكليف من أنّه تكتب له الحسنات و إن لم تكتب عليه السيّئات (3) فهو مع غير المميّز سيّان.

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 7.

(2)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

(3)- باب 4، أبواب مقدّمات العبادات، ح 11، و باب 13، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

37

و المراد بالاحرام به جعله محرما (1) لا أنّ يحرم عنه.

____________

و حكى في كشف اللثام عن المبسوط (1): أنّ من أتى الميقات و لم يتمكّن من الإحرام لمرض أو غيره أحرم عنه وليّه و جنّبه ما يتجنّبه المحرم.

هذا و قد عنون الأصحاب في بحث الميقات أنّ من عرض عليه مرض أو اغماء أو فقد عقل يحرم عنه وليّه، كما ذكر ذلك المحقّق في المعتبر تبعا لما رواه الشيخ بسند صحيح إلى جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): في مريض اغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت (أو الموقف) فقال: «يحرم عنه رجل» (2).

و ما رواه الكليني بسند صحيح عن جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام)- في حديث- قال في مريض اغمي عليه حتى أتى الوقت فقال: «يحرم عليه» (3).

و يستفاد من هاتين الروايتين بوضوح أنّ ما أفتى به الشيخ الطوسي عامّ يشمل حتى مثل المجنون.

(1) هكذا ورد التعبير في كثير من كلمات الأصحاب و الروايات. و لتنقيح الحال في فعل الاحرام و نيّته و كذا التلبية و بقيّة أفعال الحجّ لا بدّ من ذكر امور:

الأمر الأوّل: انّ الأفعال العبادية يتصوّر الإتيان بها نيابة على أربعة صور:

الاولى: أن يأت النائب بمجموع العمل عن المنوب عنه كما في الحجّ أو العمرة أو الصلاة النيابية.

الثانية: أن يأت النائب بجزء من العمل عن المنوب عنه لا مجموعه، كما في الطواف نيابة أو السعي أو الرمي أو الذبح كذلك، نيابة عمّن عجز عن الطواف أو‌

____________

(1)- المبسوط، ج 1، ص 313.

(2)- باب 20، أبواب المواقيت، ح 4.

(3)- باب 20، باب المواقيت، ح 1.

38

..........

____________

السعي أو الرمي أو الذبح دون بقيّة الأعمال في الحجّ.

الثالثة: أن يوقع النائب العمل كفاعل و موجد في بدن المنوب عنه فيكون المنوب عنه قابلا للعمل و الفعل و يسند إليه إسناد القابل، كما في غسل الميّت أو تيمّمه و كذا في توضئة المريض أو تيميمه. و كذا في احجاج الصبي و إحرامه و الإطافة به و السعي به كما سيتّضح. و في هذا القسم قد يقال بلزوم نيّة كلّ منهما أو نيّة خصوص المنوب عنه- فيما إذا أمكنه- و إلّا فنيّة النائب. و سيأتي أنّ مقتضى القاعدة في النيابة لزوم نيّة كلّ منهما فيما إذا أمكن ذلك من المنوب عنه، ثمّ إنّ في هذا القسم الأقوى أن ينوي النائب أيضا لأنّه نائب حقيقة للجهة الفاعلية للفعل عن المنوب عنه فلا بدّ من نيّته كما لا بدّ من نيّة المنوب عنه إن أمكن لكونه قابلا أيضا. ثمّ إنّ بحث لزوم واجدية النائب في هذا القسم لشرائط الأداء أو عدم لزومها كما هو الصحيح سيأتي لاحقا.

الرابعة: أن ينوب النائب في الشرط العبادي للعبادة دون نفس العبادة المشروطة و هو و إن لم نجد له مثالا لكنّه ممكن ثبوتا.

و يمكن أن يستفاد من روايتي جميل بن درّاج السابقتين (1): أنّ من تعذّر عليه الاحرام لمرض أنّه يحرم عنه، فإذا أفاق أتى ببقيّة الأعمال. نعم في إجزاء ذلك عن حجّة الإسلام فيما لو كان مستطيعا قبل طروّ المرض كلام أفتى المحقّق بعدم إجزائه في بحث المواقيت و سيأتي الحديث عنه إن شاء اللّه تعالى.

و لكن الصحيح أنّ هذا مثال للقسم الثالث لا الرابع فتدبّر.

الأمر الثاني: انّ الصبي غير البالغ على ثلاث درجات:

____________

(1)- باب 20، أبواب المواقيت، ح 1- 4.

39

..........

____________

الاولى: الصبى المميّز و قد عرّفوا التمييز بادراكه و استشعاره لقبح كشف العورة، و مرادهم كون العقل العملي- فضلا عن النظري- قد صار بالملكة و قريب من الفعلية.

الثانية: غير المميز و لكنّه يحسن التلفّظ و يدرك معاني الكلمات في الجملة، فهذا صار عقله العملي بالقوّة و عقله النظري بالملكة القريب من الفعلية و القوّة المحرّكة له العملية ليست هي العقل العملي بل الغرائز السفلية الاخرى.

و من ثمّ يقع الكلام في مثل هذه الدرجة من الصباوة أنّه هل تتأتّى منه النيّة و التلبية في الحجّ و نيّة غيره من الأفعال العبادية أو لا؟

قد يقال بتأتّيها منه نظرا لأنّه يدرك معناها كما هو الفرض، و التحريك و إن لم يكن بعقله العملي، بل يكون بغرائزه الاخرى، إلّا أنّ ذلك لا ينافي كون حركته العملية الغريزية هي باتّجاه اللّه تعالى فتكون قربيّة. نظير من يأتي من البالغين بصلاة الليل لزيادة الرزق أو من يعبد اللّه لأجل الفوز بالجنة أو الخلاص من النار فإنّ محركية مثل هذه المحرّكات لا تنافي القرب؛ لأنّ القرب على درجات و إن كان قد يفرّق بأن في البالغ القوّة العاقلة العملية هي المحرّكة نحو تلك الدواعي بخلاف الصبي غير المميز إلّا أنّه ليس بفارق حيث انّ التحريك في المآل يسند إلى العلّة الغائية التي هي غاية الغايات و يكون دور قوّة العقل العملي مجرّد الوساطة في العلية، و على أيّة حال فيستفاد من صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا حجّ الرجل بابنه و هو صغير فإنّه يأمره أن يلبي و يفرض الحجّ فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه و يطاف به و يصلّى عنه» الحديث (1).

فإنّه (عليه السلام) قد فرض أمر الأب للابن بأن يلبّي الابن و يفرض الحجّ، و فرض الحجّ نيّته، و إنشاء النيّة فهي من الصغير. و الظاهر من كلامه (عليه السلام) عمومه لغير المميّز بشهادة‌

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

40

..........

____________

استثناء خصوص من لم يحسن التلبية أي التلفّظ بها، فتكون هذه الرواية مفسّرة لروايات الباب و مقيّدة للاطلاقات الواردة بالاحرام عن الصبيان، أي المطلقة للأمر بجعل الصبيان محرمين بايقاع الاحرام فيهم مع النيابة عنهم في النيّة و التلبية.

و لذلك عبّر بلفظه (عنه) حيث أنّه بقرينة تجريده من الثياب و غسله و إلباسه ثوبي الاحرام يكون المراد من (عنه) هاهنا النيابة من القسم الثالث الذي تقدّم في الأقسام الثلاثة في الأمر الأوّل.

فالحاصل: انّ متن صحيحة زرارة يكون مقيّدا لتلك الاطلاقات و مفصّلا مؤلّفا بينها و بين الاطلاقات الاخرى الواردة في الباب الآمرة باحرام الصبيان أنفسهم. و حينئذ يكون هذا التفصيل ليس في خصوص نيّة الاحرام و الاحرام و التلبية، بل في كلّ أفعال الحجّ.

نعم الأحوط مع كلّ ذلك نيّة الولي، بل هو الأقوى فيما يوقعه الولي من الأفعال في الصبي.

الثالثة: الصبي الذي لا يدرك معاني الألفاظ و لا الكلام، أي أنّ عقله النظري بالقوّة فضلا عن العملي، و هذا القسم لا إشكال في أنّ الوليّ يوقع الاحرام فيه و ينوي عنه نيابة و يلبّي عنه كذلك و كذا بقيّة أفعال الحجّ.

الأمر الثالث: انّ الاجزاء و الشرائط المأخوذة في الماهيّة العبادية يتصوّر أخذها على نحوين- كما ذكروا كلّ ذلك في بحث مقدّمة الواجب في مسألة الطهارات الثلاث-.

النحو الأوّل: أن تؤخذ عبادية، و المراد من الأخذ تقيّدا لماهية بها و تقوّمها بها، كما أنّ الشي‌ء المأخوذ جزءا أو شرطا قد يكون في نفسه عباديا و قد يكون توصّليا، كالركوع الذي هو ذاته عبادي و كيفيّة أخذه في الصلاة أيضا عبادية أي يجب أن يؤتى‌

41

..........

____________

به بقصد الصلاة مع أنّه خضوع في نفسه. و القيام الذي هو ذاته غير عبادي لكن كيفيّة أخذه عبادية أي يجب أن يؤتى به بقصد الأمر و إن كان هو في نفسه ليس بعبادة.

النحو الثاني: أن تؤخذ توصّليا أي تقيّدا لماهية به و كيفيّة أخذه فيها، فلا يجب إتيانه بقصد أمر تلك الماهية أعمّ من كونه هو في نفسه عباديا أو توصّليا كالطهارة و الستر في الصلاة حيث انّ الأوّل في نفسه عبادي لكنّه إذا أتى به لعبادة اخرى يكتفى به في عبادة مغايرة لكون أخذه توصّليا.

و أمّا الستر و التستّر فهو في نفسه ليس بعبادي و لا يجب إتيانه بداعي الأمر.

و تظهر فائدة هذا البحث في القسم الثاني من النائب و مثاله احجاج الولي للصبي في الأفعال التي ينوب فيها الولي عن الصبي بالنيابة التي من القسم الثاني كأن يطوف عنه أو يرمي عنه فيما إذا لم يتمكّن، أو يصلّي عنه حيث انّ تلك الأفعال مشروطة بالاحرام، و الاحرام و إن كان في نفسه تعبّديا إلّا أنّ أخذه في الحجّ توصّلي فحينئذ يكفي إحرام الوليّ لحجّ نفسه لوقوع تلك الأفعال النيابية عن الصبي وقوعا مع الشرط و إن لم يوقع الشرط بقصد الأمر النيابي. هذا مع كون الصبي محرما أيضا، و ما ينسب إلى المشهور في المسألة الثالثة من عدم لزوم كون الوليّ محرما إنّما يتمّ في النيابة التي من القسم الثالث لا القسم الثاني، فإطلاق كلامهم- الموهم- محمول على القسم الثالث من النيابة.

الأمر الرابع:

الشرائط و الاجزاء المأخوذة في الماهية العبادية على قسمين: الأوّل: هي شرائط و اجزاء الماهيّة بما هي هي، فتعمّ أصناف المكلّفين.

الثاني: هي شرائط و اجزاء المؤدّي، أو يعبّر عنها بشرائط الأداء، و تستعلم إثباتا في لسان الأدلّة بتوسّط أخذ عنوان صنف خاصّ من المكلّف في موضوع ذلك الشرط،

42

..........

____________

كما إذا ورد في اللسان الرجل يجهر في صلاة الصبح، أو الرجل يلبس ثوبي الاحرام، و المرأة تتستّر في حال الصلاة، بخلاف لسان نمط الأوّل فإنّه أخذ الشرط في الماهية بما هي هي.

و من قبيل لسان الأوّل اشتراط الاحرام في الحجّ و العمرة حيث انّه من شرائط الماهية لا من شرائط المؤدّي، و على ذلك يشترط في الولي عن الصبي إذا أتى بالنيابة عن الصبي من القسم الثاني من أفعال الصبي يشترط أن يكون محرما و من ثمّ حكمنا بلزوم كون الذابح عن البالغ محرما مضافا إلى شرط الإيمان؛ لأنّ الذبح من المباشر عبادة نيابية عن المذبوح عنه. نعم غاية الأمر بمقتضى ما قدّمناه في الأمر الثالث أنّ الاحرام و إن كان عباديا إلّا أنّ أخذه في الحجّ توصّلي فيكتفي الولي باحرام حجّ نفسه في تحقيق شرط الاحرام المأخوذ في الفعل النيابي كالطواف عن الصبي أو يرمي عنه.

و أمّا النيابة من القسم الثالث و هو أن يوقع النائب العمل في المنوب عنه كما في احجاج الصبي فمن الواضح عدم عموم أدلّة شرائط الماهية و لا شرائط الأداء لهذا النائب؛ لأنّ شرائط الماهية و أجزائها المفروض تحقّقها بواجدية الصبي لها، و أمّا شرائط الأداء فلسانها فيما كان المؤدّي فاعلا و قابلا للفعل.

الأمر الخامس: انّه قد استشكل السيّد الشاهرودي (قدّس سرّه) في تقريراته في الصبي الذي لم يثغر حيث انّه ورد في صحيح محمّد بن الفضيل عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): عن الصبي متى يحرم به قال: «إذا أثغر» (1)، و استظهر أنّه في مقام التحديد فيقيّد المطلقات، و تنبّه إلى معارضته بصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج (2) حيث انّ فيه الصبي المولود و هو الذي‌

____________

(1)- باب 14، أبواب أقسام الحجّ، ح 8.

(2)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

43

فليلبسه ثوبي الاحرام و يقول: اللّهمّ إنّي أحرمت هذا الصبي ... و يأمره بالتلبية بمعنى أن يلقّنه إيّاها و إن لم يكن قابلا (1) يلبّي عنه في كلّ ما لا يتمكّن و يطوف به

____________

لم يثغر، ثمّ بعد ذلك ذهب إلى استحكام التعارض و حيث انّ الاثغار مردّد بين من يقرب من ستّة أشهر أو ستّ سنين لكون الثغر هو إنبات القواطع أو سقوط الثنايا، و حيث انّ الاثغار مردّد تكون دائرة المعارضة إلى الصبي ذي الستّ سنين فيحجّ به رجاء.

و فيما أفاده نقاط مواضع للتأمّل:

الأوّل: انّ الصحيح في باب المستحبّات لا يرتكب التخصيص و لا التقييد و لا حمل المطلق على المقيّد و العام على الخاصّ لكون بابها موضوعا على تعدّد المطلوب، بل انّهم يرتكبون ذلك في الدليل الواحد و اللسان الواحد المشتمل على الماهية التركيبية أنّهم يجعلون القيود مع المقيّد من باب تعدّد المطلوب فهذه قرينة عامّة في باب المستحبّات فمن ثمّ لا تقيّد المطلقات بصحيح ابن الفضيل، كما لا معارضة مع صحيح عبد الرحمن بن الحجّاج.

ثانيا: لو بني في المستحبّات كما يبنى في الالزاميات من نحو الجمع بين الأدلّة لكان مقتضى القاعدة عند تعارض الخاصّتين هو الرجوع إلى العموم الفوقاني أي مطلقات المشروعية للصبي.

ثالثا: لو أعرض عن ما سبق أيضا لكان مقتضى القاعدة هو كون التعارض في القدر المتيقّن من صحيح الفضيل و هو من لم يبلغ الستّة أشهر فهو مقدار التعارض لا الأكثر؛ لأنّ الفرض أنّ صحيح الفضيل خاصّ منفصل مجمل فلا يكون حجّة في نفسه إلّا بمقدار القدر المتيقّن.

(1) قد تقدّم في الأمر الثاني أنّ ضابطة قابليّته كونه يحسن الكلام و يلتفت إلى معنى الكلام و إن لم يكن مميّزا كما دلّت على ذلك صحيحة زرارة المتقدّمة و هو مقتضى القاعدة كما بيّنا، لا سيّما في التلبية. نعم في النيّة قد ذكرنا أنّ الأقوى هو نيّة كلّ من‌

44

و يسعى به بين الصفا و المروة و يقف به (1) في عرفات و منى و يأمره بالرمي و إن لم يقدر يرمي عنه، و هكذا يأمره بصلاة الطواف و إن لم يقدر يصلّي عنه و لا بدّ من أن يكون طاهرا متوضّئا و لو بصورة الوضوء و إن لم يمكن فيتوضّأ هو عنه (2) و يحلق رأسه و هكذا جميع الأعمال.

____________

النائب و المنوب عنه حتى في القسم الثالث من النيابة، بل في كلّ أقسام النيابة يجب الجمع بين النيّتين، و وجه ذلك في خصوص الثالث ما تقدّم في الأمر الأوّل و هو أنّ النائب فيه و إن كان فاعلا لا قابلا إلّا أنّ الحيثيّة الفاعلية في الفعل حيث انّها عبادية أيضا فيجب نيّة النائب فيها و من ثمّ يجب على الموضئ للمريض أو التيمّم للمريض النيّة مضافا إلى نيّة المريض و ليس ذلك من باب الاحتياط، بل في غسل الميّت ليس من الجزاف القول بأنّ الغاسل يجب عليه إيقاع النيّة نيابة عن الميّت في كلا الحيثيّتين.

(1) لا بدّ من التنبيه هاهنا على أنّ الوقوف بالصبي في المشعر غير المميّز يجب على الولي النيّة؛ لأنّه نائب عنه من القسم الثالث حيث انّه يوقع الوقوف فيه بخلاف المميّز، غاية الأمر الصبي المميّز إن أحسن الكلام و النيّة فيكون حاله حال المريض الذي يوضئ، و إن كان لم يحسن الكلام و النيّة كالمولود فحاله حال الميّت في النيّة الذي ذكر آنفا، و أهمّية التنبيه على النيّة في هذا الموضع لركنيّة الوقوف.

(2) قد اختلفت كلمات الأصحاب في توضّئة الصبي لأجل الطواف، فمنهم من ذهب إلى جمع الوليّ بين وضوئه و توضئة الصبي، و من ذاهب إلى وضوء الوليّ دون الصبي إن لم يمكن توضّئه بنفسه، و من قائل بلزوم أمر الولي للصبي بأن يتوضّأ إن أمكن و إلّا فيسقط الوضوء كما ذهب إليه السيّد الخوئي (قدّس سرّه)، و من قائل بلزوم توضّؤ الصبي إمّا بنفسه أو بتوضئة الوليّ له، و عبّروا عن ذلك بصورة الوضوء و هو الأقوى كما سيتّضح.

45

[مسألة 3: لا يلزم كون الوليّ محرما في الاحرام بالصبي]

(مسألة 3): لا يلزم كون الوليّ محرما في الاحرام بالصبي بل يجوز له ذلك و إن كان محلّا (1).

____________

و تنقيح الحال في المقام يتّضح من الالمام بالامور الأربعة المتقدّمة في صدر المسألة و ملخّصه: انّ شرائط الماهية أو شرائط الأداء لا تشمل النائب من القسم الثالث؛ لأنّ ظاهرها هو في المؤدّي الذي يكون قابلا مضافا إلى كونه فاعلا لا ما إذا كان فاعلا فقط كما في النيابة من القسم الثالث، فلا وجه لاشتراط الوضوء في الولي إذا طاف بالصبي و لو كان مولودا، و أمّا توضئة الوليّ للصبي الذي لا يحسن الكلام كالمولود، أي النيابة في الوضوء من القسم الثالث فهي و إن كان على خلاف القاعدة إلّا أنّه يستفاد مشروعيّتها في المقام بوجهين:

الأوّل: انّ مقتضى العنوان الوارد في المقام و هو الإحجاج بالصبي أو الحجّ بالصبي هو كون مجموع أفعال الحجّ يشرع فيها النيابة من القسم الثالث.

الثاني: خصوص صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج في حديث عن أبي عبد اللّه أنّه قال: «... إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه و جرّدوه و غسّلوه» (1) حيث انّه من الظاهر في الرواية أنّ تغسيل الصبي غسل الاحرام هو من النيابة من القسم الثالث مع أنّ غسل الاحرام في الحجّ ليس شرطا في صحّة الاحرام و لا يتوهّم الخصوصية في غسل الاحرام دون طهارة الطواف لما ذكرناه في الوجه الأوّل، و من ذلك يظهر الحال في الحلق.

(1) قد اتّضح من الامور الأربعة السابقة أنّ الوليّ إن كان نائبا من القسم الثالث فلا يشترط فيه الاحرام بخلاف ما إذا كان نائبا من القسم الثاني، أى لا يوقع العمل في الصبي و إنّما يأتي به هو نيابة عن الصبي في فرض عجزه.

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

46

[مسألة 4: المشهور على أنّ المراد بالوليّ في الاحرام بالصبي الغير المميّز الولي الشرعي]

(مسألة 4): المشهور على أنّ المراد بالوليّ في الاحرام بالصبي الغير المميّز الولي الشرعي من الأبّ و الجدّ و الوصيّ لأحدهما و الحاكم و أمينه أو وكيل أحد المذكورين لا مثل العمّ و الخال و نحوهما و الأجنبي. نعم ألحقوا بالمذكورين الامّ و إن لم تكن وليّا شرعيا للنصّ الخاصّ فيها قالوا لأنّ الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المذكورين فلا يترتّب أحكام الاحرام إذا كان المتصدّي غيرهم و لكن لا يبعد كون المراد الأعمّ منه و ممّن يتولّى أمر الصبي و يتكفّله و إن لم يكن وليّا شرعيّا (1) لقوله (عليه السلام):

«قدّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر ... الخ» فإنّه يشمل غير الولي الشرعي أيضا.

____________

(1) و هو الصحيح، و قد اختلف في كيفيّة تحرير هذه المسألة ففي بعض العبائر حرّرت بأنّها نحو ولاية على الصبي لكون الإحجاج به تصرّف فيه، فاستظهر من لسان الأدلّة الواردة أنّها جعل للولاية المزبورة و من ثمّ خصّوا لسانها على القدر المتيقّن من الأولياء الشرعيّين، و حرّرت بنحو آخر بأنّ لسان الأدلّة الواردة هو في مشروعية النيابة من القسم الثالث و الثاني من البالغ، سواء كان وليّا شرعيّا أو عرفيا، بالإضافة إلى الصبي، و من ثم استظهر من لسان الأدلّة عموم مشروعية نيابة البالغ عن الصبي بنحوي النيابة.

نعم، ذهب بعض من حرّر المسألة بالنحو الثاني إلى عدم التعميم لكون الأصل في النيابة و العبادة عدم المشروعية و الاقتصار على القدر المتيقّن و الصحيح هو تحرير المسألة على النحو الثاني؛ لأنّه لا نظر في روايات الباب إلى جعل الولاية، و إنّما هي ناظرة إلى تشريع الإحجاج بالصبي بنحوي النيابة، و من الظاهر حينئذ أنّ مثل تلك المشروعية لا خصوصية فيها للوليّ الشرعي لأنّها ليست غايتها التأديب و التمرين كي يكون الخطاب مختصّا به، بل مفادها رجحان العمل لكلّ من البالغ و الصبي كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعته يقول: «مرّ رسول اللّه (ص) برويثة و هو حاج فقامت إليه امرأة و معها صبي لها فقالت: يا رسول اللّه، أ يحجّ عن مثل هذا؟ قال: نعم‌

47

و أمّا في المميّز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرتا في صحّة إحرامه الإذن (1).

____________

و لك أجره» (1). و هي و إن وردت في خصوص الامّ إلّا أنّ مسألة الامّ ظاهر منها أنّها ليس عن الحكم كأدب شرعي و وظيفة ملقاة على الوليّ، بل سؤالها عن مشروعية الحجّ و الإحجاج للصبي و الإحجاج به، و كذا مفاد الذيل: «و لك أجره» الظاهر في الأجر الخاصّ للحجّ المشروع.

و يستدلّ له أيضا بالعموم في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم و يطاف بهم و يرمى عنهم» الحديث (2).

حيث انّه من الظاهر البيّن أنّ الصبية التي معهم في المعتاد و المتعارف خارجا و استعمالا ليس بمختصّ بالصبية الصلبيّين للمخاطب، بل كلّ من يتكفّلهم من صبية الأقرباء و نحوهم، بل لو سلم اختصاصها بالصلبيّين فحيث انّ الرواية كما ذكرنا أنّ لسانها في المشروعية لا جعل الولاية فلا تختص بالولي الشرعي، و كذا يظهر من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة حيث فيها احرام حميدة (رضوان اللّه عليها) بالصبية، و مثلها ما رواه يونس بن يعقوب عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إنّ معي صبية صغار ... الحديث (3).

غاية الأمر هذه الروايات لا تتعرّض إلى لزوم الاستئذان من الوليّ الشرعي فيما لو حجّ به غيره فلا بدّ من الاستئذان.

(1) تقدّم الكلام في ذلك في حجّ الصبي المميّز أنّه يشترط فيه ذلك تكليفا اقتضائيا.

____________

(1)- باب 20، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

(2)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 3.

(3)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 7.

48

[مسألة 5: النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الوليّ لا من مال الصبي]

(مسألة 5): النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الوليّ لا من مال الصبي إلّا إذا كان حفظه موقوفا على السفر به أو يكون السفر مصلحة له (1).

[مسألة 6: الهدي على الوليّ]

(مسألة 6): الهدي على الوليّ (2).

____________

(1) البحث في هذه المسألة على مقتضى القاعدة من أنّ تصرّف الولي في مال الصبي إنّما يكون بحسب المصلحة للصبي في ماله أو بشرط أن لا يكون مضرّة على الاختلاف المحرّر في محلّه في أحكام الصبي، هذا من جهة و من جهة اخرى نفقة العيال تكون من أموالهم إذا كانوا واجدين و حينئذ يفصل في المقام بينما إذا كان السفر بالصبي من مصلحته أم لا.

أمّا الكلام في النفقات الزائدة على أصل السفر و لو كانت مصلحة التي يستلزمها الحجّ فسيأتي الكلام عنها.

(2) كما هو المشهور، و خالف في ذلك في التذكرة فأوجبه من مال الصبي.

و البحث يقع تارة بحسب مقتضى القاعدة و اخرى بحسب الروايات الخاصّة الواردة، كما أنّ الكلام تارة يقع في الصبي غير المميّز و اخرى في المميّز.

أمّا بحسب القاعدة فلا بدّ من ذكر عدّة من النقاط:

الأولى: أنّ مقتضى القاعدة في الواجب الذي فيه مقدّمة مالية أن تكون المقدّمة وجودية فيجب تحصيلها.

الثانية: أنّ الأمر بمتعلّق ذي مقدّمة مالية يرجع نفعها إلى الغير بحيث كان ذلك الأمر ليس من باب النفقة الواجبة المعهودة، و لا من الصدقة الواجبة و نحوها فحينئذ تكون تلك المقدّمة المالية قيد وجوب في الأمر لا مقدّمة وجود كما هو الحال بالأمر بتغسيل الميّت بالماء و تكفينه بالكفن و تحنيطه بالحنوط.

الثالثة: أنّ النفقات الواجبة على ذي الرحم إنّما هي في المسكن و اللباس و الغذاء و نحوها من الحاجيات الضرورية المعاشية دون الواجبات المالية المتعلّقة بذي الرحم ككونه مديونا في الخمس أو الزكاة أو الكفّارات و نحوها كالغرامات المالية في‌

49

..........

____________

غير المئونة فحينئذ أي واجب مالي يتعلّق بذي الرحم العادم للمال- أي غير الواجد للمال- لا يجب على ذي الرحم الغني النفقة عليه بلحاظه.

الرابعة: انّ التسبيب موجب للضمان في الغرامات المالية المحضة كالاتلاف و التلف و نحوها دون التسبيب في الواجبات المالية، كأن يسبّب شخص لآخر تعلّق الخمس به أو الزكاة أو غيرها من الواجبات المالية فإنّه لا يوجب الضمان على المسبّب.

الخامسة: أنّ استحباب الإحجاج الوارد في روايات المقام إنّما هو بلحاظ الصبي غير المميّز أو المميّز العاجز عن الاستقلال في الأفعال، و أمّا الصبي المميّز الذي يستقلّ بالفعل فلا يكون أمر الولي له بالحجّ احجاجا أو حجّا به، أي لا يكون نيابة من القسمين الثاني و الثالث. نعم قد يستظهر من الأمر الوارد بتوقيتهم عن تروك الاحرام أنّ ذلك نحو من احجاج الولي للمميّز، و أيّا ما كان فإنّ فى صورة استقلال الصبي المميّز بالحجّ لا يكون ذلك من باب الإحجاج.

السادسة: أنّ مقتضى الأمر بالاحجاج هو عين مقتضى الأمر الاستحبابي بالبذل لبالغ آخر ليحجّ من كون مقتضاهما هو وقوع نفقات الحجّ من السفر و الهدي و ثوبي الاحرام و غيرها من المؤن المالية و غيرها هي على المأمور بالاحجاج و البذل؛ إذ الأمر تعلّق بمجموع ماهيّة الحجّ و الذي فيه يكون مال الهدي مقدّمة وجودية لا سيّما و أنّ هذين الأمرين هما بعنوان الإحسان إلى الصبي و البالغ، و هذا بخلاف ما إذا لم يخاطب المكلّف أو الولي بالاحجاج كما إذا استقلّ الصبي المميّز بالعمل فإنّ مقتضى القاعدة إذا خوطب بالذبح عنه بمقتضى ما تقدّم في النقطة الثانية هو على الصبي دون الولي.

فيظهر ممّا تقدّم من النقاط أنّ مقتضى القاعدة هو تحمّل الولي مال الهدي في غير المميّز دون المميّز المستقلّ بأعمال الحجّ.

50

..........

____________

نعم، بالنسبة إلى الصبي المميّز قد اتّضح من المسألة السابقة أنّ نفقة الحجّ و السفر إنّما تكون من مال الصبي إذا كان مصلحة له، و أمّا إذا لم يكن مصلحة له فيكون الولي ضامنا لتلك النفقات من باب التسبيب لتصرّف الصبي أو الولي في المال في غير المورد المرخّص، و هذا هو المحمل الصحيح لما ذكره الفقهاء من أنّ الولي ضامن لمال الهدي لأنّه المسبّب، فإنّ المراد من التسبيب هو ذلك لا ما تقدّم في النقطة الرابعة من التسبيب للواجب المالي، بل التسبيب للتصرّف في مال الصبي في غير ما هو مصلحة له.

ثمّ انّه لا بدّ أن يحرّر الحال في المصلحة التي هي شرط في التصرّفات المالية في أموال الصبي هل هي خصوص المصلحة المالية أو الأعمّ الشاملة لمثل الآداب الشرعية المعتدّ بنفعها للصبي، و لا يبعد الثاني و تحريره في محلّه. كما أنّه بحسب مقتضى القاعدة في الصبي المميّز المستقلّ في الحجّ بناء على المشروعية أن يكون الخطاب بالذبح متوجّها إليه. و هذا لا ينافي عدم جواز صرف مال الصبي في الهدي فيما لم يكن الحجّ مصلحة له؛ إذ غاية الأمر أنّ الصبي لو امتثل ذلك في ماله يكون الغرم على الولي، أو أنّ الولي يبذل له ذلك. نعم لو مانع الولي من تصرّف الصبي في ماله و لم يبذل له مقتضى القاعدة حينئذ هو خطاب المميّز بالصوم بدلا عن الهدي، هذا كلّه بحسب مقتضى القاعدة.

أمّا بحسب الروايات الخاصّة الواردة الاولى صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، و يطاف بهم و يرمى عنهم و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه» (1).

و مفاد الصحيحة من حيث الموضوع و إن كان قد يتراءى أنّه مطلق الصبي إلّا أنّه بقرينة التعبير و يصنع بهم يكون في خصوص الإحجاج لا حجّ الصبي بالاستقلال و إن‌

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 3.

51

..........

____________

عبّر في الرواية ما يصنع بالمحرم ممّا قد يوهم أنّ المراد من الصنع بهم هاهنا الأمر بالاحرام كأمر البالغ المحرم، حيث انّ المراد بالمحرم هاهنا أنّه يفرض محرما. أمّا المحمول في الرواية فظاهرها ابتداءً تعليق وجوب الصوم على الولي عن الصبي على عدم وجدان الصبيان للهدي بناء على رجوع الضمير المجرور (منهم) إلى الصبيان فتكون حينئذ دالّة على أنّ الهدي يجب في مال الصبي فإن لم يجد فيجب على الوليّ الصوم عنه لا سيّما و أنّ ضمير الجمع هنا ضمير الغائب حيث انّه لو اريد منه الأعمّ من الصبيان و من الكبار الأولياء لأتي بضمير المخاطب كما في صدر الرواية، لكن قد يحتمل عود الضمير إلى المجموع بقرينة التعبير بوليّه بعد ذلك الذي هو في قوّة الغائب فيكون من الغيبة بعد الالتفات الذي سبق في الصدر، لكن الأوجه الأوّل.

و ما في المستمسك من تفسير عدم وجدان الصبيان للهدي بعدم وجدان الكبار الهدي لهم لأنّ مال الصبي إنّما يكون من مال وليّه لتعارف ذلك التعبير عرفا و إن كان لا يخلوا من وجه إلّا أنّ الأوجه أخذ الاسناد حقيقيا فيما هو قيد لموضوع حكم صيام الولي عنه.

و أمّا مفاد صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا حجّ الرجل بابنه و هو صغير فإنّه يأمره أن يلبّي و يفرض الحجّ، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه و يطاف به و يصلّى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: يذبح عن الصغار، و يصوم الكبار، و يتّقى عليهم ما يتّقى على المحرم من الثياب و الطيب، و إن قتل صيدا فعلى أبيه» (1).

و هذه صحيحة من حيث الموضوع أعمّ من المميّز و غيره، أي أعمّ من الحجّ حجّ الصبي و إحجاجه، و أمّا المحمول فالظاهر من ضمير الجمع أنّه عائد لضمير الجمع السابق في لفظة (لبّوا عنه) أي العائد للكبار، فيكون مفادها أنّه إن لم يكن للكبار ما‌

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

52

..........

____________

يذبحون عن الجميع أي عن أنفسهم و عن الصغار، فأجاب (عليه السلام) يذبح عن الصغار.

و لكن يحتمل عود الضمير إلى الصغار كما هو متعيّن ذلك في (و يتّقى عليهم) لا سيّما و أنّ في نسخة الكافي لم يتقدّم ضمير الجمع (لبّوا) بل عبّر فيها (لبّى عنه) فيتّفق مفادها على هذا الاحتمال مع مفاد صحيحة معاوية بن عمّار، غاية الأمر أنّ في هذه الصحيحة قد أوجبت الذبح عن الصغار و صوم الكبار عن أنفسهم و كأنّه للتزاحم بين الواجبين المخاطب بهما الولي فيقدّم غير ذي البدل على ذي البدل و على أيّة حال إيجاب الذبح على الولي في هذه الصحيحة و إيجاب الصيام عليه في صحيحة معاوية المتقدّمة بعد تقييد إطلاق الاولى بالثانية دالّ على أنّ الهدي للصبي واجب على الولي في الجملة فإن لم يتمكّن من الهدي فيصوم عن الصبي، فلو بني على إجمال مرجع الضمير في الروايتين الذي أخذ موضوعا لوجوب الهدي أو بدله على الولي فيكون المحصّل من هاتين الصحيحتين كقدر متيقّن هو وجوب الهدي علي الولي عند عدم وجدان الصبي له أعمّ من كونه مميّزا أو غير مميّز إلّا أنّ مقتضى القاعدة في الإحجاج على الولي مطلقا و لا ينافيه الإجمال في الصحيحتين، بخلاف ما لو بني على ظهورهما في تقييد الوجوب المزبور بقيد عدم وجدان الصبي فإنّه يرتكب التخصيص في مقتضى القاعدة في خصوص الإحجاج.

و أمّا موثّق إسحاق سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة و خرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال: «قل لهم: يغتسلون ثمّ يحرمون و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1).

فالظاهر أنّه في المملوك المبذول له الحجّ كما وردت روايات عديدة في ذلك (2)، و لا أقلّ من إجمال المراد فيها.

____________

(1)- باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 2.

(2)- الاستبصار، باب المملوك يتمتّع بإذن مولاه، ج 2، ص 263.

53

و كذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبي، و أمّا الكفّارات الاخر المختصّة بالعمد فهل هي أيضا على الوليّ أو في مال الصبي أو لا يجب الكفّارة في غير الصيد (1)؛ لأنّ عمد الصبي خطأ، و المفروض أنّ تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه (1) لا يبعد قوّة الأخير، أمّا لذلك و أمّا لانصراف أدلّتها عن الصبي، لكن الأحوط تكفّل الوليّ، بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الأقوى؛ لأنّ قوله (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ» مختصّ بالديات و الانصراف ممنوع و إلّا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضا.

____________

لكن بقرينة ما في صحيح زرارة من إطلاق ثبوت كفّارة الصيد على الولي أعمّ من كونه مميّزا أو غير مميّز مع أنّ الكفّارة ليست من أجزاء الحجّ في الإحجاج و لذا يلزم بها الباذل في الحجّ البذلي يظهر قرينية هذا الاطلاق على عود الضمير في (لهم) إلى الكبار و كذا كفّارة الصيد كما تفيد ذلك صحيحة زرارة التي هي في مطلق الصبي كما تقدّم و لا يعارضه ما في مصحّحة علي بن جعفر (2)؛ لأنّ مفادها نفي تعلّق الكفّارة على الصبي لا مطلقا فلا تنافي صحيحة زرارة (3).

(1) يقع الكلام تارة بحسب مقتضى القاعدة في كلّ من الصبي المميّز و غير المميّز و اخرى بحسب الروايات الخاصّة.

أمّا الكلام بحسب مقتضى القاعدة فمضافا إلى ما تقدّم في النقاط الستّ لا بدّ من الالتفات إلى نقاط اخر:

قاعدة عمد الصبي خطأ الاولى: حيث انّ الكفّارات في غالب تروك الاحرام مترتّبة على الإتيان العمدي فلا بدّ من‌

____________

(1)- نسب الأوّل إلى جماعة بل إلى المشهور، و نسب الثاني إلى أنّه مقتضى كلام التذكرة في الهدي، و نسب الثالث إلى ابن إدريس.

(2)- باب 18، أبواب المواقيت، ح 2.

(3)- التهذيب، باب زيادات في الحجّ، ص 483، ح 5.

54

..........

____________

البحث عن وجود عمد الصبي في أفعاله فنقول: قد ذهب المشهور- كما هو المعروف نسبة في الكلمات- إلى عدم تحقّق العمد من الصبي ما لم يبلغ، و ذهب الشيخ و جماعة بتحديد ذلك بعشر سنين لا بالبلوغ و أنّه حينئذ تقام عليه الحدود و يقتصّ منه و استند في نفي العمد عنه إلى ما ورد في الروايات المعتبرة من أنّه عمد الصبي و خطأه واحد- كما في صحيحة محمّد بن مسلم (1)- و قد ذيّل هذا العموم في بعض تلك الروايات ب‍ (تحمله العاقلة) (2)، و من ثمّ نفوا عنه الإرادة و حكموا بسلب عبارته في مطلق الانشائيات من العقود و الايقاعات و تحرير الحال في مفاد هذا الحديث الذي هو كالقاعدة أنّ مفاده يحتمل وجوها.

الأوّل: ما ذهب إليه المشهور من سلب الإرادة و العبارة و أنّه كالبهيمة.

الثاني: عدم سلب الإرادة مطلقا، بل قصورها و كونها بمنزلة الإرادة الخطائية، ففي الموارد التي يترتّب الأثر على خصوص الإرادة القوية العمدية لا يترتّب على إرادته فكان إرادته من باب الاشتباه في التطبيق.

الثالث: تنزيل إرادته العمدية منزلة الإرادة الخطائية فيما كان لكلّ من العمد و الخطأ أثر، سواء في باب الديات و غيره، فهذا التنزيل لا يعمّ الموارد التي يكون الأثر مختصّا بالعمد.

الرابع: انّه تعبّد خاصّ في خصوص الديات.

و الأظهر من هذه الوجوه هو الثاني و ذلك لأنّه لو اريد من هذا الحديث سلب إرادة الصبي مطلقا كي يعمّ حتى انشائياته و عبارته لما استند القتل إليه و لو خطأ و لما حملت العاقلة الدية؛ لأنّ الفعل لا يستند إلّا بالإرادة أيّا ما كان من أقسام الفعل فحينئذ هذا ممّا يشهد بوجود إرادته. غاية الأمر هذه الإرادة ليست إرادة كاملة تامّة‌

____________

(1)- كتاب الديات، باب 11، أبواب العاقلة، ح 2- 3. و باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 2.

(2)- أبواب العاقلة، ح 3. و باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 2.

55

..........

____________

مستقلّة، بل ناقصة لا يعتدّ بها منفردة، و من ثمّ كانت بمنزلة الإرادة الخطائية و لا يخصّ مفاد هذه القاعدة بباب الديات لما تقدّم من صحيح محمّد بن مسلم الذي لم يذيّل بذلك الذيل فلا وجه لتخصيصه و حمله على باب الديات لأنّه من قبيل المثبتين مع ما ذيل فيه كما لا يخصّ مفاد هذا الحديث بموارد ترتّب الأثر على الخطأ أيضا كما قد ذكر ذلك في الوجه الثالث؛ لأنّ عبارة الرواية ليس (عمد الصبي خطأ) بل (عمد الصبي و خطأه واحد) مع أنّه لو فرض ذلك التعبير لكان التنزيل يصحّ بلحاظ نفي الأثر أيضا. هذا مضافا إلى أنّ الوجه الثاني موافق للاعتبار العقلائي حيث انّه لا يعتدّون بإرادة الصبي مستقلّة بل ناقصة لا تتمّ إلّا بإرادة الولي لا سيّما في الصبي غير المميّز حيث أنّ غير المميّز كما ذكرنا سابقا لا عقل عملي بالفعل له يزجره و إن كان له عقل نظري يدرك و يحسن الكلام.

و على ضوء هذه النقطة لا تترتّب الكفّارات على الصبي بعد أخذ قيد العمد فيها و يشهد على ذلك ما ورد في روايات المقام من أنّ الصبي إذا حجّ أو حجّ به ينهى و يوقى عن تروك الاحرام من قبل الكبار، الظاهر ذلك في كون إرادة الصبي ناقصة محتاجة إلى التتميم و لك أن تجعل هذا المفاد في روايات المقام بنفسه دليلا آخر على عدم ترتّب الكفّارة على الصبي كما لك أن تجعل دليلا ثالثا على عدمها على الصبي و هو ما ورد في حديث رفع القلم عن الصبي كما في صحيح البختري (1) و غيرها من الروايات (2) و لو كان الرفع بلحاظ الفعلية التامّة كما هو المختار و هذه الوجوه تعمّ الصبي المميّز و غيره بل في الصبي الذي لا يحسن الكلام لا يتعقّل توجيه خطاب التروك إليه أصلا و لا إرادة خطائية له أصلا. و هذا مطابق لمفاد مصحّح علي بن جعفر المتقدّم (3) من نفي الكفّارات عن الصبي مطلقا.

____________

(1)- باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 3.

(2)- باب 4، أبواب مقدّمات العبادات.

(3)- باب 18، أبواب المواقيت، ح 2.

56

..........

____________

النقطة الثانية: انّ مقتضى القاعدة في الوليّ في حجّ الصبي المميّز المستقلّ بالأعمال عدم تعلّق الكفّارات على ذمّة الولي أمّا لعدم ترتّب الكفّارة على فعل الصبي و أمّا لعدم كون الوليّ مسبّبا لغرامة مالية في البين، و كذا الحال في احجاج الصبي حيث انّ الفرض أنّ الصبي لا كفّارة على فعله أو لأنّ الإحجاج بمنزلة البذل و كفّارات البذل و كفّارات الاحرام لا تتعلّق بالباذل، لكن قد يقال بأنّ مقتضى الإحجاج و كذا أمر الولي بايقاع أفعال الحجّ، أجزاءا و شرائط في الصبي و التي منها تروك الاحرام و إن كانت هي آثارا للاحرام الذي هو شرط في ماهية الحجّ.

و لك أن تقول: إنّ مقتضى ما ورد من أمر الولي بتوقية الصبي ما يتّقى المحرم كما في صحيح زرارة و مصحّح علي بن جعفر هو كون الولي مخاطبا بالتروك لا الصبي، غاية الأمر هو مخاطب بها في مورد الصبي فإذا صدرت من الصبي بتقصير من الوليّ يكون بمنزلة ارتكابها عمدا، و يشهد لترتّب الكفّارة على كونه مخاطبا بها في الصبي ما في صحيح زرارة من ترتّب و تفريع ثبوت- كفّارة الصيد على الوليّ- على خطابه بتوقية الصبي. غاية الأمر أنّه في كفّارة الصيد تثبت مطلقا، و هذا لا يخلو من وجه و قوّة.

و لا يشكل بأنّ في كفّارة الصيد خصوصية و هو ثبوتها حتى في الخطأ الذي هو دائما في فعل الصبي بخلاف بقيّة الكفّارات و لذا خصّص بالذكر في الرواية فإنّه يقال على ذلك يجب الالتزام بعدم كون التروك مخاطب بها الولي؛ لأنّ المفروض أنّ ما يجترحه الصبي هو من باب الخطأ و هو كما ترى. كما قد يشكل بأنّ الدليل إنّما دلّ على ترتّب الكفّارة في التروك التي يخاطب بها المكلّف نفسه لا ما يخاطب بها بايقاعها في غيره.

و فيه: أنّ ذلك بعينه جار في كفّارة الصيد، و تقدّم أنّ ظهوره في صحيح زرارة تفرّع‌