تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - ج8

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
398 /
5

الجزء الثامن

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الحجّ

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الحج الذي هو أحد أركان الدين و من أوكد فرائض المسلمين، قال اللّه تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1)، غير خفي على الناقد البصير ما في الآية الشريفة من فنون التأكيد و ضروب الحثّ و التشديد، و لا سيما ما عرض به تاركه من لزوم كفره و إعراضه عنه بقوله عزّ شأنه: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (2)، و عن الصادق (عليه السلام) في قوله عزّ من قائل: وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (3) «ذاك الذي يسوّف الحج يعني حجة الإسلام حتى يأتيه الموت» و عنه (عليه السلام): من مات و هو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال اللّه تعالى:

وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ (4)، و عنه (عليه السلام): «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو

____________

(1) آل عمران 3: 97.

(2) آل عمران 3: 97.

(3) الإسراء 17: 72.

(4) طه 20: 124.

10

سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا» و في آخر: «من سوّف الحج حتى يموت بعثه اللّه يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا» و في آخر: «ما تخلف رجل عن الحج إلا بذنب، و ما يعفو اللّه أكثر»، و عنهم (عليهم السلام) مستفيضا: «بني الإسلام على خمس: الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية»، و الحج فرضه و نفله عظيم فضله، خطير أجره، جزيل ثوابه، جليل جزاؤه، و كفاه ما تضمنه من وفود العبد على سيده و نزوله في بيته و محل ضيافته و أمنه، و على الكريم إكرام ضيفه و إجارة الملتجئ إلى بيته، فعن الصادق (عليه السلام): «الحاج و المعتمر وفد اللّه إن سألوه أعطاهم و إن دعوه أجابهم و إن شفعوا شفعهم و إن سكتوا بدأهم و يعوضون بالدرهم ألف ألف درهم»، و عنه (عليه السلام): «الحج و العمرة سوقان من أسواق الآخرة، اللازم لهما في ضمان اللّه إن أبقاه أداه إلى عياله و إن أماته أدخله الجنة» و في آخر: «إن أدرك ما يأمل غفر اللّه له، و إن قصر به أجله وقع أجره على اللّه عز و جل» و في آخر: «فإن مات متوجها غفر اللّه له ذنوبه، و إن مات محرما بعثه ملبّيا، و إن مات بأحد الحرمين بعثه من الآمنين، و إن مات منصرفا غفر اللّه له جميع ذنوبه» و في الحديث: «إن من الذنوب ما لا يكفره إلا الوقوف بعرفة» و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي توفي فيه في آخر ساعة من عمره الشريف: «يا أبا ذر اجلس بين يدي اعقد بيدك، من ختم له بشهادة أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة- إلى أن قال- و من ختم له بحجة دخل الجنة، و من ختم له بعمرة دخل الجنة» الخبر، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «وفد اللّه ثلاثة:

الحاج و المعتمر و الغازي، دعاهم اللّه فأجابوه و سألوه فأعطاهم» و سأل الصادق (عليه السلام) رجل في المسجد الحرام: من أعظم الناس وزرا؟ فقال: «من يقف بهذين الموقفين عرفة و المزدلفة و سعى بين هذين الجبلين ثم طاف بهذا البيت و صلى خلف مقام إبراهيم ثم قال في نفسه و ظن أن اللّه لم يغفر

11

له فهو من أعظم الناس وزرا»، و عنهم (عليه السلام): «الحاج مغفور له و موجوب له الجنة و مستأنف به العمل و محفوظ في أهله و ماله، و أن الحج المبرور لا يعدله شي‌ء و لا جزاء له إلا الجنة، و أن الحاج يكون كيوم ولدته أمّه، و أنه يمكث أربعة أشهر تكتب له الحسنات و لا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبه، فإذا مضت الأربعة أشهر خلط بالناس، و أن الحاج يصدرون على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النار، و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه، و صنف يحفظ في أهله و ماله فذلك أدنى ما يرجع به الحاج، و أن الحاج إذا دخل مكة وكّل اللّه به ملكين يحفظان عليه طوافه و صلاته و سعيه فإذا وقف بعرفة ضربا منكبه الأيمن ثم قالا: أما ما مضى فقد كفيته، فانظر كيف تكون فيما تستقبل» و في آخر: «و إذا قضوا مناسكهم قيل لهم بنيتهم بنيانا فلا تنقضوه، كفيتم فيما مضى فأحسنوا فيما تستقبلون» و في آخر: «إذا صلى ركعتي طواف الفريضة يأتيه ملك فيقف عن يساره فإذا انصرف ضرب بيده على كتفه فيقول: يا هذا أما ما قد مضى فقد غفر لك و أما ما يستقبل فجدّ» و في آخر: «إذا أخذ الناس منازلهم بمنى نادى مناد: لو تعلمون بفناء من حللتم لأيقنتم بالمغفرة بعد الخلف» و في آخر: «إن أردتم أن أرضى فقد رضيت»، و عن الثمالي قال: قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام):

تركت الجهاد و خشونته و لزمت الحج و لينه؛ فكان متكئا فجلس و قال:

«و يحك أما بلغك ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حجة الوداع، إنه لما وقف بعرفة و همت الشمس أن تغيب قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا بلال قل للناس فلينصتوا فلما أنصتوا قال: إن ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم و شفع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفورا لكم» و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لرجل مميل فاته الحج و التمس منه ما به ينال أجره: «لو أن أبا قبيس لك ذهبة حمرا

12

فأنفقته في سبيل اللّه تعالى ما بلغت ما يبلغ الحاج، و قال: إن الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئا و لم يضعه إلا كتب اللّه له عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات، و إذا ركب بعيره لم يرفع خفا و لم يضعه إلا كتب اللّه له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا و المروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه، قال فعدّ رسول اللّه كذا و كذا موقفا إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه، ثم قال: أنى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاج». و قال الصادق (عليه السلام): «إن الحج أفضل من عتق رقبة بل سبعين رقبة» بل ورد أنه «إذا طاف بالبيت و صلى ركعتيه كتب اللّه له سبعين ألف حسنة، و حطّ عنه سبعين ألف سيئة، و رفع له سبعين ألف درجة، و شفّعه في سبعين ألف حاجة، و حسب له عتق سبعين ألف رقبة قيمة كل رقبة عشرة آلاف درهم، و أن الدرهم فيه أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من سبيل اللّه تعالى، و أنّه أفضل من الصيام و الجهاد و الرباط بل من كل شي‌ء ما عدا الصلاة» بل في خبر آخر «أنه أفضل من الصلاة» أيضا و لعله لاشتماله على فنون من الطاعات لم يشتمل عليها غيره حتى الصلاة التي هي أجمع العبادات، أو لأن الحج فيه صلاة و الصلاة ليس فيها حج، أو لكونه أشق من غيره و أفضل الأعمال أحمزها و الأجر على قدر المشقة.

و يستحب تكرار الحج و العمرة و إدمانهما بقدر القدرة، فعن الصادق (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب ما ينفي الكير خبث الحديد» و قال (عليه السلام): «حج تترى و عمرة تسعى يدفعان عيلة الفقر و ميتة السوء» و قال علي بن الحسين (عليه السلام): «حجوا

13

و اعتمروا تصح أبدانكم و تتسع أرزاقكم و تكفون مئونة عيالكم».

و كما يستحب الحج بنفسه كذا يستحب الإحجاج بماله، فعن الصادق (عليه السلام): «إنه كان إذا لم يحج أحج بعض أهله أو بعض مواليه و يقول لنا: يا بني إن استطعتم فلا يقف الناس بعرفات إلا و فيها من يدعو لكم فإن الحاج ليشفع في ولده و أهله و جيرانه» و قال علي بن الحسين لإسحاق بن عمار لما أخبره أنه موطن على لزوم الحج كل عام بنفسه أو برجل من أهله بماله: «فأيقن بكثرة المال و البنين أو أبشر بكثرة المال» و في كل ذلك روايات مستفيضة يضيق عن حصرها المقام، و يظهر من جملة منها أن تكرارها ثلاثا أو سنة و سنة لا إدمان، و يكره تركه للموسر في كل خمس سنين، و في عدة من الأخبار «إن من أوسع اللّه عليه و هو موسر و لم يحج في كل خمس- و في رواية أربع سنين- إنه لمحروم» و عن الصادق (عليه السلام): «من حج أربع حجج لم يصبه ضغطة القبر».

14

[مقدمة في آداب السفر و مستحباته لحج أو غيره]

مقدمة في آداب السفر و مستحباته لحج أو غيره و هي أمور:

أولها و من أوكدها: الاستخارة، بمعنى طلب الخير من ربه و مسألة تقديره له عند التردد في أصل السفر أو في طريقه أو مطلقا، و الأمر بها للسفر و كل أمر خطير أو مورد خطر مستفيض، و لا سيما عند الحيرة و الاختلاف في المشورة، و هي الدعاء لأن يكون خيره فيما يستقبل أمره، و هذا النوع من الاستخارة هو الأصل فيها، بل أنكر بعض العلماء ما عداها مما يشتمل على التفؤل و المشاورة بالرقاع و الحصى و السبحة و البندقة و غيرها لضعف غالب أخبارها، و إن كان العمل بها للتسامح في مثلها لا بأس به أيضا، بخلاف هذا النوع لورود أخبار كثيرة بها في كتب أصحابنا، بل في روايات مخالفينا أيضا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الأمر بها و الحث عليها، و عن الباقر و الصادق (عليهما السلام): «كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن» و عن الباقر (عليه السلام): «أن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يعمل به إذا همّ بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق» بل في كثير من رواياتنا النهي عن العمل بغير استخارة و أنه «من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر» و في كثير منها: «ما استخار اللّه عبد مؤمن إلا خار له و إن وقع ما يكره» و في بعضها:

«إلا رماه اللّه بخير الأمرين».

15

و في بعضها: «استخر اللّه مائة مرة و مرة ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعله فإن الخيرة فيه إن شاء اللّه تعالى» و في بعضها: «ثم انظر اي شي‌ء يقع في قلبك فاعمل به» و ليكن ذلك بعنوان المشورة من ربه و طلب الخير من عنده و بناء منه أن خيره فيما يختاره اللّه له من أمره، و يستفاد من بعض الروايات أن يكون قبل مشورته ليكون بدأ مشورته منه سبحانه و أن يقرنه بطلب العافية، فعن الصادق (عليه السلام): «و ليكن استخارتك في عافية فإنه ربما خير للرجل في قطع يده و موت ولده و ذهاب ماله».

و أخصر صورة فيها أن يقول: «أستخير اللّه برحمته أو أستخير اللّه برحمته خيرة في عافية» ثلاثا أو سبعا أو عشرا أو خمسين أو سبعين أو مائة مرة و مرة، و الكل مروي، و في بعضها في الأمور العظام مائة و في الأمور اليسيرة بما دونه، و المأثور من أدعيته كثيرة جدا، و الأحسن تقديم تحميد و تمجيد و ثناء و صلوات و توسل و ما يحسن من الدعاء عليها، و أفضلها بعد ركعتي الاستخارة أو بعد صلوات فريضة أو في ركعات الزوال أو في آخر سجدة من صلاة الفجر أو في آخر سجدة من صلاة الليل أو في سجدة بعد المكتوبة أو عند رأس الحسين (عليه السلام) أو في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الكل مروي، و مثلها كل مكان شريف قريب من الإجابة كالمشاهد المشرفة أو حال أو زمان كذلك، و من أراد تفصيل ذلك فليطلبه من مواضعه كمفاتيح الغيب للمجلسي (قدّس سرّه) و الوسائل و مستدركه.

و بما ذكر من حقيقة هذا النوع من الاستخارة و أنها محض الدعاء و التوسل و طلب الخير و انقلاب أمره إليه و بما عرفت من عمل السجاد في الحج و العمرة و نحوهما يعلم أنها راجحة للعبادات أيضا خصوصا عند إرادة الحج و لا يتعين فيما يقبل التردد و الحيرة، و لكن في رواية أخرى

16

«ليس في ترك الحج خيرة» و لعل المراد بها الخيرة لأصل الحج أو للواجب منه.

ثانيها: اختيار الأزمنة المختارة له من الأسبوع و الشهر، فمن الأسبوع يختار السبت و بعده الثلاثاء و الخميس و الكل مروي، و عن الصادق (عليه السلام):

«من كان مسافرا فليسافر يوم السبت، فلو أن حجرا زال عن جبل يوم السبت لرده اللّه إلى مكانه» و عنهم (عليه السلام): «السبت لنا و الأحد لبني أمية» و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها و خميسها».

و يتجنب ما أمكنه صبيحة الجمعة قبل صلاتها، و الأحد، فقد روي أن له حدّا كحد السيف، و الاثنين فهو لبني أمية، و الأربعاء فإنه لبني العباس، خصوصا آخر أربعاء من الشهر فإنه يوم نحس مستمر، و في رواية ترخيص السفر يوم الاثنين مع قراءة سورة هل أتى في أول ركعة من غداته فإنه يقيه اللّه به من شر يوم الاثنين، و ورد أيضا اختيار يوم الاثنين و حملت على التقية.

و ليتجنب السفر من الشهر و القمر في المحاق أو في برج العقرب أو صورته فعن الصادق (عليه السلام): «من سافر أو تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى» و قد عدّ أيام من كل شهر و أيام من الشهر منحوسة يتوقى من السفر فيها و من ابتداء كل عمل بها، و حيث لم نظفر بدليل صالح عليه لم يهمنا التعرض لها و إن كان التجنب منها و من كل ما يتطير بها أولى، و لم يعلم أيضا أن المراد بها شهور الفرس أو العربية و قد يوجه كل بوجه غير وجيه، و على كل حال فعلاجها لدى الحاجة بالتوكل و المضي خلافا على أهل الطيرة، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «كفارة الطيرة التوكل» و عن أبي الحسن الثاني:

«من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافا على أهل الطيرة وقي من كل آفة

17

و عوفي من كل عاهة و قضى اللّه حاجته» و له أن يعالج نحوسة ما نحس من الأيام بالصدقة، فعن الصادق (عليه السلام): «تصدق و اخرج أي يوم شئت» و كذا يفعل أيضا لو عارضه في طريقه ما يتطير به الناس و وجد في نفسه من ذلك شيئا، و ليقل حينئذ: «اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فاعصمني» و ليتوكل على اللّه و ليمض خلافا لأهل الطيرة.

و يستحب اختيار آخر الليل للسير و يكره أوله، ففي الخبر: «الأرض تطوى من آخر الليل» و في آخر: «و إيّاك و السير في أول الليل و سر في آخره».

ثالثها و هو أهمها: التصدق بشي‌ء عند افتتاح سفره، و يستحب كونها عند وضع الرجل في الركاب، خصوصا إذا صادف المنحوسة أو المتطير بها من الأيام و الأحوال ففي المستفيضة رفع نحوستها بها، و ليشري السلامة من اللّه بما يتيسر له، و يستحب أن يقول عند التصدق: «اللهم إني اشتريت بهذه الصدقة سلامتي و سلامة سفري، اللهم احفظني و احفظ ما معي، و سلّمني و سلّم ما معي، و بلغني و بلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل».

رابعها: الوصية عند الخروج لا سيما بالحقوق الواجبة.

خامسها: توديع العيال بأن يجعلهم وديعة عند ربه و يجعله خليفة عليهم، و ذلك بعد ركعتين أو أربع يركعها عند إرادة الخروج، و يقول:

«اللهم إني أستودعك نفسي و أهلي و مالي و ذريتي و دنياي و آخرتي و أمانتي و خاتمة عملي» فعن الصادق (عليه السلام): «ما استخلف رجل على أهله بخلافة أفضل منها، و لم يدع بذلك الدعاء إلا أعطاه اللّه عز و جل ما سأل».

سادسها: إعلام اخوانه بسفره، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه، و حق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه».

18

سابعها: العمل بالمأثورات من قراءة السور و الآيات و الأدعية عند باب داره، و ذكر اللّه و التسمية و التحميد و شكره عند الركوب و الاستواء على الظهر و الإشراف و النزول و كل انتقال و تبدل حال، فعن الصادق (عليه السلام): «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفره إذا هبط سبّح، و إذا صعد كبّر» و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من ركب و سمّى ردفه ملك يحفظه، و من ركب و لم يسمّ ردفه شيطان يمنيه حتى ينزل» و منها قراءة القدر للسلامة حين يسافر أو يخرج من منزله أو يركب دابته، و آية الكرسي و السخرة و المعوذتين و التوحيد و الفاتحة و التسمية و ذكر اللّه في كل حال من الأحوال، و منها ما عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه يقوم على باب داره تلقاء ما يتوجه له و يقرأ الحمد و المعوذتين و التوحيد و آية الكرسي أمامه و عن يمينه و عن شماله و يقول: «اللهم احفظني و احفظ ما معي و بلغني و بلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل» يحفظ و يبلغ و يسلم هو و ما معه. و منها ما عن الرضا (عليه السلام): «إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: بسم اللّه باللّه و توكلت على اللّه ما شاء اللّه لا حول و لا قوة إلّا باللّه، تضرب به الملائكة وجوه الشياطين و تقول ما سبيلكم عليه و قد سمى اللّه و آمن به و توكل عليه» و منها ما كان الصادق (عليه السلام) يقول إذا وضع رجله في الركاب يقول: سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ (1) «و يسبح اللّه سبعا و يحمده سبعا و يهلله سبعا» و عن زين العابدين (عليه السلام): «أنه لو حج رجل ماشيا و قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر ما وجد ألم المشي» و قال: «ما قرأه أحد حين يركب دابته إلا نزل منها سالما مغفورا له، و لقارئها أثقل على الدواب من الحديد» و عن أبي جعفر (عليه السلام): «لو كان

____________

(1) الزخرف 43: 13.

19

شي‌ء يسبق القدر لقلت قارئ إنا أنزلناه في ليلة القدر حين يسافر أو يخرج من منزله سيرجع» و المتكفل لبقية المأثورات منها على كثرتها الكتب المعدة لها، و في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي إذا أردت مدينة أو قرية فقل حين تعاينها: اللهم إني أسألك خيرها و أعوذ بك من شرها، اللهم حببنا إلى أهلها و حبب صالحي أهلها إلينا» و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي إذا نزلت منزلا فقل:

اللهم أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين؛ ترزق خيره و يدفع عنك شره» و ينبغي له زيادة الاعتماد و الانقطاع إلى اللّه سبحانه و قراءة ما يتعلق بالحفظ من الآيات و الدعوات و قراءة ما يناسب ذلك كقوله تعالى: كَلّٰا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (1) و قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لٰا تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنٰا (2)، و دعاء التوجه و كلمات الفرج و نحو ذلك، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

«يسبح تسبيح الزهراء و يقرأ آية الكرسي عند ما يأخذ مضجعه في السفر يكون محفوظا من كل شي‌ء حتى يصبح».

ثامنها: التحنك بإدارة طرف العمامة تحت حنكه، ففي المستفيضة عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام): «الضمان لمن خرج من بيته معتما تحت حنكه أن يرجع إليه سالما و أن لا يصيبه السرق و لا الغرق و لا الحرق».

تاسعها: استصحاب عصا من اللوز المرّ فعنه (عليه السلام): «إن أراد أن تطوى له الأرض فليتخذ النقد من العصا، و النقد عصا لوز مر» و فيه نفي للفقر و أمان من الوحشة و الضواري و ذوات الحمة، و ليصحب شيئا من طين الحسين (عليه السلام) ليكون له شفاء من كل داء و أمانا من كل خوف، و يستصحب خاتما من عقيق أصفر مكتوب على أحد جانبيه: «ما شاء اللّه لا قوة إلّا باللّه

____________

(1) الشعراء 26: 62.

(2) التوبة 9: 40.

20

استغفر اللّه» و على الجانب الآخر «محمد و علي» و خاتما من فيروزج مكتوب على أحد جانبيه: «اللّه الملك» و على الجانب الأخر: «الملك للّه الواحد القهار».

عاشرها: اتخاذ الرفقة في السفر، ففي المستفيضة الأمر بها و النهي الأكيد عن الوحدة، ففي وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «لا تخرج في سفر وحدك فإن الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد، و لعن ثلاثة: الآكل زاده وحده و النائم في بيت وحده و الراكب في الفلاة وحده» و قال: «شر الناس من سافر وحده و منع رفده و ضرب عبده»، «و أحب الصحابة إلى اللّه أربعة، و ما زاد [قوم] على سبعة إلّا كثر لغطهم» أي تشاجرهم، و من اضطر إلى السفر وحده فليقل: «ما شاء اللّه و لا قوة إلّا باللّه اللهم آمن وحشتي و أعني على وحدتي و أدّ غيبتي»، و ينبغي أن يرافق مثله في الإنفاق و يكره مصاحبته دونه أو فوقه في ذلك، و أن يصحب من يتزين به و لا يصحب من يكون زينته له، و يستحب معاونة أصحابه و خدمتهم و عدم الاختلاف معهم و ترك التقدم على رفيقه في الطريق.

الحادي عشر: استصحاب السفرة و التنوّق فيها و تطيب الزاد و التوسعة فيه لا سيما في سفر الحج، و عن الصادق (عليه السلام): «إن من المروّة في السفر كثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك» أنعم يكره التنوّق في سفر زيارة الحسين (عليه السلام) بل يقتصر فيه على الخبز و اللبن لمن قرب من مشهده كأهل العراق لا مطلقا في الأظهر، فعن الصادق (عليه السلام): «بلغني ان قوما إذا زاروا الحسين (عليه السلام) حملوا معهم السفرة فيها الجداء و الأخبصة و أشباهه و لو زاروا قبور آبائهم ما حملوا معهم هذا»، و في آخر: «تاللّه إن أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيبا حزينا و تأتونه أنتم بالسفر كلّا حتى تأتونه شعثا غبرا».

21

الثاني عشر: حسن التخلق مع صحبه و رفقته، فعن الباقر (عليه السلام): «ما يعبأ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه أو حلم يملك به غضبه أو ورع يحجزه عن معاصي اللّه»، و في المستفيضة:

«المروّة في السفر ببذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير المعاصي» و في بعضها: «قلة الخلاف على من صحبك و ترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم» و عن الصادق (عليه السلام): «ليس من المروة أن يحدّث الرجل بما يتفق في السفر من خير أو شر» و عنه (عليه السلام): «وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت في حسن خلقك و كفّ لسانك و أكظم غيظك و أقل لغوك و تفرش عفوك و تسخى نفسك».

الثالث عشر: استصحاب جميع ما يحتاج إليه من السلاح و الآلات و الأدوية كما في ذيل ما يأتي من وصايا لقمان لابنه، و ليعمل بجميع ما في تلك الوصية.

الرابع عشر: إقامة رفقاء المريض لأجله ثلاثا، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا كنت في سفر و مرض أحدكم فأقيموا عليه ثلاثة أيام» و عن الصادق (عليه السلام):

«حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثا».

الخامس عشر: رعاية حقوق دابته، فعن الصادق (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): للدابة على صاحبها خصال: يبدأ بعلفها إذا نزل و يعرض عليها الماء إذا مرّ به و لا يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها و لا يقف على ظهرها إلا في سبيل اللّه و لا يحملها فوق طاقتها و لا يكلفها من المشي إلا ما تطيق»، و في آخر: «و لا تتوركوا على الدواب و لا تتخذوا ظهورها مجالس» و في آخر: «و لا يضربها على النفار و يضربها على العثار فإنها ترى ما لا ترون».

22

و يكره التعرس على ظهر الطريق و النزول في بطون الأودية و الإسراع في السير و جعل المنزلين منزلا إلا في أرض جدبة، و أن يطرق أهله ليلا حتى يعلمهم، و يستحب إسراع عوده إليهم، و أن يستصحب هدية لهم إذا رجع إليهم، و عن الصادق (عليه السلام): «إذا سافر أحدكم فقدم من سفره فليأت اهله بما تيسر و لو بحجر» الخبر.

و يكره ركوب البحر في هيجانه، و عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا اضطرب بك البحر فاتّك على جانبك الأيمن و قل: بسم اللّه اسكن بسكينة اللّه و قرّ بقرار اللّه و اهدأ بإذن اللّه و لا حول و لا قوة إلّا باللّه».

و ليناد إذا ضلّ في طريق البر «يا صالح يا أبا صالح ارشدونا رحمكم اللّه» و في طريق البحر «يا حمزة» و إذا بات في أرض قفر فليقل: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اسْتَوىٰ- إلى قوله تَبٰارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعٰالَمِينَ (1).

و ينبغي للماشي أن ينسل في مشيه أي يسرع فعن الصادق (عليه السلام):

«سيروا و انسلوا فإنه أخف عنكم» «و جاءت المشاة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فشكوا إليه الإعياء فقال: عليكم بالنسلان. ففعلوا فذهب عنهم الإعياء» و أن يقرأ سورة القدر لئلا يجد ألم المشي كما مر عن السجاد (عليه السلام)، و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «زاد المسافر الحداء و الشعر ما كان منه ليس فيه خناء»، و في نسخة: «جفاء» و في أخرى «حنان» و ليختر وقت النزول من بقاع الأرض أحسنها لونا و ألينها تربة و أكثرها عشبا. هذه جملة ما على المسافر.

و أما أهله و رفقته فيستحب لهم تشييع المسافر و توديعه و إعانته

____________

(1) الاعراف 7: 54.

23

و الدعاء له بالسهولة و السلامة و قضاء المآرب عند وداعه، «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من أعان مؤمنا مسافرا فرج اللّه عنه ثلاثا و سبعين كربة و أجاره في الدنيا و الآخرة من الغم و الهم و نفس كربه العظيم يوم يعض الناس بأنفاسهم»، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا ودع المؤمنين قال: «زودكم اللّه التقوى و وجهكم إلى كل خير و قضى لكم كل حاجة و سلم لكم دينكم و دنياكم وردكم سالمين إلى سالمين» و في آخر: «كان إذا ودع مسافرا أخذ بيده ثم قال: أحسن لك الصحابة و أكمل لك المعونة و سهل لك الحزونة و قرب لك البعيد و كفاك المهم و حفظ لك دينك و أمانتك و خواتيم عملك و وجهك لكل خير، عليك بتقوى اللّه، أستودع اللّه نفسك، سر على بركة اللّه عز و جل» و ينبغي أن يقرأ في أذنه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ (1) إن شاء اللّه ثم يؤذن خلفه و ليقم كما هو المشهور عملا، و ينبغي رعاية حقه في اهله و عياله و حسن الخلافة فيهم لا سيما مسافر الحج، فعن الباقر (عليه السلام): «من خلف حاجا بخير كان له كأجره كأنه يستلم الأحجار» و أن يوقّر القادم من الحج، فعن الباقر (عليه السلام): «و قروا الحاج و المعتمر فإن ذلك واجب عليكم» و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: «يا معشر من لم يحج استبشروا بالحاج و صافحوهم و عظّموهم فإن ذلك يجب عليكم، تشاركوهم في الأجر»، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول للقادم من مكة: «قبل اللّه منك و أخلف عليك نفقتك و غفر ذنبك».

و لنتبرك بختم المقام بخير خبر تكفّل مكارم أخلاق السفر بل و الحضر: فعن الصادق (عليه السلام) قال: «قال لقمان لابنه: يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم، و أكثر التبسم في وجوههم، وكن

____________

(1) القصص 28: 85.

24

كريما على زادك، و إذا دعوك فاجبهم، و إذا استعانوا بك فأعنهم، و استعمل طول الصمت و كثرة الصلاة و سخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد، و إذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، و أجهد رأيك لهم إذا استشاروك ثم لا تعزم حتى تتثبّت و تنظر و لا تجب في مشورة حتى تقوم فيها و تقعد و تنام و تأكل و تضع و أنت مستعمل فكرتك و حكمتك في مشورتك فإن من لم يمحض النصح لمن استشاره سلبه اللّه رأيه و نزع منه الأمانة، و إذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم و إذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم فإذا تصدقوا أو أعطوا قرضا فأعط معهم، و اسمع لمن هو أكبر منك سنا، و إذا أمروك بأمر و سألوك شيئا فقل نعم و لا تقل لا فإنها عيّ و لؤم، و إذا تحيرتم في الطريق فانزلوا و إذا شككتم في القصد فقفوا أو تؤامروا، و إذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم و لا تسترشدوه فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم، و احذروا الشخصين أيضا إلا أن ترون ما لا أرى فإن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشي‌ء صلّها و استرح منها فإنها دين، و صلّ في جماعة و لو على رأس زج، و لا تنامنّ على دابتك فإن ذلك سريع في دبرها و ليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل، و إذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك و ابدأ بعلفها فإنها نفسك، و إذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا و ألينها تربة و أكثرها عشبا، و إذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، و إذا أردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الأرض، و إذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثم ودّع الأرض التي حللت بها و سلم عليها و على أهلها فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة، فإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدأ و تصدق

25

منه فافعل، و عليك بقراءة كتاب اللّه ما دمت راكبا، و عليك بالتسبيح ما دمت عاملا، و عليك بالدعاء ما دمت خاليا، و إياك و السير في أول الليل و سر في آخره، و إياك و رفع الصوت، يا بني سافر بسيفك و خفّك و عمامتك و حبالك و سقائك و خيوطك و مخرزك و تزود معك من الأدوية فانتفع به أنت و من معك، و كن لأصحابك موافقا إلا في معصية اللّه عز و جل».

هذا ما يتعلق بكلي السفر.

و يختص سفر الحج بأمور اخر:

منها: اختيار المشي فيه على الركوب على الأرجح بل الحفاء على الانتعال، إلا أن يضعفه عن العبادة أو كان لمجرد تقليل النفقة، و عليهما يحمل ما يستظهر منها أفضلية الركوب، و روي «ما تقرب العبد إلى اللّه- عز و جل- بشي‌ء أحب إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين، و أن الحجة الواحدة تعدل سبعين حجة، و ما عبد اللّه بشي‌ء مثل الصمت و المشي إلى بيته».

و منها: أن تكون نفقة الحج و العمرة حلالا طيبا، فعنهم (عليه السلام): «إنا أهل بيت حج صرورتنا و مهور نسائنا و أكفاننا من طهور أموالنا» و عنهم (عليه السلام):

«من حج بمال حرام نودي عند التلبية لا لبيك عبدي و لا سعديك» و عن الباقر (عليه السلام): «من أصاب مالا من أربع: لم يقبل منه في أربع من أصاب مالا من غلول أو رباء أو خيانة أو سرقة لم يقبل منه في زكاة و لا صدقة و لا حج و لا عمرة».

و منها: استحباب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة و كراهة نية عدم العود، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من رجع من مكة و هو ينوي الحج من قابل زيد في عمره و من خرج من مكة و لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه» و عن الصادق (عليه السلام) مثله مستفيضا و قال لعيسى بن أبي منصور: «يا

26

عيسى إني أحب أن يراك اللّه فيما بين الحج إلى الحج و أنت تتهيأ للحج».

و منها: أن لا يخرج من الحرمين الشريفين بعد ارتفاع النهار إلا بعد أداء الفرضين بهما.

و منها: البدأة بزيارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لمن حج على طريق العراق.

و منها: أن لا يحج و لا يعتمر على الإبل الجلالة، و لكن لا يبعد اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها و لا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق.

و من أهم ما ينبغي رعايته في هذا السفر احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النية و إخلاص السريرة و أداء حقيقة القربة و التجنب عن الرياء و التجرد عن حب المدح و الثناء، و أن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة و الافتخار بل وصلة إلى التجارة و الانتشار و مشاهدة البلدان و تصفح الأمصار، و أن يراعي أسراره الخفية و دقائقه الجلية كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: «إن اللّه تعالى سنّ الحج و وضعه على عباده إظهارا لجلاله و كبريائه و علوّ شأنه و عظم سلطانه، و إعلانا لرق الناس و عبوديتهم و ذلهم و استكانتهم، و قد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم و الملاك لمماليكهم يستذلونهم بالوقوف على باب بعد باب و اللبث في حجاب بعد حجاب، و إن اللّه تعالى قد شرف البيت الحرام و أضافه إلى نفسه و اصطفاه لقدسه و جعله قياما للعباد و مقصدا يؤمّ من جميع البلاد و جعل ما حوله حرما و جعل الحرم آمنا و جعل فيه ميدانا و مجالا و جعل له في الحل شبيها و مثالا فوضعه على مثال حضرة الملوك و السلاطين ثم أذّن في الناس بالحج ليأتوه رجالا و ركبانا من كل فجّ و أمرهم بالإحرام و تغيير الهيئة و اللباس شعثا غبرا متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتلبية و إجابة

27

الدعوة حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول و أوقفهم في حجبه يدعونه و يتضرعون إليه حتى إذا طال تضرعهم و استكانتهم و رجموا شياطينهم بجمارهم و خلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم و قضاء تفثهم ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم و بينه و ليزوروا البيت على طهارة منهم ثم يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرق و كنه العبودية فجعلهم تارة يطوفون فيه و يتعلقون بأستاره و يلوذون بأركانه و أخرى يسعون بين يديه مشيا وعدوا ليتبين لهم عزّ الربوبية و ذلّ العبودية و ليعرفوا أنفسهم و يضع الكبر من رءوسهم و يجعل نير الخضوع في أعناقهم و يستشعروا شعار المذلة و ينزعوا ملابس الفخر و العزة، و هذا من أعظم فوائد الحج، مضافا إلى ما فيه من التذكر بالإحرام و الوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر و أهوال يوم القيامة، إذ الحج هو الحشر الأصغر و إحرام الناس و تلبيتهم و حشرهم إلى الموقف و وقوفهم بها والهين متضرعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة و الشقاء أشبه شي‌ء بخروج الناس من أجداثهم و توشّحهم بأكفانهم و استغاثتهم من ذنوبهم و حشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاج في طوافهم و سعيهم و رجوعهم و عودهم يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب المدهوش الطالب ملجأ و مفزعا نحو أهل المحشر في أحوالهم و أطوارهم، فبحلول هذه المشاعر و الجبال و الشعب و الطلال و لدى وقوفه بمواقفه العظام يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة من عظائم يوم الحشر و شدائد النشر، عصمنا اللّه و جميع المؤمنين و رزقنا فوزه يوم الدين آمين ربّ العالمين.

28

[فصل في وجوب الحج]

فصل في وجوب الحج من أركان الدين الحج، و هو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية من الرجال و النساء و الخناثى بالكتاب و السنة و الإجماع من جميع المسلمين بل بالضرورة، و منكره في سلك الكافرين (1)،

____________

(1) في اطلاقه اشكال بل منع، و ذلك لما حققناه في محله من أن الإسلام متمثل في عنصرين:

أحدهما: الايمان بالتوحيد، و مقابله الكفر سواء أ كان متمثلا في الانكار اليقيني أم الظني أم الاحتمالي.

و الآخر: الايمان برسالة النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و مقابله الكفر و إن كان متمثلا في إنكارها الظني أو الاحتمالي على أساس ان المعتبر في الإسلام هو الايمان و الالتزام بالرسالة اجمالا، و نقصد بالايمان الإجمالي بها هو الايمان بأن كل ما يحتمل أو يظن أو يقع باشتمال الرسالة عليه فهو حق إذا كانت الرسالة مشتملة عليه واقعا، فاذا احتمل ان هذا الحكم مما جاء به الرسول الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فانكاره و جحده معناه عدم الايمان برسالته و احتمال بطلانها و هو كفر.

و اما المعاد فهو ليس عنصرا ثالثا معتبرا في الإسلام في مقابل العنصر الثاني، لأن المعاد من أظهر ما اشتملت عليه الرسالة، فالايمان بها لا ينفك عن الايمان به، فاذن لا يكون عنصرا مستقلا في مقابلها، و قد ذكرنا في بحث الفقه مفصلا و أشرنا اليه اجمالا في أول بحث الصوم، ان الآيات التي تنص على‌

29

..........

____________

عطف الايمان باليوم الآخر على الايمان باللّه لا تدل على ذلك بوجه، فان هذا العطف انما يعبر عن ان الايمان باليوم الآخر دخيل في الإسلام، و اما انه دخيل فيه مستقلا أو باعتبار انه من أوضح و أبده ما اشتملت عليه الرسالة فهو ساكت عنه.

و على ضوء هذا الأساس فالمنكر لوجوب الحج مرة يكون ملتفتا إلى أن انكاره انكار للرسالة و تكذيب لها، و أخرى لا يكون ملتفتا إلى هذه الملازمة و غافل عنها، فعلى الأول: لا شبهة في كفره و ارتداده، و لكن لا من جهة انكاره الضروري بل من جهة انكاره الرسالة و تكذيبها، و قد مر أنه لا يختص بانكار الضروري. و على الثاني: فلا موجب لكفره، لأنه مؤمن بالرسالة اجمالا.

و لكن مع ذلك ذهب جماعة من الفقهاء الى كفره بدعوى ان عدم انكار الضروري قيد معتبر في الإسلام تعبدا زائدا على الايمان بالرسالة، و قد استدل على ذلك بجملة من الروايات:

منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذب أشدّ العذاب و ان كان معترفا انه ذنب و مات عليها أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه أهون من عذاب الأول» (1) بتقريب انه يدل على أن من ارتكب كبيرة باعتقاد أنها حلال فهو كفر و خروج عن الإسلام، و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون ملتفتا إلى تلك الملازمة أو لا لغفلته عنها لسبب أو لآخر مع ايمانه الإجمالي بالرسالة.

و الجواب: ان الظاهر من الصحيحة هو أن مرتكب الكبيرة بزعم أنها حلال كان ملتفتا إلى أنها مما اشتملت عليه رسالة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و القرينة على ذلك هو خروجه بذلك عن الإسلام و استحقاقه أشد العذاب و العقوبة على ارتكابها اذ لو كان اعتقاده بالحلية من جهة الجهل و الغفلة عنها لم يكن موجب‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب مقدمة العبادات الحديث: 10.

30

..........

____________

لأصل استحقاق الادانة و العقوبة فضلا عن كونها أشد. و يؤكد ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة: «و إن كان معترفا انه ذنب و مات عليها .. إلى أن قال: كان عذابه أهون من عذاب الأول» فانه يدل على انه منكر للرسالة و مكذب لها في الفرض الأول، فلذلك كان عذابه أشد من عذابه في هذا الفرض و الّا فلا مبرر لأصل العذاب.

و ان شئت قلت: ان قوله (عليه السلام): «فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذّب أشد العذاب» ناص في أنّ زعمه بأنها حلال انما هو بملاك تكذيبه الرسالة و انكاره لها، لا بملاك غفلته عن أنها مما اشتملت عليه الرسالة مع ايمانه الإجمالي بها، بداهة انه لو كان كذلك فلا معنى لاستحقاقه أصل العقوبة فضلا عن أشدها، و بذلك يظهر حال موثقة مسعدة بن صدقة باعتبار أنها كالصحيحة في المضمون و المؤدى.

و منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة داود بن كثير الرقي: «فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا» (1) بدعوى أنه يدل على أن انكار الفريضة كفر، و مقتضى اطلاقه انه كفر و إن لم يكن ملتفتا إلى الملازمة بين انكارها و انكار الرسالة و تكذيبها.

و الجواب: انه لا اطلاق لها، فان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي أن جحده الفريضة و انكاره لها انما هو عناية زائدة على تركه الفريضة و عدم العمل بها، و هذه العناية الزائدة تدل على عدم ايمانه بالرسالة و انه معاند لها و الا فالترك لا يتوقف على الجحد و الانكار، فالنتيجة ان الصحيحة لو لم تكن ظاهرة في ذلك فلا ظهور لها في الاطلاق، فتكون مجملة فلا يمكن الاستدلال بها. هذا اضافة الى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الكفر هنا الستر، باعتبار انه بعمله هذا قد جعل نفسه مستورة عن رحمته تعالى، لا في مقابل الايمان، و استعمال الكفر في هذا المعنى في الروايات كثير.

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب مقدمة العبادات الحديث: 2.

31

..........

____________

فالنتيجة انه لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار قيد عدم انكار الضروري تعبدا في الإسلام زائدا على اعتبار الايمان باللّه وحده و رسالة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في حديث قال:

«قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا، و لكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر» (1) بدعوى أنها تدل على ان انكاره يوجب الكفر دون تركه، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون ملتفتا الى الملازمة بين انكاره و انكار الرسالة، أو لا يكون ملتفتا اليها، و موردها و إن كان خاصا إلّا انه لا يحتمل عرفا اختصاص الحكم به.

و الجواب أولا: انه لا اطلاق لها من هذه الناحية، فانها في مقام بيان ان ترك الحج خارجا لا يوجب الكفر، و اما انكاره لسانا فهو يوجب الكفر، اما انه يوجب الكفر مطلقا، أو فيما إذا كان ملتفتا الى الملازمة، فهي ليست في مقام البيان من هذه الناحية.

و ثانيا: ان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها: «ليس هذا هكذا» هو انه في مقام انكار الرسالة و عدم الايمان بها بقرينة صدرها الدال على أن من آمن بالرسالة و لم يعمل بها فهو ليس بكافر، فالكافر من يقول هذه المقالة التي هي تعبير عرفي عن عدم الايمان بالرسالة.

فالنتيجة انه لا دليل على اعتبار ذلك في الإسلام تعبدا زائدا على الايمان برسالة النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله).

و قد يستدل على اعتبار هذا القيد بقوله تعالى في ذيل آية الحج: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (2) بتقريب انه يدل على كفر من انكر وجوب الحج، و مورده و إن كان خاصا الّا انه لا يحتمل اختصاص الحكم به عرفا.

و الجواب أولا: ان الظاهر من الآية الشريفة ان منشأ انكاره وجوب الحج‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 1.

(2) آل عمران 3: 97.

32

و تاركه عمدا مستخفا به بمنزلتهم (1)، و تركه من غير استخفاف من الكبائر، و لا يجب في أصل الشرع إلا مرة واحدة في تمام العمر (2)، و هو المسمى بحجة الإسلام أي الحج الذي بني عليه الإسلام مثل الصلاة و الصوم و الخمس و الزكاة، و ما نقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على أهل الجدة كل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع و الأخبار، و لا بد من حمله على بعض المحامل كالأخبار الواردة بهذا المضمون من إرادة الاستحباب المؤكد أو الوجوب على البدل بمعنى أنه يجب عليه في عامه و إذا تركه ففي العام الثاني و هكذا، و يمكن حملها على الوجوب الكفائي فإنه لا يبعد وجوب الحج كفاية على كل أحد في كل عام إذا كان متمكنا بحيث لا تبقى مكة خالية من الحجاج، لجملة من الأخبار الدالة على أنه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحج، و الأخبار الدالة على أن على الإمام كما في بعضها و على الوالي كما في آخر أن يجبر الناس على الحج و المقام في

____________

هو كفره في المرتبة السابقة، لا أن انكاره هو المنشأ لكفره، فالكفر علة لذلك لا أنه معلول له.

و ثانيا: انه قد فسر الكفر في الآية المباركة بالترك كما في صحيحة معاوية ابن عمار: (عن قول اللّه عز و جل: «و من كفر» يعني من ترك) (1).

(1) فيه اشكال بل منع، لعدم الدليل على أن الاستخفاف بالحكم الشرعي كفر و خروج عن الإسلام، نعم لا شبهة في أنه مذموم و مبغوض في الشريعة المقدسة إذا كان عن عمد و التفات.

(2) للتسالم القولي و العملي بين المسلمين قاطبة، و من المعلوم أن هذا التسالم بينهم على أساس اهتمام الشارع بالحج في الكتاب و السنة يكشف عن‌

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 2.

33

..........

____________

وجوده في زمن الحضور و وصوله اليهم يدا بيد و طبقة بعد طبقة، فلو كان الحج واجبا على كل مستطيع في كل سنة لكان شايعا و مشتهرا بين المسلمين كافة جزما على أساس أهمية الحج اجتماعيا و عباديا و سياسيا. هذا اضافة إلى أن جعل وجوب الحج كذلك لا ينسجم مع كل الأزمنة و الأمكنة في كل بقاع الأرض لوضوح أن اي مستطيع لا يتمكن من الحج في كل عام و في كل أزمنة و من كل أمكنة على وجه الأرض، رغم ان الشارع بحكم علمه بالواقعيات بكل جهاتها و أبدية الحكم و عدم كونه موقتا قد أخذ انسجام الحكم مع كل أزمنة و أمكنة في عين الاعتبار في مقام التشريع.

فالنتيجة: ان المسألة قطعية و لا لبس فيها، و على هذا فالروايات الدالة على وجوب الحج على أهل الاستطاعة و المال في كل عام لا بد من طرحها لأنها مخالفة للكتاب و السنة، هذا اضافة إلى أنها معارضة بالروايات الكثيرة الواردة في مختلف الأبواب و المسائل البالغة حد التواتر اجمالا الدالة بمختلف الألسنة على أن الحج واجب على كل مستطيع في تمام فترة عمره مرة واحدة و هي على مجموعات:

منها: الروايات التي تنص على حرمة التسويف و الاهمال في الحج، فانه يظهر منها بوضوح انه واجب في تمام العمر مرة واحدة.

و منها: الروايات التي تنص على أن الحج يخرج من أصل التركة، فانها تدل بالالتزام على أن ذمة الميت مشغولة بحجة واحدة.

و منها: الروايات التي تنص على أن من لم يحج قط و لم يطق لكبره أو مرضه المأيوس من الشفاء منه في المستقبل أن يجهّز رجلا يحج منه، فانها ناصة في أن الواجب عليه حجة واحدة في طول عمره.

و منها: غيرها. فالناتج من مجموع الروايات هو القطع بوجوب الحج على المستطيع في طول فترة العمر مرة واحدة، فاذن لا بد من طرح تلك الروايات لأنها مخالفة للسنة.

و مع الاغماض عن ذلك أيضا، فان تلك الروايات التي عمدتها صحيحة‌

34

..........

____________

علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال: «ان اللّه عز و جل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام و ذلك قوله عز و جل: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، الخ» (1) معارضة بروايات أخرى تنص على أن الحج واجب في تمام مدة العمر مرة واحدة، و عمدة هذه الروايات صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما كلف اللّه العباد إلّا ما يطيقون، إنما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات، و كلفهم من كل مأتي درهم خمسة دراهم، و كلفهم صيام شهر في السنة، و كلفهم حجّة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك- الحديث» (2) و بما أن دلالة هذه الصحيحة على وجوب الحج في فترة العمر كلا مرة واحدة أظهر من دلالة تلك الروايات على وجوبه على أهل الثراء و المال في كل عام، فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهورها و حملها على أصل الثبوت و المشروعية. و دعوى ان كلمة الفرض ناصة في الوجوب فلا يمكن حملها على الاستحباب، مدفوعة بأنها ناصة في الثبوت و ظاهرة في الوجوب، فلا مانع من حملها على أصل الثبوت و الاستحباب إذا قامت القرينة على ذلك.

و بذلك يظهر انه لا وجه لحمل تلك الروايات مرة على الواجب الكفائي، و أخرى على أن الحج واجب في كل سنة قمرية ردا على الجاهلية حيث أنهم يتركون الحج في بعض السنين القمرية على أساس أنهم يعدون السنة بالحساب الشمسي. اما الأول، فلما ذكرناه في علم الأصول من أن الوجوب الكفائي كالوجوب العيني مجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المقدر وجوده في الخارج، و يتعدد الوجوب بتعدده فيه، و لكنه في الكفائي محدود بعدم قيام الآخر بامتثاله، فاذا قام ينتفى الحكم عنه بانتفاء موضوعه كدفن الميت و كفنه و غسله و ما شاكل ذلك، و من المعلوم أن هذا الضابط لا ينطبق على وجوب الحج، فان قيام بعض من أهل الجدة بامتثاله لا يوجب سقوطه عن الآخر بسقوط موضوعه. و أما الثاني، فلأنه بحاجة الى قرينة و لا قرينة عليه،

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 1.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب مقدمة العبادات الحديث: 37.

35

مكة و زيارة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و المقام عنده و أنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال.

[مسألة 1: لا خلاف في أن وجوب الحج بعد تحقق الشرائط فوري]

[2980] مسألة 1: لا خلاف في أن وجوب الحج بعد تحقق الشرائط فوري (1)، بمعنى أنه يجب المبادرة إليه في العام الأول من الاستطاعة فلا يجوز تأخيره عنه، و إن تركه فيه ففي العام الثاني و هكذا، و يدل عليه جملة من الأخبار، و لو خالف و أخّر مع وجود الشرائط بلا عذر يكون عاصيا، بل لا يبعد كونه كبيرة كما صرح به جماعة و يمكن استفادته من جملة من الأخبار.

____________

و الصحيحة لا تصلح أن تكون قرينة على ذلك فانها انما تصلح أن تكون قرينة على الحمل على أصل الثبوت و الاستحباب، و لو تنزلنا عن ذلك أيضا و سلمنا ان الجمع الدلالي العرفي لا يمكن، فحينئذ تقع المعارضة بينهما و تسقطان معا من جهة المعارضة فيرجع الى الأصل العملي في المسألة، و هو أصالة البراءة عن وجوبه في كل عام.

(1) هذا شريطة أن لا يكون المستطيع واثقا و مطمئنا من نفسه بالتمكن من الاتيان به في السنين القادمة، و الّا فوجوبه عليه فورا في السنة الأولى لا يخلو عن اشكال، لعدم الدليل على الفورية مطلقا حتى في هذه الحالة، أما حكم العقل بعدم جواز التأخير و وجوب الاتيان به في سنة الاستطاعة مختص بغير هذه الحالة، لأن موضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة إنما هو احتمال الفوت على تقدير التأخير، و الفرض انه واثق و مطمئن بعدم الفوت، بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك باستصحاب بقاء الاستطاعة باعتبار انه دليل شرعي رافع لموضوع حكم العقل و هو احتمال العقاب.

و أما الروايات: فلا يظهر منها وجوب الحج فورا في عام الاستطاعة و عدم جواز تأخيره مطلقا حتى مع الاطمينان و الوثوق بالتمكن من الاتيان به في العام‌

36

[مسألة 2: لو توقف إدراك الحج بعد حصول الاستطاعة على مقدمات من السفر و تهيئة أسبابه]

[2981] مسألة 2: لو توقف إدراك الحج بعد حصول الاستطاعة على مقدمات من السفر و تهيئة أسبابه وجب المبادرة إلى إتيانها (1) على وجه يدرك الحج في تلك السنة، و لو تعددت الرفقة و تمكن من المسير مع كل منهم اختار أوثقهم سلامة و إدراكا (2)،

____________

القادم و عدم فوته منه، فان الظاهر منها أمران:

أحدهما: التشديد بالعقوبة و الادانة على المستطيع التارك للحج.

و الآخر: التشديد على عدم جواز التسامح و الاهمال و المماطلة فيه، و على هذا فيدور عدم جواز التأخير مدار صدق المماطلة و الاهمال، فان صدق لم يجز، و الّا فلا مانع منه، و من المعلوم انه لا يصدق ذلك على تأخير المستطيع الحج عن عام الاستطاعة إذا كان واثقا و مطمئنا بتمكنه من الإتيان به في العام القادم و عدم تفويته منه. نعم إذا لم يكن واثقا و متأكدا بذلك و مع هذا إذا أخر إلى العام القادم رغم انه متمكن منه في هذا العام بدون أي مانع و عائق في البين فالظاهر صدق عنوان الاهمال و المماطلة عليه، و معه لا يجوز التأخير و لا يمكن حينئذ التمسك باستصحاب بقاء التمكن لأن الروايات بالناهية عن التسويف و الاهمال فيه تمنع عن جريانه.

فالنتيجة: ان الروايات لا تدل على وجوب الحج فورا و عدم تأخيره عن عام الاستطاعة، و انما تدل على عدم جواز المماطلة و التسامح و التساهل فيه، فيدور الحكم مدار هذا العنوان وجودا و عدما، و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن لا يؤخر عن عام الاستطاعة مطلقا حتى إذا كان واثقا و مطمئنا بعدم تفويته منه إذا أخر إلى العام القادم و لا يصدق عليه عنوان الاهمال و المماطلة، و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) حول المسألة.

(1) هذا إذا لم يكن واثقا و متأكدا بانه لا يفوت منه في السنة القادمة، و الّا فوجوب المبادرة مبني على الاحتياط كما مر.

(2) لا يجب إذا كان الاختلاف بينهم في الأوثقية مع الاشتراك في الوثوق،

37

و لو وجدت واحدة و لم يعلم حصول أخرى أو لم يعلم التمكن من المسير و الإدراك للحج بالتأخير فهل يجب الخروج مع الأولى أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟ أقوال أقواها الأخير، و على أي تقدير إذا لم يخرج مع الأولى و اتفق عدم التمكن من المسير أو عدم إدراك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج (1)، و إن لم يكن آثما بالتأخير لأنه كان متمكنا من الخروج مع الأولى، إلا إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضا.

____________

فان الواجب بحكم العقل هو اختيار من يثق بوصوله و ادراكه للحج و سلامته، سواء أ كان غيره أوثق منه أم لا.

نعم إذا كان واثقا و متأكدا بوصول أحدهما و سلامته دون الآخر تعيّن اختياره، و اما إذا كان كلاهما ممن يثق بوصوله للحج و سلامته و لكن كان أحدهما أوثق من الآخر فلا يجب اختيار الأوثق فان المعيار لدى العقل انما هو بالوثوق و الاطمئنان بسلامة الوصول و ادراك الحج، و لا قيمة للأوثقية و لا تصلح أن تكون مرجحة.

(1) في اطلاقه اشكال بل منع، فان استقرار الحج على المستطيع انما هو فيما إذا كان تركه مستندا الى تقصيره و كونه اثما، و الّا فلا موجب لاستقراره عليه، و على هذا فان كان التأخير جائزا شرعا كما إذا كان واثقا و متأكدا بسلامة الوصول مع الثانية أيضا، فاذا أخر و خرج معهم و لكن بسبب اتفاق وقوع حادث أرضي أو سماوي أو غيره في الطريق لم يكن وقوعه في الحسبان و لا كان متوقعا لم تصل القافلة في موسم الحج و وقته وفات عنه فلا موجب لاستقراره عليه، لأن تركه حينئذ لا يكون مستندا إلى إهماله و تسامحه فيه، و من هنا إذا خرج مع القافلة الأولى و لكن بنفس ذلك السبب الاتفاقي لم يتمكن من ادراك الحج وفات عنه لم يلتزم أحد باستقراره عليه حتى الماتن (قدّس سرّه) مع انه لا فرق بين‌

38

..........

____________

الصورتين. نعم إذا لم يكن التأخير جائزا شرعا كما إذا احتمل انه لو أخر الخروج عن القافلة الأولى و خرج مع الثانية لم يصل في وقت الحج وفات عنه، ففي مثل ذلك إذا أخر عامدا و ملتفتا بالحال و خرج مع الثانية و لم يدرك الحج استقر عليه تطبيقا لقاعدة التسويف و الاهمال.

و إن شئت قلت: ان موضوع استقرار الحج في الذمة ليس مجرد تمكن الشخص المستطيع منه و إن لم يكن تركه مستندا إلى التقصير و الاهمال، فانه حينئذ لا موجب لاستقراره في ذمته و بقائه فيها و إن ذهبت استطاعته، بداهة ان هذا التكليف تكليف عقابي لا مبرر له بالنسبة إلى من لا تقصير له فان موضوعه هو ما إذا تنجز وجوب الحج عليه و لكنه تساهل و تسامح فيه الى أن فات عنه، فانه قد استقر عليه عندئذ كدين و ان ذهبت استطاعته و يجب عليه وقتئذ الاتيان به و لو متسكعا و تدل عليه روايات التسويف و الاهمال، و مقتضى اطلاقها عدم سقوطه عن الذمة و إن سقطت الاستطاعة.

39

[فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام]

فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام و هي أمور:

[أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل]

أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل، فلا يجب على الصبي و إن كان مراهقا (1)، و لا على المجنون (2) و إن كان أدواريا إذا لم يف دور إفاقته

____________

(1) لإطلاق حديث عدم جري القلم عليه، و للروايات الخاصة في المقام.

(2) هذا لا بملاك حديث رفع القلم عنه، فانه ضعيف سندا، و لا بملاك الاجماع على اعتبار العقل فانه على تقدير تسليم احرازه بين الفقهاء المتقدمين الا أنه ليس باجماع تعبدي، فان معظمهم لو لا كلهم قد اعتمدوا على اعتبار العقل بحديث رفع القلم، بل بملاك أن المجنون في نفسه غير قابل لتوجيه الخطاب التكليفي اليه كالخطاب بالصلاة و الصيام و الحج بمالها من الشروط لأنه لغو صرف، فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم.

و دعوى: ان الجنون انما هو مانع عن جعل الحكم في عالم الاعتبار على أساس أنه لغو محض و جزاف و لا يمنع عن ثبوت ملاكه في مرحلة المبادي، و نتيجة ذلك وجوب القضاء عليه بعد الافاقة.

مدفوعة: أولا: انه لا طريق لنا الى احراز الملاك و ثبوته في مرحلة المبادئ، و عدم الفرق فيه بين المجنون و غيره لأن الكاشف عنه بالالتزام انما هو ثبوت التكليف، و مع عدم امكان ثبوته فلا كاشف له.

و ثانيا: ان هذا لو تم فانما يتم في مثل الصلاة و الصيام دون الحج، فان‌

40

بإتيان تمام الأعمال، و لو حج الصبي لم يجزئ عن حجة الإسلام (1) و إن قلنا بصحة عباداته و شرعيتها كما هو الأقوى و كان واجدا لجميع الشرائط سوى البلوغ، ففي خبر مسمع عن الصادق (عليه السلام): «لو أن غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الإسلام»، و في خبر إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج قال (عليه السلام): «عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذا الجارية عليها الحج إذا طمثت».

[مسألة 1: يستحب للصبي المميز أن يحج و إن لم يكن مجزئا عن حجة الإسلام]

[2982] مسألة 1: يستحب للصبي المميز أن يحج و إن لم يكن مجزئا عن حجة الإسلام، و لكن هل يتوقف ذلك على إذن الولي أو لا؟ المشهور بل قيل: لا خلاف فيه أنه مشروط بإذنه لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي و الكفارة، و لأنه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن، و فيه أنه ليس تصرفا ماليا و إن كان ربما يستتبع المال (2)،

____________

المجنون إذا كان مستطيعا فملاك وجوبه في حقه تام، و لكن جنونه مانع عن جعل وجوبه، و بما أن فوت الملاك لا يكون مستندا إلى تقصيره و إهماله لفرض أنه معذور فيه بملاك جنونه فلا يستقر عليه الحج، و حينئذ فإذا أفاق فان كان مستطيعا وجب عليه الحج من حين الافاقة سواء أ كان ملاكه تاما في حقه في زمن جنونه أم لا، و إن لم يكن مستطيعا فلا موضوع لوجوبه، فاذن لا أثر لافتراض ثبوت الملاك له في مرحلة المبادئ في حال جنونه.

(1) هذا من جهة أن حجة الإسلام اسم للحج الاول الواجب في الشريعة المقدسة للمستطيع و عنوان مقوم له فلا تنطبق على الحج المستحب.

(2) فيه ان صحة حجه لا تتوقف على قدرته على المال كالهدي فضلا عن الكفارات، و حينئذ فإن بذل وليه الهدي من قبله فهو، و الّا فالصبي بما انه‌

41

و أن العمومات كافية في صحته و شرعيته مطلقا، فالأقوى عدم الاشتراط في صحته و إن وجب الاستئذان في بعض الصور، و أما البالغ فلا يعتبر في حجه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيتهما، و أما في حجه الواجب فلا إشكال.

[مسألة 2: يستحب للولي أن يحرم بالصبي الغير المميز بلا خلاف]

[2983] مسألة 2: يستحب للولي أن يحرم بالصبي الغير المميز بلا خلاف لجملة من الأخبار، بل و كذا الصبية و إن استشكل فيها صاحب المستند (1)،

____________

عاجز عنه فوظيفته الصيام، فان تمكن منه صام، و الّا فلا شي‌ء عليه، و كذلك الحال في الكفارات، بل بمقتضى حديث رفع القلم عن الصبي عدم وجوبها عليه، فالنتيجة ان صحة حجه لا تتوقف على اذن الولي اصلا، و لا على الهدي إذا كان عاجزا عنه.

(1) الظاهر ان الاشكال في غير محله، فان مورد الروايات و إن كان الصبي، الّا أن العرف لا يفهم منها خصوصية له و لا سيما انه ورد في أكثر هذه الروايات في السؤال. فالنتيجة ان المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ان استحباب احرام الصبي على المولى ليس بما هو صبي في مقابل الصبية بل بما هو صغير، على أساس أن فيه نوعا من التعظيم لشعائر اللّه و حرمه سبحانه. و مع الاغماض عن ذلك فالاستدلال على عموم الحكم بمعتبرة يونس ابن يعقوب عن أبيه قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان معى صبية صغارا و أنا أخاف عليهم البرد، فمن أين يحرمون؟ قال: ايت بهم العرج فليخرجوا منها ... الخ» (1).

بدعوى أن الصبية و إن كانت جمعا للصبي فإن جمع الصبية صبايا، الّا أن المتفاهم من هذه الروايات الاولاد الصغار الأعم من الأبناء و البنات، في غير محله فان الروايات المذكورة إن كانت ظاهرة عرفا في اختصاص الحكم‌

____________

(1) الوسائل باب: 18 من أبواب أقسام الحج الحديث: 7.

42

و كذا المجنون و إن كان لا يخلو عن إشكال (1) لعدم نص فيه بالخصوص فيستحق الثواب عليه، و المراد بالإحرام به جعله محرما لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبي الإحرام و يقول: اللهم إني أحرمت هذا الصبي (2) (الخ) و يأمره بالتلبية بمعنى أن يلقنه إياها، و إن لم يكن قابلا يلبي عنه، و يجنبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه، و يأمره بكل فعل من أفعال الحج يتمكن منه، و ينوب عنه في كل ما لا يتمكن، و يطوف به و يسعى به بين الصفا و المروة، و يقف به في عرفات و منى (3)،

____________

بالصبي فلا فرق بين مفرد هذه الكلمة (الصبي) و جمعها، و إن كانت ظاهرة في عدم الاختصاص و عموم الحكم للصبية فالأمر أيضا كذلك، فاذن لا وجه للتفصيل و الصحيح هو ما ذكرناه.

(1) بل منع لأن التعدي عن مورد النصوص الى المجنون بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه لا في نفس تلك النصوص و لا من الخارج، و مجرد مناسبة الحكم لا يكفي للتعدي مع الفرق بينه و بين الصبي، نعم لا بأس به رجاء.

(2) فيه أنه لا دليل على استحباب هذا القول، و نصوص الباب خالية عنه، و ما دل على استحباب التلفظ بالنية لا يشمل ذلك لاختصاصه باعمال الحاج نفسه، نعم لا بأس به بقصد الدعاء و التضرع الى اللّه تعالى لا بقصد التلفظ بالنية، أو فقل ان المستفاد من نصوص الباب هو أن الولي يأمر الصبى بالاحرام و التلبية و نحوهما من اعمال الحج إذا كان قابلا لأن يباشر تلك الأعمال بنفسه، و الا فعلى الولي أن يقوم باحرامه بأن يغسله و يلبّى عنه و يطوف به و يصلي عنه و هكذا، و لم يرد فيها أنه حين قيامه بذلك يقول: اللهم اني احرمت هذا الصبي ...

(3) الظاهر أنه من سهو القلم، و الصحيح المشعر بدل منى باعتبار أنه لا وقوف في منى.

43

و يأمره بالرمي و إن لم يقدر يرمي عنه، و هكذا يأمره بصلاة الطواف و إن لم يقدر يصلي عنه، و لا بد من أن يكون طاهرا و متوضئا و لو بصورة الوضوء (1) و إن لم يمكن فيتوضأ هو عنه (2)، و يحلق رأسه و هكذا جميع الأعمال.

[مسألة 3: لا يلزم كون الولي محرما في الإحرام بالصبي]

[2984] مسألة 3: لا يلزم كون الولي محرما في الإحرام بالصبي (3)، بل يجوز له ذلك و إن كان محلا.

[مسألة 4: المشهور على أن المراد بالولي في الإحرام بالصبي الغير المميز الولي الشرعي]

[2985] مسألة 4: المشهور على أن المراد بالولي في الإحرام بالصبي

____________

(1) فيه: أنه لا دليل على قيامها مقام الوضوء، لأن أدلة الوضوء منصرفة عنها، و لا يوجد دليل آخر على اعتبارها في المقام و كفايتها عن الوضوء الحقيقي.

(2) فيه اشكال بل منع، لأن روايات الباب لا تدل على أنه ينوب عنه في الوضوء، حيث ان مورد هذه الروايات أفعال الحج كالتلبية و الطواف و الصلاة و السعي و الرمي و الذبح و الوقوف و نحوها، و لا نظر لها إلى ما هو معتبر في تلك الافعال من الشروط و القيود منها اعتبار الطهارة في الطواف، فانها تدل على أن الصبي إذا لم يتمكن من الاتيان بتلك الافعال مباشرة قام وليه مقامه فيها، فيلبى عنه و يطوف به و يصلي عنه و هكذا، و لا تدل على أن الصبي إذا لم يقدر على الوضوء مباشرة قام وليه مقامه فيتوضأ عنه. نعم كل عمل قام وليه بالاتيان به من قبله إذا كان مشروطا بالطهارة فلا بد له من تحصيلها و لكن لا بعنوان النيابة عنه.

(3) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) و ذلك لسببين:

أحدهما: ان قيام كل شخص بالاتيان باعمال الحج نيابة عن آخر لا يتوقف على كونه محرما.

و الآخر: اطلاق الروايات الآمرة بذلك.

44

الغير المميز الولي الشرعي من الأب و الجد و الوصي لأحدهما و الحاكم و أمينه أو وكيل أحد المذكورين، لا مثل العم و الخال و نحوهما و الأجنبي، نعم ألحقوا بالمذكورين الأم و إن لم تكن وليا شرعيا للنص الخاص فيها، قالوا: لأن الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المذكورين فلا يترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي غيره، و لكن لا يبعد كون المراد الأعم منهم و ممن يتولى أمر الصبي (1) و يتكفله و إن لم يكن وليا شرعيا لقوله (عليه السلام): «قدموا من كان معكم من

____________

(1) بل هو بعيد، على أساس ان احجاج الصبي يستلزم التصرف فيه، بأن يجرده من ثيابه و يلبسه ثوبي الاحرام و يطوف به و يقف و يسعى و هكذا. و من المعلوم أن كل ذلك تصرف فيه و هو غير جائز من غير وليه الشرعي، و لا فرق فيه بين التصرف في ماله و التصرف في بدنه، فكما ان الأول غير جائز فكذلك الثاني، فان جوازه بحاجة إلى دليل لا حرمته، فانها على القاعدة كحرمة التصرف في ماله.

و قد يستدل على الأعم بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه الى الجحفة أو إلى بطن مرو يصنع بهم ما يصنع بالمحرم- الحديث» (1) بدعوى ان اطلاقها يعم ما إذا كان الصبيان مع أوليائهم أو لا.

و الجواب: أولا: انه لا اطلاق لها من هذه الناحية، فانها ناظرة الى بيان انه لا مانع من احجاج الصبي بما هو صبي، و لا نظر لها الى عدم المانع من جهة أخرى كأن يكون المتصدي لا حجاجه وليه أو مأذونا من قبله.

أو فقل: إنها ناظرة إلى نفي مانعية الصبي عن احجاجه، و لا نظر لها إلى أنه‌

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج الحديث: 3.

45

الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر» (الخ)، فإنه يشمل غير الولي الشرعي أيضا، و أما في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحة إحرامه الإذن (1).

____________

غير مشروط بشروط أخرى ككون المتصدي له وليا أو مأذونا منه.

و ثانيا: ان قوله (عليه السلام) في الصحيحة: «من كان معكم من الصبيان» ظاهر في نفسه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية في كونهم مع أوليائهم أو المأذونين من قبلهم، اذ من المستبعد جدا أن يكونوا مع غير أوليائهم و لا المأذونين من قبلهم مع كونهم من الاطفال غير المميزين.

و أما الأم فقد نسب الى المشهور أنها مأذونة من قبل الشارع في التصدي لا حجاج طفلها فيكون حالها من هذه الناحية حال الولي الشرعي، و تدل على ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سمعته يقول: مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برويثة و هو حاج فقامت اليه امرأة و معها صبي لها، فقالت: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أ يحج عن مثل هذا؟ قال: نعم و لك أجره» (1) بتقريب أن مقتضى اطلاقها أنها تقوم باحجاجه و ان لم تكن مأذونة من قبل الولي.

و الجواب: انه لا اطلاق لها من هذه الناحية، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انما هو في مقام بيان انه لا قصور من ناحية الصبي في احجاجه، و أما أن شرطا آخر أيضا غير معتبر فيه فهو ساكت عنه.

فالنتيجة: ان الأظهر اعتبار كون المتصدي لا حجاج الصبي غير المميز وليا شرعيا له، أو مأذونا من قبله حتى إذا كان المتصدي أمه.

(1) الظاهر بل لا شبهة في عدم اعتبار اذنه في صحة احرامه كعدم اعتباره‌

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 1.

46

[مسألة 5: النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي]

[2986] مسألة 5: النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي (1) إلا إذا كان حفظه موقوفا على السفر به أو يكون السفر مصلحة له.

[مسألة 6: الهدي على الولي]

[2987] مسألة 6: الهدي على الولي (2)،

____________

في صحة صلاته و صيامه بناء على ما هو الصحيح من شرعية عباداته.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) حتى بالنسبة إلى وليه الشرعي كالأب و الجد من قبل الأب، فان ولايته عليه و إن كانت لا يختص بما فيه مصلحة له بل هي ثابتة حتى فيما لا مصلحة فيه شريطة أن لا تكون فيه مفسدة و بذلك تفترق عن ولاية الحاكم الشرعي أو الوصي عليه فانها ترتبط في كل مورد بوجود مصلحة فيه، و لكن مع ذلك لا يسوغ له أن يأخذ النفقة الزائدة من أمواله في حال عدم كون السفر له ضروريا أو ذات مصلحة باعتبار أن فيه مفسدة و معها لا ولاية له.

(2) في اطلاقه اشكال بل منع فانه انما يكون على الولي إذا كان من مال الصبي مفسدة عليه، و أما اذا رأى الولي ان في احجاجه مصلحة لسبب أو آخر، ففي مثل ذلك لا مانع من أن يأخذ ثمن الهدي من ماله.

و اما روايات الباب، فقد يستدل بجملة منها على أن الهدي على الولي دون الصبي.

منها: صحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السلام): «قال: إذا حج الرجل بابنه و هو صغير فانه يأمره أن يلبّى و يفرض الحج، فان لم يحسن ان يلبى لبوا عنه و يطاف به و يصلى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: يذبح عن الصغار و يصوم الكبار ... الخ» (1)، بدعوى أنها تدل على أن الهدي على الولي، فاذا لم يكن عنده ما يذبح عن نفسه و عن الصبي معا يذبح عن الصبي و يصوم عن نفسه، و مقتضى‌

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج الحديث: 5.

47

..........

____________

اطلاقها ان وظيفته ذلك و إن كان عند الصبي ما يذبح عنه.

و لكن ذلك قابل للمناقشة، فان الصحيحة ليست في مقام البيان من هذه الناحية، بل هي في مقام بيان أن الصبي إذا كان غير متمكن من مباشرة اعمال الحج بنفسه قام وليه مقامه. و أما قول السائل «قلت: ليس لهم ما يذبحون» فلا ظهور له في انه ليس عندهم من مال أنفسهم، بل لا يبعد أن يكون المراد منه أعم من مال الصبي باعتبار أن ماله بيد وليه و عنده. و بكلمة ان ذبح الولي عن الصبي بما أنه من باب الولاية فلا يلزم بأن يكون من مال نفسه، بل له أن يذبح عنه من ماله إذا لم تكن فيه مفسدة عليه.

و منها: موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة، و خرجوا معنا الى عرفات بغير احرام، قال: قل لهم يغتسلون ثم يحرمون، و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1) بتقريب أنها ظاهرة في أن الكبار هم مأمورون بالذبح عن الصغار و الهدي منهم.

و الجواب: إنها و ان كانت ظاهرة في ان الكبار مأمورون بالذبح عنهم كما أنهم مأمورون بالوقوف بهم و الصلاة عنهم و الطواف بهم و هكذا من باب الولاية، الّا أنها لا تدل على أن ثمن الذبيحة لا بد أن يكون من مالهم دون مال الصغار إذا كان عندهم مال.

و إن شئت قلت: ان روايات الباب تنص على ان الولي إذا حج بالصبي يتكفل اعماله شريطة عدم تمكنه من القيام بها مباشرة، بأن يلبّي عنه إذا لم يحسن، و يطوف به و يصلي عنه و يقف به و يرمي عنه و يذبح عنه و هكذا على أساس ولايته عليه، و لا يدل شي‌ء منها على أن هذه الاعمال إذا توقفت على بذل مال كالذبح وجب عليه أن يبذل من مال نفسه دون مال الصبي، و على هذا فمقتضى القاعدة بما أن مال الصبي بيده فله أن يتصرف فيه في شراء الهدي أو نحوه حسب ولايته شريطة أن لا تكون فيه مفسدة.

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج الحديث: 2.

48

و كذا كفارة الصيد إذا صاد الصبي (1)، و أما الكفارات الاخر المختصة بالعمد فهل هي أيضا على الولي أو في مال الصبي أو لا يجب الكفارة في غير الصيد لأن عمد الصبي خطأ و المفروض أن تلك الكفارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه، لا يبعد قوة الأخير إما لذلك و إما لانصراف أدلتها عن الصبي، لكن الأحوط تكفل الولي بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الأقوى (2) لأن قوله (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ» مختص بالديات، و الانصراف

____________

فالنتيجة: ان الروايات ليست في مقام البيان من هذه الجهة، و انما هي في مقام بيان ان الولي متكفل لأعمال حجه إذا لم يحسن تلك الأعمال، و تؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه الى الجحفة أو الى بطن مرو يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، و يطاف بهم و يرمى عنهم و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه» (1) بتقريب أنها تدل على أن الانتقال الى الصوم مترتب على عدم وجدان الصبي الهدي، و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون من مال نفسه أو مال وليه.

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لنص قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و إن قتل صيدا فعلى أبيه» (2).

(2) في القوة اشكال بل منع، لأنه بحاجة الى دليل و لا دليل عليه في المسألة و التزامه باحجاجه لا يستلزم تحمله كل كفاراته، اذ مضافا إلى أن ترك ارتكاب ما يوجب الكفارة ليس من أجزاء الحج و واجباته ان كون كفارته عليه فهو بلا مبرّر، و ما دل على أن كفارة صيده على أبيه لا يدل على العموم، فلا بد من الاقتصار على مورده، كما أنها ليست على الصبي لا من جهة ما دل من أن‌

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج الحديث: 3.

(2) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج الحديث: 5.

49

ممنوع و إلا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضا (1).

[مسألة 7: قد عرفت أنه لو حج الصبي عشر مرات لم يجزئه عن حجة الإسلام]

[2988] مسألة 7: قد عرفت أنه لو حج الصبي عشر مرات لم يجزئه عن حجة الإسلام، بل يجب عليه بعد البلوغ و الاستطاعة، لكن استثنى المشهور من ذلك ما لو بلغ و أدرك المشعر فإنه حينئذ يجزئ عن حجة الإسلام، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، و كذا إذا حج المجنون ندبا ثم كمل قبل المشعر، و استدلوا على ذلك بوجوه:

أحدها: النصوص الواردة في العبد على ما سيأتي بدعوى عدم خصوصية للعبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال ثم حصوله قبل المشعر، و فيه أنه قياس (2) مع أن لازمه

____________

عمده خطأ يحمل على العاقلة لأنه مختص بباب الديات بقرينة أن في ذلك الباب قد ثبت حكم للعمد و حكم للخطأ، فاذا قتل الصبي مؤمنا عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي ترتب عليه حكم القتل الخطئي فتكون ديته على العاقلة و لا يعم الكفارات في المقام فانها مترتبة على ارتكاب موجباتها المنهي عنه متعمدا و لا حكم لارتكابها في حال الخطأ. و لا من جهة الانصراف إذ لا موجب له بعد اطلاق الخطاب، بل من جهة حديث عدم جري القلم على الصبي، و مقتضى اطلاقه عدم جعل وجوب الكفارات عليه في الشرع.

(1) فيه ان الالتزام بأن كفارة الصيد على الولي ليس من جهة اطلاق أدلتها و عدم انصرافه بل من جهة النص الخاص كما مر، و عليه فلا فرق بين القول بالانصراف و عدمه.

(2) الأمر كما أفاده لأن مورد الروايات العبد، و هي التي تنص على أنه إذا اعتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأ عنه حجة الإسلام منها‌

50

..........

____________

صحيحة شهاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل اعتق عشية عرفة عبدا له قال:

يجزي عن العبد حجة الإسلام و يكتب للسيد أجران ثواب العتق و ثواب الحج» (1). و منها صحيحة معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

مملوك اعتق يوم عرفة، قال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» (2) و منها غيرهما، و محل الكلام في المسألة الصبي الذي بلغ قبل الوقوف بالمشعر، و عليه فالتعدي عن مورد هذه الروايات الى محل الكلام بحاجة الى قرينة تدل عليه، و بما أنه لا قرينة في البين لا في نفس تلك الروايات اذ لا اشعار فيها بعدم الخصوصية فضلا عن الظهور و لا من الخارج فلا يمكن التعدي، و يحتمل ان يكون المراد منها معنى آخر غير المعنى الذي أراده الماتن (قدّس سرّه) و هو أن العبد إذا لم يكن حاجا و اعتق قبل الوقوف بالمشعر فاحرم بعد أن اعتق و أدرك الوقوف به اجزاء عن حجة الإسلام و هذا الاحتمال غير بعيد لأن الروايات قابلة للحمل عليه، و كيف كان فلا يمكن التعدي عن موردها الى سائر الموارد.

و دعوى: الاجماع على أن الصبي إذا حج و أدرك أحد الموقفين بالغا اجزأ عن حجة الإسلام.

مدفوعة أولا: انه لا اجماع في المسألة حتى بين المتأخرين حيث نسب التردد فيها الى جماعة.

و ثانيا: على تقدير ثبوت الاجماع الّا أنه لا قيمة له ما لم يكن كاشفا عن ثبوته بين المتقدمين.

و ثالثا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم انه ثابت بين المتقدمين الّا أنه من المحتمل قويا ان يكون الاجماع مدركيا لا تعبديا و مستندا إلى أحد وجوه المسألة.

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 1.

(2) الوسائل باب: 17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: 2.

51

الالتزام به فيمن حج متسكعا ثم حصل له الاستطاعة قبل المشعر، و لا يقولون به.

الثاني: ما رود من الأخبار من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، فإنه يستفاد منها أن الوقت صالح لإنشاء الإحرام فيلزم أن يكون صالحا للانقلاب أو القلب بالأولى، و فيه ما لا يخفى (1).

الثالث: الأخبار الدالة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، و فيه أن موردها من لم يحرم (2) فلا يشمل من أحرم سابقا لغير حجة الإسلام، فالقول بالإجزاء مشكل، و الأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطيعا بل لا يخلو عن قوة، و على القول بالإجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد من أنه هل يجب تجديد النية لحجة الإسلام أو لا؟ و أنه هل يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا؟

و أنه هل يجري في حج التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا؟ إلى غير ذلك.

____________

(1) بل هو غريب لأن محل الكلام في الصبي الذي أحرم للحج ثم بلغ قبل الوقوف بالمشعر. و مورد النص و هو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك (صلّى اللّه عليه و آله) فقد تم احرامه- الحديث-» (1) هو البالغ المأمور بالحج، و لكن نسي الاحرام من مكة، فذكر و هو بعرفات، فالنص يدل على أنه يحرم من مكانه، فاذن كيف يمكن قياس المقام به.

(2) الظاهر أن موردها أعم من ذلك على أساس ان الروايات غير ناظرة‌

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب المواقيت الحديث: 8.

52

..........

____________

الى هذه الناحية و انما هي ناظرة إلى أن من أدرك المشعر الحرام فقد أدرك الحج سواء أ كان محرما بنية الحج و لكنه لم يدرك الّا الوقوف بالمشعر فحسب أم لا.

و إن شئت قلت: أن هذه الروايات انما هي في مقام بيان أن من لم يدرك من مناسك الحج الّا الوقوف بالمشعر صح حجه سواء أ كان ذلك من جهة تأخر القافلة و عدم وصولها في اليوم التاسع في عرفات لإدراك الوقوف فيها أم كان من جهة المرض أو حبس ظالم أو نحو ذلك، و لا نظر لها أصلا إلى أنه أحرم للحج أولا، بل بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى أنه أحرم للحج، فانه إن كان حج افراد أو قران فالأمر ظاهر باعتبار أن ميقاته أحد المواقيت المعهودة، و إن كان حج الإسلام فبما أنه كان في مكة فلا محالة احرم منها للحج و لكن لم يدرك عرفات لمانع من مرض أو نحوه، فاذن بطبيعة الحال يكون موردها المحرم، و على كلا التقديرين فلا يمكن التعدي عن موردها الى المقام لا من جهة ما قيل من أن الحج في المقام صحيح و تام و الكلام انما هو في أجزائه عن حجة الإسلام، و هذا خارج عن مورد تلك الروايات و غير مشمول لها فانها تنص على تنزيل الحج الناقص منزلة الحج التام، و الحكم بصحته في حال الاضطرار و عدم التمكن من ادراك التام، بل من جهة أخرى، فلنا دعويان:

الأولى: ان عدم التعدي ليس من الجهة الأولى.

الثانية: انه من الجهة الثانية.

اما الدعوى الأولى: فلأن الروايات التي تنص على صحة حج الصبي و مشروعيته و عمدتها موثقة اسحاق بن عمار لا تشمل المقام لاختصاصها بما إذا حج الصبي في حال صغره ثم بلغ، و أما في المقام فالمفروض أنه قد بلغ قبل الوقوف بالمشعر الحرام، فيكون حجه مركبا من العمل الصادر منه حال صغره و العمل الصادر منه بعد بلوغه. و هذا لا يكون مشمولا لها على أساس أن وقوفه بالمشعر الحرام خارج عنها موضوعا حيث انه وقف فيه و هو بالغ، و اما وقوفه بعرفات فهو و إن كان في حال صغره الّا أنه وحده لا يكون مشمولا لها باعتبار أن اجزاء الحج و واجباته واجبات ارتباطية فشمولها لجزء منها مرتبط بشمولها لجزء آخر منه، فعدم شمولها لجزء منها لمانع أو لعدم المقتضى قرينة على عدم‌

53

..........

____________

شمولها لكل واجباته.

فالنتيجة: ان تلك الروايات لا تدل على صحة حج الصبي و مشروعيته في مفروض المقام، و هو ما إذا بلغ قبل الوقوف بالمشعر لكي ننظر ان الاخبار الدالة على أن من أدرك المشعر الحرام فقد أدرك الحج هل تشمل حج الصبي في المقام و تدل على أجزائه عن حجة الإسلام أو لا؟ فان السالبة بانتفاء الموضوع.

و اما الدعوى الثانية: فهل يمكن التعدي عن مورد هذه الروايات الى المقام، باعتبار أنه ادرك المشعر الحرام و هو بالغ، و ما أتى به قبل ذلك من النسك و الاعمال فهو في حكم العدم أو لا؟ الظاهر عدم امكانه، و الوجه في ذلك: أن مورد تلك الروايات هو البالغ المكلف بالحج و لكنه لا يتمكن من ادراكه لسبب من الأسباب الّا الوقوف بالمشعر، و بما أن الحكم فيه يكون على خلاف القاعدة فلا يمكن التعدي منه الى المقام و هو ما إذا بلغ قبل المشعر الّا بقرينة تدل عليه و لا قرينة لا في نفس هذه الروايات و لا من الخارج، و لكن مع ذلك إذا بلغ الصبي قبل المشعر فالأحوط و الأجدر به أن يجدد الاحرام و يقف به و يواصل في اعماله الى أن يتم رجاء ثم يعيد في العام القادم إذا كان مستطيعا، و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) في المسألة.

ثم ان الروايات التي تنص على أن حج الصبي لا يجزى عن حجة الإسلام تكشف عن أن حج الصبي مستحب استحبابا عاما لا بهذا الاسم الخاص، فاذا حج تمتعا أو افرادا أو قرانا بنية القربة كفى، و لكن لا تنطبق حجة الإسلام عليه فانها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع البالغ و عنوان خاص و اسم مخصوص لها و لا تنطبق الّا عليها.

و إن شئت قلت: ان كل عبادة لها اسم خاص المميز لها شرعا كحج التمتع و حج الافراد أو القران و عمرة التمتع و العمرة المفردة و مثل ذلك الفرائض اليومية و نوافلها و صلاة الليل و صلاة الآيات و صلاة الجمعة و هكذا، و على هذا فمن أراد أن يصلى احدى الفرائض أو احدى الصلوات التي لها اسم خاص المميز لها شرعا، فعليه أن ينوي ذلك الاسم الخاص، و لا فرق في ذلك بين أن تكون تلك الصلاة فريدة و لم تكن لها شريكة في العدد كصلاة المغرب أو‌

54

[مسألة 8: إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات و كان مستطيعا]

[2989] مسألة 8: إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات و كان مستطيعا لا إشكال في أن حجه حجة الإسلام (1).

____________

تكون هناك صلاة أخرى مماثلة لها فيه كصلاة الظهر التي تماثلها تماما صلاة العصر و العشاء و صلاة الصبح التي تماثلها نافلة الصبح، فان هذا القصد واجب بنفسه على أساس ان الاسم المقصود عنوان مقوم لها سواء حصل الاشتباه بدون هذا القصد أو لا، و كذلك الحال من أراد أن يحج بأحد الحجج الذي له اسم خاص المميز له شرعا، فعليه أن يقصد اسمه الخاص و إن كان فريدا في نفسه و لم يكن له شريك في الكم أو الكيف كحج التمتع فانه فريد في نوعه و يمتاز عن حج الافراد و القران في الكم و الكيف، و الافراد يمتاز عن القران في الكيف، فان هذا القصد واجب بنفسه و إن لم يحصل الاشتباه كما مر، و أما حجة الإسلام فهي مباينة لحج الصبي من جهة أن قصد حجة الإسلام معتبر في صحتها اجمالا و انها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع البالغ الحر العاقل و من هنا يظهر الفرق بين حج الصبي و صلاته فان حجه مستحب عام و لا ينطبق على حجة الإسلام، و أما صلاته فهي مستحبة بأسمائها الخاصة كصلاة الصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء حيث ان ذلك هو الظاهر من قوله (عليه السلام): «مرو صبيانكم بالصلاة و الصيام ...» فلو صلى الصبي ركعتين بنية القربة بدون أن يقصد الاسم الخاص لها كصلاة الصبح أو نافلته لم تقع لشي‌ء منهما، و يترتب على هذا انه لو صلى صلاة الظهر في أول الوقت و بعد ذلك بلغ و الوقت باق لم تجب الاعادة لأن الصلاة الواجبة تنطبق على الصلاة المأتي بها من باب انطباق الطبيعي على فرده، و لا اختلاف بينهما الّا في الوجوب و الاستحباب و المفروض أن قصده غير معتبر.

(1) هذا ظاهر، و انما الكلام فيما إذا بلغ بعد أن يحرم من الميقات و حينئذ، فهل عليه أن يتم ندبا أو ينقلب الى حجة الإسلام، أو يكشف عن‌