تبيان الصلاة - ج8

- السيد حسين البروجردي المزيد...
350 /
5

الجزء الثامن

المقصد السادس في صلاة الجماعة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

في صلاة الجماعة

اعلم أنّ الناظر إلى كتب السير و التواريخ المتعرضة لسيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، يعلم أن أمر صلاة الجماعة يكون مقرونا بأصل الصّلاة، فشرع الجماعة مقارنا مع تشريع أصل الصّلاة و من راى عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اشتغاله بالصّلاة، راه في الجماعة كما يظهر من القضية المعروفة من رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مشغولا بالصّلاة و خلفه ابن عمّه و امرأته، و هما على (عليه السلام)، و خديجة (عليها السلام)، يصلّون صلاة الجماعة، و بعد ما هاجر إلى المدينة أيضا أول صلاة صلّيها في قباء- و هو محل قرب المدينة المنورة- صلّيها بالجماعة، فيكون أمر صلاة الجماعة من الوضوح بمثابة أمر أصل الصّلاة، فلا خفاء في أصل مشروعية صلاة الجماعة.

ثمّ اعلم أن التكلم في صلاة الجماعة يقع في طى مقدمة و مقاصد إن شاء الله تعالى:

[المقدمة]

أمّا المقدمة: ففي ماهية صلاة الجماعة.

اعلم أن ماهية صلاة الجماعة و حقيقتها على ما يفهم من لفظها، هى صلاة‌

8

تحصل مع الجماعة في قبال صلاة الفرادى، فصلاة الجماعة و إن كان يصلى كل واحد من الإمام و المأموم صلاة، و بهذا الاعتبار تكون صلوات، و لكن باعتبار كون صلاة كل من الإمام و المأمومين مرتبطا بالاخرى، يكون كل صلاة من صلواتهم كبعض الصّلاة، و تعدّ هذه الصلوات المتعددة صلاة واحدة، فنفهم أن في هذه حيث واحدة اعتبارية و حيث أن المقوم لهذه الصّلاة هو الإمام و المأموم ففي ماهيتها يعتبر وجود إمام و يأتي ما يعتبر فيه إن شاء اللّه.

و هل يعتبر في بقاء ماهية الجماعة مجرد حدوث هذه الصّلاة مع الإمام و ان لم يكن بقاء، أو يعتبر في ماهيتها وجوده إلى اخرها؟

يمكن أن يقال: بعدم اعتبار بقاء ذلك في بقاء ماهية الجماعة، و لأجل هذا قلنا بأن بعض الروايات الواردة في الاستخلاف لو عرض لإمام الجماعة عارض، لا يدل على صيرورة صلاة المأمومين في الآن الفاصل بين طرو العارض لإمام الأوّل و بين استخلاف للإمام الثانى فرادى، بل باقية على الجماعة، غاية الأمر تكون صلاة جماعة بلا إمام في هذا الحال، و هذا غير مضرّ بصدق الجماعة.

و لهذا قلنا: إنّ ما أفاده الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (1) من دعوى الاجماع على امكان نقل نية الفرادى إلى الجماعة، و من الجماعة إلى الفرادى، يكون من باب التمسك بروايات الاستخلاف، لأنّه قال: ذكرنا الأخبار المربوطة بمسألة الاستخلاف، و نقل نية الفرادى إلى الجماعة، و بالعكس في كتابنا الكبير، و لم يذكر في التهذيب غير روايات الاستخلاف، فمراده من الاجماع هو هذه النصوص.

____________

(1)- الخلاف، ج 1، ص 551؛ التهذيب، ج 3، ح 842- 844.

9

و الحق عدم دلالتها على ما أفاده من جواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى و بالعكس، لأنّه كما قلنا لا يدل هذه الأخبار على صيرورة صلاة المأمومين بعد عروض عارض للإمام و قبل استخلاف شخص اخر، فرادى حتّى يتمسّك بهذه الأخبار على جواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى و بالعكس، إذ يمكن أن تكون الجماعة باقية في هذا الحال و لو لم يكن إمام فيها، كما أنّ بعض الأخبار الدالة على جواز تقديم المأموم التشهّد الثانى على الإمام، لا يدل على صيرورة صلاته في هذا الحال فرادى، بل يمكن بقاء القدوة في هذا الحال و لكن أجاز المعصوم (عليه السلام) في هذه الرواية تقديم التشهّد على تشهد الإمام، كما أنّ بعض الأخبار الواردة في صلاة الخوف لا يدل على عدم بقاء الجماعة، و قد ذكرنا مفصلا هذه الجهة في نية الصّلاة.

و من الخصوصيات الدخيلة في ماهية صلاة الجماعة، هى كون كل جماعة يتشكل منها الجماعة في الجملة، و يأتي تفصيله إن شاء اللّه فلا بدّ فيها من وجود إمام و مأموم.

و من الخصوصيات وجود واحدة مكانية، و زمانية بين الإمام و المأموم، و بين بعض المأمومين مع بعض من اعتبار كونهم في مكان واحد، و عدم فصل بينهم، و عدم حائل و من حيث موقفهم، و من حيث كون زمان صلواتهم واحدا بتفصيل يأتي إن شاء اللّه.

و من الخصوصيات الّتي يقع الكلام فيها إن شاء اللّه هى أنّه هل يعتبر معية بين الإمام و المأموم من حيث أفعال الصّلاة، بأن يكبّرا معا، يسجدان معا، أو يعتبر تأخر ما بين أفعال المأموم و الإمام، و غير ذلك.

و من جملة الخصوصيات هل يعتبر في صدق صلاة الجماعة أن يكون المأموم‌

10

و الإمام كلاهما قاصدان للجماعة، أو يعتبر هذا القصد للمأموم فقط؟ يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

إذا عرفت هذه المقدمة نشرع بعونه تعالى في المطالب الّتي ينبغى أن يبحث عنه، فنقول بعونه تعالى.

11

المطلب الأوّل: في الصلوات الّتي شرع فيها الجماعة بنحو الوجوب أو الاستحباب.

و فيه جهات:

الجهة الأولى:

الجماعة مشروعة في الصلوات اليومية مسلّما في الجمعة بنحو الوجوب، و في غيرها بنحو الاستحباب.

أمّا وجوبها في الجمعة فللأخبار الدالة على أن الجمعة لا بدّ و أن تنعقد جماعة مع اجتماع شرائطها، و أمّا في غير صلاة الجمعة فقد تجب لعارض كما إذا نذر إتيان صلاة الغداة مثلا جماعة، و مثله العهد و اليمين و لو نذر إتيان صلاة جماعة فلو أتى فرادى لا يصح لأنّ اتيانها فرادى يوجب عدم قدرته على امتثال النذر فلا تكون هذه الصّلاة مقرّبا، فلا تقع صحيحة، و فى غير ذلك فلا تجب الجماعة في الصلوات اليومية من الغداة و العشاءين و الظهر في غير يوم الجمعة، أو فيها مع عدم اجتماع وجوب صلاة الجمعة و العصر، أمّا من العامة فقد حكي عن الظاهرية وجوب الجماعة فيها أيضا، و أمّا عندنا فلا إشكال في استحبابها و عدم وجوبها، غاية الأمر‌

12

أن الجماعة فيها من المستحبات الأكيدة و في بعض منها اكد.

الجهة الثانية:

في الصلوات الفرائض غير اليومية هل تجب الجماعة أو لا؟

اعلم أنّة في صلاة الآيات شرعت الجماعة، لكن على وجه الاستحباب لا الوجوب لعدم دليل على أزيد من استحبابها.

الجهة الثالثة:

في مشروعية الجماعة و عدمها في العيدين: اعلم أن الجماعة في العيدين مع اجتماع شرائط وجوبهما فوجوب الجماعة فيهما و إن قيل، لكن ذلك غير مسلم، و فيه كلام، و أمّا مشروعيتها على نحو الاستحباب فلا اشكال فيه.

الجهة الرابعة:

مشروعية الجماعة في صلاة الطواف محل إشكال، بل الأقوى عدمها، لأنّ ما استدل به على مشروعية الجماعة فيها غير تمام. أمّا رواية الّتي رواها حريز عن زرارة و الفضيل قالا: قلنا له: الصّلاة في جماعة فريضة هى؟ فقال: فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، و لكنّها سنّة، من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له- (1) فلا تدلّ على مشروعية الجماعة في صلاة الطواف، لأنّ قوله (عليه السلام) (و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها و لكنه سنّة) بقرينة صدر الرواية لا يشمل إلا فرائض اليومية.

بيانه أن قول السائل (الصّلاة في جماعة فريضة هى) ناظر إلى السؤال عن وجوب صلاة الجماعة و عدمه في خصوص الفرائض اليومية، لا عن مطلق الصلوات، و الشاهد على ذلك جواب الإمام (عليه السلام) (الصّلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض) فإن كان سؤال السائل عن مطلق الصلوات، فلا يناسب الجواب بأنّ‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 2 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

13

(الصّلاة فريضة) لأنّ مطلق الصلوات ليس بمفروض، فيكون نظر السائل إلى خصوص فرائض اليومية، فقال (عليه السلام) في جوابه (الصّلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها) أى: ليس في كل صلوات اليومية الجماعة فريضة.

فكان في ذهن السائل وجوب الجماعة في الصّلاة الجمعة، فسئل من أن هذا الحكم يكون في مطلق الصلوات اليومية، فقال (عليه السلام) (ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها و لكنه سنة) أى: الاجتماع سنة في مطلق الصلوات اليومية و ليس بمفروض في كله، فلا يكون السؤال عن مطلق الصلوات يومية و غيرها، حتّى يقال: بأن قوله (عليه السلام) (و لكنه سنة) يدلّ على مشروعية الجماعة و استحبابها في صلاة الطواف.

فالرواية لا تدلّ على مشروعية الجماعة في صلاة الطواف. (1)

الجهة الخامسة:

في صلاة الجنازة: إن الجماعة فيها مشروعة و يدل عليه الأخبار، فارجع أبواب الجنازة من الوسائل، فإن فيها ما يدلّ على ذلك.

____________

(1)- (أقول ما أفاده مد ظله العالى من أن قوله (عليه السلام) (الصّلاة فريضة) يدلّ على عدم كون السؤال عن مطلق الصّلاة في محله، و لكن يوجب ذلك عدم امكان الاستشهاد بالرواية لمشروعية الجماعة في النافلة، و أمّا في الفرائض فيمكن الاستدلال بها، لأنّ من جواب الإمام (عليه السلام) من أنّ (الصّلاة فريضة) يكشف عن كون السؤال عن الجماعة في الفرائض، سواء كانت يومية أو غيرها لا خصوص اليومية، فجواب الإمام (عليه السلام) بأنّه (ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها و لكنه سنة) فتدلّ الرواية على مشروعية الجماعة في صلاة الطواف، لأنها فريضة أيضا، نعم لو استكشف كون نظر السائل إلى خصوص فرائض اليومية، و يكون الألف و اللام في قوله (الصّلاة فريضة) للعهد و المعهود خصوص اليومية، تمّ ما أفاده مد ظله العالى في بيان مفاد الرواية فتأمّل) (المقرر).

14

الجهة السادسة: هل الجماعة مشروعة في النوافل أم لا؟

اعلم أن في صلاة الاستسقاء من النوافل شرعت الجماعة فيها، للدليل الوارد فيها، و أمّا في غيرها من النوافل غير صلاة الغدير، فالجماعة فيها غير مشروعة عندنا لعدم دليل على مشروعيتها فيها، و من بدع الثانى تشريعه الجماعة في نوافل شهر رمضان روايات فارجع الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان من الوسائل، مضافا إلى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، مع كمال اهتمامه بصلوة الجماعة، لا يرى منه أن يصلى نافلة بجماعة، بل كان يصليها في البيت، ثمّ يذهب إلى المسجد، لأنّ يصلى الفريضة جماعة، و أمّا في صلاة الغدير، و إن صار محل الكلام، و لكن مشروعية الجماعة فيها غير معلوم.

15

المطلب الثانى: في قصد الامام الإمامة

هل يعتبر في تحقق الجماعة قصد الإمام الإمامة بحيث لو لم يقصدها لا تنعقد الجماعة، أم لا يعتبر ذلك؟

اعلم أن عدم اعتبار قصد الإمام الإمامة في تحقق الجماعة ممّا يكون مسلّما عندنا و إن كان محل الخلاف عند العامة.

و أمّا اعتبار قصد الايتمام على المأموم في صيرورة صلاته صلاة الجماعة فمما لا إشكال فيه، لأنّ ذلك معلوم من الصدر الأوّل إلى الآن، و كون عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على طبقه، و لا يعدّ الشخص داخلا فى الجماعة و مأموما للإمام إلا اذا قصد الجماعة و الايتمام و القدوة به.

[النبوي لا يدلّ على اعتبار نيّة الجماعة من المأموم]

و ما قيل من أنّه يدلّ على ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في النبوى المنقول عن طرق العامة (انما جعل الإمام إماما ليؤتم به الخ) بدعوى أن معنى الايتمام به هو قصد الاقتداء به، مدفوع بأن هذه الرواية ليست فى مقام ذلك، بل الرواية ناظرة إلى جهة اخرى، و هى أن أفعاله لا بد و أن يقع متفرّعا على افعال الإمام، لأنّ في الرواية على نقل بعض‌

16

صحاحهم الستة (1) هكذا (انّما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، و اذا ركع فاركعوا، و إذا سجد فاسجدوا) و بنقل اخر تكون هكذا (انما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فاذا كبر فكبروا و لا تكبروا قبل أن يكبر و إذا ركع فاركعوا و لا تركعوا قبل أن يركع) و هذا يدلّ على ما قلنا خصوصا بنقل إلى مكان قبل منهم، فهذه الرواية غير مربوطة بالمقام. (2)

و على كل حال بعد فرض اعتبار قصد الائتمام على المأموم يقع الكلام في جهة اخرى و هى أن الجماعة هل تكون وصفا لنفس الصّلاة بتمامها، أو تكون وصفا لأبعاض الصّلاة أيضا؟

و بعبارة اخرى يعتبر في تحقق الجماعة الّتي يشرعها اللّه تعالى أن يكون‌

____________

(1)- صحيح البخارى، ج 1، ص 190؛ سنن ابن ماجه، ج 1، ص 392؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 113؛ سنن ابى داود، ح 1، كتاب الصّلاة، ص 164؛ سنن النسائي، ج 2، ص 90؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 376.

(2)- (أقول: لم لم يتمسّك سيدنا الاعظم مد ظله العالى على اعتبار قصد المأموم الايتمام في تحقق الجماعة بالنسبة إليه بأن وجه اعتبار القصد هو أن الايتمام من العناوين القصدية، لا يتحقق مصداقه الا بالقصد، و لعل من تمسك بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (انما جعل الإمام إماما ليؤتم به) لاعتبار قصد الايتمام هو ما قلنا من أنّه يستفاد من هذه الرواية أنّه لا بدّ من وجود إمام يؤتم به، و لا يحصل الايتمام إلا بالقصد.

و أما ما أفاده مد ظله العالى من أنّ اعتبار قصد المأموم الايتمام يستفاد من عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمعنى أن من صدر الأوّل كان العمل على ذلك.

ففيه أنّه أىّ طريق في كون العمل على قصد ذلك، و القدر المعلوم من العمل هو الاجتماع و جعل واحد إماما في الجماعة، و متابعة الجماعة عنه في أفعال الصّلاة، و أمّا كون القصد معتبرا في تحقق ذلك، فلا طريق إليه من عملهم، فتأمّل) (المقرر).

17

المأموم قاصدا للايتمام و الاقتداء و الدخول في الجماعة من أوّل الصّلاة إلى اخر موضع يتمكن من حفظ الايتمام به، أو لا يلزم ذلك، بل يمكن التبعيض بمعنى أن يجعل بعض صلواته بالقصد و المتابعة جماعة و بعضها فرادى، مثلا يقصد بركعة منها الجماعة و بما بقيها الفرادى، مثلا يرى الشخص صلاة جماعة متشكلة فيبنى و يقصد أن يأتمّ بالإمام في ركعة واحدة أو ركعتين من صلاته الظهر مثلا و يقصد إتيان ما بقى من صلاته أى ثلاث ركعات أو ركعتين منها فرادى، أو أن الشخص يكون مثلا في الصّلاة فرادى فرأى في أثناء صلاته انعقاد جماعة و قد صلّى ركعة من صلاته، فيقصد في ما بقى من صلاته الاقتداء، أو لا يصح ذلك.

[هل يصح جعل صلاة واحدة بعضها فرادى و بعضها جماعة]

و الحاصل هل يصح جعل صلاة واحدة بعضها فرادى و بعضها الجماعة إمّا بالقصد إلى ذلك قبل الشروع في الصّلاة و إمّا أن يبدو له ذلك في أثناء الصّلاة، مثل أن نبى في أول الصّلاة و يقصد الاقتداء إلى اخر الصّلاة، ثمّ في أثنائها يبدو له و يقصد الفرادى أو بالعكس.

فإن قلنا بكون الجماعة وصفا للصّلاة لا لأبعاضها فلا يصح ذلك. و إن قلنا بكونها وصفا لأبعاض الصّلاة فيجوز ذلك. فالكلام يقع تارة في جواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى و عدمه، و تارة في جواز نقل نية الفرادى إلى الجماعة، و المهم هو التعرض لصورة الأولى، لأنّ نوع القائلين بالجواز يقولون في الصورة الأولى فنقول:

اعلم أنّه لا يرى التعرض لهذه المسألة في كلمات القدماء (رحمه اللّه) المقتصرين في كتبهم على ذكر الفتاوى المتلقاة عن المعصومين عليهم الصّلاة و السلام، غير الشيخ (رحمه اللّه) مع تأليف بعض كتبه على طريقة القدماء، و لكن صنّف كتاب المبسوط و تعرض فيها للمسائل التفريعية كما قال (رحمه اللّه) في أوّله ما حاصله: (إنى بعد ما رايت أن‌

18

للعامة كتبا و تعرضوا للتفريعات، كنت أحب أن اصنّف كتابا مشتملة على التفريعات، و لكن ما تمكنت من ذلك إلى الآن فشرعت في ذلك المقصود و صنفت كتابنا المبسوط بنهجهم، حتّى لا يقولون بأن فقه الشيعة لم يكن فيه التفريعات، ففي هذا الكتاب ذكرت التفريعات و استفدت حكمها من النصوص، فإنا مع كوننا من أهل النص و المقتصرين على ما ورد في القرآن و عن النبي و العترة المعصومين عليهم الصلوات و السلام، لا أهل القياس و الاستحسان و الرأي كما هو دأبهم، استفدت الأحكام التفريعية من النصوص).

فكتاب مبسوطه (رحمه اللّه) يكون على هذا الوجه و تعرض لهذه المسألة فيه، و لم يقل فيه بالجواز مطلقا، و في كتاب مسائل الخلاف في مواضع، و قال فيه بالجواز.

و قد بينا أن ما قال في الخلاف من الإجماع على جواز ذلك، ليس المراد منه إلا ما استفاده من أخبار الاستخلاف، و قد تعرضنا مفصلا في نية الصّلاة لبعض الأخبار المتوهمة دلالتها على جواز ذلك من الأخبار الواردة في الاستخلاف، و جواز تقديم التشهّد للمأموم، و ما ورد في ضمن صلاة الخوف، فان كلها قابلة الحمل على بقاء الجماعة في هذه الفروض، لا صيرورة الصّلاة فرادى، حتّى يتمسّك بها على جواز عدول نقل نية الجماعة إلى الفرادى أو البناء على ذلك من أول الشروع في الصّلاة.

[في ذكر الاقوال في المسألة]

و على كل حال اعلم أن الأقوال في المسألة ثلاثة:

القول الأوّل: جواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى و بالعكس

مطلقا و هو مختار الشيخ في الخلاف.

القول الثانى: عدم جواز ذلك

مطلقا كما قال به صاحب المدارك و الذخيرة‌

19

على نحو المختار، أو على سبيل الإشكال.

القول الثالث: التفصيل

بين ما إذا كان نيته من أول الصّلاة إتيان صلاته بعضها جماعة و بعضها الاخر فرادى، و بين ما إذا كان نيته من الصّلاة الجماعة إلى اخر الصّلاة لكن يبدو له في أثناء الصّلاة أن يقصد الفرادى و يتمّ صلاته فرادى، فلا يجوز في الأوّل و يجوز في الثانى.

أمّا القول الثالث أعنى التفصيل فلا يكون له وجه، لأنّه إن كانت الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة، فلا فرق بين ما إذا قصد الفرادى في أول الصّلاة أو يبدو له ذلك في أثنائها، و كذا إن امكن استفاده صيرورة الصّلاة فرادى من أخبار الاستخلاف، أو من جواز تقديم التشهد، أو من بعض ما ورد في صلاة الخوف فأيضا لا فرق بين كون المصلّى قاصدا لذلك في أول الصّلاة أو يبدو له ذلك في أثنائها.

ثمّ بعد عدم وجه للقول بالتفصيل، فهل نقول بالقول الأوّل أو بالثانى، أمّا وقوع الجماعة في أبعاض الصّلاة في الشرع في الجملة مسلّم، مثل ما إذا اقتدى الحاضر بالمسافر، ففي الزائد على ركعتين يكون صلاة المأموم فرادى، فوقع بعض الصّلاة جماعة و بعضها فرادى (لكن الكلام يكون في ما يمكن حفظ القدوة و الايتمام و أنّه هل يصح مع ذلك قصد الفرادى أم لا؟ فمثل اقتداء الحاضر بالمسافر خارج عن محل الكلام، لأنّ مع تمامية صلاة الإمام لا مجال للمأموم أن يحفظ القدوة، بل محل الكلام هو أنّه هل تحقق الاقتداء المعتبر في صيرورة صلاة المأموم جماعة و مرتبطا بصلوة الإمام يحصل بجعل المأموم صلاته بالقصد مرتبطا بصلاته ما دام متمكنا، او لا يلزم ذلك، بل في كل جزء من الصّلاة إذا قصد يصير هذا الجزء جماعة و يترتب عليه آثارها).

20

[في نقل الاقوال في جواز العدول من الجماعة الى الفرادى]

اعلم أن في صورة شروع المصلّى في صلاته فرادى، ثمّ في الاثناء يعدل نيته بالجماعة، فهو ممّا يكون دعوى كونه على خلاف طريقة المتشرعة، و على ما هو المعهود من الجماعة في الإسلام، غير مجازقة.

أمّا في نقل نية الجماعة إلى الفرادى فقد تعرضنا له في نية الصّلاة مفصلا فراجع، و نذكر هنا أيضا للفائدة، و لربط هذه المسألة بصلوة الجماعة، فنقول بعونه تعالى:

إن الأقوال في المسألة ثلاثة: الجواز مطلقا، و عدمه مطلقا، و التفصيل بين ما إذا قصد الشخص الفرادى من أول الصّلاة، و بين ما إذا كان في أول الصّلاة قاصدا للجماعة و القدوة إلى اخرها، ثمّ يبدو له في أثنائها أن يعدل من الجماعة إلى الفرادى،

[الأدلة على جواز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى]

و قبل التكلم في ما هو الحق في المقام نقول: بأنّه استدل على الجواز بامور‌

منها الإجماع

و قد عرفت في مطاوى كلماتنا أن هذا الإجماع ليس بحجة، لعدم كونه كاشفا عن وجود نص في المسألة، لأنّ الشيخ (رحمه اللّه) هو أول من تعرض للمسألة و إن ادعى الاجماع و اخبار هم في الخلاف على الجواز، إلا أنّه بعد ما قال (بأنا ذكرنا أخباره في كتابنا الكبير) أى: في التهذيب، و بعد ما لا نرى نقل رواية تدلّ على هذا الحكم إلا أخبار الاستخلاف.

و قد عرفت أن الاستدلال على الجواز بهذه الأخبار، و اخبار جواز تقديم السلام، و أخبار صلاة ذات الرقاع غير تمام، لعدم دلالة هذه الأخبار على صيرورة صلاة المأموم فرادى في صورة عروض عارض للامام فيستخلف غيره، أو في صورة تقديم المأموم سلامه، أو في صلاة ذات الرقاع، فالتمسك بالاجماع، مع عدم تعرض القدماء (رحمه اللّه) غير الشيخ (رحمه اللّه) و وضع تعرض الشيخ يكون بالنحو الّذي ذكرنا أى‌

21

في كتاب الخلاف و المبسوط فهو لم يتعرض للمسألة في كتابه المعد لنقل الفتاوى المتلقاة، مثل كتاب النهاية، لا يصحّ لأنّ الاجماع ما دام لا يكون كاشفا عن وجود نص لا يكون حجّة.

و منها الأصل

، و الغرض منه إن كان أصالة الإباحة بمعنى إنا نشك في أن العدول من الجماعة إلى الفرادى جائز أم لا؟ فاصالة الإباحة تقتضى جوازها، و إن كان الغرض منه الإباحة الوضعية، فمعناها عدم اشتراط كون الصّلاة جماعة من أولها إلى اخرها في صيرورتها جماعة.

و منها: [عدم وجوب صلاة الجماعة ابتداء و استدامة]

ما يظهر من المحقق (رحمه اللّه) في المعتبر، و هو أن الجماعة لا تجب ابتداء، فكذلك لا تجب استدامة، و استدل به العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة.

و منها ما في التذكرة أيضا من دلالة رواية واردة في طرق العامة

، يستفاد منها أن معاذ بن جبل كان يقوم في محلته، ففي يوم اقتدى به رجل، فطالت صلاة معاذ فتخلّف عن الجماعة و أتى بصلاته منفردا، فقال له معاذ: نافقت، فبلغت هذه القصة بالنبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لمعاذ: إنّك رجل فتّان و لم يقل: إن صلاة هذا الشخص الاذي تمّ صلاته فرادى باطل.

و منها استصحاب جواز الانفراد

، فإن قبل الشروع في الصّلاة كان له أن يصلى فرادى فيستصحب.

و منها التمسك بما ورد من الروايات في باب الاستخلاف

، و جواز تسليم المأموم قبل الإمام، و صلاة ذات الرقاع.

[وجوه عدم جواز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى]

و في قبال ذلك فقد ذكر بعض وجوها لعدم جواز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى:

22

و منها عدم تاثير قصد الانفراد لو نوى ذلك في الأثناء

، مع فرض قصد الجماعة من أول الصّلاة.

و منها أنّه يجب تكليفا استدامة نية الاقتداء

، فإذا كان ذلك واجبا يحرم قصد الإفراد من باب أن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهى عن ضده.

و منها أنّه يجب استدامة النية وضعا

بمعنى كون ذلك شرطا في صحة الصّلاة.

و منها كون ذلك شرطا في صحة الجماعة

و صيرورة الصّلاة جماعة لا في أصل الصّلاة، فبناء على اشتراط الصّلاة به، تبطل الصّلاة رأسا حتى لو عمل قبل نقل النية من الجماعة إلى الفرادى ما يعتبر في صلاة الفرادى وجودا و عدما من القراءة، و عدم زيادة الركوع و السجود فمع ذلك تبطل الصّلاة بقصده الفرادى، و أمّا بناء على اشتراط الجماعة بها لا تبطل أصل الصّلاة، بل تفسد الجماعة بمعنى عدم ترتب آثار الجماعة فقط لو عمل عمل الفرادى.

[مناقشة المسألة]

إذا عرفت ذلك كله نقول: إن ما ينبغى أن يقال في المقام هو منشأ الإشكال في المسألة، و ما يليق أن يتكلم حوله، و هو أنّ المبنى للمسألة هو ما أشرنا إليه في صدر المسألة من أنّه هل يكون الجماعة وصفا للصّلاة بمجموعها، أو هى وصف لأبعاضها، بمعنى أنّه هل يعتبر في صيرورة الصّلاة صلاة جماعة بحيث يترتب عليها آثارها هو كون المأموم مقتديا و مؤتما بالإمام ما أمكن له الايتمام و الاقتداء، و لا يتخلف عنه مهما أمكن، أولا يعتبر ذلك في صدق الاقتداء و الايتمام المعتبر في الجماعة، بل في كل بعض من أبعاض الصّلاة و جزء من اجزائها إذا تحقق القدوة و الايتمام تصير الصّلاة جماعة بهذا المقدار، و يترتب آثار الجماعة في هذا المقدار.

فإن قلنا بالأوّل: فلا يصح قصد الانفراد و العدول من الجماعة إليه، و إن قلنا‌

23

بالثانى فيصح نقل نية الجماعة إلى الفرادى، فما بيّنا هو الميزان في إمكان الالتزام بجواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى و عدمه، فالجواز و عدمه متفرع على ذلك، لا على ما استدل به الطرفين، لأنّ تمامية استدلال كل من الطرفين و عدمها مربوط بما قلنا.

فإن قلنا: بأن الجماعة وصف لأبعاض الصّلاة لا لمجموع الصّلاة، فلا يبقى مجال لما استدل به القائل بعدم الجواز من عدم تاثير قصد الانفراد لو نواه، لأنّه على فرض كون الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة يؤثر قصد الانفراد.

و كذلك ما قيل من وجوب استدامة النية تكليفا قول لا وجه له، لعدم وجوب ذلك بناء على كون الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة.

و كذلك ما قيل من كون بقاء القدوة شرطا في أصل الصّلاة أو الجماعة، لأنّه على فرض كون الجماعة وصفا للأبعاض معلوم عدم اشتراط ذلك.

و إن قلنا بالعكس أى: بكون الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة، فلا يبقى مجال للاستدلال بجواز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى بأصالة الإباحة، لأنّه مع فرض كون الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة، فلا مجال للاصل.

و كذلك لا مجال للاستدلال على الجواز بأن الجماعة لا تجب ابتداءً فلا تجب استدامة، لأنّه مع فرض كون الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة، فلا تصير الصّلاة جماعة إلا ببقاء القدوة إلى اخرها.

و كذلك لا مجال للتمسك على الجواز باستصحاب الانفراد لأنّ مع وصف كون الدليل مساعدا على كون الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة لا للأبعاض، فلا مجال للاستصحاب.

24

فيظهر لك ممّا مرّ أنّه لا بد لمن يكون في سدد فهم كون العدول من الجماعة إلى الفرادى جائزا أم لا، من فهم أن الجماعة الّتي شرعت في الشرع، و لا بدّ فيها من أن يقتدى المأموم و يجعل نفسه تابعا للامام هل تكون وصفا لمجموع الصّلاة بحيث لا تتحقق الجماعة و لا يترتب أثرها إلا إذا كان المأموم مقتديا و مؤتمّا بالإمام من أول الصّلاة إلى اخر ما يمكن له ذلك، أو لا تكون كذلك، بل هى وصف لأبعاض بحيث يكون أثر الجماعة مترتبا في كل جزء من أجزاء الصّلاة يكون المأموم فيه مقتديا بالإمام، و إن لم يكن مقتديا و مؤتما به في غيره من أجزاء الصّلاة.

[ظهور أمرين لك فى المسألة]

و ممّا مر منا من أن جواز العدول من الجماعة إلى الفرادى و عدمه، متفرع على كون الجماعة وصفا لجميع الصّلاة، أو لأبعاض الصّلاة، يظهر لك أمران:

الأمر الأول:

أن هذا النزاع غير متفرع على كون صلاة الفرادى و الجماعة حقيقتان و طبيعتان متغايرتان، او هما حقيقة واحدة و طبيعة فاردة، فإن قلنا بالأوّل فلا يجوز العدول، و إن قلنا بالثاني فيجوز ذلك، كما ربما توهّم كون جوازه و عدمه متفرعا على ذلك.

وجه عدم كون جواز العدول من نية الجماعة إلى الفرادى متفرعا على ذلك، هو ما قلنا: من أن الجماعة إن كانت وصفا لمجموع الصّلاة فلا يجوز ذلك، سواء كانت الفرادى و الجماعة حقيقتان أو حقيقة واحدة، و إن كانت قابلة لكونها وصفا لأبعاض الصّلاة فيجوز ذلك، سواء كانتا حقيقة واحدة أو حقيقتان.

و اعلم بأنّ من يتوهّم كونهما حقيقتين و طبيعتين، إن كان نظره في ذلك إلى أن الجماعة و الفرادى، كالظهر و العصر من كونهما طبيعتين، مع قطع النظر عن اعتبار القصد فيهما فالفرادى و الجماعة ليستا كالظهرية و العصرية.

25

و إن كان نظره في كون الجماعة و الفرادى طبيعتين هو احتياج كل منهما إلى القصد، بمعنى أن الصّلاة الواقعة خارجا لا تصير منطبقا لعنوان صلاة الجماعة و لا الفرادى إلا بالقصد.

فنقول: إن الجماعة و إن كانت بالنسبة إلى المأموم محتاجة إلى القصد أى:

صلاة المأموم لا تصير جماعة إلا بأن يقصد الجماعة، و لكن الفرادى غير موقوف بالقصد، بمعنى عدم احتياج صيرورة الصّلاة الواقعة خارجا مصداق صلاة الفرادى، إلى قصد الفرادى، بل مجرد قصد الصلاتية تجعلها صلاة فرادى، فكلّما أتى المكلف بصلوة تقع فرادى إذا لم ينو بها الجماعة، لا بمعنى دخل عدم قصد الجماعة في صيرورة الصّلاة فرادى، بل بمعنى أنّه لا يعتبر في صيرورة الصّلاة فرادى إلا قصد الصّلاة، فعلى هذا لا يمكن أن يقال: بكون الجماعة و الفرادى طبيعتين باعتبار احتياج كل منهما إلى القصد، لما عرفت من عدم احتياج صلاة الفرادى بالقصد، فالحق كون الجماعة و الفرادى طبيعة واحدة.

و لكن مع ذلك يكون للنزاع في جواز نقل نية الجماعة إلى الفرادى مجال باعتبار ما قلنا من أنّه يجوز إن كانت الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة، و لا يجوز إن كانت وصفا لمجموع الصّلاة.

الأمر الثاني:

بعد ما قلنا: من أن منشأ الإشكال في جواز العدول و عدمه هو كون الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة أو لأبعاضها، يظهر لك أن التفصيل في المسألة بين ما إذا نوى الانفراد في أثناء الصّلاة في أول الصّلاة فلا يجوز العدول، و بين ما إذا يبدو له ذلك في أثنائها فيجوز كما يظهر من بعض المتاخرين، لا وجه له.

أمّا ما ذكر وجها لهذا التفصيل فهو ما يظهر من كلام آية اللّه الحائرى (رحمه اللّه) في‌

26

كتاب صلاته، و ظاهر كلامه و إن كان غير واف بما نقول، لأنّ ظاهر كلامه هو عدم شمول الإطلاقات الواردة في الجماعة للصورة الأولى و شمولها للصورة الثانية، و لكن نحن نقول في بيانه: و ربما يكون نظره بذلك أيضا و هو أن في الصورة الّتي يدخل المصلى في الصّلاة ناويا للجماعة من أول الصّلاة إلى اخرها، ثمّ يبدو له نقل نيته من الجماعة إلى الفرادى في أثناء الصّلاة، يجوز ذلك و يشملها الاطلاقات، لأنّ في هذه الصورة يكون عمل المصلي: صلاته بالجماعة منبعثا عن القصد بذلك، فصلاته صارت جماعة لكونه قاصدا لها من أول الأمر فالصّلاة وقعت من أول أمرها منطبق عنوان الجماعة، لكون المصلّى ناويا للاقتداء و الايتمام و المتابعة، فمع فرض كون المصلى ناويا للجماعة حين الشروع بالصّلاة، فتصير صلاته جماعة و تشملها الإطلاقات الواردة في الجماعة، فمتى يكون باق بهذه النية فهو في جماعة، و متى يبدو له في الأثناء العدول إلى الانفراد فتصير صلاته فرادى قهرا.

و أمّا في الصورة الأولى أى: الصورة التى من نيته الانفراد في الأثناء من أول الصّلاة، فلا تشمل صلاته الإطلاقات، لأنّ في هذه الصورة لا تكون صلاته منبعثا عن قصد الجماعة في تمام صلاته، بل قاصدا للجماعة في بعض الصّلاة فلا تشملها الاطلاقات.

فالفرق بين الصورتين هو كون الداعى إلى الصّلاة في صورة عدم كونه قاصدا للفرادى من أول صلاته هو الجماعة أى: الاقتداء و المتابعة و الايتمام في تمام الصّلاة و ان تبدّل نيته في أثناء إلى الفرادى، إلا أن هذا غير مضر بصدق الجماعة و شمول الاطلاقات لهذه الصّلاة، لأنّ الجماعة صارت سببا لانبعاث المصلّى.

و أمّا فى ما قصد الانفراد من أوّل الصّلاة فلا يكون قصد الجماعة في تمام‌

27

الصّلاة سببا لانبعاثه نحو العمل.

[في ذكر اشكال و دفعه]

إن قلت: إنّه في صورة عدم قصد الانفراد من أول الصّلاة و طرو هذا القصد في أثنائها يكون المصلّى في إتيان ما بقى من الصّلاة غير منبعث عن قصد التبعية و الجماعة.

قلت إن ما بقى من الصّلاة بعد قصد الفرادى و إن يقع فرادى، لكن بعد كون الصّلاة من أول الأمر متصفة بالجماعة، لكون الانبعاث نحو ها بهذا الداعى فصارت الصّلاة جماعة، و يجعل هذا القصد الحاصل أول الصّلاة الصّلاة جماعة و إن يبدو له الانفراد في أثنائها، فتشمل الإطلاقات الواردة في الجماعة هذه الصّلاة.

فمنشأ التفصيل بين الصورتين هو أن في صورة قصد الانفراد من أول يكون المصلّى منبعثا نحو العمل بقصد الجماعة في بعض الصّلاة، و قصد الفرادى في بعضها، و في هذه الصورة لا تتصف الصّلاة بالجماعة حتّى تشملها الإطلاقات، و أمّا في صورة يبدو له قصد الانفراد في الأثناء، مع فرض كونه من أول الصّلاة قاصدا لإتيان صلاته جماعة إلى اخرها، فحيث أن انبعاث المصلّى نحوها يكون بهذا القصد أى: قصد الجماعة و التبعية من أول الصّلاة إلى اخرها، فتتصف الصّلاة بمجرد الشروع فيها بالجماعة، لأنّه قاصد لها، فتشملها الاطلاقات، و عدم بقائه على هذا القصد و العدول في الأثناء لا ينقلب ما وقع من الصّلاة متصفة بالجماعة عما هى عليها، هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه هذا التفصيل. (1)

و أمّا وجه فساد هذا التفصيل و عدم تمامية ما ذكر وجها له، هو أن المعتبر في‌

____________

(1)- كتاب الصّلاة للعلامة الحائرى (رحمه اللّه)، ص 455.

28

صيرورة صلاة المأموم جماعة، كما أشرنا إليه، كون المأموم مؤتما بالإمام و تابعا له، فلا تصير صلاته جماعة إلا بتحقق القدوة و الايتمام فما هو المعتبر هو تحقق القدوة و الايتمام في صيرورة الصّلاة جماعة، غاية الأمر أنّه بعد كون الاقتداء من العناوين القصدية لعدم تحققه في الخارج إلا بالقصد، مثل سائر العناوين القصدية الّتي لا يصير الخارج منطبق عنوانها الا بالقصد، لا بدّ في تحقق عنوانه من قصده، فقصد الاقتداء لا موضوعية له أصلا، و لا دخل له في صلاة الجماعة إلا من حيث دخل أمر اخر فيها، و هو الاقتداء و الايتمام، فوجود القصد يكون مؤثرا من باب تحقق عنوان الاقتداء به، لا من باب موضوعية نفسه، فصدق الجماعة على صلاة يتوقف على تحقق الاقتداء و الايتمام، فإن كان الايتمام محققا فتكون الصّلاة جماعة و إلّا فلا، فلو قصد الشخص الاقتداء من أول الصّلاة إلى اخرها و استمر هذا القصد تصير الصّلاة جماعة، لكن لا من باب أنّه قصد الاقتداء من أول الصّلاة، بل من باب تحقق الاقتداء، و أمّا لو قصد الاقتداء في أول الصّلاة و في الأثناء عدل من هذه النية إلى نية الفرادى، فلم يتحقّق عنوان الاقتداء في مجموع الصّلاة و إن قصد ذلك في أولها، لأنّ تحقّق هذا العنوان موقوف على بقاء هذا القصد إلى الآخر و لو بنحو الاستدامة الحكمية.

فعرفت ممّا قلنا أن مجرد قصد الاقتداء و لو لم يبق هذا القصد لا يكفى في صيرورة تمام الصّلاة متصفة بالجماعة، بل لا بدّ من بقاء القصد إلى الآخر حتّى في مجموع الصّلاة عنوان الاقتداء المعتبر في صيرورة صلاة المأموم جماعة، و إذا لم يتحقق عنوان الاقتداء في مجموع الصّلاة، بل بقى في بعض الصّلاة في صورة العدول إلى الفرادى في الاثناء، فصيرورة الصّلاة جماعة في مقدارها الّذي كان مع قصد‌

29

الاقتداء حتّى تشملها الإطلاقات، و عدم صيرورتها جماعة حتّى لا تشملها الاطلاقات متفرع على ما قلنا من أن الجماعة وصف لخصوص مجموع الصّلاة، أو وصف لأبعاض الصّلاة، فان كان الأوّل فلا تصح قصد الفرادى، و لا تشمل الإطلاقات هذه الصّلاة، و إن كان الثانى تشملها الإطلاقات الواردة في الجماعة.

[في أن التفصيل لا وجه له]

فظهر لك أن التفصيل لا وجه له، لأنّه إن صارت الجماعة قابلة لأن تصير وصفا لأبعاض الصّلاة، فلا فرق بين كون نية المصلّى من أول الصّلاة العدول من الجماعة إلى الفرادى أو يبدو له ذلك في الأثناء، و إن لم يكن كذلك، بل كانت الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة، فلا يجوز قصد الانفراد سواء كان ذلك من نيّته من أوّل الصّلاة أو يبدو له في الأثناء، فيدور هذا النزاع أى جواز العدول و عدمه مدار كون الجماعة وصفا للأبعاض أو لمجموع الصّلاة. (1)

[وجوه التمسك بجواز العدول من الجماعة إلى الفرادى]

اذا عرفت ذلك نقول: قد يتمسّك بجواز العدول من الجماعة إلى الفرادى بوجوه:

____________

(1)- (أقول: اعلم أنّه ليس في الجماعة إطلاقات يمكن التشبث بها في مقام الشّك في دخل قيد و عدمه، حتّى يقال: بأن في صورة كون المصلّى قاصدا للفرادى من أول الصّلاة لا تشملها الإطلاقات و إن يبدو له ذلك في الأثناء تشملها الإطلاقات، لأنّ الإطلاقات الواردة ليست إلا في مقام بيان الثواب على الجماعة لا في مقام بيان هذه الجهات، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ما روى في طرق العامة (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به الخ) لا يكون إلا في مقام بيان لزوم الايتمام به في ما يأتم به و لا يكون في مقام بيان أنّه هل يعتبر كون الايتمام في تمام الصّلاة أو يكفى في البعض، مضافا إلى أنّه إن كان فيه إطلاق من هذا الحيث، فلا فرق بين كون نية الفرادى من الأوّل أو يبدو له في الاثناء، مع أنّه يمكن دعوى دلالته على عدم جواز نقل نية الفرادى، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به) بدعوى دلالته على كون لازم الجماعة بحسب وضعه في الشرع أن يؤتم المأموم بالإمام في الصّلاة لا في أبعاضها فتأمّل) (المقرّر).

30

الوجه الأوّل [لجواز العدول من الجماعة الى الفرادى]

الآية الشريفة الواردة في صلاة الخوف

، و هى قوله تعالى:

وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كٰانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ أَعَدَّ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً (1)

[في ذكر الروايات فى الباب]

اذا ضمّت هذه الآية الشريفة مع الروايات الواردة في صلاة الخوف و ما نقل من قضية غزوة ذات الرقاع الّتي نذكرها.

منها ما رواها عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) (إنّه قال: صلّى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ففرق اصحابه فرقتين، فأقام فرقه بإزاء العدو، و فرقة خلفه، فكبر و كبروا، فقرأ و انصتوا، و ركع و ركعوا، فسجد و سجدوا، ثمّ استمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قائما و صلّوا لأنفسهم ركعة، ثمّ سلم بعضهم على بعض، ثمّ خرجوا إلى أصحابهم، فأقاموا بإزاء العدو، و جاء أصحابهم فقاموا خلف رسول اللّه فكبر و كبروا و قرء فانصتوا، و ركع فركعوا، و سجد فسجدوا، ثمّ جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فتشهد ثمّ سلّم عليهم، فقاموا ثمّ قضوا لأنفسهم ركعة ثمّ سلم بعضهم على بعض، و قد قال اللّه لنبيه: فإذا كنت فيهم فأقمت لهم فلتقم طائفة منهم معك، و ذكر الآية، فهذه صلاة الخوف الّتي أمر اللّه بها نبيه، و قال: من صلّى المغرب في خوف بالقوم صلّى بالطائفة الأولى ركعة، و بالطائفة الثانية‌

____________

(1)- سورة النساء، الآية 102.

31

ركعتين). (1)

و منها ما رواها زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (إنّه قال: إذا كانت صلاة المغرب في الخوف فرقهم فرقتين فيصلى بفرقة ركعتين، ثمّ جلس بهم، ثمّ أشار إليهم بيده فقام كل انسان منهم فيصلى ركعة، ثمّ سلموا فقاموا مقام أصحابهم و جاءت الطائفة الاخرى، فكبروا و دخلوا في الصّلاة و قام الإمام، فصلى بهم ركعة، ثمّ سلم، ثمّ قام كل رجل منهم فصلى ركعة، فشفعها بالتى صلّى مع الإمام، ثمّ قام فصلى ركعة ليس فيها قراءة، فتمت الإمام ثلاث ركعات، و للاولين ركعتان في جماعة و للآخرين واحدة فصار للاولين التكبير و افتتاح الصّلاة، و للاخرين التسليم). (2)

و منها ما رواها زرارة و محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) (قال: إذا حضرت الصّلاة في الخوف فرّقهم فرقتين الإمام، فرقة مقبلة على عدوهم، و فرقه خلفه كما قال اللّه تعالى، فيكبر بهم، ثمّ يصلى بهم ركعة، ثمّ يقوم بعد ما يرفع رأسه من السجود فيمثل قائما، و يقوم الذين صلوا خلفه ركعة فيصلى كل انسان منهم لنفسه ركعة، ثمّ يسلم بعضهم على بعض، ثمّ يذهبون إلى أصحابهم فيقومون مقامهم، و يجي‌ء الآخرون و الإمام قائم، فيكبرون و يدخلون في الصّلاة خلفه، فيصلى بهم ركعة، ثمّ يسلم، فيكون للاولين استفتاح الصّلاة بالتكبير، و للآخرين التسليم من الإمام، فإذا سلم قام كل إنسان من الطائفة الاخيرة فيصلى لنفسه ركعة واحدة، فتمت للإمام ركعتان و لكل انسان من القوم ركعتان واحدة في جماعة و الاخرى‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 2 من ابواب صلاة الخوف من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 2 من ابواب صلاة الخوف من الوسائل.

32

واحدانا). (1)

بدعوى دلالة الآية الشريفة و الأخبار المذكورة على كون صلاة الطائفة الأولى و الثانية في ركعة جماعة و في ركعة فرادى، فيستفاد من هذه الكيفية في صلاة الجماعة حال الخوف، جواز كون بعض الصّلاة جماعة و بعضها فرادى، و نقل النية من الجماعة إلى الفرادى، لأنّ الطائفة الأولى في الركعة الثانية يتمون صلاتهم فرادى، و كذلك الطائفة الثانية.

هذا وجه الاستدلال بهذه الأخبار على جواز نقل نية الجماعة بالفرادى.

[في نقل الروايات الدالّة على بقاء الجماعة]

أقول إن الأخبار الواردة في صلاة الخوف مختلفة لسانا، فبعضها يكون ظاهرا في ما ذكر، أى: في صيرورة صلاة المأمومين من الطائفة الأولى و الطائفة الثانية في الركعة الثانية من صلاتهما فرادى، و لكن لسان بعضها ربما لا يساعد ذلك، بل يدلّ على بقاء الجماعة لكل من الطائفتين في كل من ركعتى صلاتهما، فنذكرها مزيدا للفائدة.

منها ما رواها حماد عن الحلبى (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة الخوف.

قال: يقوم الإمام و يجي‌ء طائفة من أصحابه، فيقومون خلفه و طائفة بإزاء العدو، فيصلى بهم الإمام ركعة، ثمّ يقوم و يقومون معه فيمثل قائما، و يصلون هم الركعة الثانية، ثمّ يسلم بعضهم على بعض، ثمّ ينصرفون فيقومون في مقام اصحابهم و يجي‌ء الآخرون، فيقومون خلف الإمام، فيصلى بهم الركعة الثانية، ثمّ يجلس الإمام فيقومون هم، فيصلّون ركعة اخرى، ثمّ يسلم عليهم، فينصرفون بتسليمه. قال: و في‌

____________

(1)- الرواية 8 من الباب 2 من ابواب صلاة الخوف من الوسائل.

33

المغرب مثل ذلك يقوم الإمام و طائفة فيقومون خلفه، ثمّ يصلى بهم ركعة، ثمّ يقوم و يقومون فيمثل الإمام قائما و يصلون الركعتين، فيتشهدون و يسلم بعضهم على بعض، ثمّ ينصرفون فيقومون في موقف اصحابهم و يجي‌ء الآخرون و يقومون في موقوف اصحابهم خلف الإمام، فيصلى بهم ركعة يقرأ فيها، ثمّ يجلس فيتشهد، يقوم و يقومون معه، و يصلى بهم ركعة اخرى، ثمّ يجلس و يقومون هم فيتمون ركعة اخرى، ثمّ يسلّم عليهم). (1)

و منها ما رواها عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن صلاة الخوف كيف هى؟ فقال: يقوم الإمام فيصلى ببعض أصحابه ركعة، و يقوم في الثانية و يقوم أصحابه و يصلّون الثانية، و يخففون و ينصرفون، و يأتي أصحابهم الباقون، فيصلون معه الثانية، فاذا قعد في التشهّد قاموا فصلّوا الثانية لانفسهم، ثمّ يقاعدون فيتشهدون معه، ثمّ يسلّم و ينصرفون معه). (2)

[فى الروايتين احتمالان]

و يحتمل فى الروايتين احتمالان:

الاحتمال الأوّل:

هو أنّ كلا من الطائفتين تكون صلاتهم من أولها إلى اخرها جماعة، و الشاهد عليه قوله في الرواية الأولى بالنسبة إلى الطائفة الثانية (فينصرفون بتسليمه) و كذلك قوله (عليه السلام) في ذيلها (فيصلى بهم ركعة يقرأ فيها، يجلس فيتشهد، ثمّ يقوم و يقومون معه، و يصلى بهم ركعة اخرى، ثمّ يجلس و يقومون هم فيتمون ركعة اخرى، ثمّ يسلم عليهم) و في الرواية الثانية (ثمّ يقاعدون فيتشهدون‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 2 من ابواب صلاة الخوف من الوسائل.

(2)- الرواية 5 من الباب 2 من ابواب صلاة الخوف من الوسائل.

34

إن قلت إن صلاة الطائفة الأولى من المأمومين صار في الركعة الثانية فرادى كما هو مقتضى ظاهر الرواية.

قلت: لا ظهور للروايتين في ذلك، بل غاية ما تدلان عليه هو أن الطائفة الأولى من المأمومين في صلاة الخوف بعد ما اقتدى بالإمام فيصلون الركعة الأولى متابعا للإمام في الافعال، و في الركعة الثانية يمثل الإمام قائما و المأمومون يتمون صلاتهم، و يسلم بعضهم على بعض و يذهبون و يجيئون الطائفة الثانية، فعلى الفرض يكون الإمام في الصّلاة بعد، فكما أن المحتمل كون تقديمهم الركعة الباقية من صلاتهم بعنوان الفرادى، يحتمل كونهم باقين في الجماعة و مقتدين بالامام إلى اخر صلاتهم، غاية الأمر سوغ تقديم الأفعال للمأمومين على إمامهم في الجماعة في مورد صلاة الخوف. (1)

الاحتمال الثاني:

كون مفاد هاتين الروايتين، مثل ما يقابلها من الروايات، و هو جواز التبعيض في الاقتداء و الجماعة في الصّلاة، بمعنى كون مفاد هما هو أن ركعة من صلاة كل من الطائفتين في صلاة الخوف تكون فرادى، لأنّ بالنسبة إلى الطائفة الأولى قال في الرواية الاولى من الروايتين (يسلم بعضهم على بعض) فالظاهر من الروايتين كون صلاتهم بالنسبة إلى الركعة الثانية فرادى، و أمّا بالنسبة إلى الطائفة الثانية و إن تدلّ هاتان الروايتان على أن الإمام يصبروهم ينصرفون معه، لكن هذا لا يدل على بقاء الجماعة حقيقة (بعد كون هذه الصّلاة بهذه الكيفية من‌

____________

(1)- (و أقول: الشاهد على بقاء الطائفة الأولى في الجماعة إلى اخر صلاتهم هو حفظ قدوة الطائفة الثانية ببقاء الإمام جالسا إلى أن تأتي الطائفة الثانية، بالركعة الثانية، و ينصرفون مع الإمام فان كان قصد الانفراد غير مضر لا حاجة إلى ذلك) (المقرر).

35

فالظاهر من الروايتين كون صلاتهم بالنسبة إلى الركعة الثانية فرادى، و أمّا بالنسبة إلى الطائفة الثانية و إن تدلّ هاتان الروايتان على أن الإمام يصبروهم ينصرفون معه، لكن هذا لا يدل على بقاء الجماعة حقيقة (بعد كون هذه الصّلاة بهذه الكيفية من أن يأتي المأموم ركعة بنفسه بدون كونه في ذلك متابعا للإمام خلاف المرتكز من الجماعة)، بل يمكن أن يكون صبر الإمام إلى أن يتمّ المامومون صلاتهم لأجل حفظ صورة الجماعة، لا أن تكون جماعة حقيقة، فعلى هذا يكون مفاد هاتين الروايتين أيضا جواز قصد الانفراد و قابلية وقوع الصّلاة بعضها جماعة و بعضها فرادى، و لا ظهور للرواية في كون الجماعة باقية للطائفة الثانية حقيقة.

إذا عرفت ذلك نقول إن كان مفاد الروايتين هو الاحتمال الأوّل فتعارضتا بمفاد هما للطائفة الأولى من الروايات، لأنّ مفاد الأولى صيرورة صلاة كل من الطائفتين من المأمومين فرادى في الركعة الثانية، و الثانية دالة على بقاء الجماعة و عدم صيرورة صلاتهم فرادى.

و إن كان مفادها هو الاحتمال الثانى، فلا يكون مفادهما مخالفا مع مفاد الطائفة الأولى من الروايات فلا تعارض بينهما.

فنقول بعد ذلك بأنا نجيب أولا من الأخبار الواردة في صلاة الخوف، أعنى:

الطائفة الأولى من الروايات المتمسك بها على جواز العدول من الجماعة إلى الفرادى بأن في الباب بعض الأخبار الدالة على خلافها بناء على حمل الروايتين على الاحتمال الأوّل من الاحتمالين.

و ثانيا بأنّه لو فرض دلالة هذه الأخبار على جواز العدول من الجماعة إلى الفرادى، و عدم وجود ما يعارضها في الأخبار الواردة في صلاة الخوف.

36

نقول: إن تجويز نقل نية الجماعة إلى الفرادى في صلاة الخوف يكون لأجل الضرورة، لأنّه لا يمكن للمسلمين في حال الخوف إتيان صلاة بتمامها في جماعة، فجوز لهم الجماعة بهذا النحو، يكون بعضها جماعة و بعضها فرادى في مورد الخوف، و هذا مورد الاضطرار، فجوز لهم ذلك حتّى يدركوا بعض مراتب فضيلة الجماعة في هذا الحال بهذا النحو.

فلو فرض أن يتعدى إلى غير هذا المورد فقدر المتقين هو صورة الاضطرار بدعوى الغاء الخصوصية، و عدم خصوصية لخصوص الاضطرار الحاصل من الخوف، بل يجرى في كل مورد اضطرارى.

[تكون النتيجة جواز العدول من الجماعة الى الفرادى]

فتكون النتيجة هى جواز العدول من الجماعة إلى الفرادى في خصوص حال الاضطرار لا مطلقا كما هو مدعى المستدل فافهم. (1)

الوجه الثاني: [جواز تقديم التشهد و السّلام للمأموم]

بعض الأخبار الواردة في جواز تقديم التشهّد و السلام‌

____________

(1)- (أقول: بعد كون ظاهر الطائفة الأولى من الأخبار الواردة في صلاة الخوف هو صيرورة صلاة كل من طائفتى المأمومين في الركعة الثانية فرادى، و عدم كون الروايتين الأخيرتين ظاهرتين على خلاف ذلك، لكون المحتمل كون مفادهما أيضا موافقا للطائفة الأولى، فتكون النتيجة تجويز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى مطلقا سواء كان مضطرا في ذلك أم لا؟ و ما أفاده مد ظله العالى من أن مفاد هذه الأخبار جواز ذلك حال الضرورة فقط، لكون مورد الأخبار موردا للضرورة لأجل الخوف، غير تمام، لأنّ في حال الخوف لا تكون صلاة الجماعة واجبة، يكون تجويز الفرادى في بعض الصّلاة للضرورة لإمكان إتيانهم جميع صلاتهم فرادى، فان دل هذه الأخبار على تجويز قصد الفرادى، فتكون النتيجة جواز ذلك مطلقا لعدم خصوصية في صلاة الخوف و حال الخوف فتأمل و يأتي بعد ذلك إن شاء اللّه تمام الكلام في الآية و الأخبار الشريفة الواردة في صلاة الخوف.) (المقرر).

37

للمأموم:

منها ما رواها على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يصلّى خلف الإمام فيطول الإمام بالتشهد، فيأخذ الرجل البول، أو يتخوف على شي‌ء يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يتشهّد هو و ينصرف، و يدع الامام). (1)

و منها ما رواها عبد اللّه بن على الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن رجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهد؟ قال: يسلم من خلفه و يمضي لحاجته إن أحب). (2)

وجه الاستدلال هو تجويز الإمام (عليه السلام) و السلام على المأموم قبل الإمام في صورة العذر، كما في الرواية الأولى و مطلقا كما في الثانية، و من المعلوم أن معنى تجويز ذلك تجويز قصد الانفراد لأنّ التقديم خلاف المتابعة و الاقتداء و الكون في الجماعة، فيكشف من ذلك صيرورة الصّلاة من هذا الحال فرادى، فيستفاد من الروايتين جواز قصد الفرادى.

و فيه أولا يكون ذلك في صورة العذر كما هو صريح الرواية الأولى، بل يمكن أن يقال في الثانية أيضا لعدم اطلاق ظاهر له يشمل غير صورة العذر و الاضطرار.

و ثانيا أن مجرد تجويز تقديم التشهّد و السلام لا يدلّ على صيرورة صلاة المأموم فرادى، لعدم ملازمة بينهما لأنّ القدر المتقين وجوب المتابعة في الأفعال، و أمّا‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

38

في الأقوال فلا، فيكون المأموم في الجماعة ما لم ينصرف من صلاته و إن قدم تشهده و سلامه على الإمام، فلا يتمّ الاستدلال بما ورد في جواز تقديم المأموم و السلام على الإمام، فافهم.

الوجه الثالث:

ما ورد في طرق العامة في قضية معاذ عن البنى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المذكور في بعض جوامعهم، و نقله الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا، و على الظاهر يكون نقله منهم لا من طرقنا، و هو هذا على ما نقله في الوسائل عن الصدوق (رحمه اللّه) (قال: و كان معاذ يؤمّ في مسجد على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يطيل القراءة و أنّه مرّ به رجل فافتح سورة طويلة، فقرأ الرجل لنفسه و صلى، ثمّ ركب راحلته، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فبعث إلى معاذ فقال: يا معاذ إياك أن تكون فتانا، عليك بالشمس و ضحيها و ذواتها). (1)

و أمّا بالنقل الّذي في طرق العامة هكذا.

و هذه الرواية مع قطع النظر عن الإشكال فيها من حيث السند، لا دلالة لها على جواز قصد الانفراد إذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سلم جعل معاذ مورد العتاب من جهة قراءته سورة طويلة، و لا تعرض في المقدار المنقول من الرواية لما فعل الرجل من أنّه قصد الانفراد أو قطع صلاته و استأنفها، و أنّه على فرض قصده الانفراد هل صحت صلاته أم لا، فلا وجه للتمسك على جواز قصد الفرادى بهذه الرواية.

[في ذكر الامور الاربعة فى المقام]

ثمّ إنّه يمكن أن يكون نظر القائلين بعدم جواز نقل النية من الجماعة إلى الفرادى، إلى أحد الامور الاربعة:

الأوّل:

أن يكون نظر القائل إلى وجوب إتمام الصّلاة الّتي شرع فيها جماعة‌

____________

(1)- الرواية الّتي رواها فى الباب 69 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

39

كما شرع، أو إلى حرمة قصد الفرادى، إلى الوجوب و الحرمة التكليفين.

الثاني:

أن يكون ناظرا إلى الحكم الوضعي و شرطية بقاء نية الجماعة، أو مانيعة قصد الانفراد للصّلاة و أنّه إذا فقد الشرط أو وجد المانع تبطل الجماعة و أصل الصّلاة بحيث لو وقعت صلاته على نحو عمل فيها بوظيفة المنفرد و لم يأت عملا مخالفا لوظيفة الفرادى تبطل الصّلاة مع ذلك.

الثالث:

أن يكون كلام القائل بعدم الجواز ناظرا إلى الحكم الوضعى أى فساد الصّلاة أيضا، لكن لا بالنسبة إلى الصّلاة و الجماعة كما هو المفروض من الاحتمال الثانى، بل يقال بأن قصد الانفراد يوجب فساد الجماعة فقط، إمّا لكون بقاء قصد الجماعة شرطا في تحقق الجماعة و صيرورة الصّلاة جماعة، و إما لكون قصد الفرادى مانعا لصيرورة الصّلاة جماعة.

و على هذا لو قصد الفرادى و كان قد عمل بوظيفة الفرادى في ما أتى قبل هذا القصد مثل ما إذا قصد الفرادى في الركعة الثالثة، و في الركعة الأولى و الثانية من صلاته قرء الفاتحة، و لم يزد ركوعا و لا سجودا للمتابعة، و غير ذلك من وظيفة الفرادى، فتفسد بقصد الفرادى الجماعة، و اثرها عدم ترتيب آثار الجماعة على هذه الصّلاة.

و أمّا لو لم يعمل بوظيفة الفرادى، مثل أنّه في المثال قصد الفرادى في الركعة الثالثة و لكن ترك قراءة الفاتحة في الاوّلتين، ففي هذا الفرض تفسد الصّلاة أيضا لأنّ صلاته على الفرض ما وقعت جماعة و ما وقعت فرادى، لإخلاله بما يعتبر فيهما فتبطل صلاته.

الرابع:

أن يكون قصد الفرادى كلا قصد، فلو قصد الفرادى في الأثناء لا يؤثر‌

40

هذا القصد في جعل ما بقى من الصّلاة فرادى، و على الفرض لم يبق نية الجماعة، لأنّ مع قصده الفرادى لم تبق استدامة النية بالجماعة فتبطل الصّلاة، لأنها لا جماعة و لافرادى.

[الاستدلالات ترجع الى أحد الوجوه]

ثمّ اعلم أن الاستدلالات الّتي استدل بها على أحد طرفي المسألة يكون ناظرا إلى أحد هذه الوجوه.

فمن يتمسّك على الجواز بالأصل يمكن أن يكون نظره إلى عدم وجوب بقاء نية الجماعة، و لا حرمة قصد الفرادى تكليفا.

كما أن من يتمسّك على عدم الجواز بما روى أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم على ما في طرق العامة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فاذا كبر فكبروا الخ) يمكن أن يكون نظره إلى حرمة ترك المتابعة حرمة تكليفية في صلاة الجماعة.

كما أن من يتمسّك على الجواز بأن صلاة الجماعة لم تكن واجبة ابتداء فكذلك استدامة، يكون نظره إلى جواز رفع اليد عن الجماعة و قصد الفرادى تكليفا.

و من يتمسّك على الجواز بعدم كون بقاء القدوة شرطا و لا قصد الانفراد مانعا، يكون نظره إلى الوجه الثانى، أى: إلى احتمال شرطية بقاء نية الجماعة أو مانعية قصد الفرادى.

كما أن من يتمسّك على عدم الجواز بعدم مشروعية صلاة مركبة من الجماعة و الفرادى، يكون نظره إلى فساد هذه الصّلاة المركبة من الجماعة و الفرادى، و من يقول بفساد الصّلاة الّتي قصد الفرادى في أثنائها اذا عمل عملا ينافي وظيفة المنفرد، يكون نظره إلى بطلان الجماعة بقصد الفرادى.

41

إذا عرفت ذلك نقول: أمّا كون قصد الفرادى كلا قصد، فإن كان الغرض أن بهذا القصد لا تصير الصّلاة خارجة عن كونها صلاة الجماعة، بل باقية بحالها و لو قصد الفرادى، كلام فاسد، لأنّ صيرورة تمام الصّلاة جماعة موقوفة على استدامة نية الجماعة من أولها إلى اخرها، و مع هذا القصد لا تبقى استدامة الحكمية فلا تصير ما بعد قصد الفرادى من الصّلاة متصفا بالجماعة، إنما الكلام في أن ما أتى من الصّلاة بقصد الجماعة قبل أن يعدل إلى الفرادى، هل تتصف بالجماعة حتّى تكون الصّلاة ملفقة من الجماعة و الفرادى أولا؟

و أمّا التمسك باصالة الإباحة على الجواز فنقول: لا إشكال في عدم وجوب الجماعة استدامة، كما لا تجب ابتداء بالوجوب التكليفى، و لا دليل على حرمة قصد الانفراد بالحرمة التكليفية.

و أمّا كون بقاء القدوة شرطا أو قصد الفرادى مانعا للجماعة فقط، أو للجماعة و لأصل الصّلاة كليهما، أو عدم كونها شرطا أو مانعا، فلا دليل على أحد طرفيها، لا على اعتبار بقاء القدوة أو مانعية قصد الانفراد و لا على عدمهما إلا ما ذكرنا من أنّه لو قلنا بكون الجماعة و القدوة وصفا لمجموع الصّلاة، فيكون بقاء ذلك دخيلا في اتصاف الصّلاة بالجماعة على احتمال، و في صحة أصل الصّلاة على احتمال يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه من أنّه هل يكون قصد الفرادى على تقدير مضريته، مضرّا بالجماعة أى: تبطل الجماعة فقط، أو تبطل الصّلاة أيضا.

و إن كانت الجماعة وصفا للأبعاض فلا يكون بقاء الجماعة إلى الآخر بقصدها دخيلا في صدق الجماعة على الصّلاة، بل في كل جزء من أجزاء الصّلاة إذا كان المصلى قاصدا للجماعة، فصلاته بالنسبة إلى هذا المقدار تكون جماعة، و يترتب على‌

42

هذا المقدار آثار الجماعة و لو لم يكن المصلّى في ما بقى من صلاته ناويا للجماعة.

إذا بلغ الأمر إلى هذا نقول: أمّا من بنى جواز قصد الفرادى و عدمه على كون الجماعة و الفرادى حقيقة واحدة فيجوز، أو كونهما حقيقتين فلا يجوز.

فنقول: أولا بأنهما ليستا حقيقتان، لا من باب كونهما في حدّ ذاتهما مع قطع النظر عن احتياجهما إلى القصد حقيقتان، كما يكون الأمر كذلك في الظهر و العصر، و لهذا لا يجوز العدول من العصر إلى الظهر بمقتضى القاعدة، و التزامنا بجواز العدول في أثناء العصر إلى الظهر يكون بمقتضى دليل خاص وارد فيه.

و لا من باب كونهما حقيقتين من باب احتياجهما إلى القصد حيث إنّه كما قلنا سابقا ليس الفرادى محتاجا إلى القصد، بل خصوص الجماعة يحتاج إلى القصد.

و ثانيا إنّه على فرض كونهما حقيقة واحدة كما هو الأقوى للنزاع في جواز قصد الفرادى و عدمه مجال، أو كما قلنا إن كانت الجماعة وصفا لمجموع الصّلاة لا يجوز قصد الفرادى و ان كانت الجماعة و الفرادى فردين من حقيقة واحدة، كما أنّه لو كانت الجماعة قابلة لكونها وصفا لأبعاض الصّلاة، تصح قصد الفرادى و ان كانت هى و الفرادى حقيقتين.

[العدول فى الظهرين غير عدول مورد الكلام في المقام]

ثمّ اعلم أن العدول الّذي يقال في الظهرين من عدم جواز العدول من العصر إلى الظهر على القاعدة و جوازه من العصر إلى الظهر بمقتضى الدليل، غير العدول الّذي يكون مورد الكلام في المقام من أنّه هل يجوز العدول من الجماعة إلى الفرادى أم لا.

لأنّ في الأوّل أى: في الظهرين بعد العدول يصير ما تقدم من أجزاء قبل العدول مصداقا للمعدول إليه و إن أتاها بقصد المعدول عنه، فلو تذكر في الركعة‌

43

الثانية من العصر مثلا عدم إتيان الظهر فبالعدول إلى الظهر تصير الركعة الأولى الواقعة بقصد العصر ظهرا أيضا، و هذا بخلاف العدول في المقام، فإنه لو جوزنا العدول فبعد قصد الانفراد لا يكون ما وقع قبل هذا القصد من أجزاء الصّلاة منطبق عنوان صلاة الفرادى، بل يكون ما أتى قبل العدول من الصّلاة متصفا بالجماعة، و ما يقع من الصّلاة بعد قصد الفرادى يصير متصفا بالفرادى.

ففي العدول من العصر إلى الظهر بعد العدول، يتصف تمام الصّلاة بالظهرية، و في المقام بعد العدول بالفرادى لا ينقلب ما وقع قبل ذلك عما وقع عليه، بل بعض الصّلاة متصف بالجماعة، و بعضها بالفرادى، فتنظير العدول في المقام بالعدول في العصر إلى الظهر، أو من العشاء إلى المغرب في غير محله.

ثمّ بعد ما عرفت تمام جهات المسألة نقول بعونه تعالى: بأنّه بعد كون تمام الملاك في جواز قصد الفرادى و عدمه هو كون الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة أو كونها وصفا لمجموع الصّلاة، فلا بدّ في اختيار الجواز و عدمه من فهم أن الجماعة وصفا للأبعاض أو للمجموع.

[في انّ الصّلاة الملفقة من الجماعة و الفرادى مشروعة في الجملة]

اعلم أن الصّلاة الملفقة من الجماعة و الفرادى مشروعة في الجملة، و هذا على أن الجماعة في الجملة ممّا يكون قابلا لصيرورته وصفا لأبعاض الصّلاة، و لا يلزم في تحقق الجماعة كون الصّلاة بتمامها جماعة، مثل صلاة المأموم المسبوق، فإن الشخص إذا دخل في الجماعة في غير الركعة الأولى من الإمام، فاذا تمت صلاة الإمام فما يبقى من صلاة المأموم يصير فرادى قهرا، و مثل صلاة الحاضر المقتدى بالمسافر فإن صلاته في الركعتين الأخيرتين تصير فرادى، و مثل من يقتدى الصّلاة الثلاثية أو الرباعية بالثنائية، مثلا يقتدى في صلاة قضاء المغرب أو الظهر أو العصر أو العشاء‌

44

بصلوة غداة الإمام أو يقتدى العشاء بالمغرب، ففي كل هذه الموارد تصير صلاة المأموم بعضها جماعة و بعضها فرادى، و وجود الصّلاة المبعّضة من الجماعة و الفرادى في الجملة كما في هذه الموارد، تدلّ على أن الجماعة قابلة لصيرورتها وصفا لأبعاض الصّلاة في الجملة.

[في البحث فى الآية و الأخبار الواردة فى صلاة الخوف]

و أمّا الآية الشريفة الواردة في صلاة الخوف و بعض الروايات الواردة في صلاة الخوف، فهل يمكن أن يقال بدلالتها على كون الجماعة وصفا لأبعاض مطلقا حتّى في غير صورة العذر أو لا؟

أقول: أمّا الآية فكما أشرنا سابقا لا تدلّ بنفسها على أن صلاة المأمومين ركعة كما توهمه العامة، أو ركعتين كما هو الحق عندنا، حتّى يقال بأن الآية تدلّ عل كون صلاة الطائفتين من المأمومين تكون في الركعة الثانية فرادى.

و أمّا الأخبار فكما قلنا سابقا دلالة بعضها على صيرورة الركعة الثانية من صلاة كل من الطائفتين فرادى في صلاة الخوف، ممّا لا إشكال فيه، فدلالة هذا القسم من الأخبار على جواز التبعيض في الصّلاة، بجعل بعضها جماعة و بعضها فرادى، في الجملة واضحة، فتدل على صيرورة الجماعة في مورد الأخبار وصفا لأبعاض الصّلاة، و استفادة جواز ذلك أى: قصد الفرادى في غير صلاة الخوف من الأخبار الواردة في الباب، يمكن أن يكون بأحد النحوين:

النحو الأوّل:

أن يقال: بأن في مورد صلاة الخوف و إن شرعت هذه بهذه الكيفية لأجل الخوف، لكن بناء على عدم وجوب الجماعة فيها فلا ضرورة في إتيان صلاة الخوف ركعتين باتيان ركعة منها في الجماعة و ركعة اخرى منها فرادى، فلا وجه لأن يقال: بأن الحكم أى: التبعيض في الصّلاة بين الجماعة و الفرادى في مورد‌

45

صلاة الخوف، يكون من باب الضرورة، فلا يمكن التعدى من المورد إلى غيره، بل على ما قلنا لا ضرورة في الجماعة على هذا النحو، فتدل الأخبار الواردة في صلاة الخوف على جواز قصد الفرادى مطلقا اضطرارا و اختيارا.

و فيه أن من تأمل في وضع تشريع صلاة الجماعة و أهميتها بنظر الشرع، و التأكيدات الراجعة إليها و أنّه في الصدر الأوّل ما كان يرى إلا الصّلاة في الجماعة، و ما كان العمل الا على الحضور في الجماعات، و لذا لو تخلف أحد عن الحضور صار مورد العتاب، حتّى أن في بعض الأخبار ما يدلّ على أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: بأن من لم يحضر الجماعة امر أن يحرق بيته، بل و في بعضها أمر عليا (عليه السلام) أن يحرق بيوتهم.

عرف انّ هذا كله دليل على عظم شان صلاة الجماعة في نظر الشارع و المسلمين، حتّى أن العامة، كما في بعض كتبهم مثل ابن رشد في بداية النهاية قسم الموضوعات بثلاثة واجب و سنة و مستحب، و صلاة الجماعة من السنة، و هذا من باب عدم كونها كالمستحبات في نظرهم، بل هى برزخ بين الواجب و المستحب.

و من حيث إن صلاة الجماعة بهذه المرتبة من الأهمية في نظر الشرع فلا يرضى رفع اليد عنها حتّى في موارد الضرورات و طروّ الأعذار (كما ترى في جماعة العراة) و ترى أن في مورد الخوف من العدو، و إن لم تكن الجماعة واجبة، و لكن مع ذلك أهميتها تقتضى تشريعها حتّى في هذا الحال.

غاية الأمر بعد ملاحظة أهمية الجماعة، و أهمية الخوف و الحفظ من العدوّ، فشرع في حال الخوف جماعة بهذه الكيفيّة خصوصا مع أنّه حيث يكون أحد مصالح تشريع الجماعة و حكمتها، هو ظهور جماعة المسلمين و كثرة جمعيتهم و جماعتهم و واحدتهم، فهو في قبال العدو ألزم، خصوصا لو بنى على أن المسلمين حال الخوف‌

46

يصلون صلاتهم فرادى فيخرب نظم صفوف المعركة، و ربما ينجر إلى مغلوبيتهم، فلأجل هذه المصالح شرعت الجماعة في هذا الحال أيضا.

فيظهر لك ان الجماعة في صلاة الخوف، و إن كانت مستحبة و لكن هذا لا ينافى مع كون الضرورة مسوّغة لجعل الصّلاة بعضها جماعة و بعضها فرادى، فلا يمكن التعدى من المورد أى: مورد الخوف إلى غيره، فقدر المتقين من الأخبار هو تجويز قصد الفرادى حال الخوف و الضرورة، و أمّا في غير حال الضرورة فلا دلالة لهذه الأخبار على جواز قصد الفرادى.

النحو الثاني:

و هو ما يأتي بالنظر هو أن يقال: بأن المستفاد من الآية الشريفة و بعض الأخبار الواردة في صلاة الخوف، هو اتصاف صلاة الإمام و المامومين بالجماعة في المقدار الّذي يكونون في جماعة، كما يظهر ذلك من التعبير بجملة (أقمت لهم الصّلاة) في الآية الشريفة و التعبيرات المتعددة في أخبار الباب الدالة على صيرورة الصّلاة بالاقتداء في بعضها جماعة.

فمن هنا نكشف أن الجماعة وصف لأبعاض الصّلاة، و إلّا لا معنى لكون صلاتهم في ركعة في جماعة، و يترتب عليها آثار الجماعة، فيثبت بذلك أن الجماعة كما تصير وصفا لمجموع الصّلاة، كذلك تصير وصفا لأبعاض الصّلاة.

و بعد قابلية اتصاف الصّلاة بصيرورة بعضها فرادى و بعضها جماعة، فيثبت أن قصد الفرادى جائز، لأنّ تمام الملاك في جوازه هو قابلية الجماعة لكونها وصفا للصّلاة و من الآية الشريفة و بعض الأخبار الواردة في صلاة الخوف‌

47

يستفاد ذلك. (1)

____________

(1)- (أقول: قلت في مجلس البحث بحضرته مد ظله العالى: بأنّه كما أمضيت الكلام فيه سابقا في مقام بيان محل الكلام في جواز قصد الفرادى و عدمه، لا يكون مورد الكلام أنّه هل يوجد في الشرع صلاة ملفقة من الجماعة و الفرادى لوجود ذلك في الشرع كما ذكر من صلاة مأموم المسبوق و غيره و ليس محل الكلام أيضا صورة اضطرار المأموم بجعل صلاته فرادى مثل ما إذا قطع اتصاله في الأثناء أو في صورة طروّ عارض للامام، أو في صورة الخوف كما فرض في صلاة الخوف.

و الحاصل أنّه ليس محل الكلام ما إذا لم يتمكن المأموم من حفظ الاقتداء و التبعية للامام إمّا لفقد الإمام، أو لتمامية صلاته، فان في هذه الصور لا إشكال في جواز قصد الفرادى و صحة الصّلاة الواقعة بعضها جماعة و بعضها فرادى.

إنما الإشكال و مورد الكلام هو في ما يتمكن المأموم من بقاء الاقتداء و التبعية إلى اخر الصّلاة لوجود إمام يأتم به، ففي هذه الصورة هل يجوز قصد الفرادى في الأثناء اذا كان من أول الصّلاة قاصدا له، أو في أثنائها، أولا يجوز ذلك؟

فبناء عليه أقول: بأن ما أفاده مد ظله العالى في وجه جواز قصد الفرادى مطلقا حتّى في حال الاختيار من استظهار ذلك من الآية الشريفة و بعض الأخبار الواردة في صلاة الخوف من إطلاق الجماعة و ترتيب آثارها على الصّلاة الّتي يصلون حال الخوف، مع كون بعض صلاتهم فرادى، غير تمام، لأنّ في مورد يكون التكليف هو إتيان صلاة الخوف، يكون المأموم- كما أفاده في بطلان الاستدلال على جواز قصد الفرادى بالأخبار الواردة في صلاة الخوف بالنحو الأوّل- مضطرا و المورد مورد الاضطرار، فجواز قصد الفرادى، و فرض صيرورة الصّلاة بعضها جماعة و بعضها فرادى، و قابلية الجماعة لأن تكون وصفا لابعاض الصّلاة فى هذا المورد، لا يوجب جواز ذلك مطلقا حتّى في غير حال الاضطرار، و بعد ما قلت ذلك كأنه استرضاه في يوم اللاحق و لم يقل شيئا.

و لكن بعد عدم تمامية هذا الوجه أى النحو الثانى للاستدلال على جواز قصد الفرادى أقول:

بأنه بناء على صيرورة صلاة الطائفة الأولى من الطائفتين في صلاة الخوف في الركعة الثانية

48

ثمّ إن ثبت جواز العدول من الجماعة إلى الفرادى أو عدمه بالدليل فهو، و لو لم يثبت ذلك و شككنا في جواز ذلك و عدمه.

فتارة يقع الشّك في الجواز التكليفى و عدمه، بمعنى أنّه هل يجوز قصد الفرادى بالإباحة التكليفية، أو يحرم ذلك بالحرمة التكليفية، ففي هذا المقام يكون مقتضى الأصل الجواز، لأنّ مقتضى أصالة الإباحة ذلك.

____________

فرادى، و عدم وجوب صلاة الجماعة حال الخوف، فبالنحو الأوّل يتم الاستدلال ببعض الأخبار الواردة في صلاة الخوف على جواز قصد الفرادى مطلقا، لعدم كون ضرورة على قصد الفرادى، لأنّ الفرض عدم وجوب صلاة الجماعة عليهم حال الخوف، بل لهم أن يصلّوا فرادى، فمع تمكنهم من إتيان الصّلاة فرادى جوز لهم الصّلاة الواقعة بعضها جماعة و بعضها فرادى، فهذا دليل على قابلية اتصاف أبعاض الصّلاة بالجماعة حال الاختيار.

و ما أفاده مد ظله العالى من أنّ أهمية الجماعة تقتضى عدم رفع إليه عنها حتّى حال الخوف و إن كانت مستحبة بحسب تشريعه، و بعد مطلوبية الجماعة يكون قصد الفرادى من باب الضرورة، غير تمام، إذ بعد كون الجماعة مستحبا و لو كانت من المستحبات الأكيدة، فلا اضطرار على الصّلاة في الجماعة حتّى يكون الفرادى في الأثناء لأجل الضرورة من باب لزوم الذهاب تجاه العدو، حتّى يجيئون الطائفة الثانية و يصلون، بل كان الممكن لهم الصّلاة فرادى، فمن تجويز إتيان صلاة بعضها جماعة و بعضها فرادى نفهم جواز قصد الفرادى و قابلية كون الجماعة وصفا لأبعاض الصّلاة فتأمّل.

كما أنّه بعد فرض عدم ضرورة في مورد صلاة الخوف بالجماعة في بعض الصّلاة و الفرادى في بعضها كما عرفت، فيتم الاستدلال على جواز قصد الفرادى مطلقا حتّى حال الاختيار بالنحو الثانى الاذيّ أفاده مد ظله العالى من أن إطلاق الجماعة على صلاتهم، مع كون بعضها فرادى شاهد على قابلية اتصاف بعض الصّلاة بالجماعة، فيجوز قصد الفرادى.

و اعلم أن سيدنا و استادنا الاعظم مد ظله العالى تعرض لهذه المسألة في نية الصّلاة و كتبت تقريراته مد ظله العالى و تعرض هنا أيضا و قد أفاد في هذا المقام بعض فوائد لم يتعرضها سابقا) (المقرر)

49

و تارة يقع الشّك في الجواز و عدمه وضعا بمعنى أنّه هل يكون بقاء الاقتداء و المتابعة ببقاء نيتها شرطا أم لا، أو هل يكون قصد الانفراد مانعا من موانع الصّلاة أم لا، فمقتضى أصالة البراءة هو عدم كون بقاء قصد الاقتداء و المتابعة شرطا و عدم كون قصد الفرادى مانعا، لأنّ ذلك من صغريات الشّك في الأقل و الأكثر أى: في الجزئية و الشرطية و المانعية للمأمور به، و قد بينا في الاصول أن الحق كون ذلك مجرى البراءة، فتكون النتيجة عدم فساد الصّلاة بقصد الفرادى، و صحة الصّلاة لو أتى بعضها جماعة و بعضها فرادى.

و نحن في السابق حينما كتبنا هذه المسألة، اخترنا جواز قصد الفرادى مطلقا، و لكن في حاشيتنا على العروة و رسائلنا انحصرنا الجواز بصورة الضرورة، و في غير الضرورة قلنا بأن الأحوط الترك، و فعلا مع ما بينا من الوجه للجواز مطلقا و ما هو مقتضى الأصل لو وصل الأمر إليه، و هو الجواز أيضا، نقول بالجواز و لكن مع ذلك لانصرف النظر عن الاحتياط بالترك في غير حال الضرورة. (1)

____________

(1)- (أقول و لو بلغت النوبة بالشّك ففي صورة لم يخل المصلّى بوظيفة المنفرد في المقدار الّذي كان قاصدا للجماعة من صلاته، فصح ما أفاده مد ظله العالى من أن مقتضى الأصل عند الشك في مشروعية الصّلاة الواقعة بعضها جماعة و بعضها فرادى هو البراءة، لأنّ الشّك في المشروعيّة و عدمها سبب عن كون بقاء الاقتداء من أول الصّلاة إلى اخرها شرطا، أو كون قصد الفرادى مانعا أم لا، و في الشّك في الشرطية و المانعية تجري أصالة البراءة، فتكون النتيجة مشروعية هذه الصّلاة الملفقة من الجماعة و الفرادى.

و أمّا في ما أخلّ المصلّى في المقدار الّذي يكون ناويا للجماعة من صلاته قبل أن يقصد الفرادى، مثل ما إذا قصد الفرادى في الركعة الثالثة و لم يقرأ القراءة في الأولتين من صلاته، فقد أخلّ بوظيفة المنفرد أو زاد ركوعا، أو سجودا للمتابعة في الأولتين، ففي هذه الصورة لو قصد

50

هذا تمام الكلام في هذه المسألة و الحمد للّه أولا و آخرا و الصّلاة و السلام على محمّد و آله.

____________

الفرادى و شككنا في مشروعية هذه الصّلاة و عدمها، فإجراء البراءة مشكل، لأنّ في هذه الصورة يكون الإطلاقات الدالة على أنّه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو ما يدل على بطلان الصّلاة بزيادة الركن محكمة، لأنّ إطلاقه يشمل كل صلاة خرجت منه صلاة الجماعة بالدليل و على الفرض في المقام يكون شاكا في كون هذه الصّلاة جماعة أم لا، فبحكم (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) أو (بطلان الصّلاة بزيادة ركن فيها) لا بدّ أن نقول بفساد الصّلاة، و مع وجود الدليل اللفظى أى: الإطلاق لا تصل النوبة بالأصل العملى، و لهذا لا بدّ في صورة الشّك في جواز قصد الفرادى و عدمه من التفصيل بين صورة إخلال المأموم القاصد للفرادى بوظيفة المنفرد و عدمه، فتفسد الصّلاة في الأولى و تصح في الثانية) (المقرر)

51

المطلب الثالث: في شرائط الإمام

اعلم أنّه كما أشرنا سابقا يكون قوام صلاة الجماعة بإمام و مأموم، فلا بدّ من أن نتكلم فيمن يصلح لأن يكون إماما، و من لا يصلح لذلك.

[في ذكر القسمين اللّذين يتصوّران فى الباب]

فنقول بعونه تعالى: إن المراجع بالأخبار الواردة عن أهل البيت (عليه السلام) يرى أن طوائف من الناس لا يصلحون للإمامة إمّا بنحو الحرمة الوضعية و إمّا بنحو الكراهة، و هم على قسمين:

القسم الأوّل: من لا يجوز الاقتداء به

لعدم كونه من الطائفة الحقة الاثنا عشرية سواء كان كافرا أى: غير منتحل للاسلام، أو كان مقرا بالشهادتين، و لكن يكون من أحد الفرق الضالة، فمنهم من يشهد عليك بالكفر و تشهد عليه بالكفر، و منهم من يقول بان اللّه تعالى جسم، و منهم المجبرة و منهم من لا يؤمن بقدر اللّه، و منهم المخالف و منهم الناصب و منهم من يكون ممّن يتولى عليا (عليه السلام)، و لكن يكون غاليا، و منهم من يتولى عليا و الائمة (عليه السلام) و لكن لم يتبرأ من أعدائهم، و منهم الواقفة، و منهم المجهول، و منهم عن يقول بقول يونس، و منهم من يقول إنّ اللّه تعالى يكلف‌

52

عباده ما لا يطاق، و منهم العثمانية.

و الحاصل من هذا القسم كل من لا يكون اثنا عشريا فإنه لا يصلح للإمامة، و لا يجوز الاقتداء به، و يدل عليه الأخبار، و كل هذه الطوائف منصوص أعنى: ورد النص على عدم جواز إمامتهم، فارجع بعض (1) الأبواب الراجعة إليها في أبواب الجماعة من الوسائل، و لا حاجة إلى ذكرها هنا.

القسم الثاني: هو بعض الطوائف الّتي يكره إما متهم

، أو لا يجوز الاقتداء بهم، مع كونهم مسلما مؤمنا شيعيا اثنا عشريا، أمّا من يكره إمامته منهم فهو المجذوم و المبروص، فإن بعض الأخبار و إن كان بظاهره دالا على عدم جواز الاقتداء بهم، لكن يحمل بقرينة ما يدلّ على الجواز على الكراهة، فارجع الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

و العبد فقيل بكراهة اقتداء به، فإن بعض الروايات و إن كان يدلّ على عدم جواز إمامته إلا لمثله، لكن بقرينة بعض اخر من الأخبار يحمل على الكراهة، فارجع الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

و المتيمم فيجوز اقتداء المتوضى به على كراهية، فان مقتضى الجمع بين ما يدل على عدم الجواز و ما يدلّ على الجواز الحكم بكراهة الاقتداء به، فارجع الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

و المسافر بالحاضر و الحاضر بالمسافر فإن من النهى في بعض الأخبار و الجواز في بعضها لا يستفاد إلّا الكراهة.

____________

(1)- راجع الباب 10 و 11 و 12 و 13 و 14 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

53

و المقيّد (1) لا يؤمّ المطلقين، و لا صاحب الفلج الأصحاء (و النهى ورد فيهما و ليس في الأخبار ما يدلّ على جواز الاقتداء بهما و لكن حمل النهى على الكراهة، فارجع الباب 22 من أبواب الجاعة من الوسائل.

و لا يؤمّ الأعمى لصاحب البصر على كراهية، لأنّ هذا تقتضى الجمع بين ما يدلّ على عدم الجواز و ما يدلّ على جوازه، فارجع الباب 21 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

و أمّا الذين لا يجوز الاقتداء بهم فهم طوائف: الأولى ولد الزنا، الثانية المجنون، الثالثة الصبى، الرابعة الاغلف مع تمكنه من الختان و لو خاف على نفسه فاستثنى من عدم جواز الاقتداء به الخامسة المتجاهر بالفسق، السادسة شارب الخمر و النبيذ، السابع عاق احد والديه، الثامنة الفاسق، التاسعة الفاجر، العاشرة من يقارف الذنوب، الحادية عشرة الأعرابى، و الظاهر أن المراد منه ليس مطلق من يكون أعرابيّا و إن كان عالما بالأحكام، بل المراد خصوص من لا يكون عارفا بالأحكام، لأنّ الأعرابى غالبا يكون كذلك، فلا وجه للتعميم، الثانية عشرة المرأة، لا إشكال في عدم جواز اقتداء الرجل بها، إنما الكلام في جواز إمامتها لمثلها و يأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

اعلم أنّه لا يكون شرطية الإيمان و طهارة المولد و البلوغ، و العقل محل الكلام، إنّما المهم هو التعرض لشرطية العدالة، لانها صارت مورد الكلام من حيث مفهومه، و ما يعرف به العدالة، و إن كان في اشتراطها في الجملة عدم كلام عندنا خلافا لاكثر‌

____________

(1)- و المراد منه المحبوس.

54

العامّة حيث إنهم ذهبوا إلى عدم شرطيتها في إمام الجماعة.

[شرطية العدالة في إمام الجماعة]

[في ذكر الاقوال فى معنى العدالة]

فنقول بعونه تعالى إنّه يظهر من الكلمات أقوال ثلاثة في معنى العدالة:

القول الأوّل:

هو أن العدالة عبارة عن ظهور الاسلام و عدم ظهور الفسق، كما يظهر ذلك من كلام الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الشهادة من الخلاف، (1) و استدل عليه بإجماع الفرقة و أخبارهم، و بأن الاصل في الاسلام العدالة و الفسق خلاف الأصل، فيحتاج إلى الدليل، و بأنا نعلم أنّه ما كان البحث عن ذلك في أيام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لا في أيام الصحابة و لا أيام التابعين، و إنما هو شي‌ء أحدثه شريك بن عبد اللّه القاضى، و لو كان شرطا ما أجمع أهل الأعصار على تركه.

القول الثاني:

كونها عبارة عن حسن الظاهر.

القول الثالث:

هو كونها عبارة عن الملكة كما يظهر من نوع المتأخرين على اختلاف كلماتهم في هذا المعنى من أنها ملكة راسخة توجب الاجتناب عن المحرمات، أو الاجتناب عن ارتكاب الكبائر و عدم الاصرار على الصغائر، أو بزيادة ترك ما يكون فعله خلاف المروّة.

ثمّ اعلم أن العدالة لغة بمعنى الاستقامة، و الفسق عبارة عن الاعوجاج، فتختلف الاستقامة بالنسبة إلى الأشياء و الاستقامة في كل شي‌ء على حسبه، فالعدالة في الدين هو الاستقامة على جادته و طريقه.

ثمّ ان المعنيين الأوّليين في العدالة- أى: كونها عبارة عن ظهور الاسلام و عدم ظهور الفسق، أو كونها عبارة عن ذلك مع زيادة حسن الظاهر- غير مناسب‌

____________

(1)- الخلاف، ج 6، ص 218 و 217، مسئلة 10.