سند العروة الوثقى - كتاب النكاح - ج2

- الشيخ محمد السند المزيد...
361 /
2

الجزء الثاني

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة كتاب النكاح]

[مقدمة المؤلف]

و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و سيد الكائنات أمين الله على جميع وحيه المبعوث رحمة لكل العالمين و على آله الولاة بعده.

و قد وفق تعالى بعد إنهاء دورة بحث الحج التي ألقيتها في أيام التعطيل على الإخوة الأفاضل، أن أبدأ بحث كتاب النكاح في العروة الوثقى و تكملته في وسيلة النجاة، فجاءت هذه المدونة من جزءين كبداية لسلسلة هذه الأبحاث، و قد قام بضبطها و تحريرها الفاضلان الألمعيان المدققان الشيخ قيصر التميمي و الشيخ علي حمود العبادي أدام الباري توفيقهما و أحمده تعالى على المثابرة و المكابدة التي تميزا بها راجياً لهما المزيد من الدرجات العلمية و خدمة الدين الحنيف.

قم- عش آل محمد- محمد سند

25 ذي القعدة الحرام

1428 ه‍-. ق

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة [للمقررين]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

و بعد، فإن من منن الله تعالى أن وفقنا للتشرف بحضور ما ألقاه سماحة الشيخ آية الله محمد السند «دامت بركاته» من الأبحاث في الفقه و الأصول، و من جملة هذه الأبحاث التي تشرفنا بحضورها و تقريرها هي الأبحاث المتعلقة بكتاب النكاح التي كانت عبارة عن بحث موسع ألقاه سماحته في أيام التعطيل طيلة خمس سنوات.

و من الجدير بالذكر إن قسماً من هذه المباحث جاءت على ضوء مسائل العروة الوثقى للسيد اليزدي+، و القسم الآخر جاء على ضوء المسائل في كتاب « «وسيلة النجاة»» للسيد أبو الحسن الأصفهاني.

و أخيراً أسأله تعالى أن يتقبل منا هذه البضاعة المزجاة و يجعلها ذخراً لنا في الدنيا و الآخرة و أن يسددنا و يرشدنا منهاج الرشاد، إنه ولي التوفيق.

الشيخ قيصر التميمي

الشيخ علي حمود العبادي

عش آل محمد قم المقدَّسة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[فصل في أولياء العقد]

فصل

في أولياء العقد

و هم الأب و الجد من طرف الأب، بمعنى أب الأب فصاعداً فلا يندرج فيه أب أم الأب، و الوصي لأحدهما مع فقد الآخر، و السيد بالنسبة إلى مملوكه، و الحاكم. و لا ولاية للأم و لا الجد من قبلها و لو من قبل أم الأب، و لا الأخ و العم و الخال و أولادهم.

____________

ضوابط عامة في ولاية الأولياء

الأمر الأول: تحديد موضع الإجماع على عدم ولاية غير الأب و الجد

أما الولاية لهما في الرشيدة؟ فهو تام على مقتضى القاعدة.

و أما في الصغير، فهو تام أيضاً على مقتضى القاعدة بلحاظ خصوص فعل النكاح لا الأموال؛ لقصور قاعدة أولي الأرحام عن الشمول لغير الأفعال الضرورية للمولى عليها.

و أما في البالغ غير الرشيد مع فرض الحاجة له و مع عدم وجود الأب و الجد، فثبوت الولاية لغيرهما محل تأمل، لا سيما إذا بني على أن الولاية للأب و الجد على غير الرشيد بنحو التشريك و لا يستبدّ الولي فيها.

10

الأمر الثاني: في الجمع بين الروايات

إن طوائف الروايات الواردة في الولاية جملة منها يعم الباكر الرشيدة و لا تختص بغير الرشيدة، فلا بدّ في مقام الجمع بينها من ملاحظة ذلك.

الأمر الثالث: الفرق بين الولاية على الصغير و الولاية على الرشيد

إن الولاية على البالغ غير الرشيد تختلف عن الولاية على الصغير من جهتين:

الأولى: إن في الصغير قصور من ناحيتين و هما البلوغ و الرشد، بخلاف البالغ غير الرشيد فإنه من ناحية واحدة.

الثانية: إن القصور في الصبي من جهة سلب عبارته و قصور عبارته كما ورد «عمد الصبي خطأ» و هذا بخلاف البالغ غير الرشيد، فإن عمده عمد، فتترتب عليه سائر أحكام العمد من الحدود و القصاص و غيرها، و ليس مسلوب العبارة، و هذا وجه يصلح شاهداً لكون الولاية على الصغير يستبدّ بها الولي بخلافها على البالغ غير الرشيد، فتكون بنحو التشريك، هذا فضلًا عن الولاية على الباكر و الرشيدة فإنه يتجه حينئذ استقلال كلّ من الولي الأب و الرشيدة على ذلك، كما أن مقتضى ما قرر في ولاية الأب على الصغير في الأموال إذا كان مميزاً أو بالغاً غير رشيد أو رشيداً غير بالغ، هو عدم استقلاله بالتصرفات في المال من دون وليه، لا سلب الصحة التأهلية عنه.

الأمر الرابع: في سقوط الولاية مع العضل

إن ما ورد من روايات في الجد في الباب الحادي عشر من أبواب أولياء العقد التقييد بكونه مرضياً و ما لم يكن مضاراً، يُعدّ خير دليل على سقوط‌

11

ولايتهما مع العضل، و من ثمّ يستفاد منها تعميم العضل لصور لم يصرح بها المشهور من قبيل ما إذا منع الولي التزويج بغير الكفؤ الشرعي مع انحصار التزويج به و رضا البكر به، و كذا لو منع التزويج بغير الكفؤ العرفي مع انحصار الزواج به و رضا البكر به أيضاً، لا سيما إذا كان الشأن الصالح لها مع هذا الحال التزويج به.

الأمر الخامس: الأقوال في المسألة

قال المفيد في رسالة أحكام النساء: و المرأة إذا كانت كاملة العقل سديدة الرأي كانت أولى بنفسها بالعقد عليها للأزواج من غيرها، كما أنها أولى بالعقد على نفسها من البيع و الابتياع و التمليك و الهبات و الوقوف و الصدقات و غير ذلك من وجوه التصرفات، غير أنها إذا كانت بكراً و لها أب أو جد لأب فمن السنة أن يتولى العقد عليها أبوها أو جدها لأبيها إن لم يكن لها أب بعد أن يستأذنها في ذلك فتأذن فيه و ترضى به و لو عقدت على نفسها بغير إذن أبيها كان العقد ماضياً.

و قال في المقنعة: و المرأة البالغة تعقد على نفسها النكاح ... و ذوات الآباء من الأبكار ينبغي لهن أن لا يعقدن على أنفسهن إلّا بإذن آبائهن، و إن عقد الأب على ابنته البكر البالغ بغير إذنها أخطأ السنة و لم يكن لها خلافه و إن أنكرت عقده و لم ترض به لم يكن للأب إكراهها على النكاح و لم يمض العقد مع كراهتها له ... و إن عقدت على نفسها بعد البلوغ بغير إذن أبيها خالفت السنة و بطل العقد إلّا أن يجيزه الأب، فظاهره التشريك.

و ظاهر عبارة المقنعة شرطية إذن الباكر البالغ و إن لم تكن رشيدة و إنه‌

12

بنحو التشريك مع الأب، بل قد يقال: إن هذا هو المستفاد من عبائر جملة من الأصحاب.

قال الشيخ في النهاية أن حياة الأب شرط في ولاية الجد و موته مسقط لولايته عليهما (الصغير و البكر)، و ابن عقيل لم يذكر ولاية الجد، و عن المختلف حكاية شرطية حياة الأب في ولاية الجد عن ابن الجنيد و أبي الصلاح و ابن البراج و الصدوق في الفقيه و مال إليه كاشف اللثام، و الظاهر أنهم استندوا إلى موثّقة الفضل بن عبد الملك، و سيأتي أنه أدل على عدم الشرطية، و عن جملة من العامة اشتراط موت الأب في ولاية الجد.

و عن ابن الجنيد القول بولاية الأم و أباها مع عدم الأب و الجد استناداً إلى رواية عامية.

و عن التذكرة أن جد أم الأب لا ولاية له مع جد أب الأب و مع انفراده نظر.

و هو مذهب المحقق و العلامة و قواه الشيخ سليمان البحراني الماحوزي و قواه السيد السند و الكاشاني في الوافي و الشيخ أحمد البحراني.

و أما التشريك بينها و بين الولي فقد شرك المفيد في المقنعة و الحلبيان و اختاره صاحب الوسائل.

و أما استقلال كلّ منهما و للأب أن يفسخ و يمانع، فقد ذهب إليه الاسكافي و الديلمي و الشيخ عبد الكريم الحائري و الشيخ محمد أمين زين الدين و السيد محسن الحكيم في المستمسك و الشيخ حسين العصفور و الفيض الكاشاني و النراقي في المستند، و ذكر في المغني لابن قدامة أن العامة قاطبة ذهبوا إلى شرطية إذن الأب و استدلوا بالنبوي «لا نكاح إلّا بولي»‌

13

عدا أبو حنيفة حيث ذهب إلى استقلال البنت، و قال: إذا وضعت نفسها في غير كفؤ كان للولي أن يفسخ. و قال مالك: إن كانت عربية و نسيبة فلوليها و إن كانت معتقة و دنيئة لم يفتقر إلى الولي. و قال ابن أبي عقيل بثبوت الولاية في الثيب أيضاً.

الأمر السادس: معنى كلمة « «لا يكون»» في الروايات

هناك قرينة في كلمة (لا يكون) الواردة في الروايات التي تنفي استئذان المرأة و لم تنف ماهية الزواج، مما يدل على أن (لا) ناهية بمعنى النهي، و ليست نافية إرشاداً إلى تجنب وقوع ذلك لما فيه من عدم مراعاة حقوق الأب الأخلاقية و الآدابية، و أما لسان (ليس لها مع أبيها أمر) فلا يمكن إبقاؤه على ظاهره؛ لأن ظاهره قصورها و الحجر عليها، مع أنها بالفرض غير قاصرة و لا محجور عليها مع عدم الأب، و من ثمّ ندر من قال باستبداد الجد، بل جملة منهم صرحوا بسقوط ولايته مع عدم الأب؛ لاختصاص جل لسان الروايات الواردة في ولاية الولي على البكر بالأب، بل استظهر صاحب الحدائق حصر الخلاف في الاستبداد في الأب، فالتعبير ب‍- (ليس لها مع أبيها أمر) نظير (أنت و مالك لأبيك) (1)، كما ورد في معتبرة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) في تفسير هذا الحديث النبوي: (أو كان رسول الله (ص) يحبس الأب للابن)، و الظاهر من مفاده ليس بيان ولاية وضعية للأب، بل بيان الولاية التكليفية، أي ليس للولد ذكراً كان أو أنثى أن يُعمل سلطانه على ماله أو نفسه بنحو يؤدّي إلى عدم مراعاة الولاية التكليفية للأب من برّه بنحو لا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب ما يكتسب به: ب‍- 78.

14

يؤدّي إلى العقوق، و من ثمّ ورد في بعض نصوص هذه الطائفة لا تُستأمر الجارية التي بين أبويها و إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، بل إن تشريك الأم مع الأب في المقام، قرينة أخرى على كون ولايته من سنخ ولاية الأم أي ولاية تكليفية.

ثمّ إنه يمكن تفسير قولهم (: «ليس لها مع أبيها أمر» أي حين إقدامه على إعمال ولايته ليس لها أن تنقض ما يبرمه أبوها، لا أن المراد منها أنه مع وجود أبيها لا تستقل أو ليس لها أي ولاية، و يشهد لهذا الحمل تطبيق هذه الكلية في مورد تزويج الصغيرة، ثمّ بعد البلوغ إرادتها لفسخ ما أوقعه الأب من عقد عليها، و أما ما ورد عنهم (: «لا ينقض النكاح إلّا الأب»» فحمله على الجواز التكليفي؛ لأن يعترض الأب و يمانع وقوع العقد لا الفسخ بعد الوقوع، فلو سلم هذا المفاد فهو أيضاً يستلزم ثبوت حق وضعي للأب في تزويج البكر، إذ كيف يتصور الجواز التكليفي للممانعة عما ليس له من سلطان فيه و كون سلطان العقد بتمامه للبكر دونه، فلا يكون إلّا من التصرف فيما ليس له فكيف يسوغ؟

أما التمسك بقوله تعالى: وَ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوٰاجَهُنَّ إِذٰا تَرٰاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (1) بأن عمومه شامل للبكر الموطوءة دبراً فيدل على ولايتها على النكاح، و البعض استدل بها على ولاية الأولياء على النكاح، لأن النهي عن عضلهم إياها قد خصص لمورد خاص مما يومئ بعدم ثبوت النهي في موارد أخرى.

____________

(1) سورة البقرة: 232.

15

و يخدش في الاستدلال الأوّل: بأن الدلالة الالتزامية للعموم في بعض الأفراد ليست بحجة و إنما الحجة ما كان مدلولًا التزامياً للعموم في مطلق الأفراد.

و يمكن أن يجاب بأن ثبوت الولاية للمرأة في العموم ثابت مطلقاً سواء كانت ثيباً أو بكراً، و ليس خاصاً بالبكر فالدلالة الالتزامية هي لكلّ العموم، نعم قد يخدش في الاستدلال من جهة أخرى و هو عدم كون العذراء الموطوءة دبراً بكراً.

و يخدش في الاستدلال الثاني: أن المخاطب بالعضل ليس خصوص الأولياء، بل ظاهر السياق يقتضي كونه المطلقين، و المراد من أزواجهم الرجال الخاطبين لهن و ما يؤول حالهم إليه.

و مثله الاستدلال بقوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (1).

و قد يستدل بقوله تعالى: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ (2)، حيث أن ظاهر الآية دال على وجود ولي بيده عقدة النكاح كما ستأتي بعض الروايات الدالة على ذلك.

و قيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج حيث أن بيده الطلاق، و قد يؤيّد بذيل الآية وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ حيث أنه خطاب لكلّ من الطرفين‌

____________

(1) سورة البقرة: 234.

(2) سورة البقرة: 237.

16

لا لطرف واحد، و في الآية دلالة أخرى أيضاً من أن المرأة أيضاً بيدها ولاية الزواج و لها حق العفو عن المهر، كما أن للذي بيده عقدة النكاح العفو أيضاً، و لا معنى للتفكيك بين ثبوت الحق لها على المهر و ثبوته لها على أصل النكاح، بل إن ثبوته على المهر فرع ثبوته على النكاح و إن كان العقد متضمناً لكلّ من القران و معاوضة البضع.

الأمر السابع: مناقشة صاحب الجواهر

إن قول صاحب الجواهر: لعل المنع من غير الكفؤ عرفاً من الضعة و نحوها ليس بعضل فلا يبعد جواز منع الولي عن ذلك حتى على المختار من عدم الولاية إذا كان في ذلك غضاضة و نقص و عيب في العرض و إذا كان لو خالفت و عقدت نفسها كان العقد صحيحاً، انتهى. (1)

فيه مواضع للنظر:

منها: إن التزامه بالجواز التكليفي دون الولاية الوضعية، تدافع؛ لأن الجواز التكليفي للمانعة الخارجية عن تسلط البكر على نفسها لا يستقيم، حيث أنه نوع من الحجر الخارجي المترتب على الجواز الوضعي للأب؛ لأن هذا الجواز ليس من باب اجتماع الحكم التكليفي و الوضعي المنافي اتفاقاً كالحرمة التكليفية الطارئة على العقد اتفاقاً، بل هو من التصادق الدائم في بعض أنواع الحصص، فالجواز في المقام إقرار بالولاية الوضعية في الفرض، و قد استند صاحب الجواهر في هذا الجواز إلى الغضاضة و النقص و العيب الراجع إلى العرض حيث أن ذلك يرتبط بعرض الأب و كأن حرمة عرض‌

____________

(1) جواهر الكلام، محمد علي النجفي: ج 29 ص 184.

17

الأب هو الوجه فيما ورد من روايات في ولايته، و إن كان مقتضى هذا الوجه ثبوت الجواز و الولاية للعصبة عموماً، لكنّه بمنزلة الحكمة لا العلة.

الأمر الثامن: الاحتمالات الواردة في صحيحة الفضلاء- ثانوي:

ذكر في معنى صحيحة الفضلاء عنه (ع): «المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة و المولى عليها إن تزويجها بغير ولي جائز» (1) احتمالات:

الاحتمال الأوّل: إن عطف غير السفيهة و المولّى عليها عطف بيان أو بدل و صفة موضّحة، و يكون المراد حينئذ الرشيدة في النكاح و غير المولّى عليها في المال.

الاحتمال الثاني: أن يكون القيد احترازياً و المراد من العنوان الأوّل البلوغ و من الثاني الرشد في النكاح و من الثالث غير المولى عليها في المال.

الاحتمال الثالث: نفس الثاني إلّا أنه عكس في معنى عنوان الأوّل و عنوان الثاني.

الاحتمال الرابع: أن المراد من العنوان الأوّل هي المرأة التي تستقل في الإرادة في معيشتها عن إرادة الأب سواء في الأمور العادية أو المالية، و غير السفيهة الرشيدة و المولى عليها المحجور عليها بأحد أسباب الحجر. و يشهد لذلك رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شاءت فإن أمرها جائز تزوج إن شاءت بغير إذن وليها، و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 44 ح 2.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 4.

18

الاحتمال الخامس: المراد من العنوان الأوّل الثيب و المراد بالعنوان الثاني الرشيدة في النكاح و المراد من العنوان الثالث البكر و هو مختار صاحب الحدائق.

الاحتمال السادس: المراد من العنوان الأوّل التي لا أب لها، و المراد من العنوان الثاني الرشيدة و الثالث غير المولى عليها في الأموال، و استشهد لهذا القول بصحيحة أبي مريم: « «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلّا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت»» (1).

الأمر التاسع: في معنى ولاية الأب

إن معنى ولاية الأب قد يختلف مؤداها بحسب الأقوال، فعلى القول بالتشريك، قد يقال: إن معناها ليس إلّا أن يمانع عن غير الكفؤ، و بعبارة أخرى: هل تحدد ولايته بالتزويج بالكف‌ء كما هو الحال في سقوط ولايته في العضل عن الكفو كما أنه يجوز له العضل و المنع عن غير الكفو؟

ثمّ فيما إذا اختلف تشخيص و إحراز الكفو بين الأب و البكر، فالظاهر أنه إذا كان هناك نزاع في البين فيحتاج إلى مرافعة شرعية، و إن كان للأب العمل على إحرازه؛ لأن الولي مؤتمن، إلّا أن يكون جعل ولايته لا لقصور في البنت كما مرّ، بل لما يتصل بالتزويج من نسبة و أثر لعرضه، و مع ذلك فإنه على هذا الوجه أيضاً يكون إحرازه مسوّغاً لإقدامه مع لحاظ اختلاف الأقوال.

و على أي تقدير ففي صورة النزاع، فللبكر أن ترافع أبيها عند القاضي حتى على القول باستبداده بالولاية، لو بني على تقييد ولايته بالتزويج بالكفو‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 4 ح 2.

19

و ادعت عليه أنه زوجها بغير الكفو، غاية الأمر حيث إنه مؤتمن يكون منكراً و البكر مدعية.

و مما يدل على تقييد ولاية الأب بالتزويج بالكفو هو الوجه الذي دلّ على سقوط ولايته بعضله عن الكفو، حيث مرّت الإشارة إلى أن الروايات الواردة الآتي استعراضها قد قيدت ولاية الولي بأن لا يكون مضاراً، فإذا صدق على التزويج بغير الكفو المضارة، تسقط ولايته أيضاً، و يمكن التمسك لذلك أيضاً بعموم لا ضرر و لا حرج، مضافاً إلى اقتضاء معنى الولاية الغبطة للمولى عليه، و أن جعلها لتدبير شئونه.

ثمّ إن السقوط للولاية الذي ذكره الأعلام ليس بمعنى سقوط الولاية من رأس، و إنما هو بمعنى ضيقها عن الجعل لذلك المورد أو بمعنى نفوذ النكاح بالكفو من دون دخالة له في نفوذ العقد.

الروايات الواردة في المقام

و هي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دل على استقلال البكر

و هو قول الأكثر القائلين باستقلال البكر من دون ولاية الأب عليها، و أبرزها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (ع) قال: « «المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز»» (1)، و قد مرّ جملة من الاحتمالات في مفاد هذه الرواية، و الأقرب في مفادها مما مرّ أن المتبادر من المراد من (ملكت نفسها) أي ملكت تدبير نفسها لا بحسب‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 1.

20

النفوذ الشرعي، و إلّا لكان مفاد الرواية من القضية بشرط المحمول، بل الظاهر هو استقلال شخصيتها في الخارج المعاش في مقابل ما ورد في بعض الروايات بالتعبير (بين أبويها) لا سيما أنه قد عبر في هذه الصحيحة بالمرأة في مقابل التعبير بالجارية في روايات أخرى، و غير السفيهة أي الرشيدة، و أما قيد (و لا المولى عليها) فالظاهر أنه ليس من باب القيد الاحترازي للموضوع، كما أن الحال في غير السفيهة كذلك، بل هو من التقابل و المغايرة بين التي ملكت نفسها و بين السفيهة أو الصغيرة و نحوها المولى عليها، فالرواية في سياق المغايرة بين الأقسام الثلاثة و أن شأن القسم الأوّل حكمها يختلف و ينفذ تزويجها، و هي على أية حال أخص من مدعى المشهور.

و نظير صحيحة الفضلاء مصحح أبي مريم عن أبي عبد الله (ع) قال: «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلّا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت» (1)، و هذه الرواية و إن فسرها صاحب الحدائق بالتي ليس لها أب و جعلها شاهداً على تفسير الرواية السابقة، و لكن المحتمل قريباً أن يكون ذيل الرواية كالاستثناء من صدرها، لا سيما و أنه قد غاير في التعبير بين الصدر و الذيل، حيث جعل في الصدر الجارية و في الذيل المرأة.

و منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: «تزوج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها، فإن شاءت جعلت ولياً» (2).

و تقريب الدلالة فيها هو ما مرّ في صحيح الفضلاء، كما أن عدم تقييد (المالكة لأمرها) بقيد آخر يعضد ما مرّ استظهاره في صحيح الفضلاء من‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 7.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 8.

21

عدم تقييده بالعنوانين الآخرين، بل هو لبيان التقابل، كما أن الموضوع فيها عنوان المرأة كما في صحيح الفضلاء، و هو يقتضي التفصيل في الاستقلال بالولاية بين البكر الجارية و البكر المرأة أو بين ما إذا كانت مستقلة في شخصيتها و عدمه.

و منها معتبرة سعدان بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله (ع): «لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت» (1)، و هي صريحة باستقلال البكر في التزويج، إلّا أن إطلاقها قابل للحمل على التفصيل بين الجارية البكر و بين من ملكت أمرها يعني (المرأة التي ملكت أمرها)، كما أن هذه الرواية لا تدلّ على استبداد البكر، بل لعل فيه إشعاراً بعدم استبدادها، و إن صح استقلالها.

و منها معتبرة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شاءت، فإن أمرها جائز تزوج إن شاءت بغير إذن وليها، و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليها» (2) و هذه المعتبرة تدلّ على استقلال المرأة البكر المستقلة في شخصيتها دون الجارية البكر غير المستقلة في شخصيتها، فهي دالة على نفس التفصيل الوارد في مصحح أبي مريم و صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله و صحيح الفضلاء و صحيح عبد الله بن الصلت. نعم هي صريحة في شرطية إذن الأب أو الولي مع عدم ملكها لأمرها.

و منها معتبرة أبي سعيد، قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن التمتع من الأبكار اللواتي بين الأبوين، قال: «لا بأس و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب» (3).

____________

(1) (1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 4.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 6.

(3) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 6.

22

و منها صحيحة الحلبي، قال: سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها، قال: «لا بأس ما لم يقتض ما هناك لتعف بذلك» (1).

و في صحيح البختري عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: «يكره للعيب على أهلها» (2) و مثلها مرسلة سعدان بن مسلم (3) و رواية عبد الملك بن عمرو (4)، و رواية أبي بكر الحضرمي (5)، و صحيحة زياد بن أبي الحلال (6) و مرسلة محمد بن عذافر (7)، و فيها «هل جعل ذلك إلّا لهن فليتسترن و ليستعففن»» و يحتمل حمل هذه الرواية على مورد الحاجة لهن في ذلك.

و قد يخدش في دلالتها لكونها خاصة بالتمتع دون الدائم، كما هو ظاهر رواية المهلب الدلال أنه كتب إلى أبي الحسن (ع): «إن امرأة كانت معي في الدار ثمّ إنها زوجتني نفسها و أشهدت الله و ملائكته على ذلك، ثمّ إن أباها زوجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب (ع): «التزويج الدائم لا يكون إلّا بولي و شاهدين و لا يكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك و اكتم رحمك الله» (8).

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 9.

(2) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 10.

(3) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 8.

(4) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 14.

(5) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 13.

(6) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 1.

(7) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 4.

(8) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 11.

23

و فيه إن ظاهر الرواية تسوية القسمين، حيث أن اشتراط الشاهدين من‌

مذهب العامة، فالتعبير للتقية لا سيما أنها مكاتبة.

الطائفة الثانية: استقلال الأب أو استبداده

منها: موثّقة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله (ع)، قال: «لا تُستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها هو أنظر لها، و أما الثيب فإنها تُستأذن و إن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوجاها (1) و مثلها معتبرة عبيد بن زرارة (2)، و ظاهر صدرها إنها في البكر البالغة غير الكبيرة- المراهقة- التي لم تستقل في شخصيتها و حياتها المعاشية، كما يفيد ذلك من لفظ الجارية و لفظ بين أبويها، و هذا بخلاف الثيب و إن لم تستقل في شخصيتها، فإنه لا بدّ من إذنها، لكن غاية دلالة الرواية هو استقلال الأب لا استبداده، بل إن التعليل بقوله: (هو أنظر لها) قد يشعر بتقرر الولاية لها أيضاً، كما أنه يقتضي ولايته في موارد عدم المضارة لها و العضل، و لو قيل باستبداده في الولاية.

و منها: صحيحة الحلبي، قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء أ لها مع أبيها أمر؟ فقال: «ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب» (3)، و ظاهر الرواية نفي شرطية إذن البكر مع تزويج الأب، بل قد يقرب استبداد الأب فضلًا عن استقلاله لنفي الأمر لها مطلقاً مع وجود الأب، و لكن لا يبعد كون المراد من التعبير هو مع تصرف أبيها لا مع صرف وجوده، بقرينة أن استئمار البكر إنما‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 6.

(2) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 3 ح 13.

(3) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 3 ح 11.

24

هو في مورد النكاح أي إقدام و تصرف الأب فتكون دالة على استقلال الأب‌

لا استبداده.

و منها: صحيحة عبد الله بن الصلت قال: « «سألت أبا عبد الله (ع) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها لها أمر إذا بلغت؟ قال: لا ليس لها مع أبيها أمر، قال: و سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء أ لها مع أبيها أمر؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تكبر [تثيب]» و في الوافي و التهذيب [ما لم تثيب] لكن في الوسائل و الكافي المطبوع ما لم تكبر، و لكن في هامش الكافي أنه في بعض نسخه [ما لم تثيب]، و موردها الجارية الصغيرة التي لم تستقل، و التفصيل فيها نظير مصحح أبي مريم و صحيح عبد الرحمن بن عبد الله، و هو يعضد نسخة (ما لم تكبر) أي تفصيل بين الجارية البكر و المرأة البكر، و ذيلها صريح في التفصيل بين الجارية و الكبيرة البكر في استقلال الأب في الأولى دون الثانية.

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع أبيها أمر، و قال: يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب» (1) و موردها أيضاً كما مرّ في مصحح ابن مريم، كما أن ذيلها دال على استقلال الأب، مضافا إلى إشعارها، بل إيمائها إلى استقلالها مع أبيها أيضاً؛ حيث فرض فيها ولايتها مع عدم الأب، مما يقضي بعدم قصور فيها و عدم الحجر عليها، و غاية الأمر جعل الاستقلال للأب لحقه عليها و أنها عرضه.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 3 ح 3.

25

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع): في الجارية يزوجها أبوها‌

بغير رضاء منها؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه و إن كانت كارهة» (1) و موردها الجارية البكر لا الكبيرة.

الطائفة الثالثة: شرطية إذن كلّ منهما

و هي ما كان لسانها شرطية إذن كل واحد منهما، و مقتضى مجموع مفاديهما التشريك أو استبداد كلّ منهما.

منها: مصحح أبي مريم المتقدّم عنه (ع)، فإن في صدرها الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلّا بإذن أبيها، و غاية دلالتها هو شرطية إذن الأب و هو ينطبق على التشريك، و لا يختص انطباقه على الاستقلال، فضلًا عن الاستبداد، بل قد يكون ذيلها شاهد على إرادة التشريك، حيث دل على جواز استقلالها إذا كانت مالكه لأمرها في قبال الصدر.

و منها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: «تُستأمر البكر و غيرها و لا تنكح إلّا بأمرها» (2) و غاية دلالتها شرطية إذن البكر و لا تختص بالاستقلال فضلًا عن الاستبداد، لكن قد يقرب ذلك بأن لفظ (أمرها) دال على تقرر الولاية لها، كما هو مقتضى مادة الأمر، لكن الأقرب شرطية الإذن و لو تشريكاً؛ لأنه نحو ولاية أيضاً.

و منها: رواية سعيد بن إسماعيل عن أبيه قال: سألت الرضا (ع) عن رجل تزوج ببكر أو ثيب لا يعلم أبوها و لا أحد من قراباتها و لكن تجعل المرأة‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 7.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 10.

26

وكيلًا فيزوجها من غير علمهم، قال: «لا يكون ذا» (1) و ظاهر الجواب مشعر بالصحة، حيث أنه لم ينف صحته، و إنما نفى وقوعه بحسب العرف أو إرشاد إلى عدم إيقاعه للفتنة، فلا تعارض الروايات الواردة في صحة التمتع بالبكر من دون علم أهلها.

ثمّ إن بين صحيحة منصور بن حازم و نحوها من الروايات الآتية و بين روايات استقلال الأب معارضة صريحة. و ما يقال: من أن وجه الجمع بينهما باستقلال كلّ منهما و تسلّط الأب على نقض نكاح البكر لو استقلت كما هو مفاد الطائفة الرابعة ليس وجه جمع بين الروايات، إذ هو طرح لمضمون صحيحة منصور بن حازم و نحوها.

و الأولى تقييد إطلاقها و إطلاق الطائفة الرابعة بالتفصيل المدلول عليه في مصحح أبي مريم و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله و نحوهما، الدالة على التفصيل بين الجارية البكر التي لم تستقل في شخصيتها و تملك أمرها بالممارسة و بين المرأة البكر التي استقلت، ففي المرأة البكر المالكة لأمرها لا استقلال للأب عليها، بل لا بدّ من أن يستأذنها كما أن لها أن تستقل.

نعم يبقى احتمال إطلاق اللسان الرابع على حاله، كما أنه تبقى المنافاة بين مثل مضمون مصحح أبي مريم و روايات استقلال الجارية البكر في نكاح المتعة الآتية.

و مثلها صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) قال: «لا تنكح ذوات الآباء من الأبكار إلّا بإذن آبائهن» (2)، و غاية دلالتها شرطية إذن الأب، و يمكن‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 3 ح 15.

(2) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 6 ح 5.

27

حمل مصحح أبي مريم و صحيح عبد الله بن الصلت على استقلال الأب في الجارية البكر من دون أن ينافي دلالتها استقلالها، و أن للأب أن ينقض النكاح، ففي الجارية البكر يستقل كلّ منهما، و للأب أن ينقض، و عليه يحمل صحيح ابن أبي يعفور أي أن «لا تنكح الأبكار إلّا بإذن آبائهن»» يحمل على شرطية عدم الممانعة لا شرطية الإذن بنفسه، نعم قد مرّ معتبر زرارة الصريح ذيله في شرطية إذن الأب في غير المالكة لنفسها، حيث جاء فيها: (و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا لولي أمرها) (1).

هذا و يمكن أن يقال: إن معنى تفصيل جملة من الروايات بين ملك المرأة لنفسها أي استقلالها في الحياة و الشخصية كما دلت على ذلك صدر معتبرة زرارة أن الرشد في النكاح هو بهذا المعنى، و أن التي لا تملك أمرها و لا تستقل في الشخصية هي غير الرشيدة في باب النكاح، نظراً لخطورة باب النكاح عن بقية الأبواب.

و في صحيح صفوان: « «استشار عبد الرحمن لموسى بن جعفر (ع) في التزويج لابن أخيه، فقال: أ لا يكون ذلك برضاها فإن لها في نفسها نصيباً؟، قال و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر في تزويج ابنته على ابن جعفر، فقال: افعل و يكون ذلك برضاها فإن لها في نفسها حظاً» (2) و ظاهره شرطية إذن البكر و عدم استقلال الأب، و يمكن حملها على البكر الكبيرة أي المرأة، كما أن التعبير (و يكون برضاها) بدل التعبير ب‍- (لا بدّ من رضاها) مشعر بندبية‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 6.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 2.

28

الاستئذان و أنه من باب التوصية الإرشادية، لا سيما مع التعليل بأن لها في نفسها نصيباً، مما يدل على مفروغية نصيب الأب فيها.

و منها: صحيحة ابن أبي نصر البزنطي عن الرضا (ع): «قال: البكر لا تتزوج متعة إلّا بإذن أبيها» (1)، و منها صحيحة محمد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن (ع) في المرأة البكر: «إذنها صماتها و الثيب أمرها إليها» (2).

و في معتبرة يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (ع) في حديث: ليس يجوز عليها رضا في نفسها و لا يجوز لها تأبّ و لا سخط في نفسها حتى تستكمل، و إذا بلغت تسع سنين جاز لها القول في نفسها بالرضا و التأبي و جاز عليها بعد ذلك و إن لم تكن أدركت مدرك النساء ... الحديث (3)، و المراد من (و إن لم تكن أدركت مدرك النساء) في الحيض، و ظاهر هذه المعتبرة أن البالغة البكر غير المجنونة و غير السفيهة و إن لم تكن مالكة أمرها، و لكن لها أن تمانع عقد الأب فضلًا عن غيره، فإنه لا يزوجها إلّا بأمرها كما في صحيحة محمد بن الحسن الأشعري، و إطلاق معتبرة يزيد الكناسي شامل لمانعية إباء السفيهة أيضاً، و إن كان قد يقال إن السفيه في غير هذا الباب محجور عليه مطلقاً.

الطائفة الرابعة: ما دل على استقلال كل منهما

ما دل على استقلال كلّ منهما و أن للأب دون الجد نقض النكاح، و قد ذهب إليه جماعة من متأخري المتأخرين كما مر.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 5.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 5 ح 1.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 6 ح 9.

29

منها: صحيح زرارة بن أعين قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول: «لا ينقض النكاح إلّا الأب»» و في بعض نسخ الكافي: «إلّا أب وجد أب» (1) و مفادها تسلط الأب على فسخ النكاح، و مقتضاه صحة نكاح المرأة، غاية الأمر أن للأب تسلّط على فسخه إذ ليس المراد ثبوت حق الفسخ للأب في النكاح الذي عقده هو بنفسه فيما إذا بدا له رأياً آخراً، كما أنه ليس موردها الثيب أيضاً لعدم ثبوت ولاية له على نكاحها فضلًا عن فسخه، كما أنه ليس موردها غير البالغة أو غير الرشيدة، فانحصر موردها في البكر الرشيدة، و لكن هل يعم تسلّطه على الفسخ فيما إذا كانت مالكة لأمرها و كانت امرأة؟ و قد مر إمكان حمله على الجارية البكر في الطائفة الثالثة فلاحظ، و مثلها موثّق محمد بن مسلم. (2)

الطائفة الخامسة: الثيب و البكر التي لا أب لها

ما وردت في الثيب أو البكر التي ليس لها أب أو بلحاظ غير الأب من الأرحام أو غيرهم.

منها: رواية عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الثيب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولي من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت زوجاً قبل ذلك» (3) و الظاهر من (إذا كان كفواً) بحسب السياق أنه قيد للوكيل و يحتمل عوده إلى الزوج و يحمل على الكفو الشرعي،

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 4 ح 1.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 4 ح 5.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 3 ح 2.

30

و مثلها صحيحة الحلبي (1).

و منها: مصحح داود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع): في رجل يريد أن يزوج أخته، قال: «يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها و إن أبت لم يزوجها، فإن قالت: زوجني فلاناً زوجها ممن ترضى، و اليتيمة في حجر الرجل لا يزوجها إلّا برضاها» (2) و هي دالة على عدم قيام الأخ مقام الأب و الجد في البكر الرشيدة، كما أن الذيل في اليتيمة دال على عدم جواز تزويجها إلّا برضاها، و إطلاقه يقضي بعدم استبداد الحاكم في التزويج لو قيل بالرجوع إليه.

و منها: صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: « «سألته عن مملوكة كانت بيني و بين وارث معي فأعتقناها و لها أخ غائب و هي بكر أ يجوز لي أن أزوجها أو لا يجوز إلّا بأمر أخيها؟ قال: بلى يجوز لك أن تزوجها، قلت: فأتزوّجها إن أردت ذلك؟ قال: نعم» (3)، و الرواية دالة على عدم قيام الأخ مقام الأب في الولاية على البكر و أنها تستقل بالولاية مع عدم الأب.

و منها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله: سألت أبا عبد الله (ع) عن الثيب تخطب إلى نفسها؟ قال: «نعم هي أملك بنفسها تولي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوجت زوجاً قبله» (4) و هي ظاهرة في استقلال الثيب، كما أنها ظاهرة في أن معنى الثيبوبة ليست مجرّد ذهاب البكارة كيفما كان، بل فيما إذا كان زوالها بالنكاح، بل مقتضى إطلاق القيد عدم صدق الثيبوبة فيما إذا كان زوال الثيبوبة بنكاح محرم.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 3 ح 4.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 3 ح 3.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 9.

(4) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 3 ح 12.

31

و مثلها في الدلالة رواية عبد الخالق المتقدّمة.

و منها: صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم كلاهما عن أبي جعفر: « «قال سألت أبا جعفر (ع) عن الذي بيده عقدة النكاح، فقال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصي إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة من قرابتها فيبيع لها و يشتري، قال: فأي هؤلاء عفى فعفوه جائز في المهر إذا عفى عنه» (1)، و هي إما محمولة على السفيهة أو المجنونة أو على التقية في الأخ، لصحيحة عبيد بن زرارة المتقدّمة، و في مرسلة الحسن بن علي عن الرضا (ع): قال: «الأخ الأكبر بمنزلة الأب» (2).

و في نهج البلاغة في فصل غريب كلامه (ع): «إذا بلغ النساء نصَّ الحِقاق فالعصبة أولى»»، و فسّر الشريف الرضي (نص الحقاق) بالإدراك، و بأنه إذا بلغ النساء ذلك، فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرماً مثل الأخوة و الأعمام، و بتزويجها إن أرادوا ذلك، ذكر ذلك عن أبي عبيد، و قال: و الذي عندي أن المراد بنص الحقاق هاهنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها و تصرفها في حقوقها، تشبيهاً بالحقاق من الإبل و هي جمع حقة و حق، و هو الذي استكمل ثلاث سنين و دخل في الرابعة.

و حكى صاحب الوسائل حمل الروايات السابقة عن بعض علمائنا، بكون البنت كبيرة غير رشيدة، و هذا الحمل يطابق ما مرّ من عموم قاعدة أولي الأرحام و أنها عامة شاملة لطبقاتهم فيما إذا كانت البكر سفيهة أو مجنونة، بخلاف ما إذا كانت غير سفيهة أو مالكة لأمرها فإنه لا ولاية لهم عليها.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 8 ح 5، و التهذيب: ج 7 ص 484 ح 1964.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 8 ح 6.

32

و يعضد هذا المفاد ما في إطلاق الروايات في الطوائف السابقة من عنوان الولي، و هو و إن كان محمولًا على الأب و الجد في الرشيدة، إلّا أنه في السفيهة و المجنونة لا مانع من العمل بإطلاقه.

و في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما قال: «إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضاً أن يزوجها» فقلت: فإن هوى أبوها رجلًا وجدها رجلًا آخر، فقال: «الجد أولى بنكاحها» (1)، و مفادها صريح في أن ولاية الجد كولاية الأب و أنه عند تدافعهما فيمن يريدان أن يزوجاه فإن الجد مقدم.

و في موثّق عبيد بن زرارة قال: « «قلت لأبي عبد الله (ع): جارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل و يريد جدها أن يزوجها من رجل آخر، فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوجها قبله، و يجوز عليها تزويج الأب و الجد» (2)، و مثلهما صحيح هشام بن سالم، و في صحيح الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله (ع) قال: «إن الجد إذا زوج ابنة ابنه و كان أبوها حيّاً و كان الجد مرضياً جاز، قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوى، و هوى الجد هوى و هما سواء في العدل و الرضا، قال: أحب إلي أن ترضى بقول الجد». (3) و مفاد الرواية قيدية حياة الأب لولاية الجد كما ذهب إليه جماعة المتقدّمين، و مال إليه الفاضل الهندي، إذ هو مقتضى احترازية القيود كما أن صريح ذيلها في البكر الرشيدة حيث يعتبر رضاها.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 11 ح 1.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 11 ح 2.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 11 ح 3

33

لكن الأظهر أن إيراد القيد فيها ليس احترازاً عن ثبوت الولاية للجد مع موت الأب، بل هو تعريضاً لما يتوهم من عدم ولايته مع الأب؛ لأن الأب أقرب كما حكي عن بعض العامة، و مع صلاحية القيد لفائدة بيان أخفى المصاديق و التنبيه على اندراجه لا يبقى له ظهور في الاحتراز.

هذا مضافاً إلى أن تقديم ولايته على ولاية الأب عند التزاحم يعطي أقوائية ولايته من ولاية الأب.

و أما ذيل الرواية فهو و إن أوهم ندبية قبول تولي الجد فيكون قرينة على بقية الروايات الواردة فيه، و إن ولايته ليست كالأب، لكنّه ضعيف:

أولًا: لأن ذلك يتأتى في ولاية الأب أيضاً و لا يختص بالجد و هو كما ترى.

ثانياً: أن الندبية بلحاظ رضا البنت لا بلحاظ ولاية الجد، فإن رضاها في الجارية و إن لم يكن شرطاً، إلّا أن ممانعتها كما سيأتي في الجمع بين الطوائف موجب لفسخ ما يعقده الأب و الجد، فالندبية بهذا اللحاظ أي بلحاظ اختيار الجارية لا أصل ولاية كلّ من الأب و الجد في التزويج بدون استيمار.

و أما معتبرة أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) قال: «إذا زوج الرجل فأبى ذلك والده فإن تزويج الأب جائز و إن كره الجد، ليس هذا مثل الذي يفعله الجد ثمّ يريد الأب أن يردّه» (1) أما صدرها فملتئم مع بقية الروايات من أن سبق الأب في العقد موجب لنفوذ تزويجه، بل أن ممانعة الجد عن تزويج الأب لو كانت مقارنة لا دليل على ممانعتها عن صحة النكاح، إلّا إذا كان ممانعته بنحو مبادرة الجد بتزويج آخر فإن هذا المقدار من الأولوية قد ثبت‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 11 ح 6.

34

و كذا الحال في ممانعة الأب للجد، و أما الذيل فظاهره محمول على التقية أو مؤول لما في مصحح أو معتبرة عبيد بن زرارة (1) من أن ذلك فتوى العامة، و من ثمّ أوّل الذيل في الوافي، و في بعض النسخ الذيل كما في ملاذ الأخيار (بولد الأب) و في بعضها (فولد).

و المحصل من الروايات أن هناك عدّة ألسن:

منها: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها» أو بتعبير «لا تتزوج إلّا بإذن أبيها و إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت» و هذا اللسان تفصيل بين الجارية البكر و المرأة البكر، أي التي بين الأبوين و المالكة لأمرها، و يحمل «ليس لها مع أبيها أمر» على استقلاله لا استبداده لما مرّ من قرائن، و يحمل «لا تتزوج إلّا بإذن أبيها» على شرطية عدم الممانعة لا الشرط الوجودي و هو إذن أبيها، بقرينة لسان «لا ينقض النكاح إلّا الأب»» كما أن لسان «لا تنكح الأبكار إلّا بإذن آبائهن»» محمول على الجارية البكر دون المرأة البكر للروايات المفصلة المتقدّمة، كما أنه يحمل في الجارية على الشرط العدمي لا الشرط الوجودي و هو «لا ينقض النكاح إلّا الأب»» أي بقرينة هذا اللسان، و بقرينة ما ورد في زواج المتعة من استقلال البكر الجارية، غاية الأمر أن للأب أن يفسخ كما ورد ذلك في بعض روايات المتعة أيضاً، و أما لسان «تستأمر البكر و غيرها و لا تنكح إلّا بأمرها» محمول على الكبيرة و على غير الأب في الجارية.

فتبين أن ما دلّ على استقلال البكر مطلق للجارية و المرأة الكبيرة و ما دل على استقلال الأب مقيد بالجارية و ما دل على شرطية إذن الأب مقيد‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 11 ح 5.

35

بالجارية أيضاً، و بمعنى أن له أن يفسخ، لا شرطية إذنها، و ما دل على شرطية إذنه فمقيد بالبكر الكبيرة المرأة المستقلة في شخصيتها، فتكون النتيجة في الجارية استقلال كلّ منهما و للأب أن ينقض نكاح البنت، و في البكر المرأة المستقلة تستقل البكر دون الأب فلا بدّ أن يستأذنها و ليس له أن ينقض النكاح.

و يستنتج مما مر أمور:

الأمر الأوّل: لا يخفى أن المراد من الجارية، البكر

أي التي لم تستقل في شأنها، و المراد من المرأة البكر التي استقلت في شئونها.

الأمر الثاني: أن ولاية الأب في نقض النكاح، إنما هي في غير الكفو،

كما أن ولايته عند استقلاله في التزويج في مورد الكفو.

كما أن وجه حمل لسان «لا تنكح الأبكار إلّا بإذن آبائهن»» على «لا ينقض النكاح إلّا الأب»» حيث أن هذا الحمل هو العمدة في انقلاب دلالة الروايات و تعارضها إلى وجه مؤتلف فيما بينها بضميمة ما هو عمدة أيضاً في الجمع، و هو ما ورد من التفصيل بين الجارية البكر و المرأة البكر في أن المرأة البكر لها مع أبيها أمر أي لا يستقل بالنكاح دونها، و هذا هو مقتضى القاعدة عند دوران الأمر بين الشرط الوجودي و الشرط العدمي، بأن يكون العدمي هو القدر المتيقن، كما أن مقتضى حق الفسخ صحة النكاح و التسلط على فسخه، و مقتضى شرطية الإذن عدم الصحة الفعلية و توقفها على إذنها، فلو بني على تعارض المفادين فإنهما يتعارضان فيما قبل المنع، و أما بعده فمتوافقان و هو المراد من القدر المتيقن و إن كان المفادان بلحاظ الآثار متباينان.

الأمر الثالث: أن الجارية البكر بناء على استقلالهما لو تزوجت بغير الكفو

36

و أنجبت منه و كان في فسخه مضارة لها ففي نفوذ فسخه تأمل بل منع؛ لما تقدّم من وجوه العضل.

و هذا التفصيل أقرب إلى الاحتياط استظهاراً من القول الرابع المتقدّم، و هو استقلال كلّ منهما مطلقاً مع ولاية الأب في نقض النكاح، أي أنه أظهر و أشبه منه، بل هو كذلك مع بقية الأقوال.

الأمر الرابع: أن مقتضى ثبوت حق الفسخ للأب في الجارية البكر أنه لو مانع من الأوّل لم ينعقد.

فذلكة أخرى في الجمع

هذا و قد يقال: بمقتضى ما تقدّم في مقدمات البحث أن الولاية على الصغير تختلف عن الولاية على البالغ غير الرشيد، حيث أنها على الصغير استبدادية و على البالغ غير الرشيد تشريكية كما تقدّم، فهل الحال في النكاح كذلك أم لا؟ فلو بني على ذلك فلا يكون هناك فرق بين البالغة الرشيدة غير المستقلة في الشخصية أي الجارية و البالغة الرشيدة المرأة في عدم استقلال الأب في الولاية عليها و في استقلالها.

و لك أن تقول: إن المراد من الاستقلال في الشخصية في باب النكاح «مالكة أمرها» هو الرشد، أي بأن يكون لها قدرة على تكوين الرأي الصائب و إصابة السداد، كما مرّ في تعبير المفيد، و على ذلك يقرر مفاد صحيحة الفضلاء المتقدّمة «المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز» حيث تقدّم أن المراد من الموضوع التقابل بين المالكة لأمرها و بين قسمين آخرين و هما السفيهة أو المولى عليها كالصغيرة‌

37

و المجنونة، و يكون معنى ملكها لأمرها في قبالهما أي الرشد و العقل و البلوغ، و لا يكون لاستقلال الشخصية معنى وراء ذلك، بل يكون بطبيعة الحال عند صاحبة الرأي الاستقلال في الشخصية إجمالًا، و هو المراد مما ورد في صحيحة أخرى: «أنها تبيع و تشتري و تشهد»» أي أن لها القدرة على السداد في الرأي في تلك الأمور و تدبيرها، و على ذلك فيكون التفصيل بين الرشيدة و غير الرشيدة، غاية الأمر الرشيدة هي المستقلة في الرأي و لا يستقل الأب حينئذ في التصرف إذا مانعت، و يكفي في إذنها سكوتها.

نعم لها أن تستقل و يكون مفاد ما ورد في جملة من الصحاح «الجارية البكر التي بين أبويها ليس لها أمر» في قبال المالكة لأمرها أي في قبال الرشيدة أي ليس لها استقلال، و هو يشعر أو يفيد شرطية إذنها بنحو التشريك، بمعنى أن لها أن تمانع و يكفي في إذنها سكوتها.

و بعبارة أخرى: الوجه في عدم استقلال الأب على الرشيدة و هي المستقلة في شخصيتها هو قصور دليل استقلال الأب في الزواج، فإن جملة الروايات الواردة في استقلاله إنما هو في التي بين أبويها أي غير الرشيدة، فيبقى الباقي و هي الرشيدة المستقلة على مقتضى القاعدة من عدم نفوذ النكاح إلّا بإذنها، أي مقتضى عموم العقود أنه برضى أصحابها، ثمّ إن لسان «في التي بين أبويها ليس لها مع أبيها أمر» يحتمل فيه ثلاث معان:

المعنى الأوّل: ليس لها أن تستقل

و يتناسى هذا المعنى مع معنى الأمر و النهي.

38

المعنى الثاني: ليس لها استيمار أو ممانعة

و هذا المعنى يتناسب مع حمل لفظ الأمر على الشأن لا الأمر و النهي، و هذا يقتضي استبداد الأب.

المعنى الثالث: ليس لها ممانعة مما أقدم عليه الأب من تصرف- ثانوي

و هذا المعنى يناسبه تطبيق اللسان في موارد تصرف الأب و يقضي باستقلال الأب من دون أن يدل على استبداده و من دون أن يدل على نفي استقلالها أيضاً.

الأمر الخامس: إن شقوق المسألة كثيرة و عديدة جداً

لم تستوف في الكلمات تنقيحاً و ميزاً، فتارة في البالغة البكر غير السفيهة و غير المجنونة و غير المالكة أمرها مع الأب أو مع غيره، و أخرى في البالغة البكر المالكة لأمرها، و ثالثة السفيهة مع الأب و غيره من جهة شرطية رضاها و إن لم تستقل، كما أن غير الرشيدة تارة الكلام في شرطية رضاها أو مانعية إبائها و إن لم يُبن على استقلالها أو بني على استقلال الأب و استقلالها، كما أن البحث تارة في حق الفسخ و الممانعة للأب و أخرى في جواز عضله تكليفاً و إن لم يكن له حق الفسخ.

فذلكة ثالثة في الجمع

إن ما قد تقدّم من المعاني الثلاثة للسان (ليس لها أمر) القدر المتيقن منه أنه لا يستأمرها، و لا حاجة لشرطية استئذانها في غير المستقلة، لكن لو كرهت و تأبّت فلا صراحة في هذا اللسان في استبداد الأب، لا سيما مع مقتضى القاعدة الذي مرّ في المقدمات، و معتبرة يزيد الكناسي و صحيح‌

39

صفوان، فتحمل صحيحة الحلبي المتضمنة للكراهة بمعنى عدم الرغبة لا الإباء و الإصرار على الممانعة، و يعضد ذلك أن جعل الاستقلال للبالغ البكر يستلزم مانعية إبائها و إن لم يستلزم شرطية إذنها، كما أن جعل استقلال الأب يستلزم مانعية إبائه و إن لم يستلزم شرطية إذنه الذي هو المعنى الثاني المتقدّم من المعاني الثلاثة.

و يتحصل من مجموع ذلك أن المالكة لأمرها تستقل في النكاح و لا يشترط إذن الأب، كما أنه ليس له أن يستقل دونها في العقد، كما أنه ليس له أن ينقض النكاح أيضاً، نعم يجوز له العضل تكليفاً فيما لو أضر ذلك النكاح بشأنه و سمعته.

لا يقال: إن عموم (لا ينقض النكاح إلّا الأب) و استقلاله بالتزويج شامل لها.

فإنه يقال: إن مقتضى التفصيل في الروايات بين البكر المالكة لأمرها و غير المالكة لأمرها بنفوذ عقد المالكة هو التفصيل بلحاظ عدم قدرة نقض الأب، و إلّا فإن غير المالكة أيضاً مستقلة و ينفذ العقد، إلّا أن يمانعا، و أما أدلة استقلال الأب فلا إطلاق فيها، بل هي في التي بين أبويها، و لو فرض النزاع فيحل بالمرافعة الشرعية.

و أما البالغ البكر غير السفيهة و غير المالكة لنفسها التي بين أبويها فيستقل كلّ من الأب و البكر في النكاح، بمعنى عدم شرطية الإذن و الاستيذان و الاستيمار، و لكن لكلّ منهما الممانعة و هو ما يعبر عنه بالنقض و الفسخ، و المراد من الممانعة ليس صرف عدم الرغبة و الكراهة، بل الإصرار على الممانعة و إبرازها، و هذا الجمع قريب مما اختاره الشيخ المفيد في المقنعة‌

40

بضميمة ما ذكره في رسالة أحكام النساء، كما أنه ينطبق على ما ذهب إليه المشهور أو الأشهر و هو القول الأوّل، و إن لم يكن لدى المشهور تصريح في غير المستقلة، لكن بقرينة استنادهم إلى روايات المتعة بالبكر يظهر منهم جواز استقلالها إذا كانت غير سفيهة و إن لم تكن مالكة لأمرها، نعم للأب أن ينقض ذلك، كما هو مفاد رواية المهلب الدلال (1) بالدلالة الخاصة، و دلالة صحيحة زرارة و غيره بالعموم بلسان لا ينقض النكاح إلّا الأب، حيث أن في رواية الدلال أجاب (ع) بعدم صحة العقد السابق و علّله بلزوم شاهدين في العقد، و هذا التعليل و إن كان للتقية إلّا أن المعلل و هو عدم صحة العقد محمول على أن تصرف الأب بالعقد الثاني ممانعة عن العقد الأوّل فينفسخ، كنقض عملي، كما بنوا على ذلك في من له الفسخ في العقود لو تصرف تصرفاً ناقلًا كالبائع في المبيع فإنه يعد فسخاً عملياً.

الأمر السادس: أنه قد تبين مما مرّ أن بقية ذوي الأرحام غير الأب و الجد لا ولاية لهم

على البكر البالغة غير السفيهة فضلًا عن المالكة لأمرها، نعم لو بلغت معتوهة أو ضعيفة العقل، فقد تقدّم عموم آية أولي الأرحام بحسب طبقات الإرث و عليه تحمل جملة من النصوص المتقدّمة الواردة في ولايتهم.

نعم يندب تولية الأخ، و ذلك عند عدم الأب و الجد.

الأمر السابع: تبين مما تقدّم أن الجد كالأب في الولاية

و لا يشترط في ولايته وجود الأب، فإن اقترن عقدهما فالجد مقدم و إلّا فالسابق، و الظاهر أن للجد الممانعة عن العقد الذي استقلت بإجرائه البكر البالغ، بخلاف ما إذا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب المتعة: ب 11 ح 11.

41

سبق الأب في العقد فإنه ليس للجد الممانعة.

ثمّ إنه لا يخفى أن ممانعة أحدهما عن الآخر غير مبطلة لعقده؛ إذ غاية ما ثبت أولوية عقد الجد على عقد الأب، أي فيما إذا عقد الجد مقارناً لعقد الأب.

الأمر الثامن: البكر

المراد بالبكر: احتمل فيه عدّة احتمالات:

الأوّل: من لم تذهب بكارتها مطلقاً.

الثاني: من لم تذهب بكارتها بالزواج و الوطي المحلل.

الثالث: من لم تزل بكارتها بالوطي مطلقاً.

الرابع: من لم تباشر الرجال مطلقاً و إن لم يدخل بها.

الخامس: من لم يعقد عليها و إن لم تباشر و كانت بالغة.

السادس: من لم يعقد عليها و لم توطأ مطلقاً، كما مال إليه صاحب العروة.

ثمّ إن الوطي اسم من القبل و الدبر.

و تنقيح الحال تارة بلحاظ المعنى اللغوي و أخرى العرفي و ثالثة الاستعمال الشرعي.

أما المعنى اللغوي: فالبكارة حقيقة في العضو الخاص و الخاتم على فرج المرأة.

و العذرة في الذكر الجلدة يقطعها الخاتن، و العذرة البكارة و ما للبكر من الالتحام قبل الافتضاض، و جارية عذراء بكر لم يمسها رجل، و خلع العذار‌

42

أي الحياء و خلع عذاره و خليع العذار.

و أما الإطلاق العرفي: فالظاهر عدم إطلاق البكر على الموطوءة دبراً و لو من حرام، بل قد يتأمل في صدق الارتكاز العرفي على مطلق من باشرت الرجال و إن لم توطأ أو عقد عليها، فإنهم لا يطلقون الباكر على المتزوجة حال زواجها و إن لم يدخل بها بعد.

و أما شرعاً: ففي قوله تعالى في وصف الحور: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لٰا جَانٌّ (1) و كذا: إِنّٰا أَنْشَأْنٰاهُنَّ إِنْشٰاءً* فَجَعَلْنٰاهُنَّ أَبْكٰاراً (2) يقتضي كون البكر غير موطوءة مطلقاً، و في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل هل يصح أن يزوج ابنته بغير إذنها؟ قال: «نعم ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (3)، و مقتضى هذه الصحيحة أن المدخول بها مطلقاً قبلًا أو دبراً ليست بحكم الباكر، و في صحيحة الحلبي قال سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الثيب تخطب إلى نفسها؟ قال: «هي أملك بنفسها تولي أمرها من شاءت إذا كان كفواً بعد أن تكون قد نكحت رجلًا قبل ذلك» (4)، و قد يظهر من هذه الرواية أن البكر هي المعقود عليها مطلقاً و إن لم توطأ. و قد يؤيد هذا المعنى ما يظهر من جملة من الروايات، كمعتبرة أبي مريم و غيرها من المقابلة بين البكر و المالكة لأمرها لا سيما ما في معتبرة زرارة (5) من تعريف‌

____________

(1) الرحمن: 55- 56.

(2) الواقعة: 35- 36.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 8.

(4) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 4.

(5) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 9 ح 6.

43

المالكة أمرها بالتي تباشر العقود، فتكون المقابلة بلحاظ المعقود عليها مطلقاً و غيرها، و يعضده تقييد عنوان البكر في بعض الروايات البالغة البكر التي بين أبويها، و يعضد ذلك أيضاً ما اخترناه من التفصيل بين المالكة لأمرها حكمها حكم الثيب.

و في صحيح عبد المحلّى بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عن الثيب تخطب إلى نفسها، قال: «نعم هي أملك بنفسها تولي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوجت زوجاً قبله» (1) فقد يستظهر منها البكر غير المعقود عليها مطلقاً، و قد يستظهر منها أنها غير من زالت بكارتها بالزواج.

قال في اللسان: الثيب من النساء التي تزوجت و فارقت زوجها بأي وجه كان بعد أن مسها، قال أبو الهيثم: امرأة ثيب كانت ذات زوج ثمّ مات عنها زوجها أو طلقت ثمّ رجعت إلى النكاح، قال: و جاء في الخبر: «الثيبان يرجمان و البكران يجلدان و يضربان» (2)، و ظاهر بعض ما ذكره في اللسان يقتضي عموم الثيب لكلّ مطلقة تعاود للنكاح و إن لم توطأ.

ثمّ إنه لا يخفى أن البكارة و الثيبوبة بحسب الأبواب و موارد المسائل قد يختلف المعنى المراد منها، ففي باب الإحصان يغاير باب المهور و باب شروط التعاقد، كما يختلف باب الولاية عليها عما سبق، و قد تقدّم أن الأقوى في الولاية على البالغة هو التفصيل بين البالغة البكر التي بين أبويها غير السفيهة، و المالكة لأمرها، فالمدار لا يقتصر على وجود الخاتم و عدمه، بل على كونها مالكة لأمرها و عدمه أي مستقلة الشخصية و الرأي، و على ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 3 ح 12.

(2) لسان العرب: ج 1، ص 248، مادة ثيب

44

فيكون ما تقدّم من بعض الآيات و الروايات معاضد لبيان أفراد المالكة لأمرها و إن بقي الخاتم كالموطوءة دبراً و لو من حرام، و كذا لو كانت معقود عليها و قد بوشرت من الزوج و إن لم يطأها قبلًا أو دبراً، و كذلك البكر كبيرة السن في العادة، فالمدار على ذلك.

نعم المعقود عليها المطلقة من دون مباشرة مع بقائها بين أبويها و صغر سنها لا تندرج تحت عنوان المالكة لأمرها، و من ثمّ أشار صاحب الجواهر: أن هذا البحث على مسلك المشهور لا ثمرة فيه إلّا من جهة ندبية تولي الأب، و ما ذهبنا إليه من التفصيل، و إن كان يتوقف على هذا البحث في الثمرة، إلّا أن المدار على ما عرفت لا مجرّد عنوان البكر و الثيبوبة.

الأمر التاسع: الكفؤ

و البحث فيه تارة في الموضوع و المعنى المراد، و أخرى في آثار أخذ هذا العنوان و الدليل.

و قد قسموا الكفاءة إلى الشرعية و العرفية، أما الشرعية و هي الإسلام أو الإيمان و شرطيته في صحة النكاح، فسيأتي البحث فيه لاحقاً مفصلًا إن شاء الله تعالى.

و أما البحث في الكفاءة العرفية فقد تقدّم شطر من الكلام فيها في المقدمات، و أن أثر ذلك في جواز العضل و عدمه و سقوط ولاية الأب و عدمه، و أن العضل من باب المضارة التي لا تشمله أدلة ولاية الأب، سواء بلحاظ عموم أدلة الضرر أو الروايات المقيدة بذلك في الجد التي مرت الإشارة إليها، و على ذلك فلا ينحصر معنى الكفاءة في الإسلام أو الإيمان، بل يشمل العرفي بحسب البيئات و الأعراف المختلفة إذا لم يكن ممانعة الأب عن‌

45

التزويج به‌

بسبب غضاضة أو شناعة في العرف، نعم الأعراف المغلوطة التي لا ترتبط بالسياسات الأخلاقية الشرعية، لا سيما إذا كانت مذمومة شرعاً يشكل مراعاة الكفاءة العرفية بتلك المعاني، و من ثمّ ورد في النصوص أن الله رفع بالإسلام الخسيسة و أتم به الناقصة و أكرم به اللؤم فلا لؤم على مسلم إنما اللؤم لؤم الجاهلية (1) كما ورد «تتكافأ دماؤكم و لا تتكافأ فروجكم» (2) مع أنه ورد في عدّة من الروايات تفسير الكفو بالعفيف و عنده يسار (3)، و هو يشير إلى حسن الأخلاق الملائمة و قدرة تدبير المعيشة، و هما من أصول السياسات في الحياة الزوجية، مع أنه قد ورد أيضاً: «من جاءكم ممن ترضون دينه و خلقه فزوجوه إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد كبير» (4)، كما ورد النهي عن التزويج من سيئ الخلق (5) كما ورد كراهة التزويج من أصناف من الأعراق معللًا برذائل خلقية و غيرها كالحمق (6)، مضافاً إلى ما ورد في حق الفسخ في جملة من الموارد التي يتصف الطرفين بالنقص فيها.

و قد مرت الإشارة إلى أنه مع انحصار الزوج بغير الكفو العرفي قد يصدق العضل حينئذ؛ لأن المصلحة في تزويجها حينئذ فلاحظ.

كما أن الكفاءة العرفية مرهونة بجهات عديدة متزاحمة، فمع الكسر و الانكسار تطغى الجهة الغالبة.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 27.

(2) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 26 ح 3.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 28.

(4) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 28.

(5) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 30.

(6) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 31 و 32 و 33 و 34.

46

[تثبت ولاية الأب و الجد على الصغيرين]

(مسألة 1): تثبت ولاية الأب و الجد على الصغيرين، و المجنون المتصل جنونه بالبلوغ، بل و المنفصل على الأقوى. و لا ولاية لهما على البالغ الرشيد، و لا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيبة. و اختلفوا في ثبوتها على البكر الرشيدة على أقوال: و هي استقلال الولي و استقلالها، و التفصيل بين الدوام و الانقطاع باستقلالها في الأول دون الثاني و العكس، و التشريك بمعنى اعتبار إذنهما معاً. و المسألة مشكلة فلا يترك مراعاة الاحتياط بالاستئذان منهما. و لو تزوجت من دون إذن الأب، أو زوّجها الأب من دون إذنها، وجب إما إجازة الآخر أو الفراق بالطلاق. نعم إذا عضلها الولي أي: منعها من التزويج بالكفو مع ميلها سقط اعتبار إذنه، و أما إذا منعها من التزويج بغير الكفو شرعاً فلا يكون عضلا. بل و كذا لو منعها من التزويج بغير الكفو عرفا ممن في تزويجه غضاضة و عار عليهم و إن كان كفواً شرعياً. و كذا لو منعها من التزويج بكفو معيّن مع وجود كفو آخر. و كذا يسقط اعتبار إذنه إذا كان غائباً لا يمكن الاستئذان منه مع حاجتها إلى التزويج.

(مسألة 2): إذا ذهبت بكارتها بغير الوطء من وثبة و نحوها فحكمها حكم البكر. و أما إذا ذهبت بالزنا أو الشبهة ففيه إشكال، و لا يبعد الإلحاق بدعوى أن المتبادر من البكر من لم تتزوج، و عليه فإذا تزوجت و مات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها لا يلحقها حكم البكر. و مراعاة الاحتياط أولى.

(مسألة 3): لا يشترط في ولاية الجد حياة الأب و لا موته. و القول بتوقف ولايته على بقاء الأب- كما اختاره جماعة- ضعيف، و أضعف منه القول بتوقفها على موته، كما اختاره بعض العامة.

47

(مسألة 4): لا خيار للصغيرة إذا زوجها الأب أو الجد بعد بلوغها و رشدها، بل هو لازم عليها و كذا الصغير على الأقوى، و القول بخياره في الفسخ و الإمضاء ضعيف، و كذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته. (1)

____________

الولاية على الصغير و الصغيرة

(1) أما الصغيرة فمحلّ وفاق بينهم فتوى لا نصّاً، و أما الصغير فهو المشهور، إلّا أنه ذهب الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس إلى ثبوت الخيار له بعد بلوغه، و الروايات الواردة على ألسن:

الروايات الواردة في المقام

اللسان الأول: ما دل على عدم ثبوت الخيار للصغيرة و الصغير بعد البلوغ مطلقاً

مثل صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (ع) في حديث قلت: فإن كان أبوها الذي زوجها قبل أن تدرك، قال: «يجوز تزويج الأب و يجوز على الغلام و المهر على الأب للجارية» (1) و هي ظاهرة في ذلك، و إن كانت محتملة لإرادة الصحة الفعلية دون اللزوم أو الصحة التأهلية دون الفعلية بقرينة استعمال الجواز في صدرها، و معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الصبي يزوج الصبية، قال: «إن كان أبواهما هما اللذان زوجاهما فنعم، قلنا: يجوز طلاق الأب قال: لا» (2) و مصحّح محمد بن إسماعيل بن بزيع قال:

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب ميراث الأزواج: ب 11 ح 1.

(2) وسائل الشيعة، أبواب ميراث الأزواج: ب 11 ح 3.

48

سألت أبا الحسن (ع) عن الصبية يزوجها أبوها و هي صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها يجوز عليها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: «يجوز عليها تزويج أبيها» (1) و هي ظاهرة في اللزوم، و مثلها صحيحة عبد الله بن الصلت و فيها: «ليس لها مع أبيها أمر» (2) و صحيحة علي بن يقطين و غيرها مما ورد في روايات ثبوت المهر في أبواب المهور.

اللسان الثاني: ما دل على ثبوت الخيار للصغير أو لهما إذا بلغا

مثل صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله (ع) قال: « «سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يزوج ابنه و هو صغير، قال: لا بأس، قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا ... و قال: إذا زوج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه و إن زوج الابنة جائز» (3).

و ظاهرها التفصيل بين الصغير و الصغيرة، و يمكن الخدشة بدلالتها بأن الابن في الذيل مطلق للصغير و البالغ بينما الصدر خاص بالصغير، و هو دال على جواز النكاح على الصغير و ثبوت المهر عليه، كما أن مفاده يحتمل أن يكون الجواز فيه بمعنى الصحة الفعلية و الخيار في اللزوم.

و صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الصبي يزوج الصبية، قال: «إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد ذلك فإن المهر على الأب، قلت: فهل يجوز طلاق على‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 6 ح 4.

(2) نفس المصدر: ح 3.

(3) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 6 ح 3.

49

ابنه في صغره؟ قال: لا» (1) و هذه و إن كانت ظاهرة بدواً في أن لهما الخيار، إلّا أن ظهور صدرها في التفصيل بين الأبوين و غيرهما، يقتضي جواز النكاح في الأبوين و وقوفه على الرضا بعد البلوغ في غير الأبوين، لا سيما أن الجواز فيها قد استخدم بمعنى الصحة الفعلية أو اللزوم بقرينة الذيل في (عدم جواز الطلاق) و إن احتمل فيها أيضاً إرادة الصحة الفعلية من الجواز و الخيار مقابل اللزوم.

و الحاصل: إنها ليست صريحة في عدم الصحة الفعلية، نعم هي ظاهرة في عدم اللزوم.

و معتبرة يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر (ع) متى يجوز للأب أن يزوج ابنته و لا يستأذنها؟ قال: «إذا جازت تسع سنين فإن زوجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين»، قلت: فإن زوجها أبوها و لم تبلغ تسع سنين فبلغها ذلك فسكتت و لم تأب ذلك أ يجوز عليها؟ قال: «ليس يجوز عليها رضا في نفسها و لا يجوز لها تأبّ و لا سخط في نفسها حتى تستكمل تسع سنين» ... قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «يا أبا خالد إن الغلام إذا زوجه أبوه و لم يدرك كان بالخيار إذا أدرك و بلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك»، قلت: فإن أدخلت عليه امرأته قبل أن يدرك فمكث معها ما شاء الله ثمّ أدرك بعد فكرهها و تأباها؟ قال: «إذا كان أبوه الذي زوجه و دخل بها و لذّ منها و أقام معها سنة فلا خيار له إذا أدرك و لا ينبغي له أن يرد عليه ما صنع و لا يحل له ذلك»، ... قلت له: جعلت فداك فإن طلقها في تلك الحال و لم يكن قد أدرك‌

____________

(1) المصدر السابق: ح 7.

50

أ يجوز طلاقه؟ فقال: «إن كان قد مسها في الفرج فإن طلاقها جائز عليها و عليه، و إن لم يمسها في الفرج و لم يلذ منها و تلذ منه فإنها تعزل عنه و تصير إلى أهلها فلا يراها و لا تقربه حتى يدرك فيُسأل و يقال له: إنك كنت قد طلقت امرأتك فلانة، فإن هو أقر ذلك و أجاز الطلاق كان تطليقه بائناً و كان خاطباً من الخطاب» (1) و حمل صاحب الوسائل المسّ على الإمناء.

و الجمع بين الروايات

تارة بلحاظ مقتضى القاعدة و أخرى بلحاظ المفاد المنسبق من الجمع بينها.

أما مقتضى القاعدة فالقدر المتيقن من ولاية الأب هو على أموال غير البالغ، و أما الزواج فحيث يتضمّن ماهية غير مالية و هي القران فالأصل عدمه، لكن الظاهر المتفق عليه بين جميع ما تقدّم من الروايات أو ما هو أقوى دلالة فيها هو جواز تزويج الأب سواء للصغير أو الصغيرة بمعنى الصحة الفعلية، و أما بلحاظ اللزوم فمقتضى القاعدة في الغلام إذا بلغ ثبوت حق الخيار له، و أما الصغيرة فينفذ العقد ما لم تأب و تمانع، و أما بلحاظ الجمع بين هذه الروايات في نفسها فيمكن حمل الطائفة الأولى على الصحة الفعلية، لا سيما و أن بعضها صريح في مفروغية الصحة الفعلية لفرض التوارث بينهما.

و أما ما دلّ على الخيار فيمكن حمله على الخيار في مقابل اللزوم، غاية الأمر أنه فرق بين الصغير و الصغيرة في أن الغلام إذا بلغ لا بدّ من رضاه في اللزوم و سقوط الخيار، بخلاف الصغيرة إذا بلغت فإنه يكفي في اللزوم عدم تأبّيها كما هو مقتضى القاعدة، و لعل هذا هو الوجه في التفرقة في صحيح الفضل بن عبد الملك.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب عقد النكاح: ب 6 ح 9.

51

و أما صحيح عبد الله بن الصلت من أنه ليس لها مع أبيها أمر، فقد تقدّم نظير هذا التعبير في البالغة البكر غير السفيهة و أنه محمول على استقلال الأب ما لم تتأب و تقيم على المنع، فلا تعارض صحيحة محمد بن مسلم بقول مطلق و معتبرة يزيد الكناسي، فمقدار الدلالة الصريحة في صحيح عبد الله بن الصلت و نحوه من الطائفة الثانية لا يرفع اليد عنه، كما أن المقدار الصريح من دلالة الطائفة الأولى أيضاً لا يرفع اليد عنه، فالصحة الفعلية هو المقدار الصريح من الطائفة الأولى، و الخيار مقابل اللزوم هو المقدار الصريح من الثانية، و ما يظهر من التفرقة في جملتها بين الصغير و الصغيرة فوجهه ما تقدّم من مقتضى القاعدة في الفرق بين البالغ و البالغة في ولاية الأب، و حمل صحيحة محمد بن مسلم على خصوص المورد و هو تزويج الصبي و الصبية لا موجب له إلّا الجمود على مورد الوارد، إلّا إذا حمل على أن التزويج مع بلوغ أحد الطرفين يستلزم وقوع المباشرة بينهما فيفصّل بلحاظ ذلك في ثبوت خيار الفسخ مقابل اللزوم، أي بين وقوع المس و نحوه بينهما و عدمه، كما دلت على هذا التفصيل معتبرة يزيد الكناسي أيضاً، و هذا التفصيل نظير ما يذكر في ثبوت الخيار في العقود المالية من أن بعض التصرفات مسقطة للخيار، كما هو الحال في خيار الفسخ في النكاح بالعيوب فإنه إذا دخل يسقط الخيار في جملة من تلك الموارد.

و يمكن تقريب المختار مضافاً إلى معاضدة مقتضى القاعدة بالتقريب المتقدّم، أنه الأوفق في رفع اليد عن قاعدة السلطنة بالقدر المتيقن الذي دلّ عليه الدليل، و من ثمّ يشكل الحال فيما في المتن من عدم الخيار للمجنون إذا أفاق، حيث أن الدليل على ولاية الأب أو الجد في تزويج المجنون بعد قصور المجنون نفسه و ولاية الأب في الجملة عليه هو كون التزويج للمجنون‌