صيانة الإبانة

- شيخ الشريعة الأصفهاني المزيد...
133 /
100

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و افضل صلواته و تسليماته على اشرف خلقه محمد و آله الطاهرين.

و بعد: فان الرسالة الموسومة ب‍ «ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار»، التى قد صنفتها، و وضعتها فى تحقيق الجواب عن سؤال دفع الى من بعض اخواننا فى الايمان، من اهل جيلان قد تشرفت بالوقوع بيد بعض (1) اعاظم العصر، و اعلام الوقت، ممن كان موافقا لنا فى اصل الحكم و الجواب و المختار، فذكر: انها جليلة المقدار، واضحة المنار، و ان الراجح ما رجحته، و المتعيّن ما عينته، و ان المزيد عليها لا يتيسر، بل ذلك المقدار مما لم يكن يتصور، الا انه اتجهت فى نظره اشكالات عديدة، يسيرة فى مواضع نادرة قليلة، مما يتعلق بالفوائد الخارجة عن اصل المقصد، التى استطرفنا بذكرها فيها، فزيّن تلك المواضع بما سنح له من الانظار، و علق عليها مآثر من الافادات و الافكار،

____________

(1)- هو الفاضل الجليل و الحبر النبيل المولى محمد كاظم الخراسانى لا زال ملاذا للاقاصى و الادانى. منه رحمة اللّه

101

فلما وقفت عليها رأيتها على خلاف ما يظن بمثله من الانظار الصائبة، و الافكار الثاقبة، و لعلها من جهة النظر إليّ لا الى مقالتى، او من سوء حظى، او حظ رسالتى، فاحببت ان اجيل قداح نظرى، و افوق نبال فكرى فيها، و أعرّف الناظرين ما اراه من الحق الصحيح، و ابدل سماد هم بالفصيح، و ابدى لهم الرخوة من الصريح و ادلهم على درر اللقم، و اهداهم الى الصراط الاقوم، و اسلك بهم سواء الطريق، و اسقيهم من كأس التحقيق اطيب رحيق، و اللّه تعالى اسئل: ان يلهمنى الحق و الصواب، و يصوننى عن الخطاء و الخطل فى كل باب، انه هو الكريم الوهاب، و ها انا اتعرض لها فى طى مقالات، اذكر فيها ما نبّه عليه بألفاظه، و اردفه بما اراه صوابا، و يصلح عندى ان يكون له جوابا، مراعيا شريطة الانصاف، متنكبا طريقة الاعتساف، راجيا ممن وقفت عليه سلوك هذا الطريق، الّذي لا يضل سالكه و لا تظلم مسالكه، و لقبتها: «صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة» و من اللّه التوفيق و به الاستعانة.

المقالة الاولى [فى الاشكال على ان الخيار هو الاختيار و الجواب عنه]

: قد ذكرت فى المقدمة الثانية من مقدمات تلك الرسالة ان الخيار المستعمل فى الاخبار، و كلمات الاخيار، فى ابواب العقود باق على معناه اللغوى، و هو الاختيار بين فعل الشي‌ء و تركه، غاية الامر انه مضاف الى الفسخ عندهم فيراد به الاختيار فى فعل الفسخ و تركه، و انه فى مقابل لزوم العقد و عدم الاختيار فى ازالته و نقضه، و نبهت على فوائد تتعلق بالمقام مما لم أر في كلام احد من الاعلام. ثم ذكرت فى آخرها جوابا عن الاشكال الّذي سنح لشيخنا العلامة الانصارى (ره) فى ما عرّفه بعضهم من ان الخيار: ملك اقرار العقد و ازالته، من انه ان اريد من اقرار العقد ابقائه على حاله بترك الفسخ، فذكره مستدرك لان القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، اذ القدرة لا تتعلق باحد الطرفين، و ان اريد به الزام العقد، و جعله غير قابل، لان يفسخ‌

102

ففيه: ان مرجعه الى اسقاط حق الخيار فلا يؤخذ فى تعريف الخيار الى اخر ما ذكره، فاجبت عنه بما محصله: اختيار الشق الاول، و ان ذكره فى التعريف انما هو للجرى على المعروف المألوف من ذكر طرفى القدرة و الاختيار فى كل شي‌ء يضافان إليه.

و فى الحاشية: المشار إليها فى الخطبة ما لفظه: التحقيق ان وجه الدفع هو ان المراد به الثانى، و ان ذكره فى الحد، لاجل كونه احد طرفى الاختيار، و ليس مرجع الاقرار الى اسقاط حق الخيار، بل الى اعماله، فإن الظاهر كما يشهد به بعض الاخبار و ليس ربما يساعده الاعتبار، ان الخيار فى الحقيقة اضافة خاصة من آثاره لو لم يمنع عنه مانع، السلطنة على الاقرار و الامضاء، و الفسخ و الإزالة، و من هنا قد انقدح ان تعريفه بملك اقرار العقد و ازالته رسم لاحد، هذا بعض الكلام مما يناسب المقام، و من اراد الاطلاع على حقيقة المرام، فعليه المراجعة الى ما علقناه على مبحث الخيارات من كتاب شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه.

اقول: لا ينبغى ان يخفى ان الاختيار هو ترجيح القادر احد طرفى ما يقدر عليه من الفعل و الترك حسب ما يراه خيرا لشخصه، و صلاحا لنفسه، و لذا سمى اختيارا.

و قد: يفسر كما فى بعض رسائل المحقق الطوسى (ره) بما فسرت به القدرة من صحة الفعل و الترك، او الشرطين المعروفتين: اعنى ان شاء فعل، و ان شاء ترك، و اياما كان، فكل من الفعل و الترك بمعنى استمراره تحقق من الفاعل المختار، فهو اختيارى له، و وقع باختياره، و كان باعمال خياره فيه، فاذا ترك الاعطاء المقدور، او الضرب الميسور، كان ذلك باعمال قدرته و اختياره، حيث رأى الترك خيرا لنفسه سواء اشتغل بضده، او بفعل آخر أم لا، و لذا استقرت آراء المحققين على ان متعلق النواهى نفس ان لا يفعل، و انه مقدور‌

103

للمكلف اختيارى له، و كان القول بان متعلقه كف النفس و زجرها، لعدم القدرة على الترك مرميا بالسقوط و الشذوذ، و اذا نسب الاختيار الى الفعلين كان بهذا المعنى أيضا من اختياره فى فعل كل منهما و تركه.

ثم، من المعلوم ان الخيار اذا اضيف الى البيع و الصلح، او غيره من العقود، يراد به ما هو قسيم اللازم الفاقد للخيار، فيمتاز البيع الخيارى عن غيره بالقدرة على نقضه، و عدمه، لا بالقدرة على التصرف فى المبيع و عدمه، المشترك بين واجد الخيار و فاقده، و لا بالخيار فى الالتزام بالعقد و نقضه، اذ لو فرض انه ليس بيده الا ازالة العقد و عدمها، كان ذا خيار قطعا، و لم يصح سلب الخيار بالمعنى المبحوث عنه عند الفقيه عنه جزما، كما ان الالتزام بالعقد و جعله مبرما بمعنى ترك الفسخ عن اختيار و ترجيح له، لكونه خيرا عنده، هو عين الخيار بين الفعل و الترك.

و من هنا كان التعريف المشتهر فى السنة الفقهاء للخيار هو ملك فسخ العقد و ازالته، و جعل مقابلا للزوم البيع و وجوبه فى الاخبار.

فاذا عرفت هذه الجملة فنقول يتجه على ما فى الحاشية.

أولا: مطالبة التحقيق المقتضى لتعين إرادة الشق الثانى، او قربها، و عدم جواز إرادة الاول او بعدها، حيث لم يتبين مستند له، الا ما سيأتى نقله من تعليقه، من احتمال شهادة بعض الاخبار، و عدم استبعاد مساعدة الاعتبار، و فى الاستناد إليهما ما ترى، و من المعلوم ان كون مرجع الزام العقد الى اعمال الخيار ليس بملزوم و لا لازم و لا بمعين و لا مرجح لان يراد من التعريف الشق الثانى، اذ الشق الاول، اعنى ابقاء العقد على حاله بترك الفسخ حيث رأى ذو الخيار تركه خيرا له، أيضا اعمال لخياره، كما فى جميع التروك الاختيارية، فغاية ما يدعيه ان المتعين فى تعريف الخيار ان يكون كلا طرفيه المذكورين فيه مصداقا لاعمال الخيار، و هو حاصل على التقديرين، بل الراجح حسب ما اسلفناه من كون‌

104

الاختيار دائما متعلقا بالفعل و الترك، و من انه لا يعتبر فى حقيقة الخيار المبحوث عنه، الا القدرة على الإزالة و عدمها، فى مقابل اللزوم، لا شي‌ء آخر، هو اختيار ما اخترناه من الشق الاول، و ان كان الغرض مجرد ابطال قول المورد، من رجوع الالزام الى الاسقاط، بانه راجع الى الاعمال: فيرد عليه: انه على تقدير صحته و فرض تسليمه لا يرتبط بان المراد من التعريف هو الشق الثانى، الا ان يريد:

امكان إرادة الشق الثانى برفع الاشكال المختص به، ثم تعيينه، او ترجيحه بما استظهره من بعض الاخبار، او مساعدة الاعتبار، فيتجه عليه ما سيأتى، مضافا الى ما تبيّن مما سلف من ان كون الالزام اعمالا من جهة لا ينافى كونه اسقاطا من جهة اخرى، كما ان ترك الفسخ من ذى الخيار اعمال لخياره من جهة، و ترك لا عماله من جهة اخرى.

و ثانيا: ان المتعين له فى مقام دفع الاشكال ان يدعى رجوع الاقرار الى ملك الالتزام و التصرف و شبههما، الّذي هو مصداق للاعمال بالحمل الشائع، لا ان يدعى رجوع الاقرار الى اعمال الخيار، اذ يتجه على ظاهر ما اختاره الاشكال المتوجه أو لا، اذ مال التعريف على قوله الى قولنا: الخيار ملك اعمال الخيار، كما ان ماله على الاولى الى ان الخيار ملك اسقاطه الخيار، لكنه لم يرد الا ما سبق، و ان كان غير خال عن سوء التحرير.

و ثالثا ان العقود اللازمة بنفسها التى يد خلها الخيار، لا يشك فى كونها مقتضية للزوم، و ان الخيار جهة مانعة عن التأثير الفعلى، فابرام العقد المقتضى للزوم، و امضائه، انما هو بإبقائه على حاله، و عدم اعمال جهة مخالفة لمقتضاه فيه حسب ما يرى الصلاح فى عدم اعمالها، فان اراد بالاقرار و الامضاء المستند الى الاعمال، هذا المعنى فهو عين الشق الاول الّذي اخترناه، و مناف لما رجحه من الشق الثانى، و ان اراد الابرام المستند الى اعمال جهة وجودية كالالتزام، و التصرف فيه، ان الالتزام كما يأتى لا يخرج عن احد امور ثلاثة، و التصرف‌

105

ليس احد طرفى الخيار،.

و التفصيل ان ابرام العقد يحصل بترك الفسخ قطعا، اذا رأى الخير فى تركه فاختار تركه، بل اذا غفل عنه كما اذا تفرق عن المجلس من غير ان يعلم ان له خيارا، او لم يأخذ بخياره فى المدة المضروبة المعينة، غافلا عن ثبوت الخيار الحق له، او عن اصل العقد رأسا، و اما اعتبار كون التصرف فى بعض الخيارات كاشفا عن الرضا، فمعناه أيضا كشفه عن رضاه بترك الفسخ، و عن اختياره احد طرفى خياره، حتى يكون تركا اختياريا، كما فى سائر التروك الاختيارية، و التفصيل فى محله.

ثم ان الزام العقد الواقع المقتضى للزوم لا معنى له الا اسقاط حق الخيار و الالتزام به، او التصرف و التفرق و شبههما،.

و الاول: هو الّذي ذكره المورد، و لم يرتضه المحشى،.

و الثانى: لا معنى له، الا إرادة استمرار العقد و الرضا ببقائه، و إرادة ترك الفسخ الراجع الى ما اخترناه، فان الالتزام بالامور الواقعة الخارج المقتضية للدوام لا معنى له، الا إرادة عدم نقضها و هدمها، فيكون تركا للنقض اختيارا،.

و اما الثالث: فلا معنى لجعله احد طرفى الخيار، الا باعتبار كونه محققا او كاشفا عن الترك الاختيارى، و الا فهو مشترك بين واجد الخيار و فاقده، و القدرة على الركوب لا يفسر بصحة الركوب، و النوم و لا يذكر فى طرفى القدرة و الاختيار، الا الفعل و الترك، او الضدان اللذان لا ثالث لهما، و لو بحسب المتعارف الراجعان الى الفعل و الترك.

و رابعا: ان الاعتبار الّذي احتمل مساعدته على إرادة الشق الثانى، هو ما شرحه فى تعليقه، قال: و لا يبعد ان الاعتبار يساعد على ان يكون الشيئان اللذان لا بدّ منهما فى متعلق الخيار يقتضي اختيار صاحبه الى واحد منهما شاء ابرام العقد و التزامه به و فسخه، لا الفسخ و تركه.

106

و فيه: و مضافا الى ان مساعدة الاعتبار لو سلم اجدائها فاحتمال مساعدته، او عدم استبعادها مما لا يجدى قطعا- انه ان اراد مساعدة الاعتبار على ان يكون كلا طرفى الاختيار اختياريا للمختار، ففيه:- مع كونه ضروريا لا معنى لاحتمال مساعدته، كما فى المقام، او عدم استبعادها، كما هناك- انه قد اتضح غاية الايضاح ان كلا من الفعل و الترك اى استمرار تحقق من الفاعل المختار كان اختياريا له، و كان مستندا الى اعمال خياره فيه، و ان اراد مساعدة الاعتبار على ان يكون طرفا الخيار و الاختيار وجوديين، ففيه: ان الاعتبار كما عرفت مساعد على خلافه كما أوضحنا القول فيه فلا يعيد.

و خامسا: ان الخبر الّذي نسب إليه الشهادة فى المقام، و احتمالها فى التعليقة هو قوله (عليه السلام): «فذلك رضى منه» كما سيأتى تصريحه، و انت خبير: بان غاية مفاده، ان التصرف كاشف عن عدم ندمه على بقائه المال على ملكه و رضاه باستمراره، و انه رأى ترك الفسخ خيرا له، و الا فالرضا باصل العقد قد تحقق فى اوّل الامر، فهو شاهد على ما رجحناه، و لا يجدى له شيئا.

هذا على تقدير المساعدة و غمض النظر عن الوجوه المحتملة فى الرواية مما يؤدى ذكرها، و تحقيق القول فيها و ترجيحها الى الاطناب و الاطالة، المورثة للملالة، الخارجة عن وضع الرسالة.

و اما: الاحالة على ما علقه على خيارات شيخنا العلامة (ره) فلعمرى كنت للوقوف على حقيقة المرام شائقا، و الى الاطلاع على حقيقة تنقيح المقام تائقا، فراجعته فلم اجد فيه الا ما اتضح حاله مما اسلفناه، و لننقل لك عبارته فيه بعينها، لتكون على بصيرة من الامر.

قال معلقا- على قوله (ره) «ففيه، ان مرجعه الى اسقاط حق الخيار» ما لفظه-:

يمكن ان يقال: ان اقرار العقد هو امضائه و ابرامه، و هو ليس باسقاط حق‌

107

الخيار، و ان كان سببا لسقوطه، كما ان الفسخ يكون كذلك، حيث انه يضمحل به بتبع انحلال موضوعه. و بالجملة فرق واضح بين اسقاطه، و اعماله ابراما و انفاذا، او فسخا و حلا، و ان كان كل من الابرام و الفسخ سببا لسقوطه و ارتفاعه أوّلا، او بتبع موضوعه، و لا يبعد ان الاعتبار يساعد على ان يكون الشيئان اللذان لا بدّ منهما فى متعلق الخيار، و حقه يقتضي اختيار صاحبه اىّ واحد منهما شاء، ابرام العقد و التزامه به، و فسخه، لا الفسخ و تركه، و ربما يشهد به ما فى بعض الاخبار، مثل ذلك «رضى منه» كما لا يخفى انتهى (1).

و قد اتضح لك ما عند نافى هذا المقام، و ما لنا فى هذه العبارة من الكلام، و قد وقفت على مقالة فى خيار الشرط متفرعة على ما رجحه فى المقام، و هى ثمرة هذه الشجرة، استطرف اجتنائها، و نقلها فان شيخنا العلامة (ره) ذكر: انه لو جعل الخيار لمتعدد، كان كل منهم ذا خيار، فان اختلفوا فى الفسخ و الاجازة قدم الفاسخ، لان مرجع الاجازة الى اسقاط خيار المجيز، قال فى تعليقته: هذا مبنى على ان يكون الخيار ملك الفسخ، و اما بناء على ان يكون ملك الفسخ و الامضاء، فلا يقدم الا ما تقدم، و يكون مرجع الاجازة الى انفاذ العقد و امضائه، لا الى اسقاط خيار المجيز.

لا يقال مرجعه حينئذ و لو كان الى انفاذ العقد و امضائه، الا انه من طرفه فيصير لازما من جانبه، كما اذا لم يكن خيار، اصلا.

لانا نقول: اجازة العقد انما يكون امضاء من طرف المجيز فيما كان الخيار للمتعاقدين شرعا، او بجعلهما شرطا، فان الظاهر من اطلاق دليل الخيار، او شرطه، هو ذلك، بخلاف ما اذا جعل بالشرط للاجنبيين، فان الظاهر هو جعل ولاية فسخ العقد و امضائه مطلقا لكل منهما.

____________

(1)- حاشية المكاسب للمحقق الخراسانى/ 77- 78

108

و بالجملة المتبع فى امضائه مطلقا، و الامضاء من خصوص طرفه هو الشرط مطلقا، الا ان الظاهر من الا طلاق فى ما اذا جعل الخيار للمتعاقدين هو اختيار كل منهما للفسخ و الامضاء من طرفه، بخلاف ما اذا جعل للأجنبيين، فان الظاهر منه اختيار الفسخ و الامضاء المطلق فتأمل.

و لكن من الممكن جعل خلاف ما هو قضية الاطلاق و الدلالة عليه فافهم (1)

اقول: و لو لم يكن المقام استطراديا، و التعرض لهذا الكلام خارجا عن الغرض المعقود له الرسالة، لا هديت لك فى هذا المرام وجوها عديدة، من النظر و الكلام و عليك بالتأمل، فان افاضاته تعالى لا تختص بقوم دون قوم، و لا تنحصر فى يوم دون يوم.

المقالة الثانية [فى الاشكال على امكان تملك الميت و الجواب عنه]

: قد تعرضنا فى المقدمة الثالثة لمسألة امكان تملك الميت مما ترك، و امتناعه، و ذكرنا ذهاب جماعة الى الثانى، محتجين بان الملك صفة وجودية لا تقوم بالمعدوم، اوانه عبارة عن السلطنة على التقلبات، و هى متعذرة فى حق الميت، و نقلنا خلاف جماعة فيه، و ذهابهم الى امكانه، و انه لا اجماع فى المسألة، و حققنا القول فى ان الاجماع على تقدير تحققه لا يفيد فى مثل المسألة، بعد ما علمنا استناد المجمعين الى هذه الوجوه العقلية، و التخريجات الحدسية، بل الحق انه اذا احتمل فى حق الكل، او البعض، الاستناد إليها لم يفد شيئا، بناء على ما تقرر عندنا، من ان وجه حجية استكشاف قول المعصوم (عليه السلام) من باب الحدس، و هذا نص عبارتى فى تلك الرسالة، فلا عبرة به فى المسائل الغير التوقيفية المبنية على الوجوه العقلية، و التخريجات الحدسية.

و فى الحاشية: و ليكن مراده سلمه اللّه ان المسائل التى مما يتطرق إليه العقل مما يشكل فيها استكشاف قوله (عليه السلام) من الاتفاق، و الا كان‌

____________

(1)- حاشية كتاب المكاسب للخراسانى/ 96

109

الحكم بالملكية مما له دخل، ربما تحكم بها، او بعدمها على خلاف العقل، فلا يبعد حصول الاستكشاف من باب الاتفاق لا حد من الاتفاق، و انما لا عبرة به فى المسائل الصرفة.

اقول: بعد ذلك التعبير الواضح و النعت الصريح، و ذاك الوصف العنوانى من قولنا المبنية على الوجوه العقلية، هل يبقى اجمال فى المراد؟ او يحتمل ان يراد ان مطلق المسائل التى يبحث فيها عن الملكية و عدمها فالاجماع ليس بكاشف فيها،؟ و من الّذي أنكر أن للشارع تصرفا فى الحكم بالملكية و عدمها؟

و هل يعقل القول بان الاجماع المحقق لو قام على ان المعاطاة مفيدة للتملك مثلا و ان المنابذة غير مفيدة لها، لم يعول عليه؟ لان المحمول فى المسألة متعلق بالملكية، فالقول بان الملكية مما للشارع دخل فيها ربما يحكم بها، او بعدمها اثبات لما لم يمنعه احد، و تنبيه على ما لا يحتمل خفائه.

ثم انه قد اتضح بما قدمناه وجه النظر فى الحصر الّذي ختم به كلامه، من قوله، و انما لا عبرة به فى المسائل العقلية الصرفة، بل الحق انه لا عبرة به فى ما لو علم او احتمل استناد المجمعين كلّا او بعضا الى بعض الوجوه الحدسية.

ثم: انا بعد كلام طويل فى ادلة امكان تملك الميت و عدمه قابلنا فى تلك المقدمة دعوى عدم اعتبار العرف للملكية فى حق الميت بالمنع، و قلنا: نرى منهم اعتبار ذلك، حيث يحكمون على من غصب ثلثه الّذي اوصى بصرفه لنفسه:

بان فلانا يغصب ملك الحى، و الميت، و يأكل اموال الاحياء و الاموات.

و فى الحاشية:

لا يخفى ان هذا يكون اطلاقا منهم لا حكما، كيف و يقول هذا القول من لا يقول بالملكية للميت.؟

110

اقول: بعد كون الملكية من الاعتبارات العقلائية كما هو المختار عنده فى ما يأتى من كلامه، فاعتبار هم فى هذه المقامات، انما يكشف من تعبيراتهم و اطلاقاتهم اذا لم تكن مبنية على مسامحة او استعارة، كما هو كذلك فى المقام، و لذا لو انكروا عليهم بعد ذلك الاطلاق، اخذوا يستشهدون على غصب ملك الميت، بمثل ما يذكرونه فى ملك الحى، فلم يبق لهذا الاستدراك ثم المقابلة بين اطلاقهم و حكمهم فى كلامه طريفة جدا، فان حكم العرف بشي‌ء ليس الا اطلاقهم، و حملهم شيئا على شي‌ء، و تجويز كون اطلاقهم مبنيا على استعارة او مسامحة قائم فى حكمهم أيضا من غير تفاوت، و من الّذي اخذ فى حكم العرف ألّا يصدر الا عن جدّ و تحقيق و تدقيق، غير مبنى على تشبيه، او مسامحة بل المتعارف فى التعبير عن الامور المبنية على المسامحة ان يقال: انها احكام عرفية، عقلية، و اما صدور القول ممن لا يقول بملك الميت فليس بعادم النظير، من اثبات الفقيه من حيث انه من اهل العرف امرا ينكره بحسب الدقة العقلية و الصناعة العلمية، و الصواب فى غالب الابواب، هو الحكم الصادر بحسب ما ارتكز فى الوجدان فى قبال ما تخيله بما قاده إليه ما زعمه من البرهان، و لقد اجاد صاحب الفصول (ره) حيث قال: ان من يجعل تفاصيل فكره تابعة لمجملات وجدانه اقرب الى الصواب، ممن يتزاول التفاصيل، و لا يلتفت الى المجملات، او يجعلها تابعة للتفاصيل.

المقالة الثالثة [فى الاشكال على ان ملك اللّه بمعنى اشد و اقوى و الجواب عنه]

: قد ذكرنا فى المقدمة الثالثة ان ملك اللّه الّذي له ملك السموات و الارضين و ان كان على نهج اخر لكنه بمعنى اشد و اقوى من ملك العباد، فهو المالك الحق، و السلطان المطلق، الّذي يستحيل زوال سلطنته تعالى على الممكنات، و بطلان ملكه لها لاستحالة صيرورة الممكن واجبا، و ملك العباد من شئون تسليطه،

111

و تمليكه، و لذا يجمع معه، و هو محيط بالمالك و المملوك، نافذ امره فيهما، و الاشياء بإرادته، دون امره مؤتمرة، أَلٰا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ

و فى الحاشية: لا يخفى ان ملكيته تعالى ليس من سنخ ملك عباده، كى يكون اشد و اقوى، و انما كان ملكه باحاطته على السموات و الارضين، و اضافته الإشراقية إليها، بخلاف ملك غيره، فانه عبارة عن خصوص اعتبار منتزع عن منشأ، و سبب خاص، ربما يختلف بحسب الطوائف و الاشخاص.

اقول:

اما ما ذكره: من ان ملكه تعالى باحاطته و اضافته الاشراقية، فهو مذكور فى الرسالة بتعبير أمتن و تحرير ارشق و احسن، و الفاظ فخمة قوية متينة، و كلمات عذبة سلته رصينة، متضمنه للدليل النقلى من الكتاب و السنة، و البرهان العقلى، ان ملكه تعالى ملك الرّب للمربوب، و الاله للمألوه، و ان ملكه تعالى مما يستحيل زواله، لاستحالة صيرورة الممكن واجبا، فالعدول عن ذلك كله الى التعبير بان ملكه تعالى باضافته الاشراقية التى ترجع بعد التفتيش و التنقير الى ذلك التحرير، مما لم يتضح سره، الا ايثار بعض الالفاظ المهولة، و اما ما ذكره:

من ان ملكه تعالى ليس من سنخ ملك عباده، كى يكون اشد و اقوى ففيه: انه بعد ذلك البيان الواضح المصرح المبرهن المدعى، فيه ان ملكه تعالى مما يمتنع زواله، و ان ملك العباد من شئون تسليطه، و انهما يجتمعان، مع ان الشديد و الضعيف من السواد مثلا يمتنع اجتماعهما فى محل واحد، لا يبقى احتمال ان يكون ملكه تعالى من سنخ ملك عباده كى يستدرك عليه بما ذكره.

فيبقى مؤاخذتة فى تعبيرنا، بان الملك فيه اشد و اقوى، و الجواب عنه أولا: انه قد برهن المحققون على ان كل ما هو كمال للموجود بما هو موجود من غير تخصصه بمادة او مقدار او غيرهما فهو موجود فى البارى تعالى بمعنى‌

112

اشد و اقوى و نحو اتم و اعلى، و ان ما بالعرض ينتهى الى ما بالذات، و الملك و القهر و السلطنة من اوضح مصاديق تلك الكلية و الاشارة كافية لاهلها.

و ثانيا:

ان تفضيل صفاته تعالى على صفات الممكنات بالاشدية و الاقوائية و ساير صيغ التفضيل لا يلازم السنخية، و لذا ورد فى الشرع، و حكم المليون قاطبة:

بانه اسمع السامعين، و ابصر الناظرين، مع ان السمع منا بالصماخ و الآلة، و الابصار بتقليب الحدقة، و هو فينا ضعيف، لا تميد الى ما بعد، و لا يتغلغل فى باطن و ان قرب، بل يتناول الظواهر، و يقصر عن البواطن، و هل يتأمل احد فى القول بان اللّه تعالى اعلم؟ او يستدرك بان علمه تعالى ليس من سنخ علمنا الّذي هو صفة زايدة تتحقق بحصول الصورة و انتقاشها؟ او انه اضافة بين العالم و المعلوم، و علمه تعالى يجل عن ذلك كله؟ فان ادعى مدع ان الاشد و الاضعف يعتبر اشتراكهما فى معنى واحد متحد بالسنخ دون الاسمع و السامع و الاعلم و العالم، لم نقابله الا بالسكوت.

و ثالثا:

انه قد ورد فى الكتاب الكريم قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّٰهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً» (1) اى قدرة، و قد برهن المحققون على ان القدرة فينا عين الامكان و القوة على الفعل و الاستعداد و التهيؤ له، و فى الواجب تعالى عين الفعلية و الوجوب، و فى الرجوع الى تعليقات الشيخ الرئيس، و اسفار صدر المتألهين ما يغنى عن الاطالة، و هذا الاستدراك المذكور فى كلامه متوجه على الآية الشريفة بان قوته تعالى و قدرته ليس من سنخ قوة العباد و قدرتهم، كى يكون اشد و اقوى، و الالتزام بالتجوز و الاستعارة مع فساده، مما‌

____________

(1)- سورة فصلت (41): 15

113

لا دليل إليه، و لذا لم يحتمله احد من المفسرين.

المقالة الرابعة [فى الاشكال على عبارة المؤلف بان الملكية من الامور الواقعية و الجواب عنه]

: قد ذكرنا- فى تلك المقدمة اعنى الثالثة فى تقريب امكان تملك الميت ما هذا عين الفاظه- ان الملكية سواء كانت من الامور الواقعية، او الاعتبارات العقلائية، او امور الانتزاعية، انما يستكشف او ينتزع من آثارها، و لوازمها، او مما هو منشأ انتزاعها و اعتبارها و له سلمه اللّه على هذه العبارة مؤاخذتان فى حاشتين:

إحداهما: على قولى: سواء كان من الامور الواقعية، ما لفظها لا مجال لا حتما له ضرورة- انه ليس له ما بحذائه فى الخارج، و لعل توهمه لاشتباهه بالملك بمعنى الجدة التى هى احدى المقولات، مع انه لا جدة بين المالك و الملك فى كثير من الاملاك، لعدم جدة هناك اصلا كملك الاراضى، او لكونها لغير المالك، كما اذا تعمم او تقمص بمال الغير.

اقول:

فيه أولا: ان الغرض مع ذكر هذه الاوجه و الاحتمالات فى المقام و امثاله التنبيه على تمامية المطلب على جميع التقادير، و عدم توقف المقصد و ابتنائه على اثبات شي‌ء منها، فهو بعد ان اعترف بصحة المطلب و امكان اعتبار التملك للميت، و لو لا ان الملك عنده من الاعتبارات العقلائية، لم يكن للتصدى للاشكال على الوجوه الاخر وجه وجيه، بعد ان لم يكن المطلب مبتنيا عليها.

و ثانيا: ان الترديد بين كون الملك من الامور الواقعية او الانتزاعية ليس ببدع احدثته، و لا بحادث تفردت به، و لا مما لم يظفر به هو الى الآن، و لا اقل ان يكون رآه و ظفر به فى طى كلام المحقق الانصارى (ره) فى تحقيق الاحكام الوضعية، و ليت شعرى، كيف لم يستدرك عليه (ره) بهذه الكلمة، أو رضي بعراء‌

114

تعليقته على كلامه عن هذه الفائدة، قال (ره) فى باب الاستصحاب بعد ذكر الملكية و الزوجية و الطهارة ما لفظه: و حقائقها اما امور اعتبارية منتزعة من الاحكام التكليفية، كما يقال: الملكية كون الشي‌ء بحيث يجوز الانتفاع به و بعوضه، و الطهارة كون الشي‌ء بحيث يجوز استعماله فى الاكل و الشرب، و الصلاة نقيض النجاسة، و اما امور واقعية كشف عنها الشارع، فاسبابها على الاول اسباب التكاليف، فتصير سببية تلك الاسباب فى العادة كمسبباتها امورا انتزاعية، و على الثانى تكون اسبابها كنفس المسببات امور واقعية مكشوفا عنها ببيان الشارع. (1)

و ثالثا: ان الملك لو شك فى كونه جدة أم لا؟ لا يشك فى كونه اضافة، كما ان كون الاضافة من احدى المقولات التسع مما لا يستريب فيه محصل، فلو كان مجرد ادراجه فى الجدة كافيا فى كونه امرا واقعيا، لان الجدة احدى المقولات فكونه من الاضافات، و كون الاضافة احدى المقولات كلاهما امر واضح، فأي داع يدعو الى ادراجه فى الجدة لاثبات كونه امرا واقعيا، و انما الداعى لمن يدرجه فيها شي‌ء آخر، فيدعى انه عرض ذو اضافة، لو سلم كون الجدة بالمعنى المشهور، او يكون غرضه تعيين الاضافة، بل ستعرف عن صاحب الأسفار أن الجدة بالمعنى المعتبر عند القدماء من مقولة المضاف لا غير، و ان مثل كون الفرس لزيد جدة عندهم و اضافة عنده.

و رابعا: ان جمهور المحققين من الحكماء و الفلاسفة، على ان الاضافة كالابوة و البنوة و الفوقية و التحتية من الامور الواقعية، و الموجودات الخارجية، من غير توقف على اعتبار معتبر، او ذهن ذاهن، و انما يستند القول بكون الاضافة من الاعتبارات الانتزاعية الى المتكلمين، و شاذ من الحكماء، و كما ان الفوق فوق، و التحت تحت، من غير توقف على اعتبار معتبر، فكذلك المالك و المملوك،

____________

(1)- رسائل العلامة الانصارى/ 365

115

و العبد و المولى، و كون هذا سلطانا، و ذاك رعية.

و الشيخ الرئيس فى الشفاء بعد ان اختار كون الإضافة من الموجودات الخارجيّة، ذكر بعض حجج القائلين باعتباريتها، و اطال القول فى تزييفها و تسخيفها (1).

و اطال صدر المتألهين فى حاشيته على إلهيات الشفاء فى شرح ادلّة القول بالاعتبارية، و ذكر لهم وجوها خمسة، و زيفها باجمعها، و اختار القول: بانه من الموجودات الخارجية (2).

بل فى الشوارق ان القول بوجود الاضافة كالفوقيّة و التحتية فى الاعيان، هو قول جميع المحققين من الحكماء (3)

فانظر ايدك اللّه الى ان كون الاضافة من الامور الواقعية الّذي ذهب إليه جمهور الحكماء المحققين، و الفلاسفة الاسلاميين، و فيهم مثل الشيخ الرئيس، و صدر الحكماء المتأخّرين، لا يرضى هذا الفاضل بذكره على سبيل الاحتمال، و فى عداد الاوجه، فضلا عن الاقوال، و لننقل لك شطرا يسيرا، او نبذا قليلا مما يتعلق بالمقام تنكشف به غياهب الظلام، اذا لشرح و التفصيل خارج عن المرام.

فنقول: ان الشيخ فى الشفاء بعد ان ذكر اقسام الاضافة و اطال الكلام فى بعض ما يتعلق بالمقام قال: الاشد اهتماما معرفتنا هل الاضافة فى نفسها موجودة فى اعيان، او امر ما متصور فى العقل؟ فقوم ذهبوا الى ان حقيقة الاضافات اما تحدث فى النفس اذا غفلت الاشياء، و قوم قالوا: بل الاضافة شي‌ء موجود فى الاعيان، و احتجوا و قالوا: نحن نعلم ان هذا فى الوجود أب ذلك فى الوجود ابن هذا عقل أو لم يعقل، و نحن نعلم ان النبات يطلب الغذاء، و ان الطلب مع اضافة ما، و نحن‌

____________

(1)- الشفاء الالهيات/ 371

(2)- تعليقة صدرا المتألهين على الشفاء/ 150

(3)- شوارق الالهام/ 456

116

نعلم: ان السماء فى نفسها فوق الارض و الارض تحتها، ادركت او لم تدرك، و ليست الاضافة الا امثال هذه الاشياء التى اومأنا إليه، و هى تكون للاشياء، و ان لم تدرك (1). ثم نقل حجة المنكرين لوجود الاضافة فى الخارج، و اطال الكلام جدا فى تزييفها.

و فى حاشية الشفاء لصدر المتألهين- بعد نقل الحجة المذكورة من الشيخ من القطع بوجود فوقية السماء و تحتية الارض- فى الخارج، كالابوة و البنوة كان هناك اعتبار أم لا:- قال ما لفظه: هذه حجة القائلين بكون الاضافة من الموجودات الخارجية، و هى حجه قوية، لا يرد عليها شي‌ء (2)

ثم ذكر حجج المنكرين لوجودها فى الخارج و زيفها باجمعها، و ذكر قبل ذلك فى تحرير النزاع عند قول الشيخ الاشد اهتماما ما لفظه:

لما كانت الاضافة من الاشياء الضعيفة الوجود، خفية الذات، كالهيولى و العدد، و الزمان المتصل، و الحركة التى بمعنى القطع، و اذا اشتد ضعف الوجود و خفائه فى شي‌ء يكاد ان يلحقها بالعدم، انكر كثير من الناس وجود الاضافات فى الخارج فعلى الحكيم ان يهتم بالبحث عن وجودها، و الخوض فى تحقيق ان الاضافة هل هى نفسها من الامور الموجودة فى الاعيان، او من الامور المتصورة، التى ظرف تحققها و صدقها انما هو فى الذهن فقط، ككثير من الصفات و الاحوال، التى لا تعرض الاشياء الا بعد ان تصير معقولة فى الذهن، و تكون القضايا المعقودة بها ذهنيات طبيعيات ليست بخارجيات، محصورة كانت، او مهملة، او شخصية و هى كالكلية، و الذاتية، و العرضية، و الجنسية، و الفصلية، و النوعية، و المحمولية، و الموضوعية، و ما يجرى من كون المعقول او نقيض قضية او عكسها، او كونه صغرى او كبرى، او قياسا، او برهانا، او خطابة، او مغالطة او جدلا‌

____________

(1)- إلهيات الشفاء/ 371

(2)- تعليقة صدر المتألهين على الشفاء/ 150

117

او غيرها، فان الموجود فى الخارج لا يتصف بكونه كليا، او ذاتيا او نوعا، و لا الحيوان بكونه جنسا، و لا الماشى بكونه عرضا عاما، او خاصة.

فقوم ذهبوا الى ان وجود الاضافات انما يحدث فى الذهن عند تعقل الاشياء كالحال فى المعقولات الذهنية التى يقال لها المعقولات الثانية، كالنوعية و الكلية، و اشباهها.

و منهم من فرقوا بينها و بين المعقولات الثانية، المبحوث عنها فى علم الميزان، من الكلية و نظائرها، فان عروض تلك المعقولات انما هو فى الذهن، بشرط كون المعروضات و الموضوعات معقولة حاصلة فى الذهن، حتى يكون الوجود الذهنى قيدا لموضوعاتها، فان الانسانية ما لم تحصل فى الذهن، و لم تكن معقولة، لم توصف بانها كلية، او نوع و كذا شرط كون الحيوان جنسا ان يكون موجودا بوجود عقلى، و هذا بخلاف الفوقية للسماء، فانها و ان كان حصولها فى الذهن لكن ليس عروضها للسماء بشرط وجودها العقلى، بل لنفس السماء من حيث كونها فى الواقع بحال ينتزع منه الفوقية، فالقضايا المعقودة فيها كقولنا:

السماء فوق الارض، ليست ذهنيات محضة، بل حقيقات. و من المتأخرين من جعل تلك القضايا الخارجية مع كون المحمولات غير موجودة عنده، زعما منه ان كون القضية خارجية يكفى فيه كون الموضوع موجودا فى الخارج، و كونه بحيث ينتزع العقل منه مفهوم المحمول، و لم يتفطن بان ذلك مستلزم لوجود المحمول، فان كون السماء مثلا فى الخارج بحيث يعلم منه معنى الفوقية وجود زائد على ماهية السماء، اذ يمكن فرض وجودها لا على هذه الصفة، لكونها بحيث يفهم منه الفوقية هو وجود الفوقية و لا نعنى بوجود شي‌ء خارجا إلا صدق حده و مفهومه على شي‌ء فى الخارج، كما سيصرح به الشيخ. و قوم ذهبوا الى ان الاضافة من الموجودات الخارجية و لكل من الطائفتين حجج و دلائل انتهى (1)

____________

(1)- تعليقة صدر المتألهين على الشفاء/ 149

118

و الغرض من نقل العبارة بطولها صراحتها فى كون القول بالوجود الخارجى للاضافة قسيما للقول بكونه من المعقولات الثانية، و للقول بكونها من الاعتبارات الانتزاعية، و فى ان القوم فى الاضافة بين طائفتين، و ان كان المنكرون لوجودها فى الخارج متشعبين شعبا، و اشتمالها على حجة للوجود الخارجى كما ذكره فى رد ما نقله عن بعض المتأخرين (1).

ثم انه عقب هذا لكلام بما نقلناه عنه سابقا: من ان حجة القائلين بوجودها فى الخارج حجة قوية، لا يرد عليها شي‌ء ثم ذيل هذا لكلام بنقل حجج المنكرين و تزييفها.

و فى الاسفار ما لفظه: السقف مثلا له وجود وصفى اذا عقل عقل معه الاضافة الى الحائط و كذا السماء لها وجود واحد وضعى، يعقل منه ماهية السماء هو جوهر، و يعقل معها معنى آخر خارج عن ماهيتها و هو معنى الفوقية و معنى كون الشي‌ء موجودا: ان حده و معناه يصدق على شي‌ء موجود فى الخارج صدقا- خارجيا كما هو فى القضايا الخارجية كقولنا: الانسان كاتب او ابيض فالمضاف بهذا المعنى موجود لصدق قولنا: السماء فوق الارض و زيد أب و هذا بخلاف الامور الذهنية كقولنا الحيوان جنس و الانسان نوع فان الجنسية و النوعية و ما اشبهها ليست من الاحوال الخارجية التى تثبت للاشياء فى الاعيان بل فى الاذهان و بهذا يعلم فساد رأى من زعم من الناس: ان الإضافة غير موجودة فى الاعيان، بل من الاعتبارات الذهنية كالكلية و الجزئية (2) انتهى، و تبعه فى كل ذلك- من اختار انها من الموجودات الخارجية، و تزييف القول بالاعتبارية- المحقق اللاهيجى فى الشوارق.

____________

(1)- كشف المراد فى شرح تجريد الاعتقاد 216.

(2)- الاسفار الاربعة 4: 200.

119

ثم ان تمثيل القوم للاضافة بكون المولى مولى للعبد، و كون العبد عبدا للمولى، و الابوة و الفوقية و المساواة و المقابلة و القهر و الغلبة و نظائرها متكرر لا حاجة- الى نقله، و لنكتف بهذا المقدار فى المضمار، و الظاهر انه يكتفى به المورد اعتذارا لذكر احتمال كون الملك من الامور الواقعية بين الاحتمالات، و فى عداد الاوجه، ان لم يكتف به فى ترجيح هذا الوجه و للقول به.

ثم اقول و يرد عليه خامسا: ان ما اورده على القول بكون الملك المبحوث عنه فى الفقه من الجدة من تخلفه عنها، مما لا ارى له مساغا، و لا لصدوره عن مثله اعتذارا، الا الاقناع بالمشتهرات، او قصر النظر على بعض المتون و المختصرات.

و لا بدّ من تنقيح المقام، و تحقيق المرام، و رفع غشاوة الابهام، عما زلت فيه اقدام، و طغت فيه اقلام، و اشتهر فى هذه الاعصار و الاعوام.

فنقول: توضيح الايراد ان الجدة عند الحكيم هو الهيئة الحاصلة من احاطة الشي‌ء بشي‌ء ينتقل المحيط بانتقال المحاط و لذا قيل نظما:

هيئة ما يحيط بالشي‌ء جدة * * *بنقله لنقله مقيدة

و الملك عند الفقيه قد لا يكون فيه احاطة و لا انتقال بانتقال اصلا كملك الاراضى، او ان الاحاطة و الانتقال حاصلة لغير المالك و الملك انما هو لمالكه الغير المتصف بالاحاطة، كما اذا تعمم او تقمص بمال الغير، فبين الملك عند الفقيه و الملك بمعنى الجدة عند الحكيم عموم من وجه، فتفسير احدهما بالآخر غلط و ما هو الا كتفسير الابيض بالراكب، او الضاحك بالعادل.

و توضيح الدفع و التزييف حسب ما سنح لهذا العبد الضعيف: ان الّذي يظهر بالتأمل و التروى فى الكلمات ان الجدة عند المتقدمين من الحكماء الذين عدوها من المقولات لا يعتبر فيها الا ان يكون بحيث يصح ان ينسب إليها‌

120

بصاحب و ذى و مراد فاته و ان مثل نسبة القوى للنفس و نسبة الفرس الى زيد من مقولة الجدة عندهم، و يظهر منهم انهم لم يحصلوها حق التحصيل، و لم يبلغهم عن ارسطو و غيره- كلام شاف فيها، و ان حقيقتها قد خفيت عليهم، و لخفائها عبروا عنها بعبارات مختلفة، كما نص عليه المحقق الطوسى (ره) وجه التقييد ان هذه العبارة اعنى قوله لخفائها ساقطة عن نسخه الشرح القديم للعلامة الاصفهانى، و الشرح الجديد العلامة القوشچى، و انما نقلها العلامة الحلى (قه) فى شرحه و حكى عنه المحقق اللاهيجى.

على ما فى نسخة شرح العلامة (ره) (1) و المحكية فى شرح اللاهيجى، ثم ان صريح كلام الشيخ فى الشفاء، ان شرح حقيقة الجدة يأخذ قيد الاحاطة، و الانتقال فيها انما هو احتيال ابداه هو على الظاهر لتحصيلها و جعلها جنسا لانواعها و الا فالعادون لها منها و من الاجناس العالية لم يعتبروها فيها حتى آل الامر الى الشيخ على جلالته و عظمته فى الفن و كونه ترجمان الفلاسفة المتقدمين و رئيس الحكماء المتأخرين: قال: اما مقولة الملك فلم احصلها الى الآن قال فى قاطيغورياس الشفاء: ان مقولة الجدة لم يتفق لى الى هذه الغاية فهمها و لا اجد الامور التى هى كالانواع لها انواعا لها بل انما يقال لها باشتراك اسم او تشابه و كما يقال الشي‌ء من الشي‌ء و الشي‌ء فى الشي‌ء و الشي‌ء على الشي‌ء و الشي‌ء مع الشي‌ء و لا اعلم سببا يوجب ان يكون مقولة الجدة جنسا لتلك الجزئيات لا يوجب مثله فى هذه المذكورات و يشبه ان يكون غيرى يعلم ذلك من كتبهم ثم قال:

فان احتيل حتى يقال ان مقولة له يدل على نسبة الجسم الى شامل اياه ينتقل بانتقاله كالتقمص و التسلح و التنعل ففيه محال و يزول التشكيك و لكن ليس لهذا المعنى من القدر ما يعد فى عداد المقولات (2).

____________

(1)- كشف المراد فى شرح تجريد الاعتقاد/ 216

(2)- منطق الشفاء فصل المقولات العشر

121

و فى شرح العلامة (1) و شرح اللاهيجى (2) ان المحقق الطوسى (ره) حصل مقولة الجدة و عرفها بما اشتهر بين المتأخرين، و انت خبير بان ما حصله هو بعينه الاحتيال المذكور فى كلام الشيخ، كما اعترف به فى الشوارق، و لذا قال شارح حكمة العين: ان هذا المعنى المشهور هو الّذي لخصه الامام و سائر العلماء من كتب الشيخ.

و بالجملة فقد حصل للجدة من تفسير المتقدمين و من الاحتيال الّذي صار مختارا عند المتأخرين اطلاقان.

قال شارح المقاصد: و منها اى و من المقولات له و يسمى الملك و الجدة، و يفسره بالنسبة الحاصلة للجسم الى حاصر له او لبعضه، فينتقل بانتقاله، كالتقمص و التختم، و يكون ذاتيا، كنسبة الهرة الى اهابها، و عرضيا كنسبة الانسان الى قميصه، و قد يقال بحسب الاشتراك لنسبة الشي‌ء الى الشي‌ء، و اختصاص له به من جهة استعماله اياه و تصرفه فيه، ككون القوى للنفس و كون الفرس لزيد.

قال ابن سينا: اما انا فلا اعرف هذه المقولة حق المعرفة، لان قولنا:

له كم و كيف، او له مضاف، كقولنا له ابن، او له جوهر حاصر، لكله كما فى له ثوب او لبعضه كما فى له خاتم، او محصور فيه كما فى قولنا: للدن شراب، يقع عليها لفظة له، لا بالتواطى، لكن بالتشابه و التشكيك، و ان احتيل الى آخر ما مرّ نقله.

و فى الاسفار- و مما عد فى المقولات الجدة و الملك-: و هو هيئة تحصل بسبب كون جسم فى محيط بكله، او بعضه، بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط مثل التسلح و التقمص و التعمم و التختم و التنعل، و ينقسم الى طبيعى كحال الحيوان بالنسبة الى اهابه و غير طبيعى كالتسلح و التقمص، و قد يعبّر عن الملك: بمقولة‌

____________

(1)- كشف المراد فى شرح تجريد الاعتقاد/ 216

(2)- شوارق الالهام/ 493

122

«له» فمنه طبيعى ككون القوى للنفس، و منه اعتبار خارجى، ككون الفرس لزيد، ففى الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح، فان هذا من مقولة المضاف لا غير انتهى. (1)

و قال المحقق اللاهيجى- فى كتابه المسمى بگوهر مراد ما لفظه-: و قدماء در مفهوم جده و ملك احاطه را شرط ندانند بلكه مالك بودن و صاحب بودن، و بالجملة جائز بودن كه به لفظ ذو نسبت دهند اعتبار كنند، خواه محيط باشد و خواه نه. (2)

و فى شرح حكمة العين: ان تلك الهيئة التى جعلوا الجدة عبارة عنها ثبوتها مشكوك، و ان ثبت فالاشبه انها تكون من الكيف و اذا اتقنت ما تلوناه عليك لم اظنك مستريبا فى ان اخذ الانتقال بالانتقال فى حقيقة الجدة، او الاحاطة المخصوصة فيها لم يكن امرا مسلما مفروغا عنه بين الحكماء، بل لم يكن لهذا القيد بينهم عين و لا اثر، و انما هو احتيال اخذ من الشيخ، بل تبين: ان كون الجدة من المقولات ليس بامر (3) واضح، و لا معتمد على ركن وثيق، و ان الشيخ متردد فى كونها- من الاجناس العالية، و بعضهم يجعله على تقدير ثبوتها من الكيف، كما فى الاسفار التصريح بانها بالمعنى المنسوب الى القدماء من مقولة المضاف لا غير، فهى اما من مقولة الكيف، او الاضافة عندهما، و الفرق بينها و بين الكيف على ذمة المورد الّذي لا يرى الجدة الا المعنى المشهور، كما تبين ان الملك عند الفقيه هو بعينه الملك، و الجدة بالمعنى الّذي يعبر عنه بمقولة له، و مثلوا لها: بكون الفرس لزيد، و من الواضح البديهى ان من يدعى ان الملك عند الفقيه هو الملك بمعنى الجدة، لا يريد الا هذا المعنى، و الا فكيف يسلم العاقل الشاعر اخذ قيد الاحاطة و الانتقال فى حقيقة الجدة، الّذي هو‌

____________

(1)- الاسفار الاربعة 4: 223

(2)- گوهر مراد/ 45

(3)- و لذا غير صاحب اسفار اسلوب تفسيره و قال: و مما عد في المقولات الى آخر ما مر نقله.

123

احتيال من المتأخرين، ثم يجعل الملك الفقهى عبارة عنها هكذا ينبغى ان يفهم.

[فى الاشكال على عبارة المؤلف: بان الاعتبارات العقلائية هى التى تكون منتزعة مما يصح انتزاعهما عنه و الجواب عنه]

و فى الحاشية الثانية:

على عبارتنا الماضية التى جعلت الاعتبارات العقلائية فيها قسيما للامور الانتزاعية ما نصها: لا يخفى ان الاعتبارات العقلائية هى التى تكون منتزعة مما يصح انتزاعها عنه، قبالا لغير هذه الاعتبارات مما لا منشأ لانتزاعها، كذلك فلا بد ان تكون او فى او الامور الانتزاعية بمعنى الواو او تصحيفا منه، فلا تغافل.

اقول:

النزاع فى الاحكام الوضعية و انها مجعولة او منتزعة مما شاع بين الاواخر، و ذاع، و قرع الاسماع و ملا الاصقاع، و من جملة ما وقع الكلام فى تلك المسألة هو البحث عن حقيقة الملك، و قد عرفت ان شيخنا العلامة الّذي اطال الكلام فيها احتمل امرين: كونها من الامور الواقعية، و كونها منتزعة من الاحكام التكليفية من كون الشي‌ء بحيث يجوز الانتفاع به و بعوضه، فلمعهودية هذا النزاع بين الاصوليين و الفقهاء صح لمن اكتفى بالقول بكون الملك من الامور الواقعية الانتزاعية ان يؤيد كونه منتزعا من الحكم التكليفى على حد ما يدعى فى جملة من الاحكام الوضعية، كالسببية و الشرطية و المانعية.

اذا عرفت ذلك فنقول: مرادنا من تلك العبارة الجامعة المشيرة الى محتملات الملك، انه اما ان لا يكون منتزعا من الحكم التكليفى، او يكون منتزعا منها، و الثانى هو الاحتمال الثالث فى تلك العبارة، و على الاول فهو من الامور الواقعية عند من بجعل الاضافة من الموجودات الخارجية، و يكون من الاعتبارات العقلائية عند من ينكر كونها منها، فان اعتبار الملكية حاصل عند من لا يتدين بدين، و لا يتشرع بشرع، كالدهرية، فيعتبرون الملك من امر و الغصب من آخر،

124

بل قد يقال: باعتبارها عند الاطفال فيما حازوه، بل البهائم، فليت شعرى اى موقع للاستدراك على مثل هذا الكلام الساطعة انواره الواضحة اعلامه و آثاره فلا تغافل.

المقالة الخامسة [فى الاشكال على ان الفسخ مستلزم للتعاوض، او ان حقيقته الرد و الاسترداد لا مجرد الحل و الجواب عنه]

: قد نقلنا فى المقدمة الرابعة: استدلال بعضهم على ان حقيقة الفسخ هى الرد و الاسترداد، لا مجرد حل العقد و نقضه، بان الفسخ الواقع بعد تلف احدى العينين يوجب الرجوع الى المثل، او القيامة على من اتلف، مع انه اتلف ماله و ملكه، و لا تجرى قاعدة اليد، و لا قاعدة الاتلاف، و ليس الفسخ موجبا لبطلان العقد من اصله، بل من حينه، فلو كان الفسخ مجرد الحل لم يكن لضمان المتلف وجه، اذ حل العقد يقتضي رجوع العين على تقدير وجودها الى مالكها، لا ضمان المثل و القيامة، ففى هذا الحكم دلالة على ان الفسخ مستلزم للتعاوض، او ان حقيقته الرد و الاسترداد، لا مجرد الحل.

و اجبت عنه: بان الفسخ ليس إلا حل العقد قطعا، و انه كما ان العقد يفيد الربط بين المالين، فالفسخ يزيل ذلك الربط، و المتلف و ان اتلف ماله و ملكه، الا ان تملكه لم يكن مجانا، بل من حيث ان لما بيده بدلا عند صاحبه، فاذا زالت البدلية المقومة للملكية بزوال سببها، فيحكم الآن بانه اتلف ما لا لم يكن ملكه، بمعنى انه يعامل معاملته.

و بعبارة اخرى بعد قيام الدليل على صحة الفسخ مع التلف فاعتبار كون الفسخ الّذي هو حل الربط فسخا عين اعتبار استمرار ربط المالين الى عينه، و تقدير المالين موجودين مرتبطين، يريد الفاسخ حل ربطهما، و لو قطع النظر عن هذا التقدير، لم يكن الفسخ عند التلف فسخا، اذ بعد التلف لا ربط و لا مرتبط، حتى يحل و ينقض، فاقتضاء الفسخ لوجود المال عند المفسوخ عليه زائلا عنه‌

125

وصف الملكية، موجب لكونه فى عهدته و لزوم الخروج عنها بدفعه، او دفع بدله، و هذا هو تحقيق قولى: فيقدر المال التالف موجودا بعد الفسخ، فكانه اتلف ما لم يكن ملكه، و هو كلام و تحقيق انيق يحق بالاغتنام و يليق.

و فى الحاشية:

على قولى فيقدراه ما لفظه، فيه اشكال فانه لا موجب له و بدونه لا مجال للتقدير، و انما هو فى رجوع التالف، او ما بحكمه إليه بعد الفسخ و حل العقد، فانه اذا لم يمكن رجوعه حقيقة لا بدّ من تقديره توفيقا بين صحة الفسخ مع التلف، و ما هو قضية الانفساخ و الانحلال، و اما ضمان الاخر للتالف بالمثل او القيامة، فانما هو لكونه مضمونا منه ببدله الجعلى فى العقد، فلما فسخ و انحل انتقل ضمانه به الى ضمانه ببدله الحقيقى كما هو الاصل فى كل موضع بطل المعاوضى بالبدل الجعلى.

نعم لو فرض انه لا موجب للضمان الا اتلاف مال الغير و قام الدليل على الضمان فيه كان له أيضا موجب، و هو التوفيق بين دليل الضمان، و كونه بسبب اتلاف مال الغير، لكنه ليس كذلك، و ضمانه بالمثل او القيامة انما هو لكونه مضمونا عليه بالعوض الجعلى، و بفسخ المعاوضة ينتقل الى العوض الحقيقى، و لو لم يكن ضمان بسبب اتلاف مال الغير اصلا.

اقول:

لا يخفى انه بعد غمض النظر عن التفكيك المدعى فى كلامه من ان رجوع التالف هو المحتاج الى التقدير، و ان الضمان بالبدل لا يحتاج الى تقدير، و الغض عن مطالبته بالفرق بينهما. نقول: ان ما ذكره من ان السبب فى ضمان المثل و القيامة‌

126

هو كونه مضمونا بالبدل الجعلى، و انه اذا انحل انتقل الى الضمان بالبدل الحقيقى، كما هو الاصل، مما لا يروى غليلا و لا يشفى عليلا، و لا يدفع مطالبته المستدل بالوجه فى الضمان، فانه ليس إلا دعوى قضية كلية، من انه اذا بطل الضمان بالبدل الجعلى انتقل الى الضمان بالبدل الحقيقى، و المستدل يطالبنا بالدليل على هذه الملازمة و مرامه: ان بطلان الضمان بالبدل الجعلى انما يوجب الانتقال الى الحقيقى باحد الوجهين: اما بانكشاف اندراج ما ضمنه تحت قاعدة اليد و الاتلاف، كما اذا بطل الضمان الجعلى بانكشاف فساد المعاملة، كما هو المقرر فى قاعدة ما يضمن بصحيحه، و اما بامر آخر هو بمنزلة المعاوضة الجديدة، كما اذا بطل الفسخ بناء على انه مستلزم للتعاوض، و مع انتفاء الوجهين كما فى الفسخ عند من يراه مجردا الحل لا يبقى للانتقال الى الضمان الحقيقى، اما عدم جريان اليد و الاتلاف فمعلوم، لان المفروض انه اتلف ماله و ملكه و لم يثبت يده على مال غيره، و اما المعاوضة الجديدة فمفروضة العدم عند من يرى الفسخ حلا محضا.

و بعبارة اخرى: الشرطية القائلة بانه اذا بطل الضمان المعاوضى انتقل الى الحقيقى، معنى متسالم عليه عند المستدل و غيره فى الجملة، الا ان الكلام فى سببه و سره، فيراد باستكشافه و الاستفهام عنه ان يتبين انه لا سبب له الا كون الفسخ مستلزما للتعاوض، كما يدعيه المستدل، او امر آخر، كما ندعيه نحن، و مجرد كونه مضمونا بالبدل الجعلى لا يفيد شيئا.

الا ترى ان الضمان بالبدل الحقيقى فى العقود الفاسدة معلل عند القوم بقاعدة اليد و الاقدام، و قدا تعب المحققون بالهم عند تحقيق قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فى توضيح ادراج المقبوض بالعقد الفاسد تحت دليل اليد، و جعل قاعدة الاقدام بيانا لعدم المانع من اقتضاء اليد، و لم يكتفوا بمجرد دعوى ان بطلان الضمان المعاوضى مستلزم للانتقال الى البدل الحقيقى، كما يظهر منه‌

127

الاكتفاء به، فللمستدل ان يقول: ان ما ذكره من ان الضمان انما هو لكونه مضمونا بالبدل الجعلى فاذا فسخ انتقل الى الحقيقى مصادرة محضة، و ما ذكره من انه الاصل فى كل موضع بطل الضمان المعاوضى، فيه: انه ان اريد انه الاصل عند بطلانه من رأس و انكشاف فساد العقد، فهو مسلم، لكنه من رجوعه الى قاعدة اليد و الاتلاف، و لا يرتبط بالمقام، و ان اريد به بطلانه و لو بالفسخ المزيل من حينه، ففيه: انه مطالب بمدرك هذا الاصل، و باقامة الدليل عليه، فهل يجدى اعادة الدعوى فى الخصام، و تكرار المدعى فى موضع الالزام شيئا، و المرجو من الناظرين اعمال الانصاف و ترك الاعتساف فى ابداء وجه وجيه لاستدراكه على ما ذكرنا و عدوله الى ما عنه نقلنا و بالجملة.

ما ذكره المستدل اعضال فقهى و اشكال علمى لا ينبغى ان يقابل بمجرد دعوى ان المضمون بالبدل الجعلى اذا انحل انتقل الى الضمان بالبدل الحقيقى، و بما ذكرنا يحصل الخلاص و يتضح المناص.

المقالة السادسة [فى النقض على بعض فروض الفسخ و الجواب عنه]

قد ذكرت فى آخر المقدمة الخامسة: عدم تعقل المعاوضة، و لا الرد و الاسترداد فى بعض فروض الفسخ، و هو ما اذا باع الولد داره التى تساوى الف درهم لوالده بمائة درهم، و شرط لنفسه خيار الفسخ مدة معلومة، و اخذ الثمن، فمات الأب عن دين مستغرق للالف، فانتقلت الدار الى الولد، على القول به، فاراد الفسخ تقليلا لنصيب الديّان، فحينئذ لا معاوضة و لا ردّ و لا استرداد.

و فى الحاشية:

اللهم الا ان يقال: انه و ان كان واحدا حقيقة، الا انه متعدد حكما و اعتبارا، حيث انه بائع واقعا و مشتر تنزيلا له منزلة مورثه، و هذا كاف فى فى تحقيق المعاوضة و المبادلة.

128

اقول:

الموجب لعدم تعقل المعاوضة و البيع فى الفرض المذكور هو كون المالين لمالك واحد، و عدم امكان المبادلة بينهما بذهاب كل مكان الآخر، و قيامه مقامه، فلا يعقل تعويض الانسان و تبديله بعض امواله ببعضها الآخر، و ان انتقل كل منها إليه بسبب خاص، و من شخص خاص و وقت مخصوص، و ليس المانع ان المتصدى للمعاملة شخص واحد، حتى يتكلّف لاصلاحه بالتعدد الاعتبارى، مضافا الى ان هذا التعدد الاعتبارى الّذي تصوره و انتزعه من البيع الحقيقى و الارث الّذي هو اشتراء تنزيلى، ليس باولى من التعدد المنتزع من البيع و الاشتراء الحقيقين فى ما لو باع شيئين ثم اشتراهما، فهل يجدى هذا فى معاوضة احدهما بالآخر اذا اجتمعا عنده؟

و اما البيع السابق الواقع بينه و بين ابيه فالمالان و المالكان فيه متعددان حقيقة لا اعتبارا، كما ان المالين متحدان فى البيع الثانى بحسب المالك حقيقة، و متحدان بحسب الذات حقيقة.

و بالجملة فالمصلح للبيع الاول هو التعدد الحقيقى للمالكين و المملوكين، و التعدد الاعتبارى للحاصل منه و من الارث للبائع ليس بمصلح للبيع الثانى بالضرورة، بعد صيرورة العوضين مملوكين له، و ما هذا التعدد الاعتبارى الا كاعتبار كونه شاربا للماء، و آكلا للخبز، و نائما على السطح، و قاطعا للبطيخ، الى ما لا يحصى فى عدم صلاحه لبيع بعض ماله ببعض، او كاعتبار كونه مالكا لثوبه بالشراء، و لفرسه بالصلح، و لانائه بالهبة، او انه ينتقل إليه هذا من زيد و ذاك من عمرو.

هذا كله مضافا الى وضوح عدم كونه مشتريا بالارث لا حقيقة و لا حكما، و كونه بمنزلة ابيه فيما خلفه بعد موته لا يجعله بمنزلته فى بيعه و عقده و شرطه.

129

و قد اشبعنا القول فيما يناسب المقام فى اصل الرسالة، و على الجملة فهذا خيال سفسطى لا بحث فقهى فلا تغافل.

المقالة السابعة [فى الاشكال على الفروع المترتبة على كون الفسخ بيعا او معاوضة و الجواب عنه]

: قد ذكرت فى الفصل الاوّل من فصول تلك الرسالة فروعا كثيرة تتفرع على كون الفسخ حلا، او بيعا، او معاوضة مستقلة تبلغ أربعة عشر فرعا من ارادها راجع إليها.

و فى الحاشية:

لا يخفى انه يمكن ان يقال: ان الفسخ و ان كان معاوضة جديدة او بيعا الا ان ادلة الربا و الاخذ بالشفعة و اعتبار التقابض فى المجلس منصرفة عن مثل هذه المعاوضة او البيع لا اقل من عدم الاطلاق لها، فلا وجه لكثير من هذه التفريعات كما لا يخفى.

اقول فيه أولا:

انه بعد البناء على كون الفسخ بيعا او معاوضة لا يكون فرق بينه و بين سائر انواع البيع و المعاوضة الا فى العبارة و الصيغة، و كان نسبته الى باقى اقسام البيع مثلا كنسبة البيع الواقع بلفظ ملكت الى الواقع بلفظ بعت، و المفروض غمض النظر عن بعض الجهات الفارقة بينه و بينها، فالفسخ الفعلى حينئذ من افراد المعاطاة، و القولى من اقسام الحاصل بالصيغة، و من المعلوم ان دعوى انصراف ادلة البيع الى الواقع بلفظ مخصوص مجازفة، و الفسخ ليس مما يندر وجوده، و لا مما ثبت شيوع استعمال لفظ للبيع فى غيره على تقدير كونه من افراده، بل يدعى ان البيع فى جميع استعمالاته يراد منها الاعم منه على هذا التقدير الباطل، الا ما احتف بقرينة.

و الّذي يراه من عدم شمول ادلة البيع له فانّما هو لوضوح عدم كونه من مصاديقه، و الا فبعد البناء على كونه منها فأيّ وجه للانصراف؟ أم اىّ مانع عن الاطلاق‌

130

المستدل به فى ساير اقسام البيع؟.

ثم ان معنى جريان الربا في كل معاوضة مثلا يراد به ان المقتضى لحرمة الربا هو حقيقة المعاوضة من غير اعتبار كيفية مخصوصة، او لفظ مخصوص فيها و كذا غيره.

و ثانيا: انه لو تمت هذه الغائلة لما اختصت بفروع هذه المسألة، بل جرت فى اغلب ابواب الفقه من الكر الى العاقلة فى كثير من التفاريع الفقهية التى اتعب المحققون من علماء الخاصة و العامة بالهم فى تفريعها و تنقيحها، و اختل ما استقرت عليه طريقة ائمة الفن، و اساطين الفقه فى نظائر المسألة، سيّما فيما يتردد بين امرين، اذ التردد بينهما لا يمكن الا لاحتواء المسألة على خصوصية موهمة او موجبة للفرق بينها و بين الافراد الواضحة.

و ان شئت فلاحظ الفروع المتفرعة على كون الابراء اسقاطا او تمليكا، و الثمرات المترتبة على كون الحوالة استيفاء او اقراضا للمحال عليه او اعتياضا عما كان فى ذمّة المحيل بما فى ذمّة المحال عليه، و النتائج المستخرجة من كون ضمان الصداق قبل الدخول ضمان عقد او ضمان يد.

و الفروع المترتبة على كون العين المستعارة للرهن عارية او ضمانا، و الثمرات المعروفة لان نفقة المطلقة البائن الحامل هل هى للحمل او للحامل؟

بما يقرب من اربعين فرعا.

و الفروع المتالم عليها بين كون الاقالة فسخا، و ما فرّعوه على ان اليمين المردودة على المدعى، او الواجبة بالنكول عليه هل هى كاقرار المدعى عليه او كالبينة؟ الى غير ذلك من النظائر التى لو اخذنا نعدّ شطرا منها لطال بنا الكلام، و خرجنا عن مقتضى المقام، بل صناعة الفقه مبنيّة على امثال هذه التخاريج و التفاريع، و انّما يتبين مقام الفقهاء و ترتيب طبقاتهم و تفاضل درجاتهم من امثال‌

131

هذه المواضع.

و لتأسيس القواعد و الاصول و استخراج النتائج و الفروع مقام، و لمثل اشكال الانصراف الّذي يخطر بكل خاطر و يطرق ذهن كل وارد و صادر، و يشترك فيه المنتهى و القاصر مقام آخر.

و تلك الفروع المذكورة، و الثمرات المسطورة ليتها اهديت الى المحقق السعيد، او عرضت على العلامة و الشهيد (قدس اللّه اسرارهم)

قال المحقق الانصارى (رحمه اللّه)- فى الرد على قصر البول الناقض بما اذا خرج عن المخرج الطبيعى و ما يشبهه تمسكا بالانصراف ما لفظه-: و لو بنى على هذه الانصرافات لاختل جل القواعد المبنيّة على الاطلاقات، بل كلها، اذ ما من مطلق الا و له منصرف لانس الذهن ببعض افرادها، فلا ينبغى طرحها، خصوصا فى المقام اعطاء القاعدة، الّا اذا كانت بحيث يعلم المتكلم جواز الاتكال على ذلك الانصراف فى إرادة المقيّد من المطلق، و ينسب من عمل بإطلاقها الى الغافلة، عن طريق المحاورة، و انّى لنا باثبات هذا المقام انتهى.

و فى جواز التعويل على الانصراف مطلقا، او فى خصوص ما اذا كان هناك قدر متيقن فى مقام المحاورة، او عدمه مطلقا، او التفصيل بما اشير إليه فى كلام الشيخ الماضى: من كون العمل بالإطلاق غفلة عن طريق المحاورة و عدمه وجوه، خيرها اخيرها، و التفصيل فى محله.

و ثالثا: ان اغلب تلك الفروع مما لا يبتنى صحتها و جريانها على التمسك بإطلاق يقابل بالمنع كما فى الفرع الثانى، المدعى فيه سقوط الشفعة اجماعا، اذا أخذ بها الشفيع فى زمن الخيار، و عدم سقوطها بغيره من التصرفات و لو للاستصحاب و كما فى الفرع السابع الى الثالث عشر، المدعى فى بعضها عدم تعقل المعاوضة، و فى بعضها قضاء دين الميت من الراجع بالفسخ، و عدمه من العائد‌

132

المعاوضة، و فى بعضها عدم صحة الفسخ بزيادة و نقيصة، و صحة المعاوضة بما تراضيا عليه و شبه ذلك‌

فقوله: «لا وجه لكثير من هذه التفريعات» لا وجه له الّا عدم اتعاب باله فى التأمل فيها.

ثم انه سلّمه اللّه علّق تأييدا و تشييدا لما ادعيته و اخترته فى المسألة على قولى فى ذلك الفصل: فان كان المقتضى المسلم اقتضائه و صحته و نفوذه موجودا الى آخره. ما لفظه: و العوض و ان انتقل الى الوارث الّا انه لما كان بسبب قابل للزوال بالفسخ و الانحلال كان فى معرض الانتقال من المورث الى طرفه فى العقد حقيقة او حكما، فكان إرثه بموته كذلك.

و علّق على قولى: فيرجع المالان الى الحالة الاولى، و يعودان الى مالكهما حقيقة او حكما الى آخره، و ذلك فى القول الثانى من الفصل الثانى ما لفظه:

لا يخفى ان رجوع المالين الى الحالة الاولى لا يكون متفرعا على مجرد ازالة ملكيتهما، بل بحل سبب حصولها و فسخه، فالاولى ان يفرّع عليه فتأمل.

اقول: من الواضح المتكرر ذكره فى تلك الرسالة جدا- ان زوال الملكية بالفسخ يترتب عليه الرجوع المذكور، بل اصل الرسالة من شروعها الى ختامها مبنيّ على هذا المعنى، فلا حاجة الى تكراره، و اعادته فى كل موضع و مقام، و لعلّه لذا امر بالتأمل.

و علق على قولى فى القول الثالث من ذلك الفصل: و مدار الفسخ على التقدير كما عرفت فى كلام شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) الى آخره، ما لفظه:

لكنك عرفت انه لا موجب لهذا التقدير الّا على تقدير مقدمة غير بيّنة و لا مبيّنة، و قد عرفت ما هو موجب الضمان فراجع.

اقول:

يريد به ما نقلنا عنه فى المقالة الخامسة، و أوضحنا لك ما فيه، و حققنا‌

133

القول فيما هو الموجب للتقدير، و فى ان ما ذكره موجبا للضمان مما لا يجدى و لا يدفع مطالبة الخصم بما كان مطالبا به.

و علّق على عبارتى فى القول السابع: و ثانيا ان كون التوريث حال الموت ليس بمانع، الى آخر ما نقلنا عنه آنفا مما ذكره فى تشييد المدعى، قال ما لفظه:

بعد ما كان ما ورثه فى معرض الزوال بزوال سببه الموجب لانتقاله الى مورثه، و حلّه المقتضى لرجوع عوضه الّذي انتقل إليه.

و بهذه الجملة اختتم ما افاده، و لم يزيّن الباقى من الرسالة بشي‌ء لا هدما و لا احكاما، لكنك عرفت فى اصل الرسالة: ان ما ذكرنا فى المدعى يجرى فى الاقالة أيضا، و لا يختص بما اذا كان العقد متضمنا للخيار، و فى معرض الزوال بسببه، و لعلّه اراد ما لا ينافى هذا المعنى.

و بهذا نختم الكلام حامدا للّه المنعام، مصلّيا على رسوله و آله الكرام، و للمرجو من الناظرين رعاية الانصاف، و ترك الاعتساف و الاغضاء عن السقطات، و التجاوز عن الفرطات، و اللّه تعالى ولى الحسنات.

حررّه بيمناه الداثرة فقير عفو ربه فى الآخرة مصنّفه الجانى الفانى «فتح- اللّه» الشيرازى الاصفهانى الغروى و فقه اللّه للعمل بما يزينه، و البعد عمّا يشينه، و اتى كتابه بيمناه، و جعل آخرته خيرا من اوليه.

و قد وقع الفراغ من الاستنساخ فى غرة شهر جمادى الثانية 1335‌