رسالة في صلاة الجمعة

- الشيخ محمد تقي المجلسي الأصفهاني المزيد...
85 /
3

[مقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه الّذي تفرّد بالرّحمانيّة الالهيّة و انفرد بالمعبوديّة الابديّة الّذي دعانا الى الجمعة في الجماعة و شرّف يومها على جميع الاوقات و الآنات و امرنا بالسّعى الى صلاتها الّتي خصّها بالحثّ و البعث في التّنزيل، ثم الصّلاة و السّلام على افضل من اعطى الخطاب و اشرف من اوتى الكتاب، سيّد الموجودات و مولى المخلوقات نبيّه و حبيبه ابى القاسم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الطّيبين الطّاهرين الّذين هم عدلاء القرآن و امناء الرّحمن و اللّعنة الدّائمة على اعدائهم من الآن الى يوم القيام.

امّا بعد فمن المسائل الّتي يعتنى بها في الفقه كمال الاعتناء بحيث صارت معركة للآراء و الانظار مسئلة صلاة الجمعة انّها هل تكون واجبة او لا ثمّ على القول بالوجوب هل تكون واجبة كفائيّة او عينيّه تعيينيّة او تخييريّة و نحن أيضا نقتفي اثرهم و نحقّق حكمها بعون اللّه تعالى فانّه خير معين‌

4

فنقول‌

ينبغى قبل البحث عن حكمها في عصر الغيبة تقديم امور:

الاوّل قد اجتمعت الاماميّة بل العامّة أيضا على مشروعيّة الجمعة و وجوبها

باصل الشّرع من غير نقل خلاف فيه بحيث قد عدّت من ضروريّات الدّين و يدلّ عليه أيضا الكتاب و السنّة المستفيضة بل المتواترة.

الثانى قد تذكر لها في الكلمات شرائط امّا لصحّتها او لوجوبها

كاشتراط انعقادها في الامصار دون القرى و اقامتها مع السّلطان العادل لا مع غيره او في المساجد دون مواضع اخر و نحو ذلك من الشرائط المنصوصة المخصوصة بها كالعدد و الجماعة و نحن بعد الفحص و التتبّع في مدرك الاشتراط قد عثرنا على انّ منشأ الخلاف في تلك الشرائط في الاصل هو تطرّق الاحتمال في الاحوال المقترنة بفعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ايّاها من انّها هل هى شرط صحّتها او وجوبها أم ليست بشرط حيث انّه لم يصلّها الّا في جماعة و مصر و مسجد جامع.

و الوجه في اختلافهم في اشتراط تلك الاحوال و الافعال المقترنة بها هو كون بعضها انسب الى افعال الصّلاة من بعض كاشتراط كونها في المسجد او جماعة بالاضافة الى اشتراط وقوعها في المصر او مع السّلطان العادل كنفس النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الى غير ذلك من الوجوه الّتي يأتي ذكرها إن شاء اللّه.

الثّالث انّهم اختلفوا في حكمها في زمن الغيبة على اقوال اربعة

بعد اتّفاقهم على وجوبها عينا مع السّلطان العادل او نائبه الخاصّ.

5

فقال بعضهم بالوجوب أيضا مع باقى الشرائط و هم بين مصرّح بعدم اشتراط انعقادها مع الامام او من نصبه بالخصوص و بين مطلق للوجوب و ذهب بعضهم الى اشتراط انعقادها مع الفقيه النائب عنه (عليه السلام) عموما و هم أيضا بين القائل بالاستحباب و عدم الاجزاء و بين القائل بالوجوب التخييري و الاجزاء و ربما اختار بعضهم عدم شرعيّتها حينئذ.

[الكلام في شرائط صلاة الجمعة]

[الشرط الأول وجود السلطان العادل أو نائبه الخاص]

[في بيان الأصل لوجوب صلاة الجمعة هو الكتاب الكريم في سورة الجمعة]

اذا عرفت ما فهّدناه من الامور فاعلم انّ المشى الصّحيح في الفقه و الاستنباط هو الرجوع الى دليل الحكم و اصله قبل الالتفات الى الاقوال و الأنظار كما هو طريقة السّلف من الفقهاء و المجتهدين و نحن نتّبعهم في ذلك فلذا قبل الغور في الاقوال و اختيار الصّحيح من السقيم عندنا نلتزم بالرجوع الى ما هو الاصل في ذلك ثمّ نتأمّله هل يستفاد منه الوجوب المطلق او المشروط.

فنقول انّ الاصل في ذلك هو الكتاب الكريم فلنبدأ بذكره تيمّنا و تبرّكا و هو قوله تعالى في سورة الجمعة «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

اجمع المفسّرون على انّ المراد من الذّكر هو صلاة الجمعة كما ادّعاه ثانى الشّهيدين ره في رسالة الجمعة و قيل المراد به الخطبتان كما نقله الطّبرسي ره في الجمع و الامر سهل و وجه التّعبير عنها بالذّكر لعلّه لاشتمالها على الحمد‌

6

و الثّناء و الدّعاء و الامر بالمعروف و النّهى عن المنكر الّتي تذكّرنا اللّه سبحانه و تعالى دلّت هذه الآية الشّريفة على انّ كلّ من يصدق عليه اسم المؤمن فهو مأمور بالسعى اليها و استماع خطبتها و ترك كلّ ما اشتغله عنها من غير تقييد و شرط فاطلاقها يدفع احتمال خصوصية بعض الشروط المحتمل دخلها في الصّحة او اللّزوم فعلى مدّعيه الدّليل.

مضافا الى انحاء التأكيد و ضروب الحثّ فيها بحيث لو خوطب بها المخاطب المنصف الخالى عن شوائب الخيالات و تطرّق الاحتمالات و الاوهام انتقل الى الوجوب بساطع البرهان كما قاله بعض الاعلام.

و يمكن ان يقرّر دلالتها على الوجوب بانّ قوله تعالى فَاسْعَوْا امر و هو يدلّ على الوجوب لظهوره فيه كما يصدّقه السليم من الفهم اذا لم ينصب المولى دليل على الرّخص.

مضافا الى ما في مادّته من الحثّ و البعث مع اعتضاده بوجوه من التّأكيد كتسميته تعالى ايّاها بالذّكر و امره بها في هذه السّورة و ندبه الى قراءتها في صلاة الجمعة و النّهى من الاشتغال بحطام الدّنيا بالتّجارة فيها ثمّ التّعبير بانّها محض الخير و الصّلاح بل قيل انّه تعالى اوجبها ليتذكّر السّامعون مواقع الامر و موارد الفضل و عقّبه في السّورة الّتي بعدها الّتي يذكر فيها المنافقين بالنّهى عن تركها و الاهمال لها و الاشتغال عنها بقوله تعالى‌

7

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ» و غير ذلك ممّا لم يوجد في فرض من الفرائض حتّى الصّلوات الواجبة الّتي هى من افضل الطّاعات و القربات بعد الايمان بحيث كانت عمدا للدّين و الإسلام هذا‌

[فيما يرد على الاستدلال بالآية من الإشكال و الجواب عنه]

و لكن اورد عليه بانّ مبنى هذا الاستدلال على انّها مطلقة فتشمل جميع المكلّفين من غير دخل شرط فكلّ ما احتمد شرطيّته في الوجوب فالاطلاق دافع عنه و لا يخفى انّ هذا يتمّ لو كانت الآية في مقام التّشريع و هذا غير معلوم بل علم عدمه لنقل المفسّرين انّها اقيمت قبل نزولها فقد نقل في المجمع في شأن نزولها عن جابر بن عبد اللّه قال اقبلت عير و نحن نصلّي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الجمعة فانفضّ النّاس اليها فما بقى غير اثنى عشر رجلا انا فيهم فنزلت الآية.

و عن الحسن و ابى مالك قالا اصاب اهل المدينة جوع و غلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يخطب يوم الجمعة فلمّا رأوه قاموا اليه بالبقيع خشية ان يسبقوا اليه فلم يبق مع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الّا رهط فنزلت الآية فقال و الّذي نفسي بيده لو تبايعتم حتّى لا يبقى احد منكم لسال بكم الوادي نارا.

فالآية تدلّ على وجوب السعى الى الجمعة الّتي اقامها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و النّهى عن الشغل عنها من غير كونها ناظرة الى تشريعها حتّى يتمسك‌

8

لدفع احتمال اعتبار بعض الشروط باطلاقها.

و ان شئت قلت انّ اللّام في قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ للعهد و معهودها هو الصّلاة الّتي اقامها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فح ليست الآية بصدد تشريع الجمعة بل في مقام الذّم عن انفضاض السّامعين في اثناء الخطبة و عدم الاعتناء بشأنها و الاستماع لها و لزوم السعى و الحضور الى ما كانت مشروعة و معمولة بها بين المسلمين قبل نزول الآية المباركة.

ثمّ لو سلّمنا انّها ليست للعهد بل هى للجنس كما هو الاصل فيها فلا تدلّ أيضا على المدّعى اذ معناها حينئذ انّه اذا نودى لجنس صلاة الجمعة المشروعة من يوم الجمعة فاسعوا اليها و لا دلالة فيها على اصل التّشريع كى يتمسّك باطلاقه على دفع ما احتمل اشتراطه اذ لم نحرز انّه تعالى بصدد بيان الحكم من هذا الحيث بل غاية ما يمكن ان يقال انّه تعالى شرّع وجوب الحضور عند قيامها قضية لظاهر اللّفظ لأنّ مقتضى ايجاب السعى الى الذّكر هو حصوله حتّى يصحّ التّرغيب و الاسعاء نحوه و بالجملة فلا تدلّ الآية على وجوب عقدها بل على وجوب الحضور اليها بعد انعقادها فلا تنافى اشتراطه بتصدى الامام او من نصبه فتلخّص ممّا ذكرنا من الايراد انّ اللّام للعهد فلا تدلّ حينئذ على كيفيّة تشريعها و انّها تكون مطلقة او مشروطة ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و سلّمنا كونها للجنس كما هو الانصاف فلا تدلّ أيضا على الوجوب المطلق اذ هى مبنيّة على‌

9

احراز كون المتكلم بصدد تشريع اصل الوجوب لها و هو غير معلوم بل الظاهر كونه في مقام بيان الحكم بوجوب الحضور عند قيامها لا اصل وجوب اقامتها فتدلّ حينئذ على انّها لو اقيمت وجب على المكلّفين الحضور اليها و امّا انّه يجب اقامتها اوّلا فلم يظهر بعد من الآية المباركة.

لكنّ الانصاف انّ اللّام لو كانت للجنس فلا مجال للإيراد المزبور بل اللّازم تسليم كونها دالة على المدّعى اخذا بمقتضى عموم معنى السعى اذ معناها حينئذ انّ المؤذّن اذا اذّن لصلاة الجمعة من يومها فيجب عليكم الاقبال اليها و الاهتمام بها باتيانها و ايقاعها و هذا يعمّ اصل الاقامة لها و الحضور اليها بعد الاقامة كما هو المنسبق الى الاذهان الصّافية الخالية عن تطرق المحتملات البعيدة و لا يخفى انّ التعليق بالنداء مبنىّ على الغالب فليس للشّرط هنا مفهوم ليكون حجة و بذلك ينقدح ضعف ما قيل من انّ مقتضى ايجاب السعى الى الذّكر هو حصوله حتّى يصحّ التّرغيب نحوه و امّا حديث سنخيّة المعنى المراد للمورد فلا ريب في انّه يعمّه و انّ المورد من جملة مصاديقه.

نعم لو كانت اللّام للعهد فيتوجّه الاشكال اذ بناء عليه فاللّام للإشارة الى ما صلّاها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الجمعة المقارنة لما يحتمل دخله في الوجوب او الصّحة فكيف يمكن التّمسك بها حينئذ لدفع ما يحتمل دخله في‌

10

ذلك بل غاية ما تدلّ عليه هو وجوب الحضور عند قيام الجمعة المشروعة بفعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا الاحتمال و إن كان مخالفا لظاهر اللّام الّا انّه يمكن القول بكونه مانعا عن ظهورها في ارادة الجنس و المتيقّن ارادة مورد نزولها من الصّلاة المعهودة قبل النّزول و ذلك لأنّه ممّا يصلح للقرينيّة المانعة عن انعقاد ظهور اللّام في ارادة الجنس فتدبّر.

[في بيان الجهات المبحوث عنها]

ثمّ لا يخفى انّ جهات البحث في المقام كثيرة الّا انّ المهمّ منها جهتان الاولى انّه هل يشترط في اقامة الجمعة حضور السّلطان العادل او من نصبه أم لا يشترط فيها ذلك بل تجب اقامتها على جميع المسلمين و تكون من وظائفهم مطلعة الثانية انّه على فرض الاشتراط و عدم وجوبها على الجميع فهل تحرم في عصر الغيبة أم تكون الفقهاء او مطلق المؤمنين مأذونين من قبلهم (عليهم السلام) في اقامتها.

[الجهة الاولى أنّه هل يشترط في اقامة الجمعة حضور السّلطان العادل أو من نصبه أم لا]

امّا البحث في الجهة الاولى: لا ريب في انّه يعتبر في صلاة الجمعة ما لا يعتبر في غيرها من الصّلوات و انّها تختص بامور ليست في غيرها.

منها حضور السلطان العادل او نائبه فانّه شرط في وجوب الجمعة او صحّتها على ما هو المعروف عندهم كما يظهر من تصفّح كلماتهم و لا سيّما المتقدّمين منهم و عن ابى حنيفة أيضا القول بذلك لكن عن الشافعي و مالك و احمد انّه ليس السّلطان و لا اذنه شرطا و عن جماعة من المتأخّرين و فاقا للشّهيد الثّاني في‌

11

رسالته المشهورة الّتي ألّفها في هذه المسألة نفى الاشتراط‌

[في نقل كلام صاحب المدارك]

و قد يظهر من المدارك اختياره حيث ذكر بعد ايراده لجملة من الرّوايات الدّالة على الوجوب ما هذا لفظه.

فهذه الاخبار الصحيحة الطّرق الواضحة الدّلالة على وجوب الجمعة على كلّ مسلم عدا ما استثنى يقتضى الوجوب العيني الى ان قال و ليس فيها دلالة على اعتبار حضور الامام او نائبه بوجه بل الظاهر من قوله عليه السلم «فإن كان لهم من يخطب بهم جمّعوا» و قوله (عليه السلام) «فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا مهمّ بعضهم و خطبهم» خلافه كما سيجي‌ء تحقيقه إن شاء اللّه.

قال جدّي قده في رسالته الشريفة الّتي وضعها في هذه المسألة بعد ان اورد نحو ما اوردناه من الاخبار و نعم ما قال فكيف يسع المسلم الّذي يخاف اللّه تعالى اذا سمع مواقع امر اللّه و رسوله و ائمته (عليهم السلام) بهذه الفريضة و ايجابها على كلّ مسلم ان يقصر في امرها و يهملها الى غيره و يتعلّل بخلاف بعض العلماء فيها و امر اللّه و رسوله و خاصّته (عليهم السلام) احقّ و مراعاته اولى.

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ و لعمرى لقد اصابهم الامر الاوّل فليرتقبوا الثاني ان لم يعف اللّه و يسامح نسأل اللّه العفو و الرّحمة بمنّه و كرمه انتهى و لا يخفى انّه كالنصّ في اختيار ما ذكره الشّهيد قده‌

[في أدلة المشهور القائلين بالاشتراط]

ثمّ انّه استدلّ للمشهور القائلين بالاشتراط بوجوه‌

12

احدها اصالة عدم مشروعيّتها او وجوبها بغير الامام او اذنه

فعن الخلاف انّه لا خلاف انّها تنعقد بالامام او بامره و ليس على انعقادها اذا لم يكن امام او امره دليل و لا يخفى انّ هذا يتمّ اذا لم تتمّ أدلّة القائلين بالوجوب مطلقا من دون اشتراط الامام او نائبه و سيأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى.

الثاني دعوى الاجماع على الاشتراط عن كثير من الاساطين

و افتائهم به في غير واحد من كتبهم المعدّة لنقل اصول المسائل المتلقّاة عنهم (عليهم السلام).

فعن الخلاف بعد استدلاله لذلك بالاصل المتقدّم قال و أيضا عليه اجماع الفرقه فانّهم لا يختلفون انّ من شرط الجمعة الامام اوامره و عن المرتضى انّه قال و لا جمعة الّا مع امام عادل او من نصبه الامام العادل فاذا عدم صلّيت الظهر اربع ركعات و عن المراسم صلاة الجمعة فرض مع حضور امام الاصل او من يقوم مقامه و اجتماع خمسة نفر فصاعدا احدهم الامام و عن الوسيلة و يحتاج في الانعقاد الى اربعة شروط حضور السلطان العادل او من نصبه كذلك و عن الغنية و امّا الاجتماع في صلاة الجمعة فواجب الّا انّ وجوبه يقف على شروط و هى الذّكورة الى ان قال و حضور الامام العادل او من نصبه الى ان قال كلّ ذلك بدليل الاجماع المشار اليه و عن السّرائر و الّذي يقوى عندي صحّة ما ذهب اليه من مسائل الخلاف الى ان قال فانّ عندنا بلا خلاف بين اصحابنا انّ من شرط انعقاد الجمعة الامام او من نصبه الامام‌

13

للصّلاة و عن المعتبر السّلطان العادل او من نصبه شرط وجوب الجمعة و هو قول علمائنا و عن التّحرير من شرائط الجمعة الامام العادل او من نصبه فلو لم يكن الامام ظاهرا و لا نائب له سقط الوجوب و عن المنتهى يشترط في الجمعة الامام العادل اى المعصوم عندنا او اذنه امّا اشتراط الامام او اذنه فهو مذهب علمائنا اجمع و الحسن و الاوزاعي و حبيب بن ابى ثابت و ابى حنيفة و عن التذكرة يشترط في وجوب الجمعة السّلطان العادل او نائبه عند علمائنا اجمع و به قال ابو حنيفة و عن الدّروس و الذّكرى و جامع المقاصد و غير ذلك ممّا لا حاجة الى استقصائه دعوى الاجماع عليه أيضا و لا يضرّ خلاف مثل الشافعي و مالك و احمد مستدلّين بانّ عليّا عليه السلم قد اقامها حينما كان عثمان محصورا في بيته مع انّ الخلافة لم تنتقل اليه بعد و ذلك لبطلان مستندهم امّا على اصولنا فواضح لأنّه عليه السلم كان خليفة للنبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) من اوّل الامر بجعله تبارك و تعالى «و الحق يدور عليه حيثما دار» و امّا على اصولهم فلما قيل من انّ حصر عثمان عزل له من قبل المسلمين و نصب لعليّ (عليه السلام) لكنّ الانصاف انّه لا يتمّ على اصولهم لأنّ الخلافة عندهم تتوقّف على البيعة الّتي لم تتحقّق الّا بعد قتل عثمان كما اشار اليه بعض مقرّري هذا البحث و قد حرّرنا في كتابنا ولاية الاولياء انّ البيعة في طول ثبوت الحقّ و ليست من اسبابه لكونها عبارة عن اظهار فعليّة الحقّ‌

14

لمن كان مستحقّا له لا انّها بنفسها من موجباته و الّا يلزم تقدّم الشي‌ء على نفسه ثمّ انّه قيل انّ الاجماع المنقول بخبر الواحد حجّة فضلا عن نقل مثل هؤلاء الاعيان مستفيضا او متواترا بل قيل انّه قد اطبق الاصحاب على نقل الاجماع عليه لا رادّ له فيهم و قد ذكر المحقّق الهمداني قده بعد تقرير حجيّة الاجماع المزبور على ما استقرّ عليه رأى المتأخرين من استكشاف رأى المعصوم (عليه السلام) بطريق الحدس من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشّريعة انّه يكفي في الجزم بعدم الوجوب في مثل المقام وجود خلاف يعتدّ به فيه لقضاء العادة بانّه لو كانت الجمعة بعينها واجبة على كلّ مسلم لصارت من الصّدر الاوّل من زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كغيرها من الفرائض اليوميّة من ضروريّات الدّين فانّ غالب المسلمين من اهل البوادي و القرى في اغلب اوقاتهم لم يكن يمكنهم حضور الجمعة الّتي يقيمها السّلطان او منصوبه فلو كان تكليفهم الجمعة عينا لبيّن لهم النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) من صدر الإسلام كغيرها من الفرائض و لأقاموها في كلّ جمعة في محالّهم فلم يكن يختص ذلك على نسائهم و صبيانهم فضلا عن ان يشتهر القول بعدم وجوبها او عدم شرعيّتها بين الخاصّة و العامّة او ينعقد اجماعهم على ذلك.

و الإنصاف انّه لا يكاد يوجد فرع في الفقه يمكن استكشاف رأى المعصوم فيه بالحدس من باب الملازمة العاديّة من اجماع العلماء اوضح من المقام اقول لا يخفى انّ حجيّة الإجماع انّما هى من جهة كشفه عادة عن وجود‌

15

الحجّة العلميّة القاطعة للعذر الموافقة قطعا لرأى الحجّة (عليه السلام) بل او مدرك معتبر سالم عن معارض و أصل معتدّ به بحيث لو وقفنا عليه كما وقف عليه المجمعون لحكمنا بما حكموا به و لم نتخطّه الى غيره و هذا ممّا لا سبيل الى انكاره بعد العلم بوجوده لأنّ الدليل الإجمالي حجّة كالتفصيلي لكنّ الكلام بعد في ثبوته و اثباته بحيث يكشف عن ذلك و حاصله ما ارتضاه شيخنا المرتضى (قدّس سرّه) في هذا المقام من انّ المحسوس من الاجماع المستلزم عادة لذلك مستحيل التّحقّق للنّاقل و الممكن المتحقّق له غير مستلزم عادة قال و كيف كان فاذا ادّعى النّاقل الاجماع خصوصا اذا كان ظاهره اتّفاق جميع علماء الاعصار او اكثرهم الّا من شذّ كما هو الغالب في اجماعات مثل الفاضلين و الشّهيدين انحصر محمله في وجوه:

احدها ان يراد به اتّفاق المعروفين بالفتوى دون كلّ قابل للفتوى من اهل عصره او مطلقا الثاني ان يريد اجماع الكلّ و يستفيد ذلك باتّفاق المعروفين من اهل عصره و هذه الاستفادة ليست ضروريّة و إن كان قد تحصل لأنّ اتّفاق اهل عصره فضلا عن المعروفين منهم لا يستلزم عادة اتّفاق غيرهم و من قبلهم خصوصا بعد ملاحظة التخلّف في كثير من الموارد لا يسع هذه الرسالة لذكر معشارها و لو فرض حصوله للمخبر لكان ذلك من باب الحدس الحاصل عمّا لا يجب العلم الى ان قال و الحق بذلك ما اذا علم اتّفاق الكلّ من اتّفاق جماعة لحن ظنّه بهم كما ذكره في اوائل المعتبر حيث قال و من المقلّدة من لو طالبته بدليل المسألة ادّعى الإجماع لوجوده في‌

16

كتب المشايخ الثلاثة الى ان قال الثالث ان يستفيد اتّفاق الكلّ على الفتوى من اتّفاقهم على العمل بالأصل عند عدم الدّليل او بعموم دليل عند عدم وجدان المخصّص او بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض او اتّفاقهم على مسئلة اصوليّه نقليّة او عقليّة يستلزم القول بها الحكم في المسألة المفروضة و غير ذلك من الامور المتّفق عليها الّتي يلزم باعتقاد المدّعي من القول بها مع فرض عدم المعارض القول بالحكم المعيّن في المسألة الى ان قال ثمّ انّ الظاهر انّ الإجماعات المتعارضة من شخص واحد او من المعاصرين او متقاربى العصر و رجوع المدّعي عن الفتوى الّذي ادّعى الإجماع فيها و دعوى الإجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعي و في مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدّعي بل في زمانه بل فيما قبله كلّ ذلك مبنىّ على الاستناد في نسبة القول الى العلماء على هذا الوجه ثمّ ذكر قده بعض الموارد الّتي صرّح المدّعي بنفسه او غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك فمن ذلك ما وجّه المحقّق به دعوى المرتضى او المفيد من انّ مذهبنا جواز ازالة النجاسة بغير الماء من المائعات قال و امّا قول المسائل كيف اضاف المفيد و السيّد ذلك الى مذهبنا و لا نصّ فيه فالجواب امّا علم الهدى فانّه ذكر في الخلاف انّه انّما اضاف ذلك الى مذهبنا لأنّ من اصلنا العمل بالاصل ما لم يثبت النّاقل و ليس في الشّرع ما يمنع الازالة بغير الماء من المائعات ثمّ قال و امّا المفيد فانّه ادّعى في مسائل الخلاف انّ ذلك روى عن الائمه (عليهم السلام). انتهى فظهر من ذلك انّ نسبة السيّد قده الحكم المذكور‌

17

الى مذهبنا من جهة الاصل اقول و هذا الاصل الّذي اعتمد عليه و نسبه الى المذهب واضح انّه بلا اصل فانّ الاصل بقاء النّجاسة بعد هذا الغسل لا ازالتها ثمّ نقل وجوها كثيرة من هذه الإجماعات الّتي لا اصل لها شاهدا على الدعوى حتّى قال و اوضح حالا في عدم جواز الاعتماد على هذه الإجماعات المدّعاة ما ادّعاه الحلّي من الاجماع على وجوب فطرة الزّوجة و لو كانت ناشزة على الزّوج و ردّه المحقّق بانّ احدا من علماء الإسلام لم يذهب الى ذلك الى آخر كلامه (قدّس سرّه).

اقول الحاصل انّه بعد التّتبع التّام في كلمات الاصحاب و ما تحتوي من الشبهات و الاحتمالات مع اختلاف مبانيهم و مشاربهم في الاجماعات و ما وقعوا فيه من المتناقضات لم يبق لنا وثوق بتلك الاجماعات المنقولة على وجه يكشف عن حجّة معتبرة قاطعة للعذر و عهدتها على مدّعيها و لا سيّما في مثل المقام ممّا يحتمل جدّا استناده الى سائر الوجوه المذكورة للاشتراط كالأصل و السيرة و الاخبار المرويّة عنهم (عليهم السلام) في هذا الباب ممّا كان للمناقشة فيها مجال كما انّها قد نوقشت أيضا فراجع و تتّبع.

الثالث ما قرّبه بعض الاعاظم ره من انّها لو كانت واجبة بدون السّلطان العادل او من نصبه لكان الواجب تعلّمها و تعلّم خطبتها على جميع المسلمين كفاية

و وجوب اقامتها في جميع الأمكنة من الامصار و القرى و البوادي كإقامة سائر الفرائض و الصّلوات اليوميّة و لكانت متداولة بينهم بمثل تلك الصّلوات مع وضوح انّ عادة المسلمين في اعصار النّبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) لم تكن كذلك بل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

18

هو بنفسه يعقد الجمعة و يقيمها و كذلك الخلفاء من بعده حتّى امير المؤمنين (عليه السلام) و كان الخلفاء ينصبون في البلدان اشخاصا معينة لإقامتها و كان النّاس يرون من وظائفهم حضور الجمعات الّتي يقيمها الخلفاء و الامراء و المنصوبون من قبلهم و هذا كان دأبهم و ديدنهم في جميع البلدان فلو كان حكم اللّه و رأى الأئمّة (عليهم السلام) على خلاف ذلك لكان يجب عليهم بيان ذلك و اعلام اصحابهم بوجوب السعى في اقامتها الجميع المسلمين بلا اختصاص ببعض دون بعض كما استقرّ عليه سيرتهم (عليهم السلام) في جميع المسائل الّتي خالف اهل الخلاف لأهل الحقّ كمسألتى العول و التّعصيب و هذه السّيرة المستمرّة تفيد الظّنّ القوىّ بل القطع بعدم وجوبها المطلق بل كون اقامتها من مناصب الإمام او من نصبه و يمكن الجواب عن ذلك امّا عن وجوب تعلّمها و تعلّم خطبتها كفاية على جميع المسلمين فلأنّه لا محذور في الالتزام به كما يلتزم بوجوب تعلّم صلاة الميّت و غسله و تكفينه ممّا له دخل في تجهيزه و امّا عن وجوب اقامتها في جميع الامكنة كإقامة سائر الفرائض فلأنّ المانع انّ النّاس كانوا تحت سيطرة خلفاء الجور و اجبارهم فلم يتمكّنوا من مخالفتهم و اهل الحقّ و المعرفة قليل في جماعتهم جدّا و كانوا في شدّة التّقيه فلم يقدروا على اقامتها مع الامام المعصوم او بدونه لأنّ الخلفاء الجابرين يرون هذه و امثالها من مناصبهم و شئونهم بحيث كانوا ينصبون النّواب بانفسهم في البلاد و القرى و النّاس كافّة‌

19

لا يقدرون على المخالفة و الطّغيان بل المعصوم (عليه السلام) بملاحظة حفاظة نفسه الشريفه و صيانة دماء الشّيعة ما كان يتولّى تلك الامور البارزه المنبئة عن المخالفة العلنيّة و لا يأمر الشّيعة باقامتها مستقلّة في قبال المخالفين و حيث انّ اقامتها تقتضى الجماعة و الخطبه و العدد المنافية للاختفاء و الاستتار فلذا ما كانوا يهتمّون بها حتّى في الخفاء و الغياب عنهم خوفا من الاذاعة و الاشاعه فهو لا ينافى الوجوب المطلق.

هذا مع امكان انتقاض هذه السّيرة بالسّيرة المستمرّة في الجماعة كما ذكره بعض الافاضل حيث انّ اقامتها في جميع الصّلوات أيضا كان بتصدى النّبيّ و الخلفاء و الامراء و كانوا ينصبون لها اشخاصا معيّنة.

اللّهم الّا ان يقال انّها أيضا كانت من المناصب الخاصّة غاية الامر انّ الائمّة (عليهم السلام) قد اذنوا لشيعتهم في اقامتها فتأمل.

هذا كلّه بالنّسبة الى زمن الحضور و امّا في عصر الغيبة فامره سهل اذ السّيرة المستمرّة فيما بين العوام مستندة الى فتاوى الفقهاء و المقلّدين فالعبرة بها لا بافعالهم و الرّجوع اليها يعطى انّهم استندوا فيها الى امثال هذه الوجوه الغير الناهضة على المدّعى.

و امّا عدم صيرورتها كسائر الفرائض من ضروريّات الدّين و متداولة بين المسلمين فيمكن ان يكون منشأه سياسة الجائرين و جعلهم لها من المناصب‌

20

المختصّة لأنفسهم بحيث لم يتمكن غيرهم من اقامتها خوفا منهم.

و امّا ما ذكره (قدّس سرّه) من انّه يجب على الإمام اعلام الحكم و اظهار الحقّ عند ترك الواجب رأسا لئلا يقع النّاس في الضلال بعد كونهم في مهد الهدى و لم يفعله فيعلم انّها ليست بواجبة مطلقا.

فانّه بعد فرض تسليم عدم بيانه (عليه السلام) انّ هذا يتمّ لو خالفنا في ذلك كافّة اهل الخلاف و اتّفقوا على خلاف الحقّ دون ما اذا اختلفوا فيه مثل المقام حيث قد تقدّم من الشافعى و مالك و احمد القول بالوجوب المطلق و عدم كونه مشروطا باقامة السلطان و لا اذنه.

الرّابع ما استند اليه بعضهم من انّ وزان صلاة الجمعة وزان صلاة العيدين بمعنى انّها كالعيدين في جميع الشرائط و الخصوصيّات

كالإتيان بالرّكعتين و الاشتمال على الخطبتين و الوجوب العينى في زمان الحضور و نحو ذلك فمن البعيد انّهما تفارقا في خصوص هذا الشرط بان يقال انّ صلاة الجمعة كالعيدين في جميع الأحكام و الخصائص و الشرائط الّا انّهما لا تجبان مطلقا بخلاف الجمعه و حيت انّ صلاة العيدين حقّ من حقوق المعصوم (عليه السلام) فبدونه (عليه السلام) لا يجوز اقامتها الّا مع الإذن لاستلزامه التّصرف في سلطانه فكذلك وجب الحكم به بالنسبة الى الجمعه أيضا لأن و زانها وزانهما.

ثمّ انّه ره استشهد على كونهما من حقوق المعصوم عليه الصّلاة و السّلم‌

21

بما رواه المشايخ الثلاثة مسندا عن مولانا أبي جعفر الباقر (عليه السلام):

قال يا عبد اللّه: ما من عيد للمسلمين اضحى و لا فطر الّا و هو يجدّد فيه لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حزن قلت و لم ذلك؟ قال لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم.

حيث انّه (عليه السلام) أطلق على صلاة العيدين الحقّ ثمّ اضافه الى آل محمّد الظاهر في الأئمة الطّاهرين (سلام اللّه عليهم اجمعين) و ذلك بقرينة تجدّد الحزن لهم في ذلك فيثبت انّها من حقوقهم (عليهم السلام) بمعنى كونها من مناصبهم الخاصّة بحيث لا حظّ لأحد فيها.

و فيه انّه مجرّد استحسان بلا دليل اذ صرف اتّحادهما في بعض الأحكام لا يوجب الحاقها بها في البعض الآخر.

امّا الرّواية الّتي استشهد ره بها على كون العيدين من حقوقهم المستلزم لعدم جواز اقامة غيرهم فيمكن الخدشة فيها بانّ دلالتها على المطلوب مبنيّة على امرين احدهما انّ المراد من الآل خصوص الأئمة (عليهم السلام) و الثانى انّ الحقّ في قوله (عليه السلام) لأنّهم يرون حقّهم قد اريد به اقامة صلاة العيدين و كلاهما في حيّز المنع.

امّا الأول فلأنّه كثيرا ما يستعمل فيمن آل في النسب الى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من دون خصوصيّة لهم كما يساعده الوجدان فيما وصل‌

22

إلينا و امّا الثانى فلأنّه يحتمل ثبوتا انّه اراد الفي‌ء و الاخماس و النذورات و الهدايا و غيرهما ممّا ثبت حقيّتها بدليل قاطع لإمام المسلمين دون ما لم يثبت بعد كصلاتهما و كان تجدّد الحزن لهم من اجل ذلك في هذه الاعياد من جهة انّ تلك الحقوق تهدى الى الجائرين في هذه الاعياد فلا يدلّ الخبر على كون صلاة العيد من حقوقه و مناصبه لعدم ما يشهد بارادتها من ذلك بل يمكن ارادة ما ذكرنا من الحقوق الثابتة حقيّتها لهم فتدبر.

الخامس ما عن المحقّق كما في مصباح الفقيه من انّه احتجّ بفعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فانّه ص كان يعيّن لإمامة الجمعه و كذا الخلفاء بعده

كما يعيّن للقضاء فكما لا يصحّ ان ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون اذن الإمام فكذا امام الجمعة قال و ليس هذا قياسا بل استدلال بالعمل المستمرّ في الاعصار فمخالفته خرق للإجماع.

و فيه ما قد عرفت من انّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله) و كذا سائر الخلفاء من بعده لا يدلّ على الشّرطيّه فانّه اعمّ و العامّ ليس فيه دلالة على الخاصّ مضافا الى انّ التعيين انّما هو لحسم مادّة النّزاع كما انّهم (عليهم السلام) كانوا يعيّنون لإمامة الجماعة و الأذان و نحوهما ممّا لا يتوقف على اذن الإمام قطعا اشخاصا.

هذا مع انّ هذه السّيرة لو تمّت دلالتها على انّ الجمعة من مناصبه‌

23

الخاصّه فلا تدلّ على كونها من مناصبه حتّى في غيبته و عدم التمكن من حضرته ع فلعلّها تكون من مناصبه ما دام حاضرا يتمكن الوصول اليه و الاستيذان منه و هذا نظير الاستيذان من ولىّ الميّت في تجهيزه و الصّلاة عليه و كفنه و دفنه فما دام كونه حاضرا يتمكن من اذنه يشترط اذنه فاذا فقد يجب على المؤمنين القيام بتجهيزه كفاية.

و يمكن أيضا ان يكون اذنه شرطا تأدبيّا كما في اشتراط اذن الأب او الجدّ له في نكاح الباكرة الرّشيدة من كونه تأدّبا لمقام ابوّته و جدودته فكذا المقام كان اذن الإمام (عليه السلام) شرطا تأدبيّا لعلو مقامه و عظم شأنه و تقدّمه و امامته على المسلمين فلا يكون ذلك دليلا على كونه شرطا حقيقيّا كما قال في محكىّ الحدائق عن بعض المشايخ انّ حسن الادب يقتضي ان يرجع القوم في مهمّات امورهم الى رأى سيّدهم و امامهم اذا كان فيهم فلا يجوز لذلك تعطيل الاحكام و تركها رأسا اذا لم يوجد فيهم الإمام الّا اذا علم انّ لوجوده و اذنه مدخلا في ذلك و دون ثبوته و اثباته فيما نحن فيه خرط القتاد.

و يؤيّده رواية حمّاد عن الصّادق عليه الصّلاة و السّلام قال (عليه السلام) إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمّع بالنّاس ليس لأحد ذلك غيره فانّه يدلّ بالمفهوم على جواز تجميع غير السّلطان اذا لم يكن هو شاهدا و نحن لا ننكر تقديم السلطان العادل او من نصبه اذا وجد احدهما و انّما نمنع سقوط‌

24

هذا عند عدم حضور احدهما فلاحظ و تأمل.

السّادس الدّعاء الثامن و الاربعون من الصحيفة السّجاديه

و هو قوله (عليه السلام) اللّهمّ انّ هذا المقام لخلفاءك و اصفياءك و مواضع أمنائك في الدّرجة الرّفيعة الّتي اختصصتهم بها قد ابتزّوها و انت المقدّر لذلك لا يغالب امرك و لا يجاوز المحتوم من تدبيرك كيف شئت و انّى شئت و لما انت اعلم به غير متّهم على خلقك و لا لإرادتك حتّى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرّفة عن جهات اشراعك و سنن نبيّك متروكة.

و الإنصاف انّ دلالتها على الاشتراط اوضح من ان يخفى و لا يحتاج الى اقامة البرهان كما يظهر لذوى الافهام.

و لا مجال لتوهم اختصاص ذلك بزمان الحضور فلا يشمل لزمان الغيبة اذ هو مدفوع بالإطلاق كما هو ظاهر.

و لا يخفى انّ المتبادر من قوله (عليه السلام) (انّ هذا المقام لخلفائك) انّه ليس لغيرهم ذلك اصلا لا انّهم احقّ به من غيرهم كما في اولياء الميّت فتدبّر‌

السّابع طوائف من الاخبار:

منها ما رواه الصّدوق قده في العيون و العلل

قال في الاوّل: حدّثنا‌

25

عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابورى العطّار بنيسابور في شعبان سنه اثنتين و خمسين و ثلاثمائة قال حدثنى ابو الحسن علىّ بن محمّد بن قتيبة النيسابورى قال: قال ابو محمّد الفضل بن شاذان النيسابورى و حدّثنا الحاكم ابو محمّد جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمّه ابى عبد اللّه محمّد بن شاذان قال قال الفضل بن شاذان فان قال: فلم صارت صلاة الجمعة اذا كانت مع الإمام ركعتين و اذا بغير امام ركعتين و ركعتين؟

قيل لعلل شتّى: منها انّ النّاس يتخطّون الى الجمعة من بعد فأحبّ اللّه عزّ و جلّ ان يخفّف عنهم لموضع التّعب الّذي صاروا اليه و منها انّ الإمام يحسبهم للخطبة و هم منتظرون للصّلاة و من انتظر الصّلاة فهو في صلاة في حكم التّمام و منها انّ الصّلاة مع الامام اتمّ و اكمل لعلمه و فقهه و عدله و فضله و منها انّ الجمعة عيد و صلاة العيد ركعتان و لم تقصر لمكان الخطبتين. فان قال: فلم جعلت الخطبة؟

قيل لأنّ الجمعة مشهد عام فأراد ان يكون للأمير سبب الى موعظتهم و ترغيبهم في الطّاعة و ترهيبهم من المعصية و توفيقهم على ما اراد من مصلحة دينهم و دنياهم و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق و من الاهوال الّتي لهم فيها المضرّة و المنفعة و لا يكون الصّابر في الصّلاة منفصلا و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ النّاس في غير يوم الجمعة و انّما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثّناء على اللّه‌

26

و التّمجيد و التّقديس للّه عزّ و جلّ و الاخرى للحوائج و الاعذار و الانذار و الدّعاء و لما يريد ان يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصّلاح و الفساد.

تقريب الاستدلال بها انّ الفقرة الثالثة اعنى انّ الصّلاة مع الامام أتمّ و اكمل ظاهرة كما ادّعاها بعضهم فيمن بيده الامر و هو الامام المعصوم لا ما يعمّ امام الجماعة فانّ التّدبر في بقيّة فقراتها يعطى انّه المراد من ذلك و لا سيّما التعبير بالامير الظاهر فيمن له الامر و النّهى و العزل و النّصب و نحوها من انحاء السّلطنة المطلقة الثّابتة من قبل اللّه تعالى له و هو المعصوم (عليه السلام) لا مطلق من يؤمّ بالنّاس في سائر الايّام.

و فيه انّ التّعليل الوارد في الفقرة الثّالثة يقتضى ارادة العموم من الامام المعصوم و غيره فقد يمنع من تخصيصه بالمعصوم بل ربّما يستشمّ من التّعبير بالفقه خلاف ذلك و انّه غير مراد بخصوصه بل يعمّ لكلّ من اتّصف بما ذكر من الاوصاف سواء كان هو الامام المعصوم أم غيره.

و امّا ما استظهر من لفظ الامير من كونه الامام المعصوم (عليه السلام) فمع انّه اشبه بالمصادره من الدّليل اذا المفهوم منه من بيده الأمر و كانت زعامة النّاس و رئاستهم اليه بحيث يأمر و ينهى و يعزل و ينصب و يأخذ الوجوه و الصّدقات و يصرفها في مصارفها و غيرها من الشّئونات اللّائقة بحاله فلا يختصّ ذلك بالمعصوم فهو غير مضرّ اذ غاية ما تدلّ الرّواية حينئذ انّ اللّه تعالى اراد ترغيب‌

27

الامام (عليه السلام) و ترهيبه للنّاس و هذا لا يدلّ على عدم ارادة ذلك من غيره.

و ان شئت قلت انّما يصحّ الاستدلال بهذه الرواية على مدّعى القائل بالاشتراط لو كان لها المفهوم لكنّه ليس فليس و حينئذ فتقييد الاطلاقات بمثل هذه الرّواية مشكل جدّا.

و منها ما رواه في الوسائل «باب اشتراط وجوب الجمعه بحضور سبعة و ندبها عند حضور خمسة احدهم الامام حديث 9»

عن الشيخ باسناده عن محمّد بن احمد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلاء عن محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام): قال تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين (المؤمنين) و لا تجب على أقلّ منهم: الامام و قاضيه و المدّعى عليه و الشّاهدان و الّذي يضرب الحدود بين يدى الإمام.

قال بعض المحققين في ذيل هذا الخبر انّ دلالته اوضح من ان يخفى على احد و لعلّه من جهة كون المراد من الامام المعصوم قطعا بقرينة ما وقع بعده.

و يمكن الخدشة فيه بانّ الخبر في مقام اعتبار العدد من غير كونه ناظرا الى اشتراط من يقيمها و الّا فلا خصوصيته للقاضي و من بعده كما لا يخفى.

و منها ما رواه ثقة الإسلام الكلينى

عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى عن سماعه: قال سئلت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة يوم الجمعة فقال امّا مع الامام فركعتان و امّا مع من صلّى وحده فهي اربع ركعات‌

28

بمنزلة الظّهر يعني إذا كان الإمام يخطب فإن لم يكن إمام يخطب فهي اربع ركعات و ان صلّوا جماعة.

فانّها كالنّص في انّ امام الجمعة ليس مطلق من يؤمّ به النّاس في الصّلوات الاخر و الّا فلا معنى لفرض عدم اذ قلّما يتّفق من لا يحسن أقلّ ما يجزى من الخطبة الواجبة في الجمعة المشتملة على حمد اللّه و ثناؤه و الصّلاة على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الوعظ و سورة حفيفة.

و فيه انّه استبعاد محض و ليس على مدّعيه الدّليل بل الوجدان قاض بانّه ما يتّفق و لا سيّما في البلاد العربىّ كالعراق و الشّامات و غيرهما ان لا يحسنوا ما عدا الفاتحة و التّوحيد شيئا فح فلو كان المراد من الامام هو امام يخطب كما فسّره السّماعه يقرب ان يق انّه سيق الكلام لبيان اعتبار العلم بكيفيّة الخطبة و قراءتها و الاطّلاع بالاحكام في الخطيب بل ربما يستحبّ فصاحته بحيث ينفذ كلامه في قلوب السامعين و يجذبهم و من المعلوم بالحسّ و العيان انّ كثيرا من النّاس لا يتّصفون بذلك.

فعلى هذا لا قرينة على انّ المراد من امام يخطب هو الامام المعصوم‌

و منها الاخبار الدّالة على انّ صلاة الجمعة و اقامتها من مختصّات الامام (عليه السلام) و لا تجب الّا به

بل لا تصحّ بدونه ع و من جهتها ذهب بعض الاعلام الى عدم جواز اقامتها في عصر الغيبة و هى كثيرة:

29

منها الخبر المروىّ عن دعائم الإسلام عن علىّ (عليه السلام)

انّه قال لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا للإمام او من يقيمه الإمام.

و ظاهره نفى الجواز في عصر الغيبة قضية لنفى الصّلاح لأنّه لو كان جائزا لكان فيه الصّلاح فنفيه يدلّ على عدم جوازه كما لا يخفى.

و منها المروىّ عن كتاب الاشعثيّات مرسلا

انّ الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين.

و ظاهره انّ الجمعة و الحكومة من مختصّاته و من مناصبه (عليه السلام) و الدليل قام على جعله الحكومة للفقيه و امّا الجمعة فلم يظهر بعد جعلها له من دليل.

و منها ما في رسالة الفاضل ابن عصفور مرسلا عنهم عليهم السلم:

انّ الجمعة لنا و الجماعة لشيعتنا.

فهذا الخبر دلّ على انّ صلاة الجمعة ليست بمثابة غيرها من الصّلوات الاخر حتّى يجوز اقامتها لكلّ شخص بل هذا من مناصبهم الخاصّة الّتي ليس لغيرهم فيها حظّ و لا نصيب و قرينة المقابلة شاهدة على المدّعى.

و منها ما روى عنهم (عليهم السلام): لنا الخمس و لنا الانفال و لنا الجمعة و لنا صفو المال.

و دلالة هذا الخبر على كون الجمعة من مناصبهم لا يخفى على احد لاقترانها بما كان كذلك و وحدة السّياق آبية عن اخراجها من حكم طرفيها.

30

و منها النّبوى المرويّ: اربع إلى الولات الفي‌ء و الحدود و الجمعة و الصّدقات.

و الظاهر انّ المراد من الولات الولاة العدل في مقابل الجور الظاهر في المعصوم (عليه السلام) و من كان منصوبا من قبله و لا سيّما بقرينة ما ورد بمضمونه كالنّبوى الآخر: انّ الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين.

و منها ما عن جعفريّات باسناده الى علىّ بن الحسين عن ابيه:

انّ عليّا (عليه السلام) قال لا يصحّ الحكم و لا الحدود و لا الجمعة الّا بامام فيدلّ على حصر المذكورات في حقّه (عليه السلام) نعم يمكن ان يستشكل فيه بانّ المستثنى مطلق يشمل الامام المعصوم و الفقيه بجامع الامامة و لكن امره سهل لانصراف اطلاق الامام عن الفقيه لأنّه ليس بامام مطلق بل انّ له النّيابة و الولاية من قبله في الجملة.

هذا مضافا الى ما ورد بمضمونه ممّا كان ظاهرا في امام الاصل عليه السلم و منها ما عن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) انّه قال لا جمعة إلّا بامام عدل تقىّ.

و الظاهر انّ المراد من الامام العدل المقابل للإمام الجور و هو امام الاصل فح يدلّ على عدم جواز الجمعة بدونه (عليه السلام) لسلب جنسها و نفى حقيقتها الّا مع الامام فيدلّ على عدم تحققها بدونه و انّ اقامته‌

31

عن غيره تشريع محرّم.

و منها ما عن على (عليه السلام) انّه قال لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا بامام عدل.

و دلالته كسابقه في افادة الحصر و الكلام فيه هو الكلام في سابقه.

هذا ما هو المسطور في الكتب ممّا ورد من الأخبار الدّالة بظاهرها بل بصراحتها كما في بعضها على عدم جواز اقامة الجمعة بدون امام الاصل و لا مجال للإشكال في دلالتها الّا انّها كلّها غير نقيّة السند كما تشاهد فلا وثوق لنا بصدورها من المعصوم (عليه السلام) فما كانت من الرّوايات صحيحة مسندة ليس لها دلالة واضحة على المدّعى بحيث يحصل الرّكون اليها و ما كانت دلالته واضحة صريحة ليس لها سند معتمد يوجب للوثوق بالصّدور نعم يمكن ان يق انّ هذه الاخبار الضّعاف بضميمة الصّحاح و الوجوه النّاهضة على المرام كالسّيرة المستمرّة بين اهل الشّرع بعدم اهتمامهم لها و الاجماع المدّعى من اساطين الفقه و رؤساء المذهب الّذين هم في غاية الدّقة و كمال الهمّة لإحياء احكام الشّرع الأنور لا سيّما مع حصول الرّمى من بعضهم الى القائلين بالوجوب لعلّها توجب لاطمينان النّفس و ركون الفكر على عدم وجوبها المطلق و الّا لشاع و بان كما لا يخفى على من له الذّوق في البرهان‌

و استدلّوا أيضا بجملة من الاخبار:

32

منها المستفيضة الدّالّة على وجوب السّعى اليها على من كان على فرسخين مثل ما رواه في الوسائل عن الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة قال قال ابو جعفر (عليه السلام):

الجمعة واجبة على من ان صلّى الغداة في اهله ادرك الجمعة و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انّما يصلّى العصر في وقت الظّهر في سائر الايّام كى إذا قضوا الصّلاة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجعوا إلى رحالهم قبل اللّيل و ذلك سنّة إلى يوم القيمة.

و ما رواه في العلل و العيون باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرّضا (عليه السلام) قال:

انّما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا اكثر من ذلك.

و ما رواه في الكافيّ عن علىّ بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن جميل بن درّاج عن محمّد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

تجب الجمعة على كلّ من كان منها على فرسخين.

و ما رواه فيه أيضا عن علىّ بن ابراهيم عن ابيه عن حمّاد عن حريز عن ابن مسلم قال سئلت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجمعة فقال:

تجب على من كان منها على رأس فرسخين فاذا زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء.

33

قال المحقّق الهمداني ره في تقريب الاستدلال بها انّ المقصود بهذه الاخبار ليس بيان حكم عابرى السبيل و نحوهم بل حكم سكنة القرى و البرارى و الامصار البعيدة عن المصر الّذي تقام فيه الجمعة كما لا يخفى على من تدبّر فيها فح يدلّ على المدّعى بوجهين:

احدهما انّه لو جاز عقدها بلا اذن لم يتعيّن على من بعد عنها بفرسخين السعى اليها بل كان لمن بعد عنها بثلاثة اميال انّ يعقدها في مكانه مع نفر من اهله من غير ان يتحمل هذه المشقّة الشديدة الّا ان يق انّ الرّوايات انّما تدلّ على وجوب السعى عليه ان لم ينعقد هناك جمعة فلا ينافى ذلك جواز عقدها له في محلّه.

ثانيهما سقوطه عمّن بعد عنها بفرسخين كما هو صريح الاخبار فلو كان وجوبها عينا من غير اشتراطه بامام خاصّ لوجب على البعيدين الاجتماع و الجمعة في اماكنهم و لا يصحّ تنزيل اطلاق الاخبار عليه.

و توهّم جرى الاخبار مجرى الغالب من عدم وجود من يصلح للإمامة فيهم فانّا و ان لم نقل باشتراط كونه منصوبا و لكن يشترط فيه معرفة الخطبة و اهليّته للإمامة بان يكون عدلا مرضيّا جامعا لشرائط الامامة فلا يكفي في تنجّز التكليف بالجمعة مجرد وجود عدّة رجال من المسلمين في البلد او القرية البعيدة عن المصر الّذي تقام فيه الجمعة ما لم يكن فيهم من يخطب بهم مدفوع‌

34

بانّه على تقدير كونها واجبا عينيّا يجب امامتهم عليهم كفاية و يصير معرفه الخطبة و تحصيل شرائط الامامة من المقدمات الوجودية للواجب المطلق فيجب على كلّ منهم تحصيلها كغيرها من الواجبات الكفائيّه هذا مع انّ الغالب وجود ائمة الجماعة في سائر الاماكن خصوصا في تلك الاعصار الّتي كان المتعارف عندهم ايتمام بعض ببعض مطلقا كما انّ الغالب تمكّن كلّ من يقدر على فعل الصّلاة على الاتيان باقل المجزى من الخطبتين فضلا عن ائمة الجماعة كما ستعرف فلا يصحّ ح اطلاق نفى الوجوب عنهم مع انّ الغالب تمكنهم من اقامتها في محالهم على تقدير عدم الاشتراط انتهى كلامه (قدّس سرّه).

اقول بعد الاعتراف بانّ هذه الاخبار ليست بصدد بيان حكم عابرى السبيل و نحوهم بل في مقام اظهار حكم اهل القرى و البرارى البعيدة عن المصر الّذي تقام فيه الجمعة فلا وجه لانحصار الاحتمال فيما ذكره من انّ سقوط الجمعة ممّن زاد على فرسخين من جهة اشتراط الامام و من نصبه بل يحتمل ثبوتا انّه بلحاظ عدم وجود من يحسن الخطبة في سكنة القرى و البوادى و حيث يعسر عليهم الحضور للجمعة التى تقام في البلاد و الامصار فيسقطها الشارع عنهم منّة و هذا لا ينافى الوجوب المطلق من حيث التمكن من الامام و عدم و إن كانت مشروطة بوجود من يقدر على الخطبتين القائمتين مقام الركعتين كما انّها مشروطة بالعدد و الجماعة.

35

و امّا ما استبعده قده من انّه لا يحتمل عدم وجود من يخطب فيهم بل الغالب وجود ائمة الجماعات في سائر الاماكن بحيث يقدرون على اقامتها مع من يتمكن من اتيان الصّلاة باقل ما يجزى من الخطبتين فلا يصحّ ان يكون هذا منشأ للتفصيل الواقع في الاخبار بايجاب الاقامة على من في الامصار و نفيها عمّن بعد عنها فليس في محلّه لأنّه استبعاد محض لا دليل عليه بل الوجدان يشهد بخلافه اذ كثيرا ما رأينا اهل البوادى من العرب في هذه الاعصار لم يعلموا الواجبات التى يبتلون بها حتّى الفاتحة الفريضة عليهم في كلّ يوم عشر مرّات فضلا عن الخطبتين اللّتين ليستا بمثابة الواجبات الاخر من حيث الابتلاء و الاهتمام كما لا يخفى.

فاذا كان هذا حال اعصارنا و معاصرينا فكيف حال تلك الاعصار فكأنّه (قدّس سرّه) عطف نظره الشريف الى البلاد المعمورة التى نشأت فيها العلماء و الفضلاء او كانت قريبة منها بحيث قلّما يتّفق فيها عدم وجود من لا يحسن أقلّ ما يجزى في الخطبتين و الّا فلا وجه لهذا الاستبعاد بالنسبة الى كثير من القرى و البوادى بل الى كثير من البلاد و الامصار المهجورة عن تبليغ المبلّغين و تعليم العلماء و المعلّمين.

و يؤيّد ما ذكرنا من التفصيل الاخبار الواردة المفصلة بين وجود من يخطب فتجب الجمعة و بين عدم فتسقط فمن راجعها بعين الإنصاف و تأمّلها برأى‌

36

الحداد انتقل الى انّها آبية عن الدّلالة على الاشتراط.

كما رواه في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن العلاء عن محمّد بن مسلم عن احدهما (عليه السلام) قال:

سألته عن اناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال نعم (و) يصلّون اربعا إذا لم يكن من يخطب.

و عنه أيضا عن فضالة عن أبان بن عثمان عن الفضل بن عبد الملك قال سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

اذا كان قوم (القوم) في قرية صلّوا الجمعة اربع ركعات فإن كان لهم من يخطب جمّعوا إذا كانوا خمس نفر و انّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين.

و ما رواه عن محمّد بن علىّ بن الحسين باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلم قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين احدهم الإمام فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا امّهم بعضهم و خطبهم الى غيرها من الاخبار و دعوى انّ المراد بمن يخطب فيها هو المنصوب من قبل الوالى لا كلّ من يقدر على الخطبة لقضاء العادة بانّ كلّ من يقدر على فعل الصّلاة يتمكّن عن الاتيان بادنى ما يجزى من الخطبتين فلا يصحّ تعليق وجوبها على وجود من يخطب مدفوعة بما قد عرفت.

و قد يحتمل انّ المراد من الاخبار الاول اعنى روايات الفرسخين‌

37

وجوب اقامتها في المصر دون القرى و البوادى البعيدة عنه باكثر من الفرسخين و انّ الحكمة في ذلك كون الامصار مظنة للاجتماعات و تبليغ الاحكام و تبيين الحقائق و ابراز المطالب بحيث كانت ممتازة عن القرى بكثير تفاوت فلذا ترى انّ اهل القرى غالبا يميلون الى سكونتهم في البلاد و الامصار.

و يشهد على ذلك انّ الخلفاء و السّلاطين كانوا ينصبون الخطباء و الائمة للجمعات في الامصار دون القرى و المقصود انّ الغرض الدّاعى الى وجوب الجمعة و قراءة الخطبه هو اجتماع النّاس و استماعهم الى النصائح و ارتداعهم عن القبائح و اقبالهم الى المحاسن التى حصلت باقامتها في الامصار بما لم تحصل في القرى فلعلّه الموجب لوجوبها فيها دون ما بعد عنها باكثر من فرسخين من القرى و القصبات و يؤيّده ما ورد من الاخبار الناطقة بذلك.

كما رواه في الوسائل «في باب 3 من ابواب صلاة الجمعة حديث 3»‌

عن الشيخ باسناده عن احمد بن محمّد عن محمّد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علىّ (عليه السلام) قال: لا جمعة الّا في مصر تقام فيه الحدود.

و في الباب المذكور حديث 4.

باسناده عن محمّد بن احمد بن يحيى عن ابى جعفر عن ابيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه قال: ليس على اهل القرى جمعة و لا خروج في العيدين الى غير ذلك من الأحاديث الواردة بهذا المضمون.

38

و نحن و ان لم نشترط المصر في وجوبها بل هو مذهب جمهور العامّه فلذا حمل الشيخ قده هاتين الرّوايتين على التقيّه معلّلا بانهما موافقان لأكثر مذاهب العامّه الّا انّه يحتمل ثبوتا ان يراد ذلك من تلك الاخبار و هذا المقدار من الاحتمال لعلّه كاف في عدم تعيّن ما اختاره المحقق الهمدانى ره مضافا الى سائر ما تقدم من المحتملات فلاحظ و تدبّر.

و ممّا استدلّ به للقول بالاشتراط أيضا موثقة ابن بكير

قال سئلت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم ليس لهم من يجمّع بهم أ يصلّون الظّهر يوم الجمعة في جماعة قال نعم اذا لم يخافوا.

و عن قرب الاسناد بسنده عن ابن بكير مثله الّا انّه قال اذا لم يخافوا شيئا تقريب الاستدلال بها كما في المصباح ان سوق السؤال يشهد بمعروفية اختصاص الجمعة بامام خاصّ و انّه لا جمعة بدونه فسئل عن انّه هل يجوز لهم ان يصلّوا الظهر في جماعة بعد المفروغيّة عن انّه لا جمعة عليهم فهي كالنّص في المدّعى و احتمال ان يكون مقصوده بقوله أ يصلون الظهر يوم الجمعة في جماعة صلاة الجمعة بان يكون غرضه السؤال عن انّه اذا لم يكن لهم امام منصوب هل يجوز لهم عقدها بانفسهم بان يأمّهم بعض منهم بعيد و ليس تعليق الرّخصة على عدم الخوف من مؤيّدات هذا الاحتمال المخالف للظاهر اذ كما انّ عقد الجمعة بغير امام منصوب من قبل السّلاطين كان معرضا‌

39

للخوف كذلك عقد الجماعة للظهر في القرى القريبه من مصر تقام فيه الجمعة.

اقول يمكن ان يق انّ هذه الرّواية ان لم تكن على خلاف المطلوب اوّل فلا أقلّ من عدم دلالتها عليه لقرب احتمال كون المراد بقوله من يجمّع بهم هو المنصوب لذلك من قبل الجائر و انّ المراد بصلاة الظهر يوم الجمعة ما وقع في ظهر هذا اليوم من صلاة الجمعة فح انّ السّائل سئل عن الامام (عليه السلام) انّ اهل القرية اذا لم يكن لهم من يجمّع بهم من المنصوبين من قبل السّلطان هل يجوز لهم صلاة الجمعة في جماعة يقيمونها بانفسهم بامامة بعضهم لبعضهم الآخر فاجاب ع انّهم اذا لم يخافوا من اشاعة ذلك حتّى بلغ الى سمع الجائر فيقعون في خطر القتل و نحوه فيقيمونها و الّا فلا بل يصلّون الظهر.

و ممّا يقرّب هذا الاحتمال انّه لو اراد السائل من قوله أ يصلون الظهر اه صلاة الظهر دون الجمعه فلا معنى للتفصيل بانّهم اذا لم يخافوا فيصلّونها جماعة و الّا فلا اذ بعد عدم من يجمّع بهم من المنصوب عن قبل السّلطان فلا خوف عليهم في صلاة الظهر بالجماعة لأنّهم غير مكلّفين بالجمعة حينئذ عندهم و دعوى انّ عقد الجماعة للظهر في القرى القريبه من مصر تقام فيه الجمعة بغير امام منصوب من قبل الجائرين كان معرضا للخوف أيضا لا تناسب ما هو المفروض في السؤال.

و ان شئت قلت إن كانت القرية من القرى القريبه الى المصر الّذي‌

40

تقام فيه الجمعه بحيث يسهل الحضور اليها على اهلها فلا معنى لفرض عدم من يجمّع بهم لهم لكونه موجودا الّا انّه في المصر الّذي قربهم و هذا لا يوجب سقوط الجمعه عنهم اذ لا يشترط وجوده في قريتهم و إن كانت القرية بعيدة عن المصر حتّى لا يجب عليهم الحضور فيه كما هو الظاهر من السؤال فح لو فرضنا ان ليس لهم من يجمّع بهم و لا يحصل شرط الاقامة لهم فهم غير مكلّفين بالجمعة بل يجب عليهم صلاة الظهر من غير خوف عليهم فالتفصيل غير متّجه و كيف كان فهذا الاحتمال لو لم يكن اقربا ممّا احتمله ره فلا أقلّ من تساويه معه المستلزم لسقوط الرّواية عن التمسك بها للمدّعى.

و ربّما أيدّوا القول بالاشتراط بما يظهر منه انّ للإمام ان يرخّصهم في تركها مثل خبر اسحاق بن عمّار عن ابيه انّ علىّ بن أبي طالب عليه السلم كان يقول إذا اجتمع عيدان للنّاس في يوم واحد فانّه ينبغى للإمام ان يقول للنّاس في خطبة الاولى انّه قد اجتمع لكم عيدان فانا اصّليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فأحبّ ان ينصرف فقد اذنت له:

و خبر الحلبى انّه سئل ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال اجتمعا في زمان علىّ (عليه السلام) فقال من شاء ان يأتى الى الجمعة فليأت و من قعد فلا يضرّه و ليصلّ الظهر و خطب خطبتين جمع فيها خطبة العيد و خطبة الجمعة.

41

و وجه التأييد ظاهر اذ لو لم تكن اقامتها من مناصبهم الخاصه لما كان مجالا لإذنهم في تركها فيكشف ذلك بطريق الانّ عن كونها من مناصبهم المختصّة بهم (عليهم السلام) و يمكن النقاش فيه بانّه لا تهافت بين الوجوب المطلق و بين اذنهم (عليهم السلام) في تركها اذا رأوا المصلحة في ذلك لأنّه قد ثبت لهم هذا النحو من التّصرف احيانا من اجل مصلحة اقتضت كرامة لهم و تشريعا لمقامهم السّامى ليعلم من يطيعهم ممّن يعصيهم مع تأكده بالوحي رافعا.

و قد دلّت عليه جملة من الرّوايات كما تعرّضنا لذلك في كتابنا (ولاية الاولياء) فلاحظ و تدبّر و من الممكن ان يكون المقام من ذلك القبيل و لا غرو فيه.

النّتاج في الاختتام

يستنتج من جميع ما ذكرناه عن قبل القائلين بالاشتراط من الادلة بما يخدش فيها انّ القول بالاشتراط ليس له ما يطمئن به النفس و يستقرّ اليه الرأى الّا الدّعاء المنقول عن السّجاد (عليه السلام).

و نحن و ان ابدعنا فيه احتمال الخلاف الّا انّه انصفنا لظهوره في المدّعى بل يمكن ان يق انّ ما مرّ من المناقشه في مستند القائلين بالاشتراط و إن كانت موجبة لكسر ظهور أدلّتهم في المدّعى الّا انّ انضمام بعضها الى البعض و ملاحظة المجموع مضافا الى الاجماع المدّعى من اساطين الفقه و مهرة الفنّ على الاشتراط بل التزامهم على الترك مع كثرة زهدهم و تقواهم في امر الدّين و نهاية دقّتهم في استنباط حكم الشرع المبين ممّا قد وصل اليهم من‌

42

الادلّة و كمال احتياطهم في امر الفتيا للأمّة ربّما يغلب الظّن بكونها من وظائف المعصوم و مناصبه الخاصّة هذا مع ما عرفت من دلالة دعاء السّجاد و اللّه يهدى الى سبيل الرشاد‌

حجّة القول بالوجوب العينى الكتاب و السنة المتواتره

كما ادعاها القائلين به‌

امّا الكتاب

فقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ الآية.

[في نقل كلام شيخنا الشهيد الثاني ره في تقريب الاستدلال]

قال الشهيد الثاني ره في تقريب الاستدلال بها في رسالته المشهوره ما هذا لفظه:

اجمع المفسرون على انّ المراد بالذكر المأمور بالسعى اليه في الآية صلاة الجمعه او خطبتها فكلّ من تناوله اسم الايمان مأمور بالسعى اليها و استماع خطبتها و فعلها و ترك كلّما اشغل عنها فمن ادّعى خروج بعض المؤمنين من هذا الأمر فعليه الدليل او في الآية مع الأمر الدّال على الوجوب من ضروب التأكيد و انواع الحثّ ما لا يقتضي تفصيله المقام و لا يخفى على من تأمله من اولى الافهام و لمّا سمّاها اللّه تعالى ذكرا و امر بها في هذه السّورة و ندب إلى قراءتها في صلاة الجمعة بل قيل انّه اوجبها ليتذكر السّامعون مواقع الامر و موارد الفضل عقبه في السّورة التى بعدها الّتي يذكر فيها المنافقين بالنهى عن تركها و الاهمال لها و الاشتغال عنها بقوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ

43

ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ.

و ندب الى قراءة هذه السورة فيها أيضا لذلك تأكيدا للتذكير بهذا الفرض الكبير و مثل هذا لا يوجد في غيره من الفروض مطلقه فانّ الاوامر بها مطلقة مجملة غالبا خالية من هذا التأكيد و التصريح بالخصوص حتّى الصّلاة التي هى افضل الطّاعات بعد الايمان انتهى موضع الحاجة من كلامه ره.

اقول الاستدلال بها للوجوب العينى يتوقف على اربعة امور:

احدها

انّ قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يشمل من تأخر عن زمن نزول الآية‌

الثانى

انّ الجملة الشرطية الواقعة فيها لم تكن لها مفهوم بل جرت مجرى الغالب من النداء لدخول الوقت او سبقت لبيان تحقق الموضوع كما في قوله ان رزقت ولدا فأختنه لكونها كناية عن دخول الوقت او يقال انّه اذا ثبت بالامر اصل الوجوب فقد حصل المطلوب لإجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الاصحاب على انّ الوجوب غير مقيّد بالنداء و انّما علّقه عليه حثّا على فعله لها حتّى ذهب بعضهم الى وجوبه لها لذلك كما استدلّ بالوجه الاخير ثانى الشهيدين (رهما)

الثالث

انّ الأمر بالسعى اليها و ان كان مغايرا للأمر بفعلها الّا انّه اذا وجب السعى اليها وجبت هى أيضا اذ لا يحسن الأمر بالسعى اليها و ايجابه مع عدم ايجابها بنفسها و لإجماع المسلمين على عدم وجوبه بدون ذلك كما ادّعاه في الرّسالة‌

الرابع

كون اللّام‌

44

في قوله تعالى لِلصَّلٰاةِ للجنس بمعنى انّه اذا نودى لجنس صلاة الجمعة المعهودة لا خصوص نوعها من مثل الجمعة الّتي اقامها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو الاصل فيها لظهورها في ارادة الجنس و العهد مجاز لا يصار اليه الّا بمعونة القرينة‌

[في تقرير الجواب عن الآية الشريفة]

و في كلّها تأمل‌

امّا الاوّل فلأنّ الخطاب لا يتوجّه الى المعدومين لعدم معقوليته

فلذا اشترط فيه و في الاشاره كون المخاطب و المشار اليه امرا موجودا محسوسا كما بيّن في محلّه اللّهم الّا ان يخاطب المعدوم بعناية التنزيل اعنى تنزيله منزلة الموجود و يخاطب كما يخاطب الموجود و هو خلاف الاصل و خلاف ما هو الغالب في الاستعمال عند اهل المحاورة.

نعم يمكن اثبات الاحكام المتلقاة بنحو هذه الخطابات الواقعة في القرآن لغير المشافهين بقاعدة تشريك الغائبين مع الحاضرين بل المعدومين مع الموجودين لكنّها غير جارية في المقام لأنّ عمدة ما تثبت به هو الاجماع المفقود هنا لكثرة اختلاف الفقهاء (قدّس اللّه اسرارهم) في عصر الغيبة بعد اتّفاقهم على وجوبها في زمن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و خلفائه (عليهم السلام)

و امّا الثانى فلأنّه يحتمل ثبوتا ان يكون وجوبها معلّقا على الاذان و الاعلام

لأنّ مناطات الاحكام غير معلومة لنا فلقائل ان يقول انّ ظاهر الآية الشريفة تعليق الوجوب على صورة النداء فلو لم تدلّ الآية على عدم الوجوب في غير الفرض المزبور فلا دلالة لها على شمولها بالاضافة اليه أيضا فاثبات الوجوب فيه محتاج الى الدليل لكن‌

45

الانصاف انّ هذا من قبيل الشبهه في مقابل البديهه كما لا يخفى.

و امّا الثالث فلأنّه اشبه بالمصادرة من الدّليل

اذ يحتمل ثبوتا ان يكون وجوب السعى في صورة قيامها بمعنى انّه لو قامت الجمعة فيجب على المكلّفين السعى اليها فكأنّه محقّق لموضوع وجوب السعى و ان شئت قلت انّ وجوب السعى في طول قيام الجمعه بحيث لو لم تقم لم يجب السعى اليها اللّهم الّا ان يقال انّ السعى بمفهومه العالم يشمل اصل العقد و الحضور بعده و السرّ في التّعبير بذلك انّ صلاة الجمعة لها خصائص و جهات ليست في غيرها من الفرائض كالعدد و الخطبه و السعى من الاطراف و النّواحى اليها لاستماع الخطبه و الاتّعاظ بمواعظ الكتاب و السّنة و غيرها ممّا يرجع الى اصلاح معاشهم و معادهم حتّى لو قامت في المصر او في غيرها يجب على من يكون في الفرسخين حضورها و ح يستلزم اقامتها السعى اليها بحيث يصحّ القول بانّه لو عبّر بغير ذلك ربّما كان للإشكال و النّقاش فيه مجال فايجاب السعى مساوق لإيجاب الفعل قضيّة لتعلق الحكم باللّازم و ارادته للملزوم و لعلّ هذا هو مراد المستدل في قوله اذ لا يحز الامر بالسعى اليها و ايجابه مع عدم ايجابها.

و امّا الرّابع فلأنّ اللّام و إن كانت ظاهرة في ارادة الجنس بنفسها [لكن مورد نزول الآية يتطرق احتمال العهد قريبا]

الّا انّها حيث لا مظنّة لإرادة العهد منها لكنّ مورد نزول الآية انفضاض الناس من حول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حين قراءة الخطبه و اقبالهم الى «دحيه»‌

46

و هو كالقرينة المتّصلة بالكلام المانعة عن انعقاد ظهورها في ارادة الجنس فيتطرّق احتمال العهد قريبا فح لا مجال للتمسّك بها للمدّعى كما لا يخفى.

[فيما يعضده احتمال إرادة العهد من اللام في الآية فتوى جماعة كثيرة من فحول الاماميّه القائلين باشتراط السلطان العادل في صلاة الجمعة]

و ممّا يعضد الاحتمال المزبور فتوى جماعة كثيرة من فحول الاماميّه القائلين باشتراط السلطان العادل او من نصبه بحيث يعلم منهم انّها مع فقد الشرط لا يجب عندهم بل حرّمها بعضهم كالسّلار و ابن ادريس.

قال في محكّى التذكره: و هل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة و التمكن من الاجتماع و الخطبتين صلاة الجمعة، اطبق علمائنا على عدم الوجوب و اختلفوا في استحباب اقامتها فالمشهور ذلك و قال ابن ادريس و سلّار لا يجوز انتهى و عن المقداد في التنقيح مبنى الخلاف انّ حضور الامام هل هو شرط في ماهية الجمعة و مشروعيتها أم في وجوبها فانّ ابن ادريس على الاوّل و باقى الاصحاب على الثانى الى غير ذلك من الكلمات بحيث حصل من المجموع انّ مشروعيتها ليست من قبل الآية و دلالتها على الوجوب المطلق من جهة كونها في مقام التشريع ليكون ما استند اليه القائلون بالاشتراط مقيدا لها بل يكون ذلك كالقرينة على عدم ارادة الجنس من اللام فيها بل على الاشارة بها الى المعهود من فعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مع ذلك كلّه كيف يتجرّأ الفقيه ان يحملها على الوجوب المطلق مع وجود العهد هنا لك.

فالانصاف انّ دلالة الآية على الوجوب المطلق حينئذ مشكلة‌

47

فلا ينافى الاشتراط بالسلطان العادل او من نصبه كما اشتهر بينهم.

[في بيان أن المراد من السلطان الإمام المعصوم (عليه السلام)]

ثم لا يخفى انّ المراد من السلطان الامام المعصوم (عليه السلام) كما تكرر في كلماتهم قال العلّامة في المنتهى: يشترط في الجمعة الامام العادل اى المعصوم عندنا او اذنه و قال في الرّياض عند قول المصنف ره و الشروط خمسة الاوّل السلطان العادل اى المعصوم (عليه السلام) او من نصبه و قال الفاضل الطباطبائى في شرح الدرّه عند قول مصنّفها:

و قيّد الاطلاق بالإجماع * * *على اشتراط السيّد المطاع

الامام المعصوم او اذنه لمن شاء و نصبه.

و بالجمله فالمراد من السلطان في كلماتهم هو الامام المعصوم قطعا لا غيره فلاحظ و تدبّر.

و امّا الاخبار

فمنها ما رواه في الوسائل باب 1 من ابواب صلاة الجمعه ح 1

عن محمّد بن علىّ بن الحسين باسناده عن زرارة بن اعين عن ابى جعفر الباقر عليه السلم قال: انّما فرض اللّه عزّ و جلّ على النّاس من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هى الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الاعمى و من كان على رأس الفرسخين تقريب الاستدلال بها يتوقف على تمهيد الامرين:

48

احدهما انّ تخصيصه عليه السلم صلاة الجمعه من بين الفرائض بالذّكر يكشف من انّ خصوصها متعلق العناية من حيث بيان حكمها و شرطها دون الفرائض الاخر فلو فرضنا انّ لها الاطلاق فيمكن التمسك به في دفع كلّ ما احتمل شرطيته في الوجوب او الصّحه و لا مجال للانتقاض بعدم امكان التمسك في ذلك بالاطلاق بالنسبة الى سائر الصّلوات اليوميّة كما لا يخفى.

الثانى انّ القرائن المذكورة في الرّواية ربما تعطى حصول الاطلاق بالنسبة الى وصفى الوجوب و الصّحة:

امّا الاوّل فلأنّها تشتمل على جعل التكليف على الجميع و وضعه عن بعضهم و هى التسعة المذكورة فيها و هو اقوى دليل على كون الامام عليه السلم في مقام بيان الوجوب بشرطه و هذا هو السبب في ذكره عليه السلم التسعة الذين وضع عنهم التكليف بالجمعة فح فلو كان وجوبها مشروطة بشي‌ء آخر كالإمام المعصوم او نائبه الخاص لما اهمل ذكره امّا في المستثنى منه بان قال انّما فرض اللّه عزّ و جلّ على المتمكنين من اقامتها مع الامام الخ و امّا في المستثنى بان قال و وضعها عمّن ذكر و عمّن غاب عنه امامه او عمّن لم يتمكن من اقامتها مع الامام (عليه السلام) الخ و حيث لم يذكر فقضية الاطلاق عدم اشتراطها به كما لا يخفى.

و امّا الثانى فلأنّ قوله عليه السلم «في جماعة» راجع الى مفعول «فرضها» بمعنى انّه قيد و نعت له لأنّه من كيفيّاته و المراد منه كما ذكر في الحديث هو الجمعة‌

49

الّتي هى متعلقة للتّكليف و قد حقق في محلّه انّ القيود الرّاجعة الى متعلق التكليف الوجوبى فهي من شروط وجود الواجب و صحّته لا من شروط اصل الوجوب و التكليف و هذا بخلاف قيود الموضوع للتكليف فانّها راجعة الى اصل الحكم كما في وصف الاستطاعة لمن كان موضوعا لوجوب الحجّ في قوله تعالى لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و نحوه و كيف كان فهو قيد لصحّة الجمعة و وجودها لا انّه قيد للتكليف و وجوبها فيدلّ هذا على انّه (عليه السلام) في مقام بيان شرط الصّحة أيضا فح نقول لو كان لوجود الامام عليه السلم او نائبه دخل في الصّحة لما اهمل ذكره و لا سيّما انّه من اسّ الاركان فلو احتملنا مدخليّته فيها لأمكن دفعه بالاطلاق اللّهم الّا ان يقال انّ قيد الجماعة انّما هو لبيان الفرق بين الجمعة و سائر الصّلوات من حيث كيفية الاداء و انّها ليست بمثابتها واقعة على نحو الفرادى و الجماعة بل انّما هى تقع على نحو الجماعة فقط امّا كونه بصدد بيان سائر الشرائط للجمعة من كونها مع الامام (عليه السلام) او من نصبه و عدم كونها مع أقلّ من السبعه او الخمسه و نحو ذلك كى يمكن التمسك باطلاقه لدفع احتمال اعتبارها فلا و لكنّ الانصاف انّه بعد كونه بصدد بيان كيفية اداء الجمعة و انّها تقع في جماعة امكن التمسك باطلاق الجماعة المعتبرة فيها لدفع ما يحتمل اعتباره للجماعة من كون احدهم الامام او من نصبه كما انّه لو شككنا في لزوم كون عدد الجماعة الّتي اقيمت الجمعة فيها سبعة او خمسة لكان لنا التمسك لدفعه باطلاق الجماعة.

50

ان قلت لعلّ السّر في عدم ذكر اعتبار الامام (عليه السلام) انّه من المرتكز في ذهن الرّاوي و كان بديهيّا له بل و لغيره من اهل ذلك العصر أيضا بحيث لا يحتاج الى البيان و لا سيّما لمثل زرارة الذي هو اجل شأنا من اختفاء مثل هذا عليه قلت يرد عليه تارة نقضا و اخرى حلّا امّا النقض فنقول انّ عدم وجوب الصّلاة بل مطلق التكليف على المجنون و الصغير لو لم يكن اشدّ بداهة ممّا نحن فيه فلا أقلّ من تساويه معه فعلى ما ذكر من الايراد فلا وجه لذكرهما أيضا و امّا الحلّ فانّه لو فرض تماميّة مقدمات الحكمة الموجبة لحصول الاطلاق و سلامته فمجرد مثل هذا الاستبعاد غير قادح قطعا و لا يوجب رفع اليد عمّا هو حجّة علينا و لا نعذر في تركه مضافا الى امكان ان يقال انّ اصحاب الائمة (عليهم السلام) ما كانوا يتعلّمون الاحكام دفعة بل بالتدريج فربّ صاحب في اوائل تشرفه محضر المعصوم عليه السلم كان جاهلا بكثير من الاحكام و هو بعد برهة من الزمان و ملازمة الامام عليه السلم صار فقيها عالما بمعظم الاحكام و هذا امر عادى يجرى عليه التعارف و الوجدان و من المحتمل انّ صدور هذه الرّواية في اوان تشرف زرارة محضر مولانا أبي جعفر (عليه السلام) على انّه يورد بمثل هذا فيما صدر من الرّواية بنحو السؤال و الجواب لا فيما نحو هذه الرّواية من القائه عليه السلم الحكم ابتداء من غير سبق سؤال فيحتمل قويّا انّه (عليه السلام) بان الحكم في مجلس كان زرارة فيه من غير ان يكون مخاطبا كما انّ الامر في كثير من الرّوايات بل اكثرها كذلك.

51

فالانصاف يشهد بانّ هذه الرواية مطلقة بالنسبة الى ما عدا الواقع فيها من الشرائط المحتملة وجوبا كان او صحّة فلو ثبت من الأدلّة الآتية إن شاء اللّه تعالى ما كان شرطا في احد الوصفين فنقول به و الّا نتمسك باطلاقها لدفع احتماله فما في المصباح من قوله ره و فيه انّ الرّواية ليست مسوقة الّا لبيان وجوبها على سبيل الاجمال و هذا ممّا لا شبهة فيه بل هو من ضروريات الدّين و انّما الكلام في انّه هل يعتبر في الجماعة الّتي اوجبها اللّه فيها ان يكون احدها الامام او منصوبه كما يعتبر فيها عدالة الامام و عدم كون عددهم أقلّ من السبعة و الخمسة حتّى يسقط التكليف بتعذر شرطه أم لا فكما لو شك في شرطية شي‌ء آخر لصحّة الجمعة او وجوبها عينا او شك في شرطية شي‌ء آخر او جزئيته لسائر الفرائض الخمس و الثلثين لا يصحّ التمسك باطلاق هذا الحديث عند تعذر ذلك الشي‌ء الّذي يشك في شرطية او جزئيته لنفى شرطية او جزئيته فكذلك فيما نحن فيه انتهى لا يخلوا عن تأمل فالاولى بل المتعيّن في الجواب ان يق غاية ما يستفاد من هذه الرّواية الاطلاق بالنسبة الى الوصفين و هو لا ينافى التقييد الوارد فيما مرّ من أدلّة القائلين بالاشتراط و قد تقدم انّها و إن كانت قابلة للإشكال و النّقاش لو لوحظت منفردة الّا انّ ملاحظة المجموع و فيه ما دل بصريحه على الاشتراط كالدعاء المنقولة عن السّجاد عليه السلم مضافا الى الاجماعات المدعاة من اساطين الاصحاب و مهرة الاخيار في شرايع الاحكام مع السيرة المستمرة بين العلماء الصّلحاء منضما الى فتوى جماعة من‌

52

الفحول كابن ادريس و سلّار قدهما بالتحريم و انّها بدعة و تشريع ربّما توحش الفقيه ان يفتى بالوجوب عينا في عصر الغيبة بل يطمئن نفسه بكونها من مناصبه (عليه السلام)

و منها ما رواه في الكافي «باب وجوب الجمعه حديث 1»

عن محمّد بن يحيى عن احمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد عن ابى بصير و محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه عليه السلم قال: انّ اللّه عزّ و جلّ فرض في كلّ سبعة ايّام خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كلّ مسلم ان يشهدها إلّا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصّبيّ.

و الإنصاف انّها لا تدلّ على وجوب اقامتها بل غايتها انّ الجمعة لو اقيمت لوجب على المكلّفين ان يشهدها و يحضرها سواء اقامها المعصوم عليه السلم او غيره فالإشكال بانّ فيها ايماء الى انّه لا يقيمها الّا شخص خاصّ كما اورده في المصباح غير ظاهر.

و استدلّوا أيضا بطوائف من الاخبار:

منها صحيحة زرارة

قال حثّنا ابو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتّى ظننت انّه يريد ان نأتيه فقلت نغد و عليك فقال لا إنّما عنيت عندكم:

تقرير الاستدلال انّ الحثّ هو الترغيب الى ما يلزم فعله و لا يجوز تركه فلو لم تجب الجمعة لما يحسن التعبير بمثل هذا مضافا الى انّ السائل لما سأله (عليه السلام) من الغدوّ عليه لإقامتها معه فاجابه باقامتها عندهم و عدم لزوم الحضور‌