سند العروة الوثقى - كتاب الحج - ج3

- الشيخ محمد السند المزيد...
406 /
7

الجزء الثالث

المقدمة

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعماءه العادون، و لا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود، و لا وقت معدود و لا أجل ممدود.

و الصلاة و السلام على أشرف أصفيائه و خاتم أنبيائه، و أحب أهل أرضه و سمائه الرسول المسدد، المحمود الأحمد أبي القاسم محمد، و على آله الذين رزقوا فهمه و علمه، و الذين اختارهم الله و اصطفاهم لإكمال دينه إذ بهم أتمّ نعمته، فصلى الله عليهم أجمعين.

و بعد ..

فهذا هو الجزء الثالث من كتاب الحج، و الذي تبدأ مسائله من تروك الإحرام و تنتهي بالسعي، و التي ألقاها أستاذنا الفقيه المحقّق دامت افاضاته خلال أيام التعطيل و لياليه على جمع من طلبته الفضلاء، و قد حزنا شرف تقريره و إعداده ليظهر بالصورة التي هو عليها. و قد اشتمل على مجموعة من البحوث التحقيقية و التدقيقية المهمة، و جاءت في طياته جملة من القواعد:

الأولى: قاعدة تكرر أو وحدة الكفار بتكرر سببها.

الثانية: قاعدة في عموم كفارة الدم في التروك.

8

الثالثة: قاعدة في صحة النسك مع الخلل غير العمدي في الطواف و السعي.

الرابعة: قاعدة في موالاة الطواف.

الخامسة: قاعدة في كون أفعال النسك و العبادات أربع مراتب.

و من المؤمّل أن ينتفع بها أهل التحقيق و الغور الفقهي، سائلين من المولى تبارك و تعالى أن يديم عطاءه و توفيقاته علينا إنه سميع الدعاء.

11 ذو القعدة الحرام المصادف‌

لميلاد أبي الحسن الرضا 1424 ه‍-.

السيد أحمد الماجد-- الشيخ حسن آل عصفور‌

9

تروك الإحرام

قلنا في ما سبق: إن الإحرام يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد، و لا ينعقد الإحرام بدونها و إن حصلت منه نية الإحرام، فإذا أحرم المكلف حرمت عليه أمور، و هي خمسة و عشرون كما يلي:

1- الصيد البرّي، 2- مجامعة النساء، 3- تقبيل النساء، 4- لمس المرأة، 5- النظر إلى المرأة، 6- الاستمناء، 7- عقد النكاح، 8- استعمال الطيب، 9- لبس المخيط للرجال، 10- التكحل، 11- النظر في المرآة، 12- لبس الخف و الجورب للرجال، 13- الكذب و السبّ، 14- المجادلة، 15- قتل القمل و نحوه من الحشرات التي تكون على جسد الإنسان، 16- التزين، 17- الادّهان، 18- إزالة الشعر من البدن، 19- ستر الرأس للرجال، و هكذا الارتماس في الماء حتى على النساء، 20- ستر الوجه للنساء، 21- التظليل للرجال، 22- إخراج الدم من البدن، 23- التقليم، 24- قلع السن، 25- حمل السلاح.

[1- الصيد البرّي]

1- الصيد البرّي

[مسألة 199: لا يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صيد الحيوان البرّي أو قتله]

(مسألة 199): لا يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صيد الحيوان البرّي أو قتله كان محلل الأكل أم لم يكن كما لا يجوز له قتل الحيوان البرّي و إن تأهل بعد صيده، و لا يجوز صيد الحرم مطلقاً و إن كان الصائد محلًا (1).

____________

(1) اما المحرم فيحرم عليه الصيد أو قتل الحيوان البري الممتنع المحلل أو المحرم الأكل و إن تأهل و في الحل أو الحرم. و يدل عليه قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

10

..........

____________

لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ (1).

و قوله تعالى: وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (2).

و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّٰهُ مَنْ يَخٰافُهُ بِالْغَيْبِ (3).

و الإطلاق فيها يشمل الشقوق المزبورة كلها كما لا يخفى.

و يدل عليه النصوص المتواترة:

كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله: ( (لا تستحلن شيئاً من الصيد و أنت حرام)) (4).

و في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله قال: ( (و اجتنب في إحرامك صيد البرّ كله)) (5).

و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله- في حديث- قال: ( (ثمّ اتقي قتل الدواب كلها)) (6). و غيرها من الروايات المتفرقة في الوسائل من أبواب تروك الإحرام. و أبواب كفارات الصيد.

____________

(1) المائدة: 95.

(2) المائدة: 96.

(3) المائدة: 94.

(4) أبواب التروك، ب 1، ح 1.

(5) نفس المصدر، ح 5.

(6) أبواب التروك، ب 81، ح 2.

11

[مسألة 200: كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البري تحرم عليه الإعانة على صيده]

(مسألة 200): كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البري تحرم عليه الإعانة على صيده، و لو بالإشارة، و لا فرق في حرمة الإعانة بين أن يكون الصائد

____________

و أما صيد الحرم فيحرم مطلقاً حتى على المحل و يدل عليه قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (1). و الموصول و إن كان للعاقل لكنه يشمل غيره عند اشتراك الحكم لتغليب العاقل على غيره.

و في صحيح عبد الله بن سنان أنه سئل أبا عبد الله عن قول الله عز و جل وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً قال: ( (و من دخل الحرم مستجيراً به كان آمناً من سخط الله، و من دخله من الوحش و الطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم)) (2).

و في صحيح الحلبي المتقدم عن أبي عبد الله ( (لا تستحلن شيئاً من الصيد و أنت حرام و لا أنت حلال في الحرم)) (3).

بل في صحيح علي بن جعفر قال سألت أخي موسى عن حمام الحرم يصاد في الحلّ فقال: ( (لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنه من حمام الحرم)) (4). و ظاهره التعميم لمن أنتسب من الحيوان للحرم و أن وجد في الحلّ كما في الحمام.

و مثله إطلاق مصححة إبراهيم بن ميمون، و غيرها من الروايات في الأبواب المزبورة.

____________

(1) سورة آل عمران: 97.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 13، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) نفس المصدر، ح 4.

12

محرماً أو محلًا (1).

[مسألة 201: لا يجوز للمحرم إمساك الصيد البرّي و الاحتفاظ به]

(مسألة 201): لا يجوز للمحرم إمساك الصيد البرّي و الاحتفاظ به و ان كان اصطياده له قبل إحرامه، و لا يجوز له أكل لحم الصيد، و ان كان الصائد محلا و يحرم الصيد الذي ذبحه المحرم على المحل أيضاً، و كذلك ما ذبحه المحل في الحرم و الجراد ملحق بالحيوان البرّي فيحرم صيده و إمساكه و أكله (2).

____________

(1) ففي صحيح الحلبي المتقدم عن أبي عبد الله ( (... لا تدلن عليه محلًا و لا محرماً فيصطاده، و لا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه فداء لمن تعمده)) (1).

نعم قد يقال، إن هذه الصحيحة لا إطلاق فيها لما كان الصيد في الحلّ للمحل لكن الإطلاق تام في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله قال: ( (المحرم لا يدل على الصيد فإن دل فعليه فقتل عليه الفداء)) (2).

و كذا صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة ( (و لا تشر إليه فيصيده)) (3). و غيرها من الروايات.

و أما مرسل بن شجرة حيث فيه ( (يجوز للمحرم أن يشير بصيد على محلّ)) فمتروك أو فيه تصحيف من سقوط كلمة ( (لا)).

و لا يخفى ان الإشارة و الدلالة متنوعة عرفاً بانحاء مختلفة.

(2) تعرض الماتن لعدة فروع:

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 1، ح 1.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 17، ح 2.

(3) تروك الإحرام، ب 1، ح 5.

13

..........

____________

الأول: حرمة الإمساك و إن صيد قبل الإحرام.

و يدل عليه إطلاق تحريم الصيد في الآية الشامل للامساك لا سيما و أن الإشارة و الإعانة على صيده أيضاً محرمة و هي أخف من الإمساك، و كذلك يدل عليه ما تقدم من صحيح معاوية بن عمار (1) من عموم اتقاء الدواب و كذا صحيح عمر بن يزيد (2) في عموم الاجتناب و كذا صحيح الحلبي (3) في عموم النهي عن استحلال الصيد بل إن الصيد المنهي عنه صادق على الإمساك و ان لم يذبحه، و كذا الصحيح إلى ابن أبي عمير عن أبي سعيد المكاري عن أبي عبد الله قال: ( (لا يحرم أحد و معه شي‌ء من الصيد حتى يخرجه من مكة)) (4).

الثاني: حرمة أكل الصيد و إن كان الصائد محلًا.

و يدل عليه مضافاً إلى ما تقدم في الفرع الأدلة من عموم الأولى الناهية ما في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله، قال: ( (و لا تأكل مما صاده غيرك)) (5)، و مثله في صحيح الحلبي و معاوية بن عمار و محمد بن مسلم (6).

الثالث: حرمة صيد المذبوح بيد المحرم أو المذبوح بيد المحل في الحرم.

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 2.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 1، ح 5.

(3) نفس المصدر، ح 1.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 43، ح 3.

(5)؟؟؟

(6) أبواب التروك، ب 2، ح 1، و ح 2، و ح 4.

14

..........

____________

ادّعي الإجماع على الحرمة في الشق الأول و خالف الصدوق و ابن الجنيد و المفيد و السيد المرتضى و مال إليه في المدارك. و أما الشق الثاني فهو محل اتفاق.

اما ميتة ذبح المحرم فيدل عليه موثق إسحاق عن جعفر ان علياً كان يقول: ( (إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم)) (1). و مثله رواية وهب (2) و صحيح خلّاد السري عن أبي عبد الله في رجل ذبح حمامة من حمام الحرم قال: ( (عليه الفداء قلت فيأكله؟ قال: لا قلت فيطرحه قال: إذا طرحه فعليه فداء آخر قلت: فما يصنع به؟ قال: يدفنه)) (3)، و لا يخفى ان الموثق في ذبح الصيد بخلاف مرسل ابن أبي عمير، و يعارضه عدة روايات أخرى كصحيح منصور بن حازم قال: قلت: لأبي عبد الله رجل أصاب صيداً و هو محرم آكل منه و انا حلال؟ قال: انا كنت فاعلًا، قلت: رجل أصاب مالًا حراماً؟ فقال: ( (ليس هذا مثل هذا يرحمك الله. ان ذلك عليه)) (4).

و في صحيحه الآخر قال: قلت: لأبي عبد الله رجل أصاب من صيد أصابه محرم و هو حلال قال: ( (فليأكل منه الحلال، و ليس عليه شي‌ء انما الفداء على المحرم)) (5)، و مثله صحيح حريز (6) و صحيح معاوية بن عمار (7).

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 10، ح 5.

(2) نفس المصدر، ح 3.

(3) نفس المصدر، ح 3.

(4) أبواب تروك الإحرام، ب 3، ح 3.

(5) نفس المصدر، ح 1.

(6) نفس المصدر، ح 4.

15

..........

____________

و صحيح الحلبي قال: ( (المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاءه و تصدق بالصيد على مسكين)) (1).

و قد يجمع بينها و بين الموثق المتقدم بان موردها في القتل بالصيد و مورد الموثق في ذبح الصيد، و الجمود على ألفاظ الروايات يقتضي ذلك.

و جمع بينها أيضاً بحمل الروايات المجوزة على وقوع التذكية بيد المحل و وقوع الإمساك بيد المحرم و يحتمله بدواً صحيح منصور الثاني.

و قد تدعم روايات الحلّ بطائفة أخرى من روايات المضطر إلى أكل الصيد أو الميتة كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله قال: سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة و الصيد أيهما يأكل؟ قال: يأكل من الصيد اما يحب ان يأكل من ماله، قلت: بلى، قال: ( (انما عليه الفداء فليأكل و ليفده)) (2).

و في صحيح منصور بن حازم قال: قلت، لأبي عبد الله محرماً اضطر إلى صيد و إلى ميتة من أيهما يأكل؟ قال: ( (يأكل من الصيد))، قلت: أ ليس الله قد أحل الميتة لمن اضطر إليها، قال: ( (بلى، و لكن يفدي، ألّا ترى انه انما يأكل من ماله فيأكل الصيد و عليه فداؤه)) (3).

و تقريب تأييده الحل بها بان صيد المحرم لو كان ميتة لاجتمعت في أكل الصيد حرمتان حرمة الإحرام و حرمة أكل الميتة فكان الاجتناب عنه أولى من الميتة غير الصيد.

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 10، ح 6.

(2) كفارات الصيد، ب 34، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 7.

16

..........

____________

و فيه: ان حرمة إصابة الصيد مقرر على كل تقدير على المحرم. و ليس الرافع لها الاضطرار و مع رفع الاضطرار لتلك الحرمة لا يترتب عنوان الميتة لانها في لسان الأدلة مترتبة على الحرمة التكليفية الناشئة من تروك الإحرام.

هذا و الصحيح ترجيح روايات الحل لمخالفتها للعامة و موافقة موثق إسحاق الدال على الحرمة لفتواهم، و الملحوظ أن إسحاق الراوي لميتة ذبح المحرم للصيد قد روى أيضاً الحرمة للمضطر عن جعفر عن أبيه ان علياً كان يقول: ( (إذا اضطر المحرم إلى الصيد و إلى الميتة فليأكل الميتة التي أحلَّ الله له)) (1) و مثلها رواية عبد الغفار الجازي و مرسلة الصدوق، أي ان إسحاق كما روى حرمة أكل المحل من صيد المحرم و انها ميتة روى أيضاً حرمة الصيد على المضطر المحرم و ترجيح أكل الميتة عليه و في كلا الروايتين يسند الإمام الحكم إلى جده أمير المؤمنين و هو يومئ إلى التقية و قد ذهب في مسألة المضطر إلى ترجيح الميتة على الصيد جملة من العامة كأبي حنيفة و مالك و أحمد و الحسن البصري و الثوري و محمد بن الحسن كما حكى ذلك عنهم العلامة في المنتهى مما يدل على ذهابهم إلى الحرمة في المقام و ان ما أصابه المحرم من الصيد ميتة فترجح روايات الحل المخالفة للعامة على موثق إسحاق الموافق لهم.

و يعضد هذا الحمل أيضاً ما في قوله في صحيحة منصور بن حازم الأولى ( (انا كنت فاعلًا)) أي إسناده إلى ذاته الشريفة في مقابل أئمة العامة و فقهائهم.

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 43، ح 8، ح 11، ح 12.

17

..........

____________

ان قلت: ان موثق إسحاق في خصوص الذبح و روايات الحلّ موردها الإصابة في الصيد و بعضها الآخر مطلق فلا تعارض مستقر في البين بل يمكن الجمع العرفي بينهما فلا تصل النوبة للترجيح كما نسب التفصيل للشيخ المفيد في المقنعة.

قلت: ان الظاهر من روايات الحلّ و الحرمة عدم خصوص الذبح أو الصيد و لو بمعونة الفهم العرفي بل الحكم متقوم بالحيوان البرّي نفسه و يعضد عدم الخصوصية للذبح ما في ذيل الموثق من ذبح المحل للصيد في الحرم فإن الحكم كما سيأتي غير مختص بالذبح بل يشمل القتل بالصيد. و ما نسب للشيخ المفيد من التفصيل لم نقف عليه بل الموجود من عبارته ( (و لا بأس أن يأكل المحلّ مما صاده المحرم و على المحرم فداءه)) (1).

ثمّ إن ما في صحيح الحلبي من الروايات المتقدمة حيث قال: ( (و تصدق بالصيد على مسكين)) حاكمة على ما دل على روايات الحرمة من وجوب الدفن بالحكومة التفسيرية أي أن وجوب الدفن ليس لحرمة أكله على المحل بل لأجل تجنب وجوب الفداء الآخر بسبب الأكل، و ظاهر صحيح الحلبي حصول التجنب المزبور بالتصدق به على المسكين.

أما الشق الثاني و هو ما ذبح في الحرم من المحلّ أو المحرم‌

فيدل عليه ذيل موثق إسحاق السابق و روايات وهب المتقدمة أيضاً و في صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله- في الحمام- ( (و اذا دخل الحرم حيّاً ثمّ ذبح في الحرم فلا يأكله لأنه ذبح بعد ما دخل مأمنه)) (2).

____________

(1) المقنعة: 438.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 5، ح 1.

18

..........

____________

و في صحيح الحلبي قال سئل أبو عبد الله ... فقال: إذا أدخله الحرم و هو حيّاً فقد حرم لحمه و إمساكه قال: لا تشتريه في الحرم إلّا مذبوحاً قد ذبح في الحلّ ثمّ أدخل في الحرم، فلا بأس (1) و في طريق الكليني ( (فلا بأس للحلال)) (2) و في صحيح الحلبي الآخر قال سألت أبا عبد الله عن محرم أصاب صيداً و اهدى اليّ منه قال: ( (لا، أنه صيد في الحرم)) (3).

و صحيحة شهاب بن عبد ربه قال قلت لأبي عبد الله و إني اتسحر بفراخ أوتى بها من غير مكة فتذبح في الحرم فاتسحر بها؟ فقال: ( (بئس السحور سحورك اما علمت أن ما دخلت به الحرم حيّاً فقد حرم عليك ذبحه و امساكه)) (4).

و مصحح عبد الاعلى بن أعين قال سألت ابا عبد الله عن رجل أصاب صيداً في الحلّ فربطه إلى جانب الحرم فمشى الصيد برباطه حتى دخل الحرم و الرباط في عنقه فاجتر الرجل بحبله حتى أخرجه من الحرم و الرجل في الحلّ فقال ( (ثمنه و لحمه حرام مثل الميتة)) (5)

هذا و الإنصاف أنه لا يظهر من هذه الروايات أجمعها كون حرمة الذبح و حرمة أكل المذبوح من جهة الخلل في شرائط التذكية ب‍- ل الحرمة في جهة دخول‌

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 5، ح 4.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 14، ح 7.

(3) أبواب تروك الإحرام، ب 4، ح 1.

(4) أبواب الكفارات، ب 12، ح 4.

(5) أبواب كفارات الصيد، ب 15، ح 1.

19

[مسألة 202: الحكم المذكور انما يختص بالحيوان البرّي]

(مسألة 202): الحكم المذكور انما يختص بالحيوان البرّي و أما صيد البحر كالسمك فلا بأس به و المراد بصيد البحر ما يعيش فيه فقط، و أما ما يعيش في البر و البحر كليهما فملحق بالبري، و لا بأس بصيد ما يشك في كونه برّياً

____________

الصيد في مأمنه لقول تعالى وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (1) كما هو مفاد صحيحة الحلبي المتقدمة.

عن أبي عبد الله قال: ( (لا تستحلن شيئاً من الصيد و أنت حرام و لا و أنت حلال في حرم)) فإنه ظاهر فيها مع كونه في سياق واحد من المحرم و الحرم هو من جهة الحرم‌

و المتصفح لأبواب الكفارات يرى سكوت الروايات عن ميتة المذبوح و أن عمدة حكمه الفداء و الكفارة و في كثير من فروض تلك الروايات قد فرض حصول الأكل من الصيد فكان من المناسب التنبيه على ميتته و نجاسته و نحو ذلك، و يعضده إطلاق روايات المضطر إلى الصيد أو الميتة (2) الشاملة لكل من المحلّ و المحرم في الحرم كما في موثق يونس بن يعقوب قال: سألت ابا عبد الله عن المضطر إلى ميتة و هو يجد الصيد قال: ( (يأكل الصيد، قلت: إن الله عز و جل قد أحل له الميتة إذا اضطر إليها و لم يحلّ له الصيد! قال: أ تأكل من مالك أحب إليك أم الميتة؟ قلت: من ما لي، قال، هو مالك لأن عليك فداؤه قلت: فإن لم يكن عندي مال قال: تقضيه إذا رجعت إلى مالك)) (3) و غيرها.

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) أبواب الكفارات، ب 43.

20

على الأظهر، و كذلك لا بأس بذبح الحيوانات الأهليّة كالدجاج و الغنم و البقر و الإبل و الدجاج الحبشي و إن توحّشت، كما لا بأس بذبح ما يشك في كونه أهلياً (1).

____________

و فيما تقدم و إن أشكلنا على دلالتها على عدم ميتة الصيد برافعية الاضطرار لحرمة الصيد الرافع للميتة- و ذلك لدلالة الفداء بمقتضى تلك الروايات على ثبوت مالية للمذبوح بخلاف ما لو كان ميتة حيث قد دلت الروايات الأخرى (1) على ثبوت الفداء للأكل زيادة على فداء آخر لارتكاب الصيد.

و بعبارة أخرى أن التعليل الوارد في روايات المضطر بثبوت الفداء الموجب لملكية الصيد بغض النظر عن الاضطرار دال على المالية و عدم ميّتيته اما موثق إسحاق الدال على الميتة فقد عرفت موافقته للعامة في ثمة رجح الميتة على الصيد.

الرابع: حرمة صيد الجراد:

يدل عليه نصوص متعددة (2) كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: مرّ علي ((صلوات الله و سلامه عليه)) على قوم يأكلون جراداً و هم محرمون فقال: سبحان الله و انتم محرمون فقالوا: انما هو من صيد البحر. فقال: ( (ارمسوه في الماء إذن)) (3).

(1) في المتن عدة فروع:

الأول: اختصاص الحرمة بصيد البرّي دون البحري:

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 10، و أبواب كفارات الصيد، ب 14، ح 7.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 7.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 17.

21

..........

____________

و يدل عليه قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (1).

و هو تفصيل لما أطلق في الآية السابقة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ و يدل على التفصيل روايات مستفيضة أيضاً (2).

كصحيح عمر بن يزيد المتقدم عن أبي عبد الله ( (و اجتنب في إحرامك صيد البر كله و لا تأكل مما صاده غيرك)) الحديث (3) و صحيح معاوية عن أبي عبد الله في حديث قال: ( (و السمك لا بأس بأكل طريه و مالحه و كذلك كل صيد يكون في البحر مما يجوز أكله)) (4).

ثمّ انه لا فرق في صيد البري بين محلل الأكل و محرمه و ما ثبتت فيه الكفارة و ما لم تثبت خلافاً لجماعة كل ذلك لإطلاق الأدلة الناهية مضافاً لخصوص النصوص الواردة للنهي عن قتل السباع إذا لم ترده (5).

الثاني: يلحق بالبريّ ما يعيش في البرّ و البحر:

و يدل عليه عدة نصوص كصحيح معاوية بن عمار قال: قال أبي عبد الله: الجراد من البحر: و قال: كل شي‌ء أصله في البحر و يكون في البرّ و البحر فلا‌

____________

(1) المائدة: 96.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 6.

(3) نفس المصدر، ب 1، ح 5.

(4) التهذيب 364: 5، ح 1269.

(5) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 1، و ح 2.

22

..........

____________

ينبغي للمحرم أن يأكله فإن قتله فعليه الجزاء كما قال الله عز و جل)) (1) و مثله صحيحة الآخر (2).

نعم وقع الكلام في التمييز بين الطير البري و البحري ففي صحيح حريز عن أبي عبد الله: ( (قال السمك لا بأس بأكل طريه و مالحه و يتزود قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ قال: فليخير الذين يأكلون، و قال: فصل ما بينهما كل طير يكون في الآجام يبيض في البرّ و يفرخ في البرّ فهو من صيد البرّ، و ما كان من الطير يكون في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر)) (3).

و في مرسل حريز الآخر ( (و فصل ما بينهما كل طير يكون في الآجام يبيض في البرّ و يفرخ في البرّ فهو من صيد البرّ، و ما كان من صيد البرّ يكون في البرّ و يبيض في البحر فهو من صيد البحر)) (4).

و إسناد صحيح حريز إلى معاوية بن عمار كما وقع في الوسائل من سهو القلم إذ الموجود في التهذيب المطبوع إسناده إلى حريز.

و في الوافي كالتهذيب أسندها إلى حريز (5) فما في كشف اللثام و الجوهر و غيرها من إسنادها إلى معاوية بن عمار منشأها ما وقع في الوسائل.

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 6، ح 2.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 37، ح 1.

(3) التهذيب 365: 5، ح 1270.

(4) أبواب تروك الإحرام، ب 6، ح 3.

(5) الوافي 725: 13.

23

..........

____________

ثمّ أن في طريق الكافي و الصدوق ذيل الرواية ( (و ما كان من صيد البرّ يكون في البرّ و يبيض في البحر فهو من صيد البحر)) بخلاف طريق الشيخ حيث عبر ( (و ما كان من الطير يكون في البرّ ...)) حسب ما هو موجود في الوسائل و التهذيب إلّا أن في الوافي نقل الذيل عن التهذيب بلفظ ( (و ما كان من صيد البرّ)) و على ذلك يظهر أن التعبير بالطير في الذيل في الوسائل و التهذيب المطبوع من سهو القلم أو اشتباه النساخ. و إلا فلا يتحصل للرواية معنى لأن صدرها حينئذ دال على أن ما يكون من الطير يبيض حول الماء كالذي في الآجام هو من صيد البرّ و مقتضى المقابلة حينئذ أن يبيض الطير في الماء و يفرخ في الماء و هو كما قال صاحب الجواهر ( (لا نعرف ما يبيض و يفرخ في نفس الماء)) (1) و قال ( (لم نجد ذلك منقحاً في كلامهم)).

فالصحيح أن الطير كله صيد بريّ كما في موثق الطيار عن أحدهما قال: ( (لا يأكل المحرم طير الماء)) اما الضابطة المزبورة في الرواية فهي تمييز للحيوانات البرمائية أي التي تعيش في البرّ و البحر سواء كانت من الطير أو الدواب غاية الأمر أن الطيور تندرج في الشق الأول من الضابطة و بعض البرمائيات الآخر تندرج في الشق الثاني. فيكون هذه الضابطة للحيوانات المشتركة.

ثمّ لا منافاة بين هذه الضابطة و ما ذكر من ضابطة في صحيح معاوية بن عمار المتقدم في الجراد قال: قال أبي عبد الله ( (الجراد من البحر)) و قال: ( (كل شي‌ء أصله في البحر فيكون في البرّ و البحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله فإن قتله فعليه الجزاء كما قال الله ...)) (2) و ذلك أن الضابطة المذكورة في روايات الجراد‌

____________

(1) الجواهر 297: 18.

24

..........

____________

مطلقة و الشق الثاني من رواية حريز مقيدة لها بغير من يفرخ في الماء مع أن الجراد يتكاثر في البرّ أو فوق سطح الماء في الهواء لا داخل الماء.

الثالث: ما يشك في كونه بريّا.

و الشك تارة في الشبهة الحكمية و أخرى الموضوعية، و الحكمية أيضاً تارة في المتولد بين البري و البحريّ أو البري و الأهليّ و ثالثة الشك في اندراج نوعه في البري ثمّ أن كلًا من الشبهتين تارة في الحلّ و أخرى في الحرم فقد يقرر التمسك بعموم حرمة الصيد كما في الآية و الروايات و غاية ما خرج عنها صيد البحر بضميمة تنقيح العدم الأزليّ لعدم الخاص، إلّا انه يشكل عليه بأن ذلك تام في غير المخصص المنوع أي الذي يبقى نوعاً واحداً تحت العام كما هو الحال في عمومات النكاح بعد خروج المنقطع عنها.

و قد يقرر العموم بالصيغة الواردة في صحيح معاوية ( (... ثمّ اتقي قتل الدواب كلها إلّا الأفعى و العقرب و الفأرة)) الحديث (1) أو بعموم قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (2) فيما إذا كان في الحرم.

و أشكل عليهما أيضاً بتخصيص هذين العمومين بما ورد عن صحيح حريز عن أبي عبد الله ( (المحرم في إحرامه يذبح ما أحل للحلال أن يذبحه في الحرم)) (3) فإنه لا ريب في حلية دبح المشكوك في هذه الشقوق للمحل في الحرم لأن‌

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 2.

(2) آل عمران: 97.

(3) أبواب تروك الإحرام، ب 82، ح 2 و 3.

25

..........

____________

الذي يحرم هو خصوص الصيد البري و مع الشك فيه لا يمكن التمسك بعموم الصيد البري فيكون المشكوك للمحل مورداً للأصول المفرغة و هي أصالة الإباحة، و بالتالي يحلّ للمحرم بتبع ذلك.

كما يشكل في العموم الثاني فإنه غير صادق في بعض موارد الشك حيث أنه لا يصدق على الحيوان المشكوك المتولد في الحرم مثلًا أنه دخل من الحلّ إلى الحرم.

و فيه: اما الإشكال الثاني فمدفوع بأن الدخول ليس قيداً للحكم و انما هو كناية عن الكينونة في الحرم و لذلك لو تولد الصيد البري في الحرم كما يقع ذلك في بعض أنواع الصيد البري من الطيور و الدواب فلا ريب في حرمة صيده للمحل في الحرم.

و أما الإشكال الأول فالظاهر من الأدلة و كثير من الروايات أن موضوع حرمة الصيد على المحلّ في الحرم هو بعينة موضوع حرمة الصيد على المحرم في إحرامه أي أن الحرمتين في عرض واحد تواردتا على موضوع واحد لا أن أحدهما في طول الأخرى.

و كذلك الحال في جانب الحلّ فما ورد في صحيحة حريز إنما هو كناية عن وحدة الموضوع و تلازم الحكمين لأجل ذلك، فحينئذ يصح عكس هذا التلازم بأن كل ما حرم على المحرم من صيد في إحرامه يحرم على المحل في الحرم فلاحظ ما تقدم في موثق إسحاق (1) المتضمن لكون ما يذبحانه ميتة فإن لسانه توارد الحكمين على‌

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 10.

26

..........

____________

موضوع واحد، و كذلك ما تقدم في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله قال: ( (لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا أنت حلال في الحرم)) (1)

و في موثق معاوية بن عمار عن أبي عبد الله: قال: ( (لا تأكل شيئاً من الصيد ... فإن أصبته و أنت حلال في الحرم فعليك قيمة واحدة، و أن أصبته و أنت حرام في الحلّ فعليك القيمة و أن أصبته و أنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفاً)) الحديث (2).

فإذا تنقح الموضوع في المحرم، يتنقح للمحل في الحرم أيضاً.

فالتمسك بهذين العمومين بضميمة استصحاب عدم المخصص تام.

و قد يقال: أن المخصص لهذين العمومين بعنوان الصيد البحري منوع للعموم- نظير الكلام في الآية- فالباقي هو عنوان صيد البرّ. فإنه يقال: أن موضوع العموم في صحيحة معاوية بن عمار ليس عنوان الصيد بل مطلق الدواب صيداً كان أو غيره، غاية الأمر قد خرج منه الدواب الأهلية- كما سيأتي- و المؤذي من السباع و العقرب و الفأرة و الحيّة من الحشرات كما أن الخارج ليس نوعاً واحداً مما يكشف عن كون المستثنى منه ذا أنواع عديدة مأكول اللحم و غير مأكول كذلك من البهائم أو السباع أو الوحش أو الحشرات أو غيرها.

الرابع: حليّة ذبح الحيوانات الأهلية كالدجاج و الغنم و البقر و الدجاج الحبشي و ان توحش.

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 1.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 31، ح 5.

27

..........

____________

و يدل عليه صحيح أبي بصير البختري عن أبي عبد الله قال: ( (تذبح في الحرم الإبل و البقر و الغنم و الدجاج)) (1) و في صحيح حريز عن أبي عبد الله قال: ( (المحرم يذبح ما حلَّ للحلال في الحرم ان يذبحه و هو في الحلّ و الحرم جميعاً)) (2) و في حسنة أو مصححة أبي بصير عن أبي عبد الله قال: (لا يذبح بمكة إلّا الإبل و البقر و الغنم و الدجاج) (* (3)) (4) و ظاهره حصر الحلية في الأربعة لا مطلق عنوان الحيوان الأهلي و لعل وجه التعميم في الكلمات كون الحرمة مناطة بالصيد و هو غير صادق على مطلق الأهلي كالحمار و الفرس نعم عبارة المحقق في الشرائع استثنى خصوص النعم و الدجاج، و يعضد ذلك صحيح معاوية بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عن الدجاج الحبشي فقال ليس من الصيد انما الصيد ما كان بين السماء و الأرض، قال و قال أبو عبد الله ما كان من الطير لا يصف فلك أن تخرجه من الحرم و ما صف منها فليس لك أن تخرجه من الحرم) (5) فتعليله بالحلية بنفي الصيد ظاهر في تعميم الحلية و اناطة الحرمة بعنوان الصيد و في صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله التعليل لحلية الدجاج الحبشي بقوله‌

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 82، ح 1.

(2) نفس المصدر السابق، ح 2.

(3) ( (و رواه الصدوق بسند صحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير قريب منه الفقيه 172: 2، ح 755، و الوسائل أبواب التروك، ب 82، ذيل ح 1.

(4) نفس المصدر السابق، ح 5.

(5) أبواب كفارات الصيد، ب 41، ح 2.

28

[مسألة 203: فراخ هذه الأقسام الثلاثة من الحيوانات البرية و البحرية و الأهلية و بيضها تابعة للأصول في حكمها]

(مسألة 203): فراخ هذه الأقسام الثلاثة من الحيوانات البرية و البحرية و الأهلية و بيضها تابعة للأصول في حكمها (1).

____________

(إنها لا تستقل بالطيران ...) و يعضد ذلك أيضاً ما في صحيح حريز المتقدم من حليّة الذبح للمحرم لكل ما يجوز ذبحه للمحل (1) ثمّ ان مقتضى إطلاقها حلية الأهلي و ان توحش لكن ذلك مبنيٌّ على كون العنوان مشيراً إلى الطبائع و الأنواع و لو استظهر منه النعت بلحاظ الحالة الفعلية أشكل الحال فيما توحش كما أشكلت الحرمة فيما صار أهلياً فيما كان ممتنعاً لتبدل عادته، ثمّ إن ما يقال من التعارض بين نقل الشيخ لصحيحة أبي بصير و نقل الصدوق حيث عبّر بالحصر في نقل الصدوق دون نقل الشيخ و ترجيح نقل الشيخ لقول صاحب الوسائل بعد ذكر نقل الشيخ و رواه الصدوق بإسناده لابن مسكان مثله، و لا أقل من التعارض و التساقط.

ففيه: أن نقل الكليني عن أبي بصير مطابق لنقل الصدوق و في الوافي نقل عن الصدوق بصورة الحصر و أما تعبير صاحب الوسائل بكلمة ( (مثله)) فالظاهر جرى اصطلاح صاحب الوسائل على التماثل في أصل المضمون لا التماثل في خصوصيات الألفاظ و قد تكرر منه في موارد عديدة في الوسائل.

إلّا أن الذي يوجب رفع اليد عن هذا الحصر هو ما ذكرناه ثمة.

ثمّ أنه قد علم من الفرع السابق الحكم فيما يشك في كونه أهلياً و انه مقتضى النصوص التجنب فلاحظ.

(1) و استدل عليه بما ورد في ثبوت الفداء في أكله و كسره كما في صحيح أبي‌

____________

(1) أبواب كفارات الصيد ب 40، ح 6.

29

[مسألة 204: لا يجوز للمحرم قتل السباع إلا فيما إذا خيف منها على النفس]

(مسألة 204): لا يجوز للمحرم قتل السباع إلا فيما إذا خيف منها على النفس، و كذلك إذا آذت حمام الحرم، و لا كفارة في قتل السباع حتى الأسد على الأظهر بلا فرق بين ما جاز قتلها و ما لم يجز (1).

____________

عبيدة (1) و قد يشكل بأن ثبوت الكفارة أعم من الحرمة؟

و فيه: مضاف إلى أن الظهور الأولي لمفاد و مقتضى الكفارة هو الحرمة و ما ثبت من الكفارة في موارد الاضطرار أو الجهل و نحوه لا يدفع هذا الاقتضاء لأن غاية الأمر هو العذر عن الحرمة الواقعية لا عدمها، مضافاً إلى أن صحيح حريز قد اشتمل على ثبوت الكفارة للمحل أيضاً و هو ظاهر في حرمة التعرض لحرمة الحرم.

(1) و يدل على الحرمة استثناء الحليّة في صحيح حريز عن أبي عبد الله: ( (كل ما يخاف المحرم على نفسه من السباع و الحيات و غيرها فليقتلها و أن لم يردك فلا ترده)) مثله صحيح معاوية بن عمار (2).

و يدل على الاستثناء الثاني صحيح معاوية بن عمار (3)

و أما عدم الكفارة في السباع فلعدم الدليل. نعم عن الشيخ في الخلاف القول ثبوت الكبش في مطلق السباع و لعله تعديا لما في معتبرة أبي سعيد المكاري قال: قلت: لأبي عبد الله رجل قتل أسداً في حرم قال ( (عليه كبش يذبحه)) (4 (4))

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 57، ح 1 و أبواب كفارات الصيد، ب 16 و 23، ح 3 و أبواب كفارات الصيد، ب 3 و ب 9 و ب 10، ح 1 و 2 و 3 و 4 و 8 و 9.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 1.

(3) نفس المصدر و الباب، ح 2.

(4) (4) بواب كفارات. الصيد. ب 39. ح 1.

30

[مسألة 205: يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى و الأسود الغدر]

(مسألة 205): يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى و الأسود الغدر و كل حية سوء و العقرب و الفأرة، و لا كفارة في قتل شي‌ء من ذلك (1).

____________

و تضعيف الرواية بأبي يزيد العطار و بأبي سعيد المكاري لا وجه له بعد توثيقهما و إن كان واقفي.

و وجه التعميم من الشيخ في الخلاف و إن خص الكفارة في المبسوط بالأسد كون لفظة الأسد تستعمل في مطلق السبع المشابه كالنمر و الفهد و نحوهما من السباع المفترسة دون الذئب و الثعلب و ما شبهها.

و قد حكي القول بثبوت الكفارة في الأسد على بن بابويه و الفقيه الرضوي.

(1) و يدل عليه عدة نصوص و الاستثناء في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ( (اتقي قتل الدواب كلها إلّا الأفعى و العقرب فأما الفأرة فانها توهي السقاء و تضرم على أهل البيت و أما العقرب فإن رسول الله مدّ يده إلى حجر فلسعته فقال: لعنك الله لا برّاً تدعينه و لا فاجرا و الحية ان ارادتك فاقتلها و إن لم تردك فلا تردها، و الأسود الغدر فاقتله على كل حال و ارم الغراب و الحداة رمياً على ظهر بغيرك.)). و ظاهر هذا النص عدم خصوصية هذه العناوين بل من باب كونها عادية على الإنسان فتدرج في الضابطة السابقة.

و قد قيد بقتلهن في صحيحة الحسين بن أبي علاء (1) و في موثق غياث بن إبراهيم عن أبيه 2 و في موثق سدير زيادة ( (و الغراب إلّا بقع ترميه)) (3) و كذا في‌

____________

(1) 1، 2 نفس المصدر و الباب. ح 5.

(3) نفس المصدر و الباب. ح 8.

31

[مسألة 206: لا بأس للمحرم أن يرمي الغراب و الحدأة]

(مسألة 206): لا بأس للمحرم أن يرمي الغراب و الحدأة، و لا كفارة لو أصابهما الرمي و قتلهما (1).

____________

صحيح الحلبي (1) بل فيه ( (الأفعى و كل حية سوء)) (2) و في موثق غياث زيادة ذكر الزنبور و النسر و الذئب (3).

(1) قد تقدم ما يدل عليه في نصوص المسألة السابقة فراجع.

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 11.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 6.

(3) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 8.

32

[كفارات الصيد]

كفارات الصيد

[مسألة 207: في قتل النعامة بدنة]

(مسألة 207): في قتل النعامة بدنة، و في قتل بقرة الوحش بقرة، و في قتل حمار الوحش بدنة أو بقرة، و في قتل الظبي و الأرنب شاة، و كذلك في الثعلب على الأحوط (1).

[مسألة 208: من أصاب شيئاً من الصيد]

(مسألة 208): من أصاب شيئاً من الصيد فإن كان فداؤه بدنة و لم يجدها فعليه إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مُدّ، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، و إن كان فداؤه بقرة و لم يجدها فليطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يقدر صام

____________

(1) و يدل عليه نصوص كصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله و فيه. أن في النعامة بدنة و كذا في حمار الوحش، و في البقرة بقرة)) (1)

و في صحيح حريز عن أبي عبد الله أنه في النعامة بدنة و في حمار الوحش بقرة و في الضبي شاة و في البقرة بقرة)) (2) و غيرها من الروايات (3) كصحيح سليمان ابن خالد و أما الأرنب فيدل عليه صحيح البزنطي عن أبي الحسن (4) و الحلبي (5).

____________

(1) أبواب الكفارات، ب 1، ح 4.

(2) أبواب الكفارات، ب 1، ح 1

(3) أبواب الكفارات، ب 2 و 3 و 11 و 18.

(4) أبواب الكفارات، ب 1، ح 2.

33

تسعة أيام، و إن كان فداؤه شاة و لم يجدها فليطعم عشرة مساكين، فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام (1).

____________

و أما الثعلب فيدل عليه معتبرة أبي بصير (1) و اشتمال السند على سهل سهل و اشتمالها على ابن أبي حمزة فهو و إن كان ملعوناً إلّا أن الراوي عنه هو البزنطي و احمد بن محمد الأشعري أو البرقي مما يدل على كون رويتهما عنه أيام استقامته لأن الطائفة قد قاطعته بعد ذلك. سكوته في صحيح البزنطي السابق عن الثعلب دون الأرنب غير معارض إذ لعل اكتفاءه بالإجابة عن الأرنب عنه بعد وحدة الحكم فيهما.

(1) و فيها أمور:

الأول: أن من كانت عليه كفارة بَدَنَة فلم يتمكن منها، أو إذا عجز عنها فوظيفته اطعام ستين مسكيناً. و يدل عليه عدّة روايات منها صحيح علي بن جعفر سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فإن لم يجد فليتصدق على ستين مسكينا فإن لم يجد فليصم ثمانية عشر يوماً (2).

و مثله صحيح محمد بن مسلم و زرارة (3). و مثلها صحيح أبي بصير بطريق الصدوق (4).

____________

(1) أبواب الكفارات، ب 4، ح 4.

(2) الوسائل أبواب كفارات الصيد، ب 2، ح 6.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 2، ح 9.

(4) نفس الباب، ح 3.

34

..........

____________

ثمّ إن صحيح محمد بن مسلم و زرارة قوله فإن كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكيناً لم يزد على إطعام ستين مسكيناً، و إن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكيناً لم يكن عليه إلّا قيمة البدنة.

و مثلها صحيح جميل بن دراج عن بعض أصحابنا (1) و كذا ما في بعض الروايات من جعل مقدار المساكين عدلُ قيمة الهدي كصحيح محمد بن مسلم و غيره، و هو مفاد ظاهر الآية، فإن مقتضى إطلاق العدلية هو المطابقة لقيمة البدنة و إن قلّ عن ستين مسكيناً أو عدل ذلك صياماً. و قد حكى التزامه بذلك بعض.

و أشكل عليه: بأن قيمة البدنة في الغالب تزيد على ستين مسكين و انخفاظها إلى ما دون ذلك نادر و شاذ.

و قد يقرب الاشكال بعبارة أخرى. أن قيمة البدنة ليس من الضروري أن تعدل قيمتها مقدار ستين مسكيناً، بل إما تزيد كما هو الغالب أو تنقص. اضف إلى ذلك أن المدّ من الطعام الذي يقدّر عدده بعدد المساكين إن جعل من البرّ فيختلف عن القيمي أو غيره من الأطعمة.

أقول: قد حكى صاحب الحدائق ثلاثة أقوال عن الأصحاب و أن الأكثر أختار التعديل و المقابلة في القيمة فلم يحدده بالستين كما لم يحدد بالصيام بثمانية عشر، و هذا هو مقتضى الظهور البدويّ في الآية، إلّا أن اكثر الروايات قد نفت الزيادة على ستين مسكين حتى الروايتين المزبورتين فلا مناص من رفع اليد عن إطلاق التعديل في الآية.

____________

(1) نفس الباب، ح 2.

35

..........

____________

و إما النقصان عن ستين فهو و إن كان له وجه لصحيح محمد بن مسلم و زرارة و هو مقتضى التعديل أيضاً إلّا أن الاحوط الوقوف على الستين لقوة كون ذلك العدد تحديداً شرعياً لمتوسط القيمة فيكون تحديداً في تقريب، نظير ما وقع في تحديد مثل الصيد من النعم مع أن الآية مطلقة و كما سيأتي في ترتيب هذه الكفارة مع أن ظاهر البدوي للآية يقتضي التخيير بل إن في ذيل الآية الشريفة العديد من الروايات المعتبرة الواردة (1) المفسرة لقوله يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أن العدل رسول الله و الإمام من بعده أي مما فوض حكمه إليهم ((صلوات الله عليهم)).

الثاني: ظاهر الأصحاب بل حكي عنه الاجماع أن الكفارة مرتبة و حكي عن العلامة التخيير و مال إليه في الحدائق.

و ظاهر الأخبار المزبورة يقتضي الترتيب و ظاهر الآية و إن كانت يقتضي التخيير إلّا أن لفظة ( (أو)) تستعمل بمعنى ( (الواو)) لمطلق الجمع كما في قوله تعالى: وَ لٰا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (2) و قوله تعالى: وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ (3) فيرفع اليد عن الظهور المنسبق لها.

و استدل في الحدائق بصحيحة حريز عن أبي عبد الله أنه قال: ( (و كل شي‌ء في القرآن ( (أو)) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، و كل شي‌ء في القرآن فمن لم يجد فعليه كذا فالأول بالخيار)) (4)

____________

(1) تفسير البرهان.

(2) الإنسان 24.

(3) النور: 61.

(4) أبواب بقية كفارات الإحرام، ب 14، ح 1.

36

..........

____________

و فيه: ان مفاد هذه الرواية لا يزيد عن الظهور الإطلاقي للآية فيقيد إطلاقها.

الثالث: في جنس الطعام فقد عبّر في العديد من الكلمات بالبُرّ، و في كلمات أخرى أطلق الإطعام، و عن العلامة و الشهيد الثاني التصريح باجزاء مطلق الطعام و لو غير البر و في لسان العرب عن الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البرّ خاصة))- و قال أيضاً- و أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البرّ خاصة)) و في مجمع البحرين الطعام: ( (ما يؤكل و ربما خص بالبُرّ))

و أما الروايات فقد ورد في كفارة اليمين ما يعطي الاختصاص كصحيحي الحلبي و هشام بن الحكم (1) و في بعض ما ورد في كفارة الإفطار في شهر رمضان الإطعام بالتمر. و في خصوص المقام روى الكليني بإسناده إلى الزهري عن علي بن الحسين فيه ( (قال: يقوم الصيد قيمة عدل ثمّ يغض تلك القيمة على البرّ، ثمّ يكال ذلك البرّ أصواعاً ...)) (2) و في الفقه الرضوي أورد عين العبارة (3) هذا و التعدي عن كفارة اليمين في الروايات (4) الأولى على تقدير تسليم دلالتها على الحصر، محل تأملٍ. و كذا الحال في دلالة رواية الزهري فإن استفادة الحصر منها محل تأمل. مضافاً إلى أن نزول القرآن الكريم على لغة الحجاز في استعمال الألفاظ و تفهيم المعاني محل تأمل فضلًا عن الروايات، و تمام الكلام موكول لباب الكفارات.

____________

(1) أبواب الكفارات، ب 14.

(2) أبواب بقية الصوم الواجب، ب 1، ح 1.

(3) فقه الرضوي: 201، ب 29.

(4) أبواب الكفارات، ب 12 و 14.

37

..........

____________

الرابع: في المراد من البدنة: فقد نقل في لسان العرب عن أكثر اللغويين تعميمها إلى الإبل و البقرة و حكى في مجمع البحرين عمن حكى أن أئمة اللغة قد خصوها بالإبل و يدفع التعميم ظاهر قوله تعالى: وَ الْبُدْنَ جَعَلْنٰاهٰا لَكُمْ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ لَكُمْ فِيهٰا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهٰا صَوٰافَّ فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا (1) و هو كناية عن النحر نعم العامة حيث بنو على تعميم النحر إلى البقر فعمموا البدنة مضافاً لأخذهم المعنى الوصفي للمادة لمطلق السنم و عظم الجسم.

و على أي تقدير فيرفع إرادة التعميم في المقام المقابلة في الروايات الواردة بين كفارة النعامة و غيرها من الحمار و نحوه بثبوت البدنة في الأول و البقرة في الثاني مما يدل على المقابلة بينهما.

و في رواية أبي الصباح عبر ( (و في النعامة جزور)) (2) و هو دال على الاختصاص بالإبل و التعميم إلى الذكر و الأنثى.

الخامس: أن المقدار اللازم من الطعام هو مدّ، و أن أستحب أن يكون على الضعف نصف صاع جمعاً بين الروايات الدالة على كل منها.

و نظيره ورد في روايات كفارةً اليمين مع التصريح بانتداب ما زاد عليه مدّ في روايات أخرى.

السادس: في الصيام الذي هو بدلٌ عن الإطعام، قولان: الأوّل: ستون يوماً، و الثاني: ثمانية عشر يوماً. و نسب الأول لجماعة. و وجه القولين اختلاف الروايات،

____________

(1) الحج: 36.

(2) كفارات الصيد، ب 1، ح 3.

38

..........

____________

فيدل على الأول صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد الله ( (و فيها)) لكل مسكين نصف صاع فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوماً (1).

و صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر: فليصم بقدر ما بلغ لكلِّ طعام مسكين يوماً (2).

و في موثق ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ... ثمّ يصوم لكل يوماً، فإن زادت الإمداد على شهرين فليس عليه اكثر منه (3).

و يدل على الثاني صحيح علي بن جعفر (4). و صحيح أبي بصير (5). و كذا معتبرة داود الرقي (6). و أبان بن تغلب (7). و صحيح معاوية ابن عمار قال: قال أبو عبد الله: ( (و من أصاب شيئاً فداؤه بدنة من الإبل، فإن لم يجد ما يشتري بدنه فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مداً، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً، مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، ...)) الحديث (8).

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 2، ح 1.

(2) نفس الباب، ح 10.

(3) نفس الباب، ح 5.

(4) نفس الباب، ح 6.

(5) نفس الباب، ح 3.

(6) نفس الباب، ح 4.

(7) نفس الباب، ح 11.

(8) نفس المصدر، ح 13.

39

[مسألة 209: إذا قتل المحرم حمامة و نحوها في خارج الحرم فعليه شاة]

(مسألة 209): إذا قتل المحرم حمامة و نحوها في خارج الحرم فعليه شاة، و في فرخها حمل أو جدي، و في كسر بيضها درهم على الأحوط، و اذا قتلها المحل في الحرم فعليه درهم، و في فرخها نصف درهم، و في بيضها ربعه، و اذا قتلها المحرم في الحرم فعليه الجمع بين الكفارتين، و كذلك في قتل الفرخ و كسر البيض، و حكم البيض إذا تحرك فيه الفرخ حكم الفرخ (1).

____________

و الرواية نص في الثمانية عشر و أن العدلية هي بين كل عشرة مساكين و ثلاثة أيام من الصيام، و يعضد مفادها ما في الآيات السابقة على كفارة الصيد من ذكر كفارة اليمين حيث جعل فيها بدل إطعام عشرة مساكين صيام ثلاثة أيام، فيحمل ما تقدم في النصوص السابقة في القول الأول على الاستحباب لا سيّما الإشعار الموجود في مرسل ابن بكير المتقدم.

ثمّ لا يخفى أن مقتضى الروايات الواردة في المقام عدم تقييد الصيام بالتتابع كما هو مقتضى حسنة سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن في حديث قال: ( (انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار و كفارة الدم و كفارة اليمين)) (1).

(1) و يدل على كل ذلك النصوص الواردة في المقام، و يحمل المطلق منهما على المقيد بلا مئونة في مراجعة النصوص فلاحظ الأبواب المزبورة (2).

نعم بيضها في الحلّ ورد في صحيحة حريز أن على المحرم درهم (3) و ورد في‌

____________

(1) أبواب بقية الصوم الواجب، ب 10، ح 3.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 9 و 10 و 11 و 16 و 22.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 9، ح 1.

40

[مسألة 210: في قتل القطاة و الحَجَل و الدُرّاج و نظيرها حمل قد فطم من اللبن و أكل من الشجر]

(مسألة 210): في قتل القطاة و الحَجَل و الدُرّاج و نظيرها حمل قد فطم من اللبن و أكل من الشجر، و في العُصفور و القُبَّرة و الصعوة مد من الطعام على المشهور، و الأحوط فيها حمل فطيم، و في قتل جرادة واحدة تمرة، و في أكثر من واحدة كف من الطعام، و في الكثير شاة (1).

____________

صحيحة سليمان بن خالد ( (و ان لم يكن تحريك فدرهم و للبيض نصف درهم)) (1) فمقتضى الصحيحة الثانية التفصيل في البيض أن الدرهم للبيض إن اشتمل على الفرخ لم يتحرك، و إن لم يشتمل فنصف درهم. كما يظهر من صحيحة سليمان بن خالد أن الفرخ في البيض إن تحرك حكم الفرخ الخارج عن البيضة.

(1) أما كفارة القطاة و الحجل و الدُراج و نظيرها فيدل عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي جعفر قال: في كتاب أمير المؤمنين علي ( (من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعلية دمٌ)).

و في صحيح مسكان عنه عن أبي عبد الله في القطاة .. حملٌ قد فطم من اللبن و اكل من الشجر (2).

و أما العصفور و القبّرة و الصعوة فقيل أنه يندرج في نظائر ما تقدم فيكون فيه حمل فطيم. و فيه ما لا يخفى إذا النظير لما تقدم ما يكون بحجمها و حكى عن الصدوقين أن الكفارة فيه شاة، و قد يكون تمسكاً منهما بعموم الفداء على مطلق الصيد كصحيح زرارة (3). و موثق أبي بصير (4). إلّا أنه لا مجال للاطلاق مع ورود‌

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 9، ح 11.

(2) أبواب كفارات الصيد ب 5، ح 2.

(3) أبواب كفارات الصيد، ح 1.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 7 و 5.

41

..........

____________

النصوص الخاصة الآتية.

و قد يؤيد بأن كفارة كسر بيض القطاة هو نتاج بكارة الغنم (1). حيث أن العصفور و نحوه لا يقل عن ذلك.

هذا و قد روى عن صفوان بن يحيى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله: القنبرة و العصفور و الصعوة يقتلها المحرم. قال: عليه مدّ من طعام لكل واحد (2). و الرواية و إن وصفت بالإرسال إلّا أن المرسل هو صفوان، مضافاً إلى أن التعبير ببعض أصحابنا، و هو يختلف عن التعبير عن رجل أو عمن أخبره أو ..، مؤيداً ذلك بعمل القدماء بهذه الرواية.

و أما الجراد فقيل بأن كفارتها تمرة كما عن الشيخ في المبسوط، و قيل كفّ من طعام، و قيل بالتخيير.

و الروايات الواردة في المقام منها صحيح معاوية عن أبي عبد الله قال: قلت: ما تقول في من قتل جرادة و هو محرم: قال: تمرة خيرٌ من جرادة (3).

و مثله صحيح زرارة، و صحيح ممد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: سألته عن محرم قتل جرادة؟ قال: ( (كفٍ من طعام، و إن كان أكثر فعلية شاة)) (4).

و قد رواه الكليني بطريق آخر عن محمد بن مسلم إلّا أنه ذكر في السؤال‌

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 25.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 7، ح 1.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 7، ح 3.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 37، ح 1.

42

[مسألة 211: في قتل اليربوع و القُنفُذ و الضّب و ما أشبهها جدي]

(مسألة 211): في قتل اليربوع و القُنفُذ و الضب و ما أشبهها جدي، و في قتل العظاية كف من الطعام (1).

____________

( (قتل جرادة)) فيكون الجواب التفصيل بين الجرادة و الكثير بخلاف ما في الاستبصار فإنه تفصيل بين الكثير و الجمع. و قد رويت صورة الرواية في نسخ آخر، كما ذكر صاحب الوسائل و الحدائق بجعل فرض السؤال: ( (جراداً كثيراً))، أي التفصيل بين الكثير و الأكثر و على أي تقدير فلا تنافي بين ما ورد في الجرادة إنه تمرة و ما ورد من أنه كف من طعام. فإن تمرة في الجرادة الواحدة، و الكف في أدنى الجمع فما فوق و الشاة في المجموعات الكثيرة.

و صورة الرواية في طريق الكليني الواقع فيه سهل بن زياد لا يعارض به صورة الرواية في طريقي الشيخ لعدم إتقان و ضبط سهل كما وقفنا عليه في موارد هذا و في رواية عروة الحناط (1): إن أصاب جرادة و أكلها عليه دم.

(1) و يدل عليه صحيح مسمع بن عبد الملك (2) و صحيح معاوية (3). نعم في الأول لاشتماله على تعليل دال على عموم ثبوت الجدي في أمثال تلك الحيوانات و غيرها مما لا يؤكل. أي أنه صالحٌ لثبوت الكفارة المزبورة في مطلق ما لا يؤكل و ما لا ينتفع به. نعم حكي عن أبي الصلاح القول بأن كفارة الثلاثة حملٌ قد فطم و لم نقف على رواية خاصة في ذلك سوى الاطلاقات المشار إليها المتقدمة.

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 37، ح 5.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 6، ح 1 و ح 2.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 7، ح 3.

43

[مسألة 212: في قتل الزنبور متعمداً إطعام شي‌ء من الطعام]

(مسألة 212): في قتل الزنبور متعمداً إطعام شي‌ء من الطعام، و إذا كان القتل دفعاً لإيذائه فلا شي‌ء عليه (1).

[مسألة 213: يجب على المحرم أن ينحرف عن الجادة إذا كان فيها الجراد]

(مسألة 213): يجب على المحرم أن ينحرف عن الجادة إذا كان فيها الجراد، فإن لم يتمكن فلا بأس بقتلها (2).

____________

(1) و قد اختلف تعبير الأصحاب عن الكفارة في العمد بالتصدق بشي‌ء أو بتمرة و إن كانت كثيرة فمدٍّ من طعام، و ثالث بكف من تمر و طعام. الوجه في اختلاف الأقوال اختلاف السن الروايات. ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله التفصيل بين الخطأ و العمد و بين ما إذا أراده أو لم يرده. و قال: يطعم شيئاً من الطعام (1). و في موثق غياث ابن إبراهيم عن ابيه عن أبي عبد الله قال: يقتل المحرم الزنبور و النسر و الأسود الغدر و الذئب ما خاف أن يعدو عليه ... الحديث (2). يستفاد منها جواز القتل عند الخوف و معرضية الإيذاء. و إن لم يرده. و مثلهما رواية وهب بن وهب (3). و لعل من اسقط الكفارة في الزنبور اعتمد على الموثق المزبور. لكن الصحيح التفصيل بين ما كان في معرض الإيذاء و ما لم يكن كذلك في ثبوت الكفارة في الثاني و هي مطلق ما صدق عليه القليل من الطعام و لعل من بنى على التمرة تعدياً لما ورد في الجرّاد.

(2) لتجنب قتل الصيد فإن لم يتمكن فالعجز عذرٌ رافع للحرمة مضافاً إلى‌

____________

(1) أبواب الكفارات، ب 8، ح 1.

(2) أبواب تروك الإحرام، ب 81، ح 8.

(3) نفس الباب، ح 12.

44

[مسألة 214: لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد منهم كفارة مستقلة]

(مسألة 214): لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد منهم كفارة مستقلة (1).

[مسألة 215: كفارة أكل الصيد ككفارة الصيد نفسه]

(مسألة 215): كفارة أكل الصيد ككفارة الصيد نفسه، فلو صاده المحرم و أكله فعليه كفارتان (2).

____________

النصوص الواردة (1).

(1) للنصوص الواردة (2).

(2) و حكى في الحدائق قولين للأصحاب في فرض اجتماع القتل و الأكل للصيد الأول بوجوب الفداء عن النهاية و المبسوط و التذكرة و المختلف و المسالك و الثاني بوجوب القيمة عن الخلاف و الشرائع و ذهب المحقق الاردبيلي و تلميذه إلى نفي كفارة الأكل مع اجتماعها بالصيد و البحث في مقامين:

الأول: في مماثلة كفارة الأكل لكفارة الصيد.

الثاني: في تكرر الكفارة بهما.

و الروايات الواردة في المقام على ألسن منها ما كان بلسان ثبوت ( (قيمة الصيد)) كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: ( (اجتمع قوم على صيد و هم محرمون في صيده أو أكلوا منه، فعلى كل واحد منهم قيمته)) (3).

و مثله موثقة الآخر عن أبي عبد الله- في حديث- قال: و أي قوم اجتمعوا‌

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 38.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 18 و 19.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 1.

45

..........

____________

على صيد فأكلوا منه فإن على كل إنسان منهم قيمتاً (1) فإن اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك)) (2)، مثلها صحيحة منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد الله أهدي لنا طيراً مذبوحاً بمكة فأكله أهلنا فقال: ( (لا يرى به أهل مكة بأساً قلت: فأي شي‌ء تقول أنت؟ فقال عليهم ثمنه)) (3). إلّا ان الصحيحة لم يقيد موردها بأكل المحرم.

و منها ما كان بلسان الفداء كصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ( (عن قوم اشتروا ظبيا فأكلوا منه جميعاً و هم حرم ما عليهم؟ قال: على كل من أكل منهم فداء صيد، كل إنسان منهم على حدته فداء صيد كاملًا)) (4).

و مثلها الروايات الواردة في الاضطرار للصيد إنه يأكله و يفديه (5) و مثلها أيضاً الصحيح إلى ابن عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله قال: قلت له المحرم يصيب الصيد فيفديه أ يطعمه أم يطرحه قال: ( (يكون عليه فداء آخر قلت: فما يصنع به؟ قال يدفنه)) (6).

و لا تعارض هذه الرواية بالروايات الدالة على جواز أكل المحلّ مما اصطاده‌

____________

(1) و في موضع آخر (قيمة قيمة).

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 3.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 10، ح 2.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 2.

(5) أبواب كفارات الصيد، ب 43.

(6) أبواب تروك الإحرام، ب 10، ح 3.

46

..........

____________

المحرّم إذ الحلية للمحل لا تنافي ثبوت الفداء على أكل المحرم له أو تمكينه الآخرين من الأكل و مثلها الصحيحة الأخرى لابن أبي عمير عن خلاد السري (1).

و منها ما دل على ثبوت فداء مخصوص.

مثل صحيح أبان بن تغلب قال سألت أبا عبد الله عن محرمين أصابوا فراخ نعام فذبحوها و أكلوها فقال: ( (عليه مكان كل فرخ أصابوه و أكلوه بدنة يشتركون فيهن فيشترون على عدد الفراخ و عدد الرجال)) الحديث (2).

و الصدوق روى الرواية بإسقاط كلمة ( (فذبحوها)) و هي على التقديرين دالة على وحدة الكفارة عند اجتماع القتل و الأكل لأن الإصابة بمعنى القتل و الصيد و حينئذ تكون الرواية خاصة في فراخ النعام في مقابل الروايات السابقة العديدة الدالة على تعدد الكفارة كما هو مقتضى القاعدة أيضا فلا تصلح مستندا لقول الاردبيلي و تلميذه. و موثق يوسف الطاطري قال قلت لأبي عبد الله صيد أكله قوم محرمون؟ قال: ( (عليهم شاة شاة و ليس على الذي ذبحه إلّا شاة)) (3).

و موثق أبي بصير عن أبي عبد الله سألته عن قوم محرمين اشتروا صيداً فاشتركوا فيه فقالت رفيقة لهم اجعلوا لي فيه بدرهم فجعلوا لها فقال: ( (على كل إنسان منهم شاة)) (4).

____________

(1) أبواب تروك الإحرام، ب 10، ح 2.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 4.

(3) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 8.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 18، ح 5.

47

..........

____________

و صحيح زرارة قال سمعت أبا جعفر يقول: ( (من نتف إبطه أو قلم ظفره ... أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله و هو محرم ... و من فعله متعمداً فعليه دم شاة)) (1).

و حسنة الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله قال: سئل عن رجل أكل من بيض حمام الحرم و هو محرم. قال: عليه لكل بيضة دم، و عليه ثمنها سدس أو ربع.- الوهم من صالح- ثمّ قال: إن الدماء لزمته و هو محرم و إن الجزاء لزمه لأخذه بيض حمام الحرم (2).

و المفروض في مورد هذه الرواية تعدد الكفارة إلى ثلاث حيث أنه كسر البيض و هو محرم و اكله كذلك و كون البيض في الحرم. فهذه الرواية قد وحدت بين كفارة كسر المحرم و أكله، نظير صحيحة أبان بن تغلب المتقدمة.

و بعبارة أخرى إن الكفارة هنا اثبتت للأكل و هي شاة و لم تماثل كفارة كسر البيض فالحكم خاص بالمورد من جهتين، الأولى من جهة تغاير جنس الأكل مع كفارة اصابة الصيد الثانية من جهة عدم تعدد كفارتهما. فيكون الحكم خاصاً ببيض حمام الحرم، إلّا أن التعليل في هذه الرواية يصلح لعموم ثبوت أصل الكفارة أو مطلق الكفارة للأكل.

ثمّ إن الجمع بين الطائفتين الأوليتين هو بحمل ما دل على القيمة في موارد كون اصابة الصيد كفارته القيمة، حيث لم ينص على فداء خاص له. كما قيل في الإبل و اليحمور و الوعل و غيرها فيقيد إطلاقها بخصوص مفاد الطائفة الثانية‌

____________

(1) أبواب بقية كفارات الإحرام، ب 8، ح 2.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 10، ح 4.

48

[مسألة 216: من كان معه صيد و دخل الحرم يجب عليه إرساله]

(مسألة 216): من كان معه صيد و دخل الحرم يجب عليه إرساله، فإن لم يرسله حتى مات لزمه الفداء، بل الحكم كذلك بعد إحرامه و إن لم يدخل الحرم على الأحوط (1).

____________

الواردة في الصيد الذي عين لإصابته فداء خاص. اما الطائفة الثالثة فمفاد صحيحة زرارة ثبوت الشاة لأكل كل الصيد، و يعضده موثق الطاطري و يؤيده موثق أبي بصير و حينئذ فيحمل الفداء الذي في الطائفة الثانية على الشاة.

نعم يبقى الكلام في النسبة بين الطائفة الثالثة و الأولى فهل هي التباين ليجمع بينهما بالتخيير، أو تلحظ النسبة بينهما بعد انقلاب النسبة بتوسط الطائفة الثانية، و هو إن لم يكن أقوى فهو أحوط. و الأظهر تماثل كفارة القتل و الأكل و تكررها و ذلك لدلالة روايات القيمة على تماثل الاكل و القتل بعد حملها على القيمى الذي لم يعين له فداء مخصوص و امكان حمل روايات الشاة على كون فداء الصيد ذلك و لو بقرينة ذكر كفارة الذبح في بعضها انه شاة و نظيره اكل بيض الحمام حيث في كفارة اكله شاة مضافاً إلى ما في صحيح خلاد أن في الأكل فداء آخر متكرر مع الاصابة و أما صحيح منصور فالقيمة الواحدة هي للحرم لا للإحرام. و كذلك صحيح علي بن جعفر فإن مفاده أن كفاء الأكل هو الفداء المقرر في الصيد.

(1) يقتضي أصل الحكم عموم الروايات المتقدمة المشيرة إلى عموم قوله تعالى: وَ مَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (1)، و يدل عليه في خصوص المقام موثق ابن بكير و صحيح بكير قال سألت أحدهما عن رجل أصاب طيراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم فمات فقال ان كان حين أدخله الحرم خلي سبيله فمات ف فلا شي‌ء عليه، و إن كان‌

____________

(1) آل عمران: 97.

49

[مسألة 217: لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصيد و أكله بين العمد و السهو و الجهل]

(مسألة 217): لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصيد و أكله بين العمد و السهو و الجهل (1).

[مسألة 218: تتكرر الكفارة بتكرر الصيد جهلًا أو نسياناً أو خطأً]

(مسألة 218): تتكرر الكفارة بتكرر الصيد جهلًا أو نسياناً أو خطأً، و كذلك في العمد إذا كان الصيد من المحل في الحرم، أو من المحرم مع تعدد الإحرام،

____________

أمسكه حتى مات عنده في الحرم فعليه الفداء)) (1). مضافاً إلى ما تقدم من أن اصابة الصيد في الحرم توجب ضمان القيمة على المحل و المحرم و الامساك حتى الموت نوع من الاتلاف أما ذيل رواية أبي سعيد المكاري فهي من عبارة الشيخ في شرح المقنعة. ثمّ إن ظاهر الرواية لزوم الفداء على المُحلِّ و المحرم لإطلاق عنوان الرجل فيهما. نعم يبقى الكلام في ان مقتضى الرواية لزوم الفداء، و مقتضى ما تقدم من اصابة الصيد في الحرم هو القيمة. و الظاهر حمل الفداء على القيمة كما تقدم في روايات صيد المحلّ في الحرم حيث تضمّن بعضها عنوان الفداء (2).

و أما المحرم فقد تقدم حرمة امساك الصيد عليه مطلقاً كما حكي عن العلامة (3) الاجماع على لزوم الفداء عليه و إن كان في الحلّ. و الوجه في ذلك ما ذكرناه من أنه اتلاف للصيد فيندرج في اصابة الصيد.

(1) للنصوص المستثنية له عن رافعية الجهالة (4)

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 12، ح 8.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 44.

(3) المنتهى.

(4) أبواب كفارات الصيد، ب 31.

50

و أما إذا تكرر الصيد عمداً من المحرم في إحرام واحد لم تتعدد الكفارة (1).

____________

(1) مقتضى القاعدة تكرّر كفارة الصيد لعدم تداخل الاسباب و المسببات، مضافاً إلى تنصيص صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله في المحرم يصيب الصيد. قال: ( (عليه الكفارة في كلِّ ما أصاب)) (1).

و خصص هذا العموم بقوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ ... لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ (2).

و مورد الآية ما إذا أرتكب قتل الصيد مرتين عمداً لأخذ العمد في صدر الآية، و التعبير في ذيلها بالعود و الانتقام. لكن الكلام في معنى العمد هل هو أن يقتله و هو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فلو كان ناسياً لإحرامه أو جاهلًا بالحكم فيصدق عليه أنه مخطئ كما ذكر ذلك في الكشاف؟ أو أن العمد هو العمد للقتل و إن كان ناسياً لإحرامه، فالمتعمد يعمّ الجاهل و العالم بالحكم كما ذكر ذلك في مجمع البيان.

و الأظهر ما ذكره الكشاف، و الفاضل الجواد في مسالكه، و البيضاوي في تفسيره، و كثير من المفسرين، و ذلك لأخذ معنى الإثم في العمد و هو لا يتحقق مع نسيان الحكم أو الجهل به.

و تعريف العمد و إن طلق في كثير من كلمات اللغويين أنه مطلق القصد و إرادة الشي‌ء عن التفات، إلّا أن الأقوى هو ما ذكرناه كما يلاحظ في‌

____________

(1) أبواب كفارة الصيد، ب 47، ح 1.

(2) المائدة: 95.

51

..........

____________

موارد استخدامه. مضافاً إلى القرينة في خصوص المقام من ذكر الانتقام و هو في موارد تنجيز الحكم و كون الاصطياد في حاله ذكر الإحرام.

نعم في صدق العمد مع الجهل أو الجهل القصوري أو ناسي الحكم دون الإحرام إشكال كما وقع الكلام فيه في كتاب الصوم.

و بعبارة أخرى: إن كان العمد مضافاً و مسنداً للقتل المقيد بحالة الإحرام كما هو ظاهر الآية فلا يصدق مع نسيان الإحرام و لكن يصدق مع نسيان الحكم و الجهل به، و إن كان العمد مضافاً و أسند للإحرام أي الفعل بوصف الحرمة- فلا يصدق مع الجهل بالحكم و نسيانه، نظير الترديد في باب الصوم من أن العمد مضافاً للأكل و الفعل في الصوم أو إلى الفعل بعنوان المفطر أو الفعل بما هو حرام فالاختلاف منشؤه الاختلاف في استظهار العنوان المضاف إليه العمد و إلا فالعمد هو قصد الشي‌ء و اختياره و التوجه إليه زائداً على الفعل الاختياري، و الأظهر إضافة العمد إلى الفعل بقيد الإحرام أن الظاهر من الإحرام هو حالة تحريم التروك فلا يصدق مع الجهل المركب و لا مع الجهل القصوري و على كل تقدير فالمورد الخارج عن العموم بالآية هو ما إذا تكرر العمد.

و يدل على تخصيص العموم أيضاً صحيح الحلبي عن أبي عبد الله قال ( (المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاءه و تصدّق بالصيد على مسكين، فإن عاد فقتل صيداً آخر لم يكن عليه جزاء و ينتقم الله منه، و النقمة في الآخرة)) (1).

و مثله الصحيح إلى ابن أبي عمير إلى بعض أصحابه عن أبي عبد الله‌

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 48، ح 1.

52

..........

____________

قال ( (إذا صاب المحرم الصيد خطأ فعليه الكفارة فإن أصابه ثانياً خطأ فعليه الكفارة أبداً إذا كان خطأ فإن أصابه متعمداً كان عليه الكفارة فإن أصابه ثانياً متعمداً فهو ممن ينتقم الله منه و النقمة في الآخرة و لم يكن عليه كفارة)) (1).

و صحيح حفص الاعور عن أبي عبد الله (2) و قد اشتمل على نفس التفصيل و بهذه الروايات يندفع ما ذهب إليه جماعة منهم الشيخ في بعض كتبه و العلامة في المختلف و ابن الجنيد من عدم سقوط الكفارة في المتعمد بدعوى أن الانتقام في الآخرة لا ينافي ثبوت الكفارة و منع كون التقسيم و المقابلة في الآية يقتضي قطع الشركة. و هذا القول مضافاً إلى ضعفه في قبال تنصيص الروايات أن نقمة الأخرى لا تجتمع مع الكفارة في الدنيا كما ورد في الحدود من أن الله لا يجمع بين عقوبتين في الدنيا و الآخرة أي الجمع بين تشريع العقوبة في الدنيا و الجزاء بها في الآخرة فلا ينافي موارد تعجيل العقوبة التكوينية في الدنيا مع عذاب الآخرة.

ثمّ إن ظاهر صحيح الحلبي و إن لم يؤخذ في القتل الاول قتل العمد إلّا أنه بقرينة عدم أخذه لفظاً في الصيد الثاني أي التسوية بين التعبير في الصيد الاول مع الصيد الثاني يظهر كون المراد منهما متحداً و هو كون الصيد عمدياً لا سيما و أن الصحيحة في طريق آخر قد صرح فيها بذكر الآية التي موردها ذلك.

____________

(1) أبواب كفارات الصيد، ب 48، ح 2.

(2) أبواب كفارات الصيد، ب 48، ح 3.

53

[2- مجامعة النساء]

2- مجامعة النساء

[مسألة 219: يحرم على المحرم الجماع]

(مسألة 219): يحرم على المحرم الجماع أثناء عمرة التمتع، و أثناء العمرة المفردة، و أثناء الحج، و بعده قبل الإتيان بصلاة طواف النساء (1).

____________

(1) و يدلّ عليه قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (1) و هي دالة على الحرمة في إحرام الحج سواء كان في التمتع أو غيره و بالتالي تندرج عمرة التمتع فيه لكون فرض الحج ينشأ بها و يدل على اطلاق الحكم في العمرة المفردة عدة طوائف من الروايات.

منها: ما دل على لزوم طواف النساء في مطلق النسك حتى المفردة و أن بدونه لا يمكن التحلل من النساء إلّا به (2).

و منها: ما دل على تحريم النساء على المحرم مطلقاً (3).

و منها: ما دل على ثبوت الكفارة في لاستمتاع بالنساء (4) و غيرها من الطوائف.

أما امتداد الحرمة إلى صلاة الطواف فمبنى على جزئية الصلاة في الاعمال، و هو خلاف المشهور كما سيأتي.

____________

(1) البقرة: 197.

(2) أبواب الطواف، ب 2.

(3) أبواب تروك الإحرام، ب 12- 16.

(4) أبواب كفارات الاستمتاع بالإحرام.

54

[مسألة 220: إذا جامع المتمتع أثناء عمرته قبلا أو دبرا عالما عامدا]

(مسألة 220): إذا جامع المتمتع أثناء عمرته قبلا أو دبرا عالما عامدا، فان كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته، و وجبت عليه الكفارة و هي على الأحوط جزور، و مع العجز عنه بقرة، و مع العجز عنها شاة و ان كان قبل الفراغ من السعي فكفارته كما تقدم، و لا تفسد عمرته أيضاً على الأظهر، و الأحوط إعادتها قبل الحج مع الإمكان، و إلّا أعاد حجه في العام القابل (1).

____________

(1) و الأولى: تحرير البحث في هذه المسألة في مطلق العمرة، ثم البحث عن خصوص عمرة التمتع.

قال المجلسي في ملاذ الأخيار: و مذهب الأصحاب أن من جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته، و عليه بدنة و قضاؤها و لا نعلم فيه مخالف بل ظاهر عبارة المنتهى أنه موضع وفاق. و نقل عن ابن أبي عقيل التوقف، و خص الشيخ هنا الحكم بالمفردة، و ظاهر الاكثر عدم الفرق بينهما و بين المتمتع بها، و لم يذكر الشيخ و الاكثر وجوب اتمام العمرة الفاسدة و قطع العلامة في القواعد و الشهيدان و غيرهما بالوجوب انتهى. و مال إليه صاحب الجواهر بل استظهر أن يكون الفساد في العمرة تجوزاً كما هو في الحج، و أن العمرة الثانية عقوبة و الأولى هي الفرض و اختاره صاحب الحدائق قبله (1)، و قال ابن سعيد في الجامع ( (و اذا جامع في عمرة مبتولة قبل الطواف أو السعي فعليه بدنة و اتمامها و العمرة في الشهر الداخل)) في الغنية و الاصباح و المختصر النافع لم يعبروا بإفساد العمرة ب‍- ل ذكروا لزوم الكفارة و إعادة العمرة في الشهر اللاحق (2). لكن الظاهر من‌

____________

(1) الحدائق 361: 15.

(2) الجامع للشرائع: 188.

55

..........

____________

المشهور عدم فساد النسك بمعنى البطلان و إن استظهره غير واحد من كلماتهم، و ذلك بشهادة ما ذكروه في مسألة من افسد نسكه بالجماع ثمّ احصر كان عليه بدنة، للافساد و دمٌ للإحصار مما يدل على أنه لا يخرج من إحرامه بالجماع بل يبقى عليه و لا يتحلل إلّا بالمضي و اتمام النسك. ذكر ذلك في الشرائع في الحج في ذيل ترك الاستمتاع، و عطف صاحب الجواهر على نفس الفرض فيما لو اعتمر و كذا ما ذكروه من تكرر كفّارة الوطي بتكرر الوطء. قال في الغنية: و ليس للمخالف أن يقول إن الحج قد فسد بالوطي الأول، و الثاني لم يفسده فلا يجب به كفارة لأنه و إن فسد بالاول فحرمته باقية بدليل وجوب المضي فيه فتعلقت الكفارة بالمستأنف منه. انتهى.

و الظاهر عدم اختصاص ذلك بالحج و شموله للعمرة. كما اطلق ذلك الشهيد في الدروس (1) و قال في الانتصار و مما انفردت به الامامية القول بأن الجماع إذا تكرر من المحرم تكررت الكفارة سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في أماكن كثيرة و سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفر و خالف باقي الفقهاء في ذلك. نعم في ذيل استدلاله يظهر أن كلامه في الحج.

أما الروايات الواردة في المقام:

فصحيح بريد بن معاوية البجلي قال: سألت أبا جعفر عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه و سعيه. قال: عليه بدنه لفساد عمرته و عليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة.

____________

(1) الدروس 370: 1.

56

..........

____________

و صحيح مسمع عن أبي عبد الله في الرجل يعتمر مفردة، ثمّ يطوف بالبيت طواف الفريضة ثمّ يغشى أهله قبل ان يسعى بين الصفا و المروة، قال: قد افسد عمرته عليه بدنة و عليه أن يقيم بمكة (1) حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثمّ يخرج إلى الوقت الذي وقته رسول الله لأهله فيحرم منه و يعتمر (2).

و التقييد ب‍- (يقيم بمكة محلًا) في رواية الكليني و الشيخ دون الصدوق، و قد يستظهر من هذا التقييد الاحلال بفساد العمرة مضافاً إلى ظهور الفساد في البطلان كما نص عليه الشيخ في المبسوط، و العلامة في بعض كتبه، و نسب إلى المشهور، و لكن لم نقف على التعبير بالبطلان عند كثير من المتقدّمين، بل بعضهم لم يعبر بالفساد أيضاً، و قد عرفت ان بعضهم نص على الاتمام و الصحيح أن الافساد هنا في الروايات ليس بمعنى البطلان بل بمعنى النقصان، و يشهد لذلك عدّة قرائن: منها: جملة متقدمة في (مسألة 10) من فصل النيابة.

و منها: ما ورد في صحيح أبي بصير أنه سأل الصادق عن رجل واقع امراته و هو محرم. قال: عليه جزور كوماء. فقال لا يقدر. فقال ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له و لا يفسدوا حجه (3). فقد أسند الإفساد هنا إلى ترك الكفارة.

و منها: ما تكرر التعبير بالافساد في من جامع قبل الموقف في الحج مع إرادة النقصان دون البطلان كما مرّ و أن حجته هي الأولى و الثانية عقوبة.

____________

(1) في التهذيب و الكافي: محلًا.

(2) أبواب كفارات الاستمتاع، ب 12، ح 2.

(3) أبواب كفارات الاستمتاع، ب 3، ح 13.