سند العروة الوثقى - كتاب الطهارة - ج1

- الشيخ محمد السند المزيد...
557 /
3

الجزء الأول

[مقدمة المحقق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على اعدائهم اعداء الدين.

و بعد:

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الأبحاث في شرح كتاب الطهارة من العروة الوثقى حررها سماحة الأستاذ الحجة المحقق الشيخ محمد سند البحراني، و قد ألقاها على شكل محاضرات و دروس منتظمة استغرقت عامين دراسيين 14- 1415 هجري قمري.

و قد احتوى على قواعد و مسائل هامة فيها تحقيق دقيق و ابداع بكر منها:

رسالة في اعتصام الكر من المضاف.

تحقيق في حال الكتب المشهورة.

تحقيق في استصحاب العدم الازلي.

4

قاعدة في انفعال القليل.

رسالة في الكر.

تحقيق في أصالة عدم مجهولي التاريخ.

قاعدة في أصالة الاحتياط في الاموال.

تحقيق في أصالة الفراغ مع الغفلة.

قاعدة في جواز بيع الاعيان النجسة.

قاعدة في أصالة عدم التذكية.

قاعدة في الميتة و عدم المذكى.

قاعدة في سوق المسلمين و أرضهم.

و غيرها من الابحاث و المسائل المهمة المتعرض لها في غضون الكتاب.

و قد اجازني الشيخ الاستاذ شرف تنظيم و اعداد هذا الكتاب للطبع و اخراجه بهذه الحلة الماثلة بين يدي القارئ الكريم.

نسأل اللّه سبحانه و تعالى ان يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، و ان يتقبله بقبول حسن.

و الحمد لله ربّ العالمين‌

احمد الماحوزي

26 شوال لعام 1415

5

[مقدمة المؤلف]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله المنتجبين و عجل اللهم فرجهم و صبحهم الابلج.

و بعد:

فهذه مقتطفات دونتها بصورة التعليق و الشرح لمتن المرحوم الفقيه السيد كاظم اليزدي- (قدّس سرّه)- مما كنت أبحثه مع عدة من الاخوة طلاب العلم و الفضيلة، عسى أن يكون موضع فائدة و قبول لدى اهل النقد و التحقيق.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الطهارة

إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

.......

____________

كتاب الطهارة

معنى الطهارة

التي هي في اللغة النقاء و النزاهة و النظافة، في مقابل النجاسة و القذارة و الدنس و اللوث، و هي كذلك في الشرع و المتشرعة، غاية الامر وقع التعبّد و الجعل في المصاديق و الموارد و الاسباب.

و تطلق على موارد و مراتب عديدة: الخبثية و الحدثية و الخلقية و القلبية و غيرها، و ما في مفتاح الكرامة من تخصيصها في الكلمات بالحدثية فهو بناء منهم على النقل و انها اسم للوضوء و اخويه، و هو ممنوع كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في محله، مع أن بعض ما نقل من التعاريف يمكن شموله و اعميته، و الامر سهل بعد استعمالها في الروايات في الاعم.

و هي وصف وجودي كمالي و ان وقع تعريفها بعدم مقابلها.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الباب الاول: في المياه

وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً

____________

الماء المطلق‌

الماء المضاف‌

الماء الجاري‌

الماء الراكد‌

رسالة في الكر‌

ماء المطر‌

ماء الحمام‌

ماء البئر‌

الماء المستعمل‌

الماء المشكوك‌

الأسئار‌

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

فصل في المياه الماء امّا مطلق (1) و إمّا مضاف (2) كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره، مما يخرجه عن صدق اسم الماء،

____________

[فصل في الماء المطلق]

حقيقة الماء المطلق

(1)

و هو المائع المعروف المركب في الكيمياء الحديثة من جزئي الهيدروجين و جزء الاكسجين غير المخالط بعنصر أو مركب آخر، و أخذ الإطلاق عنوانا لإطلاق لفظ الماء عليه من دون تقييد، و إن صنف الى أقسام يضاف إليها لبيان أمزجته و طبائعه كماء البحر و ماء العيون و الأنهار و الآبار.

حقيقة الماء المضاف

(2)

أي المقيد بعنوان ما بحيث لا يصح استعمال لفظة الماء فيه بدون العنوان المضاف إليه، كما في المائعات التي لا تحتوي على العنصرين السابقين، مثل ما في بعض المعتصر من الأجسام، أو المحتوي عليهما و لكن ممزوجا بعناصر او مركبات اخرى في خلقته الأصلية، كما في بعض المعتصر من الفواكه و الثمار، أو‌

14

........

____________

بالعارض من الاختلاط كماء الورد.

و من ذلك يعلم أن استعمال لفظة الماء في القسمين الأخيرين من باب الحقيقة اللغوية و العقلية، غاية الأمر حيث امتزجت قيدت بالممتزج معها غير المعدم لماهيتها الأصلية، نعم لا يترتب عليها آثار المطلق، و الفارق بينهما مع المطلق المتقدم هو امتزاج الطبيعة مع غيرها الغالب القاهر.

و أمّا استعمالها في القسم الأول فقيل بالمجازية كما هو المعروف، بينما ذهب المحقق الطهراني (1) الى الحقيقة، بتقريب انها مستعملة في ما وضعت، بتشبيه المائع المعتصر في نسبته مع المعتصر منه بالماء في نسبته مع بقية الأجسام، كما يقال هذا رأس القوم و عينهم و قلب الجيش و نحو ذلك، فإنها من باب الحقيقة غاية الأمر أضيفت تلك الموارد لبيان التشابه في النسبة.

و يمكن توجيه كلامه بالمجاز السكاكي العقلي في المصداق، و أن جهة الادعاء التشابه في النسبة و إلا فما ذكره هو المذكور في معنى الاستعارة التخيلية، و ما استشهد به و غلّط على ضوئه إرادة المعاني المخالفة من لفظة الماء هو الذي استدل به السكاكي على مسلكه.

ثم انه ليس من الغلط في الاستعمال اطلاق لفظة الماء في هذه الموارد من دون تقييد بشي‌ء و صحته مجازا لوجه شبه يستحسنه الذوق و الطبع، فالفارق بين المطلق المتقدم و القسم الثالث من المضاف هو في الحقيقة و المجاز اللغوي أو العقلي.

____________

(1) ودائع النبوة ج 1/ 5.

15

و المطلق أقسام (1): الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكرّ، و القليل، و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهّر (2) من الحدث و الخبث،

____________

ثم انه لا اختصاص للماء المضاف في الأحكام المغايرة لأحكام المطلق، بل يعم كل المائعات التي لها الفاظ اخرى موضوعة كالنفط و المعادن السائلة، نعم اختص بعض المضاف بالخلاف في التطهير به.

أقسام الماء المطلق

(1)

و قسم الى جار و محقون و ماء بئر كما في الشرائع، أو تبديل المحقون الى واقف كما في القواعد، و أضاف إليها في المتن اقسام المحقون و المطر، لاختصاص كل بأحكام مغايرة للمترتبة على الآخر.

و من هنا أضيف ماء الحمام حيث اختص بتقوى السافل و العالي بالآخر على القول بلزوم تساوي السطوح في اعتصام الماءين، و عليه يلزمه اضافة الماء المستعمل لرفع الخبث و الحدث، و حيث أن التقسيم لجهة انتظام البحث ينبغي كونه بلحاظ ما هو العمدة منها و إلحاق البقية.

طهارة و مطهرية الماء المطلق

(2)

و ثبوت الوصفان له في جملة من أقسامه بلا خلاف، و انما يقع البحث عن العموم الدال عليهما في مطلق الماء كي يكون مرجعا فوقانيا.

تأسيس العموم الفوقاني

و قد استدل عليه:

16

........

____________

أولا: بقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1).

بتقريب استفادة المطهرية من (طهور)، إما كونه صفة مبالغة أو اسم آلة و هو دال على طهارته بالمطابقة في الاول و بالالتزام في الثاني.

معنى الطهور

و تحقيق الحال في الدلالة: أن معنى (طهور) كما قيل على عدة معان:

الاول: الطاهر، كما حكاه في الكشاف عن سيبويه كقوله تعالى وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً، لكن في الرواية أنه يطهرهم عن ما سوى اللّه تعالى، و هذا في المقام غير محتمل بعد انسباق التأثير من الكلمة و من سوقه في معرض الامتنان، و لقرائن أخرى آتية.

الثاني: المبالغة، ذكره في الكشاف، و لعله مراد من ذكر في معناه الطاهر المطهر لغيره كصاحب القاموس و المقاييس و احمد بن يحيى و غيرهم، حيث انه ليس مشتقا من التفعيل.

و لا ريب ان المبالغة تقع على الشدة كما تقع على التكرار في الاستعمال، و تلازم الشدة التأثير لا الاعتصام في المناسبات العرفية للماء، و كونها في المقام اعتبارية لا يمنع من اراداتها حيث انها حينئذ بلحاظ الآثار على وزان التكوينية و لكنهم ذكروا أن صيغ المبالغة لا تصاغ إلا من الثلاثي المتعدّي في القياس ما عدا (فعّال)، إلا ان يكون الحال في (طهور) على السماع كضحوك و عبوس.

الثالث: المصدر حكاه في النهاية عن سيبويه كتوضا وضوءا، فهو بمعنى‌

____________

(1) الفرقان/ 48.

17

........

____________

التطهر و لا يناسب الوصف به في المقام لانه يحتاج الى التأويل و التقدير أي المتطهر به.

الرابع: اسم لما يتطهر به، حكاه أيضا في الكشاف و النهاية عن سيبويه، و هو و ان لم يكن قياسيا إلا أن له نظائر كالوضوء و السحور و النشوق و الفطور، و هو المراد قريبا من قوله (ص) «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (1)، و قوله (ع) «طهور إناء احدكم اذا ولغ فيه الكلب ...» (2).

و يحتمل فيه المصدرية و قوله «التراب طهور المسلم» (3)، و قوله «النورة طهور» (4)، و هو الاثبت لغة و وضعا من بين المعاني المتقدمة، إلا أن التوصيف به في الآية محتاج الى تأويل أو تقدير، حيث انه اسم عين بتضمين الانزال لمعنى الجعل أو تقدير هو أو كونه بدلا.

و هذا قريب حيث أن سياق الامتنان بأصل الماء أيضا بقرينة الآية اللاحقة المذكور فيها إحياء الارض به، فيكون الامتنان متعدّ ب‍ (طهور) بدلا.

و يشهد لاستفادة التعدي أيضا قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (5)، بل هي بالاستقلال دالة على المطلوب.

____________

(1) الوسائل: أبواب التيمم باب 7 حديث 3.

(2) المستدرك: ابواب النجاسات باب 43 حديث 3.

(3) المستدرك: أبواب التيمم باب 5 حديث 3.

(4) الوسائل: أبواب آداب الحمام باب 28 حديث 1.

(5) الانفال/ 11.

18

........

____________

مناقشات في مفاد الآيتين

و يثار عدة من الاشكالات على دلالة الآيتين من ناحية الموضوع أو المحمول:

الاشكال الأول

كون الماء نكرة في سياق الاثبات فلا اطلاق بل هما مختصتان بماء المطر.

لا يقال: ان التنوين هو للتمكين العارض للاسماء المعربة دون التنكير العارض للمبنية فليس المراد إلا الماهية (1).

لانا نقول: المراد من النكرة في أدب المعاني هو مقابل المعرفة و المعرف بال و إلا فغالب النكرة معربة و تنوينها للتمكين.

و فيه: أن سوق الآية الاولى الامتناني و تعقبها بذكر إحياء البلاد الميتة و سقي المخلوقات من الانعام و الناس شاهد العموم، و التقييد من السماء في الاولى لنكتة صلاحيته للإحياء و السقي، و إلا فالاستفادة في الاحياء و السقي الكثير من الماء النازل لا تختص بحين النزول بل منه حين يتخذ اشكالا مختلفة من الانهار و العيون و الآبار.

و منه يعلم أن الامتنان بأمرين كما تقدم بأصل الماء و بطهوريته، و أن التقييد من السماء للامتنان الاول دون الثاني، إذ المناسب للثاني في الامتنان التعميم فلا يكون التقييد بلحاظه.

و أما التقييد في الآية الثانية فواضح أن الاستفادة من الماء للتطهير ليس حين‌

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 24.

19

........

____________

النزول، و أن وجه التقييد هو أن مورد نزول الآية واقعة بدر و لم يكن في جانب المسلمين بئر و لا غدير فمنّ اللّه عليهم بالماء بوسيلة المطر، بل ان طهورية الماء كانت مجعولا قبل الآية حيث أن المسلمين كانوا قد اغتمّوا لعدم الماء بعد ما احتلم أكثرهم.

الاشكال الثاني

أن نسبة الطهور في الآية الاولى الى الماء نسبة ناقصة تخصصية لا نسبة تامة كي يجرى فيها الاطلاق (1).

و فيه: انه ليس كل النسب الناقصة تخصيصية كما في الاضافة البيانية و الاوصاف الذاتية و بدل الذات و تمييز الذات و قد تقدم تقريب بدلية (طهور) عن الماء، و أن (طهور) امتنان ثان مستقل حتى لو كان صفة للماء، المناسب لعموميته مع قرينة ما تعقبه.

الاشكال الثالث

انه لم يثبت لدينا حين نزول الآيتين تشريع الطهارة الشرعية أو الاعتبار المتشرعي لها فلعل الآيتين ناظرتان للطهارة عن الاقذار العرفية سيّما و أن الاولى في مقام ذكر النعم احتجاجا على الكافر بشي‌ء يذعن به (2).

و فيه: أما الآية الثانية فظاهر انها بالمعنى الشرعي حيث أن مورد النزول للغسل من الجنابة و التطهير من الخبث، و أما الأولى فالاستعمال بالمعنى العرفى نحو امضاء له، اذ ليس كل ما في باب الطهارات و النجاسات تأسيسيا بل الكثير منه‌

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 25.

(2) التنقيح ج 2/ 21.

20

........

____________

امضائي كما في الاستنجاء (1) بالماء عن الغائط الذي احدثه الانصار فنزل قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، و كان الاستنجاء من البول بالماء متقادما، و لذا اعتمد في الباب على الاطلاق المقامي في كيفية التطهير للمتنجسات في موارد عديدة.

و يشير الى ذلك صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (ع) قال: كان بنوا اسرائيل اذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون» (2)، حيث الظاهر من الجعل فيها هو ما تضمنه الخطاب القرآني.

و يشير كذلك قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ و ان فسر في الرواية بالتشمير أو التقصير، إلا انه بالكناية و مناسبة التعبير هو ان الثياب بالتشمير و نحوه تكون أبعد عن القذارة و النجاسة فتكون ارشادا الى نجاسة الاعيان و سرايتها الى الثياب بالملاقاة.

الاشكال الرابع

انه لا يمكن التمسك بإطلاق الطهورية لفردي النجاسة الحدثية و الخبثية، لأن المحمول في الخطاب و الإطلاق انما يجري في الموضوع و القدر المتيقن من المحمول حينئذ هو صرف الوجود (3).

و فيه: إن إرادة كلتا الطهارتين من الآية الثانية ظاهر، حيث أن الحدثية مورد‌

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام الخلوة باب 34.

(2) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 4.

(3) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 32.

21

........

____________

النزول و كذلك الخبثية.

و احتمال: تشريع الحدثية قبل الخبثية بعد الاذعان بأن الحدثية منذ صدر الشريعة، اذ لا صلاة إلا بطهور (1).

ممنوع: بأن القذارة البدنية أقرب للاذهان من الحدثية فهي متقدمة في التلقي و الاعتياد على الاخرى، مضافا الى اطلاق الطهور في الشرطية للصلاة.

و منه يظهر أن شمول (طهور) في الآية الاولى للخبثية أسبق ظهورا من الحدثية، مع أن الكلام حول ذلك أشبه بالتمسك بالإطلاق في متعلق الطهارة لا في ما يتطهر به.

ثانيا: قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ و و ... و .. وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (2).

الدال ذيلها على أن التطهير في الصدر بالماء، بل هو ناص على العموم حيث قيد التيمم بانتفاء مطلق الماء، و لا اختصاص في دلالة الآية على المطهرية من الحدث بل من الخبث أيضا بالفحوى و بالاقتضاء، حيث قد ذكر فيها المجي‌ء من الغائط، و لا ريب في تشريع نجاسته حين نزول الآية التي هي من المائدة.

و قد يتمسك بالإطلاق المقامي في الآية بل في كل الاوامر بالغسل- بالفتح و الضم- بل في ما دل على نجاسة الاعيان المعدودة، حيث أن في كل هذه المقامات التطهير موكول الى العرف و هو جاري على استعمال الماء.

لكن قد يشكل عليه بأن لا مجرى له في ما كان مقتضى الاصل العقلي‌

____________

(1) التنقيح ج 2/ 22.

(2) المائدة: 6.

22

........

____________

الاشتغال كما التزم به بعض مشايخنا (قدس اللّه روحه) (1)، فالمتعين حينئذ القدر المتيقن، و على أية حال فهو غير مجد في ما يشك في مطهريته عرفا من اقسام المياه و حالاته.

ثالثا: طوائف من الروايات.

كصحيح الفاضلين عن أبي عبد اللّه (ع): «إن اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (2).

و معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): و الماء يطهر و لا يطهر» (3).

و صحيح ابن فرقد المتقدم بمنة اللّه تعالى علينا بجعل الماء طهورا بخلاف بني اسرائيل.

و كذلك قاعدة الطهارة الواردة في خصوص الماء انه طاهر حتى يعلم انه قذر (4)، سواء جعلت الطهارة فيها واقعية أو ظاهرية، إذ على الثانية تدل على طهارة ذات الماء أيضا بالاقتضاء لكون الحكم طريقي، و سواء جعلت في الشبهة الحكمية و الموضوعية معا أو في خصوص الثانية ما دام الشك فيها مخصوص بالقذارة العرضية، حيث يدل على الطهارة الذاتية للماء.

نعم لو قيل بشمولها للشك في القذارة الذاتية فقد يقال حينئذ (5) أنها دالة‌

____________

(1) المحقق الميرزا الشيخ هاشم الآملي (قدّس سرّه).

(2) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 1.

(3) المصدر: حديث 6.

(4) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 1.

(5) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 43.

23

........

____________

على انقسام الماء الى طاهر و نجس بالذات، سواء اختصت بالموضوعية أم شملت الحكمية.

و لكنه مدفوع أيضا بأنها دالة على عموم طهارة اقسام المياه ما لم يرد دليل على النجاسة، و هذا نافع في المقام بعد عدم ورود دليل على الخلاف.

و كذا ما ورد في أبواب تطهير المتنجسات بالماء و رفع الحدث به لكنها في الغالب لا اطلاق فيها، حيث أن جهة البيان فيها أمر آخر.

و كذا ما دل على اعتصام الكر (1)، أو ماله مادة (2)، فانه ظاهر في أن الطبيعة طاهرة و التقيّد بالكريّة أو الاتصال بالمادة لعدم انفعاله بملاقاة النجس، و هكذا التقريب فيما دل على اعتصام مطلق الماء ما لم يتغير (3).

و تخصيصه بما دل على انفعال القليل و عدم اعتصامه، غير مضرّ حيث ان الدلالة الالتزامية بالتقريب المزبور للمدلول المطابقي تتم بلحاظ الكثير بمفرده.

ثم إن العموم المستخلص من الآيات و الروايات لا تعرض فيه لبيان كيفية التطهير و الغسل، و لا لما يقبل التطهير و لا لنوع النجاسة، بل هو في صدد بيان ما يتطهر به و هو الماء و ان كان يستلزم ذلك قدرا متيقنا من الكيفية و القابل، و لا يقاس المقام بالتمسك بعموم صحة المعاملات (المسبب) الملازمة لإطلاق صحة السبب بالتقريبات المذكورة عند المتأخرين حيث أنها متعرضة للصحة الفعلية بخلاف المقام فانها للمطهرية الشأنية كما عرفت.

____________

(1) المصدر: باب 1 حديث 1.

(2) المصدر: حديث 2.

(3) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 3 حديث 1.

24

(مسألة: 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1) لكنه غير مطهر (2)، لا من الحدث، و لا من الخبث، و لو في حالة

____________

و ليس في قوله (ع): «و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» في موثق عمار دلالة عامة على قابلية كل جسم للتطهير بدون الارتكاز العرفي الجاري في التطهير، و معه فهو نحو امضاء له نظير الاطلاقات المقامية، حيث أنه في خصوص ما كانت النجاسة من الماء المتنجس.

[فصل فى الماء المضاف]

أحكام الماء المضاف

(1)

لعموم قاعدة الطهارة للشبهة الحكمية كما في موثق عمار (1)، حيث قد وقع العموم فيها في سياق السؤال عن موارد من الشبهات الحكمية الواقع الشك في طهارتها كبول البقر و كيفية تطهير الاواني من اصناف النجاسات و حكم الخنفساء من جهة الطهارة.

و منه يظهر أن الشك في القاعدة شامل لكل من الطهارة الذاتية أو العرضية، هذا مع تناول ما دل على طهارة أصله له فيما كان معتصرا من جسم أو ممتزجا معه، و هو أيضا مقتضى الامضاء للطهارة العرفية، المستفاد من الاطلاق المقامي، بعد أن كان مقتضى الاصل عند الشك التفريغ سواء في الشرب و الاكل أو في الملاقات للبدن و الثياب.

(2)

فههنا مقامان:

المقام الأول: عدم مطهريته للحدث.

[ادلة عدم مطهريته للحدث]

إجماعا محكيا إلا الصدوق فانه سوّغ رفعه بماء الورد على تأمل في النسبة،

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 37، 57 حديث 14، التهذيب ج 1 ص 284.

25

الاضطرار.

____________

و ابن أبي عقيل بمطلق الماء المضاف بالامتزاج عند الضرورة.

و استدل بالآية الكريمة فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (1) الحاصرة لرفعه بالماء المطلق بقرينة موضوع التيمم فيها، و كذا الروايات المتعرضة لموضوع التيمم، نعم لا تعرض لها لفرض انتفاء كلا الطهورين، الا ان يقال انها في سياق حصر الطهور فيها بقرينة سبر القسمة.

و كذا ما ورد في كيفية الغسل و الوضوء من التقييد بالماء المطلق و ان احتمل انه غالبي بعد عدم اطلاق دافع في البين.

و يشير الى التقييد المزبور حسنة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منها للصلاة؟ قال: «لا، انما هو الماء و الصعيد» (2)، و هو مفاد صحيح عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين (3).

و كذا ظهور ما دل على طهورية الماء من الآية و الرواية في اختصاصه بذلك بقرينة الامتنان.

و دعوى: كفاية ذكر ما هو اكثر وجودا و شيوعا (4).

فيها: أن ذكر ما هو جامع لكل الافراد أوقع في الامتنان، مع انه لا ندرة في مطلق المضاف، إذ كان متعارفا التنظيف بماء السدر و غيره من أوراق الاشجار و بعض انواع الطين المذاب بكثافة في الماء و بالاحجار كما في الاستنجاء و قد‌

____________

(1) المائدة/ 6.

(2) الوسائل أبواب الماء المضاف باب 1 حديث 1.

(3) الوسائل: أبواب الماء المضاف باب 1 حديث 2.

(4) التنقيح ج 2/ 29.

26

........

____________

أمضي، بل و بمطلق الازالة و القلع بالاشياء فيمكن التعبير ب‍ (المزيل طهور) أو الإزالة طهارة أو كل مائع أو سائل طهور.

و ما يقال: أن ذلك المضاف مشتمل على الماء فلا ينافي الامتنان (1).

فلازمه ترتب الطهورية و بقية آثار الماء المطلق على قسم المضاف المحتوي على جزئي طبيعة الماء.

و لا ينافي الاختصاص المزبور جعل طهورية التراب أو الشمس للثوابت أو المشي على الارض لباطن القدم و غيرهما، اذ غايته الاستثناء و التخصيص للحصر، و جعل البدل.

هذا مع أن مقتضى القاعدة عند الشك في ارتفاع الحدث و حصول الطهارة هو الاستصحاب في الأول و الاشتغال في الثاني على الاصح من عموم الاصل المزبور للشبهة الحكمية و كون الطهارة مسببا عن الوضوء كما يأتي.

أدلة مطهريته للحدث

و في قبال ذلك يستدل على مطهرية المضاف بأمور:

الاول: رواية يونس عن أبي الحسن (ع)

قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد، و يتوضأ به للصلاة، قال: «لا بأس بذلك» (2)، الدالة على خصوص ماء الورد.

و اشكل أولا: بضعف السند بسهل بن زياد.

____________

(1) الجواهر 1/.

(2) الوسائل: أبواب الماء المضاف باب 3 حديث 1.

27

........

____________

و يدفع أولا باعتماد الكليني (قدّس سرّه) عليه كثيرا.

و ما يقال: انما هو للتأييد بقرينة اتيانه لها بعد روايات مماثلة في المضمون.

ضعيف: حيث أنه في مواضع كثيرة لم يورد روايات مماثلة كما في المقام، و كذا الصدوق و الشيخ.

و ثانيا: برجوع التضعيف الى روايته، و لذا وصفه الفضل بن شاذان بالحمق.

و ثالثا: بنقل عدة من الاجلاء عنه و كونه صاحب كتاب و توثيق الشيخ المتأخر بظن قوي عن تضعيفه سيّما و انه لم يعثر على طعن فيه في مورد من التهذيبين، مع طعنه في المضمون كما في المقام، حيث قال الخبر شاذ شديد الشذوذ و ان تكرر في الكتب و الاصول فانما أصله يونس عن أبي الحسن و لم يروه غيره، كل ذلك يجعل الأمر فيه سهل و لا تسقط رواية من رأس.

و اشكل ثانيا: بأن ماء الورد ليس من المضاف لأنه ليس هو المعتصر من الورد اذ ذاك عزيز الوجود، بل المصعّد بالغليان بعد وضع الورد فيه، و هو ليس بمضاف بل من المطلق بشهادة ان لو فرض بحرا منه فهل يستراب في اطلاقه (1).

و فيه: انه من المضاف عرفا حيث يقيدوه به، بعد تغير رائحته و طعمه و بعض خواصه كماء الزعفران، و ما ذكروا من عدم تنجس الماء المطلق بتغير أحد أوصافه بوصف المتنجس لا يراد منه بقاؤه على اطلاقه و ان امتزج بكمية كبيرة.

و لا يحتمل الالتزام بجواز الوضوء و الغسل بما هو الموجود من ماء الورد في العصر الحاضر.

____________

(1) التنقيح ج 2/ 34.

28

........

____________

نعم المغشوش منه بالماء المطلق بكثرة- كالذي في بعض الاسواق- الذي تضعف درجة تركيزه قد يكون من المطلق المتغير بعض صفاته.

و حمله في التهذيب على استعماله للتطيب للصلاة، إذ الوضوء يطلق على استعمال الماء لمطلق التنظيف، و هو و ان كان محتملا لكن عطف الوضوء على الغسل مع التقييد للصلاة ظاهر في رفع الحدث.

و احتمال: اجمال ماء الورد في تلك الازمان حتى ان الشيخ ردّده بين الماء المجاور الى الواقع فيه الورد و بين المعتصر منه (1).

مردود: بأن منشأ السؤال في الرواية كونه من المضاف و الشيخ اتى بلفظ (قد) للاحتمال لا أنه في زمانه لم يكن من المضاف و إلا لم يتصدى لتوجيه دلالته، و هو الذي يظهر من بعض الروايات (2) التي وقع السؤال فيها عن حلية الجلّاب الذي هو معرب (كل آب) الفارسية ماء الورد الذي يطبخ مع شي‌ء من السكر و الافاويه.

و الاقوى أن ظاهر الرواية بقرينة ذكر الغسل فيها المحتاج الى كمية كبيرة من الماء أن المراد ليس المضاف منه، بل المراد الممزوج معه بحيث لا يخرجه عن الاطلاق تطيبا للصلاة كما ذكره الشيخ، كما و لا استبعاد في منشئيته للسؤال.

و لو بني على الاجمال فلا يقوى على تخصيص ما تقدم من الآية و الروايات الحاصرة للرفع بالماء، لا أنه يكون مطلقا نسبته من وجه مع الآية (3)، اذ على الاطلاق يكون ظاهرا مختصا بالمضاف، و نسبته الخصوص المطلق لانسباق ذلك‌

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2/ 80.

(2) الوسائل: أبواب الاشربة المحرمة باب 29.

(3) التنقيح ج 2/ 34.

29

........

____________

منه.

الثاني: ذيل صحيح عبد اللّه بن المغيرة-

المتقدم- عن بعض الصادقين: قال:

«... فإن لم يقدر على الماء و كان نبيذا فإني سمعت حريزا يذكر في حديث أن النبي (ص) قد توضأ بنبيذ و لم يقدر على الماء» (1).

و الظاهر منه بقرينة صدره الحاصر للوضوء بالماء و التيمم و النافي للوضوء باللبن أن النبيذ هو ماء الشرب المطلق الذي في خبر الكلبي النسابة الذي ينبذ فيه التمر لازالة العكر منه، مع أن الظاهر من (سمعت) هو سماع عبد اللّه بن المغيرة و ان كان (بعض الصادقين) ظاهر في أحدهم (عليهم السلام) تبعا للتعبير في الآية الآمرة بالكون معهم، و هو ممن روى عن أبي الحسن الاول (ع) و الكناية عنه متعارفة عند الرواة، فتكون رواية حريز مرسلة.

و نكتة التقييد بعدم القدرة على الماء أن النبيذ و ان كان ماء مطلقا إلا ان الاولوية في استعماله للشرب لا للتنظيف.

الثالث: قاعدة الميسور

كما ذكره المحقق الهمداني في المقام، و هي لو تمت مدركيا و لو بمفاد رفع الاضطرار على تقريب مذكور في محله في المركبات و كان الشرط هو الوضوء لا المسبب فإن المضاف ليس القدر الباقي من الواجب، بل هو مباين نظير ما استشكل في جريانها في غسلي الميت عند تعذر السدر و الكافور، بناء على ان الواجب فيه ماء السدر و ماء الكافور لا الماء و السدر.

نعم لو اغمض عن ذلك فلا تعارض (2) مع اطلاق ما دل على التيمم من الآية‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المضاف باب 2 حديث 1.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 75.

30

........

____________

و الرواية لأن الفرض أن المضاف هو القدر المتبقي من الواجب الطولي و الميسور منه نظير رفع الحرج لقيد المباشرة في مسح الوضوء المقدم على التيمم في حسنة عبد الاعلى مولى آل سام، و نظير تقدم قيام و ركوع الراكع خلقة على الجلوس في الصلاة.

المقام الثاني: عدم مطهريته للخبث.

عند أكثر اصحابنا كما في الخلاف، و ذهب المرتضى في الناصريات (1) الى الجواز مستدلا بالاجماع و اطلاقات الغسل و عدم صحة الانصراف بالغلبة، و ان تطهير الثوب ليس هو بأكثر من ازالة النجاسة عنه و قد زالت بغسله بغير الماء مشاهدة لان الثوب لا يلحقه عبادة، و حكى عن المفيد في المسائل الخلافية نسبته الى الرواية عنهم (ع)، و عن الاسكافي جواز ازالة الدم بالبصاق حكاه في المفاتيح.

و اختاره من المتأخرين الفيض قائلا: جوز السيد تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح بحيث يزول العين لزوال العلة، و لا يخلو من قوة، اذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسة أما وجوب غسلها عن كل جسم فلا، فكل ما علم زوال النجاسة عنه حكم بتطهيره الا ما خرج بالدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب و البدن و من هنا يظهر طهارة البواطن كلها بزوال العين، و كذا اعضاء الحيوان المتنجسة.

و الظاهر من عبارته انكار الكلية في سراية النجاسة لا من رأس و أن السراية يقتصر فيها على موارد قام الدليل عليها كالثوب و البدن بخلاف بقية المنقولات‌

____________

(1) المسألة: 22.

31

........

____________

و الثوابت، و جعل ذلك هو الوجه في الحكم بطهارة البواطن و اعضاء الحيوان المتنجسة بزوال عين النجس، مع ذهابه الى التنجس حال وجود عين النجاسة.

و هذا بخلاف ما يظهر من بعض كلمات السيد المرتضى المتقدمة من أن الطهارة من الخبث ليست إلا ازالة عين النجاسة.

فالبحث يقع في جهتين:

الاولى: في كلية سراية النجاسة الى الاجسام بملاقاة عين النجاسة.

الثانية: في تقييد مطلق الغسل بالماء دون بقية المائعات.

[الاولى: في] كلية سراية النجاسة

أما الاولى: فإن اطلاق ما دل على غسل الاواني و بمرات متعددة و الفرش و الطنفسة و الفرو و الجلود و لحم المرق المتنجس و العجين لصورة ما إذا زالت عين النجاسة بغير الغسل بل في بعضها التنصيص على ذلك دال على السراية، و كذا الأمر بغسل الموضع القذر من مطلق الثوابت اذا جف بغير الشمس و لو كانت قذارته من متنجس كماء قدر، مضافا الى ما ورد من الامر بغسل الثوب و البدن بمجرد الملاقاة و ان لم يكن اثرا محسوسا من عين النجاسة.

كل ذلك يعزز امضاء الفهم العرفي لمعنى القذارة و لاعتبار النجاسة لأعيان مخصوصة من تأثيرها فيما تلاقيه بالانفعال مع الرطوبة المسرية، و بذلك يتم العموم لأدلة نجاسة تلك الاعيان و لمثل موثق عمار (1) الوارد في خصوص الماء المتنجس بالفأرة «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء».

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 4 حديث 1.

32

........

____________

بل ان ارتكاز التأثر من تلك الاعيان حتى في صورة الجفاف أو بقاء بعض آثارها كاللون و الرائحة، موجود لدى الرواة في اسئلتهم إلا أن الشارع لم يرتب عليه احكاما لزومية في هذه السعة من دائرة التأثر.

و أما البواطن و جسم الحيوان و موضع النجو، ففي الأول و الأخير وردت نصوص مخصصة بها، و كذا الثاني، مثل ما دل على طهارة سؤر الطيور اذا لم يكن على موضع مباشرتها نجاسة، مع العلم في كثير من الموارد بمباشرتها للنجاسة بذلك الموضع، كما أن مقتضى الاصل بقاء النجاسة بناء على الاذعان بالتنجس و لو عند وجود عين النجاسة.

[الجهة الثانية: فى] تقييد الغسل بالماء

أمّا الجهة الثانية: فقد استدل على التقييد بالماء مقابل اطلاقات الغسل:

[ادلة عدم مطهريته للخبث]

أولا: بما ورد مقيدا بالماء في موارد متعددة

كحصر تطهير مخرج البول بالماء، و ما ورد في غسل الأواني و الثياب، ففي بعضها «ان وجد ماء غسله، و ان لم يجد ماء صلي فيه» (1) و «عن رجل يكون في فلاة من الأرض و ليس عليه إلا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: يتيمم و يصلي عريانا» (2)، مضافا الى الانصراف في المطلقات الى الماء حيث أن التنقية و التنظيف في الاعتياد الجاري هو بالماء.

و فيه: انه قد يكون التقييد من باب غلبة وجود الماء فلا يقوى على تقييد المطلقات مع أن المضاف المتعارف استعماله في التنظيف هو ما يخلط من‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 45 ح 5.

(2) الوسائل: أبواب النجاسات باب 46 ح 1.

33

........

____________

المطلق مع انواع اوراق الاشجار و الطين و غيرها، ففرض انتفائه فرض لانتفاء المضاف أيضا، كما ورد في غسل الميت بناء على كونه بماء السدر و ماء الكافور و كما في غسل الأواني بالطين من نجاسة الكلب.

و من ذلك تندفع دعوى حصر الاعتياد في المطلق مؤيدا بأن الاستنجاء بالاحجار امضائي كما يظهر من الروايات، مع أن التقييد في موارد محتاج الى دعوى عدم الفصل أو عدم الخصوصية ليتم التقييد به في جميع الموارد، و أيضا الحصر في بعضها إضافي.

ثانيا: ما تقدم في عدم رفعه للحدث

من انه مقتضى الامتنان بجعله طهورا في الآية و الرواية المتقدمة، و دعوى ندرة استعمال غيره، قد عرفت حالها كالحال في دعوى صحة الامتنان به لوجوده في المضاف.

ثالثا: ما ذكره المحقق في المعتبر من أن التطهير به يستلزم ملاقاته للنجاسة فتوجب نجاسته

و لا يطهر بما هو متنجس، و لا ينقض بالماء للاجماع على التطهير به و لضرورة الحاجة مع امكان منع وجود دليل على انفعال الماء.

و فيه: انه سيأتي في بحث الغسالة حلّ التعارض بين اطلاق دليل انفعال القليل و اطلاق دليل انفعال الاشياء بالمتنجس و اطلاق دليل الامر بالغسل به، بقصور الاطلاق الثاني عن موارد الغسل و التطهير و انصرافه لنكتة المناسبة العرفية، و هي أن الماء المطهر يحمل القذارة من المحل المتنجس فيسبب طهارة المحل و قذارة نفسه من دون تأثيره مرة اخرى في المحل بنفس القذارة التي حملها منه، فهو حامل لها و طارد لها عن المحل.

34

........

____________

فبنفس النكتة يجاب عن التعارض- مع اطلاق دليل عدم التطهير بالنجس- انه بالنجس الذي يحمل نجاسة سابقة مغايرة لقذارة المحل، لا الذي تنجس بقذارة المحل لحملها و طردها عن المحل.

و بذلك يكون مقتضى القاعدة سلامة اطلاق دليل انفعال القليل في الغسالة، و هذا الحلّ بعينه يتأتى في التطهير بالمضاف كما هو واقع في غسلي الميت و غسل الآنية بالطين.

الرابع: استصحاب النجاسة

بناء على التردد بين انصراف المطلقات و تقيدها و بين كون التقييد بالماء غالبيا، و قد تقدم جريانه بمجرد الاذعان بالتنجس حين وجود النجاسة.

نعم لو منع منه في الشبهات الحكمية لجرت قاعدة الطهارة سواء كانت الغاية فيها (قذر) بنحو التوصيف أو الفعل، إذ لا يمنع من جريانها على الثاني دعوى حصول الغاية حيث انه في موارد اليقين السابق و الشك اللاحق يعلم بحدوث القذارة و لو سابقا (1)، إذ لو منع ذلك لمنع على الأول أيضا حيث أنه في المورد المزبور يعلم أيضا بتحقق التوصيف سابقا.

و الحل ان ظاهر الغاية مختص بالقذارة في زمن الشك بقرينة ورود القاعدة كوظيفة عملية تسهيلية مع اطلاق الشي‌ء المشكوك افراديا و أحواليا و ظهور الغاية (حتى يعلم) في التعقب و وحدة متعلقها مع متعلق الشك ذاتا و زمنا.

و لك أن تقول أن ظاهر العلم المأخوذ غاية هو الرافع للحيرة لاتحاد متعلقه‌

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 86.

35

........

____________

زمنا أو تأخره عن زمن متعلق الشك، لا العلم السابق غير الرافع للحيرة لتعقبه بالشك، و من ذلك يعلم ما في منع صاحب الجواهر (1) من عموم القاعدة لما علم حالته السابقة.

أدلة مطهريته للخبث

ثم انه قد يستدل على المطهرية مضافا الى الاطلاقات بموثقة غياث عن أبي عبد اللّه (ع) قال: لا يغسل بالبصاق (بالبزاق) غير الدم» (2)، و بطريق آخر «لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق».

و الصورة الاولى هي ما ذكره في الكافي بقوله: روى بناء على اطلاق الدم، لكنها مع دلالتها على عدم مطهريته لغير الدم ظاهرة في ازالة دم جوف الفم، و الذي يطهر بمجرد الازالة، بل لا يكون نجسا الا بعد خروجه من الفم.

و بصحيحة حكم بن حكيم بن اخى خلاد انه سأل أبا عبد اللّه (ع) فقال له:

أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط و بالتراب ثم تعرق يدي فأمسح به وجهي، أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي قال: لا بأس به (3).

و مثلها صحيح العيص بتقريب أنهما مع رواية غياث تدل على أن الغرض من التطهير هو الازالة و هي كما تحصل بالمذكور فيهما تحصل بالمائعات، مؤيدا بالامر بتطهير الثياب في الآية الذي هو كناية عن التقصير أي إزالة النجاسات.

____________

(1) الجواهر ج 6/ 194.

(2) الوسائل: أبواب المضاف باب 4 حديث 1.

(3) الوسائل: أبواب النجاسات باب 6 حديث 1.

36

و ان لاقى نجسا تنجس (1) و ان كان كثيرا، بل و ان كان مقدار ألف كر،

____________

و فيها: أنها غير دالة على خصوص ذلك بل تحتمل عدم تنجيس المتنجس، و ان كان رفع تنجسه هو نفسه بالغسل لا بالازالة، مع احتمالها و لو ضعيفا عدم العلم باصابة العرق الموضع المتنجس أو عدم اصابته الوجه و الجسد، و لو فرض الاخذ بظاهرها البدوي فهي محمولة على التقية لكونها فتوى العامة بعد معارضة مع ما دل على لزوم الماء في التطهير من البول.

انفعاله بالملاقاة

(1)

اجماعا محكيا من عدّة إلا انه في النهاية و المقنعة في باب الأطعمة في مسألة القدر المغلي فيه اللحم و اريق فيه الدم قليلا الذهاب الى عدم انفعال المرق اذا احالت النار الدم، و يظهر من النكت التمايل إليه تبعا للرواية.

و يدل على انفعال المائع ماء مضافا كان أو غيره

مما لم يكن ماء مطلقا:

أولا: اطلاق النهي عن استعمال الآنية المستخدمة للخمر و نحوه من النجاسات،

الشامل لاستعمالها في تناول المضاف.

مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن آنية أهل الذمة و المجوس، فقال: «لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا من آنيتهم التي يشربون فيها الخمر» (1).

و صحيحة ابن مسلم الاخرى عن احدهما (ع) (في حديث) قال: سألته عن الظروف، فقال: «نهى رسول اللّه (ص) عن الدباء و المزفت و زدتم انتم الحنتم يعني الغضار، و المزفت يعني الزفت الذي يكون في الزق و يصبب في الخوابي‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 72 حديث 2.

37

فانه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، و لو بمقدار رأس إبرة في أحد

____________

ليكون أجود للخمر» (1)، و مثلها مصحح أبي الربيع الشامي و غيرها.

و كذا اطلاق الأمر بغسل الاناء المتنجس كي يجوز استعماله للمطلق و المضاف، مثل موثق عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (ع) (في حديث) قال:

«اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات» (2)، و غيرها.

و هذه الاطلاقات دالة على انفعاله بالمتنجس الثاني أي بالمتنجس بالواسطة فضلا عن عين النجس لكنها في مورد القليل.

بل و يمكن تحصيل الدلالة على انفعاله و لو بوسائط عديدة، لما في مثل موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سئل عن الكوز و الاناء يكون قذرا، كيف يغسل؟»، حيث اخذ عنوان القذر بلا تقييد فإذا تم دليل على تقذر الاناء بوسائط متعددة دلت الموثقة حينئذ على انفعال المضاف بتلك الوسائط مع زيادة وساطة الاناء.

و مثلها في الدلالة بالخصوص موثق عمار الآخر عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: «اذا غسل فلا بأس»، و قال: في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر، قال:

«تغسله ثلاث مرات»، و سئل أ يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: «لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرات» (3)، نعم ذيله دال بالإطلاق و معاضد لاستفادة الشمول للمضاف من المطلقات السابقة.

____________

(1) المصدر: باب 52 حديث 1.

(2) المصدر: باب 53 حديث 1.

(3) الوسائل: أبواب الاشربة المحرمة باب 30 حديث 1.

38

أطرافه فينجس كله،

____________

ثانيا: اطلاقات دليل نجاسة سؤر الكافر و الكلب و الخنزير

و غيرها من الاعيان النجسة الشاملة للمضاف، و دعوى الانصراف الى الماء، ليست كاسرة للظهور الاطلاقي سيما و انه ورد في الاسئار الطاهرة ذكر مطلق الطعام في مقابل الشراب.

نعم هي في مورد الملاقاة بعين النجس، و هل تعم الكثير؟ قيل بدلالة موثق عمار السابق في الماء المتنجس بالفأرة الميتة «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» على تنجس كل ملاق له جسما أو مائعا، مضافا أو مطلقا، كثيرا أو قليلا.

و بموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه و يشرب، و لا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه» (1)، و بالمطلقات الواردة.

و دعوى: عدم كونها في مقام البيان من جهة المشروب منه بل من جهة الشارب (2).

مدفوعة: برجوعه مآلا الى اقسام الشرب، مع دلالة الموثق على كونها في مقام البيان من تلك الجهة، لكن دعوى احتفافها بقرائن حالية أو مقالية على كون موردها القليل قريبة جدا.

و أما الموثق الاول فهو في مورد الملاقي للجسم، حيث انه الذي يقبل الغسل، نعم استفادة التنجيس منه اجمالا للمائعات بمعونة الارتكاز العرفي في القذارات‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الاسئار باب 1 حديث 7.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى 1/ 103.

39

........

____________

في محله، الا أن القدر المتيقن منه القليل.

و اما الموثق الثاني فدلالته تامة، و لا يخصصها تقييد الفضل للسنور بالتوضؤ منه، و كما لا يخدش فيها تقييد المستثنى بالاستقاء- لتردده بين الكناية عن مطلق الكثرة فيكون المستثنى شاملا للمضاف أو كناية عن اطلاق الماء فيبقى في المستثنى منه- لما عرفت من أعمية السؤر و ذكر التوضؤ لبيان ترتب آثار الطهارة و لذا عطف بالشرب، و قد ورد في خصوص السنور فضل سؤره من الطعام في قبال الشراب.

و لأن التقييد بالاستقاء بعد ذكر ما يدل على الكثرة ظاهر في تعدد القيد، أي ان كلا من المائية و الكثرة دخيل في الاستثناء، اذ لو أريد مطلق الكثير أ كان ماء مطلقا أو مضافا لكان التعبير بعنوان يؤدي معنى الكثرة فقط لا المائية مع الكثرة.

نعم يحتمل أن التقييد هو لأجل الارشاد لاستهلاك عين النجاسة أي لعاب الكلب، فالتقييد هو بما يزيد على الاكرار لأجل استهلاك عين النجاسة لا للتفصيل في الانفعال بالملاقاة (1).

ثالثا: روايات تنجس القدر و نحوه،

مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: «اذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فإن كان جامدا فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تأكله، و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» (2).

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى 1/ 103، و سيأتي بسط للخدشة و جوابها في رسالة اعتصام الكر من المضاف فلاحظ.

(2) الوسائل: أبواب الماء المضاف، باب 5 حديث 2.

40

........

____________

و معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ان عليا (ع) سئل عن قدر طبخت و اذا في القدر فأرة، قال: «يهرق مرقها و يغسل اللحم، و يؤكل» (1)، و قد يتأمل في دلالتها لاحتمال اشتمال المرق على اجزاء عين النجاسة.

و مثلهما صحيح معاوية بن وهب (2)، الا ان فيه زيادة (أو عسل)، و كذا صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال: «ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فانه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، و ان كان بردا فاطرح الذي كان عليه، و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه» (3).

و السؤال فيه عن مطلق الطعام و الشراب و ان كان الجواب مثّل بالثلاثة المزبورة فهي ناصة على التعميم، و غيرها من الروايات المعتبرة الدالة على انفعاله و شرطية الميعان و السيولة في ذلك كي تحصل السراية.

و قد يقرب شمولها للكثير بترك الاستفصال.

و فيه: ان ذلك في موارد اجمال السؤال لا المقام الظاهر في القليل بالانصراف، نعم في صحيحتي (4) سعيد الاعرج و علي بن جعفر نفي البأس عن الطبيخ من اللحم في القدر تقع فيه اوقية دم اذا طبخ لأن النار تأكل الدم.

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المضاف، باب 5 حديث 3.

(2) الوسائل: أبواب الاطعمة المحرمة باب 43 حديث 1.

(3) الوسائل: أبواب الاطعمة المحرمة باب 43 حديث 3.

(4) الوسائل: أبواب الاطعمة المحرمة باب 44 حديث 2.

41

........

____________

و مثلهما رواية زكريا بن آدم (1)، و هي التي استند إليهما المحقق في (النكت) لعدم انفعال المضاف بالدم القليل اذا أحالته النار.

و كذا صحيح سعيد الاعرج الاخر في نفي البأس عن وقوع الفأرة و الكلب الحيين في الزيت و السمن (2).

و في صحيح علي بن جعفر الآخر قال: و سألته عن فأرة أو كلب شربا من زيت أو سمن، قال: «ان كان جرّة أو نحوها فلا تأكله و لكن ينتفع به كسراج أو نحوه، و ان كان أكثر فلا بأس بأكله الا ان يكون صاحبه موسرا يحتمل ان يهريق فلا ينتفع به في شي‌ء» (3)، و رواه الحميري في قرب الاسناد، و اخرجه في البحار (4) منه و من كتاب المسائل مع زيادة لفظ (اللبن) معطوفا عليهما.

و الظاهر من الثلاث الاول هو الدم الطاهر و إلا لما كان معنى محصل لتطهيره بإحالة النار بعد تنجيسه للمضاف، و أكل النار له الذي هو عبارة عن احالته و استهلاكه في المضاف مناسب لنفس موضوع حرمة أكل الدم الذي هو خبث و ان كان طاهرا كما ذكره العلامة.

و أما الرابع فمع عدم وجود لفظة (الكلب) في التهذيب و إن كانت في متن الرواية في الكافي، فهو و ان كان يحتمل التقية بعد كون فتوى مالك في الكلب الحي الطهارة، و لكنه قابل للحمل على التفصيل في صحيحة علي بن جعفر‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 38 حديث ح 8.

(2) الوسائل: أبواب الاطعمة المحرمة باب 45 حديث 1.

(3) الوسائل: أبواب الاطعمة المحرمة باب 45 حديث 3.

(4) البحار ج 80 ص 58.

42

........

____________

(الاخيرة) بين القليل و الكثير لتفصيلها بين الجرّة و الاكثر.

و الجرّة في بعض الروايات تسع ألف رطل كما في صحيحة علي بن جعفر (1)، و موثقة سعيد الاعرج (2) بناء على قراءة (تسع مائة) اسم عدد لا الفعل اذ هو المناسب لفرض الرواية و تكون مقيدة للمطلقات السابقة على فرض شمولها للكثير، و حمل صاحب الوسائل لها على الضرورة أو الجامد خلاف الظاهر منها.

و أما تضمنها النهي عن سؤر الفأرة فمحمول على الكراهة نظير ما ورد في روايات اخرى بقرينة ورود الجواز، و استثناء الذيل باليسار فهو لرجحان التجنب و تقييده باليسار لتحقيق المكنة على امتثاله.

و لم أر من تعرض لها في مظان المسائل ما عدا صاحب البحار و علق عليها بقوله «و أما تجويز الاكل مع كثرة الدهن فلم أر قائلا به في الكلب، و حمله على الجامد بعيد جدا، لا سيما في الاخير إلّا أن يحمل اللبن على الماست و يمكن تخصيصه بالفأرة، انتهى.

و يشير بالاخير الى لفظة اللبن المعطوفة على السمن و الزيت في كل من نسختي قرب الاسناد و كتاب المسائل لعلي بن جعفر عنده، و كما هو كذلك في النسختين الموجودتين الآن.

و التخصيص بالفأرة كما ترى تصرف في الدلالة من دون موجب معتبر، مع‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 8 حديث 16، 8، في الحديث الاول في الهامش الحب بدل الجرّة و هي أيضا الجرّة الضخمة كما في لسان العرب.

(2) المصدر السابق حديث 6.

43

........

____________

أن صحيحة سعيد الاعرج المتقدمة معاضدة و ان كانت مطلقة لحملها على التفصيل، و هي مروية في الكافي و هي موافقة للاعتبار حيث أن المائعات الأخرى أكثر كثافة من الماء المطلق فهي أولى بالاعتصام مع الكثرة، هذا فضلا عمن لا يرى انفعال الماء القليل.

و لذا يضعف الاستدلال على انفعال المضاف بالاولوية من الانفعال الثابت للماء المطلق القليل، و حملها على التقية خلاف التفصيل الذي فيها و بدون شاهد من معارضة و نحوها.

و أيما كان فالاطلاقات السابقة على القول بشمولها للكثير لا تتناول الاحواض و المخازن الضخمة جدا في المصانع العصرية و آبار النفط و نحوها، بعد عدم صدق الملاقات لكل المجموع و ان بني على انفعال المجاور بعد عدم تحقق السراية في مثله.

و دعوى: التنقيح أن الترديد في تحديد مقدار الانفعال قاض بانفعال الكل.

مدفوعة: بالاقتصار على القدر المتيقن بعد وضوح تغاير المجاور منه مع البعيد.

و لا يخفى الفرق بين البناء على عدم انفعال مطلق الكثير و بين تخصيص ذلك بالكثير المفرط من باب التعدد، كما ان الاعتصام المدلول عليه بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة هو في خصوص الملاقاة، و أما التغير بأوصاف النجس فباق تحت الاطلاقات السابقة الدالة على الانفعال و تحت ما دل على نجاسة الاعيان المعينة الدال على اجتناب المتغير باوصافها و قذاراتها.

و كيفية تطهيره على هذا القول الآتي لاحقا في المسائل مع قول العلامة بتطهيره هو بالاتصال بالكر من الماء على ما حكاه عنه في الذكرى.

ثم ان المقدار المستفاد من الأدلة هو انفعال المضاف بين النجس و المتنجس الاول و يأتي تتمة الكلام في تنجيس المتنجس.

44

........

____________

رسالة في اعتصام الكر من المضاف (1)

الاقوال في المسألة

الاول: ما هو مشهور الفقهاء و عليه معاقد الاجماعات،

من انفعاله سواء كان كثيرا أو قليلا بل حتى لو كان بمقدار ألف كر كما في بعض العبائر.

____________

(1) و هي تقرير: لما أفاده الشيخ الاستاذ في بحث درسه، من إقامة الدليل على عدم انفعال الماء المضاف الكثير، أعني به الكر من المضاف.

اذ انفعال المضاف الملاقي للنجاسة مهما كان حجمه قد أدعي عليه الاجماع، و مخالفته بحاجة الى حجة و دليل، إلا أن الصحيح أن هذه المسألة ليست إجماعية فقد ذهب كل من الشيخ المفيد في المقنعة، و الشيخ الطوسي في النهاية في كتاب الاطعمة و الاشربة في مسألة القدر المغلي فيه اللحم اذا أريق فيه الدم النجس القليل إلى عدم انفعاله اذا أحالته النار، و يظهر من المحقق الحلي في النكت

45

........

الثاني: انفعاله حتى لو كان كثيرا

____________

لكن لا بحيث يكون بحجم آبار النفط و بحيرة من الماء المضاف، و هو المحكي عن السيد أبي الحسن الاصفهاني في بحثه كما في انوار الوسائل ج 1/ 327، و ذهب إليه السيد الحكيم- (قدّس سرّه)- و تبعه جماعة من متأخري العصر.

الثالث: التفصيل بين القليل و الكثير،

فلا ينفعل إذا كان كثيرا- بمقدار كر- فما‌

____________

التمايل إليه تبعا للرواية.

كما أنه قد استشكل عدة من أعلام متأخري العصر في مدرك انفعال الكثير من المضاف، إذ أن المشهور تمسك بإطلاق بعض الروايات الواردة في انفعال القليل منه، و هذا الاطلاق ليس بتام كما سيظهر.

فحكي عن السيد ابي الحسن الاصفهاني (قدّس سرّه) في بحثه تقريب الطهارة في ملاقاة الكثير و لا سيما اذا كانت الكثرة كآبار الزيت و النفط، و فصل السيد الحكيم (قدّس سرّه) في المستمسك بين الكثير الذي بحجم آبار النفط و بين غيره، و تبعهما جماعة من فقهاء العصر.

كما صرح السيد الخونساري (قدّس سرّه) في جامع المدارك بأن لا دليل عليه من الاخبار، فالعمدة الاجماع إن تم، و هو شبيه لما أفاده الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) في المصباح، كما قد تمايل الى عدم تمامية التمسك بإطلاق الروايات الشيخ الميرزا هاشم الآملي (قدّس سرّه) في بحثه.

و لو سلمنا حجية الاجماع و تماميته لا نسلمه في المورد اذ هو مدركى، مستند الى الإطلاقات المزبورة و التي سيظهر الحال فيها، و على فرض تماميتها فان في المقام صحيحتين تقيدان المورد بالمضاف القليل اذا لاقته نجاسة، و هما صحيحتا سعيد الاعرج و علي بن جعفر و سيتضح تفصيل الكلام و النقض و الابرام فيهما.

و للثمرة المرجوة من هذه المسألة- سيما لاصحاب مصانع الالبان و الادهان و كذا مصانع الاشربة و محطات تكرير النفط و ما أشبه- انتخبت هذه المسألة من بحث الشيخ الاستاذ و أفردت لها رسالة مستقلة عسى أن يعم النفع بها.

احمد الماحوزي

17 ربيع الثاني 1414 ه‍

46

........

____________

فوق (1).

دليل القول الاول

أولا: التمسك بإطلاق بعض الروايات

تمسك المشهور بروايات عديدة، و قبل الدخول في ذكر تصوير دلالتها، قد يقرب الاطلاق فيها ببيان عام جار و معاضد لدلالتها على الاطلاق أو العموم، و هو ترك الاستفصال فيها و هذا يكفي للتمسك بالإطلاق، و إلا يكون من موارد الاغراء بالجهل.

و فيه: أن ترك الاستفصال أنما يتأتى في المورد الذي يجمل السائل مورد سؤاله بلا دلالة لفظية أو حالية على دخول مورده في أحد شقوق الطبيعة الكلية، فحينئذ تكون الاجابة منه (عليه السلام) بلا استفصال و استفسار من السائل على تعيين مورده تكون تلك الاجابة عين الاطلاق، اذ لو كان لاحد الشقوق دخل لكان على الامام (عليه السلام) ان يستفصل من السائل كي لا تندرج الشقوق الخارجة عن موضوع الحكم فيه، فحيث ترك الاستفصال يدل على كون الحكم و المحمول على كلي الطبيعة.

و هذه الضابطة لا تتأتي في ما نحن فيه إذ مورد اسئلة الرواة محتفة بقرائن إما لفظية او حالية دالة على قلة المضاف الذي وقع السؤال عن حكمه، فليس السؤال مجمل حينئذ في المورد كي تكون الاجابة المطلقة محمولة على كلي الطبيعة و انما هي محمولة على المورد المقيد بالقلة.

____________

(1) و قد حكى الاستاذ أن شيخه الاستاذ الميرزا هاشم الآملي- (قدّس سرّه)- مال إليه في بحثه.

47

........

____________

و الروايات التي تمسك بها المشهور هي:

الرواية الاولى

موثقة عمار الساباطي أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فأرة، و قد توضأ من ذلك الاناء مرارا، أو أغتسل منه، أو غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلخة، فقال: «إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء، فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شي‌ء لانه لا يعلم متى سقطت فيه، ثم قال: لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها» (1).

و تقريب الاستدلال: أن نجاسة الملاقي- و هو البدن أو الثياب- من آثار نجاسة الملاقى- و هو الماء الذي لاقى الفأرة المتسلخة- و حيث دلت بعمومها على وجوب غسل كل ما لاقاه متنجس فنجاسة الملاقى بنفسها تقتضي نجاسة كل ما لاقاه كثيرا كان الملاقي أم قليلا ماء كان أو مضافا، و الخروج عن ذلك يحتاج الى دليل (2).

و يرد عليه: أن الملاقي في مفروض الرواية هو الجسم حيث أنه هو الذي يقبل الغسل، نعم استفادة التنجيس منه إجمالا للمائعات بمعونة الارتكاز العرفي في محله، الا أن القدر المتيقن منه القليل.

____________

(1) الوسائل: ابواب الماء المطلق باب 4 حديث 1.

(2) التنقيح ج 2/ 51.

48

........

____________

الرواية الثانية

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اذ وقعت الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامدا فألقها و ما يليها، و كل ما بقى، و ان كان ذائبا فلا تأكله، و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» (1).

و وجه الدلالة: حيث نقطع من قوله (عليه السلام) (و الزيت مثل ذلك) أن الحكم المذكور- أي نجاسة ملاقي النجس- ليس مما يختص بالسمن أو الزيت و انما هو مستند الى ميعانهما و ذوبانهما، فكل مائع له ذوبان يحكم بنجاسته اذا لاقى نجسا، بلا فرق في ذلك بين كثرته و قلته، و السمن و الزيت و ان كانا خارجين من المضاف، إلا انا نقطع بعدم خصوصية لهما في الحكم، و انه مستند الى ذوبان الملاقي و ميعانه مضافا كان أم لم يكن، و على الاول قليلا كان أو كثيرا (2).

و فيه: ما تقدم في صدر الاستدلال من الاشكال على تقرير الاطلاق بترك الاستفصال من أن الرواية منصرفة عن المضاف الكثير، بقرينة الانية المقدرة في فرض السائل.

الرواية الثالثة

معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)، أن عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة قال: يهراق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل (3).

____________

(1) الوسائل: ابواب الماء المضاف باب 5 حديث 1.

(2) التنقيح ج 2/ 52.

(3) الوسائل: ابواب الماء المضاف باب 5 حديث 3.

49

........

____________

بتقريب: أن الاطلاق من حيث كبر القدر و صغره و الاطلاق من حيث كثرة المرق و عدمها دليل على انفعال الكثير من المضاف.

و ترك الاستفصال في الرواية دال على شموله للمضاف الكثير مهما كان حجمه.

و يرد عليه: ما أوردناه على الرواية السابقة، كما يحتمل أيضا اشتمال المرق على أجزاء عين النجاسة.

و دعوى: أن العرب في مضايفهم ربما يطبخون بعير في القدر الواحد، و أن المرق بمقدار كر أو أكثر (1).

بحاجة: الى شواهد و دليل، نعم في زمن نبي الله سليمان كانت هناك قدور راسيات تسع الكر و ما فوق، لكن هذا كان من مآثر و اختصاصات نبي الله سليمان (عليه السلام).

الرواية الرابعة

كما يمكن أن يستدل للمشهور أيضا بروايات الأسآر.

كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه و يشرب، و لا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه، و هذه الرواية هي عمدة الروايات التي استدل بها على نجاسة المضاف الكثير مطلقا (2).

و تقريبها: أن الاستثناء لخصوص الماء الكثير دال على عموم المستثنى منه،

____________

(1) التنقيح ج 2/ 53.

(2) الوسائل: ابواب الاسآر باب 1 حديث 7.

50

........

____________

فيشمل المضاف القليل و الكثير و الماء القليل.

و الخدشة: بأن السؤر لا يعم المائع الكثير فالاستثناء منقطع فلا دلالة فيه على العموم.

مجابة: بإمكان دعوى صدق السؤر على المائع الكثير الذي هو بحد الكر أو يزيد قليلا، و بدلالة الاستثناء المنقطع على العموم كما حققه السيد اليزدي في حاشيته على المكاسب- تبعا لابن الناظم في شرحه للألفية- في ذيل أدلة اللزوم العامة عند قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ حيث يثار إشكال انقطاع الاستثناء لكون الباطل عرفا أخص من مطلق المعاملة فلا يكون فيها دلالة على العموم.

و نظير هذه الخدشة و دفعها، استظهار كون المورد في المستثنى منه هو خصوص الماء لتقييد فضل السنور في هذه الرواية بالتوضؤ منه (1).

وجه الدفع: أن عنوان الفضل أستعمل في روايات الاسئار في مطلق ما باشره الحيوان طعاما كان أو شرابا، كما يظهر ذلك للمتصفح للروايات، بل و في خصوص فضل السنور أيضا.

مضافا الى أن ذكر التوضؤ معطوف عليه جواز الشرب و هو لا يختص بالماء بل لمطلق المائع فذكر كل من التوضؤ و جواز الشرب من باب الكناية عن الطهارة و بيان ترتيب مطلق آثار الطهارة، لا في خصوص الماء بل في كل مائع و آثارها في كل مورد بحسبه.

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 104.

51

........

____________

و كذا الخدشة: الثالثة بان التقييد بالاستقاء مجمل لإمكان كونه كناية عن مطلق الكثير و لو كان مضافا أو كناية عن اطلاق الماء، فعلى الاول تكون الرواية دالة على اعتصام الكثير لأن المستثنى حينئذ عنوان عام يشمله و على الثاني يكون المستثنى خصوص الماء الكثير، فيدل على انفعال المضاف (1).

فبذلك تصبح دلالة الرواية مجملة على انفعال المضاف الكثير.

وجه الاندفاع: أن التقييد بالاستقاء قيد ثاني بعد التقييد الاول و هو كبر الحوض، و الاصل في التقييد التأسيس لا التأكيد، فحينئذ تكون الكثرة مدلولة بكبر الحوض و الاستقاء دال على المائية، مضافا الى تعارف استعمال عنوان الاستقاء لخصوص الماء.

نعم: قد يستظهر أن الرواية ليست في مقام بيان الانفعال بالملاقات، بل في مقام الارشاد الى كيفية التخلص من عين النجاسة و هي لعاب الكلب حيث انها لو كانت في المقام الاول لما احتيج الى بيان كثرة الماء بما يكون أكرارا عديدة كما هو المستفاد من مجموع عنوان المستثنى.

فتكون نكتة استثناء الاكرار الكثيرة المكنى عنها بالاستقاء هو كونه من مصدر مائي بحجم كبير كي يستهلك لعاب الكلب بهذه الكمية الكبيرة لا لبيان موارد عدم الانفعال بالملاقات فلا تكون الرواية حينئذ في مقام الدلالة على المطلوب.

و قد يقال: في دفع هذه الخدشة أن في روايات المقام الكر قد ورد التعبير ب‍ (بول الدواب و ولوغ الكلاب) و مع ذلك كانت الاجابة في تلك الروايات ب‍ (اذا‌

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 1/ 104.

52

........

____________

بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء) فلو كان بقاء لعاب الكلب موجبا للمحذور لما حكم بالطهارة و الاعتصام في روايات الكر.

و فيه: ان تلك الروايات ليست في مقام بيان المعالجة لعين النجاسة من حيث هى، و انما هي في مقام بيان عدم انفعال الكر في نفسه بالملاقات، فلو فرض أن لعاب الكلب موجود بأجزاء منتشرة في الكر فذلك لا يوجب نجاسة الكر بمجرد ذلك ما لم يتغير في الحكم الواقعى، و ان كان بحسب الوظيفة الظاهرية واجب اجتنابه في ما اذا لم يمكن تمييز مواضع أجزاء عين النجاسة.

و كم له نظير في روايات أدلة الاحكام، حيث أنها قد تتعرض الى جهة و تكون الجهات الاخرى مسكوت عنها، فقد يسأل الراوي سؤال فيه عدة شوق، و يجيب الامام (عليه السلام) على شق واحد من تلك المسألة اتكاء على قرائن حالية و مقامية.

الرواية الخامسة

زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: يهراق المرق، او يطعمه أهل الذمة، أو الكلب و اللحم اغسله و كله (1).

و فيها: أن الكثرة هنا ليس بمعنى الكثرة الشرعية أي كر فما زاد، بل هي الكثرة في نظر السائل و في الخسارة التي ستحصل من جراء إراقة المرق، نظير ما قاله أحد الرواة للامام الباقر (عليه السلام): الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من‌

____________

(1) الوسائل: ابواب النجاسات باب 38 حديث 8.