سند العروة الوثقى - كتاب الحج - ج4

- الشيخ محمد السند المزيد...
355 /
7

الجزء الرابع

المقدمة

الحمد لله الذي بصرنا معالم دينه و هدانا سبل أوليائه محمد و آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً‌

و بعد ..

هذا هو الجزء الرابع و الأخير من سند العروة الوثقى كتاب الحج للمحقق الحجة الشيخ محمد سند و قد أملاها على جمع من الفضلاء في أيام العطل الدراسية فجاءت- و لله الحمد- مشتملة على فوائد و قواعد علمية عامة لجميع الأبواب الفقهية‌

كقاعدة: بطلان إدخال نسك في نسك.

و قاعدة: توسعة المشاعر اضطراراً.

و قاعدة: لزوم الحج من قابل بفساد الحج.

1424 ه‍-/ قم‌

السيد أحمد الماجد‌

الشيخ حسن العصفور‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[السعى]

[أحكام السعي]

أحكام السعي

تقدم أن السعي من أركان الحج، فلو تركه عمداً عالماً بالحكم أو جاهلًا به أو بالموضوع إلى الزمان لا يمكنه التدارك قبل الوقوف بعرفات بطل حجه و لزمته الإعادة من قابل، و الأظهر أنه يبطل إحرامه أيضاً، و إن كان الأحوط الأولى العدول إلى الافراد و إتمامه بقصد الأعم منه و من العمرة المفردة (1).

____________

(1) تقدم في الطواف أنه يستظهر من المتقدمين و الاكثر تخصيص بطلان النسك بالترك العمدي في الطواف و السعي سواء كان جاهلًا بالحكم أو عالماً ما دام قد ترك الموضوع بخلاف ما لو لم يتركه من رأس بأن اتى به على غير وجه الصحة جهلًا بالحكم فضلًا عن الخلل الموضوعي غير العمدي سواء كان نسياناً أو جهلًا و يدل على ذلك في خصوص المقام مع ان مقتضى القاعدة هو البطلان بمقتضى اطلاق الجزئية- مقتضى المفهوم الاحترازي الوارد في صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله: ( (من ترك السعي متعمدا فعليه الحج من قابل)) (1) و صحيح معاوية بن عمار قال قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا و المروة. قال: ( (يعيد السعي)). قلت فإنه خرج قال: ( (يرجع فيعيد السعي إن هذا ليس كرمي الحجارة إن الرمي سنة و السعي بين الصفا و المروة فريضة)). و قال: في رجل ترك السعي متعمداً)). قال: ( (لا حج له)) (2). و في صحيحه الأخر ( (لا حج له)) فإن التقييد بالعمد‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 7، ح 2.

(2) أبواب السعي، ب 7، ح 3.

10

[مسألة 341: لو ترك السعي نسياناً أتى به حيث ما ذكره]

(مسألة 341): لو ترك السعي نسياناً أتى به حيث ما ذكره، و إن كان تذكره بعد فراغه من أعمال الحج فإن لم يتمكن منه مباشرة أو كان فيه حرج

____________

احترازي عن بقية صور الخلل و يعضد ذلك بل هو دليل آخر أيضاً ما يأتي في روايات الناسي للسعي و لو بعد انتهاء النسك انه يقضيه- أي السعي خاصة- من دون فساد في النسك فإن الناسي يستظهر منه مطلق الخلل غير العمدي لا سيما بعد أخذ قيد العمد في روايات البطلان، فإن مقتضى التقابل هو تخصيص البطلان بالعمد و الصحة في الخلل غير العمدي و قد جمع في صحيحة معاوية بن عمار بين الفرضين للمقابلة بينهما و هو ناصّ على عموم الصحة في مقابل العمد لا سيما و انه ابتدأ السؤال بالناسي ثمّ سأل عن العامد، و كأنه فهم من الناسي مطلق غير العامد، هذا مضافاً إلى أن النسيان قد ذكر في سؤال الراوي لا في كلامه، كقيد احترازي.

ثمّ ان ظاهر الروايات الأولى وجوب الحج عليه من قابل و فساد الحج الذي بيده، و حينئذ فيتحلل من إحرامه بعمرة لو كان ترك السعي في الحج إلى ان خرج ذي الحجة و أما ل‍- و كان ترك السعي في عمرة التمتع إلى أن انقضى وقتها فقد تقدم في الطواف و في من ضاق عليه و فاتته عمرة التمتع في فصل اقسام الحج (1) ان مقتضى القاعدة انقلاب إحرام عمرة تمتعه إلى حج الافراد ثمّ يأتي بعمرة مفردة بعد ذلك، و على ذلك فيكون الحج من قابل عقوبة.

____________

(1) سند العروة، كتاب الحج، ج 1.

11

و مشقة لزمته الاستنابة و يصح حجه في كلتا الصورتين (1).

____________

(1) و يدل عليه النصوص العديدة كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: قلت له رجل نسي السعي بين الصفا و المروة. قال: يعيد السعي. قلت: فإنه خرج (فاته ذلك حتى خرج) قال: يرجع فيعيد السعي إن هذا ليس كرمي الجمار إن الرمي سنة و السعي بين الصفا و المروة فريضة (1).

و صحيح محمد بن مسلم عن احدهما قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة قال: يطاف عنه (2). و مثلها رواية زيد الشحام (3). و صحيح محمد بن مسلم و إن كانت مطلقة بدواً و لكن حيث أن مقتضى القاعدة في التعبديات هي المباشرة، فالنيابة بدل اضطراري لا سيما في الحج ايضا بلحاظ ما ورد من الروايات في ذوي الاعذار كالمغمى عليه و المسلوس و نحوهما من أن اللازم عليهما الاتيان بأجزاء الحج مباشرة فإن لم يمكن فبالاستعانة بالغير، فإن لم يمكن فالاستنابة و النيابة، كذلك الحال في المقام. الا أن الكلام في أن مدار النيابة في خصوص المقام هو بالخروج عن مكة أو بقيد العجز، و الظاهر أن الخروج كناية عن المشقة و الحرج كما هو الحال في الطواف و غيره من أعمال الحج التي تتدارك بالاستنابة. فمن ثمّ كان مجرد الخروج عن مكة في ضواحيها في هذا الزمن لا يكون في الرجوع مشقّة بخلاف الأزمنة السابقة حيث ان القافلة لا تنتظره فتضيع عليه‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 8، ح 1.

(2) أبواب السعي، ب 8، ح 3.

(3) أبواب السعي، ب 8، ح 2.

12

[مسألة 342: من لم يتمكن من السعي بنفسه و لو بحمله على متن إنسان أو حيوان و نحو ذلك]

(مسألة 342): من لم يتمكن من السعي بنفسه و لو بحمله على متن إنسان أو حيوان و نحو ذلك استناب غيره، فيسعى عنه و يصح حجه (1).

[مسألة 343: الأحوط أن لا يؤخر السعي عن الطواف و صلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة]

(مسألة 343): الأحوط أن لا يؤخر السعي عن الطواف و صلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة كشدة الحر أو التعب و إن كان الأقوى جواز تأخيره إلى الليل، نعم لا يجوز تأخيره إلى الغد في حال الاختيار (2).

____________

فرصة الرجوع إلى بلده.

(1) و يدل عليه ما تقدم (1) في بحث الطواف من الروايات الواردة في ذوي الاعذار في اعمال الحج ان اللازم في المرتبة الأولى مباشرةً مستقلًا و في المرتبة الثانية بالاستعانة و في المرتبة الثالثة بالاستنابة و في المرتبة الرابعة بأن يوقع العمل فيه هذا مضافاً إلى ما تقدّم من صحيحة محمد بن مسلم و رواية زيد الشحام.

(2) يجوز تأخير السعي لعذرٍ كالتعب أو الحر و هل هو إلى الليل كما ذهب إليه المشهور شهرة عظيمة أو هو إلى الغد كما ذهب إليه المحقق أو التأخير للعذر بمقدار ما يزول مطلقاً بغض النظر عن الليل و النهار.

و بعبارة أخرى الخلاف في غير موارد الضرورة و الاضطرار العذري العام أي في غير موارد العذر الواصل إلى حد الضرورة، بل في العذر الذي في مرتبة المشقة و الحرج أو المتوسطين.

الاصح هو الثالث و الوجه في ذلك هو ما ورد من الروايات منها: صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل يقدم مكّة و قد اشتد‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 45 و 47 و 49.

13

..........

____________

عليه الحر فيطوف بالكعبة و يؤخر السعي إلى أن يبرد؟ فقال: ( (لا بأس به و ربما فعلته)). و قال: ( (و ربما رأيته يؤخر السعي إلى الليل)) (1). و التأخير إلى الليل ليس تحديداً بحد زماني، بل هو حدٌّ حالي و الزمان وقع كفرض لا كقيد و غاية زمانية للواجب.

و صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما عن رجل طاف بالبيت فأعيى أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة. قال: ( (نعم)) (2). و دلالته على جواز التأخير لا تزيد على الصحيح السابق.

و الوجه في ذلك أن جوابه كان عن التأخير للاعياء فلا يستفاد منه الاطلاق. و صحيحه الآخر عن احدهما قال: سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة إلى غد؟ قال: لا (3). و هذا ايضا لا يستفاد منه التحديد الزماني لوقت الواجب، بل مفاده عدم التأخير لأكثر من مدّة زوال العذر و ذكر الغد كمثالٍ لمدّة ارتفاع الاعياء، فليس المستفاد منها و ما قبلها ان من طاف آخر الليل فأعيى أنه لا يجوز له التأخير إلى طلوع نهار لليوم اللاحق و انه بخلاف من طاف أو نهار اليوم الأول انه يجوز له التأخر إلى آخر الليل و إن ارتفع العذر قبل ذلك.

و المحصل من دلالتها ه‍- و جواز التأخير للعذر بقدر ارتفاعه دون الزيادة على‌

____________

(1) أبواب الطواف، ب 60، ح 1.

(2) أبواب الطواف، ب 60، ح 2.

(3) أبواب الطواف، ب 60، ح 3.

14

[مسألة 344: حكم الزيادة في السعي حكم الزيادة في الطواف]

(مسألة 344): حكم الزيادة في السعي حكم الزيادة في الطواف، فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم و عمد على ما تقدم في الطواف، نعم إذا كان جاهلًا بالحكم فالأظهر عدم بطلان السعي بالزيادة و إن كانت الإعادة أحوط (1).

____________

ذلك بنحو فاحش.

ثمّ إنه يظهر من جملة روايات أخرى تقرر ارتكاز عدم الفصل بينه و بين الطواف لدى جملة من الرواة و امضاء ذلك منهم و أن الفصل ليس الا للعذر نظير صحيح ابن الحجاج قال سألت أبا إبراهيم عن رجل كانت معه امرأة فقدمت مكة و هي لا تصلي فلم تطهر إلى يوم التروية، فطهرت فطافت بالبيت و لم تسع بين الصفا و المروة حتى شخصت إلى عرفات هل تعتدّ بذلك الطواف أو تعيد قبل الصفا و المروة. قال: تعتد بذلك الطواف الأول و تبني عليه (1). و هو محمول على الخلل الغير العمدي و فيه تقرير لارتكاز الموالاة بين الطوافين. و في صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد الله عن رجل يطوف بالبيت فيدخل وقت العصر أ يسعى قبل أن يصلي أو يصلي قبل أن يسعى. قال: ( (لا بل يصلي ثمّ يسعى)) (2). و تقريب الدلالة فيها كما سبق، و غيرها من الروايات الكثيرة (3).

(1) من زاد في سعيه فإن كان عن عمد فيبطل، و إن كان عن سهواً و جهل في‌

____________

(1) أبواب الطواف، ب 61، ح 1.

(2) أبواب الطواف، ب 62، ح 1.

(3) أبواب الطواف، ب 63- 65- 77- 84- 85- 86 و أبواب أقسام الحج، ب 2.

15

..........

____________

ما أخره فيصح و يطرح ما زاد، و من زاد شوطاً سهواً ذهب المشهور لاستحباب اتمامه اسبوعاً ثانياً مع كون الابتداء فيه من المروة و الختم بالصفا و يدل على كل ذلك الروايات الواردة كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: ( (إن طاف الرجل بين الصفا و المروة تسعة أشواط فليسعى على واحد و ليطرح ثمانية، و إن طاف بين الصفا و المروة ثمانية اشواط فليطرحها و ليستأنف السعي)) (1). و صحيح عبد الله بن محمد عن أبي الحسن قال: ( (الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الاعادة و كذلك السعي)) (2). و إطلاق هذا الصحيح الاخير شامل للسهو ايضا اما الصحيح الأول فقد مر في مسألة البدو بالمروة حمل الصدوق و جماعة للشق الثاني على البدء بالمروة و تقدمت القرائن على ذلك الا أنه مرّ تضعيفه.

و صحيح محمد بن مسلم عن احداهما قال: ( (إن في كتاب علي إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة و استيقن ثمانية أضاف إليها ستاً (و كذا اذا استيقن انه سعى ثمانية أضاف إليها ستاً) فإن طاف ثمانية أشواط عامداً فعليه اعادة السعي)) (3). و مثله صحيحه الآخر. و هذه الصحيحة حملها الصدوق ايضا و كاشف اللثام على البدء بالمروة، و لكن وحدة السياق مع الطواف يعين كون البدأة بالصفا و أن المحذور في الخلل من جهة السهو في العدد، لا الخلل من جهة‌

____________

(1) أبواب السعي.

(2) أبواب السعي، ب 12، ح 2.

(3) التهذيب 502: 5. الوسائل، ب 13، ح 1.

16

..........

____________

البدأة و الترتيب الا أن في كشف اللثام احتمال كون الثاني هو الفريضة كما في الطواف، و نقل ذلك عن الشهيد لمحذور القران، فحينئذ يعين كون البدء من المروة في الاسبوع الأول. و قد تقدم في بحث القران في الطواف ان مؤدى صحيح محمد بن مسلم السابق يستظهر منه مانعية القران على نسق واحد في الطواف و السعي. فالاتمام للاسبوع الثاني ليس استحبابياً بل إلزاميا كما عن ابن زهرة لتصحيح السعي عن الابتلاء بالقران لأنه يبطل السابق دون اللاحق. و على ذلك تكون صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة الآمرة بالبناء على واحد في صورة إتيان التسعة و بطرح الثمانية دالة على محذور القران أيضاً و أن الشوط الثامن يبطل الاسبوع الأول فيكون مجيئه بالتاسع ابتداءً باسبوع جديد و إن لم يعلم هو بذلك. و أمّا في صورة اتيان الثمانية فيبطل ما أتى به و يستأنف السعي فلا تكون الروايات السابقة مستنداً لاستحباب الطواف الثاني كما ذكر في كشف اللثام، و من ثمّ حملت صحيحة محمد بن مسلم على البدأة بالمروة لكنك عرفت القرائن الدافعة لهذا الحمل، نعم في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم في رجلٍ سعى بين الصفا و المروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: ( (إن كان خطأ أطرح واحداً و اعتد بسبعة)) (1). و هذه الرواية جمع المشهور بينها و بين ما سبق بالتخيير بين اكمال الزيادة اسبوعاً ثانياً و بين إطراح الزائد و يتأتى فيها ايضا ما احتمله الصدوق و كاشف اللثام من كون الشروع من المروة و إن الشوط المطروح هذا الأول، و على هذا تكون الرواية دليلًا لما ذهب إليه صاحب الجواهر في مسألة البدأة في المروة من‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 13، ح 3.

17

..........

____________

أن اللازم إطراح الشوط الأول خاصة، و في صحيح معاوية بن عمار الأخر قال من طاف بين الصفا و المروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية و اعتد بسبعة و ان بدا بالمروة فليطرح و يبدأ بالصفا (1). و تقريب الدلالة فيه هو ما مرَّ في صحيحة محمد بن مسلم، و في صحيح هشام بن سالم قال سعيت بين الصفا و المروة أن و عبيد الله بن راشد فقلت له تحفظ عليّ فجعل يعدّ ذاهباً و جائياً شوطاً واحداً فبلغ مثل ذلك فقلت له كيف تعد ذاهباً و جائياً شوطاً واحداً فأتممنا أربعة عشر شوطاً فذكرنا لأبي عبد الله فقال: ( (قد زادوا على ما عليهم، ليس عليهم شي‌ء)) (2).

و نظيره صحيح جميل بن درّاج إلا أن فيه و نحن صرورة و قوله: ( (لا بأس سبعة لك و سبعة تطرح)). و ظاهر هذه الصحيحة الاخيرة البدوي ينافي استحباب الاسبوع الثاني و مثلها في ذلك صحيح معاوية بن عمار الثاني. إلا أن يحمل معنى الطرح على عدم الاعتداد به من الواجب لا على عدم الاعتناء به و لو مندوباً، ثمّ إنَّ مقتضى صحيح جميل بن دراج عدم بطلان الزيادة بالجهل بالحكم كالنسيان و السهو فتقيّد إطلاق صحيحة عبد الله بن محمد الحجال الدالة على البطلان بالزيادة مطلقاً، مضافاً إلى اطلاق صحيح معاوية بن عمار الثاني الظاهر في الخلل غير العمدي مطلقاً.

و أشكل صاحب الحدائق على فتوى الاصحاب باستحباب اكمال اسبوعين أن ابتداء الاسبوع الثاني سيكون بالمروة. و إن الالتزام باستحباب السعي مع عدم‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 13، ح 4.

(2) أبواب السعي، ب 11، ح 1.

18

[مسألة 345: إذا زاد في سعيه خطأً صح سعيه]

(مسألة 345): إذا زاد في سعيه خطأً صح سعيه و لكن الزائد إذا كان شوطاً كاملًا يستحب له أن يضيف إليه ستة أشواط ليكون سعياً كاملًا غير سعيه الأوّل، فيكون انتهاؤه إلى الصفا، و لا بأس بالإتمام رجاء إذا كان الزائد أكثر من شوط واحد (1).

[مسألة 346: إذا نقص من أشواط السعي عامداً عالماً بالحكم أو جاهلًا به و لم يمكنه تداركه إلى زمان الوقوف بعرفات]

(مسألة 346): إذا نقص من أشواط السعي عامداً عالماً بالحكم أو جاهلًا به و لم يمكنه تداركه إلى زمان الوقوف بعرفات فسد حجه و لزمته الإعادة من قابل، و الظاهر بطلان إحرامه أيضاً و إن كان الأولى العدول إلى حجّ الإفراد و إتمامه بنية الأعم من الحج و العمرة المفردة. و أما إذا كان النقص نسياناً فإن كان بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي حيث ما تذكر و لو كان ذلك بعد الفراغ من أعمال الحج، و تجب عليه الاستنابة لذلك إذا لم يتمكن بنفسه

____________

مشروعية المندوب فيه استثناء آخر هذا مع ما تقدم من احتمال صحيح محمد بن مسلم من كون البدأة من المروة و على أي تقدير فالتضارب بين محتملات دلالات الروايات حاصل، أي بين صحيحتي معاوية بن عمار و صحيحتي محمد بن مسلم من جهة، و بين صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحة جميل و صحيحة هشام بن سالم من الجهة الأخرى حيث أن الطائفة الأولى تدل على مبطلية الزيادة أو مبطلية القران، بينما الطائفة الثانية تدل على عدم المبطلية؛ و حيث أن الطائفة الثانية أصرح فالصحيح البناء على الصحة و إن كان الالتزام باستحباب الاسبوع الثاني مشكل. و قد عرفت عدم قول الصدوق به و جماعة، و يظهر مثل ذلك من الكليني في الكافي حيث لم يورد صحيحة محمد بن مسلم. لا سيما بعد ما مرّ من دلالة عدة من الروايات على طرح الزائد و عدم الاعتداد به المنافي للاستحباب.

(1) قد تقدم الاشكال في الاستحباب في المسألة السابقة فلاحظ.

19

من التدارك أو تعسّر عليه ذلك و لو لأجل أن تذكره كان بعد رجوعه إلى بلده، و الاحوط حينئذٍ أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالإتمام أو بالتمام. و أما إذا كان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فالأحوط أن يأتي بسعي كامل يقصد به الأعم من التمام و الإتمام، و مع التعسّر يستنيب لذلك (1).

[مسألة 347: إذا نقص شيئاً من السعي في عمرة التمتع نسياناً فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي]

(مسألة 347): إذا نقص شيئاً من السعي في عمرة التمتع نسياناً فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي فالأحوط بل الأظهر لزوم التكفير عن ذلك ببقرة،

____________

(1) تعرض الماتن في هذه المسألة لأمور:

الأول: ان من نقص من اشواط السعي عن عمدٍ بعض اشواطه سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلًا حتى فات وقت التدارك فسد نسكه بخلاف غير العامد كما قد تقدّم في اول هذا الفصل و أنَّه تلزمه الاعادة من قابل.

الثاني: ان إحرام عمرة التمتع لا يبطل بذلك و ان بطلت عمرته بل تنقلب وظيفته إلى الأفراد و يجب عليه العمرة المفردة بعدها و ان وجب عليه الحج من قابل‌

أيضاً.

الثالث: اذا نقص من اشواط سعيه نسياناً فإن كان قد أتى بأربعة أشواط فيقضي الباقي بانياً على ما سبق لما تقدّم من صحة موالاة السعي بالأربعة بخلاف ما إذا لم يأتِ بالأربعة فإنَّه يلزم عليه تدارك السعي بالرأس لبطلان الموالاة بالسعي بمقتضى بحث الموالاة المتقدّم في الطوافين.

ثمّ أن هذا ليس مختصاً بالنقص النسياني بل بكلِّ نقصٍ و خللٍ غير عمدي.

الرابع: ان التدارك يجب بالمباشرة ان كان بمكة و أما اذا رجع إلى أهله و كان‌

20

و يلزمه إتمام السعي على النحو الذي ذكرناه (1).

____________

حرجياً عليه فيستنيب، كما ان الاحتياط كما تقدم في موارد الطواف لا يكون باسبوع ينوي به الأعم من التمام و الاتمام بل بالاتمام ثمّ الاعادة و ذلك لكون الزيادة مع الالتفات مخلّة.

(1) قيّد الفاضلان الحكم بعمرة التمتع و كذا الحلي و عن بعضٍ التقييد بمواقعة النساء ايضا، و عن القاضي و الشيخ اطراح النص الوارد و قال أنه لا شي‌ء عليه، و توقف في العمل به في الشرائع، و الاشكال في الحكم الوارد في النص من جهتين.

الأولى: في ثبوت الكفارة على الناسي في غير الصيد.

و الثانية: بأن الكفارة في تقليم مجموع الاظفار أو الحلق و غيره شاة لا بقرة في صورة العمد.

و النص الوارد في المقام هو صحيح سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط، ثمّ رجع إلى منزله و هو يرى أنه قد فرغ منه، و قلم أظافره و أحل، ثمّ ذكر أنه سعى ستة أشواط، فقال: ( (يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط، فان كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً و ليرق دماً، فقلت: دم ما ذا؟ قال: بقرة، قال: و إن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثمّ ليرق دم بقرة)) (1).

و مصحح عبد الله بن مسكان قال: سألت ابا عبد الله عن رجل طاف‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 14، ح 1.

21

..........

____________

بين الصفا و المروة ستة أشواط و هو يظن أنها سبعة، فذكر بعد ما أحلّ و واقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط؟ قال: عليه بقرة يذبحها، و يطوف شوطاً أخر (1).

و عن ابن ادريس حمل الخبرين على خروجه من السعي غير قاطع و لا متيقن تماماً، و هو غير الناسي و عن المسالك حمله على الناسي المقصر، لأنه قطع السعي على الصفا و هو واضح الفساد و هو لا يعذر، و ما احتمله الشهيد الثاني يتجه لأن التعبير في الصحيح الأول للجملة الحالية (و هو يرى أنه قد فرغ) قيدٌ لفاعل رجع، أي حصل له هذا الاعتقاد الخاطئ في حال رجوعه لا حال رفع يده عن السعي و قد فصل بين رفع اليد و الرجوع بكلمة (ثمّ) الدالة على التراخي، كما أن التذكر بأنه طاف ستة ينسبق منه أن رفع يده عن السعي كان عن التفات، فمع عدم صراحة الروايتين يصعب رفع اليد عن عموم (أيما رجل ارتكب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه) و عن ما دلّ عن تخصيص الكفارة في التقصير و الجماع بالعامد، الا أن الاحتياط لا بدّ منه.

ثمّ إنه مقتضى الرواية الثانية الاطلاق لكل من العمرة و المفردة و التمتع و لكل نسك كما أن اطلاقها يشمل طواف النسك أو طواف النساء، كما أن فرض الثانية في من أحلّ و واقع النساء، و فرض الاولى في خصوص التحليل، و إن كان قد يحمل الاحلال المعطوف على تقليم الاظافر على المواقعة، بل لعل المراد من أحل الاتيان بجملة من التروك، و من ثمّ حكي عن ابن إدريس دفع الاشكالين السابقين عن‌

____________

(1) أبواب السعي، ب 14، ح 2.

22

..........

____________

الروايتين بأن موردهما الاحلال و هو يغاير الاتيان بأحد التروك نسياناً مع بقائه على حالة الاحرام، و هذا يقوي العمل بالروايتين لتغاير الاحلال عن فرض ارتكاب بعض التروك لا بعنوانه بل لنسيان الاحرام.

نعم قد يشكل على ذلك أيضاً بأن روايات ناسي الطواف أو السعي من رأس لمن خرج عن مكة غير متعرضة للكفارة مع أنه ايضا قد فرض فيها الاحلال.

لكن بين الموردين فرق أيضاً حيث أن الاحلال في ناسي السعي و الطواف لا لكون المحلل فاسداً بخلاف المقام.

23

[الشك في السعي]

الشك في السعي

لا اعتبار بالشك في عدد أشواط السعي بعد التقصير، و ذهب جمع من الفقهاء إلى عدم الاعتناء بالشك بعد انصرافه من السعي و إن كان الشك قبل التقصير، و لكن الأظهر لزوم الاعتناء به حينئذٍ (1).

____________

(1) لو شك بعد سعيه فهل يبني على الصحة بمجرد الخروج من المسعى أو بعد فوات الموالاة أو بعد التقصير وجوه و اقوال، ذهب الميرزا النائيني إلى الأول، و ذهب السيد الخوئي إلى الثالث، أو بعد فوات الموالاة و لو قبل التقصير بناء على كون الفراغ هو الحقيقي فيما إذا اشترطت الموالاة في مجموع الاشواط و الا فلا مضي حقيقي لمحل العمل كما هو مسلك المشهور من عدم شرطية الموالاة في النصف الثاني فلا تجري القاعدة أو الفراغ التعبدي كما في بعد التقصير. و الصحيح هو الأول و الوجه في ذلك هو البناء على كون الفراغ في القاعدة هو البنائي و هو ما يطلق عليه في بعض الكلمات الاعتقادي، و إلّا فالفراغ الحقيقي لا تحقق له بالعمل المترتب سواء كان مستقلًا كالتعقيبات للصلاة، أو جزء فإنه في الأول لا مضيّ للعمل المشكوك بعد عدم أخذه شرطاً متأخراً فيه. و في الثاني لا مضي ايضاً ما لم يدخل في ركن أو فيما يمتنع تدارك المشكوك معه. ففي المقام لا مضي للسعي حقيقة على تقدير النقص و لو بعد التقصير، فإن التقصير يقع لاغياً و يلزم تدارك السعي، لا سيما و أن السعي غير مشروط بتعقب التقصير له، و إن اشترط ذلك في صحة التقصير. و على أية حال بعد تحقق عنوان الفراغ عرفاً بعدم التشاغل بالعمل المشكوك و البناء على إتمامه بعد كون العمل وحدته اعتبارية‌

24

[مسألة 348: إذا شك و هو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع]

(مسألة 348): إذا شك و هو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع فلا اعتبار بشكه و يصح سعيه، و إذا كان هذا الشك أثناء الشوط بطل سعيه و وجب عليه الاستئناف (1).

____________

يكون تحقق الفراغ منه كذلك اعتبارياً لا حقيقة.

هذا مع أنه يرد على ما ذكره السيد:

أولًا: أنه على مبناه من لزوم فوات الموالاة في جريان القاعدة أنه لو شك قبل التقصير و فاتت هيئة الموالاة فلا تجري القاعدة أيضاً و ذلك لعدم اعتبار الموالاة لو فرض النقص نسياناً و غفلة.

ثانياً: أن الفراغ من العمل بالاجزاء و إن لم تعتبر فيه الهيئة الاتصالية بأن اعتبر بنحو مطلق الاجزاء بالاسر يتصور فيه تحقق الفراغ عرفاً عند ما يكون الآتي به بانياً على الاتيان مجموع الاجزاء و قد ترك الاشتغال به، فالشك فيه شك بعد الفراغ منه و بعد مضيّه. نعم على القول الأول تجري القاعدة بعد التقصير أيضاً لكون الفراغ الشرعي فراغا عرفاً، فبالخروج من المسعى مطلقا تجري القاعدة. نعم لو لم يكن ترك التشاغل للبناء على الفراغ بل لقضاء الحاجة و نحوه كان من الشك في تحقق الفراغ فيلزم التدارك. و كذلك لا تجري القاعدة اذا كان في المسعى و كان في حالة البناء على التمام و ترك التشاغل كالماشي في المسعى للخروج منه.

(1) الشك إما يتمحض في الزيادة أو يتمحض في النقيصة أو يدور بين الزيادة و النقيصة، أما الشق الأول و هو التمحض في الزيادة فيصح سعيه على كل تقدير و ذلك لأن الزيادة على تقدير وقوعها غير مبطلة لأنها زيادة سهوية، و تقدم أن الزيادة المبطلة إنما هي العمدية، و من ثمّ فرض الماتن صورة الشك بقيد كونه على المروة بين السبع و التسع فإنه لو كان شكه و هو على الصفا لرجع شكه في بعض‌

25

..........

____________

اطرافه إلى النقيصة، إلّا أن يزيد أدنى اطراف احتماله عن مقدار الواجب. و كذلك لو شك على المروة بين السابع و الثامن فإنه لا يتمحض شكه في الزيادة بل يدور بين الزيادة و النقيصة معاً لاحتمال بدأته من الشوط الأول من المروة فيقع لاغياً و لو شك بين السبعة و الأحد عشر فإن الشك متمحض في الزيادة.

و أما الشك في الشقين الأخيرين أي لو تمحض الشك في النقيصة أو اختلط مع الزيادة و كان شكه في الاثناء لا بعد الفراغ فيكون مبطلًا للسعي في كلا الصورتين لجملة من الروايات، كصحيح سعيد بن يسار المتقدم في المسألة السابقة (347) فإن قوله ( (فإن كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً))، فإن مفهومه دال على عدم صحة التدارك بدون الحفظ، بل و كذلك منطوقه، و كذا ذيل الصحيح حيث صرح بهذا المضمون بقوله ( (و إن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة فليُعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة فإنه تصريح بالبطلان و الاعادة من رأس، و لا خصوصية للستة لأن ذكر الستة كانت ابتداء من فرض السائل.

و صحيح الحلبي عن أبي عبد الله في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة، قال: ( (يستقبل)) (1). فإنه لم يقيد في الصحيحة الطواف بالبيت، و قد استعمل في القرآن و الروايات الطواف في كل الطواف بالبيت و الطواف بالصفا و المروة.

و مثلها صحيح منصور بن حازم في الدلالة (2). و غيرها من الروايات في ذلك‌

____________

(1) أبواب الطواف، ب 33، ح 9.

(2) أبواب الطواف، ب 33، ح 8.

26

[مسألة 349: حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم الشك في عدد الأشواط من الطواف]

(مسألة 349): حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم الشك في عدد الأشواط من الطواف، فإذا شك في عددها بطل سعيه (1).

____________

الباب.

و من ثمّ لو شك بين السبعة و التسعة قبل وصوله للمروة كان من الشك في الاثناء بين النقيصة و الزيادة فيبطل سعيه.

(1) قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة السابقة.

27

[التقصير]

التقصير

و هو الواجب الخامس في عمرة التمتع، و معناه أخذ شي‌ء من ظفر يده أو رجله أو شعر رأسه أو لحيته أو شاربه، و يعتبر فيه قصد القربة، و لا يكفي النتف عن التقصير (2).

____________

(2) البحث في مقامين:

الأول: هو واجب في عمرة التمتع و من تركه سهواً و أهل بالحج صحت متعته و حجه و يندب له إراقة دم. و لو تركه عمداً بطلت متعته و انقلبت وظيفته إلى الافراد و لا حج عليه من قابل على الاظهر لا سيما في المستحب، و إن كان الاحوط في الواجب القضاء من قابل. و الوجه في كل ذلك الاخبار البيانية. كصحيح معاوية ابن عمار و غيره (1). و كذلك صحيحه الأخر (2). و صحيح عبد الله بن سنان و غيرها (3).

و كذا ما ورد في من ترك التقصير نسياناً أو عمداً في عمرة التمتع و أحرم بالحج (4). و سيأتي تتمة الكلام في ذيل المسائل.

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 2.

(2) أبواب التقصير، ب 1، ح 1.

(3) أبواب التقصير، ب 1، ح 2.

(4) أبواب الاحرام، ب 54.

28

..........

____________

الثاني: حدّ التقصير و أنه يعم مطلق الإزالة لمطلق الشعر في البدن و الاظفار و كذا الحلق لبعض الشعر أو لا؟ و هل يلزم الترتيب أم يكتفي بكلٍّ منها؟

و بعبارة أخرى: هل يتعيّن قص شعر الرأس دون حلق أطرافه و دون مجرد الشارب و اللحية فضلًا عن شعر الإبط و العانة و دون شعر بقية أجزاء البدن فضلًا عن مجرد قص الظفر و نحو ذلك من أنحاء تنظيف البدن من الزوائد كقص الثبور و الثفنات و بعبارة ثالثة ان القائل بتعين قص شعر الرأس يحمل التقصير في شعر اللحية و الشارب وقص الأظافر المذكورة في الروايات على أنّها أجزاء ندبية لا تكون مصداقاً للواجب بتاتاً و بالتالي فلا يصح تقديمها على التقصير في الرأس.

و قد استظهر في الجواهر العموم من كلٍ من الشرائع و القواعد، و هو المحكي عن الجمل و العقود و السرائر و التبصرة. و صرح العلامة في المنتهى بأجزاء النتف و الازالة بالنورة بل كل ما يتناوله الاطلاق.

اما المعنى اللغوي، فهو الأخذ من طول الشعر أو الشي‌ء اذا اسند لهما. و نص بعضهم كالمعجم الوسيط ب‍- (و لم يستأصله) لكن هذا في أصل الوضع، الا أنه يستعمل كنائياً لمطلق الازالة، أي في التنظيف كالمعنى الوارد في الآية الكريمة لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ الواردة في الحج. و في صحيح عبد الله بن سنان عنه إن التفث هو الحلق و ما في جلد الإنسان (1).

و يقرِّب ارادة المعنى الكنائي وحدة الملاك و الغرض من كل منه و من الحلق‌

____________

(1) أبواب الحلق و التقصير، ب 1، ح 4.

29

..........

____________

و هو إزالة التفث و هو الوسخ و الغبار الحاصل من الاحرام، و ترك الادهان و الطيب الذي عبّر عنه في بعض الروايات بحفوف الرجل عن الطيب (1)، و كذا الغسل و الحلق، و لعلّ الاستعمال يفرق فيه إذا كان إسناده بتوسط (من) مثل قصر من شعره، و بين الاسناد المباشر قصر شعره بإرادة العموم في الثاني، أي قصر شعره من بدنه أي بالاضافة إلى البدن.

أما الروايات الواردة:

فصحيح معاوية المروي بعدة طرق عن أبي عبد الله في حديث السعي قال: ثمّ قصر من رأسك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك و قلّم أظفارك و ابقي منها لحجك فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم و أحللت منه (2). فجعل متعلقه أربعة اشياء و ظاهرها البدوي لزوم الجمع بينها، و قد قوبل فيها بين عنوان التقصير و عنوان الأخذ و التقليم. مع أن المعنى اللغوي للتقصير يسند إلى الأربعة، و الامر بالابقاء من الاربعة قرينة على عموم معنى التقصير.

و صحيح عبد الله بن سنان قال: سمعته يقول: طواف المتمتع أن يطوف بالكعبة و يسعى بين الصفا و المروة و يقصر من شعره فإذا فعل ذلك فقد أحل (3). و اطلاق التقصير فيها قرينة على التخيير في الرواية السابقة. و مثلها صحيح عمر بن‌

____________

(1) أبواب الحلق، ب 1، ح 5.

(2) أبواب التقصير، ب 1، ح 1 و 4.

(3) نفس الباب، ح 2.

30

..........

____________

يزيد (1). و صحيح معاوية بن عمار الآخر عن أبي عبد الله قال: سألته عن المتمتع قرض اظافره، و أخذ من شعره بمشقص قال: لا بأس ليس كل احدٍ يجد جلماً (2). و هو دال على جواز تقديم قرض الاظفار على الاخذ من الشعر و أن التقصير يسوغ بأي سبب مزيل. و السائل و إن كان في صدد السؤال عن الثاني إلّا أنه قد فرض وقوع التقديم في سؤاله و لم ينهه عن ذلك فيكون تقرير للجواز بل هو دال ايضا على جواز الاكتفاء به إذ هو لازم جواز تقديمه إذا البدأة إنما تكون بما يتحقق به المحلل لا بغير ذلك و الا لكان مرتكباً لتروك الاحرام.

و يدل على ذلك ايضا صحيح الاعرج أنه سأل أبا عبد الله عن النساء فقال: إن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصرن من اظفارهن.

و قد يقال إن صحيح معاوية بن عمار الأول دال على الترتيب و لزوم البدأة بالتقصير من الشعر أي أنه المحقق للتحلل و كذا صحيح عبد الله بن سنان و عمر بن يزيد المتقدّمة، كما ذهب إلى ذلك بعض أجلة العصر.

و فيه مضافاً إلى دلالة صحيحة ابن عمار الثانية المتقدّمة على خلاف ذلك و على الاجتزاء بالتقصير بالاظفار بالتقريب المتقدم، أن صحيح جميل و حفص عن أبي عبد الله في محرم يقصر من بعض و لا يقصر من بعض قال يجزيه (3). فإنه ناص على التخيير بين الأربعة حيث أن عنوان البعض يقتضي البعضية من المجموع‌

____________

(1) نفس الباب، ح 3.

(2) أبواب التقصير، ب 2، ح 1.

(3) أبواب التقصير، ب 3، ح 1.

31

..........

____________

الواحد من اثنين فدلالته حاكمة على ظاهر الصحيح الأول و قد يستظهر التعميم أيضاً بأمور:

الأول: تعدد العناوين المذكورة في الروايات كقرض أظفاره ( (و الأخذ من شعره)) ( (و قصر شعره)) ( (و قرضت قرونها بأسنانها)) ( (و قرضت بأظافيرها)) (1). و هذا التعدد يفيد أن المراد من التقصير هو مطلق الازالة لزوائد الشعر و الظفر التي كانت محرمة بالاحرام فيتحقق الواجب بمثل النتف و الاطلاء و الاخذ من شعر الحاجب أو حلق شعر العانة و الابطين.

الثاني: ما ورد في مستحبات الاحرام من الاطلاء و النتف و الأخذ ما لم يحرم، بتقريب أن المحلل هو المحرّم من الترك الخاص اللازم حال الاحرام.

الثالث: ظهور مجموع العناوين الأربعة في الصحيح الأول مع عنوان التقصير في تضمن معنى التنظيف و الازالة المطلقة و إن كانت خصوصية الحصة محتملة، و قد اطلق في بعض روايات الوضوء على الاربعة المزبورة ان الاتيان بها تطهيراً أو زيادة في التطير (2).

الرابع: اطلاق الروايات (3) الواردة في من ارتكب الحلق بدل التقصير عمداً أو نسياناً عن التقييد بالأمر بإعادة التقصير و اتيانه ثانياً. و كذا إطلاق النفي فيها في الناسي و الجاهل ( (فليس عليه شي‌ء)) مضافاً إلى تضمنها الدلالة على كون وجه تعيين‌

____________

(1) أبواب التقصير، ب 3، ح 2 و 4.

(2) أبواب نواقض الوضوء، ب 14 صحيحة زرارة و فيها ( (و أن ذلك ليزيده تطيراً))

(3) أبواب التقصير، ب 4.

32

..........

____________

التقصير دون الحلق في المتعة هو عدم تفويت المحلّل للحجّ، و أن ارتكاب الحلق مفوتاً للمحلّل في الحج باعتبار أن الحلق أبرز أفراد المحلل، كما أن الحلق مفوت للتقصير في العمرة لأن تقصير شعر الرأس أبرز أفراد التقصير، و الحاصل أنها دالة على إجزاء بالحلق عن التقصير، و إن وقع محرماً فلا يبقى إشكال من جهة النية القربية لو بني على جزئية المحلل.

لا يقال: أن الحلق لا يصدق إلا على الرأس، أي الحلق المأمور به فلا يراد منه في قبال التقصير في نسك الحج ما يشمل حلق العانة و الإبطين مما يقتضي أن المأمور به فيها هو الرأس دون بقية الأعضاء و أن الأمر بها أمرٌ بأجزاء مستحبة تنظم إلى الواجب، و من ثمّ ورد في الروايات المزبورة في المتمتع الذي حلق رأسه بدل أن يقصر للمتعة أنه يمرّر الموسى على رأسه في الحلق (1).

فإنه يقال: أن الحلق و إن اختص بالرأس إلا أن ذلك لا يوجب اختصاص التقصير بالرأس بعد تصريح الروايات بتعلق التقصير المأمور به بكل من الأظفار و اللحية و غيرهما من مواضع البدن غير الرأس، و أما إمرار الموسى في الحج في الفرض المزبور فقد قيّد في الرواية لمن أراد الحلق، و هذا لا يقتضي الاكتفاء بذلك عن التقصير في المواضع الأخرى كما في صحيح معاوية بن عمار (2) المتضمنة للأمر بالإبقاء من الأظافر و شعر الشارب و اللحية.

____________

(1) أبواب التقصير، ب 4، ح 3.

(2) أبواب التقصير، ب 1، ح 4.

33

..........

____________

الخامس: ما ذكره جماعة من كون ابتداء الحلق تقصير، فإن الحلق من أطراف الرأس ابتداءً نحو تقصير لطول الشعر كما هو متعارف فيمن يقصر رأسه في غير الحج أو العمرة لأجل التنظيف، فإنه يحلق بعض أطراف الرأس و بعد ذلك يقصّر، و يومي إليه ما في موثق سماعة عنه عن الحجامة و حلق القفا في أشهر الحج. قال: ( (لا بأس به و السواك و النورة)) (1). حيث أن تسويغه لعدم كونه حلقاً للرأس بل هو نحو من التقصير جائز في أيام الحج. و من ثمّ ذهب جماعة منهم الشهيد الأول كما في الدروس إلى إجزاء حلق بعض الرأس عن التقصير، و قال: و لو حلق الجميع احتمل الإجزاء لحصوله بالشروع، و مال إليه في الحدائق و قيده بما إذا نوى من أول الأمر التقصير خاصة.

و على أي تقدير فحلق الأطراف يتحقق به التقصير في كلا الصورتين في البدء، و لا إشكال في قصده و إن كان في ضمن الحرام، حيث أن المحرم حينئذ هو استمرار الحلق لكل الرأس لا الجزء الأول اليسير، فقصده لا يشوبه إشكال. و قد تقدم أن الحلق متضمن و مستبطن للتقصير و زيادة فقصده قصد للآخر. و نظيره ما في صحيح الحلبي عنه ليس على النساء حلق و يجزيهن التقصير فإن لسانه رفع ما هو ثقيل بالاجتزاء بما هو خفيف أي أنها ذا طبيعة واحد تشكيكية.

و يؤيد ما تقدم ثبوت التخيير في العمرة المفردة بين التقصير و الحلق و كذا في الحج غير الصرورة مما يفيد كون الحلق محلّلًا إجمالًا. و كذا ما ورد من أفضلية الحلق على التقصير المشعر بشدة كلفته على التقصير.

____________

(1) أبواب الاحرام، ب 4، ح 3.

34

[مسألة 350: يتعين التقصير في إحلال عمرة التمتع]

(مسألة 350): يتعين التقصير في إحلال عمرة التمتع، و لا يجزئ عنه حلق الرأس، بل يحرم الحلق عليه، و إذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة إذا كان عالماً عامداً بل مطلقاً على الأحوط (1).

____________

ثمّ أنه ما حكي عن العلامة بالاجزاء بثلاث شعرات محل تأمل لعدم صدق مسمى التقصير.

لكن قد يستظهر من صحيح الحلبي ( (قرضت بعض شعرها بأسنانها)) (1) أن قرض الشعر بالأسنان لا يقتطع منه إلا المقدار اليسير جداً. ثمّ إنه لا يتوهم منافات الاجتزاء بالحلق عن التقصير لما دل على حصر المحلل بالتقصير في المتعة (2)، حيث أن الاجتزاء بتحقّق التقصير في بدأته لا بمجموعه.

ثمّ إن ما في الموثّق السابق و ما ورد في أبواب الإحرام (3) من سوق حلق العانة و تقليم وقص الأظافر و الأخذ من الشارب و الرأس و الاطلاء قبل الإحرام في سياق واحد يومئ إلى أن كل ذلك من التقصير الذي هو تطهير للبدن سائغ قبل الإحرام و أنه ترك وحداني من تروكه يحصل به الاحلال.

(1) و في المسألة أمور:

الأول: تعيّن التقصير في المتعة، و يدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي‌

____________

(1) أبواب التقصير، ب 3، ح 2.

(2) أبواب التقصير، ب 4، ح 2.

(3) أبواب الاحرام، ب 6، ح 7.

35

..........

____________

عبد الله في حديث قال: ( (و ليس في المتعة إلا التقصير)) (1). و غيرها من الروايات الموجبة للكفارة أيضاً.

الثاني: الأقوى الاجتزاء بالحلق و إن فعل محرماً في صورة العمد فضلًا عن النسيان و الغفلة، كما ذهب إليه الشهيد في الدروس لما تقدم من صدق التقصير عند ابتداء الحلق، مضافاً إلى إطلاق الروايات الواردة في من حلق بدل التقصير نسياناً أو عمداً كما سيأتي من دون تقييد بالإعادة.

الثالث: حرمة الحلق و لزوم الكفارة، و يدل عليهما مضافاً لما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار، الصحيح إلى جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما في متمتع حلق رأسه فقال: إن كان ناسياً أو جاهلًا فليس عليه شي‌ء، و إن كان متمتعاً في أول شهور الحج فليس عليه إذا كان قد أعفاه شهراً (2). و في طريق الصدوق و الكليني مسنده إلى جميل أنه سأل أبا عبد الله مثله إلّا أن فيه و إن تعمّد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوماً فليس عليه شي‌ء، و إن تعمّد [ذلك] بعد الثلاثين يوماً التي يوفر فيها الشعر للحجّ فإن عليه دماً يهريقه (3). و في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه قال: عليه دم يهريقه فإذا كان يوم النحر أمرّ الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق (4). و الرواية‌

____________

(1) أبواب التقصير، ب 4، ح 2.

(2) أبواب التقصير، ب 4، ح 1.

(3) نفس الباب، ح 5.

(4) نفس الباب، ح 3.

36

..........

____________

في طريق الشيخ يقع فيها محمد بن سنان، و في طريق الصدوق يقع فيها ابن أبي حمزة البطائني الملعون. إلّا أنها غير ظاهرة في الإطلاق، بل في الناسي فتحمل على الاستحباب أو الوجوب في خصوص ذي الحجة حيث يوجب فوات المحلل في الحج و إن كان الأول أظهر، و الظاهر من المشهور طرح رواية جميل و لعله بنائهم على اتحادها في الطرق الثلاثة و العمل باطلاق رواية أبي بصير.

و قد أستدل على العموم في العامد بصحيحة زرارة عن أبي جعفر قال: ( (من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلًا فلا شي‌ء عليه، و من فعله متعمداً فعليه دم)). بتقريب أن المرتكب للحلق قبل التقصير يقع ذلك منه في أثناء الإحرام، و لكنه محل تأمل لما تقدم من تحقق التقصير بأول الحلق، مضافاً إلى ظهورها في ارتكابه في الأثناء لا بعد السعي و نهاية الاحرام كمحلل. و على فرض إطلاقه فهو مخصص بصحيح جميل المتقدّم في شهر شوال، و قد حُكي عن العلامة في المنتهى سقوط الدم مطلقاً.

ثمّ إن تضعيف رواية جميل بالإرسال مبني على وحدة الرواية مع أن المتن بين طريق الشيخ و طريق الصدوق و الكليني لا يخلو من إختلاف ظاهر، فاحتمال سماعه لها بواسطة ثمّ سماعه لها منه مباشرة قريبٌ، مع أن ذلك واقع كثير في روايات جميل بن دراج، بل و غيره من الرواة.

فتحصل أن الأقوى ثبوتها في خصوص العامد في شهر ذي القعدة وذي‌

37

[مسألة 351: إذا جامع بعد السعي و قبل التقصير جاهلًا بالحكم]

(مسألة 351): إذا جامع بعد السعي و قبل التقصير جاهلًا بالحكم فعليه كفارة بدنة على الأحوط (1).

____________

الحجة الحرام لحرمة الحلق مطلقاً سواء كان في إحرام العمرة أو بعده، كما هو ظاهر الروايات لصدق المتمتع عليه و إن أحل من إحرام العمرة كما قوّيناه في مقدّمات الاحرام. نعم يستحب في الناسي لرواية أبي بصير المتقدمة بعد دلالة صحيحة زرارة و جميل المتقدمتان على نفيهما عن الناسي و الجاهل.

ثمّ إنه قد يتوهم دلالة صحيحة جميل على عدم حرمة التحلل بالحلق في المتعة في شهر شوال لقوله: (ليس عليه شي‌ء) لكنها متعرضة إلى نفي الآثار الوضعية لارتكاب الفعل من الإعادة و الكفارة بعد المفروغية عن ممنوعية و حرمة ما ارتكبه، كما هو ظاهر جميل حيث قوبل بين الجاهل و العامد تشقيقاً لصور ارتكاب المحضور.

(1) و يستدل له بصحيحة الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله: جعلت فداك، إني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي و لم أقصّر، قال: عليك بدنة، قال: قلت: إني لما أردت ذلك منها و لم تكن قصّرت امتنعت، فلمّا غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: ( (رحمها الله، كانت أفقه منك، عليك بدنة و ليس عليها شي‌ء)) (1). و في طريق الشيخ بإسناده عن الحلبي عنه ( (عن امرأة متمتعة عاجلها زوجها قبل أن تقصر)).

و تقريب دلالة الرواية أن قوله: كانت أفقه منك ( (يدل على أن الراوي‌

____________

(1) أبواب التقصير، ب 3، ح 2.

38

[مسألة 352: يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي]

(مسألة 352): يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي، فلو فعله عالماً

____________

كان جاهلًا بالحكم و امرأته كانت عالمة به و مع ذلك فقد رتبت الكفارة على ارتكابه جهلًا. و لكن يخدش في التقريب المزبور أن الراوي قد افترض امتناع المرأة قبل تقصيرها و أنها تخلّصت من محذور الحرمة بقرض شعرها فامتناعها و أخذها من شعرها منبهٌ على الحكم فكيف يفرض جهله به. نعم في الطريق الثاني للرواية عند ما سئل الراوي هل عليها شي‌ء قال: ( (لا ليس كل أحد يجد المقاريض)) فيفيد أن مصب السؤال كان عن جهل الراوي بحكم قرض الشعر بالأسنان لا جهله بالحرمة و إن لم يقصر بالقرض لجهله بمحصوله به بعد عدم وجود المقص و المقاريض لديه، فيتضح من ذلك أجنبية الرواية عن الجاهل بالمرة.

مضافاً إلى صحيحة معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد الله عن متمتع وقع على امرأته و لم يقصر، قال: ( (ينحر جزوراً و قد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالماً و إن كان جاهلًا فلا شي‌ء عليه)) (1).

نعم في طريق آخر روى الكليني عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عن متمتع وقع على امرأته و لم يزر ... الحديث (2) و على أي حال فلا دليل ثبوتها في الجاهل طبقاً لعموم الضابطة في باب التروك.

أما العالم فقد تقدم في باب التروك أن الكفارة عليه مرتبة بحسب القدرة و العجز و هي بدنة ثمّ بقرة ثمّ شاة.

____________

(1) أبواب كفارات الاستمتاع، ب 13، ح 4.

(2) الكافي 378: 4، ح 3.

39

عامداً لزمته الكفارة (1).

[مسألة 353: لا تجب المبادرة إلى التقصير بعد السعي]

(مسألة 353): لا تجب المبادرة إلى التقصير بعد السعي، فيجوز فعله في أي محل شاء سواء كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما (2).

[مسألة 354: إذا ترك التقصير عمداً فأحرم للحج]

(مسألة 354): اذ ترك التقصير عمداً فأحرم للحج بطلت عمرته، و الظاهر أن حجه ينقلب إلى الإفراد، فيأتي بعمرة مفردة بعده، و الأحوط إعادة الحج في السنة القادمة (3).

____________

(1) لعدم الأمر به قبل موضعه، بل هو منهي عنه مندرج في تروك الإحرام و ترتب الكفارة عليه بعموم الأدلة السابقة.

(2) لعدم التقيد في الأدلة، و يدل على السعة أيضاً الزمانية و المكانية ما تقدم في صحيح الحلبي و غيرها من الروايات، نعم الظاهر كونه في الحرم فلا يجوز له الخروج قبل التقصير فإن خرج و لم يتمكن جاز له التقصير حيث كان، هذا في الحج كما سيأتي (1) أما العمرة فلا يجوز له الخروج.

(3) من ترك التقصير سهواً و نحوه و أهلّ بالحج صحت متعته و حجه و يندب له إراقة الدم، و لو تركه عمداً بطلت متعته و انقلبت وظيفته للإفراد و لا حج عليه في القابل على الأظهر، لا سيما في المستحب و أن كان في الواجب القضاء في القابل.

الوجه في ذلك كله ما ورد من عدة صحاح في الناسي كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل أهل بالعمرة و نسي أن يقصر حتى دخل في الحج. قال: يستغفر الله و لا شي‌ء عليه و قد تمت عمرته)) (2) و غيرها من‌

____________

(1) مسألة: 408 و لاحظ أبواب الحلق و التقصير، ب 5.

(2) أبواب الاحرام، ب 54، ح 3.

40

..........

____________

الروايات (1).

و أما العامد فتبطل عمرته كما موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله قال: ( (المتمتع إذا طاف و سعى ثمّ لبى بالحج قبل أن يقصر فليس له أن يقصر و ليس له متعة)) (2) و مثلها مصححة العلاء بن الفضيل (3).

و لسانهما و إن كان مطلقاً الا أنه مقيد بما تقدّم في الناسي من صحّة متعته فتختص بالعامد سوى عن جهل أو علم.

نعم في موثق إسحاق عنه ( (عليه دم يهريقه)) (4) و قد ذهب جماعة إلى وجوبه و يقيّد صحيح معاوية به، لكن الأظهر الندبية لتأكيد النفي في الصحاح بالأمر بالاستغفار الظاهر في كون هو المكفّر مضافاً إلى الحكم بتماميّته الظاهر في عدم نقصها و عدم احتياجها للكفارة و إلّا فاطلاق النفي قابل للتقيد كما في موارد أخرى.

و يؤيده عدم ثبوتها على العامد و إن كانت عمرته باطلة. و أما عدم ثبوت الحج على العامد في قابل فقد ذهب إليه جماعة خلافا لآخرين حيث استندوا لمقتضى القاعدة و أن الواجب في الذمة هو التمتع و لا دليل على انقلاب وظيفته، بل غاية ما ورد من لزوم الإفراد هو للتحلل و يستدل، للأول بالروايات الدالة على‌

____________

(1) نفس الباب فلاحظ.

(2) نفس المصدر، ح 5.

(3) نفس المصدر، ح 4.

(4) نفس المصدر، ح 6.

41

[مسألة 355: إذا ترك التقصير نسياناً فأحرم للحج صحت عمرته]

(مسألة 355): إذا ترك التقصير نسياناً فأحرم للحج صحت عمرته،

____________

انقلاب وظيفته للإفراد و إنْ بطلت متعته حيث أنها مطلقة عن التقييد بإتيان الحج من قابل.

و ثانياً: ظاهر الروايات المزبورة هو نظير ما ورد (1) من تخيير المفرِد في العدول إلى المتعة بعد السعي ما لم يلبي و الا فلا متعة له.

و نظير ما ورد أن له أن يقدم طوافه و سعيه على الوقوفين، لكن يلبّى كي لا يحل، و أن التلبية عقد فإن ذلك يقرر كون ما أتى به هو حجّ إفراد، و على ذلك فلا يلزم عليه إتيان طواف الزيارة و السعي بعد الموقفين في فرض المقام، و إن لم نقف على كلمات الأصحاب في ذلك حيث أن ما أتى به يحسب طواف وسعي حجّ الإفراد، و يشهد لذلك ما في مصحح العلاء بن فضيل المتقدم في قوله: ( (هي حجة مبتولة)) حيث أن ظاهر مرجع الضمير أن ما أتى به حجة مبتولة، لا سيّما و أنه في سياق قوله بطلت متعته، أي أن العمل الذي بطل وصفه هي حجة مبتولة.

و كذلك يؤيد ذلك التأمل في صحة النية القربية منه مع عمده لو كانت التلبية الثانية إحرام ثاني يهل به الحج مع التفاته إلى عدم تحلله من إحرامه الأول، و عدم صحة إدخال إحرام في إحرام بخلاف ما ذهبنا إليه من كون التلبية عاقدة مؤكدة للإحرام الأول و مانعة عن التحلل منه، فيصير النسك إفراد، كما هو نسك المفرد الذي قدّم طوافه و سعيه و لبّى فإنه لا يحتاج إلى إنشاء نيّة قربية جديدة و إهلال جديد، بل التلبية القصدية بمجردها كافية لإبقاء عقد الإحرام الأول.

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 5 و 19.

42

و الأحوط التكفير عن ذلك بشاة (1).

[مسألة 356: إذا قصر المحرم في عمرة التمتع]

(مسألة 356): إذا قصر المحرم في عمرة التمتع حلّ له جميع ما كان يحرم عليه من جهة إحرامه ما عدا الحلق، أما الحلق ففيه تفصيل: و هو أن المكلف إذا أتى بعمرة التمتع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر، و أما بعده فالأحوط أن لا يحلق، و إذا حلق فالأحوط التكفير عنه بشاة إذا كان عن علم و عمد (2).

[مسألة 357: لا يجب طواف النساء في عمرة التمتع]

(مسألة 357): لا يجب طواف النساء في عمرة التمتع، و لا بأس بالإتيان به رجاء، و قد نقل شيخنا الشهيد وجوبه عن بعض العلماء (3).

____________

(1) تقدم بيان هذا الشق في المسألة السابقة و أنّ التكفير مستحب.

(2) كما دلت عليه الروايات كما في صحيحة عبد الله بن سنان و معاوية بن عمار و عمر بن يزيد، و غيرها (1).

أما الحلق فقد تقدم في مسألة (350) أنه لا يجوز للمتمتع حلق رأسه في ذي القعدة وذي الحجة و أن عليه الكفارة إذا تعمّد ذلك عالماً و قد دلت على ذلك النصوص كصحيح جميل (2)، و أما شهر شوال فالاحوط اجتنابه و إن لم يثبت عليه الكفارة لو ارتكبه فيه.

(3) لم يُحك خلاف في ذلك إلّا ما نقله الشهيد الأول عن بعض من القول بوجوبه، و لم يعرف قائله. و يدل عليه صحيح الحلبي (3) المتقدم حيث نفى البدنة‌

____________

(1) أبواب التقصير، ب 1.

(2) أبواب التقصير، ب 4، ح 5.

(3) أبواب التقصير، ب 3، ح 2.

43

..........

____________

عن زوجة الراوي لأنها قد قصّرت مع أنها لم تأت بطواف النساء. و كذلك تدل عليه الروايات البيانية الواردة في بيان عمرة و حج التمتع (1). و كذلك صحيحة صفوان بن يحيى قال: سأله أبو حرث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف و سعى و قصر هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، إنما طواف النساء بعد الرجوع من منى (2). و كذا معتبرة محمد بن عيسى قال: كتب أبو القاسم مخلّد بن موسى الرازي إلى رجل سأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء، و العمرة التي يتمتع بها إلى الحج. فكتب: أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، و أما التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء (3). و أما ما في رواية سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه قال: إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت و صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم و سعى بين الصفا و المروة و قصر فقد حل له كل شي‌ء ما خلا النساء، لأن عليه لتحلة النساء طوافاً و صلاة (4). فمحمولة على حج التمتع كما ذكره الشيخ، و التعبير فيها ( (و قصر)) المراد به التقصير في منى من أعمال الحج، و من ثمّ حل له تروك الإحرام و كذا الطيب و بقي عليه النساء.

____________

(1) أبواب اقسام الحج.

(2) أبواب الطواف، ب 82، ح 6.

(3) أبواب الطواف، ب 82، ح 1.

(4) نفس الباب، ح 7.

44

[واجبات الحج]

واجبات الحج

تقدم في مسألة 149 أن واجبات الحج ثلاثة عشر ذكرناها مجملة، و إليك تفصيلها:

[الأول: الإحرام]

الأول: الإحرام، و أفضل أوقاته يوم التروية، و يجوز التقديم عليه بثلاثة أيام، و لا سيما بالنسبة إلى الشيخ الكبير و المريض إذا خافا من الزحام، فيحرمان و يخرجان قبل خروج الناس، و تقدم جواز الخروج من مكة محرماً بالحج لضرورة بعد الفراغ من العمرة في أي وقت كان (1).

____________

(1) وجوب الاحرام كما هو نص الآية فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ و النصوص البيانية الواردة و غيرها، و أما وقته فالصحيح كما ذهب إليه المشهور من امتداده بامتداد الثلاثة اشهر بعد أن يتحلل من عمرة التمتع.

و حكى في الحدائق عن ابن حمزة بالوجوب في يوم التروية، و حكي ذلك أيضاً عن المبسوط إلّا أن ما وقفنا عليه في المبسوط خلافه و موافق للمشهور.

و يدل عليه ما ذهب إليه المشهور قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (1). حيث أن الفرض بمعنى الاهلال و انشاء الحج بالتلبية أو الاشعار أو التقليد، فتدل الآية على أن الاهلال بالحج أيا كان نوعه يقع في ذلك الحد مبدأ و منتهى، غاية ما خرج عن هذا العموم أن عمرة التمتع لا بد من تقدمها على الحج تقدما رتبياً و إن وقع الإهلال في‌

____________

(1) البقرة: 197.

45

..........

____________

اليوم الأول من شوال بعد فرض تخلل التحلل. و تدل على ذلك الروايات في ذيل الآية كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله في قول الله عز و جل ... و الفرض التلبية و الاشعار و التقليد فأي ذلك فعل فقد فرض الحج و لا يفرض الحج إلّا في هذه الشهور التي قال الله عز و جل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ و هو شوال و ذو القعدة و ذو الحجة (1)، و من ثمّ كان ذيل الآية و هو النهي عن الرفث و الفسوق شاملٌ لكل أنواع النسك و منها حج التمتع أيضاً.

و يدل على ذلك أيضاً: بعض النصوص كصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر سألته عن رجل أحرم قبل التروية فأراد الاحرام بالحج يوم التروية فأخطأ فذكر العمرة؟ قال: ليس عليه شي‌ء فليعتد الاحرام بالحج (2). بناء على ارادة حج التمتع فيها.

و في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (3) و قد تضمن صدرها الأمر باحرام حج الافراد من أول هلال ذي الحجة و في ذيلها الأمر باهلال الصرورة من النساء بالحج في هلال ذي الحجة، و غير الصرورة منهن في خمسة من الشهر و إن شئن ففي يوم التروية، و هي و إن كان موردها حج الافراد الا أنه يصلح للتأييد، و مثلها صحيح أبو الفضل (4).

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 11، ح 2.

(2) أبواب الاحرام، ب 22، ح 8.

(3) أبواب أقسام الحج، ب 9، ح 5.

(4) نفس المصدر، ح 6.

46

..........

____________

هذا و في قبال اطلاق الآية يستدل للتقييد بجملة من الروايات الآمرة بإهلال حج التمتع في يوم التروية كصحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل؟ فقال: ( (المتعة))، فقلت: و ما المتعة؟ فقال: ( (يهل بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلى الركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصّر و أحل، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج ... الحديث)) (1).

و مثلها رواية عبيد بن زرارة الا أن التعبير فيها ( (و أحللت إلى يوم التروية)) (2) و هذا اللسان قد تكرر في عدة روايات مما يستفاد منه أن يوم التروية هو منتهى الاحلال بين المتعة و الحج فيستفاد من إطلاقها اطلاق المبدأ.

و مثلها رواية إسحاق بن عبد الله و صحيح علي بن يقطين (3) و مصحح يعقوب بن شعيب.

و في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله قال: ( (ليس على النساء حلق و عليهن التقصير ثمّ يهللن بالحج يوم التروية)) (4) و مثله صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: ( (إذا كان يوم التروية إنشاء الله فاغتسل و احرم بالحج)) (5).

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 5، ح 3.

(2) نفس المصدر السابق، ح 11.

(3) أبواب أقسام الحج، ب 21، ح 9 و 11.

(4) أبواب أقسام الحج، ب 21، ح 3.

(5) أبواب أقسام الحج، ب 1، ح 1.

47

..........

____________

و مثلها رواية المفضل بن عمر (1) و مجموع هذه الروايات تقتضي أن يوم التروية ليس من باب التحديد ب‍- ل من باب الافضلية.

و يستدل أيضاً بموثق إسحاق بن عمار عن أبي الحسن قال: سألته عن الرجل يكون شيخاً كبيراً أو مريضاً يخاف ضغاط الناس و زحامهم يحرم بالحج و يخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال: نعم. قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكاناً و يتروح بذلك المكان؟ قال: لا. قلت: يعجل. قال: نعم. قلت يومين. قال: نعم. قلت: ثلاثة أيام؟ قال: نعم. قلت: أكثر من ذلك. قال: لا (2).

و مثله الصحيح إلى ابن أبي نصر عن بعض اصحابه بتقريب أنه قد حدد الاحرام فيها للحج من جهة المبدأ بثلاثة أيام قبل التروية، أي باليوم الخامس كما مرّ في اهلال حج الافراد للمقيم بمكة، و لا يخلو الاستدلال من نظر لأن السؤال مصبه عن الخروج إلى منى، غاية الأمر أن إحرام الحج لا بدّ من ايقاعه في مكة قبل الخروج إلى منى فمن ثمّ ذكر توطئة للخروج. فمحصل الرواية حينئذ أن التهيؤ للوقوف بعرفة بالكون في منى لا يشمل ما قبل اليوم الخامس من ذي الحجة، و اين هذا من مبدأ إحرام حج التمتع مع أن الرواية لم ينص فيها على حج التمتع، فهي مطلقة شاملة إلى حج الافراد أيضاً و أن التهيؤ بالكون في منى لا يشمل ما قبل اليوم الخامس، فلا تختص بحج التمتع.

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 2، ح 30.

(2) أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، ب 3، ح 1.

48

[مسألة 358: كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام أعمال الحج]

(مسألة 358): كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام أعمال الحج، نعم لا مانع منه بعد إتمام النسك قبل طواف النساء (1).

____________

و قد عرفت دلالة الصحاح على افضلية إحرام حج الافراد من أول اهلال ذي الحجة للصرورة، فهذا كله يعزز أن مفاد الرواية في صدد مسألة التهيؤ للموقف بالكون في منى لا في صدد مبدأ إحرام حج التمتع.

(1) (قاعدة: بطلان ادخال نسك في نسك)

و قد يعبر عنه بإقحام نسك في نسك أو إدخال و قد يتصور في بحث الاقتران بين النسكين، و نظير هذا البحث قد عنون في باب الصلاة في ادخال صلاة في صلاة و إن ورد فيها استثناء بعض الموارد كإدخال صلاة الآيات في الفريضة عند ضيق وقتها فالبحث تارة يقع في موضوع القاعدة و أخرى في الحكم و المحمول.

اما البحث في الموضوع فكما مرّ فإنه يتصور على نحوين فتارة ادخال و إقحام و أخرى اقتران. و لا ريب أن الكلام إنما هو في العملين المتجانسين المتشابهين و لو في بعض الاجزاء فإن التشابه و التجانس هو الذي يوجب ارتباط المماثل بالمماثل كما ورد في النهي عن قراءة العزائم في الصلاة حيث انه يوجب السجدة الواجبة و بالتالي فيأتي بعمل مشابه لبعض اجزاء الصلاة و قد علل النهي بأنّه زيادة في المكتوبة مع أن الآتي بسجدة العزيمة لا يقصد بها التضمين في الصلاة و الإدخال و نظير ما لو قرأ في الصلاة القرآن أو ذكر ذكراً عباديا و ان لم يقصد الجزئية و التضمين فإنه يحسب جزأ مستحباً في الصلاة.

و نظير ذلك ما ورد في النهي عن الطواف المستحب قبل الطواف للنسك الواجب و موارد أخرى كثيرة يجدها المتتبع في ماهيات العبادات الدال على هذا الأصل‌

49

..........

____________

السيال فيها، و من ثمّ يتأمل في تصور الشق الثاني في موضوع البحث من أن الاقتران لا محال يكون إدخال و اقحام و لو حصل بجزء واحد كما لو كبر للظهر ثمّ كبر للعصر ثمّ أتى بأربع ركعات للظهر و سلم ثمّ أتى بأربع ركعات للعصر و سلم فإن الاقتران بين التكبيرات و إن لم يكن باقتحام بقية الركعات في الصلاة الأولى الا أن تكبيرة العصر قد ادخلت في الظهر للتجانس بين التكبيرتين و كذا الحال في إهلالي النسكين و الاحرامين فالاقتران يستلزم الاقتحام في الجملة لا محالة.

هذا كله بحسب موضوع القاعدة.

إما محمول القاعدة:

فيستدل على البطلان بعده وجوه: بعضها مشترك مع ما حرر في باب الصلاة.

الأول: أن اقحام النسك في النسك أو العمل العبادي في الآخر يوجب محو الصورة المعهودة المقررة في الادلة الشرعية و هذا الوجه اجمالًا في الجملة تام مع ما سيأتي في الوجه الثاني.

الثاني: ما اشار إليه صاحب الجواهر من أن ظاهر الادلة هو الاهلال بالحج بعد التقصير المحلل لإحرام العمرة. و نظيره ايضا في الادلة العمرة المفردة بعد التحلل من حج و كذلك ما في ادلة العمرة المفردة من بيان الفصل بين افرادها اما بشهر أو عشرة ايام أو نحو ذلك. فظاهر هذه الأدلة مباينة ايقاع النسك عن بعضها البعض.

الثالث: ما اشار إليه صاحب الجواهر من الأمر باتمام الحج أو العمرة حيث مقتضاه عدم قطعها بنسك آخر بل مواصلة اجزائهما بما لهما من هيئة اتصالية مجموعية و لا يخفى أن هذا الوجه يرجع إليه ما ذكر في الوجه الأول.

50

..........

____________

الرابع: جملة من النصوص كصحيحة زرارة قال جاء رجل إلى أبي جعفر و هو خلف المقام قال إني قرنت بين حجة و عمرة فقال له هل طفت بالبيت فقال نعم، قال هل سقت الهدي فقال لا فأخذ أبو جعفر بشعره و قال أحللت و الله (1) و هي نص في المطلوب حيث ذهب العامة إلى أن الاقتران (2) بمعنى قرن العمرة و الحج في اهلال واحد و هو نمط من ادخال نسك في نسك.

و أما قوله ( (أحللت و الله)) أي إنما اتى به يقع متعة مع أن السائل لم ينشأ خصوص المتعة فوجهه ما تقدم من أن الاهلال يمكن أن يتعلق بالطبيعي و يتعين بما يأتي به المحرم لاحقاً كما مر في جواز العدول من الافراد إلى التمتع، و ما مر من انقلاب المتعة افراداً لو لبى قبل التقصير، و مثلها صحيحة يعقوب بن شعيب قال قلت لأبي عبد الله الرجل يحرم لحجة و عمرة و ينشئ العمرة، أ يتمتع؟ قال: ( (نعم)) (3). بتقريب أن يحرم أي ينوي و إن انشأ قولا خصوص العمرة و المدار و إن كان على النية إلا أنه حيث لا يصح القرن بين النسكين فيقع ما انشاءه عمرة التمتع خاصة و إن احتمل ان السؤال وقع عن العدول من الافراد إلى التمتع و في موثق اسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد الله رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة ثمّ يبدو له أن يجعلها عمرة قال إن كان لبى بعد ما سعى قبل أن يقصر فلا متعة له (4).

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 18، ح 1.

(2) المغني لابن قدامة 247: 3.

(3) أبواب أقسام الحج، ب 18، ح 2.

(4) أبواب أقسام الحج، ب 19، ح 1.

51

..........

____________

و تقريب الدلالة فيها ان نفيه لا مكان المتعة له باطلاقه شامل لما لو أراد إقحام عمرة التمتع فيما بيده من نسك و ليس النفي خاص بقلب ما بيده إلى التمتع، و بهذا التقريب يظهر جهة الاستدلال بالنصوص المتقدمة الدالة على أن من لبى متعمداً في عمرة قبل التقصير ينقلب نسكه إلى الافراد و تبطل متعته كمصحح العلاء بن فضيل و موثق اسحاق بن عمار الأخر (1) و غيرهما مما تقدم في المسألة (354) فإن بطلان المتعة و امتناع المجي‌ء بها يقتضي امتناع إدخال النسك في النسك و إلّا فما كان للامتناع مجال.

و منها صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد الله قال: من دخل مكة متمتعاً في أشهر لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرماً و دخل ملبياً بالحج فلا يزال على إحرامه فإن رجع إلى مكة رجع محرماً و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، و إن شاء وجهه ذلك إلى منى، قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثمّ رجع في ابان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام و إن دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأي الاحرامين و المتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ (2) الحديث.

و الرواية نص في عدم جواز اقحام نسك في نسك حيث علل عدم كون العمرة الأولى هي المتعة بأنها غير موصولة بالحج، مما يقضي بأن إقحام نسك آخر‌

____________

(1) أبواب الاحرام، ب 54، ح 4 و 5.

(2) أبواب أقسام الحج، ب 22، ح 6.

52

..........

____________

بينها و بين الحج يقطعها عنه مع أن عمرة التمتع و الحج ليسا في إحرام واحد و إنما هما مشروطان ببعضهما فهذا مما يقضي بأن معنى اتمام النسك هو عدم قطعه بنسك آخر و ان الاتمام بمعنى الهيئة الاتصالية. و مما يؤيد المنع المزبور ما ورد في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج و صحيح معاوية بن عمار، قال في الثاني عن أبي عبد الله قال سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة قال: نعم، ما شاء، و يجدد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية (1).

و تقريب دلالتها أن الطواف المندوب مع أنه لم يأت به بقصد الجزئية إلا أنه مسانخ لبعض أجزاء النسك- فهذا مما يوجب التحامه به تلقائياً، و ان لم يقصده الناسك و بالتالي فاحتاج إلى عقد احرامه تأكيداً بالتلبية الأخرى، كل ذلك بسبب التجانس الموجود بين الافعال.

هذا كله بحسب القاعدة الأولية و النصوص الواردة و كذلك هناك جملة من الروايات الأمرة بالتلبية بعد الطواف المستحب أو الناهية عنه في العمرة سيأتي الاشارة إليها في مسألة (363).

(عموم القاعدة)

فهل تشمل العامد و غيره، و هل تشمل ما لو بقي بعض أجزاء النسك السابق كما لو نسي الطواف و السعي أو بقي عليه طواف النساء.

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 16، ح 2.

53

..........

____________

ففي المقام أمور:

الأول: في شمول القاعدة لغير العامد.

و الظاهر عمومها له بمقتضى الأدلة السابقة فيما لو كان الاقتحام من البدء أو في الأثناء قبل إتمام بقية الأجزاء لعموم الوجوه المتقدّمة، و أما لو بقي عليه بعض الأجزاء بسبب الخلل غير العمدي فالظاهر عدم شمول القاعدة لما يأتي من الإشارة في الأمور اللاحقة، بل كذلك الحال في خصوص طواف النساء و لو عمداً.

الثاني: الظاهر عدم عموم القاعدة لموارد بقاء بعض الأجزاء بسبب الخلل غير العمدي؛ لما ورد من النصوص في الخلل في الطوافين غير العمدي أنه يقضيهما و لو دخل في نسك آخر، كما لو نسيهما في عمرة التمتع ثمّ أهل بحج التمتع فإنه يقضيها قبل أن يأتي بطوافي الحج، مع أنه لا زال باقياً على إحرام العمرة ما بقي وجوب قضاء الطوافين لها في ذمته، و هذا مما يدلل على أن إدخال النسك في النسك بهذا المقدار غير ضار كما ورد في باب الصلاة من إقحام صلاة الفريضة في صلاة الآيات عند ضيق الوقت.

و هذا الكلام مطّرد أيضاً فيما لو فرض الخلل في طوافي العمرة و قد دخل في عمرة أخرى، و من ذلك يتضح الحال في طواف النساء لو نسيه و أتى بعمرات متكررة فإنها تصح منه و يلزم عليه قضاء طواف النساء بعددها، و إن بني على أن طواف النساء جزء من النسك.

فائدة: في أن طواف النساء ليس جزءاً من النسك.

الثالث: في شمول القاعدة لما لو ترك طواف النساء عمداً و أهلّ بنسك أخر فقد قيل بالصحة استناداً إلى القول بعدم جزئيته نظراً إلى ورود النصوص الصحاح‌

54

[مسألة 359: يتضيق وقت الإحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة]

(مسألة 359): يتضيق وقت الإحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة (1).

____________

المتعددة، كصحيح الحلبي و صحيحي معاوية بن عمار (1)، و يؤيد بخلو عمرة التمتع من طواف النساء مع أنها متحدة الطبيعة مع العمرة المفردة، فعلى ذلك لا يكون عند الإهلال لنسك جديد من إدخال نسك في نسك و لا يندرج تحت موضوع القاعدة، بل غاية الأمر يكون مطالباً به لأجل التحلل من الإحرام السابق، لا أنه باقياً في ظرف نسك سابق بل حصل الخروج منه و إنما هو مرتبط ببعض آثاره، و أما لو بنى على الجزئية فيشكل الحال مع تعمد الترك في إدخال نسك جديد، لأنه بناءً على الجزئية يكون متصلًا لما قبله و إدخال النسك يوجب قطع الهيئة الاتصالية إلا أن الأظهر القول بعدم الجزئية.

(1) لضيق المقدمات و بضيق وقت ذي المقدمة، و قد أشارت إلى ذلك النصوص أيضاً (2)، و قد تقدم في فصل كيفية الاحرام (المسألة: 13) (3) التعرض لصحيحة معاوية بن عمار الواردة في المحصور حيث قال: ( (و إن كان في عمرة فإذا برأ فعليه العمرة واجبة، و إن كان عليه الحج فرجع إلى أهله و أقام ففاته الحج كان عليه الحج من قابل ...)) و قال: أن الحسين بن علي خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ علياً و هو بالمدينة .. فدعا علي ببدنة فنحرها و حلق رأسه و رده إلى المدينة، فلما برأ من وجعه اعتمر، فقلت: أ رأيت حين برأ من وجعه أُحلَّ له‌

____________

(1) أبواب أقسام الحج، ب 2، ح 6 و ح 1.

(2) أبواب أقسام الحج، ب 20 و 9، ح 5.

(3) سند العروة، كتاب الحج 379: 2- 381.

55

[مسألة 360: يتحد إحرام الحج و إحرام العمرة في كيفيته و واجباته و محرّماته]

(مسألة 360): يتحد إحرام الحج و إحرام العمرة في كيفيته و واجباته و محرّماته، و الاختلاف بينهما إنما هو في النية فقط (1).

[مسألة 361: للمكلف أن يحرم للحج من مكة القديمة من أي موضع شاء]

(مسألة 361): للمكلف أن يحرم للحج من مكة القديمة من أي موضع شاء، و يستحب له الإحرام من المسجد الحرام في مقام ابراهيم أو حجر

____________

النساء؟ فقال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة. قلت: فما بال النبي حين رجع إلى المدينة حلّ له النساء و لم يطف بالبيت؟ فقال: ليس هذا مثل هذا النبي كان مصدوداً و الحسين محصوراً (1) فإن ذيلها كما هو مفاد الفقرة الأولى فيها دالّ على أن العمرة التي يأتي بها المحصور هي لأجل التحلل من النساء، لا العمرة قضاء، و على ذلك تكون دالة على صحة إنشاء نسك آخر مع بقاء إحرام النسك السابق الذي قد تحلل من أعماله و بقي عليه حرمة النساء، و نظير هذه الرواية ما رواه صاحب الجواهر من خبر عامر بن عبد الله بن جداعة الهروي عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب (2).

و تحصل من هاتين الروايتين و روايات أخرى ذكرناها ثمّة أن طواف النساء ليس جزاءً من النسك و إنما هو بسبب التحلل و إن تأخيره لا يضر بصحة النسك.

(1) لإطلاقات النصوص الواردة في الإحرام مضافاً للنصوص الخاصة في إحرام الحج أيضاً (3)، مضافاً إلى أن وحدة العنوان تقتضي وحدة الماهية ما لم يدل دليل بالخلاف.

____________

(1) أبواب الاحصار، ب 1، ح 3 و ب 2، ح 1.

(2) الجواهر 261: 18، و لاحظ سند العروة الحج 382: 2.

(3) أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة، ب 1، ح 1.

56

إسماعيل (1).

____________

(1) و وجه تقييد الماتن بمكة القديمة هو ما ورد من تحديد منتهى التلبية للحاج النائي من كونه مكة القديمة (1).

و تُحد بعقبة المدنيين من أعلاها و عقبة ذي طوى من اسفلها (و أن الناس قد أحدثوا في مكة ما لم يكن) و يستفاد من ذلك أن مكة كميقات و كمحلّ لأفعال النسك هي مكة القديمة.

و أما القول الآخر فقد تمسك بإطلاق عنوان مكة بمثابة العنوان في القضية الحقيقية، فهو يصدق على مقدار التوسعة كلما استجدّ، و لا سيما بأن التوسعة كانت حاصلة في عصر صدور النصّ و لم تقيد بالقديمة سوى ما في باب التلبية و لا وجه للتعدي منه إلى غيره من الأبواب العديدة في الحج و العمرة مع إطلاق أدلتها.

بل مرّ في فصل المواقيت صحيح حماد قال سألت أبا عبد الله: عن أهل مكة أ يتمتعون؟ قال: ( (ليس لهم متعة)). قلت: فالقاطن بها؟ قال: ( (إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة)). قلت: فإن مكث الشهر؟ قال: ( (يتمتع)). قلت: و من أين؟ قال: ( (يخرج من الحرم)) قلت: من أين يهل بالحج؟ قال: ( (من مكة نحواً مما يقول الناس)) (2).

و في صحيح الحلبي مثله و فيه قال: ( (فإذا أقاموا شهراً فإن لهم أن يتمتعوا.

____________

(1) أبواب الاحرام، ب 3، ح 4.

(2) أبواب أقسام الحج، ب 9، ح 7.