تبيان الصلاة - ج6

- السيد حسين البروجردي المزيد...
282 /
3

[الجزء السادس]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

4

اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه السّاعة و في كلّ ساعة وليّا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتّى تسكنه ارضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا‌

5

[تتمة المقصد الثاني]

[تتمة فصل في أفعال الصلاة]

الخامس من أفعال الصّلاة الركوع

اعلم أنّ دخله في الصّلاة و كونه من جملة واجباتها في الجملة من المسلمات، بل ربما يعدّ مثل أصل وجوب الصّلاة من الضروريات في الدين، و يجب في كل ركعة من ركعات الصّلاة ركوع واحد إلّا في صلاة الآيات، و ربما يكون الركوع أهمّ واجبات الصّلاة، حتّى كان إطلاق الركعة باعتباره، فيقال: صلاة الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء و الظهر و العصر أربع ركعات باعتبار كون الواجب في الاولى ركوعان، و في الثانية ثلاثة ركوعات، و فيما بقى منها أربع ركوعات.

و لهذا قلنا: بأنّا نفهم من بعض التعبيرات الواردة في الروايات، مثلا (ثمّ تقوم إلى الركعة الثانية) أو (تقوم إلى الركعة الثالثة) بأنّ المراد هو القيام إلى الركوع، و لهذا يكون قيام الواجب هو القيام إلى الركوع، و قد مرّ الكلام فيه في القيام.

بل ربما يطلق الركوع على نفس الصّلاة كما ورد من الخاصّة و العامة في تفسير قوله تعالى وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ (1) بأنّ المراد من الركوع هو الصّلاة يعني: صلوا‌

____________

(1)- سورة البقرة، الآية 43.

6

مع المصلين، فمما مرّ يظهر لك أنّ اعتباره في الصّلاة في الجملة ممّا لا إشكال فيه و يكون ركنا من أركانها كما يأتى الكلام فيه إنشاء اللّه تعالى،

[في واجبات الركوع]

ثمّ بعد ذلك نشرع في واجباته فهي، على ما يظهر من بعض العبائر، خمسة:

الاولى: من واجباته، على ما في الشرائع، أن ينحني بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه.

اعلم بأنّه لا إشكال في أنّ المراد من الركوع هو الانحناء، و بالفارسية (خم شدن) فيقال بالمنحني بأنّه الراكع متى يكون راكعا و منحنيا خلقة أو لعارض، و لا يعتبر في مفهومه العرفي إحداث الانحناء.

فنقول: بعد ما لا يعتبر في مفهوم الركوع عرفا إلّا مطلق الانحناء (الانحناء بمرتبة خاصة) و بعد ما لا إشكال في أنّه ليس للركوع حقيقة شرعية، بل استعمل في الشرع في معناه العرفي، و إن تصرف فيه الشرع يكون تصرفه بدخل أمر زائد فيه، لا من باب التصرف في حقيقته، فيقع الكلام في أنّه هل يعتبر في الركوع المعتبر في الصّلاة حدّ خاص من الانحناء أو لا يعتبر ذلك، بل يحصل مفهومه و يصدق الركوع بمجرد الانحناء و ان كان قليلا، و على تقدير اعتبار حدّ خاص و وجوب مرتبة خاصة ما هذا الحدّ و هذه المرتبة.

فنقول: أمّا عند العامة فالمنسوب بأبي حنيفة هو تحقق الركوع بصرف الانحناء في أىّ مرتبة من مراتبه، فصرف الانحناء محقّق الركوع و إن لم يبلغ بمرتبة تبلغ اليد بالركبة لتحقق الانحناء بما دون ذلك أيضا و قال الشافعي، على ما في كتابه المسمى بالامّ (باعتبار حدّ خاص في الركوع المعتبر في الصّلاة، و هو وصول كفيه إلى ركبتيه.

7

و أمّا عند الخاصّة فاعتبار الانحناء إلى حدّ خاصّ في الركوع الواجب في الصّلاة في الجملة مسلم و إن كان الخلاف بينهم في ما هو الحدّ، فاختلافهم في المرتبة التي يجب الانحناء في الركوع بهذه المرتبة، فقال المحقق (رحمه اللّه) في الشرائع (1): و الواجب فيه خمسة أشياء:

الأوّل:

أن ينحني بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه، و عن جملة اخرى منهم التعبير بهذا النحو، مثل العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد و التحرير و المنتهي و الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى، و حكي عن بعضهم بأنّ الواجب الانحناء بمقدار يصل معه كفّاه بركبتيه، و عن بعضهم أنّه يجب الانحناء لى أن تبلغ راحتاه بركبتيه، و عن بعضهم أنّه يجب الانحناء إلى حدّ تصل أطراف أصابعه بركبتيه، و هل المراد من أطراف الأصابع هو طرفها المتصل بالكف كما قال صاحب جامع المقاصد (رحمه اللّه)، و هو بعيد، أو المراد من أطرافها هي منتهاها الّتي تعد منتهي اليد أعنى: ا الأنامل كما هو الظاهر من أطراف الاصابع.

هذا هو بعض الأقوال في المسألة،

[في ذكر الروايات المربوطة بالركوع]

و أمّا الروايات الّتي تكون بمقامنا مرتبطة.

الرواية الاولى: و هي الرواية الّتي تنتهي سندها بزرارة، (و هو يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: و إذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك، و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحبّ إليّ أن تمكّن كفيك من ركبتيك). (2)

____________

(1)- الجواهر، ج 10، ص 69.

(2)- الرواية 1 من الباب 28 من ابواب الركوع من الوسائل.

8

الرواية الثانية: و هي ما رواها زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام)، (و فيها قال (عليه السلام) (و تصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر، و تمكّن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلغ بأطراف أصابعك عين الركبة، و فرّج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك الخ). (1)

الرواية الثالثة: و هي ما رواها حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و فيها (ثمّ ركع، و ملأ كفيه من ركبتيه مفرجات، و ردّ ركبته إلى خلفه حتّى استوى ظهره حتّى لو صبّت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره، تردّد ركبتيه إلى خلفه الخ. (2)

الرواية الرابعة: و هي ما رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (عن الرجل ينسى القنوت في الوتر و غير الوتر، فقال: ليس عليه شي‌ء، و قال: إن ذكره و قد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما و ليقنت ثمّ ليركع، و إن وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته، و ليس عليه شي‌ء). (3)

الرواية الخامسة: و هي مرسلة المحقق (رحمه اللّه) في المعتبر و العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهي عن معاوية بن عمار و ابن مسلم و الحلبي قالوا و بلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة. (4)

[في ان ليس بين الفقهاء اختلاف فى حد الركوع]

هذا كله في الروايات الّتي ذكروها وجها لما نحن فيه، و بعد ما عرفت ذلك نقول: أمّا فتوى الفقهاء من القدماء (قدس سرهم) إلى زمان المحقق (رحمه اللّه) و العلّامة (رحمه اللّه) و إن كانت مختلفة بحسب اللفظ كما قلنا، لأنّ بعضهم قال: بكفاية بلوغ أطراف الاصابع الركبة،

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 1 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 1 من ابواب افعال الصّلاة من الوسائل.

(3)- الرواية 2 من الباب 15 من ابواب القنوت من الوسائل.

(4)- الرواية 2 من الباب 28 من ابواب الركوع من الوسائل.

9

و بعضهم بلوغ اليد إلى الركبة و بعضهم بلوغ أطراف الاصابع عين الركبة، و بعضهم بلوغ الكف، و بعضهم بلوغ الراحة إلى الركبة.

لكن لا يستفاد من كلماتهم اختلاف بعضهم مع بعض الآخر في هذه الخصوصية، بل نظرهم إلى الرد على أبي حنيفة من كفاية مطلق الانحناء كما تخيله هو، و لهذا لا تشم رائحة خلاف بينهم حتّى يقال: بأنّ كل قول من الأقوال يكون مخالفا مع الآخر، بل كما كان الأمر بين المسلمين من المخالفة مع قول أبي حنيفة القائل بكفاية مطلق الانحناء و مسماه في الركوع، و كان وجه مخالفتهم معه ما روي في طرقهم عن أنس (قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك) و أن المستفاد منها وجوب الانحناء بحدّ يمكن للمصلّي وضع كفّيه على ركبتيه، كان الأمر كذلك عند فقهائنا (رضوان اللّه عليهم)، فكانوا في مقام بيان كون حدّ خاص للركوع الواجب في الصّلاة، فهم متفقون في ذلك و ان كانت عبائرهم مختلفة، و لذا لا يرى نقل خلاف من بعضهم على خلاف قول بعض آخر فى هذه الجهة.

[هل الركوع عبارة عن نفس الانحناء الى حدّ خاصّ]

مسئلة: هل الركوع عبارة عن نفس الانحناء بمرتبة خاصّة، و هي المرتبة تصل اليد بالركبة بحيث يكون ساير مراتب الانحناء قبل هذه المرتبة، أعنى: الهوى هذه المرتبة، مقدمة للركوع و خارجا عن حقيقته، سواء نقول: بكون نفس الانحناء إلى المرتبة الخاصّة ركوعا أو الهيئة الحاصلة من البلوغ بهذه المرتبة، أو لا يكون كذلك، بل يكون تمام مراتب الانحناء ركوعا، غاية الأمر يجب شرعا بلوغ الانحناء إلى مرتبة خاصّة، بمعنى: أنّ الشخص إذا أهوى من القيام يعدّ راكعا إلى أن يصل بآخر الحدّ المطلوب شرعا، فمعنى وجوب الركوع وجوب جميع هذه المراتب من الهوى إلى آخر مرتبة، و هو المقدار من الانحناء الّذي يتمكّن معه المصلّي من وصول‌

10

يده بركبته.

و يتفرع على ذلك فرع، و هو أنّه لو أهوى الشخص لغير الركوع، ثمّ بعد ما وصل بحدّ الركوع أو ما قبل حدّ الركوع في مرتبة من الهويات، فقصد الركوع يصحّ ركوعه إن قلنا بالأوّل، و لا يصح إن قلنا بالثاني.

قال السيّد البحر العلوم (رحمه اللّه) على ما في منظومته (1) بالأوّل حيث قال:

و لو هوى لغيره ثمّ نوى * * *صح كذا السجود بعد ما هواى

إذا الهوى فيهما مقدمة * * *خارجة لغيرها ملتزمة

و كذا قال صاحب (2) الجواهر (رحمه اللّه).

و قال العلّامة (3) (رحمه اللّه) و بعض آخر: بعدم الصحة.

[ما اختاره السيّد البحر العلوم في هذا الباب بوجهين]

اعلم أنّ الرواية الرابعة المتقدمة (و هي ما رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال: ليس عليه شي‌ء، و قال: إن ذكره و قد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يده على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شي‌ء) تدلّ على ما اختاره السيّد البحر العلوم (رحمه اللّه) بوجهين.

الوجه الأوّل:

لقوله (عليه السلام) فيها (إن ذكره و قد أهوى إلى الركوع) فهذه الفقرة تدلّ على عدم كون الهوى جزء للركوع، بل الركوع أمر يحصل بعد الهوى و الهوى مقدمة له، لأنّه (عليه السلام) قال (أهوى إلى الركوع.

____________

(1)- الدّر النجفية، ص 126.

(2)- الجواهر، ج 10، ص 76.

(3)- تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 165.

11

الوجه الثاني:

أنّ الرواية تدلّ على الرجوع قائما لا عادة القنوت ما لم يضع يده على ركبتيه و إن وضع فلا يرجع و ليمض في صلاته، و بالاولوية القطعية تدلّ على جواز الرجوع قبل وضع اليد لنسيان القراءة، أو لنسيان السجدة من الركعة السابقة، فتدلّ على بقاء محل التدارك قبل بلوغه إلى حدّ يتمكن من وضع اليد، و بعد كون هذه المرتبة آخر مرتبة يجب الانحناء إليها و بها يتحقّق الركوع فتدلّ الرواية على أنّ قبل هذه المرتبة حيث لم يدخل بعد في الركوع الّذي هو ركن في الصّلاة يكون محل تدارك الجزء المنسي باقيا، و أمّا إذا وضع يده فقد دخل في الركن و مضى محل التدارك، فيستفاد من هذه الرواية أنّ الركوع عبارة عن مرتبة خاصة من الانحناء، و هي المرتبة الّتي مع بلوغها بها يتمكن من وصول إليها ركبة (1).

و مما قلنا يظهر لك أنّه لا وجه لأنّ يقال: بأنّ تمام مراتب الانحناء يكون ركوعا و إن كانت المرتبة الأخيرة مطلوبة شرعا أيضا لما قلنا من أنّ مفاد الرواية هو كون المراتب المتقدمة على المرتبة الأخيرة خارجة عن الركوع.

[في كلام الشيخ الانصارى و المحقّق الهمداني]

و يظهر من كلام الشيخ (2) الأنصاري (رحمه اللّه) على ما ذكره الحاج آغا رضا (3) الهمداني (رحمه اللّه) في المصباح أنّه و إن كان الهوى مقدمة خارجة عن الركوع، و لكن حيث‌

____________

(1)- أقول أمّا الوجه الثاني فقابل للمنع، لأنّ غاية ما يستفاد من الرواية هو لزوم الرجوع قبل وضع اليد، و عدم الجواز بعد وضع اليد و لا يستفاد من ذلك كون جواز الرجوع قبل وضع اليد من باب عدم وصوله حدّ الركوع، و عدم جوازه بعد ذلك من باب كونه و أصلا بحدّ الركوع، بل يحتمل كون الرجوع جائزا في صورة و لو كان داخلا في الركوع و إن كان هذا الاحتمال خلاف الظاهر. (المقرر)

(2)- كتاب الصّلاة للشيخ الانصارى، ص 157.

(3)- مصباح الفقيه، كتاب الصّلاة، ص 325- 327.

12

يكون الركوع عبارة عن الانحناء، و الأمر بالانحناء يقتضي إيجاد الانحناء و إحداثه لعدم صحة أن يقال: بمن يكون منحنيا (انحن) فلا بدّ من أنّ المكلف يحدث الانحناء، فلازم ذلك عدم كفاية الركوع و عدم صدقه إذا كان منحنيا و واقعا بحدّ الركوع، فلو هوى المصلّي لامر آخر حتّى وصل إلى حدّ الركوع، فلا يصح أن يقصد الركوع في هذا الحال، بل لا بدّ من احداث انحناء خاص مجددا في امتثال الأمر بالركوع.

و هذا الوجه ليس بتمام، لأنّه و لو أنّه لا يصح أن يأمر الآمر المنحنى بالانحناء المطلق الشامل لاحداث الانحناء و إبقائه، و لكنّه قابل لأن يصير مأمورا ببقاء الانحناء، فإذا لم يكن الركوع إلّا الانحناء الخاص و وجود هذه المرتبة من الانحناء لا حدوثها، فالمنحنى مع كونه منحنيا قابل لأن يتوجه عليه الأمر بالانحناء للركوع، و هو يتمكن الامتثال ببقائه في هذه المرتبة من الانحناء بقصد الانحناء للركوع، فوجهه ليس بوجيه.

إذا عرفت ذلك يمكن أن يقال بوجه آخر لعدم كفاية الركوع الّذي لم يكن الهوى إليه بقصد الركوع، و هو أنّه كما قلنا في بعض مطاوي كلماتنا في النية بأنّ العناوين القصدية محتاجة إلى القصد، فالقيام لا يصير مصداق التعظيم مثلا الّا إذا قصد به ذلك، لأنّ القيام عند ورود شخص كما يكون قابلا لأنّ يصير مصداقا للتعظيم، كذلك قابل لأن يصير مصداقا للتحقير أو لغيره، فلا يصير منطبق عنوان أحدها إلا بالقصد، و قلنا بأنّ الصّلاة و أجزائها من العناوين القصدية، فالأفعال الخارجية الواقعة بصورة الصّلاة، و كذا كل جزء و فعل منها، لا تصير منطبق عنوان الصّلاة أو جزء الصّلاة إلّا بالقصد، فقراءة الفاتحة قابلة لأن تكون قراءة الصّلاة، و لأن تكون بداعي شفاء المريض، فلا تصير جزءا للصّلاة إلّا إذا قصد بها فاتحة‌

13

الصّلاة، و الصّلاة مركبة من أقوال و أفعال، و كل منهما لا تصير من أقوالها و أفعالها إلّا إذا أتى بها بداعى كونها من أقوالها و أفعالها، فتحصل أنّ الصّلاة و أجزائها من أقوالها و أفعالها من جملة العناوين القصدية، غاية الأمر يعتبر فيها أن تقع بقصد التقرب أيضا.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ ما نرى من عمل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و كذلك من عمل المسلمين إلى الآن، هو كون بنائهم على إحداث الركوع و الهوى من القيام إلى الركوع، ثمّ القيام بعد الركوع ثمّ الهوى إلى السجود، و لم ينقل من فعله صلى اللّه عليه و آله و سلم إتيان الركوع بدون كون هواه بقصد الهوى إلى الركوع، و كذا عمل المسلمين، فمن ذلك نكشف كون واجب من واجبات الصّلاة الهوى الركوع بقصد إيجاد الركوع، و كون الهوى إليه بالوجوب النفسى، فالهوى و إن كان مقدمة للركوع لكن يجب نفسا و بقصد كونه هويا إلى الركوع، و كذلك الهوى إلى السجود.

[يجب كون الهوى الى الركوع بقصد الركوع]

فبعد ذلك نقول: بوجوب كون الهوى إلى الركوع بقصد الركوع لا بقصد أمر آخر، و لو فرض عدم تسلم وجوب الهوى، و كان مورد الشّك فليس الشّك فيه شكا في التكليف من حيث الحكم و ان كان من جملة الشّكوك الراجعة إلى الشّك في التكليف موضوعا، و بعبارة اخرى لا يجرى في هذا القسم من الشّك في التكليف البراءة، لأنّه مع هذا العمل الّذي قلنا من النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و عدم رؤية خلافه من عمل المسلمين لا يمكن أن يقال: بعدم وجود حجة على الحكم حتّى يكون مجالا لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، بل يكون المورد مورد الاحتياط.

فبهذا الوجه نقول: بوجوب كون الهوى الركوع بقصد الركوع لا بقصد أمر آخر، فلو هوى بقصد شي‌ء آخر، كقتل حية أو غيره حتّى وصل إلى حدّ الركوع أو‌

14

إلى بعض المراتب قبل مرتبة الركوع الواجب بحيث لم يقع بعض مراتب الانحناء بقصد الركوع، فلا يكتفي بهذا الركوع، بل لا بدّ من كون الهوى من القيام بتمام مراتبه إلى حدّ الركوع بقصد الركوع. (1)

[في ذكر مسائل فى الباب]

مسئلة: من يكون من جهة اليد أو الرجل خارجا عن المتعارف إمّا لطولهما، أو لقصرهما يرجع إلى المتعارف، و كذلك مقطوع اليد، لأنّ المستفاد من روايات الباب كون الحدّ الواجب في الانحناء في الركوع هو المقدار الّذي يتمكن المصلّي معه من وضع اليد على الركبة، و من الواضح أنّ الأحكام يعرض على المتعارف من الموضوعات، فلا بدّ من إرجاع غير المتعارف بالمتعارف، فمقطوع اليد و من يكون من حيث اليد أو الرجل خارجا عن المتعارف فيرجع إلى المتعارف، فالواجب عليهم الأخذ بمتعارف الموضوع أو متعلق الحكم، فافهم.

[من لم يتمكّن من تمام الانحناء لعارض يأتي بما يتمكن]

مسئلة: و من لم يتمكن من تمام الانحناء لعارض يأتي بما يتمكن منه، و ليس الوجه في ذلك قاعدة الميسور أو قوله (إذا أمرتكم بشي‌ء فاتوا منه ما استطعتم) أو‌

____________

(1)- أقول: ما أفاده مدّ ظله العالى من الوجه لا يكون بنظري القاصر تماما، لأنّ ما يرى من عمل النبي (ص) أو المسلمين يكون من باب اقتضاء الوضع الطبيعي لذلك، و هو أنّ الشخص المصلّي مع كونه قائما حال الصّلاة، يقضي أن ينحني و يهوي إلى الركوع لا لأمر آخر، فغير معلوم كون العمل من باب وجوب ذلك، و مع الشّك لا وجه للاحتياط، بل تجري البراءة.

فعلى هذا نقول: لو أهوى بقصد غير الركوع حتّى و لم يبلغ إلى مرتبة غاية مرتبة المعتبر في الركوع الواجب، ثمّ انحنى من هذه المرتبة إلى المرتبة الواجبة، أعنى: المرتبة يتمكن معها من وضع اليد على الركبة فيصح الركوع لو قصد الهوى من هذه المرتبة إلى المرتبة الواجبة بقصد الركوع بلا اشكال، نعم لو بلغ إلى المرتبة الواجبة فالأحوط هو عدم الاكتفاء بهذا الركوع إن قلنا بكون الواجب إحداث هذه المرتبة من الركوع، و إن لم نقل بذلك فيقصد به الركوع و يكتفي به، لأنّ المصلّي ليس مأمورا إلّا بالركوع و لا دخل للهوى فيه فتأمّل. (المقرر)

15

قوله (ما لا يدرك (1) كله لا يترك كله) حتّى يستشكل فيها بأنّ الركوع عبارة عن انحناء خاص، فليس انحناء آخر ميسوره حتّى يتمسّك بقاعدة الميسور، أو يقال: إنّه ليس من قبيل جزء الشي‌ء حتّى يتمسّك بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم (إذا أمرتكم) أو (ما لا يدرك كله).

بل نقول في وجه ذلك: بأنّا نفهم من الدليل الوارد فيمن لا يتمكن من القيام بأنّه يؤمى للركوع و السجود، بأنّ الايماء مرتبة من الركوع، و الشارع لا يرضى بترك الركوع و لو لم يتمكن من المرتبة الأعلى لا بدّ له أن يأتى بالمرتبة الممكنة، و بعد كون الايماء مرتبة من الركوع يكون الانحناء بأيّ مرتبة كانت ركوعا، فلا بدّ من الاتيان بالممكن بالاولوية القطعية المستفادة من الدليل المذكور.

[في ان من كان كالراكع خلقة او لعارض]

مسئلة: و لو كان الشخص كالراكع خلقة أو لعارض قيل: وجب أن يزيد في انحنائه لركوعه ليكون فارقا بين القيام اللازم للركوع، بل في جامع (2) المقاصد أنّه لو كان انحنائه على أقصى مراتب الركوع ففي ترجيح الفرق أو هيئة الركوع تردد.

اعلم أنّه تارة يكون الشخص في مرتبة من الانحناء لم يبلغ الحدّ الاقصى من الركوع بحيث لو انحنى في الجملة لا يخرج من أقصى حدّ الركوع و في هذا الحال يتمكن من الانحناء إلى هذا الحد، و تارة بلغ بالحدّ الأقصى من الركوع بحيث لو انحنى يخرج عن حدّه.

أمّا في الصورة الاولى فنقول: قد يقال يجب الانحناء إلى الحدّ الواجب في‌

____________

(1)- عوالى الألى، ج 4، ص 58.

(2)- جامع المقاصد، ج 2، ص 289.

16

الركوع مع التمكن لما قال في الجواهر (1) من أنّه يجب الانحناء كى يفرق بين هيئة القيام و بين هيئة الركوع و فيه أنّه ليس الواجب في لسان دليل عنوان الافتراق، بل الواجب هو النفس القيام و الركوع، و في المقام لو كان الشخص متمكنا من القيام يجب عليه و هو خارج من الفرض، لأنّ الفرض في من لا يتمكن من الانتصاب أصلا، فإذا لم يتمكن من ذلك يجب عليه الركوع فقط، و على الفرض يتمكن من الركوع إمّا من باب أنّ الركوع عبارة عن هذه المرتبة من الانحناء، و لا دخل للهوى فيه كما هو مختار نفس صاحب الجواهر (رحمه اللّه)، و إمّا من باب أنّه و إن كان الهوى واجبا إلّا أنّه على الفرض غير متمكن منه، فيجب ما تمكن و هو قصد الركوع بقاء في هذه المرتبة من الانحناء.

و لكن نقول في وجه وجوب الانحناء في هذه الصورة في الجملة: بأنّا نكشف من الأدلة أنّه يجب في الصّلاة بعد القيام للّه متذللا مرتبة اخرى من التذلّل، و هي عبارة عن الانحناء بعنوان الخضوع له سبحانه، و غاية هذا التذلل هي المرتبة الأقصى من الركوع، ففي الفرض هذا الشخص المنحني يكون تذلّله و هو الركوع، مرتبة بعد هذه المرتبة، لأنّ هذه المرتبة قيامه في الحقيقة فعلى هذا يجب عليه الانحناء للركوع كى يعمل بوظيفة التذلل.

و أمّا الصورة الثانية فلا يبعد فيها عدم وجوب انحناء زائد لأنّ الزائد علي هذه المرتبة لم يكن تذللا له تعالى، إذا المستفاد من تعيين الحدّ للركوع هو كون أقصى مراتبه هذه المرتبة الّتي هو بحسب طبعه واجد، فهي ركوعه إذا قصد بها الركوع لعدم تمكنه من تحصيل القيام المتصل بالركوع، و لا الهوى إلى الركوع، فافهم.

____________

(1)- الجواهر، ج 10، ص 81.

17

[من يصلى جالسا يجب عليه الانحناء]

مسئلة: من يصلّي جالسا إمّا من باب كون تكليفه الجلوس أو من باب جواز الجلوس له كمن يصلّي النافلة، فلا يكفي في ركوعه الانحناء بمقدار يتمكن من وصول اليد إلى الركبة، لأنّه بدون الانحناء أو الانحناء اليسير تصل يده إلى ركبتيه حال الجلوس، بل يجب عليه الانحناء بمقدار يستوي ظهره تقريبا كحال الركوع القيامي، لأنّ المستفاد من الأدلة الانحناء بهذا المقدار في الركوع، لا مجرد امكان وصول اليد، فافهم.

الثاني: من واجبات الركوع الطمأنينة.

اعلم أنّ المراد من الطمأنينة المبحوث عنها في المقام ليس الاستقرار المقابل لحركة أجزاء البدن، بل المراد هو الوقوف يسيرا في حدّ الركوع في قبال العامة، فإنّ أبا حنيفة مثلا قال: يكفي مجرد الوصول الحدّ ثمّ الذهاب إلى السجود بدون وقوف و توقف حال الوصول إلى حدّ الركوع، ففي قبال هذا القول تعرضوا في فقهنا للمسألة، و قالوا: باعتبار الطمأنينة، و بهذه المعنى قال الشّيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (1) الطمأنينة في الركوع ركن من أركان الصّلاة.

فالمراد من الطمأنينة هو الوقوف في حدّ الركوع و السكون، لا أن يصل إلى الحدّ و يرفع الرأس بدون التوقف و لا يكون كنقر الغراب كما في الخبر، فهذه معنى الطمأنينة، لا الطمأنينة في قبال تزلزل الأعضاء و إن كانت الطمأنينة بهذه المعنى الّتي قلنا يستلزم الاستقرار و عدم التزلزل في الجملة أيضا.

الثالث: من واجبات الركوع الذكر.

____________

(1)- الخلاف، ج 1، ص 348.

18

اعلم أنّ الشّيخ (رحمه اللّه) قال في الخلاف التسبيح في الركوع و السجود واجب، و به قال أهل الظاهر داود و غيره، و به قال أحمد، و قال عامة الفقهاء: إنّ ذلك غير واجب.

دليلنا إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط، لأنّه إذا سبح جازت صلاته بغير خلاف، و إذا لم يسبح فليس على صحتها دليل، و قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم (صلّوا كما رأيتموني اصلّي) يدلّ عليه، لأنّه سبح بغير خلاف، و روى عقبة بن عامر: لما نزلت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال اجعلوها في سجودكم، و هذا أمر يقتضي الوجوب. (1)

و قد ظهر لك أنّ عامة الفقهاء قائلون بعدم وجوب ذكر في الركوع و السجود رأسا، نعم داود الظاهري الاصبهاني و غيره من أهل الظاهر و أحمد من العامة قالوا بوجوب التسبيح، و أمّا عندنا فقد ادعى الشّيخ (رحمه اللّه) الاجماع باصطلاحه على وجوب التسبيح في كل من الركوع و السجود، فنقول: أمّا روايات الباب فعلى طوائف:

الطائفة الاولى:

ما يمكن أن يقال: بدلالتها على وجوب التسبيح بدون تعرض فيها من التسبيحة الكبرى أو الصغرى، و هي روايتان:

الرواية الاولى: و هي ما رواها داود الابزارى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

أدنى التسبيح ثلاث مرّات و أنت ساجد لا تعجل بهنّ). (2)

و هذه الرواية و إن وردت في السجود لكن نعلم بعدم فرق في هذا الحيث بين‌

____________

(1)- الخلاف، ج 1، ص 348.

(2)- الرواية 5 من الباب 5 من ابواب الركوع من الوسائل.

19

الركوع و السجود.

الرواية الثانية: و هي ما رواها أبو بصير (قال: سألته عن أدنى ما يجزي من التسبيح في الركوع و السجود؟ قال: ثلاث تسبيحات). (1)

و هل للروايتين إطلاق يشمل الكبرى و الصغرى كليهما، أو منصرف بالكبرى فقط الصغرى فقط يأتي الكلام فيه.

الطائفة الثانية:

ما يمكن أن يقال: بدلالتها على إجزاء خصوص التسبيحة الصغرى ثلاث مرات:

الرواية الاولى: و هي ما رواها عبد الرحمن بن أبي نجران عن مسمع بن أبي سيار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا، و ليس له و لا كرامة أن يقول: سبّح سبّح سبّح). (2)

و نقل صاحب الوسائل عن مسمع عن رواية اخرى، و هي الرواية 4 من الباب المذكور رواها صفوان عن مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يجزى الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن.

اعلم أنّ روايته الثانية لا تعرض فيها للركوع و السجود، و ليس فيها ما في ذيل الرواية الاولى، و لا يبعد كونهما رواية واحدة نقل صفوان عن مسمع تارة و عبد الرحمن عنه تارة اخرى، و على كل حال تدلّ على إجزاء ثلاث سبحان اللّه أعني: الصغرى لا الكبرى، لأنّ الرواية الاولى بقرينة ما في ذيلها (و لا كرامة أن‌

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 5 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 5 من ابواب الركوع من الوسائل.

20

يقول: سبّح سبّح سبّح) تدلّ على الصغرى.

الرواية الثانية: و هي ما رواها حماد بن عيسى عن معاوية بن عمار (قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخفّ ما يكون من التسبيح في الصّلاة؟ قال: ثلاث تسبيحات مترسلا تقول: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه). (1)

و ذكر في الوسائل رواية اخرى، و هي ما رواها يونس بن عبد الرحمن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). قلت: أدنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع و السجود؟ قال: تسبيحة واحدة). (2)

و روايته هذه تدلّ على إجزاء تسبيحة واحدة في الركوع و السجود، و لا يبعد كونهما رواية واحدة، و على كل حال في ما رويها حماد عنه لا تعرض للركوع و السجود، بل قال (أخف ما يكون من التسبيح في الصّلاة) إلّا أن يقال: لا مورد لهذا التسبيح إلّا في الركوع و السجود، نعم لو قلنا بكون روايتي معاوية رواية واحدة، و كانت روايته الثانية ذيل الرواية الاولى، ففي الثانية أعنى: ما نقل عنه يونس تعرض للركوع، فعلى كل حال تدلّ على إجزاء التسبيحة الصغرى ثلاث مرّات.

الرواية الثالثة: و هي ما رواها سماعة (قال: سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم قول اللّه تعالى «يا أيّها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا» قلت: كيف حدّ الركوع و السجود؟ فقال أمّا ما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه ثلاثا). (3)

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 5 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 8 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

(3)- الرواية 3 من الباب 5 من ابواب الركوع من الوسائل.

21

و هذه الطائفة تدلّ على أنّ المجزي أو في ما يجزي هو الصغرى ثلاث مرات.

الطائفة الثالثة:

تدلّ على كفاية التسبيحة الكبرى مرة واحدة مع الاختلاف في متن بعضها مع بعض الآخر من حيث كيفية التسبيحة الكبرى، لأنّ الرواية الثانية منها على ما ترى تدلّ على أنّ كلمة (و بحمده) جزء للكبرى، و الحال أنّ (و بحمده) ليس في الاولى، و على كل حال.

الرواية الاولى: و هي ما رواها هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في «الركوع سبحان ربي العظيم» و في «السجود سبحان ربي الأعلى» الفريضة من ذلك تسبيحة و السنة ثلاث و الفضل في سبع). (1)

الرواية الثانية: و هي ما رواها أبو بكر الحضرمى قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

أيّ شي‌ء حدّ الركوع و السجود؟ قال: تقول «سبحان ربي العظيم و بحمده» ثلاثا في الركوع «و سبحان ربي الاعلى و بحمده» ثلاثا في السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و من نقص اثنين نقص ثلثي صلاته، و من لم يسبح فلا صلاته، و من لم يسبح فلا صلاة له). (2)

و الرواية 7 من هذا الباب هي أيضا هذه الرواية و إن جعلها صاحب الوسائل رواية مستقلة، و المستفاد من هاتين الرويتين كفاية التسبيحة الكبرى مرة واحدة في الركوع و السجود، لأنّ في الاولى من الروايتين المذكورتين قال (الفريضة من ذلك تسبيحة) و في الثانية منهما قال (من لم يسبّح فلا صلاة له) و أمّا لو ترك أحدها أو اثنتين منها فقد ورد النقص في الصّلاة، لا أنّه يوجب بطلان الصّلاة، فترك‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 5 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

22

الواحد او الاثنتين منها يوجب سلب كمال من الصّلاة، فتدلّ الروايتان على كفاية المرة من الكبرى.

و هل يلزم إضافة و (بحمده) في الكبرى أولا: فإن قلنا: بأنّه بعد عدم ذكره في الرواية الاولى نستفيد جواز تركه و جواز فعله لذكره في إحداهما و تركه في الاخرى، و إن قلنا: بكون تركه في الاولى يمكن أن يكون من باب معلومية كون و (بحمده) جزء لها فاكتفي بمعلوميته و تركه للايجاز و الاختصار و أنّ بمجرد ذكر (سبحان ربي العظيم) أو (سبحان ربى الاعلى) يفهم المخاطب كفاية المرة في الكبرى، و يرى عدم لزوم ذكر تمام التسبيحة، فلهذا ترك (و بحمده) اتكالا على معروفيته، و لا يبعد الاحتمال الأوّل فيجوز ترك (و بحمده). (1)

الطائفة الرابعة:

ما تحتمل دلالتها على كفاية التسبيحة الصغرى مرة واحدة، و تحتمل دلالتها على كفاية الكبرى مرة واحدة، و يحتمل إطلاقها للكبرى و للصغرى فتدلّ على كفاية مرة واحدة من كل منهما.

الرواية الاولى: و هي ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: قلت له: ما يجزى من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسل، و واحدة تامة تجزي). (2)

يحتمل أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) (و واحدة تامة تجزي) هي الكبرى، فتكون الرواية دالّة على أنّ في الصغرى لا يكتفي إلّا بثلاث تسبيحات، و أمّا في الكبرى فيكتفي بواحدة منها، و يحتمل أن يكون المراد هو الصغرى فقال (عليه السلام) ثلاث‌

____________

(1)- أقول: و لا يبعد الثاني فالأحوط اضافة (و بحمده). (المقرر)

(2)- الرواية 2 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

23

تسبيحات) أى ثلاث سبحان اللّه في ترسل، و لكن لو أتى بمرة واحدة من قول (سبحان اللّه) تماما بحيث يكون في حال الركوع لا أن يكون بعضها قبل الوصول إلى حدّ الركوع و بعضها في حال الرفع منه فيكفي سبحان اللّه مرة واحدة. (1)

الرواية الثانية: و هي ما رواها محمد بن أبي حمزة عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) (قال: سألته عن الركوع و السجود كم يجزي فيه من التسبيح؟

فقال: ثلاثة و تجزئك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض). (2)

الرواية الثالثة: و هي ما رواها الحسين بن علي بن يقطين عن أبيه عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يسجد كم يجزيه من التسبيح في ركوعه و سجوده؟ فقال: و تجزيه واحدة). (3)

[في ذكر الاحتمالات فى الرواية الثالثة]

و لا يبعد كونهما رواية واحدة و إن جعلها صاحب الوسائل روايتين (أقول:

في التهذيب جعلهما روايتين) و على كل حال يحتمل في هذه الرواية أيضا احتمالان:

الاحتمال الأوّل: كون المراد من (تجزيك واحدة) هو إجزاء التسبيحة الكبرى مرة واحدة، فتدلّ الرواية على اجزاء مرة واحدة في الكبرى‌

الاحتمال الثاني: كون المراد اجزاء التسبيحة مرة واحدة سواء كانت الكبرى أو الصغرى، و لا يبعد دعوى كفاية الواحدة من كل منهما من باب إطلاق‌

____________

(1)- أقول: و لعله يكون الاحتمال الثاني أقوى إذ الصغرى لقلة حروفها و كلماتها لم يقع الّا وحدة منها في حال الركوع، و لهذا كلامه يدلّ على أنّه لو وقع أحد منها في الحدّ فيكتفي بها فتأمّل. (المقرر)

(2)- الرواية 3 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

(3)- الرواية 4 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

24

الروايتين لأنّ الروايتين تدلّان على كفاية مرة واحدة من التسبيحة، و التسبيح إطلاقه شامل لتسبيحة الكبرى و الصغرى.

[في ذكر الطائفة الخامسة من روايات الباب]

الطائفة الخامسة: تدلّ على اجزاء غير التسبيح في ذكر الركوع و السجود و هي روايتان:

الرواية الاولى: و هي ما رواها هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

قلت يجزى أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود (لا إله إلّا اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر) قال: نعم، كل هذا ذكر اللّه).

الرواية الثانية: و هي ما رواها هشام بن سالم مثله و لها ذيل و هو أنه (قال:

و سألته تجزى عني مكان التسبيح في الركوع و السجود (لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر) قال: نعم). (1)

إذا عرفت ذلك نقول: أمّا أصل وجوب الذكر في الركوع و السجود فيستفاد من مجموع الطوائف من الروايات المذكورة، فأصل وجوب ذكر أعم من التسبيح و غيره فيه لا ينبغي أن يصير محل كلام، و المستفاد من الطائفة الثانية مع ضمها بالطائفة الثالثة إذا عرض على العرف بمقتضى الجمع هو تخيير المكلف بين أن يقرأ التسبيحة الصغرى أعنى (سبحان اللّه) ثلاث مرات، و بين أن يقول الكبرى مرة واحدة و هذا لا إشكال فيه.

و أمّا الطائفة الاولى فتارة يقال: إنّ لها إطلاقا يشمل الكبرى و الصغرى بمعنى دلالتها على إجزاء الصغرى و الكبرى إذا قرء ثلاث مرات، فإن قلنا بذلك فيعارض‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 7 من ابواب الركوع من الوسائل.

25

إطلاقها مع الطائفة الثالثة، على كفاية المرة في الكبرى، و مقتضى حمل المطلق على المقيد هو تقييد الطائفة الاولى بالثالثة،

[نتيجة الجمع وجوب الثلاث في خصوص الصغرى]

فتكون نتيجة الجمع وجوب الثلاث في خصوص الصغرى فقط، و يعارض مع إطلاقها الرواية الّتي رواها يونس بن عبد الرحمن عن معاوية بن عمار المتقدمة (1) الدالّة على كفاية تسبيحة واحدة للمريض، و مقتضى الجمع تقييدها بها أيضا فتكون النتيجة وجوب الثلاث في خصوص الصغرى لغير المريض، و يعارض إطلاقها الرواية الّتي رواها علي بن حمزة (قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المستعجل ما الّذي يجزيه في النافلة؟ قال: (ثلاث تسبيحات في القراءة، و تسبيحة في الركوع و تسبيحة في السجود) (2) لأنّ هذه الرواية تدلّ على كفاية المرة في النافلة للمستعجل، فتكون نتيجة جمع كل هذه هو وجوب ثلاث مرات في الصغرى الّا للمريض و إلّا في النافلة للمستعجل.

تنبيه: (ينبغي ذكره و إن لم يكن مربوطا بالمقام، و هو أنّه قد مرّ في القراءة بأنّ العلّامة (رحمه اللّه) قال بكفاية التسبيح بدلا عن الفاتحة في النافلة، و قيل: بأنّه ليس له مدرك، فنقول: يمكن أن تكون هذه الرواية أي رواية علي بن حمزة مدركه، لأنّها تدلّ على إجزاء ثلاث تسبيحات في القراءة في النافلة، فتأمل).

و أمّا الطائفة الرابعة فإنّ قلنا بإطلاق الطائفة الاولى فيقع التعارض بين الاولى و الرابعة، لأنّ الاولى تدلّ على أنّ أدنى ما يجزي هو ثلاث مرات، و الرابعة تدلّ على كفاية المرة.

____________

(1)- الرواية 8 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 9 من الباب 4 من ابواب الركوع من الوسائل.

26

فنقول: بأنّه على فرض الاطلاق للاولى و على فرض شمول الطائفة الرابعة للتسبيحة الصغرى أيضا، و لم نقل بدلالتها على إجزاء المرة في خصوص الكبرى، فالطائفة الرابعة ليست إلّا روايتين أو روايات ثلاث، بناء على جعل رواية علي بن يقطين باعتبار كون الناقل عنه متعددا روايتين، فنقول: بأنّ الرواية الثانية و الثالثة من هذه الطائفة و إن تدلا على إجزاء الواحدة كانت الكبرى أو الصغرى، و لكن الرواية الاولى و هي رواية زرارة تقيد إطلاقها لدلالتها على إجزاء الواحدة، لأنّ فيها قال (عليه السلام) (و واحدة تامة تجزي) و المراد بحسب الظاهر من هذه الفقرة هو الكبرى، و إن قلنا سابقا بأنّ فيها احتمالان، لكن الظاهر كون المراد من (تامة) هو الكبرى فعلى هذا تدلّ هذه الرواية على إجزاء الواحدة في خصوص الكبرى، فمقتضى الجمع بين رواية زرارة و هي الرواية الاولى من هذه الطائفة، و بين روايتي علي بن يقطين، بناء على اطلاقها، هو حمل المطلق على المقيد، فتكون النتيجة كفاية المرة في خصوص الكبرى كما هو مفاد رواية هشام بن سالم و أبي بكر الحضرمي، هذا كله بناء على أن نقول بإطلاق الطائفة الاولى.

و أمّا لو قلنا بعدم إطلاق للطائفة الاولى كما هو الحق، فلا إطلاق لها حتّى يقال بتعارض هذه الطائفة مع الطائفة الثالثة، أمّا وجه عدم إطلاق لها فلأنّه و إن تدلّ على إجزاء ثلاث تسبيحات، و أنّه أدنى ما يجزي، و لكن بعد ما نرى من أنّ عمل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و كذا المسلمين، و ما نقل من الصلوات البيانية، هو أنّهم يقرءون الكبرى في الركوع و السجود، فيستفاد من عملهم كون المتعارف عند المسلمين هو التسبيحة الكبرى.

فعلى هذا نقول: بأنّ المطلق منزل على المتعارف، بمعنى أنّه بعد كون بعض أفراد‌

27

المطلق بحيث يكون عند المخاطب المتعارف من لفظ المطلق هذا الفرد بالخصوص، فلو أراد المتكلم من المطلق أى الطبيعة هذا الفرد بالخصوص لعلمه بأنّ المخاطب لا يفهم من لفظه المطلق إلّا هذا و لم يأت بالقرينة على كون مراده المقيد فما أخلّ بغرضه، لأنّه اكتفي بما هو المتعارف عند المخاطب، فلم يبق مع هذا إطلاق حتّى يؤخذ به، لأنّ من مقدمات الاطلاق عدم كون القدر المتيقن في البين حتّى يعدّ عدم البيان إخلالا بالغرض فعلى هذا نقول: بأنّه مع تعارف إطلاق التسبيح على الكبرى و أنّهم لا يرون من العمل إلّا الكبرى، فينزل المطلق على المتعارف و لا إطلاق للفظ التسبيحة يشمل الصغرى أصلا.

فبناء على هذا لا يكون مفاد الطائفة الاولى من الروايات و قدر متيقنه إلّا الكبرى، و هكذا ليس مفاد الطائفة الرابعة إلّا الكبرى، لأنّ المراد من التسبيحة على ما بيّنا هو هذا.

فعلى هذا لا يكون تعارض بين الطائفة الرابعة و الثانية، و لا مع الثالثة، و لا مع الاولى، لأنّ الثانية تدلّ على إجزاء التسبيحة الصغرى مرة واحدة، و الاولى بعد ما قلنا من كون المراد منها الكبرى تدلّ على أنّ المجزى ثلاث تسبيحة من التسبيحة الكبرى، و الثالثة تدلّ على إجزاء المرة في الكبرى، و الرابعة تدلّ على إجزاء الكبرى مرة واحدة أيضا بعد ما قلنا من حمل التسبيحة فيها على الكبرى (1). (2) (و على كل‌

____________

(1)- أقول: لم يتعرض الاستاد مدّ ظله العالى لما يبقي من التعارض بين الطائفة الاولى، بناء على حمل التسبيح فيها على الكبرى، مع الطائفة الثالثة لأنّه على ما أفاده مدّ ظله العالى تدلّ الاولى على أنّ أدنى ما يجزى هو الثلاث في الكبرى، و الطائفة الثالثة تدلّ على إجزاء المرة في الكبرى، و لكن يمكن الجمع بينهما بعد صراحة الطائفة الثالثة في إجزاء المرة في الكبرى:

بأنّه يحمل الطائفة الاولى على الأفضلية، و أنّ أدنى مراتب الفضل هو الثلاث و هذا لا ينافي كون الواجب مرة واحدة، فتأمّل جيدا. (المقرر)

(2)- أقول: و لكن لي هنا كلام قلت بمحضره الشريف مدّ ظلّه العالي، و هو أنّ الطائفة الاولى من الروايات مطلق، و إطلاقها يشمل الكبرى و الصغرى، و ما أفاده مدّ ظله العالى من حمل المطلق على المتعارف من التسبيح، و هو الكبرى، لأجل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المسلمين بحيث لا يكون المتعارف عندهم إلّا الكبرى، ليس بتمام، لأنّ غاية هذا كون فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على قراءة الكبرى، و ليس هذا بحدّ يوجب صيرورته قرينة على إرادة المقيد أعنى: خصوص الكبرى، من مطلق التسبيحة بحيث لو اكتفي المتكلم بهذا التعارف و أراد من مطلقة في كلامه الكبرى ما أخل بغرضه، مضافا إلى إطلاق التسبيحة في لسان بعض الأخبار على الصغرى كما ترى في الطائفة الثانية من الروايات، و هكذا لا وجه لمنع إطلاق الطائفة الرابعة و قوله (و واحدة تامة تجزي) إن لم نقل بكونه ظاهرا في أنّ التسبيحة الواحدة لو أتى بها تماما و في حدّ الركوع، لا في الطريق، تجزي، فليس ظاهرا في ما أفاده مدّ ظله العالى من أنّ المراد منه هو التسبيحة الكبرى، فكان المراد أنّ تسبيحة واحدة من الكبرى تجزي، فمع تساوي الاحتمالين لا وجه للأخذ بأحدهما و حمله عليه.

إذا فهمت ذلك أقول: بناء على إطلاق الطائفة الاولى يقيد إطلاقها كما بينا بما بينا و أمّا الطائفة الرابعة فبناء على إطلاقها أقول: بأنّه لا بد من تقييدها بالطائفة الثانية الدالّة على أن أدنى ما يجزى في الصغرى هو إتيانها ثلاث مرات، فمقتضى الجمع بين هاتين الطائفتين هو حمل المطلق على المقيد، فتكون النتيجة هو إجزاء المرة في خصوص الكبرى، و أمّا الصغرى فلا بدّ من إتيانها ثلاث مرات. (المقرر)

28

حال تكون النتيجة من الطوائف الأربع على ما ذكرنا، هو اجزاء تسبيحة واحدة من الكبرى و ثلاث مرات في الصغرى.)

[امّا الكلام في اجزاء غير التسبيح عن التسبيح]

إذا عرفت ذلك يبقى الكلام في الطائفة الخامسة من الروايات الدالّة على إجزاء غير التسبيح، فنقول بعونه تعالى: إنّ ما يظهر من رواية هشام بن الحكم و صدر رواية هشام بن سالم، هو إجزاء (لا إله إلّا الله الحمد للّه و اللّه اكبر) و فيها أنّ‌

29

(كل هذا ذكر اللّه) فيقع الكلام أوّلا في مفاد هذه الطائفة من الروايات، و ثانيا في جمعها مع الطوائف الاخر، فنقول بعونه تعالى:

أمّا الكلام في المقام الأوّل فما يستفاد من صدر رواية هشام بن سالم و هشام بن الحكم هو كفاية (لا إله إلّا اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر) من باب أن كل هذا ذكر اللّه، و معناه كون الخصوصية أى خصوصية التسبيح، غير معتبرة، بل يكفي كل ما يكون ذكر اللّه، و بعبارة اخرى المستفاد عدم دخل كيفية خاصة في ذكر الركوع و السجود، بل ما يكون ذكرا مجز عن التكليف بالذكر.

و هل يستفاد من الروايتين كون كمية الذكر بقدر التسبيح، أو يستفاد عدم لزوم ذلك، أو ليست الروايتان متعرضتين لهذه الجهة أصلا.

لا يبعد أن يقال: بأنّه لا بدّ و أن يكون الذكر في الكمية بقدر ثلاث تسبيحة من الصغرى، أو واحدة من كبرى من جهة أنّه قال في الروايتين (يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود و لا إله إلا اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر) لأنّ صدق كون ذكر آخر مكان التسبيح هو كون الكمية بقدر التسبيح، و يكون السؤال عن الكيفية، و إتيان ذكر آخر مكانه أعنى: في محله، و أمّا ذيل رواية هشام بن سالم و ان لم يذكر فيه (الحمد للّه) لأنّه قال (يجزي عنى مكان التسبيح في الركوع و السجود لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر؟ قال: نعم) لكن مع ذلك لا يدلّ على كفاية أقل من ثلاث تسبيحة من الصغرى أو واحدة من الكبرى بتوهم أنّ المستفاد منه كفاية (لا إله إلّا اللّه و اللّه اكبر) لكونهما ذكران لا ثلاثة أذكار.

أمّا وجه عدم الدلالة فلان الذيل ليس إلّا في مقام السؤال عن الكيفية و أنّه يجزي مكان التسبيح ذكرا آخر أو يعتبر خصوص التسبيح، فقال (عليه السلام) يجزي، و لا‌

30

تعرض فيه بعد كفاية الذكر (من لا إله إلّا اللّه و اللّه اكبر) هل يكتفي بمرة منها أو ثلاث مرات حتّى يصير بقدر التسبيح من حيث الكمية إن لم نقل بظهور (مكان التسبيح) في اعتبار كون غير التسبيح كمية مثل كمية التسبيح فافهم. (1)

[الكلام فى الجمع بين الطائفة الخامسة و غيرها]

أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو كيفية الجمع بين هذه الطائفة أعنى: الطائفة الخامسة، و سائر الطوائف، فنقول: ما يظهر في بدو النظر، هو أنّه و إن كان التعارض بين هذه الطائفة و سائر الطوائف لأنّ هذه تدلّ على كفاية كل ذكر، و ساير الطوائف يدلّ على كفاية خصوص التسبيح إمّا الصغرى و إمّا الكبرى و إمّا كليهما، و لكن مقتضى الجمع بينهما هو حمل ساير الطوائف من الأخبار على الأفضلية، لأنّه بعد كون الطائفة الخامسة نصا في جواز كل ذكر و كفايته، فلا بدّ من حمل ساير الطوائف على الفضل، و كون التسبيح من بين الأذكار أفضل من غيره.

و لكن بعد ما نرى من تسلم كون الذكر في الركوع و السجود التسبيح عند القدماء (رضوان اللّه عليهم)، كما يظهر لك من عبارة المتقدمة من الشّيخ (رحمه اللّه) في الخلاف و من عبارة المحقق (رحمه اللّه) في الشرائع حيث قال (الواجب الخامس التسبيح و قيل يكفي مطلق الذكر و فيه تردد) فمع أنّهم رووا هاتين الروايتين الدالّتين على إجزاء غير التسبيح، و مع ذلك كان المسلم عندهم وجوب خصوص التسبيح، نكشف من كون‌

____________

(1)- أقول: لا يبعد أن يقال: بأنّ رواية هشام بن الحكم و صدر رواية هشام بن سالم غير متعرضة للكمية، و لكن المستفاد من ذيل رواية هشام بن سالم هو عدم لزوم كون الكمية بقدر كمية التسبيح، لأنّه بعد ما سئل في الصدر عن إجزاء ثلاثة أذكار (لا إله إلا اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر) و أجاب (عليه السلام) بإجزائه من باب كون الكل ذكر اللّه، سئل في الذيل بأنّه يكفي أقل من هذا، و هو أن يقول (لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر) فقال (عليه السلام): نعم، فلا يبعد كفاية مسمى الذكر. (المقرر)

31

الخدشة فيهما، و أنّهم أعرضوا لأجلها عنهما، فلا يمكن الاعتناء بهما، فالأحوط الواجب هو إجزاء خصوص التسبيح. (1)

هذا تمام الكلام في واجبات الركوع، و قد قلنا بأنّها ثلاثة:

الأوّل: الانحناء بمقدار يمكن وصول اليد إلى الركبة، الثانية الطمأنينة، الثالثة الذكر بتفصيل سبق ذكره، و ليس القيام بعد الركوع، و لا الطمأنينة بعده من واجبات الركوع، فمن جعل واجباته خمسة باضافة هذين الأمرين بالثلاثة المتقدمة فلا وجه له، لأنّها إن كانا واجبين يكونان من واجبات نفس الصّلاة، لا الركوع، فافهم.

[في انّ لا اشكال في كون الركوع ركنا]

مسئلة: لا إشكال في كون الركوع ركنا، و قد قلنا سابقا بأنّ الركن قد عرّفه بعضهم بأنّ ما كان نقصه عمدا و سهوا موجبا لبطلان الصّلاة، و بعضهم مضافا إلى كون نقصه موجبا لبطلان الصّلاة قالوا: بأنّ ما يوجب زيادته عمدا أو سهوا لبطلان الصّلاة و قد قلنا بان الانسب مع المعنى اللغوي من الركن هو الأوّل أعنى: ما يوجب نقصه عمدا و سهوا لبطلان الصّلاة، و على كل حال لا إشكال في أنّ زيادة الركوع و كذا نقصه يوجب بطلان الصّلاة عمدا كان أو سهوا إلّا في الجماعة، فإنّ زيادته مغتفر للمتابعة بتفصيل يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه و هذا ممّا لا كلام فيه.

إنّما الكلام في جهة اخرى، و هي أنّه بعد كون الركوع ركنا يوجب نقصه بطلان‌

____________

(1)- أقول: أمّا الاحتياط ففي محله، و أمّا التمسك بعبارة المحقق (رحمه اللّه) فليس ذلك من باب كون خصوص التسبيح مسلّما لأنّه قال في السجود عبارة يفهم منها عدم كون وجوب التسبيح مسلما لأنّه قال في السجود (الرابع الذكر و قيل: يختص بالتسبيح كما قلناه في الركوع) مع كون وزان الركوع و السجود من هذا الحيث واحدا، لأنّ الأخبار المتمسك بها متعرضة لكلّ من الركوع و السجود، فتأمّل. (المقرر)

32

الصّلاة و ان كان سهوا فلا إشكال في أنّ الصّلاة تبطل بتركه إذا ترك و لا يمكن إتيانه لمضى محلّ إتيانه،

[في انّ اىّ محل لم يمض محلّ تداركه]

فيقع الكلام في أنّه أىّ محل لم يمض محل تداركه حتّى إذا تذكر المصلّي نسيانه يأتى به، و في أيّ موضع مضى محل تداركه و اتيانه حتّى يقال: بطلان الصّلاة لو تذكر في هذا المحلّ.

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: بأنّه لا إشكال في أنّه إذا ترك الركوع نسيانا و أتمّ الصّلاة و فرغ منها المصلّي، و أتى بأحد من منافيات الصّلاة و تذكر تركه، تبطل الصّلاة و عليه إعادتها، فهذا المورد ممّا لا إشكال فيه، كما أنّه لا إشكال في أنّه لو نسى المصلّي الركوع، و تذكر قبل أن تسجد و لو هوى إلى السجود يأتي بالركوع و صلاته صحيحة.

[في انّ الكلام في ما نحن فيه في موردين]

إنّما الكلام في موردين:

المورد الأوّل: في ما دخل المصلّي في السجدة الاولى و تذكر ترك الركوع المورد الثاني: في ما أتى بالسجدتين فتذكر تركه، فهل تبطل الصّلاة أم لا؟

[في ذكر اقوال الفقهاء]

أمّا في ما نسى الركوع و دخل في السجدة الاولى فتذكر تركة، فللفقهاء أقوال أربعة:

القول الأول: و هو المشهور (1) بطلان الصّلاة إذا دخل في السجدة الاولى و تذكر نسيان الركوع.

القول الثاني: إلقاء السجدة، و إتيان الركوع، ثمّ السجدتين، و الاتيان بما بقى من صلاته و عدم بطلان صلاته سواء كان نسيان الركوع في الركعة الاولى، أو في‌

____________

(1)- المبسوط، ج 1، ص 109.

33

ساير الركعات و هو المنسوب إلى ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه).

القول الثالث: إلقاء السجدة و إتيان الركوع، ثمّ ما بقى من صلاته، لكن في خصوص الركعتين الأخيرتين من الظهرين و العشاء، و أمّا في الأولتين و ثالثة المغرب تبطل الصّلاة، و هذا القول مختار الشّيخ (رحمه اللّه) على ما يظهر من كلامه في المبسوط، و قال به حتّى بعد كون التذكر بعد إتيان السجدتين.

القول الرابع: ما نسب إلى ابن بابويه (رحمه اللّه) و هو إلقاء السجدة و الاتيان بالركوع المنسى، ثمّ السجدة و ما بعدها من أجزاء الصّلاة، لكن في غير الركعة الاولى من الصّلاة، فهذه أقوال أربعة في المسألة.

و أمّا في المورد الثاني أعنى: ما إذا نسى المصلّي الركوع و سجد السجدتين، ثمّ تذكر نسيانه، فالمنسوب إلى الشّيخ (رحمه اللّه) كما ذكرنا في المورد الأوّل هو صحة الصّلاة في خصوص الركعتين الأخيرتين و إلقاء السجدتين و الاتيان بالركوع و ما بعده، و لكن لم ينسب إلى غيره هذا، بل قالوا ببطلان الصّلاة في هذا المورد.

[في ذكر روايات الباب]

أمّا الكلام في المورد الأوّل فنقول: بأنّه لا بد أوّلا من ذكر أخبار المربوطة بالباب، ثمّ بيان ما هو الحق في المقام:

الرواية الاولى: و هي ما رواها رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد، و يقوم قال: يستقبل). (1)

أمّا هذه الرواية فلا تدلّ على قول المشهور لأنّ مورد السؤال هو صورة التذكر بعد القيام من السجود، و هو لم يكن إلّا بعد الاتيان بالسجدتين، فلا تدلّ على‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 10 من ابواب الركوع من الوسائل.

34

بطلان الصّلاة بالدخول في السجدة الاولى.

الرواية الثانية: و هي ما رواها إسحاق بن عمار (قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يركع، قال: يستقبل حتّى يضع كل شي‌ء من ذلك مواضعه). (1)

تدلّ هذه الرواية على قول المشهور أعنى: على بطلان الصّلاة لو نسى الركوع و دخل في السجدة الاولى، لأنّها تدلّ على أنّ نسيان الركوع موجب لبطلان و لزوم استيناف الصّلاة كى يضع المصلّي كل شي‌ء في موضعه و محله، فالرواية و إن لم تكن متعرضة لخصوص حال الدخول في السجود، و لكن تدلّ على أنّه إذا نسى الركوع يوجب نسيانه استيناف الصّلاة، و يصدق نسيانه بمجرد مضى محله و دخوله في الجزء اللاحق و إن لم يكن اللاحق ركنا، فلو قلنا ببقاء محله قبل الهوى إلى السجود و أنّه يأتى بالركوع لو تذكر في هذا الحال، فهو يكون من باب دليل خاص، فعلى كل حال تدلّ الرواية على وجوب استيناف الصّلاة مع التذكر بعد الدخول في السجود.

و حمل قوله (يستقبل) في هذه الرواية و الرواية السابقة على الرجوع إلى إتيان الركوع ثمّ ما بعده، لا على استيناف الصّلاة بعيد جدا (خصوصا قوله في هذه الرواية (حتى يضع كل شي‌ء من ذلك مواضعه) يدلّ على أنّه يستأنف الصّلاة لأنّه لو استأنف الصّلاة يقع كل شي‌ء في محلّه، و أمّا لو رجع فلا، لأنّه وقعت السجدة في غير محلّه).

الرواية الثالثة: بناء على كونها غير الرواية 3 من هذا الباب، و هي ما رواها ابن مسكان عن أبي بصير (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسى أن يركع قال‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 10 من ابواب الركوع من الوسائل.

35

عليه الاعادة). (1)

تدلّ على أنّ نسيان الركوع موجب لاعادة الصّلاة، و نسيانه يصدق إذا لم يأت به في محله و دخل في جزء آخر، فتدل على بطلان الصّلاة لو نسيه و دخل في السجود و تجب الاعادة، هذا كله في ما يمكن أن يستدل به على القول المشهور، و قلنا بعدم دلالة الرواية الاولى على قولهم.

الرواية الرابعة: و هي ما رواها صفوان عن أبي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) (قال: إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصّلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصّلاة). (2)

قد يقال: بدلالة الرواية الاولى و الرواية الرابعة على عدم بطلان بمجرد الدخول في السجدة الاولى، لأنّ الظاهر من هاتين الروايتين هو بطلان الصّلاة بعد تمامية السجدتين، فبالمفهوم تدلّان على عدم بطلانها بمجرد الدخول في السجدة الاولى.

لكن نقول: أمّا الرواية الاولى فهي و إن كانت متعرضة لصورة تذكر نسيان الركوع بعد الفراغ من السجدتين كما قلنا، و لكن حيث وقع ذلك في كلام السائل لا وجه للتمسك بها، فإنّ السائل سئل عن خصوص هذا الفرض يعني فرض الفراغ من السجدتين، فأجاب (عليه السلام) بما يدلّ على بطلان الصّلاة في مورد السؤال، فهذا لا يدلّ على عدم بطلان الصّلاة في مورد آخر.

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من ابواب الركوع من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 10 من ابواب الركوع من الوسائل.

36

و أمّا الرواية الرابعة ففيها و إن وقع في كلام الامام (عليه السلام) الحكم بالبطلان إذا نسى الركوع و تذكر بعد السجدتين، و لكن مع ذلك لا يستظهر منها عدم البطلان في صورة تذكر نسيان الركوع قبل إتمام السجدتين، لأنّه لا يستفاد من الرواية إلّا أنّه إذا أيقن ترك الركوع بعد السجدتين استأنف الصّلاة و لا ظهور لها في عدم البطلان لو ايقن قبل ذلك فلا وجه لأن يقال: بأنّ هذه الرواية يقيد إطلاق الرواية الثانية و الثالثة، بل الاطلاق بحاله محفوظ، فبمقتضى إطلاقهما يكون الوجه هو بطلان الصّلاة لو تذكر المصلّي نسيان الركوع بمجرد الدخول في السجد الاولى، فبما قلنا يظهر لك وجه ما تسمك به المشهور من بطلان الصّلاة في ما نحن فيه، و وجه قول المخالف للمشهور. (1)

ثمّ إنّ هنا رواية اخرى تدلّ على عدم بطلان الصّلاة في صورة نسيان الركوع و إن تذكر نسيانه بعد إتمام السجدتين، و حملها الشيخ (رحمه اللّه) على الركعتين الأخيرتين، و هي ما رواها الشيخ (رحمه اللّه) عن محمد بن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل شكّ بعد ما سجد أنّه لم يركع، (قال: فإنّ استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما، فيبنى على صلاته على التمام، و إن كان لم يستيقن إلّا بعد ما فرغ و انصرف، فليقم فليصل ركعة و سجدتين و لا شي‌ء عليه). (2)

____________

(1)- أقول: إنّ مفهوم الرواية الرابعة تدلّ على عدم بطلان الصّلاة لو أيقن قبل إتمام السجدتين، فمفهومها معارض مع إطلاق الرواية الثانية و الثالثة، و مقتضى الجمع بينهما هو تقييد إطلاقهما بها، فتكون النتيجة عدم البطلان لو تذكر بعد الدخول في السجدة الاولى نسيان الركوع، فتأمل. (المقرر)

(2)- الرواية 2 من الباب 11 من ابواب الركوع من الوسائل.

37

و في الرواية اضطراب ان كانت بنحو المذكور، لأنّ السؤال يكون عن و الجواب يكون عن صورة اليقين، فلا يناسب الجواب مع السؤال، و لكن رواها الصدوق (رحمه اللّه) في الفقيه سليمة عن هذا الاضطراب، قال في باب أحكام السهو في الصّلاة: و روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل شكّ بعد ما سجد أنّه لم يركع، فقال: يمضى في صلاته حتّى يستيقن أنّه لم يركع فإن استيقن أنّه لم يركع فليلق السجدتين اللتين لا ركوع لهما، و يبنى على صلاته الّتي على التمام، و إن كان لم يستيقن إلّا بعد ما فرغ و انصرف فليقم و ليصل ركعة و سجدتين و لا شي‌ء عليه.

و هذه الرواية معارضة مع جميع الروايات الأربعة المتقدمة، و لكن لم يعمل بها فنعرض عنها.

[ما ذهب إليه المشهور يكون مطابقا مع القاعدة]

ثمّ اعلم أنّ ما ذهب إليه المشهور من بطلان الصّلاة بمجرد الدخول في السجود يكون مطابقا مع القاعدة، و يظهر لك بعد ذكر مقدمة، و هي أنّ الصّلاة مركب من المركبات يتألف من أجزاء لا يتحصل المركب إلّا بتحصل هذه الأجزاء لدخلها فيه، فمع فقد أحد أجزائه يفقد هذا المركب، و إذا وجد كلّ ما له دخل في وجود المركب من الأجزاء و الشرائط يوجد المركب، و هذا واضح كما أنّه من الواضح أنّ صيرورة كل جزء من أجزاء هذا المركب أعنى: الصّلاة، جزء فعليا لها موقوف على تحقق المركب بتحقق ساير أجزائه، بمعنى أنّه لا يقال: إنّ الركوع الخارجي أو السجود او غيرهما صار جزء فعليّا للصّلاة إلّا إذا وجدت الصّلاة بوجود ساير أجزائها و شرائطها، فمع تحقق المركب يصدق أنّ الجزء جزء فعلي له، فصيرورة كل جزء من أجزائه جزء فعليا للمركب، أعنى: الصّلاة، موقوف على إتيان جميع الأجزاء و الشرائط.

38

و ما هو محلّ الكلام هو أنّه كما تكون جزئية كل جزء للصّلاة فعلا موقوفة على تحقق ساير أجزائها، هل تكون قابلية الجزء اللاحق الّذي يكون محلّ وجوده و إتيانه بعد الجزء السابق المترتب عليه بحسب الاعتبار و دخله في الصّلاة لأن يكون جزء لها موقوفة على إتيان الجزء السابق أم لا؟

مثلا بعد ما لا إشكال في أنّ السجود جزء للصّلاة، و بعد ما لا إشكال في كون ظرف وجوده بعد الركوع لأنّ دخله في المركب في هذا الموضع، و لا يصير جزء فعليا إلّا بعد حصول ساير الأجزاء و تحقّق المركب، فهل تكون قابليته لأن يصير جزء موقوفة على تحقق الجزء السابق أم لا، و بعبارة اخرى لم يكن السجود قابلا لأن يكون جزء للصّلاة، و يكون سجودا لها إلّا إذا أتى به بعد الركوع أو لا يتوقف على ذلك، و بعبارة ثالثة هل يكون من شرائط السجود أو أجزائه وقوعه بعد الركوع في صيرورته جزء للصّلاة أولا؟ مثلا كما أنّ الانحناء الخاص، بنحو تقع المواضع السبعة على الأرض، ممّا يعتبر في السجود، كذلك يكون من شرائطه وقوعه بعد الركوع أم لا يكون كذلك، بل يكون الترتيب بين الركوع و السجود، و هكذا بين بعض الشرائط مع بعضها شرط من شرائط الصّلاة في قبال ساير الاجزاء و الشرائط.

ما يأتي بالنظر هو عدم كون قابلية صيرورة جزء من الأجزاء جزء موقوفة على وجود الجزء السابق، بل كل جزء من الأجزاء يكون قابلا لصيرورته جزء بدون توقفه على الجزء الآخر، غاية الأمر لا يصير جزء من الأجزاء فعليا إلّا إذا أتى بجميع أجزاء المركب أعنى: الصّلاة، و لهذا لو أتى بجميع الأجزاء و لم يأت بواحد منها، فالبطلان و فساد المركب مستند إلى عدم هذا الجزء، و إلّا فساير الأجزاء باق‌

39

على قابليتها.

و بعبارة اخرى ليس من جملة ما يعتبر في الجزء اللاحق كونه مترتبا على الجزء السابق لعدم دليل على ذلك، بل الأمر تعلق بنفس الأجزاء، غاية الأمر لا بدّ من إتيان بعض الأجزاء بعد بعض الأجزاء من باب شرطية الترتيبى المعتبر في أصل الصّلاة لا في الجزء.

[في ذكر انّ مقتضى القاعدة هو بطلان الصّلاة]

إذا عرفت تلك المقدمة يظهر لك أنّ ما يقتضي القاعدة هو بطلان الصّلاة لو نسي الركوع و تذكر بعد الدخول في السجود، لأنّ محلّ الركوع مضى لدخول المصلّي في السجود.

و لا مجال لأن يقال: بأنّ السجود الواقع منه ليس قابلا لأن يصير سجودا للصّلاة، لأنّ السجود الّذي جزء للصّلاة هو السجود الّذي يقع بعد الركوع، و في الفرض لم يأت بالركوع فيكون السجود كأن لم يكن، و بعد كونه كأن لم يكن فما مضى محل الركوع، فيأتى بالركوع و يمضي في صلاته و يأتي بما بعده من الأجزاء.

لأنّه بعد كون السجود قابلا لأن يصير جزء للصّلاة في أيّ محل اتفق و لو قبل الركوع، لعدم دخل وقوعه بعد الركوع في قابليته لأن يصير جزء لها، غاية الأمر لا يصير جزء فعليا إلّا بعد إتيان المركب بسائر أجزائه، فهو مع هذه القابلية يكون جزء للصّلاة و وقع متصفا بوصف الجزئية الغير الفعلية، فمع صيرورة السجود جزء أعنى: قابلا لأن ينضم ساير الأجزاء به و يأتلف بها المركب، فقد مضى محلّ التدارك الركوع، و بعد مضى محل تداركه لا يمكن إتيان الركوع، فمقتضى القاعدة هو فوت‌

40

محلّ تدارك الركوع بالدخول في السجود. (1)

____________

(1)- أقول: غاية ما يستفاد ممّا أفاده مدّ ظله العالى هو كون الدخول في السجود موجبا لمضى محلّ تدارك الركوع، و يكون كلامه في محله من هذا الحيث إلّا أنّ ذلك يوجب تمامية قول المشهور إن لم تكن رواية صفوان عن أبي بصير، أعنى: الرواية الرابعة، و أمّا معها فكما قلنا لا بد من الالتزام بالصحة لو تذكر نسيان الركوع قبل إتيان السجدتين و لو دخل في السجدة الاولى.

و نقول: أمّا الكلام في المورد الثاني، أعنى: ما إذا نسى الركوع و تذكر نسيانه بعد إتيان السجدتين، فالحق بطلان الصّلاة و إن دلت الرواية 2 من الباب 11 من أبواب الركوع على خلاف ذلك، و حملها الشّيخ (رحمه اللّه) على الركعتين الأخيرتين، و لكن عرفت أنّ هذه الرواية غير معمول بها، و لم يتعرض سيدنا الاستاد مدّ ظله العالى للمورد الثاني، و ما قلت هنا يكون مختاري، فافهم. (المقرر)

41

السادس من أفعال الصّلاة السجود

(و هو في اللغة كما في مجمع البحرين (1) الميل، و الخضوع، و التطامن، و الاذلال، و كلّ شي‌ء ذلّ فقد سجد، و منه سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه، و سجد الرجل وضع جبهته على الأرض الخ) (و بعد كون معناه اللغوي وضع الجبهة على الأرض لا يبعد كونه في لسان الشرع مستعملا في معناه اللغوي، و لكن اعتبر فيه بعض قيود و شرائط) و وجوبه في الجملة في الصّلاة من المسلمات، و واجباته امور:

الأمر الأوّل: السجود على سبعة أعظم.

[في ذكر الاخبار الواردة فى السجود]

اعلم أنّ المستفاد من بعض الروايات الواردة في طرق العامة هو وجوب السجدة على الأعظم السبعة فراجع (2) كتبهم، و أمّا عندنا فما يمكن أن يستدل به على الحكم المذكور في الجملة بعض الروايات:

منها: ما رواها زرارة (قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: السجود‌

____________

(1)- مجمع البحرين، ص 199.

(2)- سنن البيهقى، ج 2، ص 101 و 103.

42

على سبعة أعظم الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك إرغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة، و أمّا الارغام بالأنف فسنة من النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم). (1)

و منها: ما رواها عبد اللّه بن جعفر في قرب الاسناد عن محمد بن عيسى عن عبد اللّه بن ميمون القداح عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (قال: يسجد ابن آدم على سبعة أعظم يديه، و رجليه، و ركبتيه، و جبهته). (2)

و منها: ما رواها حماد بن عيسى و فيها (و سجد على ثمانية اعظم: الجبهة، و الكفين، و عينى الركبتين، و أنامل إبهامي الرجلين، و الانف، فهذه السبعة فرض، و وضع الأنف على الأرض سنة و هو الإرغام). (3)

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ العامة و إن ذكروا في طرقهم ما يدلّ على وجوب السجدة على سبعة أعظم، و لكن في غير الجبهة منها يكون الاختلاف بينهم، و أمّا عندنا فالحكم تقريبا مسلّم في الجملة، و نقول: أمّا السجود على الجبهة فيدلّ على اعتباره و وجوبه، مضافا إلى ما مرّ، بعض الروايات الواردة فيمن أصابت جبهته مكانا غير مستو، و بعض ما يدلّ على أنّه يجزي من السجود بالجبهة ما بين قصاص الشعر الى الحاجب و بعض ما يدلّ على مساواة المسجد للموقف، و بعض ما يدلّ على أنّ من كان بجبهته دمل و نحوه يحفر حفيرة، فارجع الباب 8 و 9 و 10 و 11 و 12 من أبواب السجود.

فأصل وجوبه مسلّم إنّما الكلام في حدّ الجبهة، فنقول: بأنّ الجبهة هي السطح الواقع بين الجبينين من طرف العرض، و الواقع بين الأنف و قصاص الشعر من طرف‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 4 من ابواب السجود من الوسائل.

(2)- الرواية 8 من الباب 4 من ابواب السجود من الوسائل.

(3)- الرواية 1 من الباب 1 من ابواب كيفية الصّلاة و جملة من احكامها و آدابها، ج 2.

43

الطول، فليس الجبينان داخلين فيها، و كان ربما تطلق الجبهة و يراد ما يعمّ الجبينيين، و لكن المراد في المقام هو غيرهما لأنّ معناها ما قلت، و مجرد استعمالها في الاعم لا يوجب صرفها عن معناها الحقيقي.

و كذلك ليس المراد من الجبهة خصوص الحدّ الفاصل بين الأنف و القصاص، أعنى: القطعة المحاذية للأنف، لأنّ الجبهة أوسع من ذلك كما قلنا، بل المراد منها هو ما بين النزعة و الأنف و القصاص و الجبين و ما يظهر من بعض الروايات من كون الجبهة، ما بين الأنف و القصاص و الجبين ليس المراد كون خصوص هذه الناحية هو الجبهة بل هذه الروايات إمّا تكون في مقام بيان عدم وجوب استيعاب جميع ما بين القصاص و الأنف حال السجود و كفاية المسمى، و إمّا أن تكون في مقام بيان أنّه لا يجب السجود على نقطة خاصة من وسط الجبهة، بل يكفي أيّ موضع من هذا الحدّ في أعلاه و أسفله و وسطه، لا في مقام كون خصوص مقابل الأنف و القصاص حدّ الجبهة، فافهم.

[هل يجب الاستيعاب فى الجبهة او لا؟]

مسئلة: قد عرفت أنّ الجبهة الّتي يجب السجود عليها هي ما بين النزعتين المقابلتين للجنبين، ثمّ بعد ذلك يقع الكلام في أمرين:

الأمر الأول: هل يجب الاستيعاب في الجبهة، بمعنى وجوب وضع جميع سطح الجبهة على الأرض، أو لا يجب الاستيعاب؟

الأمر الثاني: بعد عدم وجوب الاستيعاب هل يكتفي في مقام إتيان هذا الواجب، أى: وضع الجبهة على الارض، مجرد وضع شي‌ء من الجبهة على الأرض و لو نقطة بمقدار يحصل مسمى السجود، أو يجب أكثر من ذلك مثل أن يكون الموضع الّذي يضع من الجبهة بقدر سعة درهم أو أنملة.

44

[الكلام فى الامر الاول و الثاني]

أمّا الكلام في الأمر الأول: فنقول: لا يجب الاستيعاب: أمّا أوّلا فلأنّ ظاهر الدليل الّذي يدلّ على وجوب السجدة على الجبهة لا يقتضي ذلك، لعدم دلالة رواية زرارة المتقدمة إلّا على وجوب السجدة على الجبهة، و الجبهة، و الجبهة عبارة عن مجموع العظم الذي بينا مفهومه، فإذا وقع نقطة من هذا العظم على الأرض يصدق أنّ المصلّي وضع جبهته على الأرض عند العرف، كما ترى أنّه يقال عرفا بمن وضع مثلا موضعا من يده على راس أحد: بأنّه وضع يده على رأسه، ففي مقام صدق وضع الجبهة على الأرض عند العرف لا يعتبر استيعاب جميع الجبهة.

و أمّا ثانيا بعض الروايات فارجع الباب 9 من أبواب السجود و نذكر بعضها إنشاء اللّه، و هذا البعض من الروايات دليل على عدم وجوب الاستيعاب.

و امّا الكلام فى الأمر الثاني: بعد عدم وجوب الاستيعاب هل يكفي مسمى الوضع أو يجب أكثر من ذلك؟

قد يقال: بوجوب وضع مقدار الدرهم، أو طرف أنملة من الجبهة متمسكا بالرواية الّتي رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: الجبهة كلها ما بين قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود، فأيما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار الدرهم، أو مقدار طرف الانملة). (1)

[في عدم دلالة رواية زرارة على ما نحن فيه]

و في هذا الباب روايات من زرارة لا يبعد كون كل منها رواية واحدة، و على كل حال يقال: بأنّ الرواية تدلّ على وجوب وضع مقدار الدرهم، أو طرف الأنملة من الجبهة.

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 9 من ابواب السجود من الوسائل.

45

و لكن يمكن أن يقال: بعدم دلالة الرواية على ذلك، لأنّ الظاهر منها كفاية أيّ موضع من الجبهة، ثمّ ذكر مقدار الدرهم او طرف الأنملة يكون من باب المثال، و الشاهد على ذلك، أعنى: عدم كونهما حدا تجب رعايته، اختلافهما في المقدار، لأنّ طرف الأنملة و بالفارسية (نوك ناخن) يكون أقل من درهم، فهذا دليل على عدم وجوب خصوص مقدار الدرهم، فافهم.

بل يمكن أن يقال: بأنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) فيها (الجبهة كلها ما بين قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود، فأيما سقط على الأرض أجزأك) هو كفاية المسمّى في غير الجبهة من المواضع السبعة أيضا، لأنّ المستفاد من هذه الرواية أنّه حيث تكون الجبهة موضع السجود، فبكلّ موضع منها يسجد يكفي، لأنّ كلها مسجد و ساير المواضع السبعة يكون كذلك، أعنى: يكون الكفان موضع السجود و هكذا، فبأيّ موضع منه يسجد يكفي، فتأمّل.

و لا ينافي ما قلنا- من كفاية المسمّى و عدم وجوب الاستيعاب، بل و عدم وجوب وضع مقدار الدرهم أو طرف الاصابع- الرواية 5 من الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه، و هي ما رواها علي بن جعفر (عليه السلام) عن موسى بن جعفر قال: سألته عن المرأة تطول قصتها، فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض و بعض يغطّيها الشعر، هل يجوز ذلك؟ قال: لا، حتّى تضع جبهتها على الأرض.

وجه توهّم المنافاة هو أنّ الرواية تدلّ على وجوب وضع تمام الجبهة على الأرض، لأنّه مع فرض السائل من وقوع بعض الجبهة على الأرض (قال (عليه السلام):

لا، حتى تضع جبهتها على الارض) أى: تمام جبهتها.

و أمّا وجه عدم التنافي و دفع التوهم، هو أنّ السائل و إن فرض وقوع بعض‌

46

الجبهة على الأرض، و لكن جوابه (عليه السلام) بأنّه (لا، حتّى تضع جبهتها على الارض) لا يدلّ على وجوب الاستيعاب، بل يحتمل أن يكون المراد هو أنّ مجرد وصول بعض الجبهة لا يكفي، لأنّا نقول: باعتبار كفاية المسمى، بل لا بدّ من وضع الجبهة على الأرض، و هو لا يصدق إلّا بمقدار يتحقّق مسمى الوضع.

و بعبارة أخرى بعد كون فرض السائل من وصول بعض الجهة على الأرض له صورتان: صورة تكون بحيث يصدق عرفا وضع الجبهة على الأرض، و صورة لا يصدق ذلك مثل ما وقع بقدر رأس إبرة من الجبهة على الأرض، فالامام (عليه السلام) قال (لا حتّى يضع جبهتها على الأرض) يعني: لا يكفي كل وضع، بل لا بدّ من أن يكون بنحو يصدق الوضع.

فمع هذا الاحتمال لا يرى في الرواية مناف مع رواية زرارة المتقدمة، لأنّا أيضا نقول: باعتبار الوضع بمقدار يصدق عرفا أنّه وضع جبهته على الأرض و إن لم نقل بوجوب الاستيعاب، و لا وجوب وضع مقدار الدرهم، أو طرف الأنملة (1) فظهر لك مما مر عدم وجوب الاستيعاب بل كفاية مسمى الوضع و ان كان الاحوط وضع مقدار الدرهم من الجبهة على الارض فافهم.

و أمّا الكف فنقول: إنّ ما ورد في طرقنا، ففي رواية زرارة المتقدمة قال:

(السجود على سبعة اعظم الجبهة و اليدين) فعبّر فيها بلفظ اليدين، و كذا في رواية قرب الاسناد، و أمّا في رواية حماد فقال (و سجد على ثمانية أعظم: الجبهة، و الكفين‌

____________

(1)- أقول: مضافا إلى أنّه لو فرض دلالة رواية علي بن جعفر على النهي عن وضع البعض و لكن بعد خصوصية رواية زرارة في الجواز، يجمع بينهما بحمل هذه الرواية على الاستحباب فتأمل. (المقرر)

47

الخ). فعبّر بلفظ الكف فعلى هذا لا ينبغي الاشكال في أنّ المراد هو الكف، أعنى: يجب وضع الكفين من اليدين، أمّا أوّلا فلأنّ المعصوم (عليه السلام)، على ما في نقل حماد، سجد على الكف، و ثانيا فلأنّ المنصرف من وضع اليد هنا وضع الكفين، فلا إشكال في أنّ الواجب وضع الكفين على الأرض، كما لا إشكال في أنّ الواجب وضع باطن الكف، لأنّ ذلك المتبادر من الأمر بوضع الكف و السجود عليه.

ثمّ إنّه هل يجب الاستيعاب في الكفّ بمعنى: وضع تمام باطن الكف أو لا يجب ذلك، بل يكفي مجرد وصول مقدار منه و لو بقدر رأس إبرة لا يبعد أن يقال: بكفاية المسمى فيه أيضا أمّا أوّلا لأنّه بعد وضع مقدار من الكفّ يصدق عرفا أنّه وضع كفّه على الأرض، و ثانيا لما استفدنا من رواية زرارة من أنّه بعد كون الجبهة أو الكف مسجدا فأيّ مقدار منه يوضع على الأرض يجزي.

فبناء على هذا لا يجب وضع تمام الكف، بل لو وضع الكف بنحو يكون بعض أصابعه غير ملصق على الأرض، أو أخمص الراحة منفصلا عن الأرض يكفي.

و أمّا ما توهّم من كون الأصابع خارجا عن الكفّ، فليس في محله، لأنّ هذا مفاد الكفّ في نظر الأعاجم و أهل الفرس، و أمّا عند العرب فالكفّ يشمل الأصابع.

ثمّ إنّ السيّد المرتضى (رحمه اللّه) قال: بوجوب وضع الزند على الأرض لا الكفّ، و نقل ذلك عن ابن جنيد و الحلي في السرائر أيضا، و لا نرى مدركا لكلامهم، و لعلّه يكون نظره إلى ما في كلام المنقول من النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم من (السجود على سبعة اعظم) فيقال: إنّ عظم اليد المقصود سجوده هو عظم الزند، و لكن إن كان نظره إلى ذلك لا وجه له بعد التصريح بأنّه يجب وضع الكفّ، فافهم.

[في ذكر رواية حماد]

و أمّا الركبة، ففي رواية زرارة قال (و الركبتين) و في رواية حماد قال (و عينى‌

48

الركبتين) فنقول: حيث إنّ رواية حماد تكون نقل فعل المعصوم (عليه السلام) و عين الركبة و إن قلنا في الركوع بأنّها عبارة على ما في اللغة عن نقرة في مقدمها، و لكل ركبة عينان و هما نقرتان في مقدمهما، و هي في نقطة أسفل من الركبة، و لكن لا تدلّ مع ذلك نقل حماد على كفاية وضع هذا الموضع، لأنّه بعد كونها نقل الفعل، و من يضع ركبته على الأرض يقع عين ركبته على الأرض، فلا تدلّ الرواية على كفاية عين الركبة و لو لم يضع نفس الركبة على الأرض.

و بعد استفادة وجوب وضع الركبة على الأرض من رواية زرارة، و لا يستفاد من رواية حماد ما يدلّ على كفاية غير الركبة، فالواجب هو وضع الركبتين على الأرض. (1)

ثمّ إنّه يكفي المسمّى و لا يجب الاستيعاب كما قلنا في الكفّين فلاحظ.

و أمّا الابهامان فقد عرفت أنّ في رواية زرارة قال (عليه السلام) (و الابهامين) و في رواية حماد نقل بأنّ أبا جعفر (عليه السلام) سجد على ثمانية أعظم منها أنامل ابهامي الرجلين، نعم يكون في طرق العامة ما يدلّ على أنّ الواجب هو وضع أطراف الأصابع، و لكن ليس في طرقنا إلّا لفظ الرجلين، أو الابهامين، أو أنامل الإبهامين.

أمّا الرجلين فبعد التصريح بأنّ الواجب وضع موضع مخصوص منه و هو الابهامان، فمن المسلّم عدم كفاية غير الابهامين.

و أمّا الابهامين فالأنملة كانت عبارة عن المفصل الواقع في الأصبع، أو‌

____________

(1)- أقول: على ما يظهر من كلام أهل اللغة كما قدمت كلامهم في الركوع، لا يمكن وصول عيني الركبة على الأرض، لأنّها على ما قالوا حفرتان حولى الركبة، فكيف يمكن وصولهما إلى الأرض، فتأمّل. (المقرر)

49

خصوص مفصل الأصبع الّذي فيه الظفر، و الابهامان و إن كانتا عن تمام الاصبعى الأكبرين، و لكن يحتمل تعين وضع رأس الابهامين من باب كون وضع الطبيعي في السجدة هو وضع رأس الابهام على الأرض، و لكن مع ذلك يشكل دعوى تعين وجوب وضع رأس الابهام، لأنّ الابهام أعم، و يمكن كون وضع الأنملة من باب كونها جزء الابهام، فافهم. (1) هذا تمام الكلام في هذا الجهة.

مسئلة: قد عرفت ممّا مرّ أنّ في طرق العامة يرى بعض الروايات يدلّ على وجوب السجود و وضع مواضع سبعة على الأرض و لكن مع ذلك يرى أنّ أكثرهم لا يفتون بوجوب السجدة إلّا على الجبهة، و أمّا وضع ساير المساجد فلا يقول أكثرهم بوجوبه، بل يقولون باستحبابه، و منشأ ما قالوا هو ما نقل عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بأنّه قال: (اللّهم سجد لك وجهي) و لم يقل: سجد لك ساير الأعاظم، و أمّا في طرقنا فصرّح في رواية زرارة بأنّ السجود على سبعة أعظم، و كذا في غيرها ما يدلّ على أنّ السجود يكون على سبعة أعظم، فترى أنّ المستفاد منها هو أنّ السجود يقع على الكفين، و الركبتين، و الابهامين كما يقع السجود على الجبهة.

[في ذكر اشكال في عدم كون النسيان في غير الجبهة موجبا للبطلان]

فمن هنا يجي‌ء إشكال، و هو أنّه يدعي التسلّم بعدم كون نسيان وضع أعظم السبعة غير الجبهة موجبا لبطلان الصّلاة، و أنّ ما يبطل الصّلاة هو نسيان وضع خصوص الجبهة و بعبارة اخرى الركن هو ما يبطل به الصّلاة باخلاله العمدي و السهوى، و السجدة من جملة أركان الصّلاة، فهل يكون محقّق الركن خصوص‌

____________

(1)- أقول: نعم لو كان المراد من الأنملة رأس الاصبع كما في كتاب المنجد، فلا يبعد دعوى تعين وضع رأس الابهام إمّا من باب انصراف وضع الابهام بوضع رأسه، و امّا من باب كون الظاهر من فعل المعصوم (عليه السلام) وضع الأنملة و هو رأس الاصبع على ما في المنجد. (المقرر)

50

وضع الجبهة على الأرض، أو هو مع وضع ساير الاعظم السبعة؟

فإنّ كان الأوّل فلازمه فساد الصّلاة بنسيان وضع الجبهة، و عدم بطلانها باخلاله بسائر المواضع السبعة، و أمّا على الثاني فتبطل الصّلاة بنسيان وضع كل واحد من المواضع السبعة.

فالعامة حيث قال أكثرهم باستحباب وضع غير الجبهة من المواضع السبعة، يقولون بأنّ محقّق السجدة وضع الجبهة، فلا تبطل الصّلاة بترك وضع ساير المواضع السبعة.

و أمّا نحن الخاصّة فقد عرفت بأنّ المعتبر في طرقنا وجوب السجود على الأعظم السبعة، أعنى: تتحقق السجدة بوضع تمام هذه الاعظم، فالظاهر من رواية زرارة و حماد هو أنّ السجدة تتحقق بوضع المواضع السبعة، فلازم ذلك كون السجدة عبارة عن ذلك، فما هو الركن هو السجدة، و السجدة هذا، فلو نسي و لم يضع أحدا منها على الأرض فقد أخلّ بركن الصّلاة، و الحال أنّه يدّعى الاجماع على أنّ ما هو محقق للسجدة الّتي تكون ركنا للصّلاة وضع الجبهة فقط على الأرض، فلو نسى وضعها فقد أخلّ بالركن، و أمّا لو أخلّ بغيرها من المواضع السبعة فلم يخلّ بالركن، بل أخلّ بواجب غير الركن، فلا تبطل الصّلاة لو تركها سهوا.

[في ذكر الاحتمالان في رواية زرارة]

فكيف يجمع بين كون السجدة على جميع هذه المواضع على ما في رواياتنا، و بين كون خصوص وضع الجبهة على الأرض محقّق الركن في السجود، فنقول: يحتمل في رواية زرارة احتمالان:

الاحتمال الأوّل: كونها في مقام بيان أنّ حقيقة السجدة تتحقق بوضع هذه الاعظم السبعة على الأرض بحيث لو لم يضع واحدا منها على الأرض لم يتحقّق ما‌

51

هو سجدة الصّلاة عند الشارع فعلى هذا الاحتمال يكون التنافي بين رواية زرارة و الاجماع المدعى على كون خصوص وضع الجبهة محقّق للسجدة.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون محقّق السجدة مجرد وضع الجبهة على الأرض، و لكن حيث يكون وضع سائر المواضع مقارنا لوضع الجبهة، أعنى: إذا وضعت الجبهة على الأرض يوضع الكفان، و الركبتان، و الابهامان على الأرض غالبا، فمن باب ذلك (قال السجود على سبعة أعظم) لا من باب دخل وضعها في تحقق السجدة الّتي هى ركن للصّلاة فعلى هذا الاحتمال لا تنافي بين ما يستفاد من رواية زرارة، و بين الاجماع على كون محقّق الركن صرف وضع الجبهة على الارض.

فبهذا الاحتمال الثاني يمكن حمل رواية زرارة و يوجّه ظاهرها بحيث لا ينافي مع الاجماع، و يأتي بعد ذلك إن شاء اللّه التكلم في أنّ محقّق ركنية السجود هل هو خصوص وضع الجبهة على الأرض و عدم دخل لسائر المواضع، أو لها دخل في ركنيتها.

الامر الثاني: من واجبات السجود

، وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه من الأرض و نباتها بتفصيل لم يكن هنا محلّ بحثه، و لم يتعرض له سيدنا الاستاد مدّ ظلّه العالي).

الامر الثالث: من واجبات السجود

، أن ينحني للسجود حتّى يساوي موضع جبهته موقفه إلّا أن يكون علو يسير بمقدار لبنة يدلّ على هذا الحكم في الجملة روايات:

[في ذكر الروايات الواردة في الباب]

الرواية الاولى: و هي ما رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

سألته عن السجود على الأرض المرتفع؟ فقال: إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن‌

52

موضع بدنك قدر لبنة، فلا بأس). (1)

و نقل في الكافي بدل (بدنك) (رجليك) و احتمل بعض كون العبارة (يديك) لا بدنك.

الرواية الثانية: و هي ما رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن المريض أ يحلّ له أن يقوم على فراشه و يسجد على الأرض؟ قال: فقال: إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة، أو أقل استقام له أن يقوم عليه و يسجد على الأرض و إن كان أكثر من ذلك فلا). (2)

تدلّ الاولى على اغتفار ارتفاع موضع الجبهة من موضع البدن بقدر لبنة بالمنطوق، و على عدم اعتفار أزيد من ذلك بالمنطوق أيضا.

و بعض الروايات يدلّ على وجوب الاستواء بين موضع الجبهة و الموقف.

الرواية الاولى: و هي ما رواها عبد اللّه بن سنان (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن موضع جبهة الساجد أ يكون أرفع من مقامه؟ فقال: لا، و لكن يكون مستويا). (3)

الرواية الثانية: و هي ما رواها أبو بصير يعنى (المرادي) (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد؟ فقال: إني احبّ أن أضع وجهي في موضع قدمي و كرهه). (4)

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 11 من ابواب السجود من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 11 من ابواب السجود من الوسائل.

(3)- الرواية 1 من الباب 10 من ابواب السجود من الوسائل.

(4)- الرواية 1 من الباب 10 من ابواب السجود من الوسائل.