تبيان الصلاة - ج4

- السيد حسين البروجردي المزيد...
275 /
5

الجزء الرابع

[تتمة المقدمة الرابعة]

المورد الثاني: في لباس المصلي

و الكلام في هذا المقام ليس في خصوص ما يقع ساترا للمصلي حال الصّلاة، بل يكون الكلام في مطلق لباس المصلي، سواء كان ساتر عورته أولا، و حيث إن الظاهر من كلمات الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) اعتبار امور ستة في اللباس أربعة منها معتبرة في لباس المصلي، سواء كان رجلا أو امرأة، و هي عدم كون اللباس من أجزاء الميتة ممّا تحله الحياة، و عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، و كونه طاهرا، و عدم كونه مغصوبا، و اثنان منها لخصوص الرجال، و هما عدم كون لباس المصلي إن كان رجلا من الحرير و من الذهب، فعلى هذا يقع الكلام في لباس المصلي في مسائل ستة:

المسألة الأولى: لا يجوز الصّلاة في الميتة في جلدها و غيره

مما تحله الحياة، و عدم جواز الصّلاة في الميتة في الجملة ليس محل الاشكال، لدلالة الروايات عليه، و لا فرق في الحكم بين ما إذا دبغ جلدها، أو لم يدبغ، ففي كلتا الصورتين لا يجوز في جلد الميتة، و يظهر من العامة طهارته إذا دبغ، و يستفاد من بعض الروايات الواردة في طرقنا خلافه، فارجع الباب 1 من أبواب لباس المصلي من الوسائل، فأصل‌

6

الحكم في الجملة مسلّم، إنما الكلام في أمرين:

الأمر الأول:

هل يكون منشأ عدم جواز الصّلاة في الميتة من باب كونها من الأعيان النجسة، و بعبارة اخرى منشأ ذلك هو كونها نجسة.

الامر الثاني:

أو يكون منشأ هذا الحكم كون خصوصية في نفس الميتة مع قطع النظر عن نجاستها صارت هذه الخصوصية منشأ لهذا الحكم، و تظهر الثمرة بين القولين في ميتة ما لا نفس سائلة له من الحيوانات كالسمك.

فعلى الأوّل لا إشكال في الصّلاة في أجزائه، لأنه بعد كون منشأ عدم جواز الصّلاة في الميتة كونها نجسة، فينحصر الحكم بكل ميتة تكون نجسة، فلا يشمل الحكم لأجزاء ميتة الحيوانات الّتي ليست لها نفس سائلة، و أمّا على الثاني فلا تجوز الصّلاة في أجزاء مطلق الميتة ممّا تحله الحياة، سواء كانت صاحب نفس سائله أولا، لأنّ نفس الميتة مع قطع النظر عن نجاستها موضوعة لحكم عدم جواز الصّلاة فيها.

إذا عرفت ذلك لا يبعد أن يقال: بعدم شمول ادلة الدالة على عدم جواز الصّلاة في الميتة لما لا نفس له من الحيوانات، لأنّه بعد عدم تعارف جعل الثوب و اللباس من الحيوانات الّتي لا نفس لها، و لم يعهد استعمال جلد الحية مثلا أو السمك في الثياب و اللباس نقول: تحمل إطلاقات الواردة في الباب على المتعارف، لما مضى الكلام في المطلق و المقيد في الأصول، بأنّه لو كان للمطلق بعض أفراد متعارفة بحيث لم يكن المتعارف منه إلّا خصوص هذه الافراد، فإن كان نظر المتكلم على خصوص هذه الافراد من المطلق الّذي جعله مركزا للحكم، و لم ينصب قرينة على ذلك، فما أخلّ بغرضه بعد ما يرى بأن له المتعارف، و ينصرف المطلق إلى هذا المتعارف، فلا يمكن حمل المطلق على تمام أفراده و دعوى شموله لجميع الافراد بمقدمات الحكمة، فيحمل‌

7

المطلق على المتعارف و ينزّل عليه، فعلى هذا يمكن منع شمول الإطلاقات لأجزاء ميتة ما لا نفس له، لعدم تعارف جعل جلودها لباسا، فعلى هذا لا وجه لعدم جواز الصّلاة في جلود حيوانات الّتي لا نفس لها و ساير أجزائها ممّا تحله الحياة، إلا أن يقال بذلك من باب الاحتياط. (1)

المسألة الثانية: و لو شك في كون اللباس مذكى أو ميتة

، فما ينبغي أن يقال؟

اعلم أنّ الكلام في صورة الشّك تارة يقع في ما يقتضي الأصل الأوّلى و بعبارة اخرى مقتضى القاعدة الاوليّة مع قطع النظر عما تقتضيه الادلة، فنقول في هذا المقام:

بأنّه إذا شكّ في كون لباس أو جلد أو حيوان مذكى أو ميتة فحيث إنّ الموت ليس إلا أمرا عدميا، و الميتة ليست إلا غير المذكى أعنى: ما لم يقع عليه و لم يرد عليه الأفعال المخصوصة، و تكون التذكية أمرا وجوديا، و هي عبارة إما عن خصوص الافعال المخصوصة، أو أمر بسيط يتحصل من الأفعال المخصوصة مع اشتراط قابلية المحل، أو عدمه على الكلام فيه.

فعلى كل حال تكون التذكية أمرا وجوديا، و الموت أمرا عدميا كما أنّ من راجع العرف يرى أن الأمر كذلك عندهم، فإنّهم أيضا لا يطلقون الميتة إلا على من لم ترد عليه هذه الأفعال المخصوصة، و المذكى ما وردت عليه هذه الأفعال الخارجية،

____________

(1)- أقول: إن كان وجه عدم شمول الاطلاقات للحيوانات الّتي لا نفس لها ما أفاده مد ظله يكون لازمه عدم شمول الإطلاقات لبعض أفراد ميتة الحيوانات الّتي لها نفس سائلة الّذي لم يتعارف جعل اللباس منه، و الحال أن دعوى ذلك مشكل، و قال بعض في وجه عدم شمول الأدلة لكل ما لا نفس له من الحيوانات بأن مغروسية كون الميتة نجسة و وضوح المناسبة بين النجاسة و المنع عن الصّلاة موجبة لصرف الأخبار إلى إرادة الميتة النجسة، و لا يبعد كون الأمر كذلك.

(المقرّر).

8

فالشارع إن تصرف تصرف في بعض الخصوصيات، مثلا اعتبر في التذكية التسمية و القبلة و فرى أوداج الأربعة في بعض الحيوانات، و النحر في بعضها، و الخروج من الماء بنحو المعهود في محله في بعض الحيوانات، و إلّا فأصل الميتة و المذكى كانتا و لو قبل الشرع عند الناس، و كان عندهم المذكى ما ذبح و الميتة ما عدى ذلك، فمن هذا البيان يظهر لك أنّ الموت أمر عدمى و التذكية أمر وجودي.

[اذا شكّ في حيوان او جلد بانّه المذكّى او الميتة]

فإذا شك في كون حيوان أو جلد بأنّه المذكى أو ميته، فبمقتضى استصحاب عدم التذكية يقال: إنّه غير مذكى، و هذا هو المراد من أصالة عدم التذكية، فإذا اجريت أصالة عدم التذكية يكفي في كونه ميتة، لأنّه على ما فهمت ليست الميتة إلا غير المذكى (و أمّا لو فرض جريان أصالة عدم كونه ميتة فلا يثبت بها التذكية إلا على القول بالاصول المثبتة، لأنّ التذكية أمر وجودي و أصالة عدم كونه ميتة لا ثبت هذا الأمر الوجودي).

ثمّ إنّ حقيقة التّذكية ليست إلّا هذه الأفعال الخاصة، لما قلنا من أنّ المتبادر منها ذلك، و لا يستفاد من الأدلة أمر زائد عليها، فلا وجه لأنّ يقال: بأنّ التذكية أمر بسيط يتحصل من الأفعال الخاصة، لأنّ التذكية ليست عند العرف إلا الذبح أو النحر أو الاخراج من الماء، و عند الشارع ليس إلا هذه الامور بنحو خاص، مثلا في الشاة تذكيتها عند الشارع مضافا إلى الذبح وقوعه مع التسمية، و إلى القبلة، و فري الأوداج الأربعة، فعلى كل حال ليست إلا هذه الأفعال، لا أمرا بسيطا يكون محصله هذه الأفعال الخاصّة كما أنّه لا يعتبر في التذكية قابلية المحلّ، و صرف عدم تأثير التذكية اذا لم يكن المحل قابلا، في الطهارة أو الحلية، لا يوجب دخل قابلية المحلّ في حصول التذكية، بل لو لم يكن المحل قابلا لا أثر لها، لا أنّ التذكية لم تتحقق،

[التذكية عبارة عن الافعال المخصوصة]

لما قلنا‌

9

من ان التذكية عبارة عن الأفعال المخصوصة، غاية الأمر تؤثر الطهارة أو الحلية في محل قابل، و أثر ذلك أنّه لو لم تقع هذه الأفعال في المحل القابل لا تحصل الطهارة و الحلية.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الشيخ (رحمه اللّه) تعرض لأصالة عدم التذكية في الرسائل في موردين، في أصالة البراءة في مقام بيان عدم إجراء أصالة البراءة في كل مورد يكون أصل موضوعي فيه، و قال: باجراء أصالة عدم التذكية في ما كان منشأ الشّك الشبهة في الحكم، و كذلك في ما كان منشأ الشّك الشبهة في الموضوع، فقال باجراء هذا الأصل إذا شك في حل كل حيوان، و كان منشأ الشّك الشك في أنّه يقبل التذكية أم لا، فيكون الشّك على ما قال في الحكم، لأنّه لا يدري حلية أكله من باب الشّك في كون الحيوان من الحيوانات القابلة للتذكية، أو ممّا لا يقبل التذكية.

و كذلك في ما كان منشأ الشّك الشبهة في الموضوع، مثلا لا يدري بأنّ هذا الحيوان وقع عليه التذكية أم لا، فتجري أصالة عدم التذكية.

فبناء على هذا نقول: بأنّ إجراء أصالة عدم التذكية في ما شك في كون حيوان قابلا للتذكية مع عدم الشّك في وقوع أفعال الخاصّة عليه كما فعل الشيخ (رحمه اللّه)، لا وجه له، لأنّه كما قلنا ليست التذكية إلا عبارة عن نفس هذه الأفعال المخصوصة، و قابلية المحل ليست معتبرة فيها، فعلى هذا لا يفرض الشبهة الحكمية إلا في ما كان الشّك في اعتبار هذه الأفعال أو بعضها فرضا و أمّا مع حصولها أو فهم اعتبارها و عدم الشك في دخلها، فلا يكون شك من حيث الحكم حتّى تجري أصالة عدم التذكية.

فلو شك في قابلية حيوان للتذكية و عدمها، لا تجري أصالة عدم التذكية.

بل نقول في المقام: أوّلا بأنّه إن كان الحيوان طاهرا في زمان حياته أو كان‌

10

مأكول اللحم، فنحكم ببقاء طهارته و حليته بعد ورود التذكية عليه أيضا للاستصحاب، و ثانيا لو فرض أن يستشكل في الاستصحاب، و يقال: بأنّ الحياة كانت من مقوّمات المستصحب، فلا يجري الاستصحاب بعد موته، لتبدل الموضوع، و إن كان لا مجال لهذا الاشكال، لأنّا نقول: بالطهارة و الحلية بمقتضى أصالة الطهارة و الحلية، هذا حال شبهة الحكمية.

و أمّا إذا شك في التذكية و عدمها، و كان منشأ الشّك امورا خارجية، و بعبارة اخرى كانت الشبهة شبهة الموضوعية، فنقول: إنّ في الشبهة الموضوعية حيث يكون الشك في حصول ما يعتبر في التذكية، و على ما قدمنا ما يعتبر في التذكية ليس إلا الأفعال الخاصة، فكلما يشكّ في حصولها، فالمرجع أصالة عدم التذكية‌

[في ذكر الاشكال و جوابه]

إذا عرفت ذلك يبقى على ما قلنا إشكال، و هو أنّه بعد كون التذكية عبارة عن نفس هذه الأفعال، لا أمرا بسيطا، فإذا كان حيوان في الخارج، و شك في كونه مذكى أو ميتة، فيكون مجال لاجراء أصالة عدم التذكية، فيقال: إنّ هذا الحيوان لم يكن مذكّى قبل ذلك، فالأصل بقائه على عدم التذكية، فالموضوع هو هذا الحيوان، و هو محفوظ و موجود في كل من زمانى .. اليقين و الشك، و امّا إذا كان في الخارج جلد لا يدري بأنّه هل هو جلد الحيوان المذكّى أو الميتة، فبناء على كون التذكية أمرا بسيطا لا إشكال أيضا في إجراء أصالة عدم التذكية، لسراية هذا الأمر البسيط إلى تمام أجزاء الحيوان الّتي تحلّه الحياة، فاللحم يصير مذكى، و كذا الجلد يصير مذكّى بواسطة هذا الأفعال، فيصح أن يقال: إنّ هذا الجلد لم يكن مذكى سابقا فببركة الاستصحاب نجرّ عدم التذكية إلى زمان الشك، فالأصل عدم تذكيته.

و أمّا بناء على ما قلنا من أنّ التذكية عبارة عن نفس هذه الأفعال و منشأ‌

11

الشّك في التذكية و عدمها كان من باب الشّك في أنّ هذا الجلد من الحيوان المذكى أو من الميتة، مثل ما يكون في الخارج حيوانان يعلم بتذكية أحدهما المعين و عدم تذكية أحدهما المعين، و لا يدري بأنّ هذا الجلد من أيّهما، فيشكل إجراء أصالة عدم التذكية، لأنّ ما يكون موضوعا لورود هذه الأفعال و قابلا لذلك هو الحيوان، لأنّ الحيوان يقع عليه الأفعال، فالجلد ليس موضوعا للتذكية، فليس موضوع سابقا في الفرض و باق حال الشّك حتّى يقال: إنّ ذلك لم يكن مذكى سابقا فيستصحب في الحال عدم تذكيته، لأنّ التذكية لا تقع على الجلد، فلا مجال لأصالة عدم تذكية هذا الجلد.

و لكن يدفع هذا الاشكال، لأنّا على ما أمضينا الكلام في الميتة قلنا: إنّ وجه عدم جواز الصّلاة في الميتة ليس إلا نجاستها، ففي الفرض مع الشّك يحكم بطهارة الجلد بمقتضى أصالة الطهارة و لو لم يثبت كونه من الحيوان المذكى، لأنّ الشرط في الصّلاة ليس إلا طهارته، أو تكون النجاسة مانعة، و على كل تقدير يصح الصّلاة في هذا الجلد، فتأمل).

[اصالة عدم التذكية الاصل الاولى]

هذا تمام الكلام في الأصل الأولى، و قد ظهر لك أنّه في ما شك في التذكية و عدمها فمقتضى الأصل أعنى: الاستصحاب، عدم التذكية بتفصيل المتقدم ذكره منّا.

نعم هنا كلام آخر، و هو أنّه قد يدعى أنّ مقتضى ما يستفاد من بعض الأخبار في خصوص المورد نقض هذا الأصل و عدم مجال لاجرائه، و بعبارة اخرى مقتضى الأصل الثانوي المستفاد من الأخبار خلاف ذلك.

و اعلم أنّ الثابت في الجملة في خصوص المقام عدم وصول النوبة مطلقا بأصالة عدم التذكية في ما شك في التذكية و عدمها، بل يحكم بالتذكية و تصحّ‌

12

الصّلاة فيه في الجملة، و إنّما الكلام في أنّ المستفاد من أخبار الباب هل هو الحكم بالتذكية في مورد الشّك مطلقا حتّى تعلم كون الجلد من الميتة، فعلى هذا يكون الأصل الثانوي المستفاد من الروايات على خلاف الأصل الأولى، أو ليس كذلك، بل المستفاد من روايات الباب هو عدم كون مورد الشّك في كون الجلود مذكى أو ميتة محكوما بعدم التذكية مطلقا، لأصالة عدم التذكية، أو يكون محكوما بالتذكية في خصوص بعض الموارد، سواء كان من باب استفاده موضوعية لهذه الموارد و تعبد فيها، أو من باب أنّ في هذه الموارد تكون أمارة على التذكية، فلا بدّ لنا أوّلا من ذكر روايات الباب، و بيان مقدار دلالتها حتّى يظهر ما هو الحق في المقام.

[في ذكر الاخبار الواردة فى الباب]

فنقول بعونه تعالى: إنا نذكر أوّلا بعض ما يمكن أن يستدل بها من الروايات على كون الجلود محكوما بالطهارة، و جواز الصّلاة فيها حتّى يعلم كونها من الميتة، ثمّ بعض ما يمكن أن يستدل به على الطهارة و جواز الصّلاة في الجلود في خصوص بعض الموارد، امّا من باب كون موضوعية لها و امّا من باب وجود أمارة على التذكية، فيها فنقول:

المقام الاول:

[الطائفة الأولى من الروايات ما دل على خلاف الأصل الأولى]

فنقول أمّا الطائفة الأولى من الروايات الّتي يمكن أن يستدل بها على خلاف أصل الأولى أعنى: على طهارة الجلود و صحة الصّلاة فيها ما لم تعلم بكونها من الميتة، فهي روايات:

الرواية الأولى: ما رواها الحلبي

(قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشتر و صلّ فيها حتّى أنّه ميتة بعينه.) (1)

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

13

بدعوى عدم كون السوق المذكور في الرواية خصوص سوق المسلمين، بل عام يشمل كل سوق، و كان سؤال السائل على هذا عن الخفاف الّتي تباع في الأسواق، سواء كان سوق المسلمين أو غيرهم، و إلّا فلو لم يقبل ذلك، و ادعي كون نظر السائل إلى خصوص سوق المسلمين كما يناسب ذلك مع سؤال السائل، لأنّ ما يكون المتعارف لهم هو المعاملة في أسواق المسلمين، و لم يكن أسواق غير المسلمين مورد ابتلائهم، فيمكن أن يقال: بأنّ الحكم بجواز الشراء و الصّلاة في الخفاف يكون من باب وجود أمارة على التذكية.

الرواية الثانية: ما رواها احمد بن محمد بن أبي نصر

(قال: سألته عن الرجل يأتي السوق يشتري جبة فراء لا يدري أ ذكيّة هي أم غير ذكية، أ يصلّي فيها؟ قال:

نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدّين أوسع من ذلك- و رواه الصّدوق باسناده عن سليمان بن جعفر الجعفري عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) مثله). (1)

و هذه الرواية تدلّ على جواز الصّلاة في الفراء و لو كان شاكّا في تذكيته و عدمها، فما لم يعلم بكونه ميتة يجوز الصّلاة فيه، هذا بناء على عدم كون السوق إشارة إلى خصوص سوق المسلمين حتّى يقال: إنّ الحكم بالجواز يكون من باب كون سوق المسلمين أمارة على التذكية، بل بناء على كون المراد من السوق مطلق السوق.

الرواية الثالثة: ما رواها علي بن أبي حمزة

(أنّ رجلا سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا‌

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

14

عنده عن الرجل يتقلد السيف و يصلّي فيه؟ قال: نعم. فقال الرجل: إنّ فيه الكيمخت. قال: و ما الكيمخت؟ قال: جلود دواب منه ما يكون ذكيّا، و منه ما يكون ميتة. فقال: ما علمت أنّه ميتة فلا تصلّ فيه.) (1)

و في هذه الرواية لا تعرض للسوق أصلا حتّى يقال: بأنّ الجواز يمكن أن يكون في خصوص السوق، و يقال: إنّ المراد من السوق هو سوق المسلمين، بل تدلّ الرواية على جواز الصّلاة في جلود الدواب مع فرض أن منه ما يكون ذكيا و منه ما يكون ميتة، حتّى تعلم أنّها ميتة، فما علم كونها ميتة فلا تجوز الصّلاة فيها.

الرواية الرابعة: ما رواها احمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام)

(قال:

سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشترى الخف لا يدري أ ذكيّ هو أم لا، ما تقول في الصّلاة فيه و هو لا يدري، أ يصلّي فيه؟ قال: نعم، أنا اشترى الخف من السوق و يصنع لي، و اصلى فيه و ليس عليكم المسألة.) (2)

و هذه الرواية تدلّ على جواز الصّلاة في الخفّ الّذي لا يدري بأنّه ذكىّ أم لا، و عدم وجوب السؤال من ذكوته و عدمها نعم لا يبعد كون الفرض في الرواية هو سوق المسلمين، لأنّ ما يأخذ منه الرضا (عليه السلام) و اشترى منه الخفّ لم يكن إلّا سوق المسلمين، لأنه (عليه السلام) لم يكن مورد اتبلائه غير سوق المسلمين، فعلى هذا لا تفيد الرواية أمرا زائدا على ما تفيد الطائفة الثانية من الروايات.

الرواية الخامسة: و هي ما ينتهي سندها بالحسن بن الجهم

(قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أعترض السوق فأشترى خفّا لا أدري أ ذكي هو أم لا؟ قال: صلّ فيه.

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

15

قلت: فالنعل؟ قال: مثل ذلك. قلت: إني أضيق من هذا، قال: أ ترغب عما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله.) (1)

فهي أيضا مثل السابقة.

الرواية السادسة: ما رواها السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

(أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها، و فيها سكين، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل، لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرّموا له الثمن. قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أم سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتّى يعلموا.) (2)

و هذه الرواية تدلّ على جواز أكل اللحم و إن كان شكّ في تذكيته حتّى تعلم كونه ميتة، غاية الأمر ليست هذه الرواية متعرضة لجواز الصّلاة في الجلد الّذي شك في كونه من المذكى أو من الميتة، و لكن بعد ما جاز أكل اللحم يجوز الصّلاة أيضا، لأنّ كلا من جواز أكل اللحم و جواز الصّلاة متفرع على كون الحيوان أو الجلد أو اللحم محكوم بالتذكية، و ليست الرواية متعرضة للسوق حتّى يمكن ادعاء اختصاص الحكم بما يؤخذ من سوق المسلمين، بل مع وجدانه في الطريق حكم بجواز أكله حتى يعلم، لأنّه قال: هم في سعة حتّى يعلموا.

الرواية السابعة: و هي ما رواها سماعة بن مهران

(أنّه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) في تقليد السيف في الصّلاة و فيه الفراء و الكيمخت. فقال: لا بأس ما لم تعلم‌

____________

(1)- الرواية 9 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

(2)- الرواية 11 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

16

أنّه ميتة.) (1)

و دلالتها على جواز الصّلاة أعنى: صحتها في الفراء و الكيمخت ما لم يعلم ميتية، واضح بدون تقييد كون ذلك في سوق المسلمين أو يدهم.

فهذه الروايات و لو أشكل في دلالة كلها على جواز الصّلاة و صحتها في الجلود المشكوكة كونها مذكى أو ميتة، مثل ما منها كان المفروض منه السوق، أو رواية الخامسة من باب عدم التعرض فيها للصّلاة، و لكن دلالة بعضها الآخر على جواز الصّلاة في الجلود المشكوكة كونها مذكى أو ميتة حتّى تعلم كونها ميتة، ظاهرة.

فعلى هذا يقال: إنّه إن كنّا و هذه الروايات يستفاد منها نقض الأصل الأولى، أعنى: أصالة عدم التذكية مطلقا، و يكون الأصل الثانوي المستفاد من هذه الأخبار هو التذكية إلا ما علم كونه ميتة.

هذا بالنسبة إلى الطائفة الأولى من الروايات، و المقدار الّذي يمكن دلالتها عليه في حدّ ذاتها.

و أمّا الطائفة الثانية، فهي روايات:

الرواية الأولى: ما رواها فضيل و زرارة و محمد بن مسلم

(أنّهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق، و لا يدري ما صنع القصابون؟ فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه.) (2)

[سوق المسلمين أمارة التذكية]

تدلّ هذه الرواية على حلية أكل اللحم إذا كان في سوق المسلمين، و مفهومها‌

____________

(1)- الرواية 12 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 29 من ابواب الذبائح من الوسائل.

17

تدلّ على عدم الحلية إذا لم يكن في سوق المسلمين، و هل الرواية تدلّ على حلية اللحم بمجرد كونه في سوق المسلمين و إن اشتراه في سوقهم ممّن يعلم كفره، أو لا تدلّ على هذه التوسعة، بل تدلّ على حلية اللحم إن اشترى من يد المعلوم إسلامه، أو من يد المشكوك إسلامه إذا كان في سوق المسلمين، لكون سوق المسلمين أمارة على التذكية في ما يأخذ من يد معلوم الإسلام، أو من يد مشكوك الإسلام، و أمّا إذا كان معلوم الكفر من يشتري منه فلم يكن سوقهم أمارة على كون ما في يد الكافر مذكّي. (1)

و يستفاد من الرواية حلية أكل اللحم إذا كان في سوق المسلمين و لا يلزم السؤال من البائع من تذكيته و عدمها، و أمّا إذا كان في سوق غير المسلمين، فهل تدلّ الرواية على حلية اللحم و تذكيته بعد السؤال، فيكون الحاصل الفرق بين سوق المسلمين و غير سوقهم بأنّه إذا كان في سوقهم يحكم بالتذكية بدون السؤال، و إذا كان في غير سوقهم لا يحكم بالتذكية إلا بعد السؤال عنها، فإذا سئل و أجاب بكونه مذكى يحكم بالتذكية و إن كان من يد الكافر أو اشتراه في سوق غير المسلمين، أولا تدلّ إلا على كون سوق المسلمين أمارة على التذكية، و لا يلزم السؤال، و امّا في غير سوق المسلمين فيجب السؤال و التفحص حتّى يطمئن بأحد طرفي التذكية و عدمها، لا أن يكون نفس السؤال و نفس جواب ذى اليد الكافر بالتذكية مصحح‌

____________

(1)- (و لا يبعد على هذا ألا يكون خصوصية لخصوص السوق، بل بعد كون اعتبار السوق من باب كون السوق أمارة على الأمارة، و هي يد المسلم فلو أخذ في خارج السوق من يد المسلم أو من يد مشكوك الإسلام، فلا يبعد الحكم بالحلية إذا كان الموجود أمارة اخرى على الأمارة مثل أرض الإسلام مثلا في قبال أرض الكفر إذا كان أرض الإسلام من الأمارات).

18

للحكم بالتذكية. (1)

و هذه الرواية و إن لم تكن متعرضة لجواز الصّلاة في الجلود إذا كانت في سوق المسلمين، و لكن بعد الحكم بجواز أكل اللحم المنوط بكون الحيوان مذكى، شاهد على محكومية جلد الحيوان بالتذكية إذا كانت في سوق المسلمين.

الرواية الثانية: ما رواها إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام)

(أنّه قال: لا بأس بالصّلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الاسلام. قلت: فإن كان فيها غير أهل الاسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس.) (2)

و هذه الرواية بعد دلالتها على صحة الصّلاة في الفراء اليمانى، و لعله كان من باب أنّ ما يعمل في اليمن من الفراء كان مذكى مسلما، أو فيه أمارة التذكية، تدلّ على جواز الصّلاة في الفراء بمجرد كونها مصنوعة في أرض الاسلام في قبال أرض الكفر و دار الحرب، ثمّ بعد ما سئل السائل عما إذا كان في أرض الاسلام غير أهل الاسلام قال: بجواز الصّلاة فيها إذا كان الغالب عليها المسلمين، و ما يظهر من كلام بعض الفقهاء و منهم الشهيد الثاني (رحمه اللّه) بان المراد من قوله (عليه السلام) (إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس) هو الغلبة بحسب الأفراد يعنى: إذا كان غالب أفراد أرض الاسلام مسلما فلا بأس.

____________

(1)- (و قال سيدنا الاستاد مد ظله: بأنّه لا يبعد أن يقال: إن الرواية تنادى بالفرق بين سوق المسلم و غيره، ففي الأوّل يحكم بالتذكية بلا سؤال عن كون اللحم مذكى أو ميتة، و في الثاني لا يحكم إلا بعد السؤال، فإذا سئل و أجاب ذو اليد بالتذكية، يكفي في الحكم بالتذكية و لكن كما قلت في مجلس البحث: يمكن أن يكون المقصود في الرواية من السؤال في ما لم يكن في سوق المسلمين لأنّ يسأل و يتفحص حتّى يكشف له حال اللحم و يعتقد إما بتذكيته أو بعدمها).

(2)- الرواية 5 من الباب 50 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

19

[الميزان فى السوق هو الغلبة بحسب القدرة]

و لكن ما يأتى بالنظر هو كون الميزان في الغلبة في الرواية الغلبة بحسب السلطة و الاقتدار، و الشاهد على ذلك التعبير بقوله (عليها) بعد قوله (الغالب) فيكون المراد بحسب الظاهر من الغالب عليها للتعبير (بعلى) (لا بفى) الغلبة بحسب القدرة و الحكومة، و إن كان نظره إلى الغلبة بحسب الأفراد كان المناسب ان يقول (إذا كان الغالب فيها) فعلى هذا يكون المراد الغلبة بالحكومة و السلطنة و القدرة.

إن قيل: بأنّ المفروض في الرواية قبل ذلك، أرض الاسلام حيث قال (و ما صنع في أرض الاسلام) و من الواضح أنّ في زمان صدور الرواية كل أرض كانت أرض الاسلام كانت الحكومة فيها للمسلمين، و لم تكن أرض كانت منهم و لم تكن الحكومة و الغلبة بهذا النحو لهم، فمع فرض كون الأرض أرض الاسلام الّتي فيها القدرة و الحكومة لهم، سئل السائل بأنّ في هذه الارض إذا كان غير المسلم فما الحكم، فقال (إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس) فمع فرض الغلبة بالحكومة لهم في أرض الاسلام سئل السائل، فلا بدّ و أن يكون جواب الامام (عليه السلام) الغلبة بحسب الأفراد، لأنّه لو كان نظره الغلبة بحسب الحكومة، فقد فرض و بيّن الحكم و لا حاجة الى السؤال مجددا.

نقول: بأنّه و إن كان الأمر كذلك في أرض الاسلام في زمان صدور الرواية، و لكن مع ذلك بعد ما بيّن عدم الباس إذا كان الفر و مصنوعا في أرض الاسلام سئل السائل بأنّه إذا كان أرض الاسلام، و كانت الغلبة لهم فيها، و لكن في هذا الأرض إذا كان غير أهل الاسلام هل الحكم أيضا جواز الصّلاة في الفراء أولا؟ فأجاب (عليه السلام) بقوله (إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس) يعنى: لا يضرّ وجود غير أهل الاسلام في هذا الارض إذا كان الغالب على الارض المسلمين.

20

فعلى هذا أيضا يساعد الجواب مع كون المراد الغلبة بحسب الحكومة، لأنّ الميزان الغلبة بحسب الحكومة، سواء كان المسلمون تمام أفراد هذا الارض الّتي تكون الغلبة بحسب الحكومة للمسلمين، أو كان فيها غير أهل الاسلام أيضا.

و ما قال الشهيد (رحمه اللّه) من أنّه إن كان المراد هذا، فيلزم أن تكون الصّلاة صحيحة في الفراء في مثل هذه الأرض و إن كان تمام أفرادها غير المسلم إلا حاكمهم، لأنّ في هذا الفرض أيضا الغلبة للمسلمين و الحال أنّه لا أمارية للأرض في هذا الفرض على كون الجلود التي يجعل فراء مذكّى، لعدم كون مسلم فيها إلا نفر واحد و هو الحاكم، ليس في محله، لأنّه مع كون الحكومة و الغلبة للمسلمين على أرض، فقهرا يكون فيها المسلمون كثيرا، لأنّ للحاكم جنودا و أتباعا و من يعينه على اجراء الامور من المسلمين، و كيف يمكن فرض كون الحكومة على أرض للمسلمين بمجرد شخص واحد و هو الحاكم، لأنّه لا يتمكن هذا الحاكم بوحدته الغلبة على الكفار و لا يسلط عليهم، فكلما كانت الغلبة لهم على أرض فيكون فيها المسلمون كثيرا، فلا يوجد هذا الفرض الذي فرضه الشهيد (رحمه اللّه) حتّى يرد إيراده.

[دخالة الاسلام فى حلّية الجلود و طهارتها]

و على كل حال تدلّ الرواية على جواز الصّلاة في الفراء إذا كانت مصنوعة في أرض الاسلام مع كون الغلبة إمّا بحسب الأفراد كما تخيل الشهيد (رحمه اللّه) و بعض آخر من الفقهاء و إمّا بحسب الحكومة و السلطنة، على ما اخترنا، للمسلمين، و إن كان لقوله (إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس) مفهوم، فيكون مفهومه أنّه إذا لم تكن الغلبة لهم ففيه الباس.

و عموم هذه الرواية يقتضي كون جواز الصّلاة في ما كانت مصنوعة في أرض تكون الغلبة للمسلمين سواء كان في سوق المسلمين أو لا و سواء كان من يد بايع‌

21

يكون إسلامه مسلما، او مشكوكا، بل يحتمل شموله لما يشتريها من يد الكافر و إن كان لا يناسب ذلك مع اعتبار أرض الاسلام، لأنّ اعتبار أرض الاسلام يكون إما من باب كون الأمارة على التذكية إذا صنع في هذه الارض، و امّا من باب كان أرض الاسلام و إن كان لها موضوعية في مقابل أرض الكفر إلّا أنّ موضوعيتها ليست إلا من باب كون الاسلام له دخالة في إثبات الحكم، و لهذا جعل أرض الاسلام دخيلا في محكومية الجلد بالتذكية، و هذا ليس إلا من باب أن أرض الاسلام يكون فيها المسلمون، و معهم يكون الحكم هكذا من باب قابلية كون الجلد من المسلم و أمّا اذا كان في يد الكافر او اشترى منه، فليس كذلك.

الرواية الثالثة: ما رواها إسماعيل بن عيسى

(قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل (1) أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه.) (2)

[الرواية فرقت بين المسلم و بين المشرك و عدم السؤال في صورة كون البائع مسلما]

و المراد من الرواية هو أنّ السائل سئل عن جلود الفراء، و أنه إذا كان البائع مسلما غير عارف يسأل عن ذكوته أم لا، فاجاب (عليه السلام) و حاصل جوابه يرجع إلى أنّ البائع تارة يكون أحدا من المشركين فإذا تشترى من المشرك تسأل عن ذكوته، و أمّا إذا كان البائع من يصلّي فيه، و يكون من أهل الصّلاة فلا تسأل عنه، فعلى هذا ليس المراد بقوله و إذا رأيتم يصلّون فيه) أنّه لا يلزم السؤال اذا كان البائع يصلّي‌

____________

(1)- (يحتمل كون الجيل بالياء قبل اللام، و كان المراد هو الجيلان اى بالفارسية (گيلان) و يحتمل أن يكون الجبل بالباء قبل اللام).

(2)- الرواية 7 من الباب 10 من ابواب النجاسات و الاوانى و الجلود من الوسائل.

22

فيه، بل يكفي كون البائع ممّن يصلّي في عدم لزوم السؤال، و قوله (يصلّون فيه) يكون من باب اعتبار كونهم من الذين يصلّون.

ثمّ إنّه على هذا يقال: بأنّ الرواية فرقت بين المسلم، و بين المشرك، فما أوجب السؤال إذا كان البائع مسلما، بل يكون محكوما بالتذكية كل جلد يشتري منه، و أنّه اذا كان البائع مشركا يجب السؤال، و ليس الجلد المشتري منه محكوما بالتذكية بلا سؤال، و لا يبعد كون الجلد محكوما بالتذكية حتّى إذا اشترى من المشرك إذا سئل عنه عن ذكوته، و أخبر المشرك بكونه مذكى. (1)

ثمّ لا يخفي عليك أنّ من يتوهم دلالة هذه الثلاثة من الروايات على كون‌

____________

(1)- أقول: ما يأتي بالنظر، كما قلت في مجلس البحث له مدّ ظلّه العالي، في المراد بالرواية هو أنّ بعد ما سئل السائل من أنّه هل يلزم السؤال عن التذكية عن جلود الفراء إذا كان البائع مسلما غير عارف أولا، أجاب (عليه السلام) بما حاصله يرجع الى أنّه إذا كانت جلود الفراء بيعها المشركون، يعنى: يكون ممّا يتداول بيعه و شرائه منهم، و هم يشترون و يبيعون سوء كان بيعها منحصرا بهم، أو كما أنّ المسلمين يبيعونها فالمشركون أيضا يبيعونها ففي هذه الصورة يلزم السؤال عن هذا المسلم البائع الغير العارف، فقوله (عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك) يعني: عليكم أن تسألوا عن هذا البائع المسلم الغير العارف إذا كان المتداول بيعها من قبل المشركين، و امّا إذا رأيتم يصلّون فيه، يعنى: ترى أن المسلمين الغير العارفين البائعين لها يصلّون فيها، فلا يلزم السؤال و إن كان المشركون يبيعونها، لأنّ صلاتهم فيها أمارة على أنهم محرزون التذكية، و على هذا تكون الرواية في مقام جواب سؤال السائل و شق الامام (عليه السلام) بشقين:

أحدهما ما إذا كان المشركون يبيعونه، فيلزم السؤال عن هذا المسلم، و الآخر ما إذا ترى أن هذا البائع الغير العارف يصلّي فيه، فمع ذلك لا يجب السؤال، فعلى هذا ليس في الرواية تعرض لصورة الاشتراء من المشرك، و أنّه يلزم السؤال حتّى يقال: بأنّه لا يبعد كفاية إخبار الكافر بالتذكية إذا اشترى منه في المحكومية بالتذكية، لأنّه على ما قلنا ليست الرواية متعرضة لصورة اشتراء الجلد من الكافر. (المقرر)

23

الحكم بالتذكية في سوق المسلمين، أو في ارض الاسلام، أو في يد المسلم من باب وجود الأمارة في هذه الموارد على التذكية، لا من باب كون الحكم بتذكية الجلود في هذه الموارد صرف التعبد، و أنّه يحكم بالتذكية فيها بمجرد الشّك في هذه الموارد، لأنّ في كلها تكون أمارة التذكية، و هي كون اللحم أو الجلد مأخوذا من يده أو قيام الأمارة على كون المأخوذ من يده هو ذكّاه أو احرز تذكيته، فإذا كان الحكم من باب وجود الأمارة على التذكية فلا يمكن التعدى الى مورد لم تكن أمارة عليها.

[المراد من سوق المسلم أعم من الشيعة]

يكون بعيدا عن الصواب، و لا مجال لهذا التوهم، لأنّه بعد فرض عدم كون المسلمين من غير الشيعة من حيث شرائط التذكية موافقين لنا، بل الاختلاف بيننا و بينهم، بل هم يحلون ما ذكّاه الكفار، بل يعتقدون بطهارة جلد الميتة بالدباغ، و يجوّزون الصّلاة فيها مع الدباغ، فمع كل ذلك فكيف يكون سوقهم أو يدهم أو أرضهم أمارة على كون الجلد مذكى، لأنّه إن كان المسلمون غير الشيعة يذكّون ما عندهم من الحيوانات بالنحو المعتبر عندنا، او يحرزون تذكيتها بهذا النحو، و كان المذكى عندهم ما هو المذكى عندنا، فكان ما في يدهم أو سوقهم أو في أرضهم محكوما بالتذكية من باب كون ذلك كله أمارة على التذكية، لكاشفية هذه الامور عن كونها مذكى من باب أنّ بسبب هذه الامور يكشف و لو ظنّا بأنّ المسلم ذكّاها بنحو المعتبر.

و لكن بعد ما قلنا من اختلاف غير الشيعة من المسلمين مع الشيعة في ما يعتبر في التذكية، و بعد اعتقادهم بحلية ما ذكّاه الكفار، و اعتقادهم بطهارة جلد الميتة، و جواز الصّلاة فيه مع الدبغ، فلو فرض أنّ هذا القسم من المسلمين أخبروا بالتذكية، فلا يمكن الحكم بالتذكية مع اختلافهم معنا في هذه الجهات في التذكية و جواز‌

24

الصّلاة في الجلود، و ليس إخبارهم أمارة على التذكية المعتبرة، فكيف بما يكون في سوقهم أو أرضهم، ففي كل هذه الموارد ليست أمارة موجودة على التذكية، فلا يمكن حمل الروايات على صورة وجود الأمارة على التذكية.

نعم إن حمل السوق في الرواية، أو أرض الاسلام على سوق خصوص الشيعة، أو أرض خصوص الشيعة يمكن أن يقال: بأنّ الحكم بالتذكية في سوقهم أو أرضهم أمارة على التذكية، و لكن لا يمكن حمل الرواية على ذلك، لعدم كون سوق مخصوص أو أرض مخصوص للشيعة لم يكن فيه غيرهم من المسلمين، بل الأسواق في ممالك الاسلامية خصوصا في زمان صدور الرواية، و كذا أراضي الاسلامية، كان الأكثر فيها الغير العارفين من المسلمين، مضافا إلى أنّ في خصوص الرواية الثالثة فرض ما إذا كان البائع مسلما غير عارف و مع ذلك حكم بالتذكية، و عدم لزوم السؤال إذا كانوا يصلّون فيه، فعلى هذا حمل الروايات على صورة وجود الأمارة على التذكية في غير محله.

[في ذكر بعض روايات اخر]

ثمّ إنّ هنا بعض روايات اخر نتعرض لها و لمقدار دلالتها، فنقول:

الرواية الاولى: ما رواها محمد بن الحسن الاشعري

(1) (قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في الفرو يشتري من السوق؟ فقال: اذا كان مضمونا فلا بأس.) (2)

و المراد بقوله (إذا كان مضمونا فلا بأس) هو أنّه إذا تعهّد البائع بكون الفرو مذكّى فلا بأس، لعدم معنى أقرب من هذه المعنى للضمان في مثل المقام، فيستفاد من‌

____________

(1)- (و ذكر الحسين في الوسائل طبع امير بهادري بدل الحسن غير صحيح).

(2)- الرواية 10 من الباب 50 من ابواب النجاسات من الوسائل.

25

هذه الرواية عدم البأس بما يشتري من السوق إذا تعهد البائع كونه مذكى (و بناء على كون المفهوم لهذه القضية، يفيد مفهومها البأس إذا لم يتعهد البائع كونه مذكى)

و يمكن حمل هذه الرواية على الاستحباب، فكان التعهد مستحبا لو فرض كون السوق في الرواية خصوص سوق المسلمين، فعلى هذا لا يكون بينها و بين الروايات الثلاثة المتقدمة الدالة على محكومية الجلود بالتذكية بمجرد كونها في يد المسلم أو في سوق المسلمين أو في أرض المسلمين إذا كان الغالب عليها المسلمين بدون اعتبار أخذ التعهد على التذكية، بناء على كون قوله في هذه الرواية (إذا كان مضمونا فلا بأس) على الاستحباب تعارض و منافاة‌

الرواية الثانية: ما رواها الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

(قال: يكره الصّلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز أو ما علمت منه ذكاة.) (1)

و بعد قابلية حمل (يكره) في هذه الرواية على الكراهة المصطلحة، يعني: ما يكون الرجحان في تركه، لم يكن بينها و بين الروايات الثلاثة تعارض.

الرواية الثالثة: ما رواها أبو بصير

(قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة في الفراء؟ فقال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز، لأنّ دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتي ممّا قبلكم بالفرو، فيلبسه فاذا حضرت الصّلاة ألقاه و ألقى القميص الّذي يليه، فكان يسأل عن ذلك، فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة، و يزعمون أنّ دباغه ذكوته.) (2)

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 61 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 61 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل، لكن كتب (عيس) بدل.

26

و هذه الرواية بحسب ظاهرها تدلّ على أنّه لا يجوز الصّلاة في الجلود الّتي تؤخذ ممن يستحل لباس جلد الميتة بزعم أن ذكاته دباغه، فلا تجوز الصّلاة على هذا فيما يؤخذ من سوقهم أو يدهم أو في ارضهم، فتنافى هذه الرواية مع الروايات الثلاثة المتقدمة، لأنها كانت دالة على جواز الصّلاة و المحكومية بالتذكية إذا أخذ من يد المسلم أو من أرضهم أو من سوقهم، و هذه الرواية تدلّ على خلافها.

و لكن نقول: أوّلا بضعف سند هذه الرواية، و ثانيا بأنّه إذا لم تجز الصّلاة فيما أخذ من يد المستحل للميتة بالدباغ، و عدم محكوميته بالتذكية، فكما لا تجوز الصّلاة فيه، كذلك لا يجوز لبسه، و لا فرق بينهما، و الرواية ظاهرها الفرق بينهما، لأنّها على ما ترى دلت على أن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الفرو، و لكن لا يصلّي فيه، فمن هذه الجهة أيضا توهن الرواية‌

الرواية الرابعة: ما رواها عبد الرحمن بن الحجاج

(قال: قلت لأبى عبد اللّه (عليه السلام): إني أدخل سوق المسلمين أعنى: هذا الخلق الذين يدّعون الاسلام فأشترى منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها، أ ليس هي ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على آنها ذكية؟ فقال: لا، و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد شرط لي الّذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة، و زعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته، ثمّ لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلّا‌

____________

(عيثم) و الصحيح (عيثم) كما نقلها صاحب الوسائل في الباب 61 من ابواب النجاسات وعدها رواية 3 و كتب (عيثم) بدل (عيس) و لكن بناء على نقل الأوّل في الرواية بعض زيارات و فى طبع امير بهادرى كتب ميثم فى الباب 61 من ابواب النجاسات الرواية 3.

27

على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). (1)

و هذه الرواية و إن كانت تفيد ما يخالف مع الروايات الثلاثة المتقدمة، و لكن تكون ضعيفة السند فلا تقاوم معها.

[هل يكون تعارض بين الاخبار او لا؟]

إذا عرفت ذلك نقول: لا بد من عطف عنان الكلام أولا إلى أنّه هل يكون بين روايات الثلاثة- أعنى: رواية فضيل و زرارة و محمد بن مسلم جميعا- و بين رواية إسحاق بن عمار، رواية إسماعيل بن عيسى تعارض أو لا، و ثانيا لا بد من التكلم في وجه الجمع بين الطائفة الاولى من الروايات، و بين الطائفة الثانية أعنى: هذه الثلاثة، بعد ما عرفت من الاشكال في حمل هذه الروايات على صورة وجود الأمارة على التذكية.

فنقول: أمّا الكلام في المقام الأول، فقد عرفت أن مفاد رواية فضيل و زرارة و محمد بن مسلم هو حلية أكل اللحم إذا كان في سوق المسلمين، و مفاد رواية إسحاق بن عمار هو محكومية الجلود بالتذكية إذا كان في أرض الاسلام و كان الغالب عليها المسلمين، و مفاد رواية إسماعيل بن عيسى هو المحكومية بالتذكية إذا كان البائع من يصلّي فيه، أو إذا كان البائع من أهل الصّلاة.

فيمكن أن يتوهم تعارض كل منها مع الآخر، لأنّ مفهوم رواية الاولى يدلّ على عدم حلية اللحم إذا لم يكن من سوق المسلمين سواء كان في أرض الاسلام أو أرض الكفر، و مفهوم رواية الثانية عدم المحكومية في التذكية إذا لم يكن في أرض يكون الغالب عليها المسلمين سواء كان في سوق المسلمين أولا، و سواء كان البائع‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 61 من ابواب النجاسات من الوسائل.

28

مسلما أو غير مسلم، و مفهوم رواية الثالثة هو كون الجلد محكوما بالتذكية إذا كان البائع من أهل الصّلاة يعني: ممّن يصلّي سواء اشترى في سوق المسلمين أو في أرض يكون الغالب عليها المسلمين أو لم يكن كذلك، فيعارض مفهوم كل منها مع الآخر.

[المستفاد من الروايات كون الاسلام دخيلا فى الحكم بالتذكية]

و لكن لا مجال لها التوهّم بعد التأمل في الروايات، لأنّ ما يستفاد من كل هذه الروايات الثلاثة هو كون الاسلام دخيلا في هذا الموضوع أعنى: في الموضوع المحكوم بالتذكية فيه، و كل ما اخذ شرطا و علق حكم التذكية به يكون أمارة على هذه الجهة أعنى: الاسلام، فترى أن الرواية الاولى تدلّ على أنّ اللحم محكوم بالحلية (و هي عبارة اخرى عن التذكية، لأنّ الحلية فرع التذكية) إذا كان في سوق المسلمين، فكون سوق المسلمين شرطا في الحلية ليس إلا من باب كون الاسلام و المسلمية دخيلا في الحكم، لأنّه إذا كان السوق سوق المسلمين، فيمكن و يحتمل التذكية، و كذلك في الرواية الثانية تكون أرض الاسلام إذا كان الغالب عليها المسلمين دخيلا في الحكم ليس إلا من باب دخالة الاسلام و المسلمية في الحكم، و كذلك الرواية الثالثة، فكون المأخوذ من يد البائع الّذي يكون من أهل الصّلاة على احتمال (و يصلّي فيه) ليس إلا من باب دخالة الاسلام في الحكم بالتذكية.

فاذا عرفت كون الامر هكذا، فنقول: إنّه بعد دخالة الاسلام و المسلمية في الحكم بالتذكية، كما ينادى به كل الروايات، لا بد من كون اعتبار سوق المسلم أو أرض المسلمين و دخالتها في الحكم بالتذكية مثل كون البائع من أهل الصّلاة، أى مسلما في ما يأخذ الجلد المشكوك أو الفرو المشكوك أو اللحم المشكوك أو الخف المشكوك في كونه مذكى أو ميتة ممّن يعلم باسلامه أو يشكّ في كونه مسلما أو غير مسلم، و امّا إذا كان في يد الكافر و يؤخذ منه أو يشتري منه فلا يشمله أحد من‌

29

الروايات الثلاثة بعد ما بينا من أنّ المستفاد من كلها دخالة الاسلام و المسلمية في المحكومية بالتذكية، فيخرج كل مورد ليس للاسلام و المسلمية دخالة فيه، مثل المأخوذ من يد الكافر مع الشّك في كون ما في يده مذكّى أو ميتة.

فعلى هذا تعلم عدم تعارض بين الروايات أصلا فاعتبار سوق المسلمين يكون من هذا الباب و أرض المسلمين أيضا من هذا الباب، لأنّ بعد دخالة الاسلام في كل هذه الروايات، و كون المحكومية بالتذكية من هذا الباب، فلا يرى تعارض بينها حيث إنّ اعتبار كل هذه الثلاثة أعنى سوق المسلم أو أرض الاسلام أو يد البائع المسلم، يكون من باب وجود جهة جامعة بينها، و هي الاسلام، فمع كون الامر كذلك لا يرى بين هذه الروايات من حيث المفهوم أو المنطوق تعارض أصلا، فيكفي في المحكومية بالتذكية وجود احد هذه الامور من باب كون كل منها كاشفا عن وجود ما هو دخيل في الحكم بالتذكية، و هو الاسلام، هذا كله في ما ينبغي أن يقال في المقام الأول.

المقام الثاني:

يقع الكلام في أنّه بعد كون مفاد الطائفة الاولى من الروايات، هو كون الجلود محكوما بالتذكية مطلقا إلا إذا علم كونها ميتة سواء كان في يد المسلم، أو في أرض الاسلام أو في سوق المسلمين، أو لم يكن كذلك لكون إطلاقها يقتضي ذلك، و بعد كون مفاد الطائفة الثانية من الروايات هو محكوميتها بالتذكية في خصوص ما إذا كانت في أرض الاسلام أو في سوق المسلمين، أو في يد المسلم و لا يلزم السؤال و أمّا في غيرها مثل ما أخذ من يد غير المسلم فليست محكومة بالتذكية و إن كان شاكا في كونها مذكى او ميتة. (1)

____________

(1)- (و إن كان كلام يأتي بعدا في أنّه هل يحكم بالتذكية في ما يأخذ من يد الكافر مع

30

فالطائفة الاولى مطلق، و الثانية مقيد، و بعد ما نعلم وحدة الملاك، و أنّ الحكم في الحكم في المقيد ليس إلا بالملاك الموجود في المطلق، فمقتضى ما أثبتنا في باب التعارض لا يرى بنظر العرف تعارض بين الطائفتين، بل يحمل المطلق على المقيد، فتكون النتيجة محكومية الحيوان و الجلود و اللحوم المشكوك في كونه مذكّى أو ميتة، بالتذكية في ما يكون في سوق المسلمين و أخذ من يد المسلم في سوقهم أو ممّن يشك في إسلامه، و كذا في الأرض الاسلام الّذي يكون الغالب عليها المسلمين إذا أخذ من يد المسلم أو مشكوك الاسلام، و كذا إذا أخذ من يد المسلم و قلنا بأنّ الحكم بالتذكية في هذه الموارد ليس من باب كون هذه الامور أمارة على التذكية، بل حكم تعبدي في مورد الشّك في التذكية في خصوص هذه الموارد.

مسئلة: [الكلام فى المأخوذ من يد الكافر]

بعد ما فهمت من كون الحيوان المشكوك في تذكيته، و كذلك جلده و لحمه، محكوم بالتذكية بشرط اشترائه من سوق المسلمين، أو أخذه من يد المسلم أو من أرض الاسلام إذا كان الغالب عليها المسلمين، و لا يلزم السؤال.

فيقع الكلام في المأخوذ من يد الكافر، و أنّه هل يكون ما في يده محكوما بكونه ميتة مع الشّك في كونه مذكّى، أو ميتة للأصل الأوّلى، و هو أصالة عدم التذكية، و إن سئل عنه عن تذكية ما في يده و يخبر بالتذكية، أو أنّ ما في يده غير محكوم بالتذكية و لم يسأل عنه، و أمّا إذا سئل عنه و أخبر الكافر بتذكية ما في يده فيحكم بالتذكية.

فيكون على هذا الفرق بين ما أخذ من يد المسلم، أو من أرض الاسلام، أو من سوق المسلمين، و بين ما يأخذ من يد الكافر، هو في عدم اعتبار السؤال في‌

____________

السؤال أو لا).

31

الأوّل عن التذكية و عدمها، و عدم لزوم إخبار ذي اليد بالتذكية، بخلاف ما أخذ من يد الكافر فإنّه لا يحكم بالتذكية قبل السؤال عنه و اخباره بالتذكية، و أمّا مع إخباره فيحكم بالتذكية.

لا يبعد كون الحق هو الثاني، و أنّه إذا أخبر الكافر الّذي يكون ذي اليد على التذكية يحكم بالتذكية لوجهين:

الوجه الأول: دلالة بعض الروايات المتقدمة عليه

منها قوله (عليه السلام) في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) بعد سؤال السائل قال (نعم، أنا اشترى الخفّ من السوق و يصنع لي، و أصلّي فيه و ليس عليكم المسألة) فإنّها تدلّ على عدم لزوم السؤال بناء على حمل السوق في الرواية على خصوص سوق المسلمين (1) فإذا كان كذلك فالمأخوذ من يد غير المسلم، أو من سوق غير المسلم يحتاج الى السؤال.

فالفرق بين المأخوذ من يد المسلم و بين المأخوذ من يد الكافر، هو عدم لزوم السؤال في الأول، و لزوم السؤال في الثاني، و أنّ الأوّل محكوم بالتذكية بلا سؤال، و الثاني محكوم بها بعد السؤال.

منها قوله (عليه السلام) في الرواية المتقدمة الّتي رواها فضيل و زرارة و محمد بن مسلم‌

____________

(1)- و أما أقول: بناء على ما تقدم من سيدنا الاستاد مد ظله من ذكر هذه الرواية في جملة الروايات الدالة على المحكومية بالتذكية في الجلود مطلقا حتى تعلم، و يتوقف الاستدلال بها لمحكومية الجلد بالتذكية مطلقا حتى يعلم كونه ميتة على كون السوق أعم من سوق المسلمين و غيرهم و الا لو كان المراد خصوص سوق المسلمين فلا يصح الاستدلال، فلا وجه للتمسك في المقام على الرواية، لأنّه على هذا مع الشك في التذكية يحكم بها و إن كان في يد الكافر، و لا تلزم المسألة).

32

عن أبي جعفر (عليه السلام) فقال فيها (كل إذا كان في سوق المسلمين و لا تسأل) عنه و مفهومه هو عدم جواز الأكل، الّا مع السؤال إذا كان في غير سوق المسلمين، و بعد كون اعتبار سوق المسلمين من باب دخالة الاسلام كما عرفت، و حاصله محكومية الجلود بالتذكية إذا أخذ في سوقهم من يد المسلم المسلّم إسلاميته، أو من يد مشكوك الاسلام، و كان المأخوذ من يد الكافر خارجا و إن كان في سوق المسلمين.

فتكون الرواية دالة على عدم السؤال عن التذكية و محكوميتها بها إذا أخذ من يد معلوم الاسلام، و عدم محكوميتها بها إذا أخذ من يد الكافر قبل السؤال، بل محكوميتها مع السؤال، فتدلّ الرواية على أنّ المأخوذ من يد الكافر مع السؤال عنه عن التذكية و إخباره بها محكوم بالتذكية.

منها رواية إسماعيل بن عيسى المتقدمة، فإنّ فيها قال (عليه السلام) (عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك) فاعتبر السؤال إذا كان البائع من المشركين، و من الواضح بأنّ السؤال مؤثر، فالمقصود هو أنّه إذا كان البائع مشركا يسأل عنه عن التذكية، فإذا أخبر بها فيحكم بتذكيتها من باب كونه ذي اليد، و إلّا لو لم يكن مع السؤال و إخباره محكوما بالتذكية، فلا معنى للأمر بالسؤال عنه.

منها قوله (عليه السلام) في الرواية الّتي رواها محمد بن الحسن الاشعري قال (إذا كان مضمونا فلا بأس) و بعد كون المراد بهذه الفقرة إذا كان متعهدا فتدل الرواية على محكومية الجلود بالتذكية إذا تعهد ذي اليد و أخبر بتذكيتها، فالكافر إذا تعهد التذكية، فيحكم بالتذكية على هذا. (1)

____________

(1)- أقول، كما قلت في مجلس بحثه الشريف، أولا إنّ رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر

33

الوجه الثاني [العرف لا يفرقون بين المسلم و الكافر اذا كانا ذى اليد]

: إنّا نرى من أنّ بناء العقلاء على الأخذ بقول ذي اليد و إخباره، فلو أخبر ذو اليد بخبر عما يكون تحت يده يقبل قوله، و لم يكن البناء على الفحص عما أخبر به و التفتيش أو التوقف حتّى يثبت لهم صحة إخباره، خصوصا يكون ممّا لا يعلم إلا من قبله، و لا يفرقون في ذلك بين ذي اليد‌

____________

على ما أفاده سابقا في مقام ذكر روايات الباب عدّها من الروايات الدالة على كون الجلود محكومة بالتذكية مع الشّك سواء كان أرض الاسلام، أو سوق المسلمين أو من يد المسلم، أو غيرها، فعلى هذا تدلّ على عدم السؤال و كونها محكوما بالتذكية حتّى يعلم، سواء كان المأخوذ من الجلود مأخوذا من يد المسلم، أو من يد الكافر، و كذلك نقول في رواية محمد بن الحسن الاشعري: إنّ أخذنا بظاهرها و لم نحملها على محمل اخر من استحباب تعهد التذكية، و مضافا بكون التعهد غير الأخبار بالتذكية بأنّه إن اعتبر الضمان، فحيث إنّ الرواية مطلقة و لم يقيّد فيها التعهد بخصوص صورة الأخذ من الكافر، لا بد من اعتبار ذلك حتّى في المأخوذ من يد المسلم، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به، و حمل الرواية على خصوص صورة الأخذ من يد الكافر بقرينة غيرها من الروايات الّتي حكم فيها بالتذكية في ما أخذ من المسلم، أو من سوق المسلمين، أو من أرض الاسلام بلا اشتراط السؤال و التعهد بأنّه مع فرض السائل في هذه الرواية بقوله (ما تقول في الفرو يشتري من السوق) أنّ الفرو يشتري من السوق، و الظاهر من السوق سوق المسلمين لعدم تعارف كون سوق غير المسلمين، في بلاد الاسلام، خصوصا مع كون الراوي قميّا، فلا يمكن حمل الرواية على سوق غير المسلمين، فبعد ذلك نقول: لا يمكن حمل الرواية على لزوم التعهد، و ثانيا نقول في كل هذه الروايات بأنّ غاية دلالتها عدم محكومية ما أخذ من يد الكافر من اللحوم و الجلود بالتذكية بلا سؤال و اعتبار السؤال.

و لكن يمكن، بل الظاهر كون النظر من اعتبار السؤال السؤال و الفحص بحيث يعلم بأحد طرفي التذكية و الميتة، لا أن يكون الغرض صرف السؤال و كون مجرد إخبار الكافر بالتذكية كاف في الحكم بالتذكية، و لو مع عدم حصول علم أو اطمينان بالتذكية، فيكون وزان السؤال عن الكافر وزان قوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) و أنّه يجب التبين في خبر الفاسق، فالحكم بكفاية إخبار ذي اليد و إن كافرا في المحكومية بالتذكية بهذه الروايات مشكل. (المقرّر).

34

المسلم و الكافر.

فنقول في المقام: إنّ إخبار ذي اليد الكافر كاف في الحكم بكون الحيوان مذكّى، و بعد وجود بناء العقلاء على ذلك و عدم ورود ردع من الشارع فيأخذ بما هو سيرة العقلاء و يصير بنائهم حجّة (أقول: في وجود بناء العقلاء على ذلك تأمل).

تنبيه [في ذكر اشكال صاحب الوافية على استصحاب عدم التذكية]

: قد بينا لك سابقا أنّ الأصل في ما إذا شك في تذكية الحيوان هو عدم التذكية، و حيث إنّ صاحب الوافية (رحمه اللّه) أورد ايرادا على استصحاب عدم التذكية، نعطف عنان الكلام مجددا بنحو الاختصار في إجراء هذا الاصل و عدمه، فنقول: بعد ما عنون الشيخ (1) (رحمه اللّه) في الرسائل استصحاب الكلي و أقسامه و تقسيم القسم الثالث منه إلى قسمين ذكر بالمناسبة كلام صاحب الوافية، و حاصل كلام صاحب الوافية يرجع إلى أنّ استصحاب عدم التذكية يكون من صغريات قسم الثالث من استصحاب الكلي، لأنّ المفروض في هذا القسم هو كون منشأ الشّك في بقاء الكلي و عدمه من باب أنّ الفرد المقطوع حدوثه و إن كان مقطوع الزوال و الارتفاع، إلّا أنّه يحتمل حدوث فرد اخر عند حدوث هذا الفرد أو عند ارتفاع هذا الفرد، و هو باق و المقام كذلك، لأنّ عدم التذكية مستند في زمان إلى فرد نقطع بزواله و في زمان اخر إن كان باقيا هذا العدم لكنه مستند إلى فرد اخر، لأنّ الحيوان كان سابقا غير مذكّى من باب كونه حيا، فعدم التذكية في هذا الزمان كان مستندا إلى الحياة و هو في الحال مقطوع الزوال، لأنّه زهق روحه مسلما إما بالتذكية أو بغيرها، و عدم تذكيته فعلا إن كان باقيا فهو مستند إلى أمر اخر و هو كون موته بموت حتف الأنف أو بالقتل على غير وجه المعتبر في التذكية، و هذا مشكوك الحدوث، لأنّه لو كان زهاق روحه‌

____________

(1)- فرائد الاصول، ص 372.

35

بسبب التذكية فغير مستند بموت حتف الأنف.

فعلى هذا عدم التذكية المستند إلى عدم كون زهاق روحه بالتذكية مشكوك الحدوث من باب الشّك في أنّ موته وقع بالتذكية أو بحتف الأنف أو القتل بنحو الغير المعتبر في التذكية، فعلى هذا لا مجال لاستصحاب عدم التذكية لعدم إجراء الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام الكلى، و هو من صغرياته، لأنّ المقصود في استصحاب عدم التذكية إجراء استصحاب عدم التذكية الكلي المتقوم بفردين أحدهما مقطوع الحدوث و الزوال في زمان الشك، و هو عدم التذكية المستند إلى الحياة، و الآخر مشكوك الحدوث من رأس، و هو عدمها المستند الى كون زهاق روحه بغير سبب التذكية، و بعد كون عدم التذكية لازم لأمرين: الحياة و موت حتف الانف، و الموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو، بل ملزومه الثاني أعنى الموت حتف الانف، فعدم التذكية لازم أعم لموجب النجاسة، فعدم التذكية اللازم للحياة مغاير لعدم التذكية العارض للموت حتف الانف، و الثابت في الزمان السابق هو العدم الملازم للحياة لا الملازم لموت حتف الانف، فلا يجري الاستصحاب.

هذا حاصل ما قال صاحب الوافية رحمة اللّه و قد أجاب عنه الشّيخ (رحمه اللّه) على ما في الرسائل، و حاصل جوابه يرجع إلى أنّه و إن قلنا بعدم مجال لاجراء الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، و لكن مع ذلك تجري اصالة عدم التذكية لعدم كونها من صغرياته، حيث إنّ عدم الأزلى مستمر مع حياة الحيوان و موته حتف الانف و إن قطع بتبادل الوجودات المقارنة له، لأنّ العدم يعتبر عدم واحد و ليس كالوجود، و لا يأتى بنظر العرف تكثر الأعدام باعتبار اختلاف وجودات المقارنة له، و بعد كون هذا العدم عدما واحدا مستمرا بنظر العرف و إن تبادلت‌

36

الوجودات المقارنة له، فنقول: كان هذا الحيوان سابقا غير مذكّى و كانت حالة السابقة عدم التذكية، فنجرّ هذا العدم إلى زمان الشّك بحكم الاستصحاب، و نقول:

الأصل عدم التذكية، و ما أفاده (رحمه اللّه) صحيح و في محله.

[في ردّ اشكال صاحب الوافية]

ثمّ بعد ما عرفت من عدم جريان إشكال باستصحاب عدم التذكية من هذه الجهة، قد يقال: بأنّ هذا الأصل من الاصول المثبتة، لأنّه بعد اجراء أصالة عدم التذكية يترتب كل أثر يكون محمولا على عدم التذكية، و أمّا الآثار المترتبة على كون الحيوان ميتة، فلا يترتب على هذا الأصل إلّا على القول بالأصل المثبت.

و لكن لا مجال لهذا الاشكال في المقام، كما أفاده الشّيخ (رحمه اللّه) أيضا، لأنّ الظاهر من قوله تعالى (إلّا ما ذكيتم) و غير ذلك، هو كون الآثار من الطهارة و الحلية و جواز الصّلاة من آثار كون الحيوان مذكّى، فإذا نفيت التذكية بالأصل فلا تترتب هذه الآثار، مضافا إلى أنّه بعد ما كانت الميتة عبارة عن غير المذكى (سواء نقول: بكون غير المذكى له فرد ان: أحدهما الميتة، و هي كل حيوان مات حتف أنفه، و الآخر ما قتل بغير النحو المعتبر في التذكية الشرعية، أو نقول: بكون مطلق غير مذكّى ميتة سواء زهق روح الحيوان حتف أنفه، أو بسبب غير السبب المتعارف شرعا في التذكية على الكلام فيه) فإن كان في البين أثر مترتب على الميتة- فبعد كون الميتة غير مذكّى بدون اعتبار شي‌ء وجودى اخر في كونه ميتة- فبعد جريان أصالة عدم التذكية فهو ميتة، لأنّ الميتة ليست إلّا غير المذكّى، فيترتب على هذا الأصل كل أثر يكون مترتبا على كونه ميتة.

نعم، إن كان في البين أثر مترتب على الاتصاف بكونه غير مذكّى فباستصحاب عدم التذكية لا يثبت ذلك إلا على القول بالأصول المثبتة، هذا.

37

ثمّ إنّ الشّيخ (رحمه اللّه) قال في مطاوي كلماته في هذا المقام بما حاصله يرجع إلى أنّه لا إشكال في إجراء أصالة عدم التذكية إذا لم يرد به إثبات الموجود المتأخر المقارن له به، نظير إثبات الموت حتف الانف لعدم التذكية أو ارتباط الموجود المقارن له به، كما إذا فرض الدليل على أنّ كلما تقذفه المرأة من الدم إذا لم يكن حيضا، فهي استحاضة، فان استصحاب عدم الحيض في زمان خروج الدم المشكوك، لا يوجب انطباق هذا السلب على ذلك الدم و صدقه عليه، حتّى يصدق (ليس بحيض) على هذا الدم، فيحكم عليه بالاستحاضة، إذ فرق بين الدم المقارن لعدم الحيض، و بين الدم المنفي عنه الحيضية.

[كلام المحقّق الهمداني فى الاشكال على الشيخ (رحمه اللّه)]

و يظهر من الحاج آقا رضا الهمداني (رحمه اللّه)- على ما في طهارة مصباح الفقيه، و قد تعرض في حاشيته على رسائل الشّيخ (رحمه اللّه)- ما يخالف ما أفاد الشّيخ (رحمه اللّه)، و ما قلنا من أنّ بأصالة عدم التذكية ينتفي كل أثر كان مترتبا على التذكية، و يثبت كل أثر يكون مترتبا على كونه ميتة بناء على ما قلنا من أنّ الميتة ليست إلا غير المذكّى، و عدم كون ما نحن فيه مثل استصحاب عدم صيرورة المرأة حائضا أو عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، و وضوح الفرق بينهما، لأنّ استصحاب عدم صيرورة المرأة حائضا أو عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، لا يثبت كون الدم استحاضة إلا على القول بالأصل المثبت، لأنّ أصالة عدم صيرورة المرأة حائضا، أو أصالة عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، لا يثبت إلا عدم صيرورة المرأة حائضا، أو عدم ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، و أمّا كون الدم متصفا بكونه غير حيض، أو كون المرأة متصفا بكونه غير حائض، و بعبارة اخرى إثبات الاتصاف بهذا الامر الوجودى، فلا يمكن بهذا الاستصحاب، فلا يثبت بهذا الاستصحاب على كلا النحوين- أى:

38

بأن يقال: الأصل عدم صيرورة المرأة حائضا، أو الأصل عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا- كون المرأة غير حائض، فإن كان أثر مترتب على عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، أو عدم صيرورة المرأة حائضا أعنى: يكون الأثر مترتبا على هذا العدم، فيترتب هذا الأثر ببركة هذا الاستصحاب، و امّا الأثر المترتب على الوجود، فلا يترتب هذا الاثر، فإذا كان الأثر مترتبا على اتصاف المرأة بكونها غير حائض أعنى: هذا الامر الوجودى، فلا يترتب على هذا الاستصحاب، فإن كان الدم المحكوم بكونه استحاضة هو كل دم لم يكن حيضا بمعنى:

دخل هذا الاتصاف في كون الدم دم الاستحاضة، فلا يترتب بهذا الاستصحاب، فالاستصحاب الجاري في المقام هو أصالة عدم كون ما تقذفه المرأة من الدم حيضا أو عدم صيرورة المرأة حائضا، و هذا الاستصحاب لا يثبت كون الدم استحاضة إذا كان دم الاستحاضة كل دم لم يكن حيضا، و غير هذا الاستصحاب أعنى:

استصحاب عدم كون هذا الدم حيضا، لأنّ هذا الدم لم يكن بحيض سابقا فيستصحب، فليس لهذا الاستصحاب حالة سابقة، لأنّ هذا الوصف الوجودي لم يكن له حالة سابقة حتّى يستصحب، فعلى هذا لا يثبت باستصحاب عدم صيرورة المرأة حائضا أو عدم ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، كون الدم استحاضة.

و أمّا في المقام بعد كون الميتة غير المذكّى فباستصحاب عدم التذكية يثبت كون الحيوان ميتة، لأنّ الميتة ليست إلا غير المذكّى فإذا اثبت باستصحاب عدم التذكية عدم كون الحيوان مذكّى فيحكم بكونه ميتة.

فإذا عرفت ما ذكر الشّيخ (رحمه اللّه) من الفرق بين المقامين، و هو مختارنا أيضا، يظهر من الحاج آقا رضا الهمداني (رحمه اللّه) الاشكال في ذلك فننقل عبارته في حاشيته على‌

39

الرسائل كي يتضح مراده، ثمّ نبين ما في كلامه من الاشكال إنشاء اللّه.

قال في ضمن كلامه و هذه عبارته: و لكن الظاهر أن الميتة في عرف الشارع و المتشرعة عبارة عن غير المذكّى أى: اللحم الفاقد لشرائط التذكية حال موته، فكما أنّ التذكية سبب للحل و الطهارة، كذلك الموت بلا شرائط التذكية سبب للحرمة و النجاسة، فموضوع الحرمة و النجاسة هو ما عدى المذكّى كما اعترف به المصنف (رحمه اللّه) في ذيل كلامه، و كونه كذلك لا يثبت بأصالة عدم التذكية، كما أنّه لا يثبت بأصالة عدم صيرورة المرأة حائضا، أو أصالة عدم رؤية دم الحيض، كون الدم المرئي متصفا بكونه ليس بحيض حتّى يحكم بكونه استحاضة كما سيوضحه المصنف، إلّا على القول بالأصل المثبت، و هو خلاف التحقيق.

فمقتضى القاعدة هو التفكيك بين الآثار، فما كان منها مرتبا على عدم كون اللحم مذكّى- كعدم حليته، و عدم جواز الصّلاة فيه، و عدم طهارته و غير ذلك من الأحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات الّتي تكون التذكية شرطا في ثبوتها- يترتب عليه، فيقال الأصل عدم تعلق التذكية بهذا اللحم الّذي زهق روحه، فلا يحل أكله و لا الصّلاة فيه، و لا استعماله في ما يشترط بالطهارة، و أمّا الآثار المترتبة على كونه غير مذكّى- كالأحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات كحرمة أكله أو نجاسته و تنجيس ملاقيه، و حرمة الانتفاع به، و بيعه أو استعماله في ساير الأشياء الغير المشروطة بالطهارة كسقى البساتين و إحراقه على القول بها و غير ذلك من الاحكام المتعلقة على عنوان الميتة أو غير مذكّى- فلا الخ.

و حاصل ما يفهم من كلامه هو أنّ استصحاب عدم التذكية لا يترتب عليه إلّا كل أثر يكون مترتبا على هذا العدم، و أمّا غير ذلك من الآثار المترتبة على الميتة‌

40

فلا يترتب هذا الاثر بدعوى كون الميتة عبارة عن كل ما يكون فاقدا لشرائط التذكية أعنى: متصفا بهذا الوصف الوجودي، و بعبارة اخرى غير المذكّى هو ما لم يكن واجدا لشرائط التذكية بنحو قضية المعدولة الّتي عبارة عن كل قضية تكون حرف السلب جزء للقضية، لا بنحو قضية المحصلة الّتي لم يكن حرف السلب جزء للقضية، فعلى هذا يكون غير المذكّى ما هو لم يكن واجدا لشرائط التذكية، و بناء على كون القضية معدولة فتكون الميتة ليس نفس غير المذكّى أعنى: أمرا عدميا، بل ما تكون متصفا بكونه غير واجد لشرائط التذكية، فلا يثبت باستصحاب عدم التذكية هذا الاتصاف إلا على القول بالأصول المثبتة.

[في قول المحقّق الهمداني فى التفكيك بين الآثار]

ثمّ بعد ما ادعى كون الميتة اللحم الفاقد لشرائط التذكية و عدم إثبات ذلك بصرف استصحاب عدم التذكية، ادعى أمرا اخر، و هو التفكيك بين الآثار في ما كان منها مترتبا على عدم كون اللحم مذكّى كعدم حلية و عدم جواز الصّلاة فيه و عدم طهارة و غير ذلك من الاحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات الّتي تكون التذكية شرطا في ثبوتها ترتب عليه، و أمّا الآثار المترتبة على كونه غير مذكّى كالاحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات كحرمة أكله أو نجاسة و تنجيس ملا فيه و حرمة الانتفاع به و بيعه أو استعماله في ساير الاشياء الغير المشروطة بالطهارة كسقى البساتين و احراقه على القول بها و غير ذلك من الاحكام المتعلقة على عنوان الميتة أو غير مذكّى فلا.

هذا ما يظهر من كلامه و بينا مراده على ما ينادي به كلامه، و في كلامه ما لا يخفي من النظر أمّا ما قال (رحمه اللّه) من كون الميتة عبارة عن غير المذكى أى: اللحم الفاقد لشرائط التذكية بحيث يكون هذا الاتصاف دخيلا فيها، ففاسد لما قدمنا سابقا من‌

41

أنّ النسبة بين المذكّى و بين الميتة تكون العدم و الوجود، فغير المذكى هو الميتة، إذ كل حيوان زهق روحه بهذا النحو الخاص يكون مذكّى و في قباله كل حيوان لم يزهق روحه بهذا النحو فهو ميتة، فالميتة هو غير المذكّى، و لا يعتبر في كونه ميتة إلّا عدم كون زهاق روحه بهذا السبب الخاص، فبعد عدم كون الميتة إلّا غير المذكى، و لم يكن في تحقق موضوعها حاجة إلى أزيد من عدم كون ورود التذكية عليه، فما لم يذك فهو الميتة، يظهر لك أنّ مجرد استصحاب عدم التذكية كاف في ترتب الآثار الثابتة لكونه ميتة، و ليس من قبيل الأصول المثبتة، فلا وجه لقياس ما نحن فيه بأصالة عدم صيرورة المرأة حائضا أو عدم كون ما تقذفه من الدم حيضا، و يقال كما لا يثبت بهذا الأصل كل أثر يكون مترتبا على كون الدم استحاضة، لكون موضوعه هو كل دم لم يكن حيضا بنحو الاتصاف أعنى: كون الموضوع هو اتصاف الدم بعدم كونه حيضا، فهكذا لا يثبت بأصالة عدم التذكية كل أثر يكون مترتبا على كون الحيوان ميتة.

[التفصيل الّذي ذكره المحقّق الهمداني (رحمه اللّه) باطل]

و من هنا يظهر أن التفكيك بين الآثار المترتبة على عدم كون اللحم مذكّى و بين الآثار المترتبة على كونه غير مذكّى، ممّا لا وجه له، لأنّه بعد كون الميتة غير مذكّى و عدم دخل شي‌ء اخر في كونه ميتة، فمجرد استصحاب عدم كونه مذكّى يحكم بكونه ميتة، و يترتب كل أثر يكون مترتبا على كونه غير مذكّى أو على كونه ميتة، فيحكم ترتب كل أثر يترتب على عدم كونه مذكّى من عدم حلية أكل لحمه و عدم جواز الصّلاة في جلده و لا استعماله في ما يشترط بالطهارة و كل أثر يترتب على كونه ميتة، فإن فرض أنّ أثر كونه ميتة هو حرمة أكله أو نجاسته و تنجيس ملاقيه و حرمة الانتفاع به و غير ذلك، فلا فرق بعد اجراء استصحاب عدم التذكية بين‌

42

الآثار بعد ما أثبتنا من كون غير المذكى هو الميتة.

ثمّ إنّه لا معنى لما أفاده (رحمه اللّه) من التفكيك بين الآثار من إثبات كل أثر يترتب على عدم كون اللحم مذكّى كعدم حلية و عدم جواز الصّلاة فيه و عدم طهارته و غير ذلك من الاحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات الّتي تكون التذكية شرطا في ثبوتها باستصحاب عدم التذكية، فيقال الأصل عدم تعلق التذكية بهذا اللحم الّذي زهق روحه، فلا تحل أكله و لا الصّلاة فيه و لا استعماله في ما يشترط بالطهارة، و عدم ترتب كل أثر يكون مترتبا على كون الحيوان غير مذكّى بهذا الاستصحاب كالأحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات كحرمة أكله نجاسته أو تنجيس ملاقيه و حرمة الانتفاع به إلى غير ذلك، لأنّه مع قطع النظر عما قلنا من أنّه بعد كون الميتة غير المذكّى، فلا يمكن التفكيك بين الآثار المترتبة على عدم كون اللحم مذكّى و بين الآثار المترتبة على كونه غير مذكّى كيف يمكن أن يقال: بعدم الحلية، و لا يقال بالحرمة، أو يقال: بعدم طهارته و لا يقال بنجاسته، لأنّ ما لا يحلّ أكله فيحرم أكله، و ما لا يكون طاهرا فهو نجس، فكيف يمكن الالتزام بعدم أحدهما و مع ذلك يحكم بعدم وجود ضده، فلو فرض كون أثر استصحاب عدم التذكية عدم حلية أكل لحم هذا الحيوان، فلا يجوز أكله، فما معنى ما يقول: بأنّا لا نحكم بحرمة أكل هذا اللحم، أو إذا ترتب على الاستصحاب عدم كونه طاهرا فلا يترتب آثار النجاسة، فكيف يحكم بعدم طهارته و لا يحكم بنجاسته.

و إن أراد أنّ بهذا الاستصحاب لا يترتب إلّا عدم حلية أكل لحمه أو عدم طهارته، لا أن يترتب به حرمة أكله أو نجاسته، فنقول: يكفي صرف عدم الطهارة في ترتب آثار النجاسة، و صرف عدم جواز أكل لحمه في حرمة أكل هذا اللحم، و لا‌

43

يلزم كون نفس الاثر هو النجاسة أو حرمة الاكل، فلا معنى للتفكيك بين الآثار الّتي ذكرها (رحمه اللّه).

مضافا إلى أنّ آثار العدمية الّتي قال بترتبها، ليست منتزعة عن الآثار الوجودية، بل إن كان الحيوان مذكّى كان يحلّ أكل لحمه، و يكون طاهرا، و إذا لم يثبت التذكية و في مورد الشّك، كان مقتضى الاستصحاب عدم التذكية، فلا يترتب هذه الآثار الوجودية، فتأمّل.

ثمّ إنّه يمكن أن يقال: بأنّ نظره (رحمه اللّه) إلى قياس ما نحن فيه باستصحاب عدم كون الدم حيضا في انّه كما أنّ استصحاب عدم صيرورة المرأة حائضا، أو عدم ما تقذفه المرأة من الدم حيضا، لا يثبت كون الدم استحاضة، لعدم إثبات كون الدم المرئي متصفا بكونه ليس بحيض بهذا الاستصحاب، لأنه إن أريد إثبات ذلك بهذا الاستصحاب فيكون مثبتا، و إن اريد إثبات ذلك باجراء الاستصحاب في نفس هذا الموضوع بأن يقال: الأصل عدم حدوث الدم المتصف بكونه غير دم الحيض، فليس له حالة سابقة، لأنّ الدم متى وجد وجد إما بوصف كونه حيضا أو استحاضة، فليس مجال، لأنّ يقال: الأصل عدم كون هذا الدم متصفا بكونه غير دم الحيض، لأنّه لم يكن زمان كان هذا الدم و قطع بكونه غير دم الحيض حتّى يستصحب كذلك يقال فيما نحن فيه: بأن إثبات كون الحيوان متصفا بكونه غير مذكّى باستصحاب عدم التذكية لا يصح إلّا على القول بالأصل المثبت و إجراء الاستصحاب في نفس هذا الموضوع بأن يقال: الأصل عدم كون هذا الحيوان متصفا بكونه غير مذكّى لم يكن له حالة سابقة.

المسألة الثالثة [لا يجوز الصّلاة فى اجزاء ما لا يؤكل]

: لا تجوز الصّلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه في ما عدى ما‌

44

استثنى، و هذا الحكم ممّا عليه الشهرة المحققة و الاجماعات المنقولة، و هذا الحكم من متفردات الامامية، و ليس عين و لا أثر في مذاهب العامة منه، و لم ينقل من أحدهم هذا الحكم.

[المسألة ممّا لا اشكال فيها بعد الشهرة و الاجماعات المنقولة]

فالمسألة بعد الشهرة المحققة و الاجماعات المنقولة في الجملة ممّا لا إشكال فيها و إن لم تكن الروايات الواردة في الباب في حدّ ذاتها، مع قطع النظر عن الشهرة، يكون فيها مقتضى الحجية، لعدم وجود خبر فيها يكون كل رواتها موثوقا بها إلّا رواية واحدة، و هي موثقة ابن بكير، و لا يضرّ ذلك في المسألة بعد ما عليها الشهرة المحققة لانجبار ضعف سند الروايت بهذه الشهرة، كما أنّ ما حكى عن صاحب المدارك (رحمه اللّه) من الاشكال في المسألة ممّا لا يعبأ به بعد ما بيّنا من كون المسألة بما لم ينقل فيها خلاف من أحد من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) إلى زمان صاحب المدارك، و هو يكون في أواخر قرن العاشر و أوائل قرن الحاد يعشر، و كون الحكم مشهورا عندهم إلى هذا الزمان، و منشأ إشكاله (رحمه اللّه) هو أنّه بعد ما يكون مختاره كون حجية خبر الواحد مخصوصا بما إذا كان كل من الروات الواقعة في طريق الخبر مذكّى بعدلين فرأي أنّ روايات الباب لم تكن كل روات منها مذكّى بعدلين، أشكل في الحكم.

و لكن بعد كون عمدة مدرك حجية خبر الواحد هو بناء العقلاء، بل إن كان دليل اخر من الآيات و الروايات يرجع إلى ذلك، فلا فرق في بنائهم بين ما يكون الراوي مذكّى بعدلين، و بين ما تكون الشهرة على طبق الرواية، و كون بطانة الائمة (عليهم السلام) و قدماء الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) عاملا بمضمونها، فالعقلاء يأخذون بهذه الرواية، فلا إشكال في أصل الحكم في الجملة.

45

[في الروايات الواردة في بطلان الصّلاة في ما لا يؤكل]

ثمّ بعد ذلك نذكر الروايات الواردة في الباب، و مقدار دلالتها، ثمّ بعض التفريعات الّتي تكون في المسألة، فنقول بعونه تعالى.

الرواية الاولى:

ما رواها ابن بكير (قال سئل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ الصّلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله، فالصّلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد، لا تقبل تلك الصّلاة حتّى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّه أكله، ثمّ قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصّلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي و قد ذكّاه الذبح، و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصّلاة في كل شي‌ء منه فاسد، ذكّاه الذبح أ و لم يذكّه.) (1)

و هذه الرواية حسنة بإبراهيم بن هاشم، لأنّه في طريق الرواية، و موثقة بابن بكير للتصريح بوثاقته من أهل الرجال و إن كان فتحيا، و يظهر من وضع الرواية أنّ ابن بكير الراوي للرواية كان حاضرا في محضر أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسئل عمّه أعنى:

زرارة عنه (عليه السلام)، و يأتي مقدار دلالتها على بعض خصوصيات المسألة في ضمن التفريعات، و على كل حال هذه الرواية أشمل روايات الباب لما نحن بصدده‌

الرواية الثانية:

ما رواها إبراهيم بن محمد الهمداني (قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر و الشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصّلاة فيه.) (2)

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 2 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 2 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

46

و هذه الرواية تدلّ على عدم جواز الصّلاة إذا كان وبر ممّا لا يؤكل لحمه على الثوب، و أنّه يصدق بصرف ذلك صلّى فيه إن كان ضمير (فيه) في قوله (لا تجوز الصّلاة فيه) راجعا إلى الوبر و الشعر في الرواية، و أمّا إن كان راجعا إلى الثوب في قوله (على ثوبي) فالمراد عدم جواز الصّلاة إذا كان في الثوب الوبر و الشعر، فيدلّ على هذا على عدم جواز الصّلاة إذا كان الوبر و شعر غير المأكول في الثوب، و أمّا إذا كان الوبر أو الشعر محمولا، لا أن يكون لباسا أو واقعا في اللباس فلا، و يأتي الكلام في ذلك إنشاء اللّه، هذا كله في بيان مقدار دلالة الرواية.

[في توجيه سند الرواية]

و أمّا سندها فمشوش، لأنّ سند الرواية هكذا على ما في تهذيب الشّيخ (رحمه اللّه)، لأنّه (روى باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عمر بن علي عن عمر بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الهمداني) فعمر بن يزيد على هذا يروي عن إبراهيم، و الحال أنّه على وضع طبقات الرجال يكون عمر بن يزيد من الطبقة الخامسة و إبراهيم من الطبقة السابعة، فلا يمكن أن يروي من يكون متقدما بطبقتين عمّن يتأخر عنه بطبقتين.

و لكن يمكن توجيه ذلك بما يأتي بالنظر، و هو أنّ سند الرواية لم يكن بنحو المذكور- أعنى: محمد بن يحيى عن عمر بن علي عن عمر بن يزيد عن إبراهيم- بل كان بهذا النحو (محمد بن يحيى عن عمر بن علي بن عمر بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الهمداني) فكان عمر بن علي سبط عمر بن يزيد على هذا و بناء على ذلك بحسب الطبقة يروى عمر بن علي بن عمر بن يزيد عن إبراهيم، و لكن عمر بن علي مجهول، فمن هذا الحيث يكون الاشكال في الرواية، و بيت عمر بن يزيد و إن كان على ما تفحصنا من البيوت الّتي منها الروات، و لكن لم يعلم حال عمر بن علي بن عمر بن‌

47

يزيد، و هو مجهول، فعلى هذا يكون الاشكال من هذا الحيث في الرواية.

و أمّا الاشكال فيها بكون الرواية مضمرة لأنّ إبراهيم قال (كتبت إليه) فلم يعلم أنّه ممّن يروي الرواية، فنقول: ان إبراهيم و بيته كانوا ساكنين في همدان، و لم يعلم أنّهم أهل الهمدان أو ساكنون فيها، و على كل حال كان هو و بعض اخر من بيته وكيلا من قبل الأئمة:، و هو يروي عن أبي الحسن الثالث- أعنى: علي النقي (صلوات اللّه عليه)- و سر اضمار الرواية هو أنّ أبا الحسن (عليه السلام) كان في زمان المتوكل عليه اللعنة في سامراء، و مع قدرة بني العباس و ابتلائه (عليه السلام) و ابتلاء الشيعة بهم، كانوا يعبّرون منه (عليه السلام) بغير اسمه، فبعد ذلك يظن الشخص بأنّ إبراهيم يروي عنه (عليه السلام)، فعلى هذا لا إشكال في سند الرواية إلّا من حيث ما قلنا من كون عمر بن علي مجهولا، و مما مر من سند الرواية يظهر لك أنّ ما في الوسائل في مقام ذكر سند هذه الرواية (محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عمرو بن محمد الهمداني) غير صحيح، لما قلنا من أنّ سند الرواية على ما في التهذيب هو (عمر بن علي عن عمر بن يزيد) أو على ما قلنا من التوجيه (عمر بن علي بن عمر بن يزيد) يكون في الطريق، فافهم. (1)

الرواية الثالثة:

ما رواها الشيخ (رحمه اللّه) عن رجل عن أيوب بن نوح عن الحسن بن علي الوشاء (قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يكره الصّلاة في وبر كل شي‌ء‌

____________

(1)- لا يخفى أنّ إشكاله (قدس سره) الشريف بما في التهذيب و الوسائل مربوط بقبل تصحيحها، و الآن كلاهما مصححة كما احتمله (قدس سره) الشريف، فارجع جامع أحاديث الشيعة جلد 4 ص 297 ح 10.

48

لا يؤكل لحمه.) (1)

و في سندها إشكال من حيث إنّ الشّيخ (رحمه اللّه) روى عن رجل عن أيوب بن نوح، و لا يعلم من هذا الرجل مضافا إلى أنّ الحسن بن علي الوشاء لم يرو الرواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، بل يقول كان أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و ظاهره عدمه سماعة منه (عليه السلام) فهو يخبر عن فعله (عليه السلام).

الرواية الرابعة:

ما رواها الصّدوق في العلل عن علي بن أحمد عن محمد بن أبي عبد اللّه عن محمد بن إسماعيل باسناد يرفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: لا تجوز الصّلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ.) (2)

و هذه الرواية مرفوعة، لأنّ محمد بن إسماعيل باسناده يرفع إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و تدلّ الرواية على بطلان الصّلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه، و علل فيها عدم الجواز بكون أكثر ما لا يؤكل لحمه من المسوخ.

هذا كلّه في ذكر روايات الدالة على عدم الجواز في ما لا يؤكل لحمه بنحو العموم، لأنّ في كلها نفي جواز الصّلاة في مطلق ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات، و في المقام بعض روايات اخر تدلّ على عدم الجواز في خصوص بعض أفراد من الحيوانات الّتي كانت غير مأكول اللحم.

منها ما ورد في عدم جواز الصّلاة في جلود السباع فارجع إلى الباب 5 و 6 من أبواب لباس المصلّي من الوسائل، فإنّ فيهما ما يدلّ على ذلك، مثل الرواية 3 من‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 2 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 7 من الباب 2 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

49

الباب 5، و رواية 1 و 4 من الباب 6.

و منها ما ورد من النهي عن الصّلاة في جلود الثعالب مثل الرواية 6 من الباب 7 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[تفريعات المسألة]

و على كل حال أصل المسألة في الجملة مسلم، و لا إشكال فيه، و انّما الكلام في بعض تفريعات المسألة، فلا بدّ من التعرض لها إن شاء اللّه، فنقول:

الفرع الأول [هل الحكم مخصوص بما اذا كان ما لا يؤكل لباسا او لا]

: هل يكون عدم جواز الصّلاة في ما لا يؤكل لحمه مخصوصا بما يكون لباسا، أو يعمّ لما إذا لم يكن لباسا، بل يكون أجزاء ما لا يؤكل لحمه ملصقا بثياب المصلي، أو يعمّ لما إذا كان مع المصلي و إن لم يكن ملصقا بثوب من ثيابه حال الصّلاة، بل كان محمولا له حال الصّلاة؟

ينسب إلى المشهور عدم اختصاص الحكم بخصوص ما إذا كان لباسا، بل عموم المنع للباس و غيره، و حكي عن الشهيدين و بعض اخر منهم صاحب المدارك (رحمه اللّه) القطع باختصاص المنع بالملابس.

و منشأ الاشكال في المسألة هو أن ظاهر الروايات النهي عن الصّلاة في غير المأكول بتعبير (في) كما ترى أن في موثقة أبي بكير قال (عليه السلام) في مقام نقل إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في جملة كلامه (فالصّلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصّلاة الخ) و قال (عليه السلام) في ذيله (يا زرارة فإن كان يؤكل لحمه فالصّلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي و قد ذكّاه الذبح، و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصّلاة في كل شي‌ء منه فاسد، ذكّاه الذبح أ و لم يذكّه.

و لا يصدق كون الصّلاة في وبره و شعره الّا إذا كان لباسا، لأنّه إذا كان الوبر‌

50

أو الشعر أو الجلد من غير المأكول لباسا يصدق ظرفا، و يقال: إنّه صلّى في جلد ما لا يؤكل لحمه أو وبره أو شعره، و أمّا إذا لم يكن لباسا فلا يصدق كون الصّلاة فيه، لأنّ (في) تفيد الظرفية، و لا تصدق الظرفية إلا في خصوص ما إذا كان لباسا.

قد يقال في جواب هذا الاشكال و عدم اختصاص المنع بخصوص ما إذا كان اللباس ممّا لا يؤكل لحمه: بأنّ في الرواية الثانية المتقدمة، و هي رواية إبراهيم بن محمد الهمداني مع فرض السائل سقوط الوبر و الشعر ممّا لا يؤكل لحمه على ثوبه، و ظاهر ذلك عدم كون الوبر و الشعر لباسا له كتب (عليه السلام) في جوابه (لا تجوز الصّلاة فيه) فتدل الرواية على عدم اختصاص المنع بكون ما لا يؤكل لباسا للمصلي.

و لكن أوّلا دلالة الرواية على ما إذا كان الوبر و الشعر واقعا على اللباس و واقعا عليه ظاهر، و أمّا شموله لما إذا كان محمولا فمشكل، و ثانيا بأنّ الاشكال كما قدمنا في حجية الرواية لما قلنا من الاشكال في سندها.

إذا عرفت منشأ الاشكال نقول: بأنّ اختصاص المنع بخصوص الملابس ممّا لا وجه له لصراحة موثقة ابن بكير المتقدمة على خلافه، حيث إنّ في هذه الموثقة عدّ بعض أمور ممّا لا يؤكل لحمه ممّا لا يمكن جعل اللباس منه أصلا، و عطف على قوله (في وبره) في الفقرة الاولى و هو البول و الروث لقوله (فالصّلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد الخ) و في الفقرة الثانية عطف الألبان، فإنّه (عليه السلام) قال (فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصّلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز الخ) فيكون المراد من الفقرتين باعتبار و او العطف عدم جواز الصلاة في وبره و في شعره و في بوله و في روثه في الفقرة الاولى، و جواز الصّلاة في وبر ما يؤكل لحمه و في بوله و في شعره و في روثه و في ألبانه في الفقرة الثانية، فمن‌

51

المسلّم أنّ ظاهر الرواية عدم جواز الصّلاة في بول ما لا يؤكل لحمه، و في روثه و في ألبانه و الحال أنّه لا يمكن حمل (في) فى هذه الامور على الظرفية، لأنّ هذه الامور ليست ظرفا للصّلاة، و لا يصدق عرفا أنّ الصّلاة فيها.

فمن هنا نكشف أنّه لا بد لنا من التصرف في معنى (في) و عدم إمكان اختصاص المنع بخصوص الملابس بقرينة (في) لأنّه منع في الرواية من الصّلاة في بول ما لا يؤكل لحمه و في روثه، و الحال انّه لا يمكن جعل اللباس منهما أصلا، بل ليس البول و الروث و اللبن جزء للحيوان فعلا، لأنّها حصلت من المشروبات و المأكولات الّتي شربها و أكلها الحيوان، و لم تصر جزء له، بل كانت قابلة لصيرورتها جزء له، و لكن بعد صيرورتها بولا و روثا و لبنا لم تصر جزء له.

فعلى هذا نقول: نفهم من المنع من هذه الامور، و إطلاق عدم جواز فيها، كما يستفاد من حرف العطف، بأنّ لفظ (في) ليست قرينة على كون الممنوع خصوص الملابس، بل يعمّ غيرها، غاية الامر لا بدّ من حمل (في) الوارد في الرواية الداخلة على الوبر و أخواته على محمل و معنى اخر، لعدم إمكان حملها على الظرفية على ما استشكل، لعدم الصدق عند العرف على كون الوبر الواقع على اللباس أو البول المطروح عليه، أو الروث أو اللبن أو إذا كانت محمولا للشخص في الصّلاة أنّها ظرف للصّلاة.

[ذكر كلام الوحيد البهبهاني]

و إذا بلغ الامر هنا نقول: ينسب إلى الوحيد البهبهانى (رحمه اللّه) أنّه قال: بان لفظ (في) الداخل على المذكورات في رواية ابن بكير يكون بمعنى المعية، و على هذا لا يبقى إشكال، لأنّ صرف كون هذه الامور مع الشخص في الصّلاة، كاف في فساد الصّلاة و النهي في الرواية عن كون هذه الامور مع المصلي حال الصّلاة، ثمّ قال: و لا مجال‌

52

لأنّ يقال: إنّه يمكن في المقام الاضمار، و إبقاء (في) في معناها الحقيقي، بأن يقال: يكون المراد من قوله مثلا فالصّلاة في وبره و شعره الخ الصّلاة في ثوب يكون فيه وبره أو شعره الخ و بعد إضمار الثوب يمكن حفظ الظرفية في لفظ (في) لصدق الظرفية في اللباس، فيقال: صلّى أو يصلّي مثلا في ثوب الكذائي، لأنه قد ثبت في الاصول في تعارض الاحوال بأنّه إذا دار الأمر بين المجاز و الإضمار، فالمجاز مقدم، ففي المقام بعد عدم إمكان حمل حفظ (في) على ظاهره، فيدور الامر بين حمله على المعية مجازا، و بين الاضمار أعنى: إضمار الثوب، و الأوّل أولى.

و اعلم أنّ هنا احتمالا اخر و هو أن يقال: إنا نرى بأنّ العرف كما يصحون إطلاق لفظ (في) في المكان مثلا يقولون زيد في المكان الكذائي باعتبار كون هذا المكان ظرف وقوفه فيه، كذلك يطلقون لفظ (في) فى معناها الحقيقى أعنى: الظرفية إذا كان الشخص لابسا لثوب، فيقولون هو في الثوب الكذائي، مثلا في ردائه أو في قميصه، و الوجه في هذا الحمل و إطلاقهم بعد المراجعة إلى فهم العرفي، هو أن كل شي‌ء يكون فيه جهة إحاطة بشي‌ء اخر و يكون محيطا به، يقال بالمحاط: بأنّه فيه باعتبار إحاطة ما أحاطه به له، و حيث إنّ الشخص مستور في لباسه و اللباس محيط به، فيقال: بأنّه فيه أو أنّ صلاته فيه، أو ركب مثلا في ثوب كذا، أو صلّى في ثوب كذا باعتبار جهة الاحاطة الّتي لهذا الثوب بالشخص.

فإذا كان ميزان إطلاقهم لفظة (في) في مثل هذه الموارد بهذا الاعتبار، يقال:

بأنّ كلّ ما يكون على اللباس من الوبر و الشعر، فهو أيضا محيط بالشخص.

لا تقل: إن شعرة أو وبرة ليست لها إحاطة، لأنّه يقال: إنها أيضا محيطة غاية الأمر إحاطتها أقل بالنسبة إلى ما تكون إحاطته اكثر من ذلك، و لكن في كلها‌

53

يصدق أنها محيط بالشخص.

فعلى هذا يمكن إبقاء (في) في الظرفية، و مع ذلك يقال بعدم اختصاص المنع بالملابس بهذا الوجه.

و لكن هذا الوجه غير وجيه، لأنّ الالتزام بكون الاحاطة صادقة حتى فيما سقط شعرة واحدة أو وبر واحد على الثوب، أو في ما وقع على ثوب المصلي قطرة واحدة من بول ما لا يؤكل لحمه، أو ذرة من روثه، أو من لبنه، مشكل لعدم احاطة للرطوبة على الشخص حتّى تصدق الظرفية، فالأنسب بعد عدم إمكان حمل (في) على الظرفية هو حملها على المعية، و يكون المراد على هذا فساد الصّلاة إذا كان معه أجزاء ما لا يؤكل لحمه و نتيجة ذلك هو مانعية أجزاء ما لا يؤكل لحمه، سواء كان الجزء لباسا حال الصّلاة، أو واقعا على اللباس، أو كان محمولا حال الصّلاة، مثل أن يكون في جيبيه حال الصّلاة، فافهم.

الفرع الثاني [الانسان خارج حكما من غير المأكول اللحم]

: يعدّ من أفراد حيوانات غير مأكول اللحم الانسان لعدم حلية أكل لحمه، فيقع الكلام في فساد الصّلاة مع أجزاء الانسان كشعره و ريقه و غير ذلك، و الكلام فيه تارة يقع في ما إذا يكون شخص المصلّي حال الصّلاة مصاحبا لبعض أجزاء نفسه، مثل أن سقط شعر من رأسه على ثوبه أو ريقه على ثوبه، و تارة في ما إذا كان إنسان اخر مصاحبا لبعض أجزاء إنسان اخر مثل ما سقط شعر شخص اخر على ثوبه، فيقع الكلام في صحة صلاته معه، و منشأ فساد الصّلاة ليس إلّا توهم شمول إطلاقات أخبار الدالة على المنع في أجزاء غير المأكول له، لأنّه من أفراد غير مأكول اللحم من الحيوانات.

[في الروايات الدالّة على جواز الصّلاة في شعر الانسان و أظفاره]

وجه عدم فساد الصّلاة في أجزاء الانسان على ما قد يقال هو ما رواها محمد‌

54

بن علي بن الحسين باسناده عن علي بن الريان بن الصلت (أنه سئل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من شعره و أظفاره ثم، يقوم إلى الصّلاة من غير أن ينفضه من ثوبه، فقال: لا بأس (1)

ما رواها محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن علي بن الريان (قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): هل تجوز الصّلاة في ثوب يكون فيه شعر الانسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه؟ فوقّع: يجوز.) (2)

فالرواية الاولى تدلّ على جواز الصّلاة الانسان في شعر نفسه و أظفاره، و الثانية على جواز الصّلاة في شعر غير نفسه، فيجوز صلاة الشخص و إن كان معه بعض أجزاء غيره من اجزاء الانسان.

و لكن يحتمل كون الروايتين رواية واحدة، لأنّ سند كل منهما تنتهي إلى شخص واحد، و هو علي بن الريان، و وقع الاختلاف في المتن من قبل بعض الناقلين منه، فقدر المسلم من الروايتين جواز صلاة الشخص في أجزاء المأخوذة من نفسه، مثل شعره و أظفاره، فلا تصير الرواية دليلا لجواز الصّلاة في الشعر و الظفر من غير نفسه. (3)

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 18 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 18 من ابواب لباس المصلّى من الوسائل.

(3)- أقول: كما قلت بجنابه مدّ ظلّه لا مانع من كونهما روايتين و إن كان الراوي واحدا و أنّ علي بن الريان سئل تارة عن حكم أجزاء نفس الشخص في الصّلاة، و تارة عن أجزاء غير نفسه، كما أنّ كون أحد الروايتين مكاتبة، و الآخر منه بلفظة (سئل) الظاهر في كون سؤاله شفاها لا مكاتبة، مؤيدا لكون كل من الروايتين رواية مستقلة. (المقرر)