تقريرات ثلاث للبروجردي

- السيد حسين البروجردي المزيد...
220 /
3

إظهار الشكر على سيدنا الأستاذ (قدس سرّه)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على الأنبياء و المرسلين و لا سيّما نبيّنا و سيّدنا و سيّد المرسلين الّذي أرسل و بعث لهداية الخلق أجمعين، و على ابن عمّه و صهره و وصيّه و خليفته و على أولاده المعصومين المظلومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و بعد فانّ من أهمّ ما بعثه اللّه تعالى الأنبياء- بعد معرفة الأصول الّتي هي الأعمال الجوانحيّة هو تنظيم الأعمال الجوارحيّة الّذي لا طريق له الّا بمعرفة الفقه الإسلامي الّذي صدر بطريق أهل بيت النبي الّذين هم أدرى بما في البيت.

و لذا كان دأب سلفنا الصالح من بدو زمن الغيبة الكبرى، بل في زمن الصادقين (عليهما السلام)، بل من حين عرف المسلمون انّ لهم وظائف مقرّرة من الشرع المقدّس، الاهتمام ببيان هذه الوظيفة الثمينة فألّفوا تآليف و صنّفوا التصانيف فأودعوا لنا كتبا قيّمة ثمينة.

و من النعم الّتي وفّقني اللّه لها حضور مجالس درس العلم العليم و الطود العظيم الّذي يليق أن يقال: أنّه خاتم المجتهدين في أمثال زماننا ممّا قلّ فيه طلبة العلم أعنى المرجع الديني العام آية اللّه الملك العلّام سيّدنا الأستاذ الأعظم نادرة الدوران في التتبّع و التحقيق الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي (قدس سرّه) و كثّر اللّه أمثاله‌

4

فإنّه (رضوان اللّه عليه) مع كبر سنّه و كثرة مشاغله كان كالبحر الموّاج في التدقيق و التحقيق و قد وفّقت بحضور دروسه الفقهيّة و الأصوليّة و قرّرتها بقدر وسعي مع قلّة دركى لبياناته الشافية الوافية، فالحمد للّه على تلك النعمة.

و قد وفّقت بحمد اللّه و منّه من تقريرات بحثه:

(1) تقرير بحثه في صلاة الجمعة و المسافر و نبذة من أحكام الصلاة.

(2) تقرير بحثه في نبذة من أحكام الوصيّة و منجزات المريض.

(3) تقرير بحثه في أسباب الضمان و نبذة من أحكام الغصب.

(4) تقرير بحثه من أوّل مشتقّات الكفاية إلى آخر بحث حجّية الإجماع.

و الّذي بين يديك هو التقريرات الثلاثة- الوصيّة و منجزات المريض- ميراث الأزواج- الغصب.

و أسأل اللّه من فضله أن يهيأ وسيلة لنشرها بحقّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) الّذين هم الوسائل- أداء لبعض حقوقه علىّ أنّه أكرم الأكرمين.

و لنتبرّك بنقل حديث في فضل العالم:

فروى الكليني (رحمه اللّه)، عن محمد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: اطلبوا العلم و تزيّنوا معه بالحلم و الوقار، و تواضعوا لمن تعلّمونه العلم، و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقّكم (1).

____________

(1) أصول الكافي باب صفة العلماء، حديث 1 ص 36 ج 1.

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الوصية

[في معنى الوصية]

يقال (1): وصّى يوصّي توصية، و أوصى يوصي إيصاء من وصى يصي وصاية كوقى يقي وقاية، و يقال: أوصاه، و أوصى اليه، عهد اليه كما عن القاموس.

فالوصيّة لغة، العهد الى الغير بعمل، أو مطلق العهد، و لو لم يكن الى الغير.

[موارد استعمالات كلمة الوصية]

و قد استعملت هذه الكلمة في الكتاب و السنّة كثيرا من باب التفعيل كقوله تعالى في آخر سورة الأنعام في الموارد الثلاثة ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، و لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، و لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2)، و قوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدٰاءَ إِذْ وَصّٰاكُمُ اللّٰهُ بِهٰذٰا (3) الآية، و قوله تعالى وَ وَصّٰى بِهٰا إِبْرٰاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ (4)، الآية.

و كثيرا من باب الأفعال كقوله تعالى:

____________

(1) هذا تقرير- بقدر فهمي القاصر- لبحث سيدنا الأستاذ الأكبر المرجع الديني الآية الحاج آقا حسين البروجردي، المتوفى سنة 1380 ه ق (قدس الله نفسه الزكية).

(2) الأنعام/ 151- 152- 153.

(3) الأنعام/ 144.

(4) البقرة/ 132.

6

يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)، و قوله تعالى في سورة النساء في الموارد الأربعة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (2)، و مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، و مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، و مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، و غير ذلك (3) من الآيات.

و ليست مختصّة بأن تستعمل في الأمور الّتي يعمل بها بعد الموت، بل كلّ من عهد الى انسان بشي‌ء فهو وصيّة مطلقا كقوله (عليه السلام) في غير واحد من الخطب: أوصيكم بتقوى اللّه، و كالآيات المزبورة المشار إليها، نعم غلّب استعمالها، في المعنى المذكور و استعمل في القرآن المجيد أيضا كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (4)، و كقوله تعالى حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (5).

[في أنّ الوصيّة قد كانت في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)]

إذا عرفت هذا، فاعلم انّ الوصيّة بالمعنى المعروف قد كانت في زمن الأئمّة (عليهم السلام)، بل في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل قبل الإسلام كما دلّ عليه الرواية التي روتها العامّة:

قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة فسئل عن براء بن معرور، فقيل: انّه هلك و أوصى لك بثلث ماله فقبل و ردّ على ورثته (6).

____________

(1) النساء/ 11.

(2) النساء/ 11- 12.

(3) مثل قوله تعالى وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا، مريم 31

(4) البقرة/ 180.

(5) المائدة/ 106.

(6) الإصابة للعسقلانى ج 1 ص 149، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 61 نحوه من غير نقل الرّد.

7

و آيات الوصيّة في سورة البقرة، و هي مدنيّة و كانت وصيّة براء بن معرور، قبل نزول سورة البقرة (1)، لأنّها كانت قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه و آله إلى المدينة.

[في أن الوصيّة عبارة عن إلقاء العهد]

ثم انّك قد عرفت انّ الوصيّة عبارة عن إلقاء العهد الى الغير بأمر، بعد الموت فالقدر اللازم فيها الّذي به قوامها به هو وجود الموصى، و الموصى به، أما الموصى اليه، و له فقد يكونان و قد لا يكونان، و لا شكّ انّها موجدة للإضافة بين الموصى و الموصى به.

[بيان أنواع الوصية]

ثمّ اعلم انّ الوصيّة امّا أن تكون بالأمور الاعتباريّة أو بالعمل، و الأوّل امّا أن يكون ولاية، أو كون المال مثلا مضاربة بين الموصى اليه و بين أولاده، أو كون شي‌ء ملكا له أو غير ذلك من أقسام الاعتباريّات، و الثاني أمّا متعلّق ببدن الموصى كالوصيّة بتجهيزاته، أو متعلّق بماله كقوله: أعطوا فلانا كذا و كذا درهما مثلا أو غيرهما كالوصيّة بالصلاة و الصوم و غير ذلك من الأعمال.

[في أنه هل هي عقد فتحتاج الى القبول]

و لا ريب في عدم احتياج بعض أقسامها إلى القبول كما لا ريب في احتياج بعض أقسامها الآخر اليه و لو كان هو رضى به، بل و لو كان عدم الردّ على وجه كالوصيّة بالتملّك أو التمليك.

و انّما الكلام في أنّها هل هي عقد لا يتحقّق مفهومها المسبّبي إلّا بالقبول كالبيع المسببي أم لا تكون كذلك (و بعبارة أخرى) هل يصدق بعد العهد الى الغير انه أوصى بمعنى الاسمي حقيقة أم لا كما لا يصدق قولنا (باع) بالمعنى المذكور الّا بعد تحقّق القبول؟ الأظهر عدم الاحتياج الى ذلك.

____________

(1) أو المائدة.

8

و الدليل عليه أمران (أحدهما) ما دلّ على أنّ الموصى له لو مات قبل الموصى و قبل القبول ينتقل الحقّ إلى ورثته كرواية محمد بن قيس، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب فتوفّي الموصى له الّذي أوصى له قبل الموصى؟ قال الوصيّة لوارث الّذي أوصى له، قال: و من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفّي الموصى له قبل الموصى فالوصيّة لوارث الّذي أوصى له الّا أن يرجع في وصيّته قبل موته (1).

و احتمال انّ الانتقال إلى الورثة لعلّه كان بعد قبول الموصى له في حياة الموصى فلا دلالة فيها على الانتقال حتّى قبل قبوله إيّاها، يدفعه إطلاق الرواية بل ظهورها المستفاد من قوله: (و هو غائب) الظاهر في عدم اطّلاعه حتّى مات فحكم (عليه السلام) بالانتقال، فلو كان تحقّق مفهوم الوصيّة محتاجا الى القبول لم يكن وجه لهذا الحكم فيستكشف من حكمه (عليه السلام) أنّ الوصيّة بنفسها أوجدت حقّا للموصى له و هو حقّ التملّك بعد موت الموصى، فإذا مات انتقل هذا الحقّ إلى الورثة.

(الثاني) عدم صدق المعاقدة عقلا لو قبل بعد موت الموصى له، فإنّها بين الحيّ و الميّت غير متصوّرة لأنّ العقد- كما حقّق في محلّه- يوجد معنى واحدا بسيطا معلولا لفعلى المتعاقدين، و أحد جزئي العلّة إذا انتفى قبل تحقّق الجزء الآخر لم يؤثرا شيئا فإنّ تحقّق المعلول متوقّف على بقاء أجزاء العلّة حتّى يتحقّق، و لذا قال جماعة بعدم تحقّق.

البيع بقبول المشترى بعد موت الموجب.

و الحاصل كما انّ الوصيّة للجهات أو العناوين كالمساجد‌

____________

(1) الوسائل باب 30 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 409.

9

و المدارس أو الفقراء و الطلّاب لا تحتاج الى القبول في كونها مصداقا و يصدق عليه أنّه أوصى بذلك و يحكم بعدم جواز التبديل و عدم جواز المزاحمة و غير ذلك من أحكام الوصيّة، كذلك الوصيّة للأشخاص، بلا فرق بينهما فلا يحتاج في صدقها الى القبول.

و يؤيّد عدم كونها عقدا حكمهم بوجوب القبول لو وصل اليه الخبر بعد الموت و لو كانت عقدا لما وجب، لأنّه اختياريّ بطرفيه الّا أن يقال:

هذا حكم تعبّدي فحينئذ يقال أيضا: لا يصيّره عقدا، بل يجعله في حكم العقد كما لا يخفى.

و يؤيّده أيضا ظاهر قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).

و يؤيّده أيضا قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (2) الآية.

فإنّ ما كتب على الناس هو فعل الموصى مجرّدا لا مع قبول الموصى له، و الّا فهو مختار في القبول و عدمه في بعض الصور، و كذا قوله (حين الوصيّة اثنان) و معلوم انّه حين إيصاء الموصى يلزم حضور شاهدين عدلين لا حين القبول كما لا يخفى على من تدبّر حقّ التدبّر، هذا.

مضافا الى انّ المناط في كون شي‌ء عقدا هو انّ الإضافة المتحقّقة بإيجاب الموجب ان كانت في تحقّقها محتاجة إلى التصرّف في سلطنة الغير كالملكيّة، حيث انّها توجب بتمليك و تملك بعوض، فهو عقد و الّا فهو‌

____________

(1) البقرة/ 180- 181.

(2) المائدة/ 106.

10

إيقاع و حصول الوصيّة ليست مفتقرة في تحقّقها الى التصرّف في سلطان الغير، نعم حصول الملكيّة يحتاج الى القبول و هو غير تحقّق أصل الوصيّة كما لا يخفى.

و مضافا الى انّ من المعلوم اتّحاد مفهوم الوصيّة في جميع الموارد مع عدم احتياج بعض أقسامها إليه قطعا كالوصيّة المتعلّقة بتجهيزاته، و الوصيّة للجهات العامّة كالمساجد و الربط و غيرها.

[مسائل]

(مسئلة- 1-) [هل يعتبر القبول في صيرورة الموصى به ملكا للموصي]

بناء على ما ثبت من عدم احتياج الوصيّة إلى القبول، هل تحتاج إليه في كون الموصى به ملكا للموصى له في الوصيّة التمليكيّة أم لا، بل يكون ملكا له قهرا عليه؟ وجهان من ان ظاهر قوله تعالى (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (1) عدم الاحتياج حيث رتب أحكامها أعني حرمة التبديل على مجرّد الوصيّة للوالدين و الأقربين فيستكشف به صيرورته ملكا له من غير احتياج إلى شي‌ء، (و من) منافاته لتسلّط الناس على أموالهم و أنفسهم، الّذي هو حكم عقليّ جار في جميع الأمور إلّا ما خرج بالدليل فيحتاج إلى دخالة ما من الموصى له، و هذا أقرب.

و حينئذ، فهل يكفى عدم ردّه في ثبوت الملكيّة للموصى له كما نسب الى الشيخ الطوسي و العلّامة و أحد الأقوال الثلاثة للشافعيّة فلو ردّ مثلا يرجع الى ورثة الموصي حين الرد أم يحتاج الى الرضا؟ وجهان، ظاهر الآية الشريفة المذكورة هو الأول، لكن الثاني أقرب لعين ما ذكرنا على القبول بعدم احتياجه إلى شي‌ء، و هو منافاته التسلّط.

و حينئذ فهل يحتاج إلى إنشاء القبول أم يكفي الرضا الباطني؟

____________

(1) البقرة/ 181.

11

الظاهر هو الثاني، و على التقدير الثاني هل يكون الرضا المنكشف بنحو الشرطيّة أو الجزئيّة (و بعبارة أخرى) هل يكون بنحو الكشف ليكون شرطا أو بنحو النقل ليكون جزء؟ وجهان.

و يمكن أن يستكشف من حكمهم لزوم إرضاء الموصى له لو أتلف شخص العين الموصى بها بين الموت و القبول، و من الحكم بكون الثمار الحاصلة من الشجرة بين الموت و القبول له أيضا كونه شرطا.

ثم لو قبل الموصى له لا يكون ما أوجده بقبوله جزء لما أوجده الموصى بإيصائه، بل يكون قبوله موجدا للملكيّة الفعليّة له و إيصائه موجدا لحقّ التملّك له كما لا يخفى.

(مسئلة- 2-) [لا يؤثر القبول و لا الرد حال حياة الموصي]

يعرف ممّا بيّنا لك من معنى القبول، عدم كون القبول حال حياة الموصي مجديا، لأنه امّا لأجل تأثيره في تحقّق الوصيّة و قد بيّنا توضيح فساده، و امّا لأجل تأثيره في كونه ملكا و المفروض انّه متوقّف على الموت، مضافا الى ان ما أوجده إيصائه، هو كون المال صالحا، لأن يملك بعد الموت بسبب القبول، فلو قبل قبل الموت لكان منافيا لمقتضى الإيصاء و القبول.

و من هنا يعلم عدم تأثير ردّه حال حياة الموصي، لأنّ الّذي كان عبارة عن حالة نفسانيّة باق في نفس الموصى فلا يؤثر ردّه في رفعها، بل لو ردّه و مات حال حياة الموصي انتقل الحقّ إلى الورثة بمقتضى إطلاق الرواية المتقدّمة، المستفاد من ذيلها حيث قال: قال (عليه السلام): من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفّي الموصى له قبل الموصى فالوصيّة لوارث الّذي أوصى له الّا أن يرجع في وصيّته قبل موته (1).

____________

(1) الوسائل باب 30 ذيل حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 409.

12

(ان قلت): لو كان القبول أو الرد حال الحياة غير مفيد، لما أثر اجازة الورثة بالنسبة الى ما زاد على الثلث كما ذهب اليه الشيخ (ره) و تبعه المتأخّرون، بيان الملازمة انّ الإجازة من الورثة بمنزلة القبول من الموصى له في كونها دخيلا في تحقّق الوصيّة فإذا لم تجز الورثة لم تكن نافذا بالنسبة الى ما زاد من الثلث، فكما انّ الإجازة مؤثرة فليكن القبول أو الردّ أيضا كذلك.

(قلت): بالفرق بين المقامين، فإنّ إجازتهم الزيادة موجبة لتحقّق موضوع الوصيّة بحيث لو لم يجيزوا لم يتحقّق الوصيّة الّتي يترتّب عليها آثارها بخلاف قبول الموصى له، فإنّه لا دخل له في تحقّقها أصلا كما لا يخفى فحينئذ يرجع البحث الى ان الدليل الدالّ على نفوذ اجازة الورثة هل هو مختصّ بما بعد الموت أو يعمّ قبل الموت؟ و المسئلة مختلف فيها بين العامّة و الخاصّة، و تفصيل القول يأتي ان شاء اللّه تعالى، لكن نشير هنا مختصرا ليتّضح المقصود، فنقول:

ذهب جماعة من العامّة الى عدم نفوذ الإجازة حال الحياة مستدلّين بعدم كون الثلث لهم حينئذ، و آخرون منهم الى نفوذها مستندين الى انّ إنفاذها ليس باعتبار الملكيّة لهم، بل باعتبار أنها تتمّة لموضوع الوصيّة.

و ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) و من تبعه الى النفوذ مستدلّا برواية منصور بن حازم، قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أوصى بوصيّة أكثر من الثلث و ورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال:

جائز (1).

____________

(1) الوسائل باب 13 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 372.

13

و رواية محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أوصى بوصيّة و ورثته شهود فأجازوا ذلك فلمّا مات الرجل نقضوا الوصيّة، هل لهم أن يردّوا ما أقروا به؟ فقال: ليس لهم ذلك و الوصيّة جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياتهم (1).

(مسئلة- 3-) [حكم ما لو أوصى بعين لشخص و لمنفعتها لآخر]

لو أوصى بعين لشخص و لمنفعتها إلى مدّة لآخر فقبل الأوّل دون الثاني، فهل ترجع إلى الورثة باعتبار أنّ المانع من كونها موروثة وصيّة الموصى، فإذا ردّها يرجع الى مقتضى قاعدة الإرث، أو ترجع الى الموصى له العين لأنّ المنفعة تابعة للعين و المانع عن تابعيّتها قد ارتفع بردّه (و بعبارة أخرى) قد ذكرنا آنفا انّ الملكيّة الفعليّة مسبّبة عن القبول، و الإيصاء يوجب كون الموصى به صالحا لأن يملك، و مجرّد ردّه لا يوجب خروجه عن الصالحيّة المذكورة، فيمكن أن يقال حينئذ برجوعه الى الموصى له العين.

و لكن فيه انّ نفس تفكيك الموصى بين العين و المنفعة يوجب رفع اقتضاء التابعيّة، فإذا ردّه رجع الى الورثة (و بعبارة أخرى) تفكيك الموصى يوجب كونهما مالين مستقلّين في نظر العرف فأيّهما ردّ الوصيّة يرجع الى الميّت ثم إلى الورثة، فكما إذا ردّ صاحب العين ترجع إليهم، فكذا إذا ردّ صاحب المنفعة، و كيف كان ففي المسئلة وجهان.

هذا كلّه في أصل موضوع الوصيّة.

بقي الكلام في الإضافات الحاصلة بها

و هي أربعة‌

(الأوّل) في الموصى

، يشترط فيه أمور‌

(الأوّل) العقل،

____________

(1) الوسائل باب 13 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 371.

14

و هو شرط قطعا و لا يختصّ بها، بل هو معتبر في جميع العقود و الإيقاعات.

(الثاني) [و الثالث و الرابع عدم الإغماء و عدم الحجر و البلوغ]

عدم الإغماء (الثالث) عدم الحجر (الرابع) البلوغ، و الاختلاف واقع في غير الأولين سيّما الأخير حيث ذهب جماعة من المتقدّمين الى عدم اشتراط البلوغ، كالصدوق، و المفيد، و الشيخ، و أبى الصلاح، و من تبعهم استنادا الى روايات.

(منها) رواية زرارة، عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: إذا أتى على الغلام عشر سنين، فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدّق أو أوصى على حدّ معروف و حقّ فهو جائز (1).

(و منها) رواية عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته (2).

(و منها) رواية أبي بصير يعني المرادي- على (3) ما في الوسائل- عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيّته، و إذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حقّ جازت وصيّته (4).

(و منها) رواية عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إذا بلغ الصبيّ خمسة أشبار أكلت ذبيحته، و إذا بلغ عشر سنين جازت وصيّته (5).

____________

(1) الوسائل باب 44 حديث 4 من كتاب الوصايا ج 13 ص 429.

(2) المصدر حديث 3 منه.

(3) هذه الجملة منّى لا من الأستاذ.

(4) المصدر حديث 2 منه ص 428.

(5) المصدر حديث 5 منه ص 429.

15

(و منها) رواية أبي بصير و أبى أيّوب، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصى؟ قال (عليه السلام): إذا أصاب موضع الوصيّة جازت (1)، و غيرها من الأخبار.

فالمستفاد منها انّ الصبيّ البالغ عشر سنين تنفذ وصيّته إذا كانت بحقّ معروف و في موضعها، بأن لم تكن سفهيّة فيختصّ بها عموم الآية الشريفة وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ (2) الآية.

و توهّم أنّ الآية لا عموم فيها كي تخصّص فوصيّة الصبي غير داخلة فيها من الأوّل فتخرج تخصّصا (مدفوع) بأنّه من المعلوم انّه ليس المراد صرف التصرّفات الراجعة إلى الأكل و الشرب، بل كلّ ما هو مناف لحفظ المال فتخصّص بالروايات، مع انّ هذا التخصيص ليس ببعيد بالنسبة إلى مضمون الآية الشريفة، لأنّها ناظرة إلى لزوم حفظ مال اليتيم و وصيّة الصبيّ ليست مخالفة للحفظ لأنها راجعة الى ما بعد الموت.

ثم لا يخفى انّ المخصّص عامّ للسفيه أيضا إذا وضع الوصيّة في موضعها، فوصيّة السفيه الغير البالغ جائزة بحكم الروايات، فكذا السفيه البالغ لعدم الدليل على خروجه بعد بلوغه بعد إطلاق الروايات، و أمّا المفلس فلا مانع من صحّة وصيّته، غاية الأمر انّ إنفاذها موقوف على عدم بقاء حقّ للغرماء.

و من الشرائط الّتي ذكروها الحريّة عند الوصيّة،

و ينبغي أنّ نصوّر الصور الّتي يمكن‌

____________

(1) الوسائل باب 44 حديث 6 من كتاب الوصايا ج 13 ص 429.

(2) النساء/ 6.

16

أن يقع وصيّة العبد عليها فنقول: وصيّة العبد امّا أن تكون بالمال الشخصي، و امّا أن تكون ثبتت ماله و كلّ واحد منهما امّا مقرون باذن السيّد و إجازته، أو لا، ثم امّا أن يبقى رقّا الى حين الموت أو يصير رقّا.

و القدر المسلّم من عدم نفوذ وصيّته هو ما إذا أوصى بعين شخصيّة أو ثلث أمواله مع عدم اذن السيّد أو إجازته باقيا على رقّيته الى حين الموت، سواء قلنا بملكيّة أم لا.

و أما إذا أوصى و قلنا بعدم ملكيّة، فعن الجواهر عدم لزوم إنفاذ الوصيّة حتّى لو أجازه السيّد أيضا، لأنّ غاية ما يفيد الإجازة، هي انّ المولى أجاز كون شي‌ء من أمواله مثلا لزيد بعد موت عبده، و هو لا يكون وصيّة لأنها عبارة عن كون شي‌ء ملكا للموصى له بعد موت نفسه لا بعد موت غيره.

و أما إذا قلنا بملكيّة كما هو ظاهر بعض الروايات حيث أضاف المال الى العبد حيث قال: فإنّه و ماله لمولاه إلخ (1) و أجاز السيّد جازت وصيّته و نفذت، سواء مات على رقّيته أو عتق ثم مات، و أما لو عتق بعد الوصيّة و قبل الإجازة، فهل هي نافذة أم لا؟ وجهان (من) انّه حال الوصيّة لم يكن قابلا لها و المفروض عدم اجازة المولى (و من) انّ الوصيّة معنى قائم في نفس الموصي إلى حين الموت و المفروض عتقه قبل الموت و ليس مسلوب العبارة مطلقا كالمجنون و المغمى عليه بحيث لم يترتّب عليه أثر، و لذا كان تصرّفاته كالاستدانة و التجارة و سائر المعاملات منسوبة أولا إليه ثمّ إليه، غاية الأمر حيث كان سلطنة المولى على ماله و نفسه، استلزم ذلك تقدّم سلطنة العبد في صورة المخالفة ما دام لم يعتق إذ لم‌

____________

(1) راجع الوسائل باب 78 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 466.

17

يصر حرّا قبل الموت و الّا فيكون مستقلّا في إرادته، فالأقرب القول بالنفوذ.

[عدم اشتراط الإسلام]

ثم لا يخفى عدم اشتراط الإسلام بمقتضى الروايات الواردة كمكاتبة أحمد بن هلال الى أبى الحسن (عليه السلام) يسئله عن يهودي مات و أوصى لديانهم فكتب (عليه السلام): أوصله الي و عرفني لأنفذه فيما ينبغي ان شاء اللّه (1).

و مكاتبة علىّ بن هلال الى أبى الحسن علىّ بن محمد (عليهما السلام): يهودي مات و أوصى لديّانه بشي‌ء أقدر على أخذه هل يجوز أن آخذه فأدفعه الى مواليك أو أنفذه فيما أوصى به لليهود؟ فكتب (عليه السلام): أوصله الىّ و عرفنيه لأنفذه فيما ينبغي ان شاء اللّه (2).

نعم لو أوصى للبيع و الكنائس أو ترويج الكتب الضالّة كالتوراة و الإنجيل و نحوهما لم تنفذ وصيّته كما لا يصحّ ذلك لو كان الموصى مسلما أيضا.

[حكم ما لو أكل شيئا فيه هلاكه ثم أوصى]

(مسئلة- 4-) من متفرّدات الإماميّة أنه من أكل شيئا فيه هلاكه عمدا بقصد الهلاك لم تصحّ وصيّته لو مات بذلك: لما رواه الشيخ (ره) بإسناده، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من قتل نفسه متعمّدا فهو في نار جهنّم خالدا فيها، قيل له: أ رأيت ان كان أوصى بوصيّة ثم قتل نفسه من ساعته تنفذ وصيّته؟ قال: فقال: ان كان أوصى قبل أن يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو قتل أجيزت وصيّته في ثلثه، و ان كان أوصى بوصيّة‌

____________

(1) الوسائل باب 35 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 416.

(2) المصدر حديث 3 منه.

18

بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعلّه يموت لم تجز وصيّته (1).

و خالف في ذلك ابن إدريس (ره) بناء على أصله من عدم العمل بخبر الواحد.

[اشتراط عدم كون الموصي مكرها]

و من الشرائط أن لا يكون مكرها.

(الثاني) في الموصى به،

و قد ذكرنا انّه تارة يكون عملا و اخرى غيره، امّا الأول فامّا أن يتعلّق ببدن الميّت كتجهيزاته أو يتعلّق بماله أو يتعلّق بعمل الغير‌

فهنا مسائل:

الاولى: لو أوصى بتجهيزاته على نحو مخصوص

كما إذا أوصى مثلا أن يغسله أو يكفّنه أو يصلّى عليه شخص خاصّ أو يدفن في مكان مخصوص، فهل يجب العمل بهذه الوصيّة أم لا؟ الظاهر انّه لا دليل على وجوبه الّا ما دلّ على حرمة تبديل الوصية بعمومه المستفاد من قوله تعالى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ (2) الآية بضميمة إلغاء الخصوصيّة في المورد الّذي هو الوصيّة بالخبر المفسّر بالمال استنادا الى فهم العرف، نعم لا إشكال في استحباب ذلك نظرا الى انّ هذا مقتضى كون المؤمنين اخوة.

(الثانية) على تقدير القبول فهل للوصي أن يزاحم أولويّة أهل الميراث بذلك أم لا؟

(و بعبارة أخرى) هل يخصّص أدلّة أولويّة أهل الميراث الدالّة على انهم اولى بتجهيزاته؟

و ذلك مثل رواية غياث بن إبراهيم الرزّامي، عن جعفر، عن أبيه،

____________

(1) الوسائل باب 52 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 441 نقله عن الكليني و الصدوق.

(2) البقرة/ 181.

19

عن علىّ (عليهم السلام) انّه قال: يغسل الميّت أولى الناس به (1).

و مرسلة الصدوق (ره) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يغسل الميّت أولى الناس به؟ أو من يأمره الوليّ بذلك (2).

و مرسلة ابن أبي عمير، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: يصلّى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحبّ (3)، و مثله مرسلة أحمد بن محمد بن أبى نصر عنه (عليه السلام) (4).

و رواية طلحة بن زيد، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إذا حضر الإمام الجنازة فهو أحقّ الناس بالصلاة عليها (5).

و رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا حضر سلطان من سلطان اللّه فهو أحقّ بالصلاة عليها ان قدمه وليّ الميّت، و الّا فهو غاصب (6).

و رواية ثعلبة بن ميمون، عن زرارة انّه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القبر كم يدخله؟ قال: ذاك إلى الولي ان شاء أدخل وترا و ان شاء شفعا (7).

و الأولى أن يقال: حيث لا معارضة بين أدلّة العمل بالوصيّة و بين هذه الأدلّة فالأرجح الاستئذان منهم فحينئذ يلزمون بمعنى انّه يجب عليهم الاذن بعد الاستيذان جمعا بين الدليلين، نعم لو لم يأذن فهل له الاستقلال في العمل أم لا؟ فيه تأمّل لم نجد دليلا عليه.

(ان قلت): تكفى الأدلّة الدالّة على عدم جواز الرد بعد الموت أو قبله‌

____________

(1) الوسائل باب 26 حديث 1 من أبواب غسل الميت ج 2 ص 718

(2) الوسائل باب 26 حديث 2 من أبواب غسل الميت ج 2 ص 718

(3) الوسائل باب 23 حديث 1 من أبواب الصلاة على الميّت ج 2 ص 801.

(4) الوسائل باب 23 حديث 2 من أبواب الصلاة على الميّت ج 2 ص 801.

(5) الوسائل باب 23 حديث 3 من أبواب الصلاة على الميّت ج 2 ص 801.

(6) الوسائل باب 23 حديث 4 من أبواب الصلاة على الميّت ج 2 ص 801.

(7) الوسائل باب 24 حديث 1 من أبواب الدفن، ج 2 ص 850.

20

و لكن لم يصل الى الموصى الخبر على ما هو المتراءى من كلمات الأصحاب أو وصل اليه الخبر، و لكن لم يقدر الموصى على تعيين وصيّ آخر، كما عن المسالك و الرياض، مثل رواية ربعي بن عبد اللّه، عن محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: ان أوصى رجل الى رجل و هو غائب فليس له أن يردّ وصيّته، و ان أوصى اليه و هو بالبلد فهو بالخيار ان شاء قبل و ان شاء لم يقبل (1).

و روايته عن الفضيل بن يسار، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يوصى اليه؟ قال: إذا بعث بها اليه من بلد فليس له ردّها و ان كان في مصر يوجد فيه غيره فذاك اليه (2).

و رواية سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إذا أوصى الرجل إلى أخيه و هو غائب فليس له أن يردّ عليه وصيّته، لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره (3).

و رواية ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يوصى الى رجل بوصيّته فيكره أن يقبلها، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا يخذله على هذه الحالة (4).

فهذه الروايات بإطلاقها تدلّ على لزوم العمل بكلّ ما أوصى إلّا ما خرج بالدليل.

(قلت): نعم هذه الروايات تدلّ على وجوب القبول في الموارد المذكورة ان حملنا قوله (عليه السلام): (ليس له أن يردّ عليه وصيّته) على الحكم الوضعي بمعنى انّه في تلك الموارد يصير وصيّا، سواء قبل ذلك أم‌

____________

(1) الوسائل باب 23 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 398- 399.

(2) الوسائل باب 23 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 398- 399.

(3) الوسائل باب 23 حديث 3 من كتاب الوصايا ج 13 ص 398- 399.

(4) الوسائل باب 23 حديث 4 من كتاب الوصايا ج 13 ص 398- 399.

21

لم يقبل كما هو ظاهر ذيل بعض تلك الروايات و هو قوله (عليه السلام):

(و ان أوصى اليه و هو في البلد فذاك اليه ان شاء قبل و ان شاء لم يقبل).

لكنّها واردة في مقام لزوم أصل الوصيّة و عدم لزومها، و ساكتة من حيث سائر الموارد اللّهمّ الّا أن يقال: أنّها تشمل الأمور المتعارفة و حينئذ يدخل التجهيزات أيضا ان كان متعارفا كالأمور المذكورة.

و امّا مثل أن يوصى بأن يقرأ شخص القرآن في كلّ يوم كذا سورة أو كذا آية مثلا، فشمولها لمثله مشكل.

و كيف كان فمن استظهر من هذه الروايات تعميم الحكم لكلّ وصيّة فله أن يفتي بذلك الّا ما خرج بالدليل، و من لم يستظهر ذلك يتوقّف في الموارد المشكوكة و المتيقّن ما ذكرناه، فتأمّل.

ثم لا يخفى انّ تفصيل القوم بين الموت و غيره استنادا الى هذه الروايات الّتي لم يذكر فيها الموت، لا يستقيم إلّا بإلغاء الخصوصيّة أو بالفحوى بأن يقال: مثلا لو كانت الوصيّة ثابتة على الغائب مع كون الموصى حيّا فعند موته أولى، أو يقال: انّ المناط عدم إمكان تعيين الموصى وصيّا آخر سواء كان بموت الموصى أو بغيبة الوصي مع عدم وصول الرد اليه، أو وصل اليه و لم يمكن له تجديد الوصيّة و تعيين وصيّ آخر، كما ربّما يشعر قوله (عليه السلام) غيره (1)، و قوله في رواية الفضيل: و ان كان في مصر يوجد فيه غيره و قوله (عليه السلام) في رواية المنصور: (لأنّه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره) (2) فتدبّر جيّدا.

(الثالثة) لو أوصى بكون ماله مضاربة بينه و بين صغاره من الورثة، فهل يلزم على الموصى إليه القبول أم لا؟

لا دليل عليه الّا إطلاق الروايات‌

____________

(1) الوسائل باب 23 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 398.

(2) الوسائل باب 23 حديث 3 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 398.

22

السابقة، نعم ان قبل و ضارب و تلف المال من غير تفريط لم يضمن.

كما يدلّ عليه رواية عبد الرحمن بن الحجّاج عن خالد: (ابن بكير خ ل- الوسائل) الطويل، قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بنيّ اقبض مال إخوتك الصغار و اعمل به و خذ نصف الربح و أعطهم النصف و ليس عليك ضمان فقد مسّتنى أمّ ولد أبى بعد وفاة أبي الى ابن أبى ليلى، فقالت: ان هذا يأكل أموال ولدي قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبى، فقال ابن أبى ليلى: ان كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثمّ اشهد على ابن أبى ليلى ان أنا حركته فأناله ضامن فدخلت على أبى عبد اللّه (عليه السلام) فقصصت عليه قصّتي ثم قلت له: ما ترى فقال (عليه السلام): امّا قول ابن أبى ليلى فلا أستطع ردّه و امّا فيما بينك و بين اللّه عزّ و جل فليس عليك ضمان (1).

يشترط في الموصى به أمور

(الأول) سلطنة الموصى عليه امّا بالملك أو المنفعة أو الحق،

كحق التحجير و لا يشترط وجوده الفعلي، بل يصحّ الوصيّة بما سيوجد إذا كان له مولد (و بعبارة أخرى) إذا كان له أصل كالوصيّة بحمل الدابّة و الثمرة مدّة معيّنة أو دائما.

و هل يحكم بنفوذها إذا لم يكن للموصى مال أصلا أيضا كالوصيّة بما سيملكه بالهبة أو بالإرث أو غيرهما من أسباب حصول الملك أم لا؟ الظاهر أنّه لا مانع لحكمهم من غير نكير بجواز الوصيّة بالثلث، و قالوا: انّ المناط‌

____________

(1) الوسائل باب 92 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 478.

23

في الثلث حين الموت لا حين الوصيّة مع انّه ربما لا يكون له عند الوصيّة مال أصلا، و مع ذا يحكمون بصحّتها و لزوم العمل بمقتضاها.

و لا يشترط المعلوميّة أيضا، فلو أوصى بصبرة مجهولة جاز، و لا المقدوريّة على التسليم، فلو أوصى بالدابّة الشاردة أو العبد الآبق جاز أيضا.

الثاني هل يعتبر التعيين أم لا؟

وجهان بل قولان بين العامّة و الخاصّة فلو أوصى بأحد العبدين أو الشيئين مثلا (فتارة) يوصى بإعطاء أحدهما، و حينئذ فلا مانع منها و التعيين بيد الوصي لا الموصى له، لأنّ الموصى له هو أحدهما و هو مستحقّ له فقط، و امّا خصوصيّة أحدهما فهو بيد الوصي.

(و اخرى) يوصى بكون أحدهما ملكا له بعد موته حكى عن العلّامة في التذكرة قولين (أحدهما) الصحّة، لأنّ الوصيّة تستلزم استحقاق الموصى له لما يوصى به، و المفروض انّه أوصى بذلك فيستحقّ ما أوصى له (و الثاني) العدم، لأنّ كلّ واحد من خصوصيّة أحدهما ليس بموصى به على الفرض، و الفرد المردّد ليس له وجود في الخارج، و الكلّي ليس ملحوظا حين الوصيّة فلا يمكن تعلّق حقّ الوصيّة بشي‌ء.

و أقرب الوجهين هو الأوّل، لما ذكرنا من استلزام الوصيّة استحقاق المطالبة من الوصي، غاية الأمر تعيينه بيده، و ليس التشخّص للخارجى شرطا في تحقّق الوصيّة.

(الشرط الثالث) أن لا يكون زائدا على الثلث،

فلو كان زائدا عليه يحتاج إلى اجازة الورثة فهنا مسائل ثلاث (الأولى) جواز الوصيّة بالثلث (الثانية) عدم نفوذ الزائد عليه (الثالثة) نفوذ اجازة الورثة في الزائد.

24

(أمّا الأولى) فيدلّ عليها روايات (منها) رواية شعيب بن يعقوب، عن أبى بصير، قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يموت ما له من ماله؟ فقال: ثلث ماله، و للمرأة أيضا (1).

(و منها) مرسلة مرازم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يعطى الشي‌ء ماله في مرضه؟ قال (عليه السلام): ان أبان به فهو جائز و ان أوصى به فهو من الثلث (2).

(و منها) رواية ابن أبى عمير، عن ابن سنان (3) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): للرجل عند موته ثلث ماله، و ان لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه (4).

و رواية علىّ بن يقطين، قال: سئلت أبا الحسن (عليه السلام): ما للرجل من ماله عند موته قال (عليه السلام): الثلث، و الثلث كثير (5).

(و منها) رواية عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث): من أعتق و عليه دين، قال: قلت له (عليه السلام):

أ ليس للرجل ثلاثة يصنع به ما شاء؟ قال (عليه السلام): بلى (6) و غيرها ممّا يجده المتتبّع.

(و أما الثانية) أعني عدم نفوذ الزائد على الثلث فلا خلاف بينهم الّا عن والد الصدوق فقال: بنفوذها في ماله كلّه استنادا إلى رواية عمّار الساباطي، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الرجل أحقّ بماله ما دام فيه‌

____________

(1) الوسائل باب 10 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362- 363.

(2) الوسائل باب 10 حديث 4 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362- 363.

(3) يعنى عبد اللّه- الوسائل.

(4) الوسائل باب 10 حديث 7 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362- 363.

(5) الوسائل باب 10 حديث 8 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362- 363.

(6) الوسائل باب 10 حديث 9 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362- 363.

25

الروح إذا أوصى به كلّه فهو جائز (1).

و هذه الرواية مضافا الى كونها شاذّة رواية و فتوى، معارضة برواية عمّار نفسه، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال (عليه السلام): الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الروح يبين به، فان قال: بعدي فليس له الّا الثلث (2).

و بمرسلة مرازم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يعطى الشي‌ء من ماله في مرضه؟ قال (عليه السلام): ان أبان به فهو جائز، و ان اوصى به فهو من الثلث (3).

مع أنّها قابلة للحمل على كونه مديونا قبل موته و كانت وصيّته لأداء الدين أو الإقرار بأن ماله ماله أو الوصيّة بهبة الورثة مالهم له، و ان كان في هذه المحامل كلّها نظر كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و كيف كان، يدلّ على فتوى المشهور من عدم نفوذ أكثر من الثلث، روايات (منها) ما رواه محمد بن قيس عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لئن أوصى بخمس مالي أحبّ الىّ من أوصى بالربع، و لئن أوصى بالربع أحبّ الىّ من (أن) أوصى بالثلث و من أوصى بالثلث فلم يترك و قد بالغ الحديث (4).

(و منها) ما رواه حماد بن عثمان، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال من أوصى بالثلث فقد ضرّ بالورثة و الوصيّة بالربع و الخمس أفضل من الوصيّة بالثلث، و من أوصى بالثلث فلم يترك (5).

____________

(1) الوسائل باب 11 حديث 19 من كتاب الوصايا ج 13 ص 370.

(2) الوسائل باب 11 حديث 12 من كتاب الوصايا ج 13 ص 370.

(3) الوسائل باب 10 حديث 4 من كتاب الوصايا ج 13 ص 362.

(4) الوسائل باب 9 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 360.

(5) الوسائل باب 9 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 360.

26

(و منها) ما رواه مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: لئن أوصى بالخمس أحبّ الىّ من أن أوصى بالثلث، و من أوصى بالثلث فلم يترك شيئا (1).

و هذه الروايات و ان أمكن أن يخدش فيها بأنها لا تدلّ على حرمة الوصيّة بالزائد عن الثلث باحتمال إرادة الكراهة منها الّا انّه خلاف الظاهر و لا سيّما بالنسبة إلى بعضها حيث انّه (عليه السلام) سئل عن كمّية ما أوصى الرجل فأجاب بالثلث.

(و بعبارة أخرى) قد يكون الخبر سؤالا و جوابا في مقام تحديد موضوع الوصيّة، مثل ما رواه سماعة، عن أبى بصير، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل، له الولد، يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت، قال: فإن أوصى به فليس له الّا الثلث (2) فإنّه في مقام بيان انّ ما زاد عليه لا يكون نافذا، بناء على ما تقدّم من لفظة (ليس له إلخ) حكم وضعيّ لا تكليفيّ و هذا واضح.

(و أما الثالثة) و هي انّ الورثة إن أجازوا في الزائد نفذت الوصيّة فيدلّ عليه روايات (منها) ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد ابن يحيى، عن أحمد بن محمد، قال: كتب أحمد بن إسحاق الى أبى الحسن (عليه السلام) ان درّة بنت مقاتل توفّيت و تركت ضيعة أشقاصا في مواضع و أوصت لسيّدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث و نحن أوصياؤها و أحببنا إنهاء ذلك الى سيّدنا، فإن أمرنا بإمضاء الوصيّة على وجهها أمضيناها، و ان أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما‌

____________

(1) الوسائل باب 9 حديث 3 من كتاب الوصايا ج 13 ص 361.

(2) الوسائل باب 10 حديث 6 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 363.

27

يأمر به إن شاء اللّه؟ قال: فكتب (عليه السلام) بخطّه: ليس يجب لها في تركتها الّا الثلث و ان تفضّلتم و كنتم أنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء اللّه (1) (و منها) ما رواه علىّ بن عقبة، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه الّا ثلثه و سائر ذلك، الورثة أحقّ بذلك، و لهم ما بقي (2).

(و منها) ما رواه حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أوصى بوصيّة و ورثته شهود فأجازوا ذلك، فلمّا مات الرجل نقضوا الوصيّة، هل لهم أن يردوا ما أقرّوا به؟ فقال: ليس لهم ذلك، و الوصيّة جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته (3).

بتقريب انّ قول الراوي: (فأجازوا ذلك) بضميمة سكوت الامام (عليه السلام) ما يدلّ على كون الوصيّة أزيد من الثلث، و الّا فالوصيّة بالثلث غير محتاجة إلى إجازتهم كما لا يخفى.

و يظهر هذا المعنى ممّا رواه منصور بن حازم، قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أوصى بوصيّة أكثر من الثلث و ورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: جائز (4).

____________

(1) الوسائل باب 11 حديث 1 من كتاب الوصايا، ص 364.

(2) الوسائل باب 11 حديث 4 من كتاب الوصايا، ص 365.

(3) الوسائل باب 13 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13

(4) الوسائل باب 13 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 371 و 372، و في الوسائل بعد نقل الثاني قال: قال ابن رباط: و هذا عندي على انّهم رضوا بذلك في حياته و أقرّوا به (انتهى) يعنى بابن رباط: علىّ بن الحسن بن رباط الراوي عن منصور بن حازم.

28

فرع لو أوصى بجميع ماله، فهل يحمل على انّ الميّت كان مديونا للموصى له أو كان ابتداء وصيّة للورثة

- بأن يهبوا مالهم للموصى له فيحكم حينئذ بنفوذها أم لا، بل يحكم ببطلانها بالنسبة إلى الزائد على الثلث مع عدم اجازة الورثة؟ وجهان.

ظاهر (1) الرياض- بقرينة حمله كلام والد الصدوق القائل بنفوذ الوصيّة بجميع المال- و كذا حمل ما عن الفقه الرضوي الآتي، على إمكان أن لا يريد الموصي الوصيّة، ذلك.

قال في الرياض- بعد نقل الفقه الرضوي: (فإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعله) و يلزم الوصي إنفاذ وصيّته على ما أوصى عليه- ما هذا لفظه: (و يحتمل عبارة المخالف كالرضوى لما يلتئم مع فتوى العلماء بأن يكون المراد به يجب على الوصيّ صرف المال الموصى به بجميعه على ما أوصى به من حيث وجوب العمل بالوصيّة و حرمة تبديلها بنصّ الكتاب و السنّة، و انّما جاز تغيّرها إذا علم انّ فيها جورا و لو بالوصيّة بزيادة عن الثلث، و هو بمجرّد احتماله غير كاف، فلعلّ الزيادة عنه وقعت الوصيّة بها من دون حيف أصلا كان وجبت عليه في ماله بأحد الأسباب الموجبة له و الموصى أعلم به، و هذا غير جواز الوصيّة بالزيادة تبرّعا، و حاصله انّه يجب على الوصي إنفاذ الوصيّة مطلقا و لو زادت عن الثلث لاحتمال وجوبها في ماله الّا أن يعلم بكون الوصيّة تبرّعا فلا يمضى منها الّا الثلث كما عليه العلماء، و هذا التوجيه ان لم نقل بكونه ظاهرا من عبارته فلا أقلّ من‌

____________

(1) هذا مبتدإ خبره قوله: ذلك.

29

تساوى احتماله لما فهموه منها فنسبتهم المخالفة إليه ليس في محلّه (انتهى كلامه رفع مقامه).

و لكن يرد عليه انّه خلاف اليد و خلاف الأصل، لأنّ الأصل عدم كون الموصى مديونا و الأصل عدم استحقاقه، و الأصل عدم وجوب ردّ تمام المال على الوصي، فيشكل حينئذ الحكم بلزوم العمل على الورثة بإعطاء جميع المال للموصى له، فتأمّل.

[مسائل]

(مسئلة- 1-) يقدّم الكفن على الدّيون، و هي على الوصيّة، و هي على الإرث،

و يدلّ عليه ما رواه محمد بن يعقوب (ره)، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: أول شي‌ء يبدأ به من المال، الكفن ثم الدين ثم الوصيّة ثم الميراث (1).

و ما رواه محمد بن قيس، عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): انّ الدين قبل الوصيّة ثم الوصيّة على أثر الدين ثم الميراث بعد الوصيّة، فإنّ أول (أولى خ ل) القضاء كتاب اللّه (2) و غيرهما من الروايات كرواية الفضل بن الحسن الطبرسي (ره) في مجمع البيان عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ): انّكم لتقرأون في هذه الوصيّة قبل الدين و ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) الوسائل باب 28 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 406.

(2) الوسائل باب 28 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 406.

و سنده هكذا: على بن إبراهيم، عن أبيه، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن أبى نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس.

30

قضى بالدين قبل الوصيّة (1).

ثم اعلم انّ التقديم انّما هو حقّ الميّت لا حقّ الغرماء في الدين، فحقّ الكفن أو الدين يخرج من الأصل.

ثم الضابط في كون شي‌ء دينا اعتباره في الأدلّة نحو اعتبار الدين و لو كان من فرائض اللّه عزّ و جل كالحج، فانّ اعتباره في لسان الآية اعتبار الدين، قال اللّه تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) و قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية (3) و قال عزّ و جل وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ (4)، هذا في الواجبات الماليّة.

و أما الواجبات البدنيّة، كالصلاة و الصوم و الحج المندوب، فهل هي من الأصل أو من الثلث؟ فيه خلاف.

و قد استدلّ على كونها من الأصول بوجوه (الأوّل) الإجماع المنقول و الشهرة المحقّقة (ثانيها) ما رواه الخثعميّة من أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله ايّاها بالحج عن أبيه، و قال لها: فدين اللّه أحقّ أن يقضى (5).

و رواية معاوية بن عمّار، قال: أوصت الىّ امرأة من أهل بيتي‌

____________

(1) الوسائل باب 28 حديث 5 من كتاب الوصايا ج 13 ص 407.

و الآية في النساء- 12.

(2) آل عمران/ 97.

(3) التوبة/ 60.

(4) الأنفال/ 41.

(5) المستدرك باب 18 حديث 3 من أبواب وجوب الحج ج 2 ط قديم ص 5 و ليس فيه: (أن يقضى).

31

بثلث (1) مالها و أمرت أن يعتق عنها و يحجّ و يتصدّق فلم يبلغ ذلك فسئلت أبا حنيفة فقال: يجعل ذلك أثلاثا، ثلثا في الحج، و ثلثا في العتق، و ثلثا في الصدقة، فدخلت على أبى عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له:

انّ امرأة من أهل بيتي ماتت و أوصت الىّ بثلث مالها و أمرت أن يعتق عنها و يحجّ و يتصدّق فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: ابدأ بالحج فإنّه فريضة من فرائض اللّه عزّ و جل، و اجعل ما بقي طائفة في العتق و طائفة في الصدقة فأخبرت أبا حنيفة قول أبى عبد اللّه (عليه السلام) فرجع عن قوله و قال بقول أبى عبد اللّه (عليه السلام) (2).

و بهذا المضمون عدّة روايات أخر و في بعضها: (ابدأ بالحجّ فإنّه مفروض) (3).

(الرابع) من أدلّة تقديم الواجبات البدنيّة من الأصل الاعتبار، و هو انّ كون الوارث وارثا للتركة لكونه كالميّت و قائما مقامه، فهو ما دام الاحتياج (يعنى احتياج الميّت) ممنوع من التصرّفات في التركة و المفروض انّ الواجبات البدنيّة ممّا يحتاج اليه الميّت، فبعد رفع الاحتياج ينتقل ما بقي من المال إلى الورثة فتأمّل، فكما يكون الواجب المالي مقدّما على‌

____________

(1) في بعض النسخ (بمالها) و ما نقلناه هو أصحّ النسختين على ما أفاده سيّدنا الأستاذ الأكبر (قده) استنادا إلى انّه هو الموجود في كتب المتقدّمين الّتي هي المناط في ترجيح النسخ.

(2) الوسائل باب 65 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 455.

(3) الوسائل باب 65 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 456، أقول:

و في بعضها: ان كان عليها حجّة مفروضة فأن ينفق ما أوصت به في الحج أحبّ الىّ من أن يقسم في غير ذلك، المصدر حديث 4.

32

الإرث فكذا الواجب البدني لاشتراكهما في كونهما ممّا يحتاج اليه الميّت.

هذا ملخّص و محصّل ما استدلّ به للقول بأنّها من الأصل.

(و فيه) انّ الإجماع المنقول المدّعى ممنوع فإنّه توهّم من عبارة الغنية، و هي هذه: قال في الغنية: و الواجب منها البداية بالإقرار على جهة الجملة بما أوجب اللّه (الى أن قال): ثم الوصيّة بقضاء ما عليه من حقّ واجب دين دينيّ أو دنيويّ و يخرج ذلك من أصل التركة ان أطلق و لم يقيّد بالثلث (الى أن قال):

و الوصيّة المستحبّة و المتبرّع فيها محسوبة من الثلث (الى أن قال): و من أوصى بوصايا من ثلاثة و عيّن فيها الحج و كان عليه حجّة الإسلام قدم الحجّة، لأنّ الحج واجب إلخ، ثم ادّعى الإجماع في أواخر عبارته، و لا يعلم انّ هذا الادّعاء هل يرجع الى جميع ما ذكره من أول أحكام الوصيّة أو يرجع الى الحكم الأخير منها.

مضافا الى انّه لم يعلم انّ المراد من قوله (ره): (دين دينيّ أو دنيويّ إلخ) مطلق الواجبات البدنيّة و الماليّة أم خصوص الماليّة، فيحتمل أن يكون قوله (ره): (دينيّ) إشارة إلى الحجّ و الزكاة و الخمس الّتي أمر بها الشارع، و مع ذلك هي دين على المكلّفين كما مرّ من انّ اعتبارها في أدلّتها على نحو الدينيّة.

و امّا رواية الخثعميّة و نحوها ممّا أطلق فيه الدين و انّه بقول مطلق مقدم على الوصيّة و الإرث، فيمكن أن يقال: أن سؤال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) منها بأنك هل تقضى عن أبيك ما يكون دينا عليه، مشعر بأنّ الحج ليس دينا حقيقيّا فاحتيج الى التنظير بالدين و الّا فلا وجه لتفريعه (عليه السلام) لزوم الحج من الأصل بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): (فدين اللّه أحقّ أن يقضى) كما لا يخفى على المتأمّل.

33

و يؤيّد عدم كون الحج دينا حقيقيّا قوله (عليه السلام) في بعض الأخبار: (انّ الحجّ بمنزلة الدين) (1) سلمنا كونه دينا، لكن لا يلزم منه أن يكون مطلق الواجبات كذلك.

و امّا رواية معاوية بن عمّار، فموردها الثلث أوّلا، و الوصيّة بالحجّ ثانيا (2) و الكلام انّما هو في تقديم الواجب بما هو واجب لا بما هو وصيّة، و التعليل انّما يفيد لعدم كون الغير الواجب مقدّما على الواجب فيما إذا أوصى بأمور متعدّدة كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى (3).

(مسئلة- 2-) قد تقدّم أنّ التقدّم في بعض الأمور حقّ للميّت، و امّا الإجازة، فهل هي تنفيذ للوصيّة أو انّها هبة ابتدائيّة من الورثة

كما ذهب إليه جماعة من العامّة و يتفرّع عليها- على ما نقل عن العلّامة- انّ الوارث ان كان محجورا و لو من الحاكم لم يكن له الإجازة على الثاني دون الأول.

و فيه انه قد مرّ انّ تحقّق الوصيّة في الفرض يحتاج إلى أمرين (أحدهما) إنشاء الموصى (ثانيهما) اجازة الوارث فحينئذ يكون للوارث سلطان على هذا المال، و المفروض انّ الحاكم قد حجره بالنسبة إلى إعمال السلطنة في هذا المال، فيمكن أن يقال: انّ أدلّة الحجر تعمّ ذلك فلا يجوز له الإجازة مطلقا حتّى على القول بأنها تنفيذ، و كيف كان ففي هذا الفرع مطلقا وجهان.

____________

(1) راجع باب 29 حديث 1 من أبواب وجوب الحج ج 8 ص 52 و فيه:

(انّما هو- يعنى الحج- مثل دين عليه).

(2) و التعبير بأنّ الحج أحبّ الىّ إلخ الدال على عدم تعيّن الحج أيضا كما تقدّم في بعض الأخبار ثالثا.

(3) في المسئلة التالية اللاحقة.

34

(مسئلة- 3-) لو أوصى بأمور متعدّدة

(فامّا) أن يكون كلّها واجبة (أو) يكون كلّها مندوبة (أو) يكون بعضها واجبا و بعضها مندوبا.

فان كانت واجبة (فامّا) أن يكون واجبات ماليّة أو بدنيّة أو مختلفة، فإن كانت ماليّة تخرج من الأصل، و ان كانت بدنيّة تخرج من الثلث على الأقوى، كما مرّ بيانه، و ان كانت مختلفة، فالماليّة من الأصل، و البدنيّة من الثلث.

و ان كانت مندوبة يقدم ما ذكره أوّلا ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع و هكذا، حتّى يتمّ الثلث و النقص وارد على الأخير.

يدلّ عليه ما رواه الصدوق (ره) بإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن حمران، عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى عند موته، و قال: أعتق فلانا و فلانا و فلانا حتّى ذكر خمسة فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلاثة أثمان قيمة المماليك الخمسة الّذين أمر بعتقهم، قال: ينظر الى الّذين سمّاهم و بدء بعتقهم فيقومون و ينظر الى ثلاثة فيعتق منه أوّل شي‌ء ذكر ثم الثاني و الثالث ثم الرابع ثم الخامس، فان عجز الثلث كان في الّذين سمّى أخيرا لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك (1).

و ان كان بعضها واجبا و بعضها مندوبا يخرج الواجب من الأصل ان كان ماليّا، و المندوب من الثلث.

و لو كان الواجب بدنيّا ففي تقديم الواجب و لو كان متأخّرا في الوصيّة‌

____________

(1) الوسائل باب 66 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 457، و رواه الكليني (ره) أيضا بسندين، و كذا الشيخ بسندين كلّ واحد منهما ينتهي الى ابن محبوب فهو خبر مصحّح.

35

أو يقدم ما بدأ في الموصى فيها و لو كان مندوبا؟ وجهان ينشئان (من) قوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن عمّار: ابدأ بالحج فإنّه فريضة من فرائض اللّه (1) و هو ظاهر في انّ الواجب بما هو واجب مقدّم على غيره مطلقا، و تقييد بالواجب المالي خلاف ظاهر التعليل (و من) ظاهر قوله (عليه السلام) في هذه الرواية، لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك، فإنّه ظاهر في انّ الواجب إذا كان متأخّرا بحيث لا يكفيه الثلث لا يكون مشمولا لأدلّة وجوب العمل بالوصيّة فلا تكون نافذة.

لكن تقديم الواجب هو المتعيّن، لأنّه هو المشهور كما نقل عن الشيخ (ره) في المبسوط و ابن إدريس في السرائر، و العلّامة في القواعد، و التحرير، و الإرشاد، و المحقّق في الشرائع و النافع، نعم نقل عن الشيخ (ره) في النهاية، و المفيد (ره) في المقنعة، و الصدوق (ره) في المقنع أنّهم عبّروا عن هذه المسئلة بمورد رواية معاوية بن عمّار، و المسئلة تحتاج الى استقراء تامّ فتأمّل جيّدا.

(مسئلة- 4-) في انّ منجزات المريض هل هي من الثلث أو من الأصل قولان،

لا بدّ أوّلا من بيان محلّ النزاع ثمّ ذكر أدلّة الطرفين و اختيار أحدهما ثانيا، فنقول:

(بعون اللّه الملك العلّام): مقتضى الأصل في التصرّفات الراجعة الى ما بعد الموت عدم النفوذ مطلقا الّا ما خرج لانتقال التركة إلى الورثة بمجرّد زهوق الروح فلا يجوز تصرّف شخص في ملك آخر الّا بالدليل، فلذا عبّر في بعض الأخبار بالتصدّق حتّى بالنسبة إلى الثلث في قوله صلّى اللّه‌

____________

(1) الوسائل باب 65 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 455.

36

عليه و آله: انّ اللّه تصدّق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم- الخبر (1).

كما انّ مقتضى الأصل في التصرّفات قبل الموت، النفوذ، لأنّه تصرّف من أهله في محلّه فيمضي على القاعدة ما لم يقم دليل على عدم النفوذ نعم لو قيل: بأنّ الإنسان يحدث لورثته في مرضه حقّ بالنسبة الى هذا المال مانع عن التصرّف و هذا الحق يوجب حجب المالك عن التصرّف يمكن أن يقال بعدم نفوذ تصرّفاته الّا من الثلث.

إذا عرفت هذا فنقول: لا إشكال في نفوذ تصرّفاته من ثلاثة بالنسبة الى ما بعد الموت، كما لا إشكال في جوازها أيضا من الأصل بالنسبة إلى التصرّفات الّتي لا يعقل أن تكون نافذة تارة و غير نافذة اخرى كالأكل و التداوي و أمثال ذلك، و لا إشكال أيضا في التصرّفات الّتي لها ما بحذاء في الخارج كالبيع بثمن المثل و الإجارة بأجرة المثل و الصلح بمثل مال المصالحة و نحو ذاك، و لا إشكال أيضا فيما إذا تصرّف بالهبة و الوقف و المحاباة مثلا في مرضه ثم بري‌ء منه، و انّ أمثال هذه التصرفات نافذة أيضا عوضها دون مثلها كالوقف و الهبة و البيع المحاباتي بالنسبة إلى المقدار الزائد مثلا، و لم يبرأ منه حتّى اتّصل موته به، نعم قد نقل عن العلّامة في التذكرة قولان بالنسبة إلى أصل المرض في انّه هل يكون مطلق المرض المتّصل بالموت، أو المرض المخوف المتّصل به؟ حكى عن الشافعي، التصريح بأنّ المراد، الثاني و اختار العلّامة في التذكرة الأول.

[أقوال العامة في المنجزات و أدلتهم]

و كيف كان ففي أصل المسئلة خلاف بين العامّة و الخاصّة فذهب‌

____________

(1) المستدرك باب 9 حديث 4 من كتاب الوصايا، نقلا من درر اللآلى عن معاذ بن جبل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انّ اللّه تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، ج 2 طبع قديم ص 519.

37

العامّة كلّهم- الّا عن المسروق و هو ممن لا يعبأون بخلافه- الى أنّ منجّزات المريض بالمعنى الّذي ذكرناه من الثلث ففي الخلاف بعد الحكم بأنه إذا لم يكن منجزا فمن الثلث قال: و ان كان منجزا مثل العتاق و الهبة و المحاباة فلأصحابنا فيه روايتان (إحديهما) انّه يصحّ، و الأخرى انّه لا يصحّ و به قال الشافعي و جميع الفقهاء (1) و لم يذكروا فيه خلافا دليلنا على الأول، الأخبار المرويّة من طرق أصحابنا ذكرناها في كتابنا الكبير (2) (انتهى).

و في الرياض- نقلا من السرائر- العتق في المرض المخوف يعتبر عند بعض أصحابنا في الأصل، و عند الباقين، في الثلث، و هو مذهب المخالفين (انتهى موضع الحاجة من كلامه (ره).

و استدلّوا عليه بما في سنن أبى داود و الشافعي في كتابه الأم بما رواه أبو قلابة عن أبى المهلب، عن عمران بن حصين، ان رجلا أعتق ستّة أعبد عند موته و لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدعاهم فجزّءهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين و أرقّ أربعة (3).

____________

(1) يعني بهم فقهاء العامّة.

(2) الخلاف ج 2 ص 38 من الطبع الحجري، و مراده من الأول انّه إذا لم يكن منجزا فلا تغفل، و مراده بالكتاب الكبير، التهذيب و هو أحد الكتب الأربعة و ليس فيه استثناء المسروق من العامّة، و لعلّ الوجه ما أشار إليه سيّدنا الأستاذ (قده) من عدم الاعتناء بخلافه، و اللّه العالم.

(3) سنن أبى داود ج 4 باب فيمن أعتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث تحت رقم 3961 طبع مصر و الامّ: ج 4 ص 119.

38

و هذه الرواية و ان كانت واحدة لكنّهم رووها بطرق متعدّدة، و في بعضها بعد قوله: و أرقّ أربعة: و قال له قولا شديدا (1)، و في بعضها و قال- يعني النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لو شهدته قبل ان يدفن، لم يدفن في مقابر المسلمين (2)، و يمكن أن يراد بقوله: (و قال له قولا شديدا) ما في النقل الأخير.

و كيف كان يدلّ الرواية بظاهرها على أنّ المنجّز، يخرج من الثلث بعد إلغاء خصوصيّة المورد و هو العتق فلا فرق بينه و بين غيره كالهبة أو المحاباة و هو المطلوب.

و فيه مواقع للنظر كما لا يخفى (أما أوّلا) فإنّه لم يعلم أن عمران بن حصين موثق أم لا؟ (3)، بل نقل انّه أسلم في أواخر عمر النبي صلى اللّه‌

____________

(1) سنن أبى داود ج 4 باب فيمن أعتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث، تحت رقم 3959.

(2) سنن أبى داود ج 4 باب فيمن أعتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث، تحت رقم 3958.

(3) لكن تنقيح المقال للمحقّق المتتبّع ج 1 ص 197 قال الكشي: قال الفضل بن شاذان: انّ من السابقين الّذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) أبو الهيثم بن التيهان (الى أن قال): و عمران بن الحصين إلخ و في ج 2 منه ص 350 نقلا عن جامع الأصول انّه كان من فضلاء الصحابة و فقهائهم (الى أن قال): و عن الذهبي عمران بن حصين بن نحيد أسلم مع أبي هريرة، و كانت الملائكة تسلّم عليه مات سنة اثنتين و خمسين (انتهى) فالرجل من الحسان بلا شبهة (انتهى ما في ج 2 من التنقيح) و في معجم الرجال للسيد الآية الخوئي مدّ ظله ج 13 ص 139 ما يدلّ على كونه حسن الحال حسن العقيدة، فراجع.

39

عليه و آله، و قد احتاط في إعانة الأمير (عليه السلام) في حرب معاوية، و نقل أيضا انّ أبا قلابة (1) فيه نصب يسير.

(و اما ثانيا) فلم يعرف و لم يعلم كون عمران بن حصين في هذا النقل عارفا بخصوصيّة الواقعة كي يحكيها كما هي، و لم ينقلها عند معصوم (عليه السلام) كي يكون النقل عند المعصوم و سكوته تقريرا فتكون حجّة لنا و لهم.

(و أما ثالثا) فلأنه متفرّد في نقله هذه الرواية و لم توجد في الصحاح الستّة عن غيره فيكشف عن عدم اعتبارها.

(و أمّا رابعا) كما يمكن أن تكون لفظة (عند) في قوله: (عند موته) قيدا لإعتاقه الإنشائي بمعنى ان إنشائه الإعتاق كان عند موته، غاية الأمر لما لم يمكن إيجاد الإنشاء قرب الموت حقيقة فلا بدّ أن يحمل على القرب المجازي، كذا يمكن أن تكون قيدا للانعتاق بمعنى انّ إنشائه و ان كان في حال الموت، فإذا احتمل الأمر ان لم يجز الاستدلال سيّما ظهوره في الثاني بقرينة استعمال لفظة (عند الموت) في غير واحد من الموارد في الوصيّة:

مثل رواية أبي بصير، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: ان أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصيّة أخرى أعتقت الخادم من ثلثه و ألغيت الوصيّة الّا أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصيّة (2).

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سئلنى أبو عبد اللّه (عليه السلام): هل يختلف ابن أبى ليلى و ابن شبرمة؟ فقلت: بلغني انّه مات‌

____________

(1) الراوي عن أبى المهلب عن عمران.

(2) الوسائل باب 7 حديث 3 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 458.

40

مولى لعيسى بن موسى فترك عليه دينا كثيرا و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم، فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى ان تستسعيهم في قيمتهم فتدفعها الى الغرماء، فإنّه قد أعتقهم عند موته فقال ابن أبى ليلى: أرى أن أبيعهم و ادفع أثمانهم إلى الغرماء فإنّه ليس له أن يعتقهم عند موته و عليه دين يحيط بهم الخبر (1).

ألا ترى انه قد عبّر في هذا الخبر بلفظة (عند موته) أو (عند الموت) في ثلاثة مواضع مع انّ الامام (عليه السلام) قد عبّر في آخر هذا الخبر بقوله (عليه السلام): إذا استوى مال الغرماء و مال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتّهم الرجل على وصيّته و أجيزت وصيّته على وجهها الخبر فيكشف انّ استعماله لفظة (أعتق عند موته) في الوصيّة كان شائعا و تحقيق ذلك انّ الانعتاق حيث يكون مسبّبا عن الإنشاء، و القيد إذا ذكر في اللفظ يكون في الحقيقة قيدا للمسبّب، لأنّ القيودات في الكلام يكون دائما راجعا بحسب الحقيقة الى ما هو منشأ للآثار و الأسباب بما لا تكون كذلك فيكون قوله: (عند موته في الحقيقة) قيد النفس العتق الخارجي، لكن حيث يكون حقيقة الإعتاق عند موته جي‌ء هذا القيد على الظاهر للسبب و ان كان في الواقع قيدا للمسبّب و هذا نظير ما إذا رمى قبل طلوع الشمس فأصاب السهم عند طلوعها فقتله فيقال حينئذ قتل زيدا مثلا عند طلوع الشمس مع انّ سببه قبل الطلوع، فتأمّل.

(و أما خامسا) فلازم ذلك عدم جواز التصرّفات مطلقا، سواء كانت بإتلاف أو شراء أدوية أو هبة أو عتق و أمثال ذلك، لأنّ المفروض انّه إذا مرض الشخص يوجد للورثة حقّ بالنسبة الى مال الميّت مانع عن تصرّفاته فلا فرق في أنواع التصرّف مع انّ الإجماع قام على جواز التصرّفات‌

____________

(1) الوسائل باب 39 حديث 5 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 423.

41

الّتي ليس لها نفوذ و عدم نفوذ و على جواز مداواته بشراء الأدوية و غيرها لمعالجته و لو كان مستغرقا لماله و لم يقل أحد باعتبار اجازة الورثة.

بل اللازم على ما ذكروه عدم جواز التصرّف في الأعيان حتّى في مثل البيع بثمن المثل و الإجارة بأجرة المثل و ذلك لأنه قد يتعلّق مصلحة الورثة بإبقاء الأعيان مع انّه باطل بالضرورة.

(و أما سادسا) فمثل هذه الرواية لا تدلّ على ما ذهبوا اليه من كفاية مطلق المرض في صيرورة المريض محجورا عن التصرّف في الزائد عن الثلث، فلا يصدق- فيمن أعتق عبدا حال مرضه ثم مات بعد سنة أو سنتين من ذلك المرض أو غيره- انّه أعتقه عند موته كما هو ظاهر فانقدح بذلك كلّه عدم دلالة هذه الرواية على مدّعاهم.

[أقوال الخاصة في المنجزات و أدلتهم]

(و أما الخاصّة) فقد اختلفوا قديما و حديثا، فذهب المفيد و ابن إدريس في السرائر، و السيّدان، و الفاضل الآبي في كشف الرموز، إلى أنها من الأصل، و ذهب المحقّق و العلّامة، و الشهيد، إلى أنّها من الثلث، و ادّعى السيّد أبو المكارم ابن زهرة (ره) في الغنية، الإجماع على كونها من الأصل، و كأنّ المراد منه استكشاف رأى المعصوم (عليه السلام) بالأخبار الواردة منهم (عليهم السلام)، و عليه يحمل الإجماعات المدّعاة في المسائل الفقهيّة أو الأصوليّة حيث انهم استكشفوا رأيه (عليه السلام) فكلّ يدّعى الإجماع على مذهبه لا أنهم رأوا أنّ الفقهاء لا يختلفون في ذلك (1).

____________

(1) كأنه إشارة الى ما أفاده شيخنا المحقّق الأنصاري (قده) في بحث إجماع الرسائل من انّ الناقل قد ينقل ما استكشفه، و قد ينقل الكاشف.

42

و اختلف كلام الشيخ (ره) فالمحكي عن المبسوط موافقة القول الثاني، و عن النهاية موافقة الأوّل، و ذهب الى الأول الرياض، و الى الثاني تلميذ المحقّق أعنى الفاضل الآبي.

و كيف كان فقد استدلّ للأول بالأخبار الخاصّة (منها) رواية علىّ ابن عقبة بن خالد أو عقبة بن خالد، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه الّا ثلاثة (1).

و معتبرة حسن بن جهم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في رجل أعتق مملوكا و قد حضره الموت و اشهد له بذلك و قيمته ستمائة درهم و عليه دين ثلاثمأة درهم و لم يترك شيئا غيره قال: يعتق منه سدسه، لأنه إنما له ثلاثمأة درهم و له السدس من الجميع، و يقضى عنه ثلاثمأة درهم من الثلاثمائة ثلثها (خ كا) (2).

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألني أبو عبد اللّه (عليه السلام): هل يختلف ابن أبى ليلى و ابن شبرمة؟ فقلت: بلغني انّه مات مولى لعيسى موسى، فترك عليه دينا كثيرا و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى أن تستسعيهم في قيمتهم فتدفعها الى الغرماء فإنه قد أعتقهم عند موته فقال ابن أبى ليلى: أرى أن أبيعهم و ادفع أثمانهم إلى الغرماء فإنّه ليس له أن يعتقهم عند موته و عليه دين يحيط بهم، و هذا أهل الحجاز، اليوم يعتق الرجل عبده و عليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا‌

____________

(1) الوسائل باب 17 حديث 13 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 384.

(2) الوسائل باب 39 حديث 4 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 423.

43

كان عليه دين كثير فرفع ابن شبرمة يده الى السماء و قال: سبحان اللّه يا ابن أبي ليلى متى قلت بهذا القول، و اللّه ما قلته الّا طلب خلافي، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فعن رأي أيّهما صدر؟ قال: قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبى ليلى و كان له في ذلك هوى فباعهم و قضى دينه، فقال: فمع أيّهما من قبلكم؟ قلت له: مع ابن شبرمة و قد رجع ابن أبى ليلى الى ابن شبرمة بعد ذلك، فقال: أما و اللّه أنّ الحق لفي الّذي قال ابن أبى ليلى و ان كان قد رجع عنه الحديث (1).

فهذه الروايات تدلّ بظاهرها- سيّما بقرينة قوله: (فأعتقهم و قد حضره الموت) حيث قدّم الإعتاق على حضور الموت في مقام الحكاية فيكشف كون المحكي أيضا كذلك- على انّ الإعتاق و ما هو نظيره كالوقف و نحوه من الثلث.

و هذا الاستدلال حسن لو لا ورود الإشكال بإمكان كون المراد من الإعتاق حين حضور الموت، الإعتاق بعد الموت، لما هو المتعارف بين الناس سيّما بين المتديّنين منهم، من أعمال الأمور الراجعة الى ما بعد موتهم فيكون المراد حينئذ الوصيّة، فافهم.

و ممّا استدلّ به على المدّعى ما رواه الشيخ (ره) بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، قال:

سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها؟ فقال: لا (2).

و عنه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته و ذكر مثله‌

____________

(1) الوسائل باب 39 حديث 5 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 423.

(2) الوسائل باب 17 حديث 15 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 384.

44

و زاد: و لكنّها ان وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها (1).

و ما رواه الشيخ بإسناده، عن علىّ بن الحسن، عن محمد بن على، عن الحسن بن محبوب، عن أبى ولاد، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين (دين- ح) فتبرئه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها له و يحسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا (2). و فيه سؤال الفرق بين الإبراء و الهبة حيث حكم (عليه السلام) بعدم جواز الأول و جواز الثاني، لأنّ المدّعى انّ للوارث حقّا في التركة يمنع من تصرّف المريض مطلقا، سواء كان بالإبراء أو غيره، فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات أيضا.

و ممّا استدلّ به على المدّعى ما رواه الشيخ بإسناده، عن يونس بن عبد الرحمن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن عطية الوالد لولده؟ فقال: امّا إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، و اما في مرضه فلا يصلح (3).

و بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم عن جرّاح المدائني، قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن عطيّة الوالد لولده يبيّنه؟ قال (عليه السلام): إذا أعطاه في صحّته جاز (4).

(و فيه)- مضافا الى عدم دلالة قوله (عليه السلام): (لا يصلح) على المدّعى لإمكان إرادة الكراهة- إمكان إرادة الحكم التكليفي بمعنى انّ‌

____________

(1) الوسائل باب 17 حديث 16 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 384.

(2) الوسائل باب 11 حديث 11 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 367.

(3) الوسائل باب 17 حديث 11 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 384.

(4) الوسائل باب 17 حديث 14 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 384.

45

فعله ذلك يورث عداوة بين الأولاد بعضهم مع بعض بحيث قد ينجر الى عدم اقدامهم على تجهيزاته فافهم.

و ممّا استدلّ به ما رواه الشيخ بإسناده، عن محمد بن علىّ بن محبوب، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علىّ بن أبي حمزة، عن أبى بصير، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصيّة أخرى ألغيت الوصيّة و أعتقت الجارية من ثلثه الّا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصيّة (1).

و رواه الكليني (رحمه اللّه) أيضا، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علىّ بن أبي حمزة، عن أبى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) باختلاف يسير (2).

(و فيه) انّ قوله (عليه السلام): (ثم أوصى بوصيّة) يمكن أن يكون قرينة على انّ الأول كان باقيا أيضا بمعنى أنّه أضاف إلى الأول وصيّة اخرى فيكون المعنى انّ الوصيّة تعمل بها ما دام الثلث وافيا فيعتق الجارية إمّا لكونه قد ذكر أوّلا، و امّا بناء على قول الشيخ (ره) بتقديم العتق من بين الوصايا، على غيره مطلقا.

و ممّا يمكن الاستدلال به على هذا المدّعى ما رواه الكليني (ره) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علىّ بن النعمان، عن ابن مسكان، عن العلاء بيّاع السابري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة استودعت رجلا مالا، فلمّا حضرها الموت، قالت له: انّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، و ماتت المرأة فأتى أوليائها الرجل،

____________

(1) الوسائل باب 11 حديث 6 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 365.

(2) الوسائل باب 67 حديث 3 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 458.

46

فقالوا: انّه كان لصاحبتنا مال و لا نراه الّا عندك فاحلف لنا مالها من قبلك شي‌ء أ فيحلف لهم؟ فقال (عليه السلام): ان كانت مأمونة عنده فليحلف لهم و ان كانت متّهمة فلا يحلف و يضع الأمر على ما كان فإنّما لها من مالها ثلثه (1).

و ما رواه مسندا إلى السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علىّ (عليهم السلام) أنّه كان يردّ النحلة في الوصيّة و ما أقرّ به عند موته بلا ثبت و لا بيّنة (2).

موضع الاستدلال في الأول قوله (عليه السلام) في ذيله: (فإنّما لها إلخ) و في الثاني قوله (عليه السلام): (انّه يرد النحلة في الوصيّة) بناء على انّ معناه انّه (عليه السلام) يرد العطيّة في الوصيّة و يجعلها منها و من المنجّزات، فتدلّ على انّ الرجل لا يجوز له العطاء منجّزا، بل يعطى من ثلثه (و فيه) انّه لا دلالة في شي‌ء منهما على كونه مريضا و تصرّف في الزائد من الثلث مضافا الى انّ الأوّل و كذا ذيل الثاني انّما هو في الإقرار و لا ملازمة بين عدم كون الإقرار من الأصل، و بين عدم كون المنجزات منه، فإنّ الإقرار بما هو إقرار لا يوجب تنقيص المال و خروجه من غير عوض، فإنّه ان كان ما أقرّ به ثابتا في الواقع فظاهر أنّه لم يتصرّف في شي‌ء، و ان لم يكن ثابتا فالكلام في حجّية هذا الإقرار و عدمها و لا دخل لها في المنجّزات أيضا، و هذا بخلاف المنجّزات فإنّها إخراج للمال و تنقيص لمال الورثة.

و بهذا يندفع ما عن الجواهر من جعله الأخبار الواردة في انّ‌

____________

(1) الوسائل باب 16 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 377.

(2) الوسائل باب 16 حديث 12 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 380.

47

الإقرار يكون من الثلث مؤيّدة بالأخبار الدالّة بظاهرها على المدّعى فتأمّل جيّدا.

و أما الأدلّة الدالّة على كون المنجزات من الأصل فيدلّ عليه- مضافا الى عدم الاحتياج الى الدليل لكفاية عمومات جواز التصرّف في الأموال و التسلّط على أموالهم و كونه محجورا بالنسبة إلى الزائد عن الثلث- روايات.

(منها) رواية عمّار الساباطي- المرويّة بطرق متعدّدة- عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: صاحب المال أحقّ بماله ما دام فيه شي‌ء من الروح يضعه حيث شاء كما في رواية ثعلبة بن ميمون، عن أبى الحسين الساباطي (1).

أو الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح ان أوصى به كلّه فهو جائز- كما في رواية عمر بن شدّاد الأزدي و السري جميعا عن عمّار عنه (عليه السلام) (2).

و في رواية ابن أبى عمير، عن مرازم، عن عمّار، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الروح يبين به؟ قال: نعم فإن أوصى به فليس له الّا الثلث (3).

و في رواية صفوان، عن مرازم، عن بعض أصحابنا (المحتمل كون هذا البعض هو عمّار) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يعطى الشي‌ء من ماله في مرضه؟ فقال: إذا أبان به فهو جائز و ان أوصى به فهو‌

____________

(1) الوسائل باب 17 حديث 4 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 382.

(2) الوسائل باب 17 حديث 5 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 382.

(3) الوسائل باب 17 حديث 7 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 382.

48

من الثلث (1).

و في رواية علىّ بن الحسن بن فضّال، عن ابن أبى عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الروح، فان قال: بعدي فليس له الّا الثلث (2).

و رواه الصدوق (ره) بإسناده، عن ابن أبى عمير الى آخر السند الّا انّه قال: فان تعدّى.

و في رواية يعقوب بن يزيد، عن ابن أبى عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: إذا أبانه فهو جائز (3).

و الحاصل انّ الروايات الواردة، عن عمّار، يحتمل قويّا كونها رواية واحدة الّا انّها رويت بطرق متعدّدة بعضها ظاهر و بعضها صريح في كون المنجزات من الأصل.

و يدلّ عليه- بظاهره- ما رواه الكليني (ره)، عن محمد بن يحيى و غيره، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك عن عبد اللّه بن جبلة، عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون له الولد أ يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع ما شاء به الى أن يأتيه الموت (4).

بل يكون صريحا فيه على ما رواه الكليني أيضا، عن محمد بن الحسين، عن عبد اللّه بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلّة، عن سماعة، عن أبى بصير عن.

____________

(1) الوسائل باب 17 حديث 6 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 382.

(2) الوسائل باب 11 حديث 12 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 367.

(3) الوسائل باب 17 حديث 10 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 381

(4) الوسائل باب 17 حديث 1 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 381

49

أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله و زاد أن لصاحب المال أن يعمل بمال ما شاء ما دام حيّا ان شاء وهبه و ان شاء تصدّق به و ان شاء تركه الى أن يأتيه الموت، فان أوصى به فليس له الّا الثلث الّا انّ الفضل في أن لا يضيّع من يعوله و لا يضرّ بورثته (1).

فبناء على هذه الزيادة تكون الرواية صريحة في المطلوب كما لا يخفى.

و ممّا استدلّ به على المدّعى، ما رواه الصدوق بإسناده، عن العلاء بن زرين، عن محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصيّة فكان أكثر من الثلث قال: يمضى عتق الغلام و يكون النقصان فيما بقي، و رواه الكليني (ره) عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علىّ بن الحكم، عن العلاء ابن رزين إلخ، و رواه الشيخ (ره) بإسناده، عن علىّ بن الحسن، عن علىّ بن أسباط، عن العلاء إلخ (2).

و ما رواه أيضا، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن رجل- كما في نسخة- أو عن جميل- كما في أخرى بل أكثر النسخ كما نقله صاحب الوسائل- عن محمد بن مسلم، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مماليكه في مرضه، فقال: ان كان أكثر من الثلث ردّ الى الثلث و جاز العتق، و رواه الشيخ (ره) بإسناده عن علىّ بن إبراهيم إلخ (3).

____________

(1) الوسائل باب 17 حديث 2 من كتاب الوصايا ج 13 ص 381.

(2) الوسائل باب 67 حديث 1 من كتاب الوصايا ج 13 ص 458.

(3) الوسائل باب 67 حديث 4 من كتاب الوصايا ج 13 ص 459.

50

و الحاصل انّ هذه الرواية الّتي يحتمل أن تكون عين الرواية الأولى باعتبار انّ محمد بن مسلم روى هذه الرواية مرّة واحدة، غاية الأمر وقع الاشتباه في الّذين يروونها عنه تارة عبر بقوله عن رجل و اخرى عن جميل و كذا في المروي عنه تارة عبر ب (أبى عبد اللّه) و اخرى ب (أبى جعفر (عليهما السلام)) و يحتمل التعدّد و التكرّر كما هو ظاهر تعدّد المروي عنه.

و كيف كان فهذه الرواية أقوى ما يستدلّ سندا للقول بكون منجزات المريض من الأصل لأنه رواها جماعة كانوا فقهاء، بصراء متديّنين، مثل (1) صفوان بن يحيى، و حسن بن محبوب، و محمد بن خالد، و حسن ابن على بن فضال، و علىّ بن أسباط، و علىّ بن الحسن.

و امّا وجه الاستدلال فلأن ضمير (كان) في قوله: (و كان) أو (فكان أكثر من الثلث) امّا أن يعود إلى الإيصاء المفهوم من قوله: (و أوصى) أو الى (ما فعل) المفهوم من الكلام، و على التقديرين مضى العتق و نفوذه بقول مطلق دالّ على كون المنجّز من الأصل.

(و فيه) أنّه ان كان مراد الراوي من هذا السؤال انّه هل ينفذ خصوص هذا العتق أم لا؟ فضميمة الوصيّة إليه بل ذكرها مقدّما بقوله:

(رجل أوصى بأكثر من الثلث) الى قوله: (و أعتق) كالحجر المنضمّ الى جنب الإنسان، فيكشف من هذا الجمع و الضم ان السؤال انما وقع عن انّه إذا اجتمع منجّز كالعتق و مؤخّر كالوصيّة و كان كلاهما من الثلث فأيهما هو المقدّم؟ و هل يدخل النقصان على الجميع كما عن أبي حنيفة أو على‌

____________

(1) الروايات الّتي نقلناها بقولنا: و أما الأدلّة الدالّة على كون المنجّزات من الأصل فلا تغفل فراجع حديث 4- 7 من باب 17 من كتاب الوصايا ج 13 ص 382 تجد هؤلاء الرواة الّتي عدّها سيّدنا الأستاذ الأكبر (قده).

51

المؤخّر فقط، كما عن الشافعي و جماعة؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّ النقصان يدخل على المؤخّر لا المنجز.

(و توهّم) انّه حينئذ يدلّ بإطلاقه على كون المنجز من الأصل، لأنه شامل لهذه الصورة أيضا (مدفوع) بعدم كونه (عليه السلام) في مقام بيان الحكم من هذه الجهة، بل أجاب (عليه السلام) عن الجهة الّتي بيّناها.

و القرينة على ما ذكرنا قوله (عليه السلام): و يكون النقصان فيما بقي حيث انّه يدلّ على انّ هناك نقصانا و يكون اللام في قوله (عليه السلام) (1):

(و يكون النقصان فيما بقي) إشارة إلى النقصان المعهود المرتكز عند المخاطب.

بل يمكن دعوى العكس يعنى انّها دالّة على انّ المنجزات من الثلث لا من الأصل و ذلك بعد التأمل فيما ذكره، فإنّه ان كان في ذهن الراوي كونها من الأصل و كان السؤال عن انّه إذا كانت الوصيّة فقط زائدة عن الثلث فلا ينبغي أن يجيب (عليه السلام) بما أجاب، بل المناسب أن يقول (عليه السلام): انّ الوصيّة بالنسبة إلى الزائد عن الثلث غير نافذة، بل النافذ هو من الثلث فقط، فدلالة هذه الرواية على انّ المنجزات من الثلث أظهر من دلالتها على المدّعى.

و ممّا استدلّ له أيضا ما رواه محمد بن علىّ بن الحسين، بإسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى (2)، عن أبي همام (3) إسماعيل بن أبي همام (4)

____________

(1) في رواية محمد بن مسلم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) لا عن أبى جعفر (عليه السلام) فلا تغفل.

(2) موثق.

(3) كان شيعيّا موثقا.

(4) مجهول.

52

ابن عبد الرحمن بن ميمون (1) بن أبي عبد اللّه، عن أبى الحسن (2) (عليه السلام) في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته و أعتق مملوكا و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيّته؟ قال (عليه السلام):

يبدأ بالعتق فينفذه (3).

وجه الاستدلال انّ قوله: (أعتق مملوكا) اما أن يكون جزء للوصيّة، أولا، و على الثاني امّا أن يكون المراد من قوله: (و كان جميع ما أوصى به أكثر من الثلث) خصوص الوصيّة أو هي مع العتق.

(فعلى الأول) (4) أمّا أن يكون وجه التعبير عن العتق المنجّز بالوصيّة كون العتق الواقع قرب الموت بمنزلة الوصيّة في كونه واقعا بعد الموت، أو من باب التغليب (و على الثاني) (5) يكون قوله: (جميع ما أوصى به) مستعملا في معناه الحقيقي (و على الثالث) (6) يكون مجازا بإحدى العلاقتين- المجاورة و التغليب.

فعلى تقدير كون قوله: (أعتق مملوكا) أمرا منجزا غير الوصيّة كما هو ظاهر تفصيل الراوي في السؤال بين العتق و غيره، يكون نفوذ العتق بقول مطلق، سواء كان زائدا على الثلث أم لا، دليلا على كون المنجزات من الأصل.

____________

(1) كان شيعيّا موثّقا.

(2) الظاهر انّه الرضا (عليه السلام).

(3) الوسائل باب 67 حديث 2 من كتاب الوصايا، ج 13 ص 458.

(4) يعنى كون العتق جزء للوصيّة.

(5) يعني عدم كونه جزء للوصيّة.

(6) يعني كون العتق الواقع قرب الموت إلخ.