التعليقة على رياض المسائل

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
527 /
1

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تكريم العلماء و الفقهاء الذين حرسوا الثقافة الدينية في عصر الغيبة الكبرى بجهادهم العلمي و العملي يعدّ من الأنشطة القيّمة التي نشاهدها أبان انتصار الثورة الإسلامية.

و لا ريب أن تكريم العلماء الأوحدين ليس تجليلا للعلم و العالم فقط، بل انّه كاشف عن حقيقة مهمّة، و هي انّ حياة الثقافة الإسلاميّة على مرّ العصور و القرون كانت مدينة إلى جهود و مساعي أولئك العلماء العظام.

و انّ اطّلاع جيلنا على هذه الحقيقة سوف يكون سببا لكي يشدّ رجال الغد أحزمة عزيمتهم لحفظ الثقافة الإسلامية و الوطنية.

و من هؤلاء العلماء الذين خاضوا ساحات العلم و الثقافة الدينيّة، و حملوا رايات مقارعة الاستعمار الأجنبي، هو آية اللّه المجاهد السيّد عبد الحسين اللاري.

و انّ شخصية السيّد السياسية و الجهادية معروفة لدى الجميع، و أمّا منزلته العلمية و الاجتهادية لا يعرفها سوى بعض الخواص، و من هنا بادرت وزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي إلى تشكيل مؤتمرا تكريميّا لذكري السيّد اللاري تلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي و عملا بأوامره.

و الذي بين يديك هو نتيجة جهود بذلتها الهيئة العلمية للمؤتمر، خاصّة لجنة قم، و مسؤولي مؤسّسة المعارف الإسلامية في قم الّذين مدّوا الهيئة بعونهم الفائق، و الهدف من هذه الجهود هو تعريف مصنّفات السيّد اللاري و مؤلّفاته،

2

و تشييد مقامه العلمي و الاجتهادي.

و ممّا ساعدنا على إقامة هذا المؤتمر و بهذا النحو الممتاز خاصّة النتاج العلمي فيه، هو التوجّه الخاص و إمداد قائد الثورة الإسلامية آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي إيّانا، و من ثمّ عناية السيّد رئيس الجمهورية بنا، و مساعدة وزير الثقافة و الإرشاد الإسلامي لنا.

و ممّن أتحفنا بعنايته و مساعدته أحفاد السيّد المترجم له. و هم سماحة آية اللّه السيّد عبد العلي آية اللهي، سماحة حجّة الإسلام و المسلمين السيّد مجتبى الموسوي اللاري، سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيّد حسين النسّابة و سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيّد عبد الحسين آية اللهي (آقا بزرگ) و سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيّد حسين آية اللهي حفظهم اللّه تعالى.

و ما توفيقي إلّا باللّه الأمين العام للمؤتمر محمد إبراهيم الأنصاري اللاري

3

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و سيّد المرسلين، سيّدنا محمد، رسول اللّه المصطفى، و على آله الطيّبين الأئمّة الهداة المهديين.

و بعد؛ لقد بزغ عبر التاريخ رجال و عظماء غيّروا بنتاجهم و جهادهم مسيرة التاريخ حيث انّهم لم يعبؤوا بشي‌ء و لم يهابوا طغيان الظالمين في سبيل إعلاء كلمة الإسلام و إجراء أحكامه المثاليّة و تطبيقها، و بذلك أناروا درب الهداية و الرشاد لشعوبهم.

و لا شكّ انّ هؤلاء العظماء الذين قادوا الحركات و الثورات التحرّرية الجهادية لامّتهم، كانوا يمتازون بخصال و صفات فريدة مثل التقى و الورع و الشجاعة و الاستقامة.

و لا ريب انّ هذه الميزات و الخصال الحميدة، و بسالتهم الفائقة في تبيين و إراءة السبيل الوحيد لهداية المجتمعات، تتجلّى أكثر وضوحا لمّا تقترن هذه القيادات و تتّصف بالقيم العلميّة و الاجتهاد.

و انّ واحدا من أولئك العظماء و القادة الذي تربّع سدرة الجهاد و الاجتهاد، و تسنّم قمم المبارزة و الفقاهة هو آية اللّه العظمى المجاهد السيّد عبد الحسين النجفي اللاري.

و من المؤسف انّنا نرى عند الحديث عن السيّد يشار فقط إلى الجنبة الجهادية و النضالية من حياته، و لم تلاحظ الجنبة الاجتهادية و الفقاهتية و معطياته العلمية، و انّ السيّد في هذه الجهة بقي منسيّا حتى أن منّ اللّه عزّ و جلّ علينا بإقامة هذا المؤتمر تخليدا لذكراه المجيدة، و ذلك حسب توجيهات قائد الثورة الإسلامية سماحة آية اللّه السيّد علي الخامنئي دام ظله، فاستخرجت نتاجات السيد اللاري- المخطوطة و المطبوعة- من مكامنها في المكتبات العامّة و زوايا‌

4

البيوتات، و اهتم السادة المحقّقون و العلماء ذوو الفضل بتحقيقها، و بذلك علم بأنّ السيّد اللاري لم يكن بطلا شجاعا و مجاهدا ذا باع في الميدان العلمي و الجهادي فحسب، بل انّه كان فقيها نحريرا و مجتهدا قديرا في ميادين العلم و الاجتهاد و الفقاهة، و صاحب قلم و رأي سديد في مجالات التحقيق و التأليف.

حتى انّ بعض جهابذة العلم و الفضل الذين اطّلعوا على مؤلفات السيّد و تقريراته الفقهيّة و الأصولية و الذين أخذوا منه العلم شهدوا و أذعنوا بأنّ السيّد كان صاحب آراء سديدة و عميقة و مستحدثة يمكن أن تكون بابا لتطبيق أحكام الإسلام في المجتمعات.

و من هذا المنطلق لمّا أبدى سماحة الأمين العام للمؤتمر الأخ محمّد إبراهيم الأنصاري اللاري اقتراحا بتأسيس مكتب خاص لهذا المؤتمر في «قم المقدّسة» يقوم بإحياء كتب السيّد و رسائله، لم نكن نتوقّع أن نلمّ المتشتّت من مصنّفات السيّد و ننهي هذا العمل الضخم خلال هذه المدّة القصيرة، خصوصا و انّ أكثر ما حصلنا عليه من تلك المصنّفات كان إمّا نسخ خطّية أو صور فتوغرافية أخذت على بعض النسخ المخطوطة.

و لكن شملتنا عناية الربّ الجليل و لطفه، و عزيمة العلماء الأفاضل، و المحقّقين الأماجد و مساعدتهم الدؤوبة لنا، و خاصة مساعدة مؤسسة المعارف الإسلامية بقم و التي أسّسها المرحوم آية اللّه السيّد عباس المهري (قدّس سرّه)، و بالأخص مديرها سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيّد إسماعيل المهري حيث تمّ- و الحمد للّه- هذا الأمر.

و ها نحن نقدّم ما أنتجته الأمانة العامّة للمؤتمر- تخليدا لذكري آية اللّه المجاهد السيّد عبد الحسين اللاري (قدّس سرّه)- للسادة الأفاضل و العلماء الكرام:

1- التعليقة على رياض المسائل. 2- التعليقة على المكاسب. 3- التعليقة على فرائد الأصول. 4- تقريرات في أصول الفقه. 5- المعارف السلماني بمراتب الخلفاء الرحماني. 6- هداية الطالبين. 7- عرفان السلماني بحقائق الإيماني. 8- آيات الظالمين. 9- تشريع الخيرة و التكلان. 10- المحكم‌

5

و المتشابه. 11- رسالة في تقدير المد و الصاع. 12- التعليقة على كتاب الصوم من مدارك الأحكام. 13- القصائد العربية. 14- إكسير السعادة في أسرار الشهادة. 15- رسالة سؤال و جواب حول الأجناس الخارجية. 16- رسالة في المشروطة المشروعة. 17- رسالة القانون في وحدة الدولة و الأمّة. 18- مهاجر إلى اللّه.

و ممّا يجدر بنا ذكره انّ هذه المؤلّفات المدوّنة ما هي إلّا العدد القليل ممّا كتبه سيّدنا اللاري من الرسائل و الكتب و التعليقات و الحواشي التي ذكرت أسماؤها بالتفصيل في الكتاب الذي دوّن خصّيصا في ترجمة حياة السيّد.

و في الختام نقدم فائق شكرنا الى جميع أصحاب السماحة و الفضيلة الذين مدّوا يد العون إلى الأمانة العامّة بقم المقدّسة و أتحفونا بمساعدتهم لنا، و نبتهل الى اللّه المنّان أن يمنّ عليهم بحسن التوفيق و دوامه، و رحمته الواسعة، و نخصّ بالذكر أصحاب الفضيلة:

1- آية اللّه السيد عبد العلي آية اللّهي إمام جمعة لار.

2- حجّة الإسلام و المسلمين السيد عبد الحسين آية اللّهي، المعروف ب‍ «آقا بزرگ».

3- حجة الإسلام و المسلمين السيد مجتبى الموسوي اللاري.

4- حجّة الإسلام و المسلمين السيد حسين النسّابة.

5- حجّة الإسلام و المسلمين السيد عبد الرسول الشريعتمداري الجهرمي.

و ممّا تجدر الإشارة إليه إنّ هؤلاء السادة جميعهم من أحفاد السيّد اللاري؛ بنوة و مصاهرة.

6- حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ علي الكريمي الجهرمي.

7- حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ حسين شب زنده‌دار.

اللجنة العلميّة- قم المقدّسة 1- سيد حبيب اللّه الموسوي 2- مرتضى رحيمي‌نژاد رمضان المبارك/ 1418 ه‍ ق

6

مقدّمة التحقيق

الاجتهاد بمفهومه الخاصّ عند أهل البيت (عليهم السّلام) و شيعتهم لم يكن حصرا على فئة خاصّة دون اخرى، كما عليه بعض الفرق الإسلامية حيث سدّوا باب الاجتهاد و غلّقوه على أتباعهم، و بذلك انحصر عندهم الاجتهاد في رجال معدودين، فالاجتهاد كان متداولا عند الإمامية حتى في عصر الأئمّة (عليهم السّلام) حيث أمروا أصحابهم باستخراج الفروع من أصولها الصحيحة.

و في بداية الغيبة الكبرى سنة 329 ه‍ تصاعدت حركة الاجتهاد و تزايد نشاط العلماء و الفقهاء باستخراج الأحكام الشرعية و القوانين الإسلامية من منابعها الرئيسية، و قد ظهر في تلك الفترة الزمنية فحول و جهابذة متضلّعين في الفقه و الفقاهة.

و من الذين ظهر نجمهم في سماء الفقه و الاجتهاد في القرن الحادي و الثاني عشر: الفقيه التقي الورع العلّامة المير السيّد علي الطباطبائي، المتوفّى سنة 1331 ه‍.

يعدّ السيّد علي الطباطبائي من النوابغ و الفطاحل الّذين أحاطوا بالفقه و أصوله إحاطة تامّة بلغ منتهاها و غايتها، حيث إنّه ترك لمن يليه من الفقهاء و المجتهدين ذخيرة عظيمة و روضة ثمينة و أسماها ب‍ «رياض المسائل و حياض الدلائل»، فهي بحقّ رياض يتنعّم فيها المتنعّمون، و حياض يغوص فيها الغوّاصون لاستخراج روائحها الطيّبة، و لآلائها الجملية.

و بهذا ساح و غاص سيّدنا المجاهد آية اللّه السيد عبد الحسين اللاري (قدّس سرّه) في قصور الرياض و بحور الحياض، فاستخرج دررها، و قطف ثمارها، و شيّد خيارها، فهو بذلك أحكم غرسها. و علّق عليها بتعليقات علميّة شيّقة، فقهيّة‌

7

محكمة، ثابتة أصولها بمياه الثقلين كتاب اللّه و العترة الطاهرة (عليهم السّلام).

و هذا السفر الخالد الذي بين يديك هو تلك التعليقات المشار إليها، و التي خصت بالصدار و الوجاهة من بين سائر مؤلّفات سيّدنا اللاري، و منها تعرف سمو مقام مصنّفها، و علوّ درجته، و فخامة مجده، و كرامة جدّه، و قد باتت هذه التعليقة كأخواتها من معطيات السيّد اللاري العلمية ثلثا قرن منسيّة حتى أن قيّض اللّه عزّ و جلّ بعد هذه المدّة رجال و فضلاء اعتقدوا بضرورة إحيائها، و إخراجها إلى حيّز الظهور.

و من خلال مطالعة هذا الكتاب يعرف القارئ الكريم مرتبة مؤلّفة العلمية و درجته الاجتهادية، و عند ما يدرس القارئ حياة المؤلّف يذعن و كلّه عقيدة و إيمان بأن انتخابه من قبل المجدّد الشيرازي الميرزا محمد حسن لقيادة الشعب في منطقة فارس لم يكن اعتباطا، و أنّ تأسّف المجدّد على خلوّ الحوزة العلمية منه كان حاكيا عن واقع، و كاشفا عن حقيقة.

فأمّا الكتاب: فإنّه يقع في مجلدين كما ذكره العلّامة فريد دهره آقا بزرگ الطهراني في كتابه «نقباء البشر في القرن الرابع عشر ج 3: ص 1059» في عداد مؤلّفات آية اللّه المجاهد السيّد عبد الحسين اللاري (قدّس سرّه)، و كذا أشار تلميذه الفاضل الحجّة الشيخ عبد الحميد مهاجري في كتابه «گلشن حسيني ص: 24».

النسخ المعتمدة

و قد اعتمدنا في تحقيقنا لهذا السفر الخالد على نسختين:

النسخة الأولى: و هي نسخة ثمينة كتبت بخطّ المؤلّف، تبدأ من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب التجارة (حيث توجد تعليقة واحدة فقط في كتاب التجارة، و كتب في آخر صفحة عبارة تؤكّد عدم تمام الكتاب»، يبلغ مجموع صفحاتها (470) صفحة، و هي محفوظة عند سماحة حجّة الإسلام و المسلمين السيّد عبد‌

8

الحسين آية اللهي بن السيّد علي أكبر بن السيّد عبد الحسين، و المعروف ب‍ «آقا بزرگ»، و المقيم في جهرم، حيث وضع سماحته هذه النسخة تحت اختيار المؤتمر، فجزاه اللّه خير جزاء المحسنين.

النسخة الثانية: و هي نسخة من كتاب الرياض (حجريّة) محفوظة عند آية اللّه السيّد عبد العلي آية اللهي إمام جمعة (لار) المحترم، حيث تكرم علينا سماحته- وفّقه اللّه لكلّ خير- بصورة منها، حيث كتب المؤلّف تعليقاته على هذه النسخة، و هي تبدأ من كتاب النكاح إلى آخر كتاب الديات، و قد كتبت هذه التعليقات بخطّ جميل.

أمّا عملنا في هذه النسخ:

1- الاستنساخ و المقابلة: حيث قمنا في هذه المرحلة باستنساخ النسخة الخطّية و مقابلتها بالنسخة المصوّرة.

2- قمنا بحذف بعض التعليقات المكرّرة، و قد أشرنا إلى ذلك في الهامش.

3- بما أنّ التعليقات التي كتبها المرحوم اللاري في النسخة الأولى لم تكن مرتّبة طبق عبارات الرياض، لذا فقد قمنا بترتيبها و تبويبها وفق عبارات الرياض.

4- ما أضفناه من الرياض أو من عندنا لأجل الحفاظ على سياق الكلام جعلنا بين [].

5- أشرنا لبعض موارد الاختلاف- بين النسخ و الرياض- المهمّة منها فقط.

6- قمنا بمراجعة الآيات القرآنية الواردة في الكتاب و مطابقتها مع القرآن الكريم و أثبتناها كما ذكرت في القرآن.

7- الأحاديث و الروايات الواردة في الكتاب قمنا باستخراجها من المصادر الحديثية، معتمدين في ذلك على كتاب الوسائل، و ما لم نجده فيه استخرجناه من المصادر الحديثية الأخرى.

9

8- تقويم النص على قدر الوسع و الإمكان.

و نحن لا ندّعي إنّنا قد أدّينا ما علينا تجاه المؤلّف آية اللّه المجاهد السيّد عبد الحسين اللاري، و كذلك تجاه الحوزات العلميّة و العلماء و الفضلاء بأحسن صورة و على أحسن شاكلة.

شكر و تقدير:

و تقديرا للخدمات الجليلة التي قام بها السادة المحقّقون في تحقيق هذا السفر الخالد، نرى لزاما علينا أن نذكر أسماءهم و عمل كل منهم:

1- الاستنساخ: محمد آقا اوغلو.

1- المقابلة: محمد آقا اوغلو، أبو علي الحكّاك.

2- استخراج المصادر: الحاج أبو أحمد آقا اوغلو، أبو حياة النعماني، أبو رعد، السيّد طالب الموسوي 3- تقويم النصّ و الاشراف على العمل: الميرزا محمود الزنجاني.

4- تنضيد الحروف: محمد رحيمي.

5- التصحيح النهائي و الإخراج الفني: محمود البدري.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

10

لمحة من حياة المؤلّف

النسب الطاهر:

هو آية اللّه العظمى المجاهد السيد عبد الحسين بن السيّد عبد اللّه بن السيّد عبد الرحيم، و يصل نسبه إلى الشاة ركن الدين السيّد علي المدفون بدزفول و ثمّ إلى السيّد حمزة بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السّلام).

مولده و نشأته:

ولد السيّد في الثالث من صفر سنة 1246 ه‍ في النجف الأشرف، و تربّى في إحضان أبوين كريمين عالمين، و ترعرع في بيت عرف بالسيادة و العلم و الفضل و الشجاعة. و ما أن بلغ السابعة من عمره حتى أرسله أبوه إلى المكتب لتعلّم مبادئ القراءة و الكتابة و تلاوة القرآن، و لنبوغه الفائق أنهى هذه المرحلة التعليمية في فترة قصيرة، ثمّ التحق بالدراسة في الحوزة العلمية، و أخذ العلم من أكابر العلماء.

و هكذا تقدّم سيّدنا اللاري على أقرانه و شاع اسمه وصيته في الأوساط العلمية و عرف بهمّته العالية و انكبابه على الدرس و البحث و التحقيق و المناظرة، و هذه الصفات كانت السبب في أن يشار إليه بالبنان، و يشتهر بقوة النظر و سرعة الاستنباط حتى أجيز بالاجتهاد و هو لم يزل في العقد الثاني من عمره.

مشايخه و أساتذته:

1- آية اللّه المجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي المتوفّى سنة 1312 صاحب الفتوى المعروفة بتحريم التنباكو، و هو ممّن صرّح باجتهاد سيّدنا اللاري.

11

2- آية اللّه الشيخ محمد حسين الكاظميني المعاصر للشيخ الأنصاري.

3- آية اللّه الشيخ محمد الايرواني. و هو ممّن أجاز للسيّد اللاري بالاجتهاد.

4- آية اللّه الشيخ لطف اللّه المازندراني. و هو ممّن أجاز للسيّد اللاري بالاجتهاد.

5- الحكيم المتألّه آية اللّه الشيخ حسين قلي الهمداني المعروف بسلوكه و زهده.

تلامذته:

لم يذكر لنا التاريخ و التراجم أسماء طلّابه الذين أخذوا منه العلم في النجف الأشرف و لكن المعروفين في دار هجرته لارستان كثيرون منهم:

1- ابنه الأكبر آية اللّه العظمى السيّد عبد المحمّد الذي تتلمذ على الآخوند الخراساني، كذلك و تقلّد المرجعية في منطقة فارس بعد عوده ثانية إليها و عند وفاة والده.

2- ابنه الأوسط آية اللّه السيّد علي أكبر و قد استقرّ به المقام في مدينة جهرم حتى وفاته.

3- آية اللّه السيد عبد الباقي الشيرازي و هو من بني خؤولة المجدّد الشيرازي.

4- حجّة الإسلام السيد محمد حسين المجتهد اللاري.

5- العلّامة السيّد أحمد المجتهد الفال‌أسيري.

6- العلّامة السيّد عبد المحسن المهري.

7- العلّامة السيّد أسد اللّه الأصفهاني الذي لازم السيّد في أسفاره و رحلاته.

8- العلّامة السيّد محمد علي الشريعتمداري و هو ثالث أصهار سيّدنا‌

12

اللاري.

9- العلّامة السيّد محمد و هو الصهر الرابع للسيّد و وكيله في منطقة بندر عبّاس.

10- الفاضل الشيخ محمد حسين اللاري.

11- الفاضل الشيخ عبد الحميد المهاجري صاحب كتاب «گلشن حسيني» و «الدوحة الأحمدية في أحوال السيّد اللاري» و قد ألّف هذين الكتابين بالاشتراك مع ابن السيّد اللاري «السيد علي أكبر».

مؤلّفاته و مصنّفاته:

من أجل الاطّلاع على مؤلّفات و مصنّفات السيّد اللاري راجع كتاب (مهاجر إلى اللّه) الذي يتناول ترجمة حياة السيّد اللاري (قدّس سرّه).

لارستان دار الهجرة:

ينقل أن رجلا متشخّصا من لارستان (المعروف بالحاج علي) وفد على المجدّد الميرزا الشيرازي و طلب منه أن يبعث إليهم عالما فقيها بارعا لقيادة المؤمنين و إرشادهم، و بعد البحث و التحقيق ظهرت القرعة باسم السيّد اللاري الذي أبى كغيره في بادئ الأمر و لكن لما أمرته المرجعية العليا و القيادة العظمى استجاب من دون اعتذار و استعذار، و هذه ميزة امتاز بها السيّد اللاري و أورثها لأبنائه و أحفاده إلى هذا اليوم حيث التزامهم بأوامر القيادة و المرجعية. فخرج السيّد اللاري مودّعا قبر جدّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) من النجف إلى لارستان في سنة 1309 ه‍، و ما أن انتشر نبأ قدومه إلى لار حتى اجتمع في استقباله جمع غفير من العلماء و رجال فارس مرحّبين به و مهلّلين بقدومه.

ميادين جهاده:

يمكن تلخيص جهاد السيد اللاري و الذي بدء به منذ هجرته إلى لارستان إلى أن داهمته المنيّة و افجع المؤمنين بموته، في مواقفه الصلبة ضد الاستعمار‌

13

و المستعمرين و عملائهم من الحكام و أذنابهم و مكافحة الأفكار و العقائد الالحادية و الغير الإسلامية التي لا تمت إلى مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) بشي‌ء، و هذا ان دلّ على شي‌ء فإنّه يدلّ على مدى التزام السيّد اللاري و تقيّده بالأصول الإسلامية التي وردت من منبعها الزلال و تمسّكه بالثقلين الكتاب و العترة التي طالما كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) يوصي بهما.

و كذلك كان شديد المؤاخذة على علماء الدين الذين يظلّون ساكتين كما ترشدنا إلى ذلك عبارة السيد في شرح المكاسب في نقده للعلماء الساكتين عن الاستبداد العثماني و تغيير القوانين الإسلامية بالقوانين الغربية و قد اعتبر السيد هذه الظاهرة من الويلات العظيمة على المسلمين و البلاء الذي حلّ بالإسلام و المسلمين.

و قد كان جهاد السيد اللاري ضد أعداء الدين بيّن واضح، فمن ناحية أنّه طرد اليهود و النصارى الذين كانوا يؤذون الناس في لار و ابعدهم إلى حيث أتوا و أحرق كتبهم الضالّة و أفتى بأن لا يستقبلهم و لا يعينوهم في أي بلد حلّوا و لا يتعاملوا معهم. و قد كان سيفا صارما على الأشرار و قطّاع الطرق الذي دأبوا على إيذاء الناس و نهب أموالهم و كان المحرومون يأتون إليه مستنصرينه لأخذ حقّهم، و حيث كان السيّد اللاري عاملا بحكم جدّه (عليه السّلام): «كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا» فما روي و لو لمرّة واحدة ان أعان ظالما.

و قد كان السيّد اللاري من دعاة مكافحة الاستبداد و الفساد و لذا نقرأ لما طلب منه مساعدة العلماء المجاهدين في إيران و العراق المطالبين بإقامة حكومة مشروطة مشروعة استجاب و شدّ الرحال و الأحزمة هو و أصحابه إلى شيراز حيث كانت مركز الثورة، فاستقبله العلماء و الشخصيات الدينية بحفاوة و لاذوا إليه و هو يقود مسيرتهم نحو الأفضل و إقامة المشروطة المشروعة، و قد تحصّن في حرم أحمد بن موسى (شاه چراغ) (عليه السّلام) و التفّ حوله المؤمنون، و لكن‌

14

الحكومة و جلاوزتها أمرت جيشها برمي الحرم و دسّ السمّ في الماء الذي يصل إلى المجاهدين في الحرم، و لما رأى السيد هذه الوقاحة و الهجوم خرج من الحرم حفظا لحرمته، و دخل على العلامة السيّد ذي الرئاستين، فحاصر الجلاوزة مقرّ السيّد حيث قاومهم حتى ردّ اللّه كيد الظالمين، و جعل النصر حليفا للمؤمنين و انتصر أصحاب الحقّ حيث أجبرت الحكومة المستبدة على تلبية ما يريده علماء الدين، و من ثمّ عاد السيد إلى دار هجرته لارستان، و لكن الحكومة و أزلامها و زمرتها و كذا الأشرار و قطّاع الطرق الذين كانوا قد صفعوا من السيد و وجوده غاروا على دار السيّد اللاري فلحق الخراب بداره و قتل بعض المؤمنين هناك. و لما سمع السيّد بأنّ المستعمرين البريطانيين قد غاروا على إيران شمالا و جنوبا أفتى السيّد بجهادهم، فدارت بين المؤمنين و الانجليز حروبا طويلة و صدّوا الانجليز صدّا عنيفا و ذلك في منطقة تنگستان.

و التحق السيّد بنفسه إلى الأطراف حيث اجتمع الناس مندّدين بخروج المستعمرين و في مقدّمتهم الانجليز و عملائهم عن أرض إيران.

جهرم دار هجرة و مدفن:

و هكذا بعد مكافحته الطويلة للاستعمار، استقرّ به المقام في مدينة فيروزآباد مدّة تجاوزت الأربع سنوات و بعدها دعاه المؤمنون الموالون له في مدينة جهرم و استقرّ بها حتى وافته المنيّة في الرابع من شوال سنة 1342 ه‍ و دفن بها مكرّما و معزّزا، و قد فجع بموته قلوب المؤمنين.

فسلام اللّه عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيّا.

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

كتاب الطهارة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الركن الأول: في المياه

بسم اللّه الرحمن الرحيم في بعض ما يسنح في الخاطر القاصر من التعليق على الرياض

[النظر الأول في المطلق]

قوله: «ينبت لكم به الزرع. فتأمّل».

أقول: التأمّل لعلّه إشارة إلى تضعيف دلالة ما دلّ من الآيات (1) و الأخبار (2) على كون مياه الأرض بأسرها من السماء، بأنه لو سلّم كون مياه الأرض بأسرها من السماء، فلا أقلّ من انصراف الآيات و الأخبار الواردة في حكم ماء السماء إلى خصوص ماء الأمطار دون ماء البئار، كما هو المتفاهم عرفا من ماء السماء أيضا، خصوصا بقرينة اختصاص شأن (3) نزولها به.

أو لعلّ التأمّل إشارة إلى معارضة الآيات و الأخبار الدالّة على كون مياه الأرض بأسرها من السماء بما هو المحسوس و المشاهد، من أن المياه الخارجة‌

____________

(1) النحل: 10 و 11، الحجّ: 63، المؤمنون: 18، الزمر: 21.

(2) مجمع البيان 7: 181- 182 ذيل الآية 18 من سورة المؤمنون.

(3) مجمع البيان 7: 181- 182 ذيل الآية 18 من سورة المؤمنون.

20

من تحت الأرض. (1) و عروقها و تخومها ليست من مياه السماء و. (2) في الأرض، و بما في سائر الآيات (3) و الأخبار (4) الأخر. (5) في الخلقة، و على أنه تعالى خلق (6) الأرض قبل السماء، و كان عرشه (7) على الماء، و على كون الأنهار (8) ثمانية، لمّا أهبط بآدم (عليه السّلام) إلى الأرض بعث إليه جبرئيل فخطّ له فيها خطوطا ثمانية بإصبعه فنشأت منه الأنهار الثمانية، كبئر زمزم (9) حيث نبع بمجرّد ترفيس إسماعيل (عليه السّلام) برجله الأرض، و أنه من تأثيره موضع قدمه (عليه السّلام)، إلى غير ذلك من الأخبار التي لا يحضرني الآن ذكرها، الآبية جدّا عن كون مياه الأرض بأسرها من السماء.

فلا بدّ من حمل ما دلّ على كونها من السماء إما على خصوص مياه البحار و الأنهار الناشئة أو المستقيمة من السيل الحاصل من اجتماع الأمطار، دون سائر مياه الأرض الناشئة عن النبع من عروق داخل الأرض و تخومها.

و إما على أن استقامة مياه الأرض بإمداد مياه السماء، بحيث لولاها لانعدمت و نشفت، لا أن مبدأها من السماء.

و إما على أن المراد من السماء جهة العلوّ، الأعمّ من العلوّ الحسّي الخاصّ (10) استيلائه على ما دونه من الأراضي المنخفضة، و من العلوّ الجهتي المستولي على مطلق الأراضي حتى الفوقيّة و هي جهة الشمال، على ما (11) ورد من أن مجاري العيون من مهبّ الشمال.

____________

(1) الورقة هنا ممزّقة، و لم يتيسّر قراءة عدّة كلمات لا تتجاوز السطر.

(2) الورقة هنا ممزّقة، و لم يتيسّر قراءة عدّة كلمات لا تتجاوز السطر.

(3) البقرة: 29، هود: 7.

(4) الكافي 8: 95 ح 68، و ص: 145 ح 116.

(5) الورقة هنا ممزّقة، و لم يتيسّر قراءة عدّة كلمات لا تتجاوز السطر.

(6) البقرة: 29، هود: 7.

(7) البقرة: 29، هود: 7.

(8) الكافي 1: 409 ح 5.

(9) البحار 99: 37 ح 15، و فيه: أنه ظهر الماء من تحت رجلي إسماعيل (عليه السّلام).

(10) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: الحاصل باستيلائه.

(11) الوسائل 1: 145 ب «24» من أبواب الماء المطلق ح 6.

21

و مراد الشهيد في الروضة بقوله: «و المراد بالسماء جهة العلوّ» (1) محتمل لإرادة ذلك، تعميما لمياه الأرض، كما هو محتمل لإرادة خصوص ماء الغيث الموجود بين السماء و الأرض، دفعا لتوهّم وجوده في نفس السماء كالبروج و الكواكب.

و إما على أن المراد من إنزال مياه الأرض من السماء إنزال أسبابها و مؤثّراتها، حيث إن التأثيرات بسبب العلويّات، و عند مقابلتها أو ملاقاتها على اختلاف الرّأيين، فأقام إنزال الأسباب مقام إنزال مسبّباتها، نظير قوله تعالى:

أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ (2). و قوله تعالى وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (3). و قوله تعالى وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ (4). و قوله (عليه السّلام): «إن اللّه أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، أنزل الحديد و الماء و النار و الملح» (5).

قوله: «و إن احتيج في وصفه به حينئذ إلى نوع تأويل».

[أقول:] أما وجه احتياجه فلما قيل من أن اسم الآلة و إن أشبهت المشتقّات- كأسماء الزمان و المكان- بالدلالة على المبدأ، لكنّها لا توصف بها، لأنها أسماء لأمور معيّنة، بخلاف سائر المشتقّات الموضوعة على الإبهام.

و أما تأويله فإلى معنى المستعين و المعالج به الطهر، أو تخريجه عن الوصفيّة إلى البدليّة أو الحاليّة.

____________

(1) الروضة البهيّة 1: 30.

(2) الأعراف: 26.

(3) الحديد: 25.

(4) الذاريات: 22.

(5) كنز العمّال 15: 418 ح 41651.

22

و إن قيل و لم. (1) غالبا ذو الحال إن لم يتأخر أو يخصّص أو يبيّن. إلخ.

قوله: «إلا أنه ورد في بعض الأخبار (2) أن الماء يطهّر و لا يطهّر- إلى قوله- و هو في تطهيره به مفقود».

أقول: أما تصوير أصل استدراك الإشكال من هذا الحديث فلزعم منافاة ظاهره، إما لطهوريّة الماء لنفسه، بناء على أن يكون قوله: «و لا يطهّر» بالبناء للمفعول، بمعنى أنه غير طاهر في نفسه، و إما لمطهّريّته لغيره على أن يكون بالبناء للفاعل، بمعنى أنه غير مطهّر لغيره.

و أما تصوير رفعه الاشكال، فأما على الأول فبحمله على أنه لا يطهّر بغيره، لا أنه لا يطهّر مطلقا، حتى يستلزم عدم طهارته في نفسه. أو على أنه لا يطهّر من قبل نفسه إذا تنجّس مع بقائه على حاله، لا أنه لا يطهّر مطلقا، حتى بمثله من ماء آخر، و حتى مع عدم بقائه على حاله. و هو معنى قوله: «و هو في تطهيره به مفقود». يعني به: أن عدم طاهريّته في نفسه كان مقيّدا ببقائه على حاله، و هذا القيد- و هو بقاؤه على حاله عند تطهيره بمثله من المياه- مفقود، و إذا فقد القيد فقد المقيّد، و هو عدم طاهريّته في نفسه.

و أما تصوير رفعه الاشكال على الثاني، فبحمله على أنه لا يطهّر غيره إذا تنجّس، لا أنه لا يطهّر غيره مطلقا. أو على أنه لا يطهّر نفسه مع بقائه على حاله، لا أنه لا يطهّر نفسه بمثله مع فقد بقائه على حاله. و هو معنى قوله: «و هو في تطهيره به مفقود» بالمعنى المتقدّم.

هذا كلّه على تقدير أن يكون قوله (عليه السّلام): «و لا يطهّر» بالبناء للمفعول، بمعنى أنه غير طاهر. و أما على تقدير أن يكون بمعنى أنه لا ينجّسه شي‌ء مطلقا- كما‌

____________

(1) في النسخة الخطّية هنا كلمة لم تقرأ، و العبارة مشوّشة جدّا، و وضعناها كما هي عليه في الأصل.

(2) الوسائل 1: 99 ب «1» من أبواب الماء المطلق ح 3، 6، 7.

23

عليه العماني (1)- أو في الجملة إذا كان كثيرا- كما عليه المشهور- فلا ينافي أخبار طاهريّته في نفسه و مطهّريّته لغيره حتى يحتاج إليه الدفع المذكور، بل يوافقها جدّا، سيّما بمثل قوله في النبويّ المشهور: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‌ء» (2) و لو من اتّحاد نسق الأخبار و تفسير بعضها بعضا كالقرآن.

قوله: «ظاهر. فتأمّل».

[أقول:] إما إشارة إلى العدول عمّا استظهره من ضعف السند إلى ظهور انجباره بشهرة سند ذلك النبويّ، و هو قوله (عليه السّلام): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‌ء، إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (3)، بل و بتواتره المحكيّ عن السرائر (4).

و إما إشارة إلى أن عموم دلالته على مطلق التغيّر و لو بالمتنجّس- على تقدير تسليمه- موهون بقيام الشهرة على عدمه.

قوله: «لا وجه له. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى العدول إلى ما قيل، و ما هو الأقوى من وجود الفرق بينهما، بصدق التغيّر عرفا على التغيّر التقديريّ المستند عدم ظهوره إلى المانع، و عدم صدقه عرفا على التقديريّ المستند عدم ظهوره إلى عدم وجود المقتضي له.

قوله: «أولى. فتأمّل».

[أقول:] إما إشارة إلى تضعيف الأولويّة، باحتمال أن تكون العلّة في رفع الفساد الثابت بعد التغيّر مجموع النزح و كونه ذا مادّة، لا مجرّد المادّة حتى يكون الدفع بها أولى من الرفع.

أو إشارة إلى دفع ذلك التضعيف، بظهور استناد الحكم إلى مجرّد علّية‌

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف 1: 176.

(2) الوسائل 1: ص 101 ب «1» من أبواب الماء المطلق ح 9.

(3) الوسائل 1: ص 101 ب «1» من أبواب الماء المطلق ح 9.

(4) راجع السرائر 1: 64، و لكن فيه: الاتّفاق على روايته.

24

المادّة، لا المجموع المركّب منه و من النزح، سيّما بملاحظة الاعتضاد بفهم المشهور.

لا يقال: إن المشهور لم يعملوا بعموم هذه العلّة في مورد البئر حتى لو كان ماؤه كثيرا، فكيف يعمل بها في غير موردها و لو كان ماؤه قليلا؟! لأنّا نقول: الكلام المذكور جار مع مشهور المتأخّرين القائلين بعمومها مطلقا.

قوله: «و ما ذكرناه من الوجه لعدم اعتبار المساواة».

[أقول:] يعني به الوجه الأخير من الوجوه الثلاثة، و هو اختصاص دليل تنجيس الملاقي بصورة الاجتماع، المقتضي لإلحاق القليل غير المجتمع بالكثير غير المجتمع في الحكم بعدم الانفعال.

قوله: «بل لا بدّ في المادّة من اعتبار الكرّية بلا خلاف».

أقول: بل الخلاف فيه موجود أيضا، لأنه جزئيّ من جزئيّات الخلاف في طهارة الماء المتنجّس بإتمامه كرّا، و قد نقل القول بالطهارة فيه عن المرتضى (1) و سلّار (2) و ابن البرّاج (3) و ابن سعيد (4) و ابن إدريس (5)، بل عن المحقّق الثاني (6) نسبته إلى أكثر المحقّقين، بل عن السرائر (7) نسبته إلى المحقّقين بقول مطلق.

و استقوى هذا القول شيخنا الكاظميني (8) أيضا. و مع مخالفة مثل هؤلاء الأجلّة كيف ينفى الخلاف عن المسألة؟! و لعلّ لذلك نسب نفي الخلاف إلى القيل.

____________

(1) رسائل السيّد المرتضى (المجموعة الثانية): 361.

(2) المراسم: 36.

(3) المهذّب 1: 23.

(4) الجامع للشرائع: 18.

(5) السرائر 1: 63.

(6) جامع المقاصد 1: 133- 134.

(7) السرائر 1: 63.

(8) هداية الأنام 1: 40- 41.

25

قوله: «لتعارضهما من الجانبين. إلخ».

[أقول:] أي: لتعارض استصحاب نقض الكرّية من جانب الماء مع استصحاب الطهارة من جانب الملاقي له، فيبقى الأصلان- أي: أصالتا البراءة و الطهارة- سالمين عن المعارض.

و منه يظهر الحكم فيما لو طرأ مع فقد اليقين- أي: مع فقد اليقين السابق- بأن لم يعلم كون الحالة السابقة هي كرّية المادّة كالفرض الأول، أو نقصها كالفرض الثاني، فاستصحابا النجاسة و الطهارة من جانبي الملاقي و الملاقي فيه أيضا متعارضان، فتبقى أصالتا البراءة و الطهارة فيه سالمين عن المعارض.

قوله: «و في معناه غيره».

[أقول:] و هو قوله: «سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكفّ فيصيب الثياب، أ يصلّى فيها قبل أن تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر لا بأس» (1). و قوله: «سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب، أ يصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جرى فيه المطر فلا بأس» (2).

قوله: «من وجوه أخر».

[أقول:] أي: من جهة مخالفته لأصالة الطهارة و استصحابها، و عموم: «كلّ ما يراه المطر فقد طهر» (3).

و فيه: أن شيئا من تلك الوجوه لا يقاوم ظهور «إذا جرى» في الشرطيّة و مفهوم المخالفة، لكون الأصول و العموم دليلا حيث لا دليل، و من المظنون ورود مفهوم الشرط عليها، فأين ضعف الدلالة بتلك المعارضة؟ اللّهمّ إلا أن يعارض المفهوم بوجوه أخر:

____________

(1) الوسائل 1: 109 ب «6» من أبواب الماء المطلق ذيل ح 3.

(2) الوسائل 1: 110 الباب المتقدّم ح 9.

(3) الوسائل 1: 109 الباب المتقدّم ح 5.

26

منها: المعارضة بالشهرة المحقّقة على عدم اعتبار الجريان.

و منها: المعارضة بورود الشرط مورد حكم آخر، و هو تطبيق الجواب على السؤال عن خصوص الجاري في كلّ من موارده.

و منها: المعارضة بأن مفهوم «إذا جرى فلا بأس» من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لا المحمول، أي: إذا لم يجر فلا يتوضّأ به، نظير مفهوم قولك: إذا كان لك ولد فاختنه، أي: إذا لم يكن لك ولد فلا تختنه، من حيث إن نفي الحكم في المفهوم من جهة نفي موضوعه.

و منها: المعارضة بأن اشتراط الجريان في اعتصام المطر من الانفعال- في كلّ من موارد اشتراطه- لعلّه من جهة ورود المطر على أعيان النجاسة لا المتنجّس الذي هو المدّعى، و من البيّن أن اعتبار الجريان في اعتصام المطر الوارد على النجاسة من جهة أنه لو لم يجر عليه لتغيّر و انفعل بعين النجاسة، و كان الصائب للثوب منه متغيّرا من عين النجاسة لا من المطر، و هو خارج عن المدّعى، فلا يثبت الدعوى، و هو اشتراط الجريان في اعتصامه من الانفعال بملاقاة المتنجّس، كما لا يخفى.

قوله: «و عموم المرسلة و إن تضمّن صدرها ما في سابقها- إلى قوله- فتأمّل».

أقول: أما تمام المرسلة فهو ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قلت: يسيل عليّ من ماء المطر أرى فيه التغيّر، و أرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات عليّ، و ينتضح عليّ منه، و البيت يتوضّأ على سطحه فيكفّ على ثيابنا، قال: ما بذا بأس، لا تغسله، كلّ شي‌ء يراه المطر فقد طهر» (1).

و أما وجه التأمّل، فإما إشارة إلى تقوية عموم المرسلة، بإمكان المنع من‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرها في الصفحة السابقة هامش (1).

27

تضمين صدرها ما في سابقيها من اختصاص موردها بورود المطر على النجاسة، و احتمال المورد لكلا الأمرين من الورود و الموروديّة، و من المقرّر أن ترك الاستفصال في جواب السؤال يفيد العموم في المقال. مضافا إلى أن قوله: «كلّ شي‌ء يراه المطر فقد طهر» بمنزلة الكبرى الكليّة و التعليل العامّ للجواب بقوله: «ما بذا بأس لا تغسله» و قد قرّر في محلّه أيضا أن المعلول يتبع العلّة في العموم و الخصوص دون العكس.

و إما إشارة إلى دفع سائر موهمات ضعفها، بالحمل على أن القطرات و ما وصل إلى الثياب من غير الناحية التي فيها التغيّر و آثار القذر، أو أن التغيّر بغير النجاسة و القذر بمعنى الوسخ و يختصّ بغير النجاسة.

قوله: «غير قادح عندنا، بل و في الجملة عند غيرنا. إلخ».

أقول: أما وجه عدم قادحيّته عندنا فلمعلوميّة نسب الخارج، و كونه غير من يناط حجيّة الإجماع عندنا بدخوله و هو الامام.

و أما عدم قادحيّته عند غيرنا- و هم العامّة فلانقراض عصر الخارج، و كون المصطلح في تسمية الإجماع عند العامّة (1) هو اتّفاق أهل عصر واحد لا جميع الأعصار، و إلا لم يتحقّق بعد تسمية إجماع أصلا.

فحاصل المعنى: أن خروج العماني (2) عن المجمعين في المسألة غير قادح في حجيّة الإجماع عندنا، بل و لا في تسميته عند العامّة حسبما عرفت.

قوله: «يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في كلّ من القذر و القليل في المعنى المعروف».

[أقول:] و هو النجاسة في القذر، و ما قلّ عن الكرّ في القليل. و في ثبوتها‌

____________

(1) انظر البحر المحيط للزركشي 4: 436.

(2) انظر الهامش (1) في ص: 23.

28

في ألفاظ العبادة ألف كلام فكيف في غيرها؟! و حينئذ فيحمل القذر على الوسخ غير النجس، و القليل على القليل المتّصل بكرّ أو مادّة عاصمة، أو على ما يبلغ الكرّ من غير زيادة، فهو قليل بالنسبة إلى البحر و النهر و نحوهما من المياه الكثيرة.

فحاصل الجواب عمّا استدلّ به للمعاني من عدم انفعال القليل من الأخبار الخاصّة هو: أن الصحيح منها غير صريح، و الصريح غير صحيح.

قوله: «إذا لم نجد لحديث منه في كتبنا المشهورة عينا و لا أثرا».

[أقول:] المراد من كتبنا المشهورة غير الموجود فيها النبويّ المذكور خصوص الكتب الأربعة المشهورة، و إلا فهو موجود في الوسائل (1) و التنقيح (2) و غيرهما نقلا عن المعتبر (3). و عن السرائر (4) تواتره. و لكن الذي وقفت عليه في السرائر دعوى الاتّفاق على روايته لا تواتره.

و كيف كان، فهذا القدر من شهرة السند كاف في جبر ضعفه، و إن لم يذكر في كتبنا الأربعة المشهورة.

نعم، دلالته على العموم المدّعى موهون بمصير المشهور إلى خلافه.

قوله: «و قيل في انتصار هذا القول اعتبارات ضعيفة و وجوه هيّنة».

أقول: منها: أن المتنجّس لا يطهر، فلو تنجّس القليل بمجرّد ملاقاة النجس لأدّى ذلك إلى أن المتنجّس لا يطهر إلا بإيراد كرّ من الماء عليه.

و منها: استبعاد الفرق جدّا بين قليل المطر و قليل غيره من الملاقي‌

____________

(1) الوسائل 1: 101 ب «1» من أبواب الماء المطلق ح 9.

(2) التنقيح الرائع 1: 39.

(3) المعتبر 1: 41.

(4) انظر الهامش (4) في ص: 23.

29

للنجس، سوى محض الجمود لو لم نقطع بتنقيح المناط و عدم الفرق من جميع الجهات. فإن فرضت الفارق استمداد المطر فرضنا في غيره الاستمداد بما ينقص عن الكرّ أيضا.

و منها: أن عدم وجود التصريح و التنصيص بنجاسة القليل بمحض الملاقاة، مع وجود المقتضي له من شدّة ابتلاء الناس و عموم بلواهم به، و اطّلاع المعصومين و عدم المانع منه من تقيّة و نحوها، ممّا يبعّد نجاسته. و الاكتفاء في تخصيص عمومات طهارته بمفهوم دلالته غير معلوم، أو بما هو دونه في الضعف من الآحاد المبتلية بالمعارض المحتملة قريبا لإرادة التنزيه و استحباب الاجتناب و كراهة الارتكاب، كأخبار (1) انفعال البئر بالملاقاة حيث حملت على ذلك جمعا بينها و بين ما عارضها، و كأخبار (2) نجاسة الحديد حيث حملت على ذلك أيضا دفعا للعسر اللازم من نجاسته.

قوله: «و الصحيح غير دالّ».

[أقول:] وجه عدم دلالته أن السؤال عن إصابته الإناء لا عن إصابته الماء.

و استبعاد كون السؤال عن حال ماء أصاب إناءه دونه الدم، خصوصا من راوي هذا الحديث عليّ بن جعفر الموصوف بالفقه و الجلالة، مدفوع باحتمال أن يكون السؤال عن إصابة الإناء على وجه يشكّ معه إصابة الماء، و يتّجه حينئذ سؤاله من الفقيه. و يعيّن هذا الاحتمال نسخة رفع «شي‌ء» لا نصبه في جوابه (عليه السّلام) ب‍ «إن لم يكن شي‌ء يستبين في الماء فلا بأس».

قوله: «لاعتبارات ضعيفة».

[أقول:] و هي الاعتبارات المتقدّمة (3) لعدم انفعال القليل مطلقا، التي منها‌

____________

(1) انظر الوسائل 1: 131 ب «15- 21» من أبواب الماء المطلق.

(2) الوسائل 1: 202 ب «14» من أبواب نواقض الوضوء.

(3) في الصفحة السابقة.

30

أن المتنجّس لا يطهر، فلو تنجّس القليل بمجرّد الملاقاة لأدّى ذلك إلى أن المتنجّس لا يطهر إلا بإيراد كرّ عليه.

قوله: «و أما على غيرهما فهو نصّ في المطلوب».

[أقول:] يعني: و أما على عدم استفادة اشتراط الجريان من نصوص اعتباره، بأن استفيد منها اشتراط الورود على النجاسة لا الجريان، فهو نصّ في مطلوب السيّد (1) المفصّل بين الوارد و المورود في الانفعال و عدمه.

و لكن لا يخفى أن نصوصيّته في التفصيل المذكور على التقدير المسطور مبنيّ على عدم احتمال ثالث في نصوص الجريان، و هو ممنوع، إذ كما تحتمل لاشتراط الجريان أو الورود على النجاسة، كذلك تحتمل لعدمهما، إما بورود الشرط فيها مورد الواقع كقوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (2)، لظهور السؤال في فرض الكثرة الواقع معها الجريان غالبا، بقرينة: «أ يؤخذ من مائه فيتوضّأ؟».

و إما بتنزيل الجريان على النزول من السماء، و يكون تعليلا، أي: لا بأس لأنه جار من السماء، لا شرطا حتى يقال: لا ثمرة في اشتراطه.

و على ذلك فلا نصوصيّة في نصوص اعتبار الجريان في اعتصام المطر على المطلوب من انفعال القليل مطلقا، و لا على مطلوب السيّد من التفصيل بين الوارد و المورود.

قوله: «و حصول التطهير بالمتنجّسات. إلخ».

[أقول:] عطف على قوله: «يدفعها عموم المفهوم. و خصوص الصحيح».

أي: من جملة دوافع اعتبارات القول بتفصيل السيّد بين الوارد و المورود هو حصول التطهير بالمتنجّسات. إلخ.

____________

(1) الناصريّات (ضمن الجوامع الفقهيّة): 215 المسألة الثالثة.

(2) النور: 33.

31

يعني: أن قاعدة كون المتنجّس لا يطهر- و أنه لو تنجّس الوارد على النجاسة بمحض الملاقاة لأدّى ذلك إلى عدم تطهير المتنجّس إلا بإيراد كرّ من الماء عليه- مدفوع و منقوض بحصول التطهير بالمتنجّسات حال التطهير، كحجر الاستنجاء.

و يمكن منع انتقاض القاعدة بحجر الاستنجاء، بأن موردها المياه و لا ناقض لها من المياه أصلا و رأسا. و إشعار الصحيح (1) الآمر بغسل الثوب في المركن مرّتين به ممنوع، بمنع غلبة ورود الثوب على ماء المركن دون العكس.

فتأمّل.

قوله: «المرسل كالصحيح» (2).

[أقول:] و ذلك لكون المرسل ابن أبي عمير المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، لشهادة الاستقراء و الغلبة على أنه ثقة لا يروي إلا عن ثقة، و أن مراسيله في حكم المسانيد.

قوله: «ألف و مأتا رطل. بالعراقي».

أقول: و على ذلك و تفسير الصاع بتسعة أرطال يبلغ الكرّ بالصاع مائة و ثلاث و ثلاثين و ثلث صاع.

قوله: «و في حكمه الصحيح المؤوّل إليه بالنهج الصحيح».

[أقول:] و المراد من هذا الصحيح صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «و الكرّ ستّمائة رطل» (3). فإنه يؤوّل إلى الرطل المكّي الذي هو ضعفا الرطل العراقي، ليوافق مضمونه الصحيح الأول و هو ألف و مأتا رطل، و إلا وجب طرحه، لعدم القائل بمضمونه.

____________

(1) الوسائل 2: 1002 ب «2» من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل 1: 123 ب «11» من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) الوسائل 1: 124 ب «11» من أبواب الماء المطلق ح 3.

32

و وجه صحّة هذا النهج من التأويل قيام قرائن عليه، منها: كون محمد بن مسلم طائفيّا كما قيل (1)، و هي من قرى مكّة. و منها: أن الراوي للرواية الأولى- و هو ابن أبي عمير- قد روى أيضا هذه الرواية (2)، فيبعد اختلافهما جدّا. و منها:

تأيّده بفهم المشهور الموافقة بينهما بذلك النهج المذكور.

قوله: «و الاحتياط في وجه».

[أقول:] أي: بالنسبة إلى احتمال الأقلّ، أو في خصوص ما لو لاقى المقدار المذكور للكرّ نجاسة يقتضي القول بانفعاله إهراقه و كفّه و كفّ (3) جميع ما لاقاه من الأطعمة و الأشربة، بل و تخريب المساجد و المشاهد الملوّثة به، و نحو ذلك من الأمور المخالفة للاحتياط، فيكون الاحتياط في خصوص تلك الموارد مخالفا للاحتياط.

قوله: «أو قلّتين».

[أقول:] تثنية القلّة بضمّ القاف و تشديد اللّام، إناء العرب كالجرّة الكبيرة تسع قربتين أو أكثر. و في المغرب: «القلّة: حبّ كبير، معروفة بالحجاز و الشام» (4).

قوله: «الشنّ الذي ينبذ فيه التمر».

[أقول:] الشنّ: القربة الخلق. و الشنّة: القربة الصغيرة. و الجمع شنان.

و كانوا ينبذون فيه التمر لإصلاح ملوحة الماء الذي كان في زمانهم.

قوله: «و مثلهما الثالث».

[أقول:] يعني: أن أصالة عدم تحقّق الكرّيّة المشروط بتحقّقها عدم‌

____________

(1) انظر الحدائق الناضرة 1: 258.

(2) الوسائل 1: 124 الباب المتقدّم ح 2.

(3) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: و إكفاءه و الكفّ عن جميع.

(4) لسان العرب 13: 241.

33

الانفعال في الناقص معارض بأصالة عدم اشتراط الزيادة عليه.

قوله: «فأصالة عدمها بناء على صحّتها هنا معارض».

[أقول:] يعني: فأصالة عدم الكرّيّة بناء على صحّتها هنا- يعني: في الشبهة الحكميّة دون الشبهة الموضوعيّة- معارض بأصالة عدم اشتراط الزيادة في الكرّ و عدم انفعاله بالنجاسة، بخلاف مجرى أصالة عدم الكرّيّة في الشبهة الموضوعيّة، كما لو زيد في القليل بالتدريج إلى حدّ يشكّ في بلوغه حدّ الكرّيّة، فإنه لا كلام في صحّة استصحاب عدم بلوغه الكرّ حينئذ، و لا معارض لأصالة عدم الكرّيّة فيه أيضا. و أما في الشبهة الحكميّة- كما فيما نحن فيه- فمضافا إلى الخلاف في صحّة مجراه معارض بمثله كما عرفت.

قوله: «ما بلغ كلّ من طوله و عرضه و عمقه ثلاثة أشبار و نصفا».

[أقول:] و هو ما بلغ مجموعه بغير التكسير عشرة أشبار و نصفا من متساوي الأبعاد الثلاث، لا من غير المتساوي، و إلا فقد يبلغ الكفّ الواحد من الماء المفروض في الأنبوب الضيّق الجوف إلى أضعاف عشرة أشبار و نصف.

و أما بالتكسير فيبلغ إلى اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان الشبر، لأن ضرب ثلاثة الطول بثلاثة العرض يبلغ تسعة، و ضربها أيضا بالنصف يبلغ شبرا و نصفا، و ضرب نصف الطول بثلاثة العرض يبلغ أيضا شبرا و نصفا، و ضربه بنصف العرض يبلغ ربعا، لأن الصحيح إذا ضرب في المكسّر يأخذ بقدر المضروب فيه، و المكسّر إذا ضرب في المكسّر يأخذ نصف المضروب فيه إذا كان هو الأقلّ من المضروب أو المساوي، و إلا أخذ نصف قدر المضروب، كضرب الربع بالنصف يأخذ الثمن الذي هو نصف المضروب. فالمجموع اثنا عشر شبرا و ربعا. و ضربها في أشبار العمق يبلغ ستّة و ثلاثين و ثلاثة أرباع، و ضربها أيضا في نصف الشبر يبلغ ستّة أشبار و ثمن الشبر. فالمجموع اثنان و أربعون و سبعة‌

34

أثمان الشبر.

قوله: «و في الصحيح: أنه ذراعان» (1).

أقول: الذراعان أربعة أشبار، و ذراع و شبر ثلاثة أشبار، فإذا ضرب الأربعة أشبار العمق في كلّ من ثلاثة أشبار الطول و العرض بلغ الحاصل ستّة و ثلاثين شبرا. كما أن بمقتضى نصّ الثلاثة أشبار تبلغ سبعة و عشرين، و نصّ الثلاثة و النصف في ثلاثة و نصف تبلغ اثنين و أربعين و سبعة أثمان الشبر، حسبما بيّن.

فتكون الأقوال في تقدير مساحة الكرّ مختلفة على حسب اختلاف نصوصه، على ثلاثة أقوال: أحوطها الثلاثة أشبار و النصف، و أقلّها الثلاثة أشبار، و أوسطها الأربعة أشبار في ثلاثة أشبار سعته.

قوله: «بحمله على ما إذا تساوت الأبعاد».

[أقول:] و ذلك لأنه لو لم يحمل على صورة تساوي الأبعاد لزم صدق الكرّ على كفّ من الماء فما دونه، لإمكان بلوغه عشرة أشبار و نصف لو أجري في مثل الأنبوب الضيّق الجوف البالغ طوله تلك الأشبار، و الحال أنه باطل بالضرورة من شهادة حال الراوندي (2) و غيره.

قوله: «و فيهما وجوه من الدلالة».

[أقول:] كتوصيف ماء البئر بالوسعة، و تأكيده بعموم: «لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغيّر» (3). و تعليله بأن له مادّة. أما على تقدير رجوع التعليل إلى الفقرة الأولى فلدلالته على عدم انفعال كلّ ذي مادّة بما عدا التغيّر. و أما على تقدير رجوعه إلى الفقرة الأخيرة- كما تقتضيه الأقربيّة- فلدلالته على أن كلّ ذي مادّة متغيّرة يرتفع نجاسته بزوال تغيّره بتجدّد الماء عليه من المادّة، بل مطلق الزوال، و هو لا يجتمع‌

____________

(1) الوسائل 1: 121 ب «10» من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 1: 184.

(3) الوسائل 1: 125 ب «14» من أبواب الماء المطلق ح 1.

35

مع انفعال قليله بالملاقاة.

و المناقشات فيما ذكر ضعيفة.

كالمناقشة في السند بالضعف أو الشذوذ، و في الدلالة بعموم المعارض بما يصلح للتخصيص، و في المعارضة بأصحّيّة السند و أصرحيّة الدلالة.

و وجه الضعف في كلّ منها هو وضوح المنع و الدفع كما لا يخفى.

قوله: «مضافا إلى ضعف الأولين».

[أقول:] أي: سندا أو دلالة، أو سندا و دلالة معا. أما سند الأول، فلأن راويه (1) الحسن بن صالح الثوري عن الصادق (عليه السّلام)، و هو زيديّ بتري (2) من أصحاب الصادقين، و إليه تنسب الصالحيّة منهم، متروك العمل بما يختصّ بروايته، كما عن رجال الشيخ (3) و تهذيبه (4).

و أما سند الرضوي (5)، فلما احتمله بعض من كونه من فتاوى الصدوق عليّ بن بابويه لا من الرضا (عليه السّلام)، و لكنّه خلاف رأي السيّد الشارح (6) و جملة من الأعلام.

و أما ضعف دلالة الأول، فلأن الركيّ (7)- بالكسر- جمع مشترك للركيّة بالفتح و تشديد الياء و هي البئر، و للركوة بالفتح و هي دلو صغير من جلد، أو زقّ‌

____________

(1) الوسائل 1: 118 ب «9» من أبواب الماء المطلق ح 8.

(2) و البتريّة- بضمّ الموحّدة، فالسكون- فرقة من الزيديّة، نسبوا إلى المغيرة بن سعيد، و لقبه الأبتر.

و قيل: و هم الذين دعوا إلى ولاية عليّ، فخلطوها بولاية أبي بكر و عمر، و يبغضون عثمان. «منه (قدّس سرّه)».

(3) رجال الطوسي: 113 رقم (6).

(4) تهذيب الأحكام 1: 408 ذيل ح 1282.

(5) فقه الامام الرضا (عليه السّلام): 91.

(6) انظر خاتمة المستدرك 1: 230- 234.

(7) لم يذكر في اللغة أن الركيّ جمع لهما، انظر لسان العرب 14: 333- 334.

36

- بالكسر- و هو سقاء من جلد للخمر و الخلّ، و قد يطلق على الحوض الكبير أيضا، فلم يتعيّن ظهوره في البئر.

و أما ضعف دلالة الرضويّ، و هو قوله: «كلّ بئر عمقها ثلاثة أشبار و نصف في مثلها فسبيلها سبيل الجاري» فلعدم ثبوت حجّية مفهوم الوصف منه.

قوله: «و عدم عموم في الثالث».

[أقول:] أي: عدم عمومه مفهوم «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (1) لأن مفهوم السالبة الكلّية موجبة جزئيّة، و هو: إذا لم يبلغ قدر كرّ نجّسه شي‌ء.

و لكنّه قد أجيب بأن المفهوم المذكور و إن لم يعمّ بنفسه، إلا أنه يعمّ بمعونة عدم القول بالفصل بين بأن أنواع النجاسات المنجّسة، فإذا ثبت تنجّس البئر بأحدها بالمفهوم المذكور ثبت تنجّسه بسائرها بعدم القول بالفصل أو دليل الحكمة.

إلا أن عمدة الوهن في عموم المفهوم المذكور للبئر هو معارضته بعمومات عدم انفعال البئر، و النسبة بينهما و إن كانت عموما من وجه، من حيث إن عموم المفهوم يقتضي انفعال غير الكرّ بملاقاة النجاسة، سواء كان بئرا أو غيرها، و عموم «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء» يقتضي عدم انفعال البئر بالملاقاة، سواء كان كرّا أو غيره، إلا أن عمومات عدم انفعال البئر أقوى و أظهر و أوضح و أبعد من التقيّة- بواسطة الاعتضاد بعموم التعليل و غيره- من عموم المفهوم، فيقدّم عليه، تقديما للنصّ على الظاهر، و حملا للظاهر على الأظهر.

قوله: «و لما تقدّم من الاختلاف».

[أقول:] و فيه: أن نفس الاختلاف في تعيين الشي‌ء و تقاديره لا ينافي وجوبه، و لا يقتضي صارفيّته عن الحقيقة و الظهور في الوجوب، ألا ترى أن كثيرا من الواجبات مختلفة التقادير و التعيين مع فرض وجوبها، خصوصا تقادير الكرّ‌

____________

(1) الوسائل 1: 117 ب «9» من أبواب الماء المطلق ح 1 و 2.

37

المساحتي مختلفة جدّا مع وجوبها الشرطي.

قوله: «و هو ضعيف».

أقول: ضعفه ليس بحسب ظاهر اللفظ، لوضوح قوّة ظهور الأمر في الوجوب جدّا، بل إنما هو بحسب العقل، من جهة أن المصلحة الملزمة لوجوب التعبّد بالنزح- و هو التوصّل إلى رفع النجاسة- مفروض العدم، و المصلحة الموجودة و هي رفع القذارة و تنفّر النفس لا تصلح إلا لاستحباب التعبّد به.

فالمصلحة الموجبة له مفقودة، و الموجودة غير موجبة له، و الموجبة غير معقولة، و المعقولة غير موجبة له، و هو الصارف عن الحقيقة و ظهور الأمر في الوجوب.

قوله: «و انجبارها في الجملة».

[أقول:] أي: انجبارها بقاعدة التسامح على القول باستحباب النزح، لا مطلقا حتى على القول بالوجوب. لكن مع الحكم السابق- و هو نزح الجميع- مرتّب في الفضيلة، أي: مع أفضليّة نزح الجميع من نزح كرّ للبعير.

قوله: «و إن كان في التمسّك بمثله في مثل المقام نوع كلام».

[أقول:] و هو كون الإجماع المذكور تقييديّا مختلفا فيه جهة إجماع المجمعين، حيث إن وجه إلحاق المسألة بالخمر عند بعض المجمعين هو البناء على استحباب النزح لا وجوبه، و عن بعضهم الآخر هو إطلاق الخمر على سائر المسكرات، و الإطلاق علامة الحقيقة، كما هو مذهب المرتضى (1) من المجمعين على المسألة، أو علامة عموم المنزلة و التشبيه لحكم المسألة، كما هو مذهب المشهور منهم. و ما كان من الإجماع حاله مجمل الوجه و مختلف الجهة لا يثبت به حكم المسألة من جهة خاصّة، و هو ثبوت نزح الجميع للمسكرات المائعة من جهة الوجوب لا الاستحباب، و من جهة الدليل لا مجرّد إطلاق الخمر عليها كما‌

____________

(1) الذريعة للسيّد المرتضى 1: 11.

38

هو مفروض محطّ النظر.

قوله: «فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى ما تقدّم من عدم خلوّ الإجماع المنقول في المسألة عن نوع من الكلام المتقدّم.

قوله: «بالرطوبة. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن وجه صرف تلك الغلبة للذائبة عن المائعة (1) إلى الرطبة- مع كونها غلبة وجوديّة لا استعماليّة حتى تقتضي الصرف-: أن الغالب وجوده من الأفراد و إن لم يقتض انصراف المطلق إلى خصوص ذلك الغالب، إلا أنه مانع من انصرافه إلى خصوص النادر من الأفراد، و هو المقصود بتلك الغلبة في المقام، لأن المقصود بها ليس صرف الذائبة إلى خصوص الرطبة على وجه لا يشمل المائعة (2) حتى يمنع من اقتضائها ذلك، بل المقصود بها المنع من انصراف الذائبة إلى خصوص المائعة (3) على وجه لا يشمل الرطبة، و من البيّن أن غلبة الوجود بمجرّدها كافية في المانعيّة من انصراف المطلق إلى النادر، و إن لم تكن كافية في اقتضاء الصرف إلى الغالب.

قوله: «في الكثير أولى. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن وجه أحوطيّة قول المشهور- و هو العشرة في القليل- مع وجود الأيقن منه فيه في أقوال المسألة- و هو القول بالعشرين المنقول عن ظاهر المقنع (4)- أن أحوطيّة قول المشهور فيه بالإضافة إلى ما دونه من الأقوال كالقول بالخمسة و الواحدة، لا أحوطيّته مطلقا من بين جميع الأقوال.

أو إشارة إلى أن وجه اشتراط أحوطيّة قول المشهور- و هو العشرة في‌

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: اليابسة، سيّما بملاحظة متن الرياض.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: اليابسة، سيّما بملاحظة متن الرياض.

(3) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: اليابسة، سيّما بملاحظة متن الرياض.

(4) المقنع (الطبعة الحديثة): 34.

39

القليل- بعدم أولويّة القول بها في الكثير أن أولويّة القول بها في الكثير لأصل البراءة و نحوه يستلزم أولويّة القول بها في القليل بطريق أولى، أو الجزم بأقليّتها في القليل، نظرا إلى عدم القول باتّحاد حكمي الكثير و القليل في أقوال المسألة مع كثرتها. و على كلّ من تقديري القول بأولويّة العشرة في الكثير لا يبقى وجه لأحوطيّة القول بها في القليل. أما على التقدير الأول فلأولويّة أولويّتها فيه. و أما على الثاني فلمكان الجزم بأقليّتها فيه، لما عرفت.

قوله: «و شبهه في الجثّة».

[أقول:] و ذلك لما قيل من أن المعهود من الشارع في المنزوحات ملاحظة كبر الجسم، كما يفيده قوله (عليه السّلام): «أكبره الإنسان، و أصغره العصفور» (1). و قول ابن هلال: «سألته عمّا يقع في البئر ما بين الفارة و السنّور إلى الشاة، ففي كلّ ذلك يقول: سبع» (2).

قوله: «أو خنزير أو سنّور- إلى قوله- ابن آوى و ابن عرس».

أقول: أما الخنزير فهو كالكلب حيوان معروف نجس العين، و يسمّى بالفارسيّة: خوك. و أما السنّور فهو الهرّ، و بالفارسيّة: گربه. و الثعلب حيوان معروف، و بالفارسيّة روباه. و الأرنب حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين عكس الزرّافة، و يسمّى بالفارسيّة: خرگوش. و ابن آوى حيوان معروف، و بالفارسيّة: شغال. و ابن عرس دويبّة تشبه الفار، و تسمّى بالفارسيّة:

موش خرما.

قوله: «مدفوع بعدم التكافؤ أولا، و عدم التنافي ثانيا».

[أقول:] أما عدم التكافؤ فلأشهريّة خبر الاغتسال (3) من سائر‌

____________

(1) الوسائل 1: 141 ب «21» من أبواب الماء المطلق ح 2 و فيه: «فأكثره الإنسان و أقلّه العصفور».

(2) الوسائل 1: 132 ب «15» من أبواب الماء المطلق ح 5.

(3) الوسائل 1: 142 ب «22» من أبواب الماء المطلق ح 4.

40

الأخبار (1) المطلقة، و إن كانت هي الأصحّ.

و أما عدم التنافي، فإما مبنيّ على ما هو المختار من استحباب حكم النزح القابل لتعدّد مراتب الفضل، لا وجوبه غير القابل التعدّد حتى يستلزم المنافاة، و يتعيّن الحمل (2) بين المتنافيين من المطلق و المقيّد لأجل رفع ذلك التنافي.

و إما مبنيّ على كون نجاسة البئر و طهارتها من الأحكام الوضعيّة- كالسببيّة و الشرطيّة و الصحّة و الفساد- القابلة للتعدّد أيضا، دون الأحكام الشرعيّة التكليفيّة غير القابلة للتعدّد حتى يحصل المنافاة بين المطلق و المقيّد منها، و يكون ذلك قرينة تعيّن الحمل (3). و من هنا اشترط المحقّقون في حمل المطلق على المقيّد إحراز اتّحاد التكليف فيهما كما في الأحكام الشرعيّة التكليفيّة، دون ما لم يحرز فيه الاتّحاد كما في غالب المستحبّات و المكروهات و الأحكام الوضعيّة مطلقا.

قوله: «مؤوّل بما يؤول إلى الأول».

[أقول:] أي: مؤوّل بالتغيّر كما هو صريح سائر الأخبار، منها خبر أبي بصير: «أما الفارة و أشباهها فينزح منها سبع دلاء، إلا أن يتغيّر الماء فينزح حتى يطيب» (4) تحكيما للمقيّد على المطلق.

قوله: «حمل الرضيع فيه على الشرعيّ، فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى الترديد في حمل الرضيع على الشرعيّ و هو ما كان في سنّ الحولين خاصّة، الناشئ من إطلاقه على الأعمّ منه و من الرضيع فيما بعد الحولين، و من انصراف ذلك الإطلاق إلى خصوص الرضيع في الحولين، بواسطة غلبته و ندور غيره جدّا بحسب الوجود و الاستعمال.

____________

(1) الوسائل 1: 142 الباب المتقدّم ح 2، 3، 6.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: الجمع.

(3) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: الجمع.

(4) الوسائل 1: 136 ب «17» من أبواب الماء المطلق ح 11.

41

قوله: «أو مؤوّل».

[أقول:] يعني: مؤوّل بضرب من الاستحباب، أو بصورة التغيّر، و إن كان فرض التغيّر ببول الصبيّ بعيدا جدّا، إلا أن استقراب فرض التغيّر بمنضمّات بول الصبيّ في الصحيحة يستقرب التأويل بفرضه، و إن كان بعيدا في خصوصه، و هي صحيحة معاوية بن عمّار: «البئر يبول فيها الصبيّ، أو يصبّ فيها بول، أو خمر، قال: ينزح الماء كلّه» (1).

و يحتمل أيضا فيه تأويل ثالث، و هو حمل «أو» فيها على معنى الواو التي لمطلق الجمع، فيكون نزح الجميع فيها مرتّبا على المجموع المركّب من وقوع البول و الخمر، لا على وقوع كلّ منها بانفراده حتى ينافي المشهور، و يحتاج إلى التأويل.

قوله: «بنوع من الاعتبار».

[أقول:] يعني: الاستشعار و الاستنباط من قوله (عليه السّلام) في الموثّق: «أكبره الإنسان، و أصغره العصفور» (2) اعتبار المساواة في الجسم تقريبا و تخمينا في اتّحاد مقدار النزح، ما لم يرد بخلافه النصّ في خصوص حيوان.

قوله: «و لا يخفى ما بينهما من التنافي».

[أقول:] أي: ما بين المفسّر بالفتح- و هو العصفور- و المفسّر به، و هو ما دون الحمامة الشامل لفرخ الطير. وجه المنافاة: اختلافهما في الحكم، من حيث إن فرخ الطير داخل في نصّ السبع للطير الشامل لصغيره و كبيره، و مقتضى تفسير العصفور بما دون الحمامة هو دخوله في نصّ الدلو الواحد للعصفور، و هو التنافي.

____________

(1) الوسائل 1: 132 ب «15» من أبواب الماء المطلق ح 4.

(2) تقدّم ذكر مصادره في ص: 39 هامش (1).

42

قوله: «مع كونه أخصّ».

[أقول:] أي: مع كون التخصيص- أي: تخصيص العصفور بمأكول اللحم- أخصّ من المدّعى، فإن المدّعى طهارة العين لا المأكوليّة التي هي أخصّ. و لا دليل على اعتبارها أصلا مع إطلاق دليل المشابهة، المراد بها في ظاهر الأخبار كبر الجسم و صغره لا مأكوله و غير مأكوله.

قوله: «و عمومه من دون مزاحم في الثاني».

أي: و لعموم ما دلّ على الاكتفاء بمزيل التغيّر من دون معارض في الشقّ الثاني من القول الأخير.

و حاصله: الاستدلال بعموم ما دلّ على المقدّر في الشقّ الأول من القول الأخير، و بعموم ما دلّ على الاكتفاء بمزيل التغيّر في شقّه الثاني، و هو ما ليس له مقدّر.

و فيه: أن إطلاق المقدّر لما تغيّر بل أولويّته فيه ليس بأولى من إطلاق الاكتفاء بمزيل التغيّر لما له مقدّر، فتحكيم الإطلاق الأول على الثاني و تخصيصه به من دون العكس ترجيح بلا مرجّح، و تخصيص لأحد العامّين من وجه بالآخر من غير شاهد. مضافا إلى أن الترجيح و الشاهد لو كان فمع تحكيم إطلاق الاكتفاء بمزيل التغيّر في المتغيّر على فحوى اعتبار المقدّر فيما له مقدّر من المتغيّر، لأن إطلاق الاكتفاء بمزيل التغيّر كالنصّ في مطلق التغيّر، كما أن إطلاق المقدّر كالنصّ في غير المتغيّر في اللحاظ و النظر.

قوله: «لفحوى ما دلّ على الاكتفاء بمقدار ما يزيل به مع وجوده».

[أقول:] أي: لفحوى ما دلّ على الاكتفاء بمقدار ما يزيل به التغيّر الحسّي، فمع عدم ذلك التغيّر الحسّي يكتفى بنزح مقداره بطريق أولى.

و فيه: أن الأخذ بهذا الفحوى ليس بأولى من الأخذ بإطلاق الاكتفاء بزوال‌

43

التغيّر، و عموم (1) التعليل بأن له مادّة، بل الأولى ذلك.

قوله: «إن كانت الأرض صلبة، أو كانت البئر فوقها، و إلا فسبع».

[أقول:] و حاصل صور المسألة: أن الأرض التي هما فيها إما صلبة، أو رخوة. و في كلّ منهما: إما متساويان في القرار، أو قرار البئر أعلى من قرار البالوعة، أو بالعكس. فهذه ستّ صور، حاصلة من ضرب صورتي الأرض في صور قرارهما الثلاث.

و المشهور أن حكم أربع منها- هي ثلاث صور الصلبة، مع علوّ البئر في الرخوة- استحباب التباعد بينهما بخمسة أذرع. و حكم الصورتين الباقيتين- هما في الرخوة مع مساواة قرارهما، و علوّ البالوعة- استحباب التباعد بسبعة أذرع.

و المراد بالذراع ذراع اليد الذي هو ذراع المحدّثين، و قدره ستّ قبضات أربعة و عشرون إصبعا، لا ما عن المدارك (2) من أنه الذراع الهاشميّة المحدود به قدر المسافة الذي هو ثمان قبضات، فإنه و هم، كما أن قوله: «المحدود به المسافة» و هم آخر، لتحدّدها بذراع المحدّثين أيضا، و هو ستّ قبضات. و القبضة أربعة أصابع.

و المراد بالفوق أعمّ من الفوقيّة الحسّية و الجهتيّة، و هي جهة الشمال، لما عن الديلمي: «عن البئر إلى جنبها الكنيف، فقال: إن مجرى العيون كلّها من مهبّ الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال، و الكنيف أسفل منها، لم يضرّها إذا كان بينهما أذرع، و إذا كان الكنيف فوق النظيفة فلا أقلّ من اثنى عشر ذراعا، و إن كانت تجاها بحذاء القبلة و هما متساويان في مهبّ الشمال فسبعة أذرع» (3).

و المراد من جهة الشمال هو عكس القبلة و دبرها، أعني: مقابل الجنوب،

____________

(1) الوسائل 1: 127 ب «14» من أبواب الماء المطلق ح 7.

(2) مدارك الأحكام 1: 102.

(3) الوسائل 1: 145 ب «24» من أبواب الماء المطلق ح 6.

44

و بكون البئر في مهبّ الشمال كونها أقرب إليه من البالوعة. و على ذلك فتبلغ صور المسألة إلى أربع و عشرين صورة، حاصلة من ضرب صورها الستّة المتقدّمة في كلّ من الصور الأربعة المنضمّ إليها، و هي صورة التساوي و الاختلاف بين البئر و البالوعة من حيث الفوقيّة و التحتيّة الجهتيّة. و حكم الكلّ ظاهر بالتأمّل.

قوله: «إلا أن في تطبيق مذهبه المنقول عنه عليها نوع غموض».

[أقول:] فإن المنقول عنه استحباب الاثني عشر في الأرض الرخوة و السبع في الصلبة، مع أن ظاهر الرواية المتقدّمة هو استحباب الاثني عشر فيما إذا كانت البالوعة فوق البئر و السبع في متساوي الجهة، و بينهما فرق واضح، إلا بنوع من التأويل.

[الثاني في المضاف]

قوله: «و إلا كما هو المشهور في الأول».

[أقول:] و هو سهل بن زياد، حيث ضعّفه النجاشيّ (1) و الشيخ في أحد قوليه (2)، و إن رجّح توثيقه (3) أيضا.

«و قول جماعة، و منهم الصدوق. في الثاني».

أي: في محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، حيث ضعّفه الشيخ (4)- تبعا للصدوق (5)، تبعا لشيخه- بالغلوّ، و إن ضعّف تضعيفهما الآخرون أيضا.

قوله: «و عدم قطع إلحاق غيره بالإجماع به».

[أقول:] و في أغلب النسخ المطبوعة بدل «و عدم قطع إلحاق غيره» «و عدم قدح إلحاق غيره».

____________

(1) رجال النجاشي: 185 رقم (490).

(2) الفهرست: 80 رقم (329).

(3) رجال الطوسي: 416 رقم (4).

(4) رجال الطوسي: 422 رقم (10).

(5) انظر رجال النجاشي: 333 رقم (896).

45

و معنى العبارة على النسخة الأولى: هو عدم القطع من الإجماع في إلحاق غير المتعارف- و هو الغسل بالمضاف- بالمتعارف، و هو الغسل بالماء المطلق.

و على الثانية: هو عدم قدح إلحاق غير المتعارف- و هو ماء النفط و الكبريت- بالماء المتعارف بواسطة الإجماع.

فالمعنى على الأولى من تتمّة سابقه، و هو دعوى انصراف إطلاق الغسل إلى المتعارف- و هو الماء- دون غيره، و هو المضاف.

و على الثانية دفع دخل لما قد يقدح في دعوى الانصراف، بأن إلحاق فرد من الأفراد غير المتعارفة بالمتعارف قرينة كاشفة عن إلحاق سائر أفراده غير المتعارفة، نظرا إلى عدم الجامع المبعّض للمطلق بين أفراده الشائعة و بعض أفراده النادرة دون بعضها الآخر.

و توضيح دفعه: أن الفارق بين الأفراد النادرة- كماء النفط و المضاف- في الإلحاق بالمتعارف و عدمه هو الإجماع، إلا أن يدّعى من قبل السيّد أن الإجماع على الإلحاق بالاسم غير القابل للتبعيض بين الأفراد النادرة، لا بالحكم القابل للتبعيض.

قوله: «و دعوى التبعيّة مصادرة محضة».

أقول: فيه أنه لا مجال لإنكار قاعدة التبعيّة أصلا و رأسا، و لأنها من القواعد المشهورة المعروفة إعمالها في طيّ كلمات الفقهاء، و استدلالهم بها على طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة و الاستهلاك و الانقلاب.

و لا منافاة أيضا بين قولهم بتبعيّة الأحكام للأسماء، و بين قولهم: الأحكام لا تختلف باختلاف الأسماء، مستدلّين به على أن مثل الرطب و العنب و الحنطة لو تنجّست لا تطهر بزوال الاسم و الانتقال إلى اسم الزبيب و التمر و الدقيق و العجين و الخبز و نحوها، لأن المراد من الاسم الذي يدور مداره الحكم هو خصوص المأخوذ موضوعا للحكم في لسان الحاكم، كقوله: الكلب نجس، و البول و الدم.

46

و الخمر نجس. و من الاسم الذي لا يدور مداره الحكم هو الاسم المستنبط له الحكم بواسطة الاندراج تحت موضوعه الكلّي، كالنجاسة و الطهارة المستنبطتين لاسم الخشب و الرطب و الحنطة بواسطة اندراجها تحت عموم موضوع ملاقي النجس نجس، و عموم موضوع «كلّ شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر» من غير أن تكون تلك الأسماء هي موضوع حكمي الطهارة و النجاسة. و من الحكم التابع لاسمه هو الحكم الجزئيّ الخاصّ ثبوته بتنصيص الحاكم و الشارع. و من الحكم غير التابع هو الحكم العامّ الكلّي الآتي بتوسّط الاستصحاب. فالنجاسة الجزئيّة الخاصّة باسم التغيّر زائلة بزوال التغيّر لا محالة، و التي هي باقية بعد زواله هي النجاسة الكليّة المستندة إلى الاستصحاب حين الشكّ.

فتلخّص ممّا ذكرنا صحّة قاعدة تبعيّة الأحكام للأسماء، و انتفاء التنافي المتوهّم بينه و بين قولهم الآخر: الأحكام لا تتبع الأسماء، لاختلاف موردهما بما عرفت.

و بالجملة، لا مجال لإنكار أصل قاعدة تبعيّة الأحكام للأسماء فيما نحن فيه.

نعم، يمكن الجواب عنها فيما نحن فيه بأن غاية اقتضائها زوال النجاسة الجزئيّة الخاصّة باسم أعيان النجاسة، دون النجاسة العامّة الكلّية المستندة إلى توسّط الاستصحاب، أو بأن مقتضى تبعيّة الأحكام لأسمائها مخصّص فيما نحن فيه بدلالة النصوص (1) المتقدّمة على عدم زوال النجاسة بالغسل بغير الماء من المضاف و نحوه.

قوله: «فقل هذا من ذاك. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى الترديد في أن مدلول الموثّق (2) هل هو طهارة البلل‌

____________

(1) الوسائل 1: 146 ب «1، 2» من أبواب الماء المضاف.

(2) الوسائل 1: 201 ب «13» من أبواب نواقض الوضوء ح 7.

47

المشتبه ببلل مخرج البول، ليستلزم نجاسة مخرج البول و عدم تطهيره بالمسح و البصاق، كما هو مدّعى المشهور، أو هو طهارة البلل المشتبه بالبول، ليستلزم طهارة مخرجه بمجرّد المسح و البصاق، كما هو مدّعى السيّد؟

أو إشارة إلى أن الموثّق في نفسه و إن احتمل الأمرين إلا أنه يتعيّن فيه الاحتمال الأول، بعد مخالفة الثاني بإطلاقه للنصوص (1) المفصّلة في طهارة البلل المشتبه بالبول بين خروجه قبل الاستبراء فينجس و بعده فلا.

قوله: «و فيه أقوال أخر» (2).

[أقول:] منها: القول بعدم خروجه عن المطهّريّة و القابليّة لرفع الخبث و إن خرج عن الإطلاق، كما تقدّم عن السيّد (3) و المفيد (4).

و منها: ما تقدّم أيضا عن العماني (5) من جواز التطهير به اضطرارا لا اختيارا.

و منها: ما عن الصدوق (6) من جواز رفع الحدث بماء الورد دون غيره.

قوله: «فاندفع بذلك الاحتياط».

[أقول:] وجه الدفع و الفرق في وجوب الاحتياط في العبادات و عدمه هنا:

هو معارضة الاحتياط باستصحاب بقاء المطهّريّة هنا، و عدم معارضته به في العبادات.

قوله: «في إناء [واحد]. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى تضعيف دلالة اغتساله (عليه السّلام) (7) مع عائشة في إناء واحد‌

____________

(1) الوسائل 1: 199 ب «13» من أبواب نواقض الوضوء.

(2) يلاحظ أن في الطبعة الحجريّة و الطبعتين الحديثتين: قول آخر.

(3) حكاه عنهما المحقّق في المعتبر 1: 82.

(4) حكاه عنهما المحقّق في المعتبر 1: 82.

(5) حكاه عنه العلامة في المختلف 1: 222.

(6) الهداية: 13.

(7) الوسائل 1: 168 ب «7» من أبواب الأسآر ح 1.

48

على عدم المنع من الفضالة، لكن لا لمجرّد احتمال كون اغتسالهما فيه على سبيل الاقتران و الاجتماع لا الانفراد و الترتيب، حتى ينافيه ما هو الغالب المتعارف و المعتاد في الإناء من عدم تحمّل ظرفيّته لهما على سبيل الاجتماع و الاقتران و إن بلغ في الكبر ما بلغ. و لا لاحتمال كون اغتسال كلّ منهما في الإناء من ماء على حدة، حتى ينافيه ظهور اغتسالهما فيه في المشاركة في الماء. بل لاحتمال اغتسال عائشة بفضالة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، دون العكس حتى يكون دليلا على عدم المنع من الفضالة.

أو إشارة إلى أن هذا الخبر و إن لم يكن بنفسه صريحا في عدم المنع من الفضالة، إلا أنه يكون صريحا بضميمة سائر النصوص الأخر الصريحة في عدم المنع، منها ما عن العوالي عن ابن عبّاس قال: «اغتسل بعض أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في جفنة، فأراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يتوضّأ منها فقالت: يا رسول اللّه إنّي كنت جنبا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إن الماء لا يجنب» (1).

و ما عن الأمالي عن ميمونة: «قالت: اجتنبت فاغتسلت من جفنة و فضلت فيها فضلة، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاغتسل، فقلت: يا رسول اللّه إنها فضلة منّي، أو قالت: اغتسلت، فقال: ليس للماء جنابة» (2).

قوله: «باعتبار عموم مفهوم بعض أخباره».

[أقول:] و هو عموم مفهوم: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (3).

و القدح في كلّية المفهوم بأن رفع السالبة الكلّية يحصل بموجبة جزئيّة، و هي نجاسة القليل بشي‌ء. يندفع بعدم القول بالفصل في التنجيس بين أنواع النجاسات، أو بضميمة قضاء الحكمة العموم في المفهوم، أو الانجبار بفهم‌

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 166 ح 177.

(2) أمالي الطوسي: 392 رقم (865).

(3) الوسائل 1: 117 ب «9» من أبواب الماء المطلق ح 1.

49

المشهور.

قوله: «و لا اعتبار للنيّة في حصول التطهير. إلخ» (1).

[أقول:] هذا دفع دخل و جواب عن سؤال مقدّر تقديره: أن المدّعى في ظاهر المتن و غيره هو نجاسة الغسالة و ما يطهّر الخبث و يزيله، و الدليل من أخبار إهراق ما يدخله اليد النجسة من ماء الركوة و الإناء أعمّ من المدّعى، لاستلزامه نجاسة ملاقي المتنجّس و لو لم يكن بقصد التطهير.

و جوابه: منع الأعميّة، إذ لا اعتبار للنيّة و القصد في حصول التطهير، فيعمّ المدّعى- و هو الغسالة- مطلق الماء الملاقي للمتنجّس و لو لم يكن بنيّة التطهير.

قوله: «و لا اعتبار للنيّة في حصول التطهير. إلخ».

[أقول:] هذا دفع دخل و جواب عن سؤال مقدّر، تقديره: أن نصوص إهراق ما لاقته المتنجّسات من القليل إنما تدلّ على المسألة المتقدّمة، و هي نجاسة القليل بملاقاة النجس، لا على ما نحن فيه من نجاسة ما يزيل الخبث من القليل، نظرا إلى أخصّية ما نحن فيه عمّا تقدّم بخصوص نيّة التطهير فيه و عدمه فيما تقدّم.

و جوابه: منع كون الفارق اعتبار النيّة في التطهير، بل الفارق للمسألة عمّا تقدّم هو استعمال القليل في تطهير المتنجّس و لو من غير نيّة، بخلاف المسألة السابقة، فإنه ملاقاة القليل للنجس، و كفى به فرقا و فارقا، و بعبارة أن.

قوله: «من طشت فيه وضوء».

[أقول:] الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضّأ به، كما أنه بالضمّ مصدر وضوء و هو الحسن لغة، و الغسلتان و المسحتان المعهودتان شرعا.

____________

(1) علّق السيّد المحشّي «(قدّس سرّه)» على هذه العبارة مرّتين، و الثانية ناقصة، و تختلف العبارة فيهما تماما، الأولى في ص: 38- 39 من النسخة الخطّية، و الثانية في ص: 82- 83، أدرجناهما في المتن كما ترى.

50

و قيل (1): إنه بالفتح و الضمّ لغتان بمعنى واحد. و يطلق على كلّ من الاستنجاء و غسل اليدين أيضا شائعا.

قوله: «و الاستدلال به يتمّ على تقدير استلزام عدم رفع الحدث به النجاسة. إلخ».

[أقول:] يعني: أن الاستدلال بقوله في الخبر (2): «لا يتوضّأ منه» يتمّ على تقدير أن يكون النهي عن التوضّؤ به من جهة ملاقاته النجاسة الغالب استصحابها الثوب و الجنب، من جهة رفعه الحدث الأكبر.

قوله: «و لا دليل عليه من الأخبار».

[أقول:] يعني: على كلّية أن ملاقي النجس نجس.

قوله: ض‍ «و الإجماع غير معلوم».

[أقول:] أي: الإجماع المدّعى على كلّيّته غير معلوم، مع وجود القول بالتفكيك فيه بين ما بعد الانفصال عن النجس فينجس و ما قبله فلا، بل و بين الوارد و المورود، بل بين الغسالة الأولى و الثانية.

قوله: «و مضمونه في المقام إجماعيّ».

[أقول:] أي: و مضمون الخبر المتقدّم- و هو نجاسة ملاقي النجس- إجماعيّ في خصوص المقام و هو غسالة النجس لا مطلق الملاقي، كما عن المعتبر (3) و المنتهى (4) أنه متى كان على جسد المجنب أو المغتسل من حيض و شبهه نجاسة عينيّة كان المستعمل نجسا إجماعا. و بقيد خصوصيّة الاستعمال في معقد الإجماع ترتفع المنافاة بين الاعتراف به أخيرا و بين إنكاره أولا.

____________

(1) لسان العرب 1: 194.

(2) الوسائل 1: 155 ب «9» من أبواب الماء المضاف ح 13.

(3) المعتبر 1: 89.

(4) منتهى المطلب: 1: 137.