النجم الزاهر في صلاة المسافر

- السيد محمد علي الحجة الكوهكمري المزيد...
118 /
5

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين اما بعد فان من الأمور الواضحة بين المسلمين بل من ضروريات دينهم وجود الفرق بين صلاة الحاضر و المسافر إجمالا و ذلك حيث ثبت القصر بالنسبة إلى صلاة المسافر بخلاف صلاة الحاضر و هكذا الكلام بالنسبة إلى الصوم حيث ثبت الإفطار بالنسبة إلى المسافر دون الحاضر و هذا مما لا اشكال فيه. نعم وقع الخلاف بين العامة و الخاصة في ان ثبوت هذا الحكم للمسافر هل من باب الاذن و الرخصة أو من باب الوجوب و العزيمة فذهب بعض العامة إلى الأول و اما الخاصة فيقولون بالثاني كما يأتي تفصيل ذلك في محله إنشاء الله.

ثم انه لا بد في التقصير من اعتبار شروط.

الشرط الأول هو المسافة

و هي الموضوع في صلاة المسافر و هذا هو المراد من الضرب في الأرض في الآية لا مطلق الضرب. بل ان ذلك من ضروريات دينهم و لم يعرف المخالف في المسألة إلا ما نسب الى داود الظاهري و أصحابه حيث قالوا القصر في كل سفر قريبا كان أو بعيدا. و لما كان هذا المعنى محتاجا الى التحديد من الشرع حتى يرتفع به الإجمال فورد التحديد في الروايات تارة بمسيرة يوم و اخرى ببياض يوم. و من الواضح ان المراد من ذلك هو السير المتعارف لعامة الناس‌

6

في زمان صدور تلك الروايات الصادرة عنهم (عليهم السلام). و ربما وقع التحديد ايضا بالمرحلة التي يعبر عنه بالفارسية ب‍ (يك منزل) و اما العامة فلهم أقوال كثيرة في المسألة فقال أبو حنيفة السفر الذي يقصر فيه ثلث مراحل أربعة و عشرون فرسخا و اثنان و سبعون ميلا. و قال الشافعي حد السفر مرحلتان ستة عشر فرسخا و ثمانية و أربعون ميلا. و عن بعضهم انه مسيرة يوم و ليلة و من ذلك يعلم انه لو ورد في رواياتنا ما يوافق أحد هذه الأقوال فلا بد من حملها على التقية على ان وقوع التقية في هذا الباب في غاية الندرة. و يشهد على ذلك ما رواه محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

بينا نحن جلوس و ابى عند وال لبني أمية إذ جاء ابى فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم في ثلث. و قال قائل منهم يوما و ليلة و قال قائل منهم في روحة فسألني فقلت له ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما نزل عليه جبرئيل قال له النبي (ص) في كم ذاك؟ فقال: في بريد فقال: و أي شي‌ء البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى في‌ء وعير الحديث (1). عير و وعير جبلان بالمدينة أحدهما من جهة المشرق و الأخر من جهة المغرب و هو وعير و لذا عبر فيه في الرواية بالفي‌ء و ذلك باعتبار رجوع الظل. و الخلاصة ان بعد نقل هؤلاء أقوالهم في مجلس الوالي و حكمه (عليه السلام) على خلافهم في ذلك المجلس يعلم التحديد الواقعي في السفر صريحا و انه لو ورد عنهم (عليهم السلام) ما يخالف هذا التحديد مثل ان حد التقصير ثلث مراحل أو يوم و ليلة أو غير ذلك فلا بد من حمله على التقية مثل ما رواه زكريا بن آدم عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته و امره جائز فيها يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيام و لياليهن فكتب (عليه السلام) التقصير في مسيرة يوم و ليلة (2) و مثله ما رواه احمد بن ابى نصر البزنطي عن الرضا (ع) قال: سالته عن الرجل يريد السفر في كم يقصر؟ فقال:

في ثلاثة برد (3). و مثله ايضا ما رواه أبو بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

____________

(1) الوسائل ب 2/ 13

(2) المصدر ب 1/ 5

(3) المصدر ب 1/ 10

7

لا بأس للمسافر ان يتم الصلاة في سفره مسيرة يومين (1) ثم لما كان من الأمر المسلم عند الإمامية انه لا بد في موضوع القصر من بياض يوم و كان هذا مما يختلف فوقع السؤال عنه في رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

قلت كم ادنى ما يقصر الصلاة قال: جرت السنة ببياض يوم فقلت له ان بياض يوم يختلف يسير الرجل خمسة عشر فرسخا و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم قال: فقال: انه ليس الى ذلك ينظر اما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و المدينة ثم أومأ بيده أربعة و عشر ميلا يكون ثمانية فراسخ (2) فقد ظهر لك ان الشارع قد جعل للمسافة حدا مخصوصا مضبوطا لئلا يتحيرون عند الاختلاف بل يرجعون اليه كما انه قد جعل حدا معينا في غيره من المقامات كما في الكر و الحيض. ثم لا يخفى ان هذا الحد ليس امرا تعبديا من الشارع بل إرجاع منه الى ما هو المتعارف لعامة الناس في تلك الأزمنة و هو بريد ان و كان في الأول اسما للرسول الذي يرسل معه الكتب و هو في التمدن القديم كان بمنزلة مصلحة البوستة اليوم. و لأجل حركته في برودة الهواء أطلق عليه البريد و كانوا يقسمون المسافات و يجعلون في رأس كل أربعة فراسخ مراكب مهياة لهذا الأمر فإذا كان خبر أو كتاب مما يحب إيصاله لمقصد فحينئذ كان حمله البريد الأول و ركض حصانه بأقصى ما يمكنه حتى يصل الى البريد الثاني فيحمله البريد الثاني حتى يصل الى البريد الثالث و هكذا حتى يصل الخبر أو الكتاب بسرعة إلى المقصد.

ثم ان الفرسخ أربعة أميال و كل ميل أربعة الاف اذرع فالفرسخ اثنى عشر الف ذراع و البريدان أربعة و عشرون ميلا و هو ست و تسعون الف ذراع. ثم لا يخفى ان الاختلاف الواقع في الروايات بالزيادة و النقصان في تحديد الفرسخ انما هو من جهة اختلاف الاصطلاحات الواقعة في تلك العصور فعلى هذا فلا تنافي بين تلك التحديدات. ثم ان مقتضى تحديد الشارع المسافة بالحد المعين ان يكون هذا الحد المعين موضوعا للحكم فيثبت القصر عند وجوده و يرتفع عند عدمه و ظاهر هذا التحديد عدم جواز النقيصة و الزيادة كما هو مقتضى التحديدات الحقيقية‌

____________

(1) الوسائل ب 1/ 9

(2) المصدر ب 1/ 15

8

كالحيض و لكن علم بالضرورة عدم كون الزيادة مضرا فيما نحن فيه و التحديد المذكور في الروايات من جهة بيان أقل ما يعتبر في المسافة و اما الزيادة فلا حد لها بالضرورة.

ثم ان روايات الثمانية التي تقرب التواتر أو انها متواترة بالمعنى تكون ظاهرة في كون هذا الحد معتبرا بنحو الامتدادية و مقتضاه عدم كفايته إذا كان ذلك بنحو التلفيق و ان كان مجموع الإياب و الذهاب أكثر من الثمانية فحينئذ يقع التعارض بينها و بين ما دل على وجوب القصر للمسافر بذهاب أربعة فراسخ بقول مطلق. و ذلك لأجل ظهور هذه الطائفة في كفاية الأربعة الامتدادية في وجوب القصر عليه من دون احتياج إلى الزيادة و هذه الطائفة من الاخبار كثيرة جدا فلا بد من الجمع بينهما و يظهر من بعض في مقام العلاج بينهما من الرجوع الى المرجحات السندية فقدم أخبار الثمانية على اخبار الأربعة بطرح أخبار الأربعة و الحكم باعتبار الثمانية الامتدادية و لكن الذي بسهل الخطب هو وجود طائفة ثالثة من الاخبار الشارحة للطائفتين المتقدمتين. و هذه الطائفة أيضا كثيرة جدا. منها رواية سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه (ع) التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا. الحديث (1) فإنها قيدت الأربعة فيها بالذهاب و الإياب و بالجملة ما كان من الروايات لسانه لسان هذه الرواية فكثيرة حيث تدل هذه الطائفة على كفاية الثمانية و لو تلفيقا في وجوب القصر. فبعد وقوع التفسير في نفس الروايات يرتفع التعارض المتوهم بين الطائفتين من دون احتياج في ذلك الى إعمال قاعدة أخرى كما هو واضح فالحاصل بعد كون نفس الأئمة (عليهم السلام) شارحين لكلامهم و مبينين لمرامهم من الطائفتين المتقدمتين يحصل الجمع.

بينهما و من الواضح ان هذا ليس من قبيل الحكومة الاصطلاحية بل ان هذا أوضح و أبين منها و من هذه الطائفة أيضا ما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سالته عن التقصير قال: في بريد قلت في بريد؟ قال: انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه (2) و لما كان ذهن الراوي مأنوسا باعتبار البريدين في التقصير فلما سمع من الامام (ع) الحكم بالتقصير في البريد تعجب منه فأجابه‌

____________

(1) الوسائل ب 2/ 4

(2) الوسائل ب 2/ 9

9

(عليه السلام) بان الانضمام بالرجوع يجعله بريدين. و بالجملة فالمستفاد من الرواية كفاية البريدين و لو تلفيقا في ثبوت القصر. فتحصل من ذلك انه لا اشكال بحسب الروايات في الحكم بوجوب القصر في صورة التلفيق. و انما الإشكال في ان ثبوت هذا الحكم هل هو في صورة كون الرجوع ليومه كما هو ظاهر رواية محمد بن مسلم فان الظاهر من قضية شغل يومه هو الفعلية أو انه يكفى في ثبوت الحكم المزبور مجرد تحقق البريدين و لو تلفيقا إذا لم يتحقق أحد القواطع من وصوله الى وطنه أو إقامة عشرة أو التردد ثلثين يوما وجهان بل قولان فعلى الأول إذا لم يرجع ليومه فهل يثبت في حقه الإتمام أو انه يتخير بين القصر و الإتمام مطلقا و ان لم يرجع ليومه أيضا أو يتعين القصر عليه في صورة الرجوع ليومه و يتخير بدونه وجوه بل أقوال.

ثم لا يخفى ان القول بالتخيير و ان كان يظهر من بعض الا انه لا وجه للمصير اليه و اما ما يستفاد من التعليل الوارد في رواية محمد بن مسلم من حيث ظهوره في انه لا بد من الرجوع ليومه حتى يجب عليه التقصير فيرد عليه ان القول باعتبار الرجوع ليومه نظرا الى ذيل الرواية ربما لا يلائم صدرها فان ظاهر صدرها هو الإطلاق فارادة عدمه من الذيل ربما يوجب التفكيك في الرواية بين الصدر و الذيل مع انهما صدرا من شخص واحد في كلام واحد و في سياق واحد هذا كله مع قطع النظر عن القرائن الخارجية و الروايات الخاصة الواردة في المقام. و الا فملاحظة سائر الروايات تقتضي رفع اليد عن ظهور فعلية شغل يومه و قد روى زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: سألت: أبا عبد الله (ع) عن التقصير فقال بريد ذاهب و بريد جائي (1) قال و كان رسول الله (ص) إذا اتى ذبابا قصر و ذباب على بريد و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (2) فإنك إذا لاحظت رواية محمد بن مسلم مع هذه الرواية يظهر لك انه لا وجه للبحث في ان المراد من شغل يومه هل هو الفعلية أو الشأنية كما وقع في هذا بعض الاعلام و ذلك لوضوح ان السؤال في الروايتين عن أمر واحد و شي‌ء فأرد فأجاب (عليه السلام) في إحديهما بالبريد أي في رواية محمد بن مسلم فبعد ما تعجب‌

____________

(1) ب 2/ 14

(2) ب 2/ 15

10

من ذلك من جهة انس ذهنه بما سواه و هو البريدان علل ما ذكره أولا بقوله انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه و في رواية زرارة- بعد ما حكم (ع) بالبريد علله قبل سؤال الراوي و استشكاله كما هو دأب هذا الراوي لأجل حدة ذهنه و مزيد دقته بقوله لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ و ذلك بعد ما نقل من فعل رسول الله (ص) شاهدا و دليلا على المطلب. فتحصل من ذلك كله ان المراد من الروايتين سؤالا و جوابا شي‌ء واحد و ان كل واحد منهما ناظر إلى جهة واحدة فالعلة المذكورة في الرواية مع ذكره (عليه السلام) فعل النبي (صلى الله عليه و آله) تكون شاهدا قويا على ان المراد من شغل يومه ليس هو الرجوع ليومه. و بالجملة فبعد وقوع التفسير في نفس الروايات و كون بعضها شارحا لبعضها الأخر لا وجه لإعمال قواعد اخرى و إرجاع البحث إلى مسألة أصولية كما لا يخفى. و الحاصل انه لا إشكال في ان المناط في ثبوت التقصير هو كون الشخص مسافرا في قبال الحاضر. و الى ذلك يرجع قوله فقد شغل يومه اى يكون حينئذ مسافرا. و الا فلا خصوصية للاشغال فالتعليل بشغل اليوم لأجل دفع المنافاة بين أخبار الأربعة و الثمانية من دون نظر إلى ان يكون الرجوع ليومه أو لا. و من هنا يظهر ان الاستدلال بالتعليل المزبور باعتبار الرجوع ليومه ضعيف غايته. ثم ان الأمر في أخبار الأربعة إنما يدور بين الإطلاق و الإهمال.

فإن قلنا على الأول فحينئذ لا يكون فرق في ثبوت القصر بين ان يكون الرجوع ليومه أو ليلة أو غير ذلك ما لم يحصل أحد القواطع. و ان قلنا على الثاني فلا يدل ايضا على لزوم الرجوع ليومه. و ذلك ان التعليل في مقام رد ما يتوهم من كفاية الأربعة مطلقا كما هو ظاهر بعض الاخبار و انه لا بد في التقصير اما من ذهاب ثمانية فراسخ أو أربعة فراسخ ذهابا و أربعة فراسخ إيابا. فعلى هذا فلا يستفاد من الرواية وجوب الرجوع ليومه كما هو واضح لان المستفاد منها على النحو الثاني ليس إلا قضية مهملة و هي ثبوت التقصير عند حصول المسافة المزبورة و اما استفادة انه لا بد من الرجوع قبل الليل فلا يستفاد منها نعم مقتضى الإهمال انه لا بد من الاكتفاء على القدر المتيقن و هو القصر فيما إذا سافر أربعة فراسخ و رجع ليومه و اما لو سافر أربعة فراسخ و رجع ليلته أو رجع في سائر الأيام فلا يثبت‌

11

فيه القصر و بالجملة فالقائل بالإطلاق انما يكون في سعة من ذلك فما لم يحصل لسفره أحد القواطع لا بد له من التقصير. و اما القائل بالإهمال فهو يضيق دائرة الاخبار و لا يمكن له التقصير في غير صورة الرجوع ليومه. و اما القول بالتخيير بين القصر و الإتمام في الأربعة و ذلك من جهة الجمع بين تلك الاخبار و اخبار الثمانية كما يظهر من بعض فمما لا وجه له حيث انه لا بد في مثله من وجود شاهد على الجمع المذكور اما من نفس الاخبار و اما من الخارج و من البين انتفائه.

هذا كله مع قطع النظر عن الاخبار الخاصة الدالة على ان الرجوع ليومه ليس لازما. و الا فمن نظر الى الاخبار الواردة في خصوص عرفات و غيرها يعلم بان الرجوع ليومه ليس لازما في ثبوت القصر. و نحن بعون الله و منه نذكر بعض هذه الاخبار فنقول: منها صحيحة معاوية بن عمار انه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات. فقال: ويلهم أو ويحهم و اى سفير أشد منه لا تتم أو لا تتموا كما في بعض النسخ (1) فإن قرئت جملة لا تتم مجهولا يكون نائب الفاعل لفظ الصلاة و ان قرئت معلومة تكون خطابا لمعاوية بن عمار هذا على تقدير كون الصيغة مفردا و اما على تقدير كونها جمعا يكون المخاطب هو أهل مكة. ثم ان لفظة ويلهم أو ويحهم و ان لم تدل على تعين القصر الا ان ما بعدها يدل على وجوب القصر تعيينا كما هو واضح. ثم ما وقع من الفقيه الوجيه الهمداني في مصباحه من نقل الرواية عن معاوية بن وهب فهو سهو منه كما لا يخفى. و منها صحيحته الأخرى عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا (2) و الظاهر من الرواية بيان حكم أهل مكة و انهم إذا رجعوا و الفرض انهم لم يدخلوا منازلهم فلا بد لهم من التقصير و اما إذا فرض دخولهم منازلهم فلا بد لهم من الإتمام و في هذا إشارة إلى الخلاف الواقع بينهم في انه هل يعتبر في الإتمام من الدخول في البلد و الوطن أو الدخول في البيت و المنزل. و الرواية تدل على الثاني. ثم من الواضح ان بين مكة و عرفات مقدار أربعة فراسخ من المسافة أو أزيد منها و واضح أيضا انهم إذا ذهبوا الى عرفات لم يرجعوا ليؤمهم منها.

____________

(1) ب 3/ 7

(2) ب 3/ 7

12

و يفهم من الروايات انه لا بد لهم من التقصير إذا كان الرجوع قبل ثلاثة أيام و الظاهر انه لا خصوصية لذلك و ذكر الثلاثة في الرواية انما هو من باب المثال و عليه فلا فرق بين ان يكون الرجوع قبل الثلاثة أو قبل العشرة. فلا بد في كل منهما من التقصير. و بالجملة فمناط التقصير هو كون الشخص مسافرا فما لم يقطع سفره بأحد القواطع فلا بد له من التقصير. ثم ان ما دل من الروايات على انه لا بد من الإتمام في منى و عرفات فلا بد من الحمل على التقية كما يشهد على ذلك ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حج النبي (صلى الله عليه و آله) فأقام بمنى ثلاثا يصلى ركعتين ثم صنع ذلك أبو بكر و صنع ذلك عمر ثم صنع ذلك عثمان ست سنين. ثم أكملها عثمان أربعا فصلى الظهر أربعا ثم تمارض ليشد (ليسد) بذلك بدعته. فقال للمؤذن: اذهب الى على (عليه السلام) فقل له:

فليصل بالناس العصر. فأتى المؤذن عليا (عليه السلام) فقال له: ان أمير المؤمنين عثمان يأمرك ان تصلى بالناس العصر. فقال: اذن لا أصلي إلا ركعتين كما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فرجع (فذهب) المؤذن فأخبر عثمان بما قال على (عليه السلام) فقال: اذهب اليه و قل له: انك لست من هذا في شي‌ء اذهب فصل كما تؤمر. فقال (عليه السلام): لا و الله لا افعل. فخرج عثمان فصلى بهم أربعا فلما كان في خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه و قتل أمير المؤمنين (ع) حج معاوية فصلى الناس بمنى ركعتين الظهر ثم سلم فنظر بنو أمية بعضهم الى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان ثم قالوا قد قضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوه. فقاموا فدخلوا عليه فقالوا أ تدري ما صنعت ما زدت على ان قضيت على صاحبنا و أشمت به عدوه و رغبت عن صنيعه و سنته. فقال: ويلكم اما تعلمون ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلى صاحبكم ست سنين كذلك. فتأمروني ان ادع سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل ان يحدث. فقالوا لا و الله ما نرضى عنك الا بذلك. قال: فاقبلوا فانى متبعكم (مشفعكم) و راجع الى سنة صاحبكم فصلى العصر أربعا فلم يزل الخلفاء و الأمراء على ذلك الى اليوم. فقد علم من هذا الحديث الشريف ان الإتمام انما هو من مبتدعات عثمان. ثم ان أهل‌

13

مكة يشاركون مع سائر المسافرين الذين سافروا إليها في وجوب القصر عليهم إذا سافروا الى عرفات. و ذلك لوضوح ان ما بين مكة و عرفات مقدار أربعة فراسخ من المسافة كما قلنا سابقا فيكون حينئذ مجموع الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ فيتحقق حد السفر شرعا فيثبت القصر حينئذ. و على هذا لا يبقى بين أهل مكة و من قصد الإقامة فيها عشرة أيام من سائر المسافرين فرق كما هو واضح. و اما المقام الثاني فهو ان بين أهل مكة و سائر المسافرين فرقا في ثبوت الحكم. و هو ان أهل مكة إذا أرادوا الدخول الى منازلهم أو بلدهم فلا بد لهم من الإتمام إذا دخلوا منازلهم أو بلدهم على اختلاف الواقع بين العلماء كما يأتي بيانه إنشاء الله و ذلك لانقطاع سفرهم بالدخول و ايضا لا بد لأهل مكة من الإتمام إذا خرجوا منها ثانيا إلى منى و ذلك لعدم تحقق المسافة المعتبرة بين مكة و منى فثبت الإتمام في حق أهل مكة بخلاف سائر المسافرين قالوا جب عليهم هو القصر كما لا يخفى. و من ذلك يظهر ان ما يدل من الاخبار على وجوب الإتمام في حقهم ايضا فمحمول على التقية. ثم ان الرواية الواردة في مقام بيان بدعة عثمان لا مساس لها لما نحن بصدده و هو وجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ و لم يرجع ليومه و ان يظهر من بعضهم التمسك بها على ذلك. فإنها واردة في مورد غير أهل مكة من المسافرين كما هو الظاهر. و الوجه في تقصير النبي (صلى الله عليه و آله) ايضا صلوته بمنى انما كان ذلك اى كونه (ص) مسافرا. و في هذا المورد قد أتم صلوته عثمان و أنكر عليه على (عليه السلام). و اعتذر هو بأني تأهلت من مكة و قد سمعت عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: ان من تأهل من بلدة فهو بحكم أهلها. و حيث أبطلوا عليه هذه المقالة اعتذروا عن قبله بأنه اشترى في مكة و طائف أملاكا و ان من كان له ملك في موضع فله ان يتم صلوته فيه ما دام مالكا. و على كل حال فمن راجع اخبار عرفات يعلم بان فيها غنى و كفاية على المطلب و انه لا فرق بين الرجوع ليومه و غيره ما لم ينقطع سفره بأحد من القواطع. و منها رواية إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصلاة. فلما صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على‌

14

أربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم الا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم و هم لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون. هل ينبغي لهم ان يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم قال: ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا. و ان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة (ما أقاموا فإذا انصرفوا) قاموا أو انصرفوا فإذا مضوا فليقصروا. (1)

و رواه الصدوق في (العلل) بسنده عن محمد بن أسلم (مسلم) نحوه و زاد قال:

ثم هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا. قال: لان التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقل من ذلك فإذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد ساروا سفر التقصير. و ان كانوا ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة. قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه إذ ان مصرهم الذي خرجوا منه. قال: بلى. انما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم و ان السير يجد بهم. فلما ان جائت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا. و رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن أسلم (مسلم) مثله مع الزيادة (2) فيدل هذا الخبر الشريف على ان من كان من قصده الذهاب الى رأس أربعة فراسخ و يريد الرجوع بعد مضى أيام فلا بد له من تقصير صلوته و من الواضح ان لفظة أيام تشمل الثلاثة و أزيد و حينئذ لا بد له من التقصير ما لم يحصل له إقامة عشرة أيام حيث انه يصدق في حقه انه مسافر شرعا. و مقتضى ذلك ثبوت القصر في حقه ما لم يحصل أحد من قواطع السفر. ثم ان ثقة الإسلام الكليني قد روى هذا الخبر المزبور في الكافي إلى نصفه و ترك نصفه الأخر من قوله ثم قال: و هل تدري كيف صارت هكذا الى آخر الحديث. و ذلك لانه لو كان يذكر الذيل لكان يستفاد منه خلاف فتواه لذهابه الى تعين القصر في أربعة فراسخ مطلقا و ان تمام الموضوع في السفر هو هذا المقدار من المسافة. و من هنا اقتصر في الكافي على نقل أخبار الأربعة و لم يذكر أخبار الثمانية. و الا لم يكن من دأب الكليني ذلك بل كان هو (رحمه الله) يذكر الأحاديث بعباراتها و ألفاظها من دون تصرف و تقطيع‌

____________

(1) الوسائل ب 3/ 10

(2) الوسائل ب 3/ 11 رواه عن الكافي

15

فيها و لذا كان ما فعله في المقام من التقطيع بمكان من الغرابة. نعم قد رأينا مثل ذلك كثيرا من الصدوق (رحمه الله) حيث يذكر كثيرا بعض الحديث و يترك بعضه الأخر. ثم لا يخفى ان ما ذكرنا من عدم ذكر الكليني ذيل الحديث ليس من باب القدح و الطعن عليه. بل شأنه أجل و ارفع من ذلك. و ليس سمو مقامه و علو قدره بأقل من مصنفي كتب الرجال كالشيخ و النجاشي و غيرهما حتى يحتاج الى توثيقاتهم. بل هنا نكتة لطيفة دقيقة و هي ان الكليني (رحمه الله) صنف كتابه الكافي و التزم فيه بذكر الأحاديث الصحيحة. و ذلك انه صنف كتابه هذا إجابة لسؤال من سأله ان يجمع له كتابا يكون حاويا للروايات الصحيحة.

فجمع له الكافي. و من الواضح ان الأصوليين قد بينوا في الأصول بأن الانجبار في الرواية يكون على وجهين. الأول كون عمل المشهور جابرا لدلالة الرواية و مضمونها بان يكون مضمون الرواية طبق فتوى المشهور و ان كان السند ضعيفا و الثاني ان يكون جابرا لسند الرواية كما ان الصحيح قد يطلق في لسان القدماء على الخبر الذي يقطع أو يظن بصدور مضمونه عن الامام و لو من حيث مطابقته للأخبار الكثيرة الصحيحة من حيث السند و ان كان نفس الخبر ضعيفا بحسب السند مثل هذا الخبر. و حيث ان صدره مطابق للأخبار الدالة على الاكتفاء في التقصير بأربعة فراسخ فلا يعد الخبر من الضعاف من حيث الصدر بخلاف الذيل فإنه يدل على اعتبار الثمانية و بالجملة فالخبر يكون من الصحاح صدرا عند الكليني لا ذيلا. و قد ذكرنا ان بناء الكليني على تدوين الأخبار الصحيحة بخلاف العلامة المجلسي فان بنائه في البحار على تدوين اخبار الشيعة بأجمعها مما وصلت يده اليه صحيحا كان أو ضعيفا حفظا من ضياعها. و مما ذكرنا ايضا يظهر وجه ما فعله الصدوق من تقطيع الأحاديث و ذكر بعض الحديث و ترك بعضه الأخر هذا. و قد يستدل لوجوب الإتمام على مريد الرجوع لا ليومه بما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي الحاجة (حاجة) انتفع بها أو يضرني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأني لا أدرى أصوم أو أفطر. فقال‌

16

لي فاخرج فأتم (و أتم) الصلاة و صم فانى قد رأيت القادسية فقلت له: كم ادنى ما يقصر فيه الصلاة. قال: جرت السنة ببياض يوم فقلت له: ان بياض يوم يختلف يسير (مختلف فيسير) الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم. قال: فقال: انه ليس الى ذلك ينظر. اما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و مدينة. ثم أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ (1) و فيه: ان الرواية ليس لها مساس على المطلب. فإنه من الاخبار الواردة في المرور إلى الضيعة و كونها بمنزلة الوطن كما يأتي تفصيله فيما بعد إنشاء الله مضافا الى ان الرواية تدل بإطلاقها على وجوب الإتمام لمن كان مريدا للرجوع ليومه و لغيره لا لخصوص أحدهما. و الإنصاف أن ملاحظة صدر الرواية و ذيلها التي ذكرها في الوسائل تقطيعا كما هو دابه في نقل الروايات تشهد على ما ذكرنا. و ان الرواية من الروايات الواردة في المرور إلى الضيعة و ان المرور إليها كالمرور الى الوطن فيكون من أحد القواطع هذا مع كونها معارضا لموثقة ابن بكير التي ورد فيها الأمر بالتقصير لمن خرج من الكوفة إلى القادسية (2) و هكذا لا وجه للاستدلال برواية عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سالته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع. قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (3): فان التأمل الصادق فيها يعطي انها انما وردت في مقام اشتراط وجوب القصد في المسافة. فعلى هذا تكون الرواية أجنبية عن المقام. و تشهد على ما ذكرنا رواية صفوان قال: سالت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد ان يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر. قال: لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما يريد ان يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه ان ينوي من الليل سفرا و‌

____________

(1) ب 1- 15 و 14/ 4- الوسائل

(2) ب/ 1/ 7

(3) ب 4/ 3

17

الإفطار فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد ان أصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك (1).

و موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة له و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك فتمادى به المضي حتى تمضى به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلوته؟ قال يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله (2) و المراد انه يقصر في الرجوع كما هو واضح هذا. و بقي هنا شي‌ء و هو انه يعتبر في ثبوت القصر وحدة السفر. فان من الواضح ان الحكم في الوحدة و و الكثرة يكون تابعا لوحدة الموضوع و كثرته و هذا حال كل عرض بالنسبة إلى موضوعه. ثم ان الوحدة المذكورة في المقام لا بد و ان تكون أما حقيقية أو اعتبارية و على الثاني المعتبر اما هو العقل أو الشرع أو العرف. و التحقيق ان الوحدة الحقيقية مما لا سبيل إليه في المقام. فان اتصال كل جزء من اجزاء السير مع آخر و عدم طرو العدم بينها كما يتفق ذلك في المسافرة مع السيارات أو الطائرات ليس شرطا في ثبوت القصر. بل ان من عادة المسافرين هو النزول في أثناء أسفارهم للاستراحة و غيرها. و بالجملة فالقطع حاصل لنا بعدم اعتبار هذا النحو من الوحدة شرعا في المقام. و اما الوحدة الاعتبارية فإن كان المعتبر هو العقل فهذا ايضا كسابقه. فان المورد ليس من قبيل الموضوعات العقلية و لا مساس له بالعقل.

فيبقى ان يكون المعتبر هو اما الشرع و اما هو العرف و على كل منهما فاما ان يكون تحقق هذه الوحدة أما بوحدة القصد و اما بوحدة المقصد اما وحدة المقصد فلا توجب وحدة السفر. إذ من الواضح ان في صورة المسافة التلفيقية للمسافر مقصدان. أحدهما رأس الأربعة و الأخر منزله. بل ربما لا مقصد له أصلا كما إذا أمر المتطبب على المريض بمشيه ثمانية فراسخ فخرج هو عن منزله بقصد سير هذا المقدار من المسافة. فإنه لا إشكال في وجوب القصر عليه و ان لم يكن له مقصد أصلا. فالتحقيق ان وحدة السفر انما هو بوحدة القصد بان يكون من قصده سير ثمانية فراسخ و ان لم يكن له مقصد معين. ثم إذ قلنا بان المعتبر في وحدة السفر هو اعتبار العرف و نظره و الشارع انما هو أمضاه فحينئذ يمكن التمسك بإطلاق‌

____________

(1) ب 4/ 1

(2) ب/ 2

18

الثمانية و إثبات حكم القصر في كل مورد يشك فيه في مدخلية شي‌ء آخر في الموضوع و ذلك لمعلومية ما هو الموضوع في نظر العرف فلا بد من التقصير حينئذ ما لم يعلم بطرو أحد من القواطع. و اما إذا كان المعتبر هو نظر الشارع و اعتباره كما هو كذلك في غير واحد من الموضوعات التي أخذ الشارع فيها طريقة على حده فحينئذ لا يمكن التمسك بالإطلاق في موارد الشك كما لا يخفى. ثم في الفقه المنسوب الى مولانا الرضا (عليه السلام) انه قال فيه: فان كان سفرك بريدا واحدا و أردت ان ترجع من يومك قصرت لان ذهابك و مجيئك بريدان. الى ان قال: و ان سافرت الى موضع مقدار اربع فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار فإن شئت أتممت و ان شئت قصرت. و ان كان سفرك دون اربع فراسخ فالتمام عليك واجب. و لكن التحقيق عدم حجية الفقه الرضوي عندنا فلا يكون دليلا على التخيير. و مما ذكرنا ظهر انه لا وجه للقول بأنه لا يصح التمسك بإطلاق روايات البريد و ذلك من جهة وقوع الإجمال و الإهمال فيها و ذلك لما عرفت سابقا من ان أول ما نزل به جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو البريد ثم بين موضوعه بأنه ما بين ظل عير الى فيئى و عير فيستفاد من ذلك كون الرواية في مقام البيان كما لا يخفى. و يدل على المطلب أيضا صحيحة أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلي في رجوعي بتقصير أم بتمام. و كيف كان ينبغي ان أصنع؟ فقال ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلى بالتقصير لأنك كنت مسافرا الى ان تصير الى منزلك. قال: و ان كنت لم تسرفى يومك الذي خرجت فيه بريدا فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تؤم من مكانك ذلك. لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت و عليك إذ أرجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك (1) و قد أشار الإمام (عليه السلام)

____________

(1) ب 5/ 1

19

الى بيان موضوع التقصير بقوله لأنك كنت مسافرا. إلخ و لا يخفى ان الظاهر من الرواية أيضا هو ان الرجوع انما حصل له في الليل. و بالجملة: فقد تحصل مما ذكرنا ان الثمانية أعم من الامتدادية و التلفيقية. فإذا حصل للمسافر هذا الحد يجب عليه التقصير إلا إذا طرء عليه أحد القواطع نعم ربما يقال باعراض المشهور عن إطلاق الثمانية حيث انهم قالوا بتعين القصر فيمن أراد الرجوع ليومه و بالتخيير في غيره. و لكن يرده فتوى الكليني بخلافه إذ المختار عنده كفاية الأربعة مطلقا في التقصير و ان تمام الموضوع عنده في وجوب التقصير هو تحقق هذا المقدار من المسافة سواء كان الرجوع في يومه أو بعده أو لم يرجع أصلا فلا وجه حينئذ للقول بأن الرواية معرض عنها. و ان أبيت عن ذلك و قلت ان نقل الرواية أعم من كون مضمونها فتوى له أم لا فحينئذ نقول: يكفى لما ذكرنا فتوى الشيخ الأقدم ابن ابى عقيل على التقصير صريحا قال العلامة في المختلف: و قال ابن ابى عقيل: كل سفر كان مبلغه بريدان و هو ثمانية فراسخ أو بريدا ذاهبا و جائيا و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول (عليهم السلام) إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و غاب عنه منها صوت الأذان ان يصلى صلاة السفر ركعتين. انتهى على ان أعراض المشهور انما يرجع الى جهة الدلالة في الرواية لا السند فيها. فان سند الرواية مما لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و انما ذهبوا الى التخيير من جهة الجمع بين الروايات و هذا مما لا يضر على المطلب. و المضر انما هو في صورة ثبوت الأعراض بالنسبة إلى السند. و أنت إذا عرفت ان ضم الروايات بعضها ببعض يكفي في الدلالة على ثبوت التقصير فقد عرفت انه لا وجه لما ذهب اليه المشهور. فالحق في المسألة هو ثبوت القصر سواء كان الرجوع ليومه أو لغيره. ثم هل يعتبر في المسافة التلفيقية كون الذهاب أربعة دون الإياب مع فرض كون المجموع من الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ أو يعتبر كون كل واحد من الذهاب و الإياب أربعة أو انه لا يعتبر ذلك لا في الذهاب و لا في الإياب بل المعتبر هو تحقق الثمانية كيف ما اتفق وجوه بل أقوال و الأقوى هو الأول و هو اختيار المحقق في الشرائع و عليه ايضا فتوى المشهور و‌

20

يدل عليه ان المستفاد من الروايات هو اعتبار البريد في المسافة التلفيقية و هو الذي نزل به جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند نزول آية التقصير فيعلم من مجموع تلك الاخبار انه لا بد من اعتبار خصوصية الأربعة في ترتب الحكم و وجوب تقييد المسافة التلفيقية بها. و انما الكلام في أنها هل اعتبرت في الذهاب و الإياب كليهما كما هو مقتضى الجمود على ظاهر الروايات أو انه لا بد من اعتبارها في الذهاب فقط بعد فرض كون المجموع ثمانية فراسخ فإذا فرض كون الذهاب خمسة و الإياب ثلاثة لكفى ذلك في ترتب حكم القصر عليه و هذا هو الحق في المسألة. إذ من الظاهر ان الزائد على الأربعة في الذهاب ليس خارجا عن حكم السفر و ليس هو كالسفر بلا قصد أو كسفر المعصية بل ان له دخلا في ترتب الحكم. و اما البريد في الرجوع فهو انما اعتبر من جهة تتميم حد السفر و هو ثمانية فراسخ و هذا التفصيل و ان كان خلاف الظاهر في بادى النظر الا انه لا بد من الالتزام به. و ذلك من جهة وقوع التفسير في الروايات الكثيرة بأن بالرجوع يصير السفر ثمانية فراسخ. و بالجملة: فالمستفاد منها ان اعتبار البريد في الرجوع انما هو من أجل تتميم الثمانية و الا فلا خصوصية للبريد في الرجوع بخلاف الذهاب كما عرفت آنفا. ثم ان اعتبار البريد في الذهاب دون الإياب انما هو فيما كان للشخص مقصد معين حتى يتحقق الذهاب و الإياب بملاحظته. و اما إذا لم يكن له مقصد معين بل كان قصده نفس السير فالاعتبار حينئذ بنفس ثمانية فراسخ. لكن التحقيق إمكان فرض الذهاب و الإياب في هذا الفرض أيضا فإنه كلما بعد عن الموضع الذي خرج منه يصدق حينئذ الذهاب كما انه يصدق الإياب بقربه اليه. و اما المسافة المستديرة ايضا فيجي‌ء هذا الاحتمال فيها أيضا. فإنه إذا خرج من نقطة من الدائرة فما لم يصل الى النقطة المقابلة لتلك النقطة يصدق عليه كونه ذاهبا و إذا تجاوز عن تلك النقطة المقابلة يصدق عليه كونه جائيا. و بعبارة أخرى فإذا فرض ان قطر الدائرة فيما نحن فيه يمتد و يمر من النقطة التي هي مبدء سيره حتى يصل الى النقطة المقابلة للنقطة الاولى فبتجاوزه عن النقطة الثانية يكون جائيا كما انه ما لم يصل إليها يكون ذاهبا هذا. و اما إذا كان من قصده السير من نقطة منها إلى‌

21

نقطة أخرى ثم الرجوع منها إلى الأولى ففرض الذهاب و الإياب في هذه الصورة أوضح من ان يخفى. هذا تمام الكلام في المقام و الله المستعان.

الشرط الثاني قصد المسافة:

و هذا مما لا اشكال فيه إجماعا. فلو كان سيره بمقدار المسافة لكن بلا قصد أو يسير فرسخا مع القصد ثم في رأس هذا الفرسخ بد إله أن يسير فرسخا آخر و هكذا الى تمت الثمانية فلا يشمله حكم السفر من القصر و تدل عليه رواية صفوان المتقدمة قال: سالت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد ان يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ نهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ. انما خرج يريد ان يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموقع الذي بلغه و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار. فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد ان أصبح من السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك (1). و اما ذيل الحديث الذي يستفاد منه ان جواز الإفطار يتوقف على كون القصد في الليل فهو لا يضر بما نحن فيه و التفكيك بين الصدر و الذيل بوقوع العمل بأحدهما و عدمه في الأخر غير عزيز في الروايات. و اعتبار قصد السفر ليلا في جواز الإفطار مما صار محلا للبحث بين الأصحاب و تدل عليه أيضا رواية أبي ولاد (2) المتقدمة أيضا حيث ان المستفاد منها ان ثبوت القصر عليه انما هو من جهة سيره أربعة فراسخ مع القصد ذاهبا ثم الرجوع الى الكوفة ثانيا. و انه لو لم يكن سيره أربعة فراسخ لم يكن عليه القصر. ثم لا فرق بين خصوصيات القصد من كونه إلى جهة واحدة أو جهات متعددة. فالمعتبر هو تحفظ أصل هذا القصد و ان كان ملفقا من الذهاب و الإياب بأن يكون المجموع بعد رجوعه عن قصده الأول ثمانية فراسخ كما هو مقتضى رواية أبي ولاد هذا. و اما الكلام في التابع فنقول: اعلم ان عنوان التابع مما ليس منه عين و لا أثر في عناوين الأدلة و ليس له حكم على حده. و‌

____________

(1) ب 4/ 1

(2) ب 5/ 1

22

إما إيراد الأصحاب له في كتبهم و البحث عنه انما هو من أجل ان التابع هل يمكن له القصد أم لا فعلى هذا فالبحث عن بعض الفروع الراجعة إلى المسألة انما هو من جهة تحقق إمكان القصد و عدمه. فالمناط في المسألة انما هو يدور مداره بأنه هل يمكن أم لا فإذا علم التابع بان متبوعه يسير ثمانية فراسخ فمن أجل انه يصح منه قصد الثمانية يجب عليه التقصير. و هذا من غير فرق بين ان يكون في جميع الثمانية تابعا لمتبوعه أو يكون في بعضها تابعا و في بعضها الأخر مستقلا لوجود المناط في كل من الصورتين. و على هذا فلا بد من الحكم بالتقصير في حق الأسير و المكره حيث لا إشكال في استناد السير إليهما مع قصد هما الثمانية.

فمن أجل تحقق السير منهما بمقدار الثمانية و تحقق ذلك منهما لا بد لهما من التقصير و يشهد على ما ذكرنا ما روى من فعل الرضا (عليه السلام) في سفره الى خراسان. فإنه (صلوات الله عليه) مع كونه مكرها في سيره كان يقصر صلاته في أثناء سفره. و اما من ينتظر الرفقة فيما دون المسافة فإن كان جازما بمجي‌ء الرفقة أو عازما على السفر مع عدم تيسر الرفيق أيضا فحينئذ لا إشكال في ثبوت القصر عليه كما هو واضح. و اما ان كان من قصده السفر على فرض تيسر الرفيق بان كان سفره معلقا على وجود الرفيق على رأس فرسخ أو فرسخين مثلا أو يريد محطة السكة الحديدية الواقعة على رأس فرسخ ليسافر بالقاطرة على فرض ان يدركها و الا فينصرف عن السفر فيتم و إذا كان المعلق عليه حاصلا في هذا الموضع فلا بد عليه من احتساب مبدء سيره منه. فان كان الباقي مسافة فيجب عليه التقصير و الا فلا بد عليه من الإتمام. فان الواجب المشروط ما لم يوجد شرط وجوبه لم يكن واجبا. و من الواضح ان وجود المعلق عليه في الواقع مما لا اثر له شرعا. بل الذي لا بد منه في المقام هو قصد المسافة في جميع الثمانية. و غير خفي ان القصد و الإرادة من الكيفيات النفسانية القائمة بالنفس و هو لا يحصل الا مع القطع بوجود الرفيق أو وصوله بالقاطرة المفروض كونهما على رأس الفرسخ مثلا. ثم لا بأس بنقل كلام المحقق الهمداني في مصباحه في المقام فنقول قال (قدس سره) و لو تيسر له الرفقة فعزم على السفر اعتبر في جواز الترخص له بلوغ ما بقي من الذي أراد قطعه مع الرفيق مسافة لعدم اعتبار ما قطعه أولا حال خلوه عن الجزم كما‌

23

صرح به في الجواهر بل قد يلوح من كلماتهم التسالم عليه حيث جعلوه كطالب الآبق و البهائم على وجهه الذي يجب عليه التمام و ان قطع مسافات فان تم إجماعهم عليه كما ليس بالبعيد فهو و الا ففي بعض صوره لا يخلو من اشكال و هو فيما إذا كان مقصوده من حين أخذه بالسير قطع هذه المسافة التي لا يستقيم له قطعها الا مع الرفيق برجاء ان يلحقه رفيق عند رأس فرسخين مثلا فإنه بعد ان تيسر له الرفيق و قطعها صدق عليه انه قطع مجموعها عن قصد كما انه لو احتمل كون زيد ملفوفا باللحاف فقده نصفين بقصد قتل زيد على تقديره وجوده تحت اللحاف و صادف الاحتمال للواقع فإنه يصدق عليه انه قتل زيدا عن قصد.

نعم قبل ان تيسر له الرفيق لم يكن واثقا بوصوله الى مقصده. و الحاصل: ان السير الواقع على هذا الوجه ليس عاريا عن القصد بل عن الجزم بتحققها و كون العزم ايضا كالقصد شرطا في سببية البريدين بحيث يعتبر في جواز الترخيص بلوغ ما بقي من الذي أراد قطعه مع الرفيق مسافة يحتاج الى دليل و لم نقف على ما يدل عليه عدا ما تقدمت الإشارة إليه من ظهور كلماتهم في التسالم عليه فهذا عمدة المستند له و الا فلا يخلو عن تأمل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و يرد عليه ان الواقع في الروايات ليس هو القصد حتى يقال انه يصدق في المورد انه قطع مجموع هذه المسافة عن قصد بل الواقع فيها هو لفظ الإرادة كما يشهد على ذلك رواية صفوان المتقدمة الواردة فيمن خرج من بغداد يريد ان يلحق صاحبه حيث سال فيها أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال (عليه السلام): لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما يريد ان يلحق صاحبه. و من الواضح ان الإرادة، لا تكون الا مع الجزم و على هذا فلا وجه للبحث عن صدق القصد و عدمه في مورد المسألة و لا يثمر في ذلك رجاء اللحوق بالرفيق الذي وقع في كلامه شيئا. ثم ان القصد ربما يستعمل و يراد منه الإرادة كما في باب النية حيث يذكرونها و يقولون النية هي القصد. و ربما يستعمل و يراد منه العمد كما في مثال القتل الذي ذكره هو (رحمه الله). و لا يخفى ان اختلاف استعمال القصد بحسب الموارد صار منشأ للخلط و الاشتباه الواقع في كلامه. مسألة: قال في مصباح الفقيه: لو قصد مسافة ثم تردد في أثنائها تم عاد الى الجزم فهل‌

24

يعتبر كون الباقي بنفسه مسافة أم يكفي بلوغها بضمه الى السابق وجهان من ذهاب حكم ما قطعه بالتردد فإنه يجب عليه حينئذ التمام كما وقع التصريح به في خبر إسحاق بن عمار المتقدم. و من ان هذا لا يقتضي سقوط ما قطعه عن الاعتبار بل ذهاب حكمه بعروض التردد فإذا عاد الى الجزم زال اثر تردده. و هذا هو الأظهر كما جزم به في الجواهر و غيره إذ لا دليل على اعتبار استمرار القصد بحيث لا يتخلل في أثنائه تردد بل مقتضى إطلاقات أدلة التقصير في بريدين خلافه انتهى و لا يخفى عليك انه (قدس سره) عبر عن عدم كون العدول عن قصد المسافة مضرا بعدم كون استمرار القصد معتبرا مع ان الأليق هو التعبير بالأول.

فإن استمرار القصد انما هو من شروط التقصير. ثم يظهر من السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) الإشكال في صورة الانضمام قال في العروة (مسألة 23) لو تردد في الأثناء ثم عاد الى الجزم فاما ان يكون قبل قطع شي‌ء من الطريق أو بعده ففي الصورة الأولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة و لو ملفقة و كذا ان لم يكن مسافة في وجه لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع و اما في الصورة الثانية فإن كان ما بقي مسافة و لو ملفقة يقصر ايضا و الا فيبقى على التمام. نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود الى الجزم بعد إسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد مسافة ففي العود الى التقصير وجه لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع. انتهى و التحقيق انه لا وجه للإشكال في المقامين. و ذلك لوضوح ان المعتبر في المقام هو قصد ثمانية فراسخ. فإذا تحقق هذا المعنى لا بد من الحكم بالتقصير و اعتبار عدم تخلل الترديد في الأثناء مما لا دليل عليه بل ان ما نحن فيه نظير الصلاة فإنه لا بد فيها من إتيانه بالاجزاء و الشرائط التي اعتبرها الشارع فيها مقارنا بالنية التي يعتبر استمرارها في الصلاة فإذا فرض خلو بعض الآنات الواقعة في الصلاة من النية مع عدم إتيان شي‌ء من الأفعال في تلك الحال فحينئذ لا إشكال في عدم كونه مضرا بالصلاة. و كذا الحال فيما إذا اتى في حال خلوه من النية بعض الأفعال فحينئذ يكون هذا البعض باطلا لعدم كونه مقارنا بالنية و لكن لا يوجب ذلك بطلان الصلاة بل لا بد للمكلف من إتيانه ثانيا. و اما البطلان في الصوم إذا كان في بعض الآنات مترددا فيه‌

25

فهو من أجل أن خلو الصوم في بعض الآنات عن النية توجب نقصانه عن الحد الذي اعتبره الشارع فيه. و مما ذكرنا كله ظهر انه لا وجه للإشكال في المسألة كما يراه السيد اليزدي في العروة. و ربما أورد في المقام بان مع طرو الترديد في الأثناء يبطل ما قطعه سابقا و بعد ذلك لا يتصور كونه منضما الى اللاحق حتى يكون المجموع من السابق و اللاحق مسافة. و أجابوا عنه انه لم يبطل من رأسه حتى لا يتصور الانضمام في المقام بل الذي صار باطلا انما هو حكمه و هو يعود مع زوال الترديد إذا كان المجموع منهما مسافة. و لكن لا يخفى عليك انه لا وجه لما ذكر اشكالا و جوابا. و ذلك لوضوح عدم كون السابق باطلا لا أصلا و لا حكما بل ان حاله حال الصلاة إذا حصل للمكلف ترديد من إتمامها في الأثناء حيث انه لا تتصف الأفعال السابقة بالبطلان و يكون انضمامها بالافعال اللاحقة صحيحا إذ أزال الترديد الحاصل في البين. و يظهر من المحقق الهمداني (قدس سره) ان احتمال الاحتساب قوى جدا فيما لو كان ما قطعه في حال التردد واقعا بعنوان الجزئية كما لو سلكه بقصد عدم تخلفه من رفيقه على تقدير استقرار عزمه على السير لا لغرض آخر كتحصيل الماء و نحوه. و فيه ان مع الترديد كيف يتصور الجزم لإرادة السفر ثمانية فراسخ حتى يقال باحتسابه من السفر. بل التحقيق انه لا بد من عده خارجا عن الجزئية. لا يقال: ان من الأمر الواضح في الأذهان و المرتكز فيها ان الحكم لا بد و ان يكون تابعا لموضوعه في الوحدة و التعدد مع انه لا بد في المقام من التقصير في القطعة الاولى و الأخيرة من المسافة و التمام في القطعة الواقعة في الأثناء. فإنه يقال: لا مانع من الالتزام على ما ذكر بعد ما دل الدليل عليه. الا ترى انه لا بد للمسافر من الإتمام إذا لم يتجاوز حد الترخص فإذا تجاوز ذلك لا بد له من التقصير مع ان السابق على حد الترخص جزء من المسافة بلا اشكال. و هذا بخلاف المقام فان الحكم بالإتمام فيما قطعه مترددا من جهة خروجه عن الجزئية. فعلى هذا فلا اختلاف في الحكم و موضوعه في المقام من حيث الوحدة و التعدد و قد عرفت سابقا ان وقوع الترديد في الأثناء أيضا ليس مضرا على المطلب. فإنه ليس من القواطع حتى لا يصح الانضمام و بالجملة فالأقوى في المسألة هو القصر في القطعة اللاحقة و ان كان الاحتياط في الجمع‌

26

بين القصر و التمام (مسألة) لو سافر مترددا سبعة فراسخ ثم في رأس السبعة عزم على ان يسافر على قرية في رأس الثمانية ثم الرجوع عنها الى وطنه فإنه لا اشكال بناء على المختار عندنا من الحكم بالإتمام في ذهابه إلى القرية لأنه كما حققنا سابقا انه يعتبر في المسافة التلفيقية من اعتبار البريد في الذهاب و اما على مختار السيد العلامة اليزدي فلا بد من الحكم بالتقصير فإنه يرى في وجوب القصر على المسافر بلوغ المجموع ثمانية فراسخ من غير اعتبار الأربعة في الذهاب.

الشرط الثالث هو عدم قطع سفره بأحد من القواطع

و عنون بعضهم كالمحقق الحائري في صلوته هذا شرطا رابعا لان الثالث من الشروط عنده و عند جماعة من الاعلام (قدس الله أسرارهم) هو استمرار القصد و لكن عنون سيدنا العلامة أدام الله ظله على رؤس المسلمين كذلك تبعا للمحقق في الشرائع حيث كان عنوان بحثه هذا الكتاب الذي توجهت انظار المتأخرين اليه و جعلوا مدار بحثهم على ترتيبه و كتبوا عليه شروحا كثيرة. و ناهيك في ذلك كتاب الجواهر الذي عجز الدهر عن إتيان مثله.

قال المحقق في الشرائع. فلو عزم على مسافة و في طريقه ملك له قد استوطنه ستة أشهر أتم في طريقه و في ملكه. و كذا لو نوى الإقامة في بعض المسافة. و لو كان بينه و بين ملكه أو ما نوى الإقامة فيه مسافة التقصير قصر في طريقه خاصة. إلخ ثم المراد من القاطع هو ما يمنع من تحقق صدق السفر سواء أ كان ذلك من جهة مروره الى بلده أو من جهة غيره من القواطع و ما ذكره القدماء (رضوان الله عليهم) من المصاديق انما هو من جهة تبعيتهم للروايات. و من محسنات كتبهم انهم كانوا يذكرون مسائل الفقه على طبق مضامين الروايات بل على طبق عباراتها و من ذلك تعد عباراتهم بمنزلة الروايات. نعم ربما ألفوا كتبا أخر في محيط أوسع من محيط الشيعة للاحتجاج فيها على العامة و إفهاما على انهم ليسوا بعاجزين عن مشى طريقتهم. بل لهم القدرة على استنباط الأحكام من بطون الأدلة و استخراج أحكام الفروعات منها التي تتجدد بمرور الزمان مع اجتنابهم من اعمال القياس و الاستحسان. و قبل الاستدلال بالروايات لا بد لنا من تمهيد‌

27

مقدمة و هي ان الظاهر بحسب نظر العرف و الشرع إذا كان في بلده أو قريب منه أو في أرض و ضيعة له لا يعد مسافرا سواء أقلنا ان الوطن موضوع عرفي رتب الشارع عليه حكما شرعيا. أو انه موضوع شرعي تابع لاعتبار الشارع و جعله. و على كل حال لما كان الوطن بحسب مصاديقه و صغرياته موردا لعروض الاختلاف فتصدى الشارع لبيان تحديده ككثير من الموضوعات كالماء الكثير حيث حدده الشارع بالكر. فما ورد من تحديده بالاستيطان بستة أشهر فهو من هذا الباب حتى يرتفع الخلاف و بالجملة: لا اشكال ان الشخص ما دام في الوطن لا يعد مسافرا إذ السفر ضد الحضر و ذلك من غير فرق بين ان يكون تحققه حقيقيا أو تنزيليا كما ورد في صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: من قدم مكة قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة. (1) الحديث فالإمام (عليه السلام) في مقام بيان نفى الحكم بنفي موضوعه اى كونه مسافرا و جعل المقيم عشرة أيام بمكة من أهلها تنزيلا. و اى تعبير أحسن من قوله (ع) و هو بمنزلة أهل مكة. و فرق واضح بين نفى الحكم بلسان نفى الموضوع و نفى الحكم بنفسه. ثم ان المسافر إذا مر في رأس الأربعة على وطنه ثم ذهب بعده أربعة فراسخ أخرى فحينئذ لا ينضم اللاحق من المسافة على السابق منها بالمرور على الوطن و هذا بخلاف حصول الترديد أو المعصية في أثناء المسافرة كما فيما إذا قطع اثنى عشر فرسخا و حصل الترديد أو المعصية في أربعة منها في الأثناء فإنه لا يحصل القطع بحصول الترديد أو المعصية في الأربعة المتوسطة و ان كان لا يثبت الحكم الارفاقى من القصر في الأربعة المذكورة. و ذلك لما عرفت من وضوح الفرق بين التصرف في الموضوع و التصرف في الحكم فالمرفوع في صورة حصول الترديد و المعصية هو الحكم و فيما إذا قام فيه عشرة أيام هو موضوعه اعنى كونه مسافرا إذا عرفت هذا فاعلم أن للوطن إطلاقات الأول هو مسقط رأس الإنسان و محل اقامة آبائه. الثاني الوطن الاتخاذى و هو الذي اتخذه دار اقامة على الدوام. الثالث الوطن الشرعي و لكن في ثبوته اشكالا. و منشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الروايات الواردة في الضيعة و الأرض المملوكة و الموضع الذي أقام فيه ستة أشهر.

____________

(1) ب 3/ 3

28

ثم ان الروايات الواردة في الوطن على طوائف. الأولى: ما يدل على وجوب الإتمام إذ أمر على ضيعته أو أرضه أو بلد له فيه دار بل له فيه نخلة واحدة و تلك الروايات كثيرة جدا. منها رواية إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض و انما ينزل قراه و ضيعته قال:

إذا نزلت قراك و أرضك فأتم الصلاة و إذا كنت في غير أرضك فقصر (1) و منها رواية عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يخرج من منزله يريد منزلا آخر أو ضيعة له اخرى قال: ان كان بينه و بين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر و ان كان دون ذلك أتم (2) و منها رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سالته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي حاجة انتفع بها أو يضرني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأني لا أدرى أصوم أو أفطر فقال لي: فاخرج فأتم (و أتم) الصلاة فإني قد رأيت القادسية الحديث (3) و منها رواية عمار بن موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها قال: يتم الصلاة و لو لم يكن له الا نخلة واحدة و لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها (4).

الطائفة الثانية ما يدل على وجوب التقصير الا فيما اقام فيه عشرة أيام. منها صحيحة على بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن رجل يمر ببعض الأمصار و له بالمصر دار و ليس المصر وطنه. أ يتم صلاته أم يقصر؟ قال:

يقصر الصلاة و الصيام مثل ذلك إذ أمر بها (5) و منها رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: من اتى ضيعته ثم لم يرد المقام عشرة أيام قصر.

و ان أراد المقام عشرة أيام أتم الصلاة (6) و منها رواية موسى بن حمزة بن بزيع قال قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك ان لي ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة أقصر أو أتم؟ فقال: ان لم تنو المقام عشرة أيام فقصر (7) و هاتين الطائفتين مع قطع النظر عن وجود شاهد جمع بينهما‌

____________

(1) ب 14/ 2

(2) ب 14/ 3

(3) ب 14/ 4

(4) ب 14/ 5

(5) ب 14/ 7

(6) ب 15/ 6

(7) ب 15/ 7

29

لا بد من اعمال قواعد باب التعارض بينهما من الأخذ بأقواهما إذا كان الأقوى موجودا و الا فالتخيير لكن سياقهما يمنع من التخيير. الطائفة الثالثة روايات شارحة للطائفتين المذكورتين. منها رواية على بن يقطين عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) انه قال: كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير (1) و منها روايته الثانية قال قلت: لأبي الحسن الأول (عليه السلام) الرجل يتخذ المنزل فيمر به أ يتم أم يقصر؟ قال: كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك ان تتم فيه (2) و الرواية الاولى في مقام بيان الحكم في المسألة و الثانية في مقام بيان موضوع حكمها. و منها روايته الثالثة قال: قلت: لأبي الحسن الأول (عليه السلام) ان لي ضياعا و منازل بين القرية و القريتين الفرسخ و الفرسخان و الثلاثة.

فقال: كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير (3) و لا يخفى عليك ان هذه الروايات صريحة في اعتبار صدق الوطن على الملك و الا فلا يكون المرور إلى الضيعة و نحوها قاطعا للسفر. فلسان هذه الروايات هو الشارحية و الحكومة لما دل بنحو الإطلاق ان المرور الى الملك قاطع للسفر. الطائفة الرابعة ما ورد في بيان معنى الاستيطان و انه عبارة عن كل منزل يقيم فيه الإنسان ستة أشهر كما يشهد على ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: سالته عن الرجل يقصر في ضيعة فقال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام الا ان يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: ان يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها (4) فيكون لسانها لسان الشارحية و الحكومة للطائفة الثالثة الدالة على اعتبار الاستيطان في الملك.

هذا كله ما يقتضيه المشي الأصولي في المقام و اما مع غض النظر عنه. فنقول:

ان الروايات الواردة في الملك متعارضة جدا و كيف يمكن الجمع بين حكم القصر و الإتمام مع اتحاد الراوي فيهما و هو على بن يقطين. و التحقيق في المسألة ان يقال ان الناس كان بأيديهم فتوى ابن عباس حيث قال: إذا مر في طريقه ببلد له فيه مال أو أهل أتم الا ان يكون مارا (5) و أتم عثمان ايضا صلاته بمنى‌

____________

(1) ب 14/ 1

(2) ب 14/ 6

(3) ب 14/ 10

(4) ب 14/ 11

(5) المنتهى للعلامة ص 393

30

و لما أنكروا عليه عمله هذا قال: انى تأهلت بمكة لما قدمت و انى سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من تأهل ببلدة فإنه يصلى صلاة مقيم و لما أبطلوا عليه هذه المقالة اعتذروا عن قبله بأنه كان لعثمان ارض بمنى. و قال مالك:

انه إذا مر بقرية فيها أهله أو ماله أتم إذا أراد ان يقيم فيها يوما و ليلة (1) و اما الإمامية لما سألوا عن أئمتهم عن حكم المسألة فأجابوهم بالإتمام الذي رواه مخالفونا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أفتوا به. الا انهم (عليهم السلام) قيدوا الحكم المزبور بصورة الاستيطان ثم بينوا المراد منه بأنه ما يقيم فيه ستة أشهر. و كان هذا خوفا من المخالفين و تقية منهم فبينوا الحكم على نحو لا يخالف الواقع و لم يشائوا ان يكذبونهم فيما رووا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى ينجر الأمر إلى النزاع و التشاجر. و العجب ان كل واحد من على بن يقطين و موسى بن حمزة بن بزيع و محمد بن إسماعيل بن بزيع كانوا من وزراء الشيعة و كانت بأيديهم ضياع و أراض و قرى و قدراء و اعمل الخلفاء و الناس على الإتمام في المسألة فسألوا عن الأئمة عن حكم المسألة فأجابوهم بوجوب التقصير.

و اما ما يدل على الإتمام كموثق عمار بن موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها. قال يتم الصلاة و لو لم يكن له الا نخلة واحدة و لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها (2) فيحمل على التقية إذ هو معارض صريح لروايات التقصير. و لا يمكن ان يكون ما دل على اعتبار الاستيطان شارحا و حاكما لمثل هذه الرواية التي حكم فيها بالإتمام و لو فيما لم يكن له الا نخلة واحدة ثم تكراره (عليه السلام) بقوله بأنه لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها. بقي الكلام في اعتبار الوطن الشرعي الذي ذهب المشهور اليه. قال في مفتاح الكرامة اختلف الأصحاب فيما ينقطع به السفر هل هو مجرد الملك أو خصوص المنزل فالمشهور بين المتأخرين كما في الذخيرة و الكفاية و المصابيح و الحدائق الاكتفاء بمجرد الملك و لو نخلة واحدة بشرط الاستيطان ستة أشهر و هو خيرة العلامة و المحقق و من تأخر عنهما كما في المدارك و المصابيح ايضا. و في التذكرة لو كان له في أثناء المسافة ملك قد استوطنه‌

____________

(1) المنتهى للعلامة ص 393

(2) ب 14/ 5

31

ستة أشهر انقطع سفره بوصوله اليه و وجب عليه الإتمام عند علمائنا سواء عزم على الإقامة فيه أولا (1) انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم انه قد ذهب المشهور في رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى إرادة الماضي من المضارع من لفظة يستوطنه و لفظة يقيم إذ لا يمكن إبقاء المضارع فيها على ظاهره على مقالتهم. و لكن لا يخفى عليك ان ارادة الماضي من المضارع يوجب ارتكاب ما هو خلاف الظاهر منه. فلا بد من تصحيح معنى الرواية على وجه لا يتوجه عليه اشكال. فنقول: قد صرح علماء الأدب في الصرف ان المضارع قد يذكر و يؤخذ فيه معنى (الإرادة) و على هذا يكون المراد من لفظة (يقيم) في الرواية (انه يريد البناء على الإقامة) و ليس المراد من ذلك ان الإرادة بمعناها الاسمي مأخوذة فيها بل انهم عبروا عن المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي في مقام التفهيم و من الواضح ان لكل واحد من المشتقات و من جملتها المضارع له مادة و هيئة. و ما يدل على انتساب المبدء الى الذات انما هو الهيئة و ذلك من غير فرق بين أنحاء المشتقات من كون المبدء في بعضها حرفة و صناعة و في بعضها الأخر قوة و ملكة أو بالفعل فإن الهيئة في الجميع تدل على الانتساب. و من هذا يظهر ان أخذ الإطلاق من لفظة (يقيم) بمعناها الحرفي (أي يريد الإقامة) غير صحيح جدا.

و ذلك لما حقق في الأصول ان أخذ الإطلاق من المعاني الحرفية بمكان من البطلان.

فلا بد على هذا في أخذ الإطلاق منها من إرجاعها إلى المعنى الاسمي و بالجملة فلا إشكال في انه لا بد في صدق الوطن و تحقق الإقامة من الفعلية و لا يكون تحققهما الا بالعمل الخارجي من اتخاذه منزلا معدا للإقامة لا مثل منزل معد للاستيجار على الغير و مجرد ارادة اتخاذه لا يكفى فيما ذكر. بل لا بد من التلبس بالفعل كما لا يخفى. فظهر انه لا يمكن ان يقال بأن إطلاق يقيم يشمل صورة إرادته الإقامة و ان لم تحصل الإقامة بالفعل كما انه لا يمكن ذلك في لفظة يستوطنه ايضا حتى تشمل صورة إرادة اتخاذه وطنا و ان لم يتخذ وطنا معدا للاقامة بالفعل. و الخلاصة: انه لا وجه لثبوت الوطن الشرعي و ان توهمه المشهور. و منشأ هذا التوهم كما قلنا الأخبار الدالة على الإتمام في الملك ثم تقييده‌

____________

(1) ج 3 ص 559 و 560

32

بإقامة ستة أشهر كما يدل عليه بعضها فيتخيل ان الوطن العرفي لا يشترط فيه الملك و لا إقامة ستة أشهر بخلاف الوطن الشرعي. و لكن قد عرفت سابقا ان الروايات الواردة في الملك قد صدرت عن تقية فلا يبقى الا اعتبار المنزل كما هو واقع في بعضها. و هذا مما لا محيص عنه فان التوطن من دون مسكن و منزل مما لا يتصور. و اما ما ذكر من التحديد بستة أشهر فإنما هو من جهة انها الأصل في تقسيم السنة حيث انها بالطبع مقتضى قضية التقسيم في السنة بالنسبة الى من كان له وطنان فمقتضى الأصل في المقام هو التقسيم بالنصف كما ان من كان له ثلاثة أوطان هو التقسيم بالثلث. و هذا نظير قولهم الأصل في الأشياء هو الاستدارة و الا فلا موضوعية لستة أشهر. و اما سؤال الراوي في الرواية فليس عن معنى الاستيطان و ليس الامام (عليه السلام) أيضا في مقام شرح هذا المفهوم شرعا أو عرفا بل انه (عليه السلام) في مقام بيان ما يتحقق به الاستيطان بالنسبة إلى الوطن لمن كان له وطن آخر. ثم ان الواقع في الروايات هو لفظة يستوطنه و هي تدل كما عرفت على فعلية الاستيطان و تجدده و لكن الواقع في كلمات الفقهاء لفظة استوطنه كما في الشرائع حيث قال: الوطن كل موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا متوالية كانت أو متفرقة. إلخ مع انه في مقام تعريف الوطن العرفي. ثم ان الوطن على ما تشهد به اللغة و الاستعمالات الصحيحة ليس هو مجرد مسقط رأس الإنسان و مسكن آبائه، بل المراد منه محل اقامة الإنسان و مقره و مأواه سواء انطبق عليه المعنى الأول أم لا. و في القاموس (الوطن) محركة و يسكن منزل الإقامة و مربط البقر و الغنم ج أوطان و وطن به يطن و اوطن اقام و أوطنه و وطنه و استوطنه اتخذه وطنا. إلخ قلت: و اى تعبير أحسن من التعبير ب‍ (دار الإقامة) كما في بعض الروايات. و قد قالوا السفر خلاف الاستيطان و المقام. و بالجملة ان انقسام الوطن الى الوطن العرفي و الشرعي مما لم يثبت في الأدلة كما عرفت. إذ الواقع فيها هو الوطن العرفي الأعم من الأصلي و الاتخاذى. و لا ترى أيضا في كلمات القدماء الى زمان المحقق منه عينا و لا أثرا بل ان عبائرهم كلها في مقام بيان الوطن العرفي هذا هو الشيخ الأجل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قال في كتابه النهاية و من خرج الى ضيعة‌

33

له و كان له فيها موضع ينزله و يستوطنه وجب عليه الإتمام فان لم يكن له فيها مسكن وجب عليه التقصير (1) و قال الفحل العظيم المحقق المدقق محمد بن إدريس المعروف بابن إدريس في كتابه السرائر و السفر خلاف الاستيطان و المقام.

فاذن لا بد من ذكر حد الاستيطان وحده ستة أشهر فصاعدا سواء كانت متفرقة أو متوالية. فعلى هذا التقرير و التحرير من نزل في سفره قرية أو مدينة و له فيها منزل أو مملوك قد استوطنه ستة أشهر أتم (2) و قال شيخ الفقهاء و الجامع بين طريقتي القدماء و المتأخرين في الفقه نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق في كتاب المعتبر مسألة: إذا استوطن منزلا ستة أشهر فصاعدا أتم إذا مر به و قصر ان كانت مسافة. و قال الشافعي: لا يلزمه إتمام لأن النبي (صلى الله عليه و آله) و أصحابه مروا في حجهم بمكة و لهم فيها مساكن و لم يتموا لنا.

انه لا بد من حد الاستيطان و حيث لم يحده الشرع قدرناه استيطانا. و من اقام في ملكه هذا القدر فقد مر عليه فصلان مختلفان فقضى العرف بأنه وطن و أيد ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع. إلخ و أنت ترى ان هذه العبارات كلها في مقام بيان الوطن العرفي. فراجع كلماتهم حتى تقف على أزيد من ذلك. و لله الحمد.

الشرط الرابع ان يكون السفر سائغا

و لو كان السفر سفر المعصية لا يقصر. و لا يخفى ان البحث في الشرط السابق كان راجعا الى الموضوع و انه هل يرتفع موضوع السفر حقيقة أو حكما بأحد من القواطع أم لا. و اما المقام فالبحث فيه راجع الى حكمه بعد تحقق موضوعه. ثم ان للمسألة أقساما. منها ما يكون السفر بنفسه حراما بان تكون الحركات الاينية متصفة بالحرمة و يحمل عليه الحرام بالحمل الشائع الصناعي و ذلك كالفرار من الزحف و إباق العبد من مولاه و سفر الزوجة بدون اذن زوجها و الرسالة من قبل الظالم و غيرها. و منها ما يكون السفر بنفسه مباحا و لكن كانت الغاية فعلا محرما. و لا يخفى ان الروايات دالة في الصورتين على وجوب‌

____________

(1) الجوامع الفقهية 251

(2) ص 75

34

الإتمام. و بعد دلالتها على الحرمة في المقامين لا فرق بين ان نذهب بحرمة مقدمة الحرام أم لا كما وقع البحث عنه في الأصول. و من الروايات الواردة في الباب ما رواه عمار بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله أو رسول لمن يعصى الله أو طلب عدو أو شحنا؟؟؟ أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين (1) و منها ما رواه ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق (2) و مقابله انه لو كان في سبيل باطل لا يفطر. اذن لا يثبت في حقه القصر أيضا للملازمة بينه و بين الإفطار. و منها رواية حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ* قال الباغي باغي الصيد و العادي السارق ليس لهما ان يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين و ليس لهما ان يقصرا في الصلاة (3) و منهما موثقة سماعة قال:

سالته عن المسافر (الى ان قال) و من سافر قصر الصلاة و أفطر الا ان يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد أو الى قرية له تكون مسيره يوم يبيت إلى أهله لا يقصر و لا يفطر (4). و غيرها من الروايات. نعم قد خالف في هذا الحكم بعض الفقهاء من العامة كأبي حنيفة حيث ذهبوا الى ثبوت القصر في مطلق السفر (5) و منها ان لا يكون نفس السفر و لا غايته محرما لكنه يرتكب في أثنائه فعلا محرما.

و التحقيق في هذا القسم ان ارتكاب المعصية فيه لا يؤثر في حرمة السفر و لا يكون السفر مصداقا للحرمة بل يكون ذلك نظير حرمة النظر إلى الأجنبية في الصلاة. فارتكاب المعصية في الأثناء أجنبي عن مفهوم السفر. و منها. بان حصلت المعصية بنفس السفر و لكن لا من حيث كونه سفرا بل من حيث جهة أخرى ملازمة له كما لو ركب دابة مغصوبة أو كان مشيه في طريق مغصوب. فإنه يتحقق‌

____________

(1) ب 8/ 3

(2) ب 8/ 1

(3) ب 8/ 2

(4) ب 8/ 4

(5) قال في البداية و النهاية- و منهم من اجازه (أي التقصير) في كل سفر قرية كان أو مباحا أو معصية و به قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و أبو ثور ج 1 ص 122. و قال الشيخ في الخلاف و قال قوم سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء ذهب إليه الأوزاعي و الثوري و أبو- حنيفة و أصحابه ج 1 ص 230

35

بسفره انه تصرف في مال الغير فيصدق حينئذ على الحركات الخاصة الصادرة منه التي بها يتقوم مفهوم السفر كونها تصرفا في مال الغير. فقد يقال فيه بالإتمام من أجل اتحاد مفهوم السفر مع مفهوم التصرف في مال الغير مصداقا كالصلاة في المكان المغصوب. و قد يقال بامتناع اتحاد الصلاة و الغصب مصداقا كما بينوا في الأصول. فإن اتحاد مقولتين مختلفتين مصداقا كالوضع و الأين مما لا يمكن عقلا كما حقق في محله. و لك ان تقول ان الامتناع المذكور انما هو في المقولات الحقيقية. و اما إذا كان أحد الشيئين أو أحدهما من الأمور الاعتبارية فلا مانع من اجتماعهما فيكون شي‌ء واحد مصداقا لهما و من هذا القبيل الصلاة و الغصب. و التحقيق في المقام ان يقال ان هيهنا أمورا ثلاثة.

الأول: تلك الحركات الاينية التي هي من الأمور المقولية. و الثاني: الغصب و هو من الأمور الاعتبارية و هو يحصل من تصرف مال الغير من غير اذنه. و الثالث:

السفر و هو أيضا أمر اعتباري و هو البعد عن الأهل و الوطن و انتقاله منه الى مكان آخر و من الواضح ان الدابة المغصوبة و نظائرها لا يكون التصرف فيها الا تصرفا في مقدمات السفر فحرمتها غير مؤثرة في حرمة نفس السفر. و لا اتحاد في البين و كذلك المشي في طريق مغصوب فإنه أيضا لا يوجب حرمة السفر و ان قيل بالحرمة من أجل استلزامه الاتحاد و هو كما ترى. و بالجملة فالمحرم في الأدلة هو السفر بما هو سفر و إن أمكن القول ببطلان الصلاة في مكان مغصوب. فان البطلان فيها انما هو من جهة ان مثل الركوع و السجود فيها لما كان تصرفا في ملك الغير كان مبغوضا و حراما فلا يصلح كونهما مقربا للمولى سبحانه فتبطل الصلاة. و لكن قال صاحب القوانين بكونها مبغوضا من جهة و محبوبا من جهة أخرى و تصح صلاته فيثاب من أجل هذه الجهة و يعاقب من جهة تصرفه في ملك الغير. و لكنه كما عرفت ان ما ذهب اليه هذا المحقق مما لا يمكن القول به من جهة عدم قابلية مثل الركوع أو السجود باتصافه بالمقربية التي لا بد منها في العبادات إذ كيف يمكن ان يكون الوجود الخاص الذي هو أمر وحداني مصداقا للجهتين مع كون المأتي به امرا عباديا الذي يعتبر فيه التقرب الى الله مع كون هذا الوجود بنفسه مبغوضا عنده سبحانه.

36

و هذا بخلاف الحركات الاينية في السفر. إذ لم يعتبر اتصافها بالمقربية.

فلا مانع من ان تكون تلك الحركات بعنوان انها تصرف في ملك الغير مبغوضة.

لعدم كون السفر بما هو هو محرما و مبغوضا. و على هذا فالقول بوجوب القصر في المسألة لا يخلو من قوة (1) و منها ان يكون السفر مستلزما لترك الواجب كما إذا كان مديونا و سافر مع مطالبة الديان أو وجب عليه تعلم العلم و استلزم السفر تركه و تنظر الشهيد الثاني في الحكم بالإتمام لاقتضاء ذلك عدم ترخص السفر إلا للأوحدي لاستلزام سفر سائر الناس غالبا لترك واجب من الواجبات هذا. ثم انه لا وجه للحكم بالإتمام في المسألة. فإن وقوع المضادة بين السفر و ترك جملة من الواجبات لا يقتضي النهي عن السفر و اتصافه بالحرمة فإن ذلك يتوقف على مسألة اقتضاء الأمر بأحد الضدين النهى عن الضد الأخر أو كون ترك أحدهما مقدمة لضده الأخر فيجب تركه بناء على وجوب المقدمة.

و لكن قد حقق في الأصول عدم تمامية كل منهما. و فصل بعضهم في تقريب وجوب الإتمام بين ان يسافر لأجل التخلص من أداء الدين أو تعلم العلم الواجب و بين ان يسافر لا لأجل مثل ما ذكر من الدواعي و الأغراض الا انه عرض في سفره ترك جملة من الواجبات قهرا من غير ان يقصد من سفره ذلك. ففي الصورة الأولى جعل ترك الواجب غاية للسفر و لا ريب في حرمته فيجب الإتمام و هذا بخلاف الصورة الثانية- و فيه ان الروايات الواردة في وجوب الإتمام فيما كانت الغاية فيه فعلا محرما ليس إطلاق فيها حتى يقال بأخذه فيقال كل سفر حرمت غايته يجب التمام فيه بل المذكور فيها موارد خاصة كالصيد و تشييع السلطان الجائر و سعاية المسلم و إضراره و غيرها و غاية ما يؤخذ من تلك الموارد من الجامع هو الجامع الحقيقي بينها الذي هو الغاية الحقيقية فلا وجه للتعدي منها الى غيرها من اللوازم لعدم شمول تلك الاخبار لها. و يمكن تقريب الإتمام بوجه آخر. بان يقال ان ترك الواجب يحصل بنفس السفر فيكون نفس السفر معصية و حراما كالفرار من الزحف. و فيه: انه فرق بين كون السفر بما هو سفرا حراما و بين كون حرمته بما هو سبب لترك الواجب. و الواقع في الأدلة من الحكم بالإتمام‌

____________

(1) قلت بعون الله و منه ان ما افاده سيدنا العلامة أدام الله ظله محل تأمل بل منع. و ذلك لاتحاد السفر وجودا فيما نحن فيه مع تلك الحركات الاينية المبغوضة المحرمة فيكون هذا السفر بوجوده الخارجي مصداقا للحرمة و هذا من غير فرق بين انحصار الطريق في الطريق المحرم سلوكه و عدم انحصاره فيه. إذ هو باختياره هذا الطريق في الصورة الثانية جعل سفره هذا مصداقا للحرمة لاتحاده مع تلك الحركات الاينية في الوجود الخارجي كما لا يخفى. س. 1. م

37

هو الصورة الاولى لا الثانية. فقد ظهر من هذا كله ان الأقوى من المسألة هو القصر.

و منها بان كانت الغاية ملفقة من الطاعة و المعصية مثل من سافر للزيارة و لإضرار مسلم و قصد كل واحد منهما فهل يجب القصر حينئذ نظرا الى غايته المباحة أو التمام نظرا الى غايته المحرمة. أو يؤخذ ما هو الأقوى منهما أو يجب الجمع بينهما أو لا بد من تقديم ما قصده أو لا منهما أو مطلقا وجوه. و قد اضطربت كلماتهم في المقام. و التحقيق: ان حكم المسألة يختلف باختلاف المباني فلا بد من ملاحظة ان القيد المأخوذ في الحكم هل هو أمر وجودي أو أمر عدمي و على كل منهما هل القيد إنما أخذ في كل واحد من القصر و الإتمام أو في القصر فقط و اما الإتمام فهو على مقتضى الأصل في الصلاة. ثم يقع الكلام في ان القيد هل أخذ بنحو الشرطية أو المانعية. بكون الإباحة شرطا في القصر و المعصية مانعا عنه.

و هذا نظير البناء في الجواز و المنع في مسألة اللباس المشكوك على القول بشرطية المأكولية أو مانعية غير المأكول. و ربما يستظهر من بعض عبائر الأصحاب كون الإباحة شرطا في القصر حيث عدوا في مقام شروط القصر كون السفر سائغا كما انه يستظهر من بعضها الأخر كون حرمة السفر أو غايته مانعا من ثبوت القصر. و على كل حال ليس نظر الأصحاب إلى تحقيق الشرطية أو المانعية. فإذا قال العلامة (قدس سره) مثلا يشترط كذا في كذا إجماعا لا يستفاد منه انه في مقام إثبات الشرطية و نفى المانعية بل ان كلامه يصلح لكلا المعنيين و قد يظهر من بعض الروايات في النظر البدوي انه يعتبر من وجود القيد في كل واحد من القصر و الإتمام كما تدل عليه رواية أبي سعيد الخراساني قال: دخل رجلان على ابى الحسن الرضا (عليه السلام) بخراسان فسألاه عن التقصير. فقال لأحدهما وجب عليك التقصير لأنك قصدتني. و قال للآخر وجب عليك التمام لأنك قصدت السلطان (1) و لكن بعد التأمل في الرواية يعلم ان القيد راجع الى التقصير. فان سؤالهما انما كان عن القصر فكان الجواب ايضا راجعا اليه. ثم ان ملاحظة بعض الروايات تعطى كون المعصية مانعا من ثبوت القصر. و اما ثبوت الإتمام معها فليس من أجل مدخلية المعصية في الإتمام بل من جهة عدم صلاحية السفر‌

____________

(1) ب 8/ 9

38

حينئذ للحكم الارفاقى فثبت الإتمام حينئذ قهرا فثبوته من باب ثبوت أحد الضدين الذين لا ثالث لهما. ثم الظاهر كون المعصية مانعا بنحو الإطلاق فإذا كان للسفر غاية أخرى مباحة فوجودها كالعدم. ثم المقام من صغريات أخذ حكم في موضوع حكم آخر كان بنحو تمام الموضوع أو جزئه. و لا ريب في صحته. و الممتنع هو أخذه في موضوع نفسه لا في موضوع حكم آخر كالمقام. فان موضوع حكم القصر و هو ثمانية فراسخ أخذ فيه عدم كون السفر و غايته محرما. ثم المراد من الإباحة هل هي الإباحة بمعناها الواقعي أو الأعم منه و من التنزيلي. و يترتب عليه ثمرات كثيرة. منها انه لو سافر بقصد قتل شخص توهم كونه مسلما محقون الدم.

ثم انكشف له فيما بعد كونه كافرا مهدور الدم أو على العكس فعلى كون المعتبر في المعصية هو وجودها الواقعي يكون حكمه هو القصر في الأول و الإتمام في الثاني.

و كذا الحكم في صورة الشك فان وظيفته الإتمام بحكم الظاهر. و لا يخفى ان المسألة تختلف باختلاف المباني. و توضيح ذلك. ان الإتمام لما كان مترتبا على كون السفر أو غايته معصية فلا بد في الإتمام من ثبوت المعصية حتى يرتفع الحكم الارفاقى الثابت للمسافر من غير فرق بين المصادفة للواقع و عدمها. فإذا سافرا معتقدا كون السفر أو غايته معصية و لم تتحقق المعصية في الواقع فبناء على حرمة التجري لا بد من الإتمام. و اما بناء على عدم حرمته كما هو المختار عندنا فلا. فان القطع مما لا حكم له. إذ الحكم انما هو ثبت للواقع المنكشف بالعلم. فعليه فالحكم الثابت للمتجرى هو القصر لعدم تحقق المعصية حقيقة فإن المعصية انما هي مخالفة الحكم الشرعي واقعا و الفرض عدم تحقق المخالفة في صورة التجري و اما سائر الأمارات غير القطع فربما يقال بإفادتها حكما ظاهريا عند التخالف المسمى عندهم بالحكم الواقعي الثانوي. ثم إذا التزمنا بالتوسعة في المعصية المأخوذة في رافعية القصر للمسافر و انها أعم من مخالفة الحكم الواقعي أو الظاهري يكون حكم الإتمام و القصر دائرا مدار الإمارة في كون مؤداها هل هو المعصية أم لا. و اما على القول بعدم ثبوت حكم ظاهري في مؤدى الامارة كما هو المختار عندنا فلا. بل الحكم حينئذ يدور مدار الواقع المنجز بالأمارة فإذا ثبت وجود المعصية في الواقع المنجز بقيام الامارة فيرتفع القصر و الا فلا بد من القصر. و من ذلك يظهر حكم الأصول‌

39

الشرعية من استصحاب الحرمة أو الإباحة و غيره فعلى المختار من عدم حكم ظاهري في موردها يدور الحكم مدار الواقع و مثلها أيضا الأصول العقلية كقبح العقاب بلا بيان فإن أثرها التنجز عند الإصابة و العذر عند المخالفة.

تذييل

قد ذكر الفقهاء انه لا بد في ثبوت القصر من اعتبار الإباحة أو عدم المعصية في السفر بنحو الاستمرار. فكون الإباحة شرطا في ثبوت القصر أو كون المعصية مانعا عن ثبوته مما لا يوجب فرقا في السفر بين الابتداء و الاستدامة. فبطرو المعصية للسفر في أي جزء كان من الطرفين أو الوسط لا بد من الإتمام فلو خرج بقصد الحرام ثم عدل في الأثناء إلى قصد الطاعة فلا بد في ثبوت القصر من كون الباقي مسافة شرعية. و لتوضيح المقام نذكر مقدمة و هي انه لو فرضنا موضوعا عاما حكم عليه المولى بشي‌ء من الأحكام ثم اخرج منه بعضا فلا يخفى على المتأمل ان هذا الخارج يتصور على أنحاء. الأول: ان يكون خروجه موضوعيا بحسب الحقيقة و الواقع بان لم يكن بعد من افراد العام حقيقة. و الثاني: ان يكون خروجه موضوعيا لكن لا حقيقيا بل تنزيليا. و الثالث: ان يكون خروجه حكميا و هو الذي يعبر عنه بالتخصيص. و هنا قسم رابع و هو خروج إطلاقي بأن يكون الخارج داخلا تحت عنوان المطلق و مصداقا له و مشمولا لحكمه الا انه قيد الإطلاق ببعض الحالات كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قيد إكرامهم بعدم كونهم في حال القيام أو في يوم الجمعة. و اما ففيما نحن فيه فالخارج بنحو الخروج الموضوعي كالذي يمر الى وطنه فهو خارج عن عموم من سافر قصر و أفطر فإنه لا يعد عند العرف مسافرا ما دام في الوطن فبوصوله الى الوطن ينقطع سفره بحسب الحقيقة و الواقع عندهم. و الخارج بنحو الخروج التنزيلي كالذي يمر الى ضيعته على القول بقطع سفره به أو الذي يمر الى وطنه الشرعي بناء على ثبوته. و مثال الخروج الحكمي أي التخصيص كان يقال من سافر قصر و أفطر إلا المكاري مثلا. و المثال للقسم الرابع بان يقال المسافر قصر و أفطر إلا في حال كون سفره معصية أو قصر و أفطر في حال كون سفره طاعة و مباحا. و بالجملة فلا فرق في ذلك سواء قلنا بمانعية‌

40

المعصية أو شرطية الطاعة و الإباحة فلازم ما ذكرنا إذا سافر الشخص مسافة بعضها في المعصية و بعضها في الطاعة ترتب حكم كل بعض عليه فيتم في حال المعصية و يقصر في حال الطاعة و ان لم يكن مقدار المسافة في صورة الطاعة بمقدار المسافة الشرعية. ثم لما كان الموضوع في المقام و هو السفر مقيدا بقيدين. أحدهما اعتبار كونه ثمانية فراسخ. و ثانيهما عدم كون السفر معصية. فحينئذ هل يتقيد الموضوع أولا بالثمانية ثم بعدم كونه معصية أو على العكس. أو ان كل واحد من القيدين وردا على الموضوع معا. هذا. و قد يقال ان لازم كون الثمانية مقدما على القيد الأخر من عدم كونه معصية أو كونه مباحا كون التقييد بالقيد الثاني راجعا الى التقييد ببعض الحالات فحينئذ يلزم لكل مقدار من المسافة حكمه من الإتمام أو القصر. بخلاف لو قلنا بتقديم الإباحة أو عدم المعصية على الثمانية فحينئذ ينعكس الأمر و يصير ان السفر المشروط بالإباحة أو عدم المعصية يعتبر ان يكون مسافة. و لازم هذا التقرير اعتبار الاتصال في المسافة المشروطة بالإباحة. و لا يخفى ان المسألة من المسائل العلمية العويصة التي ينبغي ان نتعرض لها مفصلا الا ان الحال لا تساعده فلنكتفى لها إجمالا فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. فنقول:

المستفاد من الأدلة الشرعية كون الثمانية راجعا الى الموضوع و قيدا له كالروايات التي ذكرناها سابقا الدالة على كون السفر بريدين أو ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم. و اما اعتبار عدم كونه معصية فمن الممكن ان يكون راجعا الى الحكم.

فالمعنى ان من سافر ثمانية فراسخ قصر و أفطر إلا في حال كونه معصية. فالحكم الارفاقى من القصر ثابت له الا في حال المعصية. و يلزم على هذا التقريران من سافر مسافة بعضها في معصية و بعضها الأخر في طاعة أن يتم في البعض الأول و يقصر في البعض الثاني فيترتب على كل واحد منهما حكمه من القصر و الإتمام.

فإن قلت: كيف يمكن إرجاع قيد عدم المعصية في قوله (عليه السلام) من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله الحديث (1) الى الحكم. و اما إرجاع قيد المسافة إلى الموضوع اعنى السفر مع ان اعتبار عدم المعصية من جهة الاستثناء في الرواية و هو قرينة متصلة بخلاف قيد المسافة فهو انما يستفاد من دليل آخر و هو قرينة منفصلة. قلت: ان قوله (عليه السلام) من سافر‌

____________

(1) ب 8/ 3

41

إلخ و ان كان مطلقا بحسب اللفظ لكنه يشير الى معنى معهود في الروايات و هو الذي يعبر عنه بمسيرة يوم أو بالبريدين أو بثمانية فراسخ. فالمراد من المسافر هو المسافر الشرعي المعهود. هذا بناء على البحث عن المسألة بنظر الذوق الأصولي.

فالمسألة المركبة من المعصية و الطاعة يترتب على كل واحد منهما حكمه من الإتمام و التقصير و لا يعتبر كون الباقي مسافة كما اختاره الفاضل النراقي و اما المشهور من الفقهاء اعتبروا عدم عدما قطعه بقصد الحرام جزء من المسافة و اما ما قبله و ما بعده فلا مانع من انضمام أحدهما بالاخر. قال في المستند بعد ما ذكر ان المسألة ذات قولين. أحدهما اعتبار كون الباقي بنفسه مسافة و الأخر كفاية بلوغ مجموع ما قبل المعصية و ما بعدها المسافة. الأظهر الثاني لأنه قصد أولا الثمانية فكان عليه القصر في جميع هذه المسافة خرج منه ما خرج بقصد المسافة فيبقى الباقي.

و منه يظهر القصر لو لم يكن الباقي مع ما قبل المعصية مسافة أيضا إذا كان المجموع مسافة فتأمل انتهى. و لا يخفى ان الحق مع المشهور حيث قالوا بعدم صحة احتساب ما قطعه بقصد الحرام جزء من المسافة و اما ما قبله و ما بعده فلا مانع من الانضمام كما عرفت و ذلك من جهة دلالة الروايات عنهم (عليهم السلام) على ما ذهب اليه المشهور أضف الى ذلك كونه موافقا لما يقتضيه النظر الأصولي الدقيق ايضا.

بيانه انك قد عرفت ان المعصية إنما أخذت بنحو المانعية عن ترتب الحكم الارفاقى من التقصير. و من الواضح ان مرتبة المانع متأخرة عن مرتبة الشرط و المقتضى فكيف من تأخره عن نفس الموضوع و عليه فالمعصية مانعة عن اقتضاء المسافة و إيجابها التقصير و ما يكون مانعا يمتنع ان يكون جزء للمقتضي أو الشرط و عليه فلا بد ان تكون المسافة خالية عن المعصية و ان قلنا بكون عدم المعصية قيدا للحكم لا الموضوع. نعم ليست المعصية بمثل المرور الى الوطن حيث يحتاج بعده إلى إنشاء مسافة أخرى. فيصح فيما نحن فيه انضمام ما قبلها الى ما بعدها بحيث يكون المجموع مسافة شرعية. و اما قطعه بقصد الحرام فلا يعد جزءا منها كما لا يخفى.

و اما الروايات فيستفاد منها ما ذهب اليه المشهور فمنها ما رواه عمار بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله الحديث (1) و منها موثقة سماعة قال:

____________

(1) ب 8/ 3

42

سالته عن المسافر (الى ان قال) و من سافر فقصر الصلاة و أفطر الا ان يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد الحديث (1) و بالجملة: فالمستفاد من الروايات ان كل واحد من القصر و الإتمام إنما يترتب على السفر فموجب الإتمام هو سفر المعصية لا المعصية في السفر. فعلى هذا لو كان سفره سفر طاعة و رجع منها إلى المعصية فمجرد الرجوع لا يوجب ان يترتب حكم المعصية على سفره بل لا بد من شروعه بسفر المعصية و الا فما دام لم يكن متلبسا بالشروع في سفر المعصية و كان في منزله لا يحكم عليه بوجوب الإتمام و الصوم. و ما خرج عن ابى الحسن (عليه السلام) ان صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم.

فإذا رجع إليها قصر (2) ناظر الى ما ذكرنا.

الشرط الخامس ان لا يكون سفره أكثر من حضره.

اعلم انه قد اختلفت عباراتهم في المقام فبعضهم كالمحقق ذكر عنوان المسألة بما ذكر و بعضهم عبر بان لا يكون كثير السفر و ثالث بان لا يكون السفر عمله و غير ذلك من التعبيرات الواقعة في كلماتهم.

و اما الروايات ففيها ايضا وقعت تعبيرات مختلفة الا ان عنوان ان لا يكون سفره أكثر من حضره أو عدم كونه كثير السفر فليس مذكورا فيها أصلا. و المذكور في كثير منها جملة من العناوين الخاصة كالمكاري و الملاح و الكرى و الاشتقان و البريد.

و عبر في بعض الروايات عنوانا كليا بنحو التعليل مثل قوله (عليه السلام) ان بيوتهم معهم أو لأن منازلهم معهم أو بعد ذكر جملة من العناوين الخاصة قال: و اى سفر عليهم. و بالجملة فالذي ينبغي ان يقال انه لا بد لنا أولا من النظر الى الروايات ثم ملاحظتها مع كلمات الأصحاب فان لم يكن اختلاف بينهما فهو و الا فإن كان الحكم المستفاد من الروايات مخالفا لفتاويهم و كان ما أفتوا به بالغا حد الإجماع فلا بد حينئذ من رفع اليد عن مدلول الروايات و الأخذ بما أفتوا به و إذا لم يبلغ هذا الحد فلا بد من العمل بالروايات و ان كان مخالفا لفتوى بعضهم.

فنقول: اما الروايات فمنها ما رواه الكليني بسنده عن زرارة قال: قال أبو جعفر‌

____________

(1) ب 8/ 4

(2) ب 9/ 6

43

(عليه السلام): أربعة يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكرى و الراعي و الاشتقان لانه عملهم (1) و هذه الرواية مروية في الكتب الأربعة بسند صحيح عالي السند. و قال الصدوق بعد نقلها في الفقيه و روى الملاح. و الاشتقان البريد انتهى. و منها ما عن الخصال بسنده عن ابن ابى عمير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم (2) و منها ما رواه الكليني بسنده عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام يتم الصلاة و يصوم شهر رمضان (3) و منها ما رواه الكليني بسنده عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير و لا على المكاري و الجمال و رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم مثله (4) و منها ما رواه الشيخ بسنده عن على بن جعفر عن أخيه موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: أصحاب السفن يتمون الصلاة في سفنهم (5) و منها ما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن سليمان الجعفري عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: كل من سافر فعليه التقصير و الإفطار غير الملاح فإنه في بيت و هو يتردد حيث يشاء (شاء) (6) و منها ما رواه الكليني بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: الاعراب لا يقصرون و ذلك ان منازلهم معهم (7) و منها ما رواه ايضا بسنده عن إسحاق بن عمار قال سالته عن الملاحين و الاعراب هل عليهم تقصير؟ قال: لا بيوتهم معهم و رواه الشيخ بإسناده عن على بن إبراهيم مثله (8) و منها ما رواه الشيخ بسنده عن إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه قال: سبعة لا يقصرون الصلاة الجابي الذي يدور في جبايته و الأمير الذي يدور في امارته. و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق و الراعي و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر.

و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا. و المحارب الذي يقطع السبيل و رواه في الخصال عن جعفر بن على عن جده الحسن بن على عن جده عبد الله‌

____________

(1) ب 11/ 2

(2) ب 11/ 12

(3) ب 11/ 1

(4) ب 11/ 4

(5) ب 11/ 7

(6) ب 11/ 11

(7) ب 11/ 6

(8) ب 11/ 5

44

بن المغيرة و رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (1) و منها ما رواه الشيخ ايضا بسنده عن محمد بن جزك قال: كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) ان لي جمالا ولى قوام عليها و لست اخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب علىّ إذا أنا خرجت معهم ان اعمل أ يجب علىّ التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام؟ فوقع (عليه السلام) إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كل سفر الا الى مكة فعليك تقصير و إفطار. و بإسناده عن سعد عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن جزك مثله. و عنه عن ابى جعفر عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة و ذكر الذي قبله. و رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن جزك قال: كتبت اليه و ذكر نحوه. محمد بن على بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن شرف عن ابى الحسن (عليه السلام) مثله (2) ثم ان تلك العناوين المذكورة في الروايات ليست بما هي هي موضوع المسألة. بل الموضوع أمر كلي جامع بينها. و الأمر الكلي المذكور في الروايات عنوانان. الأول ان بيوتهم أو منازلهم معهم. و ثانيهما قوله (عليه السلام) بعد عد جملة من العناوين لانه عملهم. و قبل الشروع في البحث عن العنوانين المذكورين نقول. ان حكم القصر انما هو يثبت للمسافر و هو الذي تغرب عن وطنه إذا سافر المسافة التي حدها الشارع و ليس مطلق الضرب في الأرض كافيا في ثبوت القصر. و لذا لا بد لنا من تقييد الآية الشريفة و إذا ضربتم في الأرض. الاية بالمسافة الشرعية و حيث ان حكم القصر ثابت للمسافر النائي عن الوطن لم يكن هذا الحكم ثابتا في مورد من يدور في بلده و ان كان ذلك شغل يومه أو من يدور حول بلده و لو كان ذلك بقدر الثمانية أو أزيد. فحينئذ نقول: قوله (عليه السلام) بيوتهم معهم أو ان منازلهم معهم يدل على خروج أمثال الملاحين و الاعراب عن موضوع المسافر و ذلك بخلاف المكارين و أمثالهم فإنهم داخلون في موضوع المسافر الا انهم خارجون عن حكم المسافر تخصيصا و بالجملة فأحد العنوانين أخذ قيدا للموضوع و الأخر قيدا للحكم. و هذا‌

____________

(1) ب 11/ 9

(2) ب 12/ 4

45

بخلاف من لم يكن له وطن أصلا كما في السياح الذي لم يتخذ لنفسه وطنا و كان يدور في أطراف العالم شرقا و غربا. و اما مثل الملاحين فاوطانهم و منازلهم معهم. و من الممكن ان نفرض سفينة كبيرة تحتوي على عدد كثير من الإنسان و قد هيئوا فيها لأنفسهم جميع ما يحتاج إليه الإنسان في معيشته و تكون تلك السفينة كأحد البلاد الموجود فيها ما يحتاج إليه الإنسان من المأكولات و الملبوسات و كل ما يحتاج إليه في أمر معيشته. و الفرق بين هذه السفينة و بين البلاد الواقعة على وجه الأرض ان هذه السفينة بلد متحرك بخلاف تلك البلاد.

و من الواضح ايضا عدم الفرق بين كون السفينة كبيرة أو صغيرة مشتملة على عدد كثير من النفوس أو على جماعة قليلة. و ما أحسن ما وقع من التعبير في مورد الملاح كما في الروايات من قوله (عليه السلام) فإنه في بيت يتردد حيث يشاء.

فعلى هذا لو أراد السياح الذي ليس له وطن سفرا للزيارة أو الحج لا يصدق عليه انه مسافر- إذ ليس له وطن حتى يخرج عنه ليصير مسافرا. و هذا بخلاف من كان بيته معه. فإنه ان أراد سفر الزيارة أو الحج و خرج عن موضعه بهذا القصد يصدق في حقه انه مسافر كما لا يخفى. ثم بقي الكلام في معنى الاشتقان الواقع في روايات الباب كما عرفت فنقول: الاشتقان معرب دشتبان و قد اختلفت العبائر في تفسيره و على كل حال فهو ممن تغرب عن وطنه لأجل عمله و مهنته و يجب عليه التمام في السفر إذا كان سفره بالغا حد المسافة كما ان الراعي أيضا كذلك. فان المراد منه من خرج عن موطنه لأجل عمله و لا بد فيه ايضا من تقييد الإطلاق بالمسافة الشرعية. فإن الذي يرعى الانعام حول بلده و كان ذلك دون المسافة فهو خارج عن حكم القصر موضوعا.

ثم ان الظاهر من تفسير الاشتقان بالبريد كما في رواية الفقيه التي مر ذكرها انه من كلام الصدوق حيث فسره بذلك إذ ذكر ذلك بعد قوله و روى الملاح كما هو واضح. و لكن الظاهر من رواية الخصال ان التفسير المزبور من كلام الامام (عليه السلام) كما يشهد بذلك وقوعه في وسط الرواية- فإنه قال فيها خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم و ذكر في الأمالي أيضا ما يشعر الى ذلك حيث قال: في عداد ما‌

46

عده من مذهب الإمامية ما هو لفظه و الذين يجب عليهم التمام في الصلاة و الصوم في السفر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم. و لكن في كتاب معاني الأخبار الذي صنفه لذكر الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) في تفسير معاني الروايات لم يذكر ذلك و هذا يوهن كون التفسير المذكور في الاشتقان من الامام (ع).

ثم ان الاشتقان لما كان فيه مصطلحات عديدة باختلاف البلاد و الأمكنة صار ذلك منشأ لوقوع الاختلاف في تفسيره فقال بعضهم انه أمير البيادر و بعضهم انه البريد كما في رواية الصدوق و الى غير ذلك. ثم ان هنا اشكالا لا بأس بالإشارة اليه و هو ان المستفاد من رواية الخصال خمسة يتمون في سفر أو حضر لكون السفر مهنة و عملا لهؤلاء. و الإرفاق الذي ثابت للمسافر من القصر غير ثابت في حقهم إذ بعد كون السفر عادة لهم لا يكون فيه تعب و مشقة. و لا يخفى ان الحكم المزبور من الإتمام في غير الملاح انما يثبت لهؤلاء المذكورين في الرواية سواء تحقق موضوع السفر في حقهم و هو المسافة الشرعية أم لا الا ان الملاح حيث لم يكن له وطن أصلا أو انه في بيت يتردد معه دائما فلا يتحقق معه السفر الشرعي لما عرفت ان السفر هو تغرب الإنسان عن موطنه و هو منتف في حقه فإذا فمن اين صار السفر مهنة و عملا للملاح. و يمكن ان يجاب عنه أولا بأن عد الملاح في سياق الأربعة المذكورة انما هو من باب التغليب و ان لم يصدق في حقه انه المسافر. و ثانيا ليس جميع الملاحين كذلك. إذ من الملاحين من له موطن خارج السفينة في أحد البلاد و له دار و أهل يعيشون فيه فإذا خرج عن بلده و موطنه للاشتغال بعمله و مهنته يصدق حينئذ في حقه انه مسافر فيرتفع الاشكال على هذا الفرض ثم ان البدوي الذي يعيش في فلاة من الأرض و يطلب مواضع القطر و منبت الشجر ليس عدم تقصيره من أجل كون السفر عملا له.

بل ان بيته و منزله معه فليس له مقر معلوم ليتخذه وطنا لنفسه. و هذا وضع أهل البادية الذي عليه عزمهم ما عاشوا في الدنيا. فلا يتصور السفر في حقهم و انما سفرهم فيما إذا فارقوا عن منازلهم و يتباعدوا عنها لزيارة أو حج مثلا. و هنا قسم آخر من البدوي له وطن يستقر فيه فصل الشتاء مثلا. ثم يخرج منه في بقية‌

47

أيام السنة ليطلب مواضع القطر و الكلاء فيصدق عليه انه مسافر و ان سفره عمل له. فالملاح الذي له موطن خارج السفينة ان خرج عن موطنه و بلده للاشتغال بعمله يكون نظيره.

إذا عرفت هذا فاعلم انه إذا اخترنا عدم خصوصية لتلك العناوين الواقعة في الروايات كالمكاري و الكرى و الاشتقان و غيرها خلافا لبعض فقهائنا من القدماء حيث اقتصروا في الحكم بالإتمام على صدق تلك العناوين المنصوصة فالقدر الجامع حينئذ هو كون السفر عملا و مهنة له. و الضمير في قوله (عليه السلام) لانه عملهم يرجع الى السفر. و من المعلوم ايضا ان المراد من السفر هو السفر الشرعي أعني كونه ثمانية فراسخ فيدور الحكم مدار كون هذا السفر عملا و مهنة للشخص سواء صدق عليه أحد العناوين المذكورة أم لا. و اما رجوع الضمير الى السير فغير صحيح جدا. فالتاجر الذي يدور في تجارته في الشوارع و الأزقة من بلده يصدق عليه انه يدور في تجارته الا ان ذلك غير مراد قطعا فلا بد ان يراد من الضمير هو السفر.

كما هو مذكور في صدر الرواية كما ان رجوع الضمير الى كل واحد من مبادي العناوين المذكورة أيضا غير مقصود جدا إذ من الظاهر كون المكاراة مثلا بما هي هي مما لا يقضى الإتمام بل الذي يقتضي الإتمام اشتمالها على السفر مكررا حتى يعد السفر عملا و عادة له. فلا يكون السفر بالنسبة إليه تعبا و مشقة كما هو كذلك في غير المكاري ايضا فبمناسبة الحكم و الموضوع يعلم ان ما هو صار سببا للإتمام في حق هؤلاء انما هو كون السفر صادرا عنهم مكررا و صيرورته عادة لهم من غير مدخلية للحرف المذكورة في الروايات في وجوب الإتمام. ثم انك إذا عرفت ان مرجع الضمير في الرواية هو السفر فهل المراد منه هو الأعم من السفر العرفي و الشرعي أو المراد منه هو السفر الشرعي أعني ثمانية فراسخ و لو تلفيقا الصحيح هو الثاني ضرورة ان المنساق من النصوص و الفتاوى هو الإتمام على من كان السفر عملا و مهنة له في صورة بلوغ سفره حد المسافة الشرعية الذي لولا العملية لكان موجبا للقصر.

فمن كان عنده بعض الدواب و استعملها في الاحتطاب و غيره من مسافة فرسخ أو فرسخين لا يجب عليه حكم التمام و يكون خارجا عن موضوع الأدلة و ان فرضنا صدق المكاري مثلا عليه عرفا هذا بالنظر الى الأصول و القواعد. و اما‌

48

الروايات فهي تشهد على ما ذكرنا مثل ما رواه إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الأيام أ عليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: نعم (1) و روايته الأخرى عنه (عليه السلام) ايضا قال:

سالته عن المكارين الذين يكرون الدواب و قلت: يختلفون كل أيام كلما جائهم شي‌ء اختلفوا. فقال: عليهم التقصير إذا سافروا (2). فان الظاهر من الروايتين ان المراد من الاختلاف فيهما هو التردد الى ما دون المسافة الشرعية و من البعيد حملهما على ان المفروض وجوب القصر بعد إقامة عشرة فصاعدا.

ثم المراد من قوله (عليه السلام) لانه عملهم حيث علل وجوب الإتمام على المكاري و الكرى و الراعي و الاشتقان هو اشتغالهم و عملهم بالفعل و لا يكفى مجرد التسمية. فمن يطلق عليه اسم المكاري و كانت له دواب يستعملها في عمل المكاراة و ايضا له خدمة و غلمان يختلفون في تلك العملية من دون ان يلازمهم هو بنفسه و لا يخرج معهم في سفرهم فلو اتفق انه سافر معهم للحج أو للزيارة يجب عليه عندئذ القصر و ان كان يطلق عليه اسم المكاري في العرف كما تدل على ما ذكرنا رواية محمد بن جزك السابقة عن ابى الحسن الثالث (عليه السلام) قال: كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) ان لي جمالا و ان لي قوام عليها و لست اخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب علىّ إذا أنا خرجت معهم ان اعمل أ يجب علىّ التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام. فوقع (عليه السلام) إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كل سفر الا الى مكة فعليك تقصير و إفطار (3) كما ان من لم يصدق في حقه اسم المكاري أو غيره من العناوين المنصوصة كمن له مزرعة فيسافر كل يوم أو أكثر الأيام إلى بلد ليبيع أجناسه من الخضروات و الفواكه و الحبوب و كان سفره بالغا حد المسافة الشرعية فيجب عليه الإتمام و ان لم يصدق عليه عنوان المكاري أو غيره من العناوين المنصوصة.

____________

(1) ب 12/ 2 و 3

(2) ب 12/ 2 و 3

(3) ب 12/ 4

49

فرع

ورد في جملة من الروايات ان المكاري إذا جدّ به السير يقصر. فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: المكاري و الجمال إذا جدّ بهما السير فليقصرا (1) و منها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون. فقال: إذا جدّوا السير فليقصروا (2) و منها مرسلة عمران بن محمد الأشعري عن بعض أصحابنا يرفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) قال: الجمال و المكاري إذا جدّ بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين و يتما في المنزل (3) و منها ما رواه الكليني مرسلا قال: و في رواية أخرى المكاري إذا جدّ به السير فليقصر. قال: و معنى جدّ به السير جعل المنزلين منزلا (4) و منها ما رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سالته عن المكارين الذين يختلفون الى النيل هل عليهم إتمام الصلاة قال: إذا كان مختلفهم فليصوموا و ليتموا الصلاة الا ان جدّ بهم السير فليفطروا فليقصروا (5) و عن الشهيد في الذكرى حملها على ما إذا أنشأ المكاري و الجمال سفرا غير صنعتهما. أو على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة و يكون جدّ به السير عبارة عن قصد المسافة.

انتهى كلامه.

قلت: المراد من جدّ به السير هو سرعة السير الخارج عن السير المعتاد للمكارين بحيث يوجب المشقة و العنف فحكم الشارع من أجل ذلك بالتقصير.

و ما ذكره الكليني من التقصير في صورة جعل المنزلين منزلا فهو من باب ذكر المصداق و الا فلا خصوصية لما ذكره و المعنى الذي ذكرنا مما لا ريب فيه الا انه خلاف مذهب المشهور. و توهم ان تلك الروايات بناء على ما ذهبنا اليه من المعنى تكون مما اعرض المشهور عنها فاسد جدا. فان عدم ذهابهم الى ما ذكرنا ليس من باب اعراضهم عن تلك الأخبار المستفيضة التي بعضها من الاخبار الصحيحة سندا بل المنشأ لذلك هو الاختلاف في فهم المراد منها. و كونهم في‌

____________

(1) ب 13/ 1

(2) ب 13/ 2

(3) ب 13/ 3

(4) ب 13/ 4

(5) ب 13/ 5

50

مقام التوجيه يشهد على عدم طرحهم إياها و كون تلك الاخبار موردا لعنايتهم فتصدوا لبيان ما هو المراد منها من الاحتمالات الواقعة فيها.

فرع آخر

يشترط في المكاري و شبهه ان لا يكون سفره المتلبس به بالفعل مسبوقا بإقامة العشرة. و قال المحقق ضابطه ان لا يقيم في بلده عشرة أيام. و مستند المسألة روايات منها ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن أبي إسحاق إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سالته عن حد المكاري الذي يصوم و يتم قال أيما مكار أقام في منزله أو البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام و التمام ابدا. و ان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة فعليه التقصير و الإفطار (1) و منها ما رواه بإسناده عن سعد عن إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

قال: المكاري ان لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم بالليل و عليه صوم شهر رمضان. فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام و أكثر قصر في سفره و أفطر (2) لا يقال: ان الرواية متضمنة لحكم لم يقل به أحد و هو التفصيل بين صلاة الليل و النهار إذا أقام خمسة أيام أو أقل حيث حكم بالتقصير في النهار و الإتمام في الليل الا الشيخ في بعض كتبه (3)

____________

(1) ب 12/ 1 الوسائل

(2) ب 12/ 6 الوسائل

(3) قال (قدس سره): في النهاية و لا يجوز التقصير للمكاري و الملاح و الراعي و البدوي إذا طلب القطر و النبت و الذي يدور في جبايته و الذي يدور في امارته و من يدور في التجارة من سوق الى سوق و من كان سفره أكثر من حضره فهؤلاء كلهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيام. فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام وجب عليهم التقصير. و ان كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام قصروا بالنهار و تمموا الصلاة بالنيل. الجوامع الفقهية ص 251.

و قال: في المبسوط. فان كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام كان عليهم التقصير. و ان كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام قصروا بالنهار و تمموا الصلاة بالليل. ج 1 ص 148 المطبوع بالمطبعة الحيدرية

51

و هذا يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار فإنه يقال: عدم عمل الأصحاب ببعض الرواية لا يوجب سقوط بعضها الأخر عن الاعتبار الذي عملوا به كما نبهنا على ذلك في أمثال المقام. و هنا رواية ثالثة رواها الصدوق بسند صحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر قصر في سفره و أفطر (1). ثم ان مورد الاستشهاد في الرواية هو قوله (ع) فان كان له مقام. إلخ فإنه يستفاد من هذه الفقرة ان الحكم بالإتمام يرتفع بإقامة عشرة أيام الثابت له بعنوان كونه مكاريا فيجب القصر فهل ان ثبوت القصر عندئذ من باب الخروج الموضوعي لكون الإقامة المذكورة قاطعة للسفر و بعد ارتفاع السفر عن المكاري يصير هو كسائر الناس من وجوب القصر عليهم فحينئذ فالحكم بالتمام ثانيا يتوقف على تحقق موضوعه فلو قلنا انه يحتاج إلى كثرة السفر و الكثرة تحصل بالثلاث فلا بد من الإتمام في سفره الثالث كما في كثير الشك في الصلاة حيث يتحقق موضوعه بالدفعة الثالثة و ان يصدق اسم المكاري عليه حتى في السفر الأول لكون الاعتناء بكثرة السفر لا المكاراة و تتفرع على ذلك نية الإقامة عشرة أيام في غير بلده و اما بلده فالقاطع فيه نفس إقامة عشرة أيام من دون اعتبار النية لكونها قاطعة مطلقا و عن العلامة ان السفر للمكاري مثبت للإتمام و الإقامة عشرة أيام نافية له و قاس ذلك بالطهر و الحيض. و التحقيق مع انه قياس باطل ان الإقامة ليست رافعة لحكم الإتمام من أجل كونها قاطعة. بداهة على هذا الفرض لا حاجة الى إقامة عشرة أيام فإن المرور الى الوطن قاطع مطلقا. و قد قلنا سابقا ان عنوان المكاري و شبهه إنما أخذ قيدا للحكم دون الموضوع فمع تحقق الإقامة يرتفع حكم الإتمام و المتيقن من ذلك هو السفر الأول فلا بد فيه من التقصير و هذا حكم تعبدي من الشرع و عليه الإجماع. و اما في السفر الثاني فهل المرجع هو عموم ما دل على وجوب الإتمام مثل قوله (عليه السلام) أربعة يجب عليهم التمام و قد عد منهم المكاري فيدل‌

____________

(1) ب 12/ 5

52

ان حكمه هو الإتمام و خرج عن عموم هذه الكلية السفر الأول و بقي الباقي تحت العموم. أو ان المرجع هو استصحاب حكم المخصص أو العمومات الأولية المثبتة للحكم على المكلفين مع قطع النظر عن العوارض و الطواري من سفر و غيره وجوه. ثم ان الحكم الثابت للمكاري من الإتمام في صورة و القصر في صورة أخرى ليس من أجل خصوصية ثابتة له. بل الحكم ثابت لأمر جامع فكما ان ترتب الحكم من الإتمام على الأربعة أو أزيد لأمر جامع بينها و ليس من أجل خصوصية ثابتة لتلك العناوين الخاصة بل الحكم المزبور ثابت لما هو الجامع بينها كعملية السفر فهكذا في المقام. فالموضوع هو أمر كلي جامع. و قد رتب الشارع عليه حكمين مختلفين على التقديرين. فعلى تقدير عدم الإقامة فعليه التمام و على تقدير الإقامة فيجب القصر فعلى هذا ليس بين المكاري و شبهه في صورة الإقامة فرق و هذا بخلاف ما إذا قلنا ان القصر ثابت لخصوص المكاري بما هو مكاري فحينئذ لا يتعدى منه الى غيره و يدور الحكم مدار صدق موضوعه و هو المكاري. فإن قلنا ان المراد من المكاري ما هو بمعناه اللغوي فيعم الحكم حينئذ للجمال و الملاح بل البريد. و ان قلنا ان المراد منه معناه العرفي فلا بد حينئذ من الاقتصار على المعنى العرفي. و هذا نظير ما إذا قال المولى أكرم زيدا و علمنا ان وجوب إكرامه ليس بما هو زيد. بل الحكم ثابت له بما هو عالم فيكون ما هو الموضوع حينئذ هو العالم. و هذا مما لا اشكال فيه. و انما الإشكال في بعض المصاديق كالبدوي الذي بيته معه و الملاح فإنه في بيت يتردد حيث يشاء فلا يتصور السفر في حقهما.

و انما سفرهما ان يفارقا عن منازلهما من أجل الزيارة و الحج و توقفهما عشرة أيام أو أزيد كشهر ربما كان امرا متعارفا لأمثالهما و لا يخرجهما ذلك عن صدق اسمهما عليهما كما هو واضح. ثم لا بد من التعرض للتفصيل بين صلاة الليل و النهار إذا أقام خمسة أيام أو أقل حيث حكم بالتقصير في النهار و الإتمام في الليل و هذا التفصيل مما لم يذهب إليه الأصحاب إلا الشيخ كما عرفت. و في الرواية إشكال آخر و هو ان قوله (عليه السلام) أو (قل) يشمل اليوم و اليومين و من الواضح انه لا يجب القصر إذا سافر بعد ذلك و الحال ان مقتضى الرواية هو القصر. و التحقيق ان المراد من التقصير بالنهار هو سقوط النوافل النهارية‌

53

و من الإتمام ليلا هو ثبوت النوافل الليلية و إطلاق صلاة الليل على نوافله مما هو مصطلح في الروايات. نعم لو كان المذكور في الرواية هو لفظ الفريضة لم يكن للاحتمال المذكور مجال إذ الفريضة في مصطلح الاخبار لا تطلق على النوافل كاليومية فحينئذ يرتفع الاشكال من دون ان نحتاج الى طرح الفقرة المذكورة و يكون المراد من تقصير الصلاة بالنهار سقوط النوافل النهارية و من (أتم صلاة الليل) ثبوت نوافله كما يساعده الاعتبار أيضا. فإن المسافر يتخلص في الليل من مشقة السفر نوعا فلا يصعب عليه إتيان النوافل الليلية بخلاف النهار. و لا يخفى ان التوجيه المذكور في الرواية و ان كان لا يخلو من خلاف الظاهر الا انه ليس ببعيد مع سلامة الفقرة المذكورة من الاشكال.

الشرط السادس من شرائط القصر الوصول الى حد الترخص

في خروجه من البلد و عدم وصوله إليه في رجوعه الى البلد. و اعتبار حد الترخص في الحكم المزبور مما لا اشكال فيه بين الأصحاب. و انما الإشكال في تحديده. فهل الحد كل واحد من توارى الجدران و خفاء الأذان فأيهما حصل كفى في وجوب القصر كما هو الأشهر بل المشهور بين القدماء. أو لا بد من اعتبارهما معا. أو ان الشرط أحد الأمرين و كون الأخر معرفا له وجوه بل أقوال منشأ الاختلاف اختلاف الاخبار ثم لا يخفى ان المذكور في رواية محمد بن مسلم ان الشرط هو توارى المسافر من البيوت اى عدم رؤية أهلها و ما ذكره المشهور هو توارى الجدران من المسافر و بينهما تفاوت فاحش.

و على كل حال فلا بدلنا أولا من النظر الى الروايات ثم البحث عن المسألة.

فنقول: فمنها صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يريد السفر (فيخرج) متى يقصر قال: إذا توارى من البيوت. الحديث. (1)

و منها صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سالته عن التقصير قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم. و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك (2) و منها ما رواه عمرو‌

____________

(1) ب 6/ 1

(2) ب 6/ 3

54

بن سعيد قال: كتب اليه جعفر بن محمد (أحمد) يسأله عن السفر في كم التقصير؟

فكتب (عليه السلام) بخطه و انا أعرفه قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا سافر أو خرج في سفر قصر في فرسخ. الحديث (1) و منها عن ابى سعيد الخدري قال: كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا سافر فرسخا قصر الصلاة (2) و لا يخفى ان فعل النبي و الوصي (صلوات الله عليهما) من التقصير في فرسخ ليس من أجل خصوصية للفرسخ بل الوجه فيه ان في هذا المقدار من السير يقطع الإنسان بوصوله الى حد الترخص فيجب عليه القصر من أجل تحقق هذا الشرط هذا. و اما المستفاد من الروايتين الأولتين فالظاهر منهما كون كل واحد من توارى المسافر من البيوت و خفاء الأذان سببا تاما في وجوب القصر مع ان بينهما تفاوتا فاحشا فان خفاء الأذان يتحقق قبل تواريه من البيوت بكثير سيما إذا قلنا بمقالة المشهور من ان الشرط في المقام هو توارى البيوت من المسافر دون توارى المسافر من البيوت. ثم لا يخفى ان مفهوم الشرط في كل واحد من الروايتين يدل على كون واحد من خفاء الأذان و توارى المسافر من البيوت سببا تاما فيقع التعارض بين مفهوم كل واحد منهما مع منطوق الأخر.

فإن الظاهر من الصحيحة الأولى انتفاء التقصير ما لم يتوار من البيوت سواء سمع الأذان أم لم يسمع فتتحقق المعارضة بين مفهوم هذه الصحيحة و منطوق الفقرة من صحيحة ابن سنان و غيرها مما دل على سببية خفاء الأذان للتقصير مطلقا كما ان مقتضى إطلاق الفقرة الاولى من هذه الصحيحة التي هي بمنزلة المفهوم للفقرة الثانية تدل على وجوب الإتمام لدى سماع الأذان من غير فرق بين ان يكون ذلك قبل توارى البيوت أو بعده فيعارضها بناء على تقدير خفاء البيوت قبل خفاء الصوت منطوق الصحيحة الاولى.

و قد يقال: بان مقتضى الجمع بينهما رفع اليد عن مفهوم الصحيحة الأولى بمنطوق الفقرة الثانية من الصحيحة الثانية و تخصيص الفقرة الاولى من هذه الصحيحة التي هي بمنزلة التصريح بمفهوم الفقرة الثانية منها بمنطوق الصحيحة الأولى فيكون محصل المجموع هو ما فهمه المشهور من سببية كل منهما لترتب الجزاء بشرط ان لا يسبقه الأخر.

____________

(1) ب 6/ 2

(2) ب 6/ 4