حاشية المظفر على المكاسب - ج1

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
218 /
5

الجزء الأول

[مقدمة حول ترجمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و أعز الرسل سيدنا و نبينا محمّد و على آل بيته الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين.

تعد مدينة النجف الأشرف من أهم الحواضر العلمية الإسلامية العريقة، و التي ساهمت الى حد كبير في انتشار التعاليم الدينيّة عبر العصور، فكانت مأوى للعلماء في شتى ميادين العلوم الإسلامية و الأدبية.

و بمراجعة سريعة لتأريخ تلك المدينة، تكشف عن مدى الدور الطليعي و الحضاري الهام الذي لعبته في إغناء المعرفة لا سيّما الدينيّة منها بكنوز لا تثمّن.

فقبل أكثر من ألف عام نزح إليها شيخ الطائفة و عميد الإسلام- آنذاك- الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (1) (رضوان اللّٰه تعالى عليه) مع مجموعة من العلماء الجهابذة ليشكلوا حوزتها الدينيّة الأولى و يشيّدوا الحجر الأساس لصرح الجامعة العلمية الشيعيّة التي أخذت على عاتقها تخريج علماء اضطلعوا بمهمات دينيّة و علميّة في مختلف حقول المعرفة التي تخدم الإنسانيّة.

و قد نمت تلك الجامعة و أصبحت مقصدا لرواد العلم و الأدب، و عمرت بالمحافل العلميّة و الحلقات الدينيّة و الأدبيّة، و أخذت تعقد فيها الدراسات الدقيقة و المعمّقة حتى صارت منارا علميّا، بعد ان كانت مكانا مقدّسا تضم بقاعها الأجساد الشريفة و المطهرة لأنبياء اللّٰه و وليّه الأعظم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم أفضل التحيّة و أزكى التسليم، و لا ريب بأن وجود تلك البقعة‌

____________

(1) انظر د. عبد الهادي الفضلي: تاريخ التشريع الإسلامي ص 333، ط. مؤسسة دار الكتاب الإسلامي سنة 1993. م.

6

المقدّسة من أهل العوامل التي ساعدت في نجاح تلك الجامعة الدينيّة المعطاءة.

و قد برز فيها أقطاب العلم و التقوى الذين حازوا على جل الفضائل المعنويّة و أدّوا الخدمات الجليلة للانسانيّة و المذهب الحق في الإسلام، و لا يسعنا في هذه المقدّمة سرد أسماء أولئك، إذ لا تكاد تجد علما من أعلام الطائفة إلا و قد عايش النجف علميا و روحيا.

و لا زال العلماء تترا و منهم المحطات في تاريخ الحوزة الدينيّة، الذين كانت لهم الابداعات العلمية الفذة التي قفزت بالمستويات العقلية و الروحيّة الى علاها.

و كان من الطبيعي أن يرافق تلك الحركة العلميّة جهود عمليّة تكفل استمراريّة العطاء و الإبداع في مجال الفكر، و تتمحور تلك الجهود في النظر في المناهج و تحديثها بين آونة و أخرى.

ففي الحقبة الأخيرة ظهر في النجف حركات تجديديّة تدعو الى تحديث المناهج العلميّة المتّبعة في الدراسات الدينيّة لدى الحوزات بطريقة تتلاءم و الحال الحاضر المعاش، مع التشديد على أصالة و رسوخ الأفكار الإسلامية و تعاليم الأئمّة (عليهم السّلام)، فكانت الدعوة في تحديد أسلوب الدراسة و إصلاح المنهج فحسب دون المساس بجوهر العقيدة و التعاليم الإسلامية الحقّة التي وصلت إلينا عبر علمائنا الماضين.

و من جملة أولئك الذين كان لهم سعي واسع و كبير في هذا المضمار هو علم الأعلام المجتهد الأكبر المجدّد آية اللّٰه الشيخ محمد رضا المظفر.

و الأمر الذي نحن في صدده هو التقديم بين يدي كتابه هذا، مقتصرين في ذلك على نبذة مختصرة من حياته، و لسنا في مقام الترجمة الشاملة.

و نتمنّى لو تعقد الدراسات المستفيضة عن حياة أمثال شيخنا المترجم، تتناول- بالإضافة إلى سيرهم- مناهجهم العلميّة و طريقة عملهم، و التنقيب عن آثارهم الفكرية، و البحث فيها عن مادة لدراساتهم، و فائدة ذلك تعود للأجيال،

7

إذ أننا نضع بين أيديهم تجربة حيّة يستفيدون منها على جميع الصعد و المستويات.

و ما نقدمه هنا في سطور من ترجمة لحياة شيخنا المصنّف (رحمه اللّٰه) إنما هو ثمرة استفيدت من جهود السابقين شكر اللّٰه مساعيهم، و إن كان لنا ملاحظات على ما كتب عن حياته لا سيما من حيث عدم الشمول و الاستفاضة في بيان أعماله الفكريّة و منهجيّة البحث عنده، و من حيث التقصير في إبراز إصلاحاته- بشكل مدروس- التي كان لها وقع كبير في تطور المسار العلمي و تحديث المناهج في حوزاتنا العلميّة و جامعتنا الدينيّة (1).

و قد جرينا في هذه الترجمة على ما تعارف عند أهل التراجم من الحديث عن نسبه و ولادته، و نشأته العلميّة و مكانته، ثم نفصّل الحديث عن أعماله الإصلاحية، و نختم بوفاته.

نسبه:

هو أبو محمّد الشيخ محمّد رضا بن الشيخ محمّد بن الشيخ عبد اللّٰه الشهير بالمظفر (2)، و في الإعلام: «عبد اللّٰه بن أحمد» (3)، و ذكر الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي بأن الشيخ عبد اللّٰه هو بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ مظفر (4).

و آل المظفّر من الأسر العلميّة في النجف الأشرف، تمتدّ إلى أواسط القرن الثاني عشر الهجري، و قطن بعض رجالها (الجزائر) التابعة لمحافظة البصرة (5).

و قد نسب للشيخ مظفر جد الأسرة الأعلى أن أصوله النسبيّة تعود الى أهل‌

____________

(1)- و هي ملاحظات تصلح أن تكون على معظم تراجم علمائنا الإماميّة.

(2)- علي الخاقاني: شعراء الغري 8: 451 ط. قم سنة 1408 ه‍.

(3)- خير الدين الزركلي: الأعلام 6: 127 ط. بيروت سنة 1986 م، و كذا الشيخ جعفر آل محبوبة: ماضي النجف و حاضرها 3: 374 ط. بيروت سنة 1986 م.

(4)- لاحظ الشيخ محمد حسن المظفر: دلائل الصدق (تقديم آية اللّٰه الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي) 1: 10.

ط قم.

(5)- الشيخ محمد مهدي الآصفي: مقدمة عقائد الإماميّة للشيخ محمد رضا المظفر ص 2 ط. النجف.

8

العوالي من العرب المضرية من قبيلة آل علي، و هي معروفة تقطن الديار الحجازيّة في عوالي المدينة المنوّرة (1).

ولادته و تربيته:

ولد شيخنا المترجم في النجف الأشرف في «محلة البراق» (2)، و كانت ولادته بعد وفاة أبيه بخمسة أشهر، كما وجد ذلك مكتوبا بخطه: «ولدت في 5 شعبان من عام 1322 ه‍، و قد توفي والدي العلامة الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللّٰه المظفر في غرة ربيع الأول في هذه السنة، فكانت ولادتي بعده بخمسة أشهر، فلم أره و لم يرني و قد كفلني أخي الكبير المرحوم الشيخ عبد النبي (3) المتوفى 1337 ه‍، فكان لي كالأب الرؤوف، و بعده بقيت تحت ظل أخي و أستاذي العلامة الشيخ محمد حسن الى حين كتابة هذه الأحرف» (4).

نشأته العلميّة:

ترعرع في بيت العلم و الفضيلة- و كما تقدم- قد كفله أخواه الشيخ عبد النبي، و الشيخ محمد حسن، و قد كان الأخير أحد مراجع الدين في النجف الأشرف، و قد «رباه تربية دينية و غذاه من نبوغه و فضله» (5)، و كان لذلك الأثر البالغ في نموه العلمي و ارتقائه المبكر.

و قد حدثنا المترجم له عن مسيرته العلمية بإجمال، حيث قال:

«ابتدأت في دراسة علم النحو حوالي سنة 1335 ه‍، فقرأت الأجروميّة‌

____________

(1)- راجع مقدّمة دلائل الصدق ص 13.

(2)- انظر جعفر الخليلي: هكذا عرفتهم 2: 13 منشورات الشريف الرضي، قم.

(3)- و هو أخوه من أبيه، و كانت له و جاهة بين الناس و مكانة مرموقة، هكذا عرفتهم 2: 13.

(4)- شعراء الغري 8: 451.

(5)- ماضي النجف و حاضرها 3: 374.

9

على الطريقة المألوفة بين الناس [يقصد في الحوزة]، و لعدم رغبتي في الدرس في ذلك الحين كنت لم أحفظها حفظا كالعادة، و هكذا بقيت على التهاون في الاشتغال في قراءتي لباقي كتب النحو، و لما انتقلت إلى المنطق فتحت عيني للدرس، فكثر جدي في التحصيل و تداركت ما فات مني في علم النحو، و لكن مع ذلك كان شغلي على غير تحقيق و تدقيق، حتى حضرت المطوّل على الأستاذ الشيخ محمد طه الحويزي و جملة من علم الأصول، فاستفدت منه فائدة كلية، و تعلمت منه كيف يتوصل الى التنقيب عن المسائل العلمية بما كان يتوسع به في بسط المسائل و تحقيقها.

و في خلال ذلك تتلمذت عليه في الشعر، فكان له عليّ المنة الكبرى في تعلم النظم حتى اشتدّ ساعدي في ذلك كله.

ثم بعد ذلك حضرت علم الأصول و الفقه على أخي الشيخ محمد حسن، و لم أزل في خدمته حتى الآن، و في أثناء حضوري عنده أدامه اللّٰه تعالى حضرت على جملة من الأساتذة الكبار في الأصول، كالشيخ آقا ضياء [الدين] العراقي، و الشيخ محمد حسين الأصفهاني، و الأخير إلى الآن أحضر في بحثه.

و في خلال شغلي في العلوم الدينيّة تعلمت جملة من العلوم كالعروض و الحساب و الهندسة و الجبر، و شيئا من الهيئة.

و قد ألّفت كتابا في علم العروض سنة 1343 ه‍ على الأسلوب الحديث و لكن بقي ناقصا، و إلى الآن لم أوفق إلى إتمامه، ولي كتابات في كثير من العلوم لم تزل مبعثرة (1)، و أكثرها في الأصول» (2).

و ذكر الشيخ الطهراني (رحمه اللّٰه) أن المترجم له قد حضر في الفقه و الأصول على الميرزا محمد حسين النائيني، و حضر على الشيخ الأصفهاني في الفلسفة عدة‌

____________

(1)- و قد عثرت على جملة منها في ضمن أوراق و دفاتر كما وصفها (رحمه اللّٰه)، و ستأتي الإشارة الى ذلك عند التعرض لأعماله و مؤلفاته في هذه المقدّمة.

(2)- شعراء الغري 8: 451- 452. (مصدر متقدم).

10

سنين (1)، فضلا عن حضوره عليه في الفقه و الأصول.

مكانته العلميّة و الدينيّة:

كان (رضوان اللّٰه تعالى عليه) يتوسم فيه النبوغ منذ حداثة سنه (2)، و تهيأت له ظروف ملائمة ساعدت على نموه السريع، فقد تربى في بيت العلم و الفضيلة على يد أخويه، و دراسته على جهابذة عصره من العلماء أمثال الآقا ضياء الدين العراقي و الميرزا النائيني و الشيخ محمد حسين الأصفهاني الذين رسموا مناهج الأبحاث العالية في الفقه و الأصول، و كانوا يمثلون آنذاك أبرز المدارس الأصولية، بل انحصرت المدارس فيهم في تلك الحقبة العلمية التي عايشها شيخنا المؤلف، و كان لكل واحد منهم أتباع، و لا زالت آراؤهم العلمية إلى عصرنا هذا مهيمنة على جامعاتنا الدينيّة، و هي المادة الأساس للأبحاث العالية في وقتنا الحالي.

و كان مجازا في الاجتهاد من أخيه الشيخ محمد حسن (3)، و من أستاذه الشيخ محمد حسين الأصفهاني، و من الميرزا عبد الهادي الشيرازي (4)، لهذا عدّه البعض بأنه «فقيه إمامي» (5) و هذا لقب ذو أبعاد معنويّة يفهمها أهلها.

و بالإضافة إلى ذلك كله كان مميزا بإقباله على مطالعة الكتب الحديثة (6).

و كانت له مكانة مرموقة يشهدها القاصي و الداني، و هذا ليس غريبا على من عايش تلك الظروف التي أكسبته الثقة في الحوزة الدينيّة حتى صار من أعلامها يسعى اليه الفضلاء للاستفادة من معينة، فكان استاذا ناجحا ذائع الصيت‌

____________

(1)- الآقا بزرگ الطهراني: طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر) 2: 772 ط. قم سنة 1404 ه‍ و الشيخ محمد حرز الدين: معارف الرجال، التعليقية 2: ص 247 ط. قم سنة 1405 ه‍.

(2)- انظر معارف الرجال 2: 247، و شعراء الغري 8: 453، و هكذا عرفتهم 2: 17.

(3)- هكذا عرفتهم 2: 23 (مصدر مذكور).

(4)- معارف الرجال، (التعليقة) 2: 247.

(5)- الأعلام 6: 127 (مرجع مذكور).

(6)- انظر هكذا عرفتهم 2: 18.

11

حتى تخرّج على يديه الكثير من العلماء (1).

و كان من أئمة الجماعة في النجف الأشرف، و صلى خلفه كثير من أهل العلم و الايمان (2)، فقد شغل مكان أخويه الشيخ محمد حسن و الشيخ محمد حسين في الصلاة بالناس و التصدّي للمراجعات الدينيّة (3).

أعماله الاصلاحيّة

. إنّ شيخنا المترجم كان له دور فعال و إيجابي، بل و مثمر على صعيدي الفكر و الإصلاح العلمي، فهو «ممن ساهم في الحركة الفكرية في النجف، و اشتغل في كثير من المسائل الدينية العامة» (4)، و يعد من الأوائل الذين التفتوا إلى «وجوب إيجاد حركة جديدة في طريقة البحث و الاستقراء. و المبادرة الى إحياء المؤلفات الخطيّة و نشرها، و التعليق عليها بقالب يتمشى مع هذا العصر» (5).

و قد أسس لهذا الغرض جمعية منتدى النشر عام 1354 ه‍ (6). و هي إحدى ثمراته التي لا يسناها له تأريخ النجف العلمي (7).

و كان من مهمات تلك الجمعية القيام بإصلاح المناهج الدارسيّة في الحوزة- و خصوصا مرحلة السطوح- و تنظيم الدارسة تنظيما يوفر على الطالب كثيرا من الوقت و الجهد، مع الحفاظ على المستوي العلمي المطلوب، بالإضافة إلى العمل على تبسيط الكتب الدراسية و جعلها خالية من الغموض و التعقيد قدر المستطاع‌

____________

(1)- المصدر عينه: 19.

(2)- انظر ماضي النجف و حاضرها 3: 374.

(3)- هكذا عرفتهم 2: 23.

(4)- نقباء البشر 2: 772.

(5)- هكذا عرفتهم 2: 21.

(6)- راجع نقباء البشر 2: 772، و معارف الرجال التعليقة 2: 247 و غيرهما، (لكن في مقدمة عقائد الإماميّة ص 10: ان التأسيس عام 1353 ه‍).

(7)- شعراء الغري 8: 453.

12

مما يسهل مهمة الطالب و يتيح له تقدما سريعا.

و كانت هذه المؤسسة ترصد واقع النجف، و تجهد للقيام بعمل جذري في سبيل الإصلاح (1).

و أما التجربة الأولى في هذا الصدد، فكانت بتأسيس مدرسة عالية للعلوم الدينية أو كلية للاجتهاد، و ذلك في سنة 1355 ه‍، فافتتح الصف الأول الذي كان يدرّس فيه أربعة علوم: الفقه الاستدلالي و التفسير و علم الأصول و الفلسفة على شكل محاضرات توضع بلغة سهلة واضحة، فتبرع بتدريس الأول و الثاني الشيخ عبد الحسين الحلي، و تبرع بتدريس الثالث و الرابع الشيخ عبد الحسين الرشتي، و من الجدير بالذكر و التنويه أن تبرّع هذين العلمين بالتدريس دراسة منظمة من أهم الأحداث في تاريخ النجف الأشرف (2).

و قد توجه شيخنا المترجم (رضوان اللّٰه تعالى عليه) بكل قواه في إنجاح هذا المشروع الذي كان الغرض منه- كما تقدم- تنظيم الدراسة الدينيّة و تنسيقها بالإضافة إلى وضع المناهج، «و لقيت هذه الفكرة عند السيد أبي الحسن الأصفهاني- المرجع الديني الكبير آنذاك- تأييدا، بحيث أفتى [بجواز] إنفاق الوجوه الشرعية على هذه المدرسة» (3).

و من أهداف الجمعيّة أيضا القيام بطبع الكتب التراثيّة بعد تحقيقها (4)، يقول الخاقاني في هذا المجال: إنه (رحمه اللّٰه) أسس «مجمعا ثقافيا يتحف المكتبة العربية [و الإسلامية] بين حين و آخر بالآثار المحترمة» (5).

و بالفعل فقد أصدرت العديد من الكتب، ككتاب تذكرة الفقهاء للعلامة‌

____________

(1)- راجع منشور: كلية الفقه في النجف الأشرف ص 6، و هو من منشورات منتدى النشر سنة 1360 ه‍.

(2)- نقلا عن مقدمة عقائد الإمامية ص 10.

(3)- هكذا عرفتهم 2: 23.

(4)- انظر المصدر المتقدّم ص 21.

(5)- شعراء الغري 8: 454.

13

الحلي، و كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل للشريف الرضي (قدّس سرّه).

و من نتاج الجمعيّة أيضا إصدار بعض المنشورات الفكرية للتوعية، و لتكون بمثابة صوت لعلماء النجف و حوزتها الدينيّة، كمجلة البذرة و مجلة النجف التي كانت تعنى بقضايا الفكر و العقيدة.

و كانت تعنى الجمعيّة أيضا بتثقيف طلاب العلوم الدينيّة و تعليمهم أساليب الخطابة و الأدب (1)، و من نوابغها في هذا الحقل من «انتهت إليهم زعامة المنابر [الحسينيّة] كالخطيب الشيخ أحمد الوائلي و السيد جواد شبر و السيد عبد الحسين الحجار و الشيخ محمد جواد قسام و الشيخ مسلم الجابري» (2)، فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر.

تأسيس كليّة الفقه

(3). في عام 1376 ه‍ تأسست كليّة الفقه، فكانت زبدة المخض و من الانجازات المهمّة لجمعيّة منتدى النشر، و اعترفت بها وزارة المعارف سنة 1377 ه‍.

و كان شيخنا المترجم عميدها، و قد ضمنها منهجا دراسيا حديثا، يشتمل على الدراسات الدينيّة و علوم أخرى، كالتاريخ و الاجتماع و علم النفس و الفلسفة الإسلامية و الحديثة و الأدب، بالإضافة إلى تدريس اللغة الأجنبيّة.

و مدة الدراسة فيها أربع سنوات، و كان لا يدرّس فيها إلا حاملو إجازات‌

____________

(1)- المصدر عينه.

(2)- هكذا عرفتهم 2: 25.

(3)- لقد قامت في النجف الأشرف عدة محاولات اصلاحيّة لتنظيم الدراسة الحوزويّة المعروفة بالحلقات، يراجع في هذا الصدد المصادر التالية:

1- الحوزة العلميّة في النجف: علي البهادلي. ط. بيروت دار الزهراء سنة 1993 م.

2- و كتاب (من التنظيم الدراسي في النجف الأشرف و الحواضر العلميّة) و هو لا يزال تحت الطبع، اعداد محسن محمد محسن في بيروت. و هذه الدراسة عن مدرسة الجزائري من كل الجوانب بتوسع (تاريخ التأسيس و المنهج و النشاطات).

14

الاجتهاد أو التدريس من مراجع التقليد، أو الشهادات الجامعيّة من جامعة معترف بها (1).

و الهدف من هذه الكليّة تأهيل طلابها لحضور الدروس العالية التي يلقيها أساتذة النجف الكبار و مراجع التقليد فيها، و إعداد الطلاب ليكونوا مرشدين دينيّين يحملون ثقافة عامّة و خاصّة مماشاة لما يقتضيه واقع هذا العصر، ليقوم رجل الدين المعاصر بأداء مهمته الرسالية على خير وجه في كل المجتمعات (2)، و فتح آفاق جديدة أمام علماء الدين في عالم التبليغ، كالدخول إلى الجامعات العصرية و ما شاكلها، و بالفعل فقد أكمل بعض المنتسبين إليها الدراسات الجامعيّة و الدينيّة فنال بعضهم درجة الاجتهاد من مراجع النجف، و حاز بعض آخر على إجازة الدكتوراه في العلوم الإسلامية في بغداد و القاهرة.

و قد سعى الشيخ المظفر (رحمه اللّٰه) لتحصيل الاعتراف بالكلية في بعض الجامعات العربية كجامعة القاهرة، فوفق لذلك على ما نقله لي والدي العلامة الحجة الشيخ محمود الكوثراني دام ظله (3).

مواقفه السياسيّة:

كان (رحمه اللّٰه) أحد أعضاء جماعة العلماء في النجف التي تشكلت لتوجيه المجتمع الإسلامي، و الشعب العراقي بصورة خاصّة، و محاربة الشيوعيّة و المبادي الالحاديّة و السلطات الجائرة (4).

و له مواقف سياسيّة أخرى هامّة، منها معارضته لدفن رضا شاة في النجف‌

____________

(1)- انظر: كلية الفقه في النجف الأشرف، و هو منشور وضعه بعض المدرسين و أقرّه مجلس الكلية، طبع سنة 1380 ه‍، في مطبعة النجف، و انظر: علي البهادلي: الحوزة العلميّة في النجف ص 366 ط. بيروت دار الزهراء سنة 1993.

(2)- لا حظ المنشور المتقدم.

(3)- و كان قد لازم الشيخ محمد رضا المظفر كثيرا مدة إقامته في النجف الأشرف و قد بلغت خمسة عشر عاما.

(4)- معارف الرجال، التعليقة 2: 247، و انظر نقباء البشر 2: 772.

15

حين أزمعت الحكومة الايرانية على نقل جثمان الشاه من منفاه و دفنه في النجف، و لكن عدلت الحكومة الايرانية آنذاك عن ذلك و قررت دفنه بطهران (1).

ولاؤه لأهل البيت (عليهم السّلام) و الحس المذهبي عنده:

كان قمة في الولاء لآل بيت الرسول و أشياعهم، و كيف لا و هم أهل الحق، و هم الطريق الواضح اللاحب في معرفة شريعة سيد المرسلين و تعاليم السماء.

و هذه ميزة كان يتمتع بها هو و إخوته الأعلام، و كان ولاؤهم عن برهان و دليل قاطع، و قد بان ذلك في كتاباتهم في هذا المجال التي تصدرت مثيلاتها في عصرنا الحاضر.

نظرته الى الشعائر الدينيّة:

كان الشيخ المظفر (رحمه اللّٰه) يرى بأنه لا منافرة بين الفكر التجديدي و الاصلاحي، و بين كثير من الموروثات الدينيّة التي ثبت رجحانها الشرعي و عدم مناقضتها لتعاليم الشريعة السمحاء، فنجد بالرغم من كل دعواته الاصلاحيّة في مجال تحديث المناهج، و تطوير عمليّة التفكير، و إيجاد السبل الناجحة و الكفيلة بأعداد مجتمع رسالي هادف- نجد- تمسكه بالشعائر الدينيّة و تأييدها، و بالأخص الحسينيّة منها كالضرب بالسيوف و السلاسل و اللطم على الصدور في ذكري عاشوراء (2)، باعتبارها- بعد عدم منع شرعي عنها، و إباحتها ذاتا- لم تستلزم محذورا اجتماعيا ذلك العهد، بل كانت أدوات فعالة في إثارة الحماس المذهبي في النفوس، و تثبيت روح الولاء للأئمة الأطهار عليهم أفضل التحيّات و التسليم.

____________

(1)- هكذا عرفتهم 2: 29.

(2)- راجع هكذا عرفتهم 2: 20- 21.

16

أعماله الفكريّة:

و أما نتاجه الفكري و عطاؤه العلمي فيعد من النفائس، فله مؤلفات عديدة أصبحت معتمدا في الحوزات العلميّة و المحافل و الثقافية حتى ان بعض كتبه تعد الآن من الضروريات لطالب العلم، إذ لا يمكن الاستغناء عن دراستها لمتابعة مسيرته العلميّة في الحوزة، ككتابي المنطق و أصول الفقه.

و بالرغم من أن حياة شيخنا المظفر كانت قصيرة، قضاها عملا و جهادا في سبيل إعلاء كلمة المذهب الحق، و المصلحة العامّة، فإنه قد أغنى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته القيّمة في ميادين شتى و علوم مختلفة، و هي:

1- كتاب في المنطق يقع في ثلاثة أجزاء، و هو مطبوع، و يعد الآن من كتب المقدمات التي تدرس في الحوزات العمليّة في حاضرات البلدان الإسلامية و العواصم الشيعيّة كالنجف الأشرف و قم المشرفة و خراسان و في بلاد الشام لا سيما جبل عامل.

2- كتاب في أصول الفقه، و هو عبارة عن محاضرات ألقى جملة منها في كلية الفقه، و هو متداول الآن في الحوزات يقع في أربعة أجزاء، و يعد هذا الكتاب بمثابة الحلقة المفقودة في علم الأصول بين كتابي المعالم و كفاية الأصول، و قد أكسب هذا الكتاب مؤلفه شهرة عظيمة لما ناله من إعجاب و إقبال منقطع النظير في الأوساط العلمية الدينيّة، فهو يجمع بين سلاسة العبارة و دقة البحث و عمق الفكرة، مع انتقاء الآراء الحديثة التي وصل إليها هذا الفن بعد عرض توضيحي لآراء الأصوليين المتقدّمين.

3- كتاب السقيفة: و هو سفر قيّم مطبوع، تعرّض فيه لجذور الخلاف في مسألة الخلافة الإسلامية.

4- على هامش السقيفة: و هو كراس يتضمن أجوبة مسائل و إشكالات أثارها البحاثة الأستاذ عبد اللّٰه الملاح حول موضوع السقيفة، و قد طبع في سنة‌

17

1400 ه‍ منضما إلى كتاب السقيفة بتقديم الدكتور محمود المظفر.

5- عقائد الإماميّة: و فيه بيان لأصول الدين و عقيدة الشيعة في كثير من المسائل الكلاميّة المهمة، و هو من الكتب التي تدرس في الحوزة كبداية في علم الكلام.

6- دروس في الفلسفة الإسلامية: و قد وزعها المؤلف (رحمه اللّٰه) على طلاب كلية الفقه على شكل كرّاسات، و طبعت مؤخرا بعنوان «الفلسفة الإسلامية».

7- أحلام اليقظة: و هو دراسة حول فلسفة صدر المتألهين المشهور بملا صدرا الشيرازي، و طبع في مقدمة الأسفار.

8- أضغاث أحلام: و هو عبارة عن كراس صغير يضم أربعة أحلام يظهر فيها المعاناة من جراء الأوضاع السائدة، و فيها نقد رمزي لبعض الزعامات و لا يزال مخطوط و قد رأيته في جملة كتابات الشيخ (رحمه اللّٰه) و أوراقه التي حصلت بحوزة والدي العلامة حفظه اللّٰه.

9- ابن سينا: ترجمته و دراسة لفلسفته. (1).

10- ترجمة الشاعر البغدادي الأزري مطبوعة في مقدمة الازرية، و هي القصيدة الهائية المعروفة التي مطلعها:

لمن الشمس في قباب قباها * * *شفّ جسم الهدى بروح ضياها

11- حاشية على البيع و على الخيارات من كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري رحمه (قدّس سرّه)، و هو كتابنا هذا.

12- و له مقالات فكرية و أدبيّة نشرت في بعض المجلات كالعرفان و الدليل و النجف و البذرة و غيرها.

____________

(1)- راجع في كل ذلك: نقباء البشر 2: 772، و ماضي النجف و حاضرها 2: 374، و الأعلام للزركلي 6:

127 و معارف الرجال 2: 247.

18

شعره:

كان شيخنا المترجم من شعراء النجف و أدبائها المرموقين، و له شعر جيد و كثير، و عد من المساهمين في ثروة النجف الأدبيّة، فقد «دخل ميادين النظم و هو مبكر، و أجاد في قرض الشعر و هو يافع، و عرفته الأندية الأدبية شاعرا له وزنه بين أخدانه قبل أكثر من ربع قرن، و قد نظم أكثر من ألفي بيت. و شعره متين في أكثره، و رصين في معظمه. و قد نزع في قسم منه الى تصوير بعض الخواطر الفلسفية و النفسية، كما نال استحسان الأدباء. و له نظم في كثير من أبواب الشعر و منه الموشحات فأجاد في أكثره» (1).

و ذكرت إشعاره في عدة كتب و مجلات، و في شعراء الغري نقل كثيرا من إشعاره، و له شعر ولائي في مديح أهل البيت (عليهم السّلام) ورثائهم.

وفاته و مدفنه:

ستّون عاما قضاها شيخنا المظفر (قدّس سرّه) في هذه الدنيا، و قد أنتجت ثمارها جهادا و عطاء في سبيل علوم آل محمد (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين)، فكان (رحمه اللّٰه) حركة دائمة (2) و معينا لا ينضب إلى أن وافته المنيّة و جاءه الأجل في النجف الأشرف «في ليلة 16 رمضان من سنة 1383 ه‍» (3).

و قد كان يوم وفاته مشهدا عظيما، و شيّع بتشييع حافل بالعلماء و الوجوه‌

____________

(1)- شعراء الغري 8: 461 (مصدر متقدم).

(2)- و تأكيدا لذلك فقد حدثني والدي العلامة حفظه اللّٰه انه في مساء ليلة وفاة شيخه المظفر (و كان ذلك في الساعة العاشرة ليلا) أن المرحوم قد طلب من والدي أحد مجلدات أعيان الشيعة الذي يتضمّن ترجمة العلامة الحلي، فأراد والدي أن يقوم بنفسه بنقل الترجمة و تجهيزها بين يدي شيخه المظفر (رحمه اللّٰه)، إلا أن الشيخ أحب أن يكتبها بنفسه، و قبل إحضار الكتاب و بعد مفارقته إياه بنصف ساعة وافته المنيّة، و كان بيت الوالد قريبا، و هذا إن دل علي شي‌ء، فإنّما يدل على شدّة اهتمام الشيخ (رحمه اللّٰه) باستغلال وقته و عدم إضاعة أي فرصة للعطاء حتى في حال مرضه.

(3)- معارف الرجال، التعليقة 2: 247، و في الإعلام 6: 127 جاء أنه توفي سنة 1384 ه‍.

19

الذين حضروا من النجف و خارجها لتوديع الشيخ (رضوان اللّٰه تعالى عليه) إلى مثواه، حيث دفن مع أخيه الحجّة الشيخ محمد حسن بمقبرتهم الخاصّة (1).

و قد أقيمت على روحه مجالس فاتحة في معظم محافظات العراق آنذاك من قبل الجاليات العلميّة و عامة الشعب، و قد أحصي ستة عشر مجلسا في آن واحد في مختلف مناطق العراق، بحيث توزّع طلابه و خواصه على تلك المجالس (2).

حول الكتاب:

1- حاشية الخيارات: و هي عبارة عن دفتر من القطع الكبير، قد ذكر اسمه على أول صفحة منه ثم ثبت المحتويات ثم الحاشية.

و قد عثرت عليها من جملة من أوراق و دفاتر مخطوطة في مكتبة والدي العلامة حفظه اللّٰه، و قد وصلت إليه عبر أولاد الشيخ المؤلف (رحمه اللّٰه)، و أوكلوا إليه النظر فيها لنشر ما لم ينشره المرحوم الشيخ، و كان ذلك من أبناء الشيخ لما وجدوه من شدة ملازمة والدي العلامة للمرحوم و اطلاعه على كثير من خصوصيّاته و كثرة عناية الشيخ (قدّس سرّه) بوالدي، حتى أنه (رحمه اللّٰه) قد أوكل الى والدي تدريس أحد أبنائه عساه يصبح من أهل العلم (3).

2- حاشية البيع: و هي مجموعة أوراق غير منسقة تشكل حاشية على قسم وافر من البيع من كتاب الشيخ الأنصاري، (قدّس سرّه)، و كأن بعضها مسودات لكثرة ما فيها من ضرب القلم و حذف، و من الملاحظ أنها لم تعد من جملة تأليفاته و آثاره في كتب التراجم التي تعرضت لشرح أحواله، و لكن هناك قرائن و مؤيدات تشير إلى صحة نسبتها إليه:

و هي ان الشيخ (رحمه اللّٰه) قد أشار إليه صراحة في أول حاشية الخيارات،

____________

(1)- معارف الرجال، التعليقة 2: 247.

(2)- سمعته شفاها من والدي العلامة دام ظله.

(3)- ولده المذكور المسمى ب‍ «ضياء».

20

عند ما كان يفرق بين المصدر و اسم المصدر، و هذه عبارته هناك قال: «كما أوضحنا ذلك في أول البيع فراجع» (1)، و بالفعل فقد ذكر مفصلا الفرق بين المصدر و اسم المصدر في تلك الأوراق (2)، و كذا أحال في الخيارات على المعاطاة حيث قال: «قد تقدم منا في المعاطاة و غيرها».

فضلا عن كونها بخطه و في ضمن أوراقه، بالإضافة إلى اتحاد الأسلوب (3).

و آثرنا نشر هذه الأوراق بعنوان «حاشية على البيع بالرغم من عدم ترتيبها من قبل المصنف، و كون بعضها كالمسودات، حفاظا عليها، لتدخل في جملة آثاره الخالدة.

عملنا في الكتاب:

كانت كتابة الشيخ المؤلف (رحمه اللّٰه) للحاشية على النمط القديم للكتابة من حيث عدم توزيع النص إلى فقرات ثم الى جمل، لذا قمنا بتقطيعها بالأسلوب الحديث، و كل تصرف من تصحيح أو إضافة أشرنا إليه في الهامش، أو حصرناه بمعقوفتين، إلّا ما وقع من التصرف في رسم بعض الكلمات حيث كتبناها على الرسم.

المتعارف عليه الآن.

ثم أوردنا مصادر النصوص من الآيات و الروايات في الهامش، ليسهل تناول الكتاب و تعم الفائدة، و اللّٰه الهادي إلى سواء القصد.

و لنقطع الكلام حامدين مصلّين مستغفرين.

جعفر كوثراني.

في بيروت جمادى الاولى من سنة 1415 ه‍.

____________

(1)- انظر حاشية الخيارات.

(2)- راجع حاشية البيع.

(3)- و لا يخفى ان القسم الأخير من حاشية البيع- الذي يبدأ من شرائط العوضين- قد كتب في سنة 1361 ه‍، و هو متأخر عن كتابة حاشية الخيارات المؤرّخة في سنة 1352 ه‍.

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

القسم الأوّل: حاشية البيع

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

كتاب البيع

في تعاريف البيع

قوله: (قدّس سرّه): البيع و هو في الأصل- كما عن المصباح (1): مبادلة مال بمال. إلى آخره.

ليس هذه التعاريف التي تذكر في مثل المقام الا تعاريف لفظية، تقريبا للمفهوم الموضوع له اللفظ.

و الأقرب في تعريف البيع هو المذكور في المتن و إن عرّف ب‍ «تمليك مال بعوض»، و لكنه مبني على أن البيع هو عبارة عن إنشاء التمليك و جعله، كما يظهر من كلام الشيخ المصنف (قدّس سرّه) اختيار ذلك.

و لكن الحق عدمه، و ذلك لأن الملكية على ثلاثة أنحاء:

الأولى: ملكية حقيقية، عبارة عن وجدان الشي‌ء بأتم وجدان، و هي ملكية الملكوت مالك السموات و الأرض لمخلوقاته، و هذا أعلى درجات الملكية‌

____________

(1) أحمد بن محمد بن علي الفيومي: المصباح المنير 1: 87 (بيع) ط. مصر سنة 1929 م.

30

و الوجدان للشي‌ء الذي ليس فوقه وجدان.

و الثانية: الملكية للمخلوقين التي هي عبارة عن الإحاطة بالشي‌ء خارجا و الاحتواء عليها، كاحتوائنا على ما في قبضة أيدينا خارجا و لباسنا، و غير ذلك، الذي يعد فيه تلك الإحاطة و الاحتواء الخارجيين من مقولة الجدة.

و الثالثة: الملكية الاعتبارية التابعة لاعتبار المعتبر، التي ليس لها حظ من الوجود إلا في عالم الاعتبار، و هي عبارة عن اعتبار الإضافة بين المال و المالك، فيكون مفهومها مفهوما إضافيا.

و المراد من الملكية في المقام هو المعنى الثالث لها بلا ريب، و حيث كان الأمر كذلك فليس معنى البيع هو: إنشاء التمليك و إعطاء المشتري السلطنة على المال.

و بعبارة أخرى: ليس هو عبارة عن نقل الإضافة بين المالك و المملوك إلى المشتري، و الا لزم أن يكون للسلطنة سلطنة، و للتمليك تمليك عليه، فإنه، مضافا الى أن السلطنة عليها و إلا لتسلسل، إنه لا يعقل اعتبار الاعتبار، لأن الاعتبار ليس بالاعتبار، بل بالحقيقة، و التمليك اعتبار للملكية، فكيف يعقل جعله و إنشاؤه؟! فليس البيع في الحقيقة إلّا نفس المبادلة و نقل طرف الإضافة إلى طرف الآخر، بنقل طرف الإضافة الأخرى إلى طرف الإضافة الأولى، بلا أن يكون نقل لنفس (1) الإضافتين، فلا يقع البيع و المبادلة إلا على نفس المالين، لا على السلطنة و الملكية.

و أما الإعراض عن المال، فليس للسلطنة على ترك السلطنة، بل لقطع طرف الإضافة و إهمالها، و يتبع ذلك ذهاب سلطنته الفعلية عن المال، و كذلك الكلام في الهبة المعوضة، فإنه ليس معناها مبادلة سلطنة بسلطنة، بل نقل طرف‌

____________

(1) في الأصل: للنفس.

31

الإضافة إلى طرف آخر، كالهبة الغير المعوضة، لكن على أن ينقل طرف الإضافة الأخرى للموهوب إلى الواهب، على أن يكون ذلك نقلا لطرف الإضافة الأخرى بلا بدلية و معاوضة على السلطنة، غاية الأمر تقع السلطنة قهرا من الثاني بدلا عن السلطنة التي حصلت له بسبب الهبة من الأول.

قوله (قدّس سرّه): و الظاهر اختصاص المعوّض. إلى آخره.

ليس المراد ظهوره من التعريف، بل من استعمالاتهم في البيع، و لا يبعد هذا الظهور و انصراف المبيع الى العين، فلهذا يقع الإشكال في كثير من إطلاقهم البيع على نقل المنفعة، و لا بدّ من حملها على المجاز و التسامح، و لذا لو قال: «بعتك منفعة الدار»، لا يكون إلا كناية عن اجارة الدار، حيث إن لازم اجارة الدار تمليك المنفعة، فيكون استعمال اللفظ المركب- و هو بيع المنفعة في إجارة الدار- من قبيل استعمال اللفظ في ملزومه، فإن صححنا وقوع العقد باللفظ المجازي يكون هذه إجارة صحيحة، و إلا ففاسدة على ما سيأتي الكلام فيه.

ثم ان هنا مسألة لم يتعرض لها المصنف (قدّس سرّه)، و هي أن العين هل تشمل الكلي في الذمة كبيع منّ من حنطة في ذمته، بعد فرض شمولها للعين الشخصية، و الكلي من معين خارجي كمنّ من صبرة، و الكلي المشاع؟

فيه إشكال، و يرجع الاشكال من وجهين:

الأول: إنه لا بد من أن يكون المبيع معدودا من المال للبائع قبل البيع، و هذا الكلي الفرضي لا يعد من ماله، و لذا لا يرتفع به التفليس، و لا تلزم به الاستطاعة للحج، و لا يثبت الغنى به، و الموجب لعدم استحقاق الزكاة، الى غير ذلك من آثار المال المملوك لشخص، نعم إنما يكون مالا بعد البيع.

و الثاني: ان البيع لا يكون إلا بملك، و المفروض أن البائع غير مالك لهذا الكلي، كما أن العتق لا يكون إلا بملك، و لهذا استشكل في ما لو طلب من آخر أن‌

32

يعتق عبده عنه و أعتقه (1) عبده عن السائل، كيف يعقل أن يعتق عنه مع أنه لم يملكه أبدا؟! حتى التزم بعضهم ان الملك يحصل عقيب الإعتاق و قبل العتق.

و لكن يمكن الجواب عنهما:

أما عن الأول، فبأنه يكفي أن يكون مالا في حد نفسه و إن لم يكن بما هو منتسب إلى البائع، و من الواضح أن منّ الحنطة في حد ذاته مال يصح أن يقابل بالمال، أي أنه مال بالحمل الشائع مما يباع و يشترى (2)، و هذا كاف في صحة بيعه.

و اما عن الثاني فإنه لا وجه لاعتبار الملكية له قبل العقد، بل يكفي حين العقد و إن لم يكن ملكا قبل العقد، و ليس فيه بعد بعد أن كان البيع أمرا اعتباريا، فليكن موضوعه كذلك.

و الحاصل أنه بعد ما ثبت صحة البيع في المقام و جواز بيع ما في الذمة- كبيع السلم- فلا يكون ذلك إلا تعليلا بعد الورود، فإن أمكن توجيهه و تطبيقه على القواعد فذاك- و لا يبعد توجيهه بما ذكرنا- و إلا فكاف في صحته الدليل القائم عليه، و كما كان وجهه فليكن، إذ لا ثمرة عملية فيه بعد الاتفاق على جواز استيجاز الحر و جعل عمله ثمنا البيع.

و لهذا قال صاحب الشرائع (قدّس سرّه) في مسألة من قال: «أعتق عبدك عني»:

و الوجه الاقتصار على الثمرة، و هو صحة العقد (3) و براءة ذمة الآمر، و ما عداه تخمين (4).

و استحسنه الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في المسالك (5).

____________

(1) في الأصل: و اعتقد.

(2) في الأصل: و يشري.

(3) في الشرائع: «العتق» بدل «العقد».

(4) المحقق الحلي: شرائع الإسلام 3: 55، ط. قم (إسماعيليان) سنة 1408 ه‍.

(5) الشهيد الثاني: مسالك الافهام 2: 75 ط. قم (دار الهدى) دون تاريخ.

33

و كذلك الكلام في مسألة عمل الحر كما سيأتي من المصنف- إشكالا و جوابا- و ان كان عمل الحر ليس بمملوك لأحد قبل الاستيجار حتى لنفسه، و لذا لا يضمن الظالم في حبسه عمله، إذ ليس فيه تفويت المال على أحد، بخلاف عمل العبد، لأنه مملوك لمالك العبد، فلا بد من الضمان في الحبس.

و الحاصل: أن عمل الحر من المسلّم أنه ليس بمال، و لا مملوكا لأحد قبل جعله ثمنا لمبيع أو استيجاره، إلا أنه في حد ذاته مال و إن لم يكن مالا لأحد، و يمكن اعتبار الملكية له حين العقد.

و قد يستدل على أنه ليس بمال لأحد و لا مملوك، بعدم تحقق الاستطاعة به، و بعدم الحجر عليه في التفليس، و بعدم ضمان الظالم في حبسه.

و لكن يجاب عنه: بأن ذلك لازم مشترك حتى في منافع الأموال، ضرورة أن من عنده دار باستئجارها مدة من السنين قد تحقق به المال الذي يستطيع به مثله، مع أنه لا نقول بتحقق الاستطاعة حينئذ، و كذلك مسألة الحجر، فإنه لا يحجر على منافع الدار إلى آخر الزمن، مع أن منافعها يمكن استيجارها لمدة من الزمن، و كذلك مسألة ضمان الظالم بالنسبة إلى حبس العبد، فإنه بمجرد حبسه إذا لم يستوف منافعه لا نقول بالضمان، فلا دلالة لهذه الأمور على عدم كونه مالا، فهذا جواب ثاني عن مسألة عمل الحر، و أنه كباقي المنافع الأخر التي لا إشكال بصحة جعلها ثمنا و مثمنا في الإجارة.

قوله (قدّس سرّه): مسامحة واضحة. الى آخره.

وجه المسامحة: أن الانتقال إنما هو أثر للبيع لا نفس البيع، سواء كان البيع عبارة عن المبادلة أو إنشاء التمليك كما يقوله المصنف، و أن الانتقال من مقولة الانفعال، و البيع من مقولة الفعل، حيث يكون عبارة عن نفس الإصدار- المعنى المصدري- و ان كان حقيقة ليس من مقولة الانفعال، لكنه يشبه هذه المقولة.

34

قوله (قدّس سرّه): و إلا لم يعقل إنشاؤه باللفظ. إلى آخره.

لأن اللفظ- سواء كان مجردا أو قصد به معناه- أمر حقيقي خارجي، و الذي يعقل إنشاؤه هو الأمر الاعتباري الذي وجوده بوجوده الاعتبار، و على تقدير القول: بأن البيع هو عبارة عن نفس الإيجاب و القبول- الذي هو عبارة عن اللفظ- كيف يعقل إنشاؤه و إيجاده باللفظ؟! مع أن البيع مما ينشأ باللفظ، إلا أن يقال: إنه باعتبار أن البيع وجوده باللفظ، فأطلق البيع على نفس السبب مجازا.

و لكن ذلك رجوع إلى ما فررنا منه من المسامحة.

أو يقال: إن الإيجاب و القبول ليس هو اللفظ، بل الإيجاب يكون باللفظ، فليس الإيجاب إلا نفس الإيجاد للبيع، و كذا القبول يكون باللفظ، و ليس هو إلا إنشاء الرضا بالبيع و إيجاده اعتبارا، فلا يكون معنى الإيجاب إلا البيع بالمعنى المصدري، الذي هو عبارة عن جهة الإصدار، فليس هو من مقولة اللفظ حتى يقال: إنه لا ينشأ باللفظ.

و لكن التحقيق أن الإيجاب و القبول- كما تقدم- عبارة عن إيجاد البيع و إنشاء الرضا، إلا أن الإنشاء لا يعقل إنشاؤه، و إلا لكان للإيجاد إيجاد.

فالمعقول من الإنشاء للبيع هو بمعنى الاسم المصدري فهو المنشأ لا المعنى المصدري، فإن الإصدار لا يصدر.

و الحاصل: أن البيع تارة يراد منه معناه المصدري، و هو عبارة عن الإصدار و إيجاد المبادلة، و اللفظ يكون آلة الفعل المبادلة، فلا بد من التعبير عنه حينئذ بالإيجاب و القبول، و ما أشبه ذلك مما يدل على ذلك المعنى المصدري، إلا أن البيع بهذا المعنى لا ينشأ، فالالتزام بأن البيع ينشأ بأي معنى كان، التزام بلا ملزم.

و أخرى يراد منه معناه الاسم المصدري، و هو عبارة عن نفس المبادلة‌

35

المعتبرة بلا ملاحظة نسبتها الى الفاعل، و يكون الفرق بينه و بين الأول كالفرق بين الإيجاد و الوجود، و حينئذ لا بد من التعبير عنه بالمبادلة و نحوها، و حيث إن المراد من إطلاقات البيع هو النحو الثاني- و هو المبحوث عنه في المقام- فلا بد من تعريفه بالمبادلة، كما نقل عن المصباح.

ثم لو كان الإيجاب و القبول من مقولة اللفظ، فلا مانع من تعريف البيع به- بناء على أنه موضوع للأسباب- و لا يلزم إنشاؤه باللفظ، لأن المنشأة هي المسببات لا الأسباب، و لكن ستعرف أنه لا وجه للقول بوضعه له كغيره من ألفاظ العقود.

قوله (قدّس سرّه): إن النقل بالصيغة أيضا لا يعقل إنشاؤه بالصيغة. إلى آخره.

أي أن النقل بالصيغة كإنشاء اللفظ في الاستحالة، ضرورة أن اللفظ- سواء كان بنفسه منشأ أو بإنشاء المقيد به المستتبع لإنشائه، كان القيد داخلا أو خارجا- محال أن ينشأ، مضافا إلى لزوم توقف الشي‌ء على نفسه، لأن متعلق الإنشاء بالصيغة يكون نفس الصيغة.

قوله (قدّس سرّه): و لا يندفع هذا بأن المراد. إلى آخره.

الحق أن الإشكال المتقدم يندفع بالقول بعدم دخل الصيغة في مفهوم البيع، لا شرطا، و لا شطرا، حيث يكون موضوعا للحصة الخاصة من النقل الملازمة للصيغة، فيكون التعبير بالنقل بالصيغة إشارة إلى تلك الحصة الخاصة و الفرد المخصوص من النقل، و لكن غرض المصنف (قدّس سرّه) ورود إشكال آخر عليه من جهة التعريف بعد اندفاع الأول.

و حاصله أنه ان كان المراد من الصيغة خصوص لفظ بعت لزم الدور، و توقف معرفة على معرفة البيع، لأن المقصود تعريف مادة البيع، فكيف [يكون] تعريفها بمادة البيع و هو لفظ بعت؟!

36

و إن كان المراد ما هو أعم من ذلك فيشمل ملكت و أمثالها، فلا يكون البيع مخصوصا بقصد التمليك، فيكون شاملا حتى للتمليك بلا قصد، فيلزم أن يكون البيع مقتصرا على مجرد النقل بلا اشتراط القصد، مع أن البيع بالضرورة، لا يقع بلا قصد.

هكذا حق التفسير للعبارة الأخيرة من كلامه (قدّس سرّه)، و ان احتمل فيها أن المراد لزوم الاقتصار على مجرد النقل بلا اعتبار للصيغة، إلا أنه سخيف للغاية، لغرض اعتبار الصيغة في متن التعريف، فكيف يلزم إلغاؤها؟! بل التعريف لما كان ملغيا فيه جهة القصد، وجب الالتزام بالاقتصار على مجرد النقل، و ان كان النقل بالصيغة لازمه القصد عقلا، و لكن لا يخفى أن هذا الإشكال غير مخصوص بهذا الوجه، بل يعم حتى الوجه الأول.

و كيف كان فيمكن أن يجاب عما أفاده المصنف:

أولا: باختيار أن المراد من الصيغة هو لفظ بعت، و لا يرد محذور الدور، فإنه إنما يرد محذور الدور لو أخذ لفظ بعت في التعريف، و أما إذا أخذ لفظ آخر دال عليها فلا، و إلا لزم أن يكون تعريف الإنسان بالحيوان الناطق دوريا، لأنه ليس المراد من الحيوان الناطق إلا الإنسان.

اللهم إلا أن يقال: بالفرق بين المقامين، فإن الصيغة لا تدل على معنى بعت، بل لا تدل إلا على نفس اللفظ، بخلاف المثال، فإن الحيوان الناطق دال على معنى الإنسان، لا على لفظ الإنسان، و لو دل كذلك لا محالة يلزم الدور.

و لكن نقول: نعم و إن كان فرق بين المقامين إلا أنه مع ذلك لا يلزم الدور، و ذلك لأن اللفظ تارة يلاحظ بما هو كيف مسموع بلا لحاظ دلالته على معنى أصلا، و أخرى يلاحظ بما أنه دال على معناه، و المعرّف حقيقة هو مادة البيع بمالها من المعنى، فليس التعريف إلا لنفس المعنى للفظ البيع، و المدلول للصيغة هو لفظ‌

37

بعت من حيث أنها لفظ، لا بما لها من المعنى، فلا توقف للشي‌ء على نفسه، فتدبر جيدا.

و ثانيا: باختيار أن المراد من الصيغة ما هو أعم، و لا يرد ما أفاده المصنف (قدّس سرّه).

بيانه أن النقل بالصيغة فعل اختياري للمكلف لا يعقل فرض صدوره بالصيغة بدون قصد، ففرضه فرض القصد بلا حاجة إلى دلالة كتعريفه بإنشاء التمليك، و إلا للزم ورود نفس الإشكال على المصنف (قدّس سرّه) بتعريفه الآتي، و مثله تعريفه ب‍ «مبادلة مال بمال».

إلا أن يكون غرضه (قدّس سرّه) بيان أن التعريف غير مانع لدخول الهبة و الصلح و القرض، لأن كلها يصدق عليها تمليك و نقل بالصيغة، و مقتصر فيها على مجرد النقل و التمليك، بخلاف البيع، فإنه غير مقتصر فيه على مجرد النقل، بل النقل على سبيل المبادلة، و لعل هذا الوجه هو الأقرب في تفسير كلام المصنف (قدّس سرّه) فلاحظ، و لا يرد عليه حينئذ شي‌ء.

قوله (قدّس سرّه): فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك. إلى آخره.

لا يخفى أن غرض المصنف (قدّس سرّه)- كما قيل- من لفظ الإنشاء التعميم للبيوعات الفاسدة التي لم يحصل بها خارجا تمليك، و إنما هي صرف تمليك إنشائي و إن لم يكن معتبرا لا عرفا و لا شرعا، مثل: بيع الأشياء المحقرة التي لا تعد مالا عرفا، و كبيع الخمر و أمثاله، و لذا عبّر بتمليك عين، و عدل عن لفظ مال، لأن المحرم استعاله شرعا أو الأشياء المحقرة محكومة بعدم المالية تعبدا، أو مسلوبة (1) المالية عرفا، إلا أن هذا التزام بلا ملزم، كما أنه يحتمل أن غرضه بيان اعتبار القصد تفصيّا عما أورده أخيرا، و قد عرفت ما فيه.

____________

(1) في الأصل: مسلوبية.

38

و على كل حال فالتحقيق: أن التمليك ليس معناه إلا إيجاد الملكية، فلا يعقل إنشاؤه و إيجاده، إذ لا إيجاد للإيجاد، و لا إنشاء للإنشاء كما سمعت.

و منه يتضح الاستغناء عن لفظ الإنشاء بعد قطع النظر عن المحذور المتقدم، فإن غرضه (قدّس سرّه) يتم بلفظ التمليك، فإنه بعد أن كان معناه إنشاء الملكية فلا يختص بالملكية الخارجية، بل يعم البيوعات الفاسدة، لأنها إنشاء للملكية و إن لم تكن معتبرة شرعا أو عرفا، كما يظهر أن التمليك دال على القصد بنفسه.

على أنه يرد على المصنف ما سمعت منا سابقا حتى لو اكتفينا بلفظ التمليك، حيث إن الملكية و الإضافة الخاصة لا يعقل نقلها، إذ لا سلطنة على السلطنة، بل إنما يعقل نقل نفس المال، و لذا قلنا: إن البيع هو مبادلة مال بمال، و لو أردنا تعميمه للبيوعات الفاسدة على ما لا يعد ما لا عرفا أو شرعا، فلا بأس بتعريفه ب‍ «مبادلة عين بمال» فافهم.

قوله (قدّس سرّه): ان حقيقة الصلح و لو تعلق بالعين. إلى آخره.

الحق كما أفاده (قدّس سرّه) في الصلح و الهبة، و لقد أجاد فيما أفاد، فالصلح ليس عبارة عن المعاوضة و المبادلة، بل هو عقد برأسه كسائر العقود، و إن قيل: أنه تابع لغيره، فإن وقع بعين على عين فهو بيع، أو بمنفعة على عين فهو إجارة، إلا أنّه بيّن الوهن، فليس حقيقته إلا التسالم و التباني و التراضي، و لذا لا يعدّى الا ب‍ «عن» أو ب‍ «من» على قول، و أما تعديته ب‍ «الباء»، بأن يقال: (صالحت كذا بكذا) فهو لا يقع إلا بيعا أو إجارة أو غير ذلك، صحيحا أو فاسدا.

و كذا الهبة المعوضة ليس عبارة إلا عن إعطاء نفس المال المملوك للواهب، لا على أن يعطيه مالا آخر لا أن المال بدل المال فتكون في الحقيقة هبة مشروطة، فإذا لم يعطه المال الموهوب يكون له الرجوع، لا أنه بمجرد الهبة و قبول الموهوب يملك المال الذي في يد الموهوب المشروط عليه، بل يحتاج إلى عقد جديد، و لذا لا‌

39

تعدى إلا ب‍ «على»، فيقال: وهبتك هذا على أن تهبني كذا، و أما لو عديت ب‍ «الباء»، فيقال: وهبتك هذا بهذا، فلا تقع إلا بيعا صحيحا أو فاسدا، على الخلاف في الاكتفاء بكل لفظ دل على المعاوضة، كما سيأتي إن شاء اللّٰه.

قوله (قدّس سرّه): ثم إن ما ذكرنا تعريف للبيع. إلى آخره.

الكلام في أن لفظ البيع كسائر العقود و ألفاظ المعاملات، هل هي موضوعة للأسباب أو للمسببات؟

و التحقيق في المقام أنى قال: إن إطلاق الأسباب تارة يراد منها المعدات لحصول الشي‌ء، و إن كان يتوقف حصوله على أمر آخر غير اختياري، مثل حفر البئر لوقوع شخص فيها، أو نصب مدية على الطريق لأن تصيب أحدا و هكذا، فلو وقع أحد أو أصيب لا يكون ذلك باختيار الحافر أو الناصب.

و أخرى يراد منها الأسباب التوليدية التي لا يكون ترتب آثارها عليها باختيار الفاعل كالنار مثلا، فإن الإحراق ليس من فعل من يقرب النار و لا تحت اختياره، و إنما الذي يكون تحت اختياره نفس تقريب النار أو إشعالها.

و ثالثة يراد منها الآلات للفعل، و أما نفس الفعل فهو تحت اختيار الفاعل و من أفعاله حقيقة الصادرة منه، كالتكلم للإنسان بسبب اللسان، فإن اللسان صرف آلة للفعل، لا أن الفعل صادر منه كالإحراق للنار، و يكون التكلم فعلا اختياريا له صادرا منه، و كذلك النظر بالعين، و اللمس بالكف، و السمع بالاذن، و الذوق بالفم، و هكذا.

إذا عرفت ذلك، فالحق أن البيع من القسم الثالث الذي يكون باختيار المكلف، و من أفعاله الصادرة منه، و إنما الصيغة صرف آلة للفعل كاللسان فليست في الحقيقة مؤثرة بالفعل، و إطلاق السبب عليها من باب المسامحة، ضرورة أنها ليست من قبيل النار، بحيث لا يكون نفس البيع من أفعال البائع كالمحرق بالنار‌

40

و كذلك ليس من المعدات التي يتوقف ترتب الفعل عليها على مقدمة غير اختيارية لمن أعدها، إذ لا فاعل للبيع إلا البائع، فليس السبب حقيقة للبيع إلا هو.

و من الواضح أن إطلاق التكلم على اللسان لا يصح أبدا لا حقيقة و لا مجازا، إذ لا علاقة بينهما بالسببية و المسببية، و كذا البيع، فلا وجه لإطلاقه على الآلات، و هي الصيغ، فالبحث في هذا المقام في غير محله.

اللهم إلا أن يقال: إن الملكية من الأمور الاعتبارية القائمة في نفس المعتبر، فهي من أفعال المعتبر، و ليس من أفعال البائع و تحت اختياره، و إنما البائع بإنشاء الصيغة يكون موجدا لموضوع الاعتبار، فتكون الصيغة كالمعد لفعل المعتبر الذي هو ليس من اختيار البائع و أفعاله، نظير حفر البئر لوقوع أحد، فإن الوقوع ليس من أفعال الحافر، بل من أفعال الغير، و كذلك الاعتبار من أفعال الشارع أو العرف.

و لكن يجاب عنه بأنه: و إن كان الاعتبار من المعتبر، إلا أن ذلك لا يخرجها عن كونها مقدورة للبائع بالواسطة، و إلا لزم أن تكون جميع أفعال الإنسان غير مقدورة له حتى أفعاله المباشرية له، مثل: التكلم و النظر: لأن ما منه الوجود هو اللّٰه تعالى.

و لكن التحقيق أنه و إن كان ما منه الاعتبار هو المعتبر، و لكن ما به الاعتبار هو البائع، كذلك أفعاله الخارجية الموجودية الحقيقية، فإن ما منه الوجود هو اللّٰه تعالى، و لكن ما به الوجود هو العبد، و كذلك مثل النار فان ما منه الوجود هو اللّٰه تعالى، و لكن ما به وجود الإحراق هو النار، فهو من آثار النار حقيقة.

و هذا بخلاف الوقوع في البئر، فإن الحافر لا منه الوجود و لا به الوجود، و لم يفعل إلا نفس الحفر.

41

و الحاصل: أن المبادلة التي هي مدلولة للبيع ليس الفاعل إلا البائع، و ليس للألفاظ أدنى تأثير في وجودها، بل ليست إلا صرف آلة بها يصدر الفعل من فاعله.

نعم للفعل له (1) جهتان: جهة نسبته إلى فاعله و صدوره منه، و هو مفاد المصدر، و جهة ذاته من حيث هو فعل مع قطع النظر عن جهة انتسابه إلى فاعله، و هو مفاد اسم المصدر، و يكون الفرق بينهما تقريبا كالفرق بين الإيجاد و الوجود، و الإيجاب و الوجوب.

فالعقود- و منها البيع- تارة تطلق و يراد منها المعنى المصدري، و من ذلك قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و جميع الأوامر المتعلقة بالبيع و غيره، فإنه لا بد أن يلاحظ معها جهة الإصدار و انتسابها إلى فاعلها.

و أخرى تطلق و يراد بها المعنى الاسم المصدري الذي هو عبارة عن المتقرر بحسب ذاته، و من هذا الباب قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3)، و لا يبعد أن يكون منه قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (4)، و ليس ذلك لاختلاف في معنى البيع و حقيقته، و لا يحتاج الى تعدد الوضع.

فإن قلت: إن البيع لو كان معناه المبادلة لما كان وجه لانتسابها إلى فاعل واحد و هو البائع، لأن معناها صدور البدلية من كل من الطرفين، و عليه يقتضي أن تنسب أيضا إلى المشتري، فيقال له: بائع، مع أنه لا إشكال بعدم صدق البائع عليه، ضرورة أنه لم يصدر منه بيع، و لهذا لا يسمى إلا بالمشتري، فإن قبول المشتري إنما هو شرط لتحقق الانتقال في الخارج شرعا أو عرفا، أما نفس البيع‌

____________

(1) كذا.

(2) المائدة: 1.

(3) النساء: 29.

(4) البقرة: 275.

42

فلم يصدر إلا من الموجب.

قلت: نعم كذلك إن البيع لم يصدر إلا من الموجب، و لا ينسب إلا إليه من حيث الصدور، و لا ينافي ذلك صدق المبادلة عليه.

و توضيح ذلك: أن المصادر باعتبار الانتساب إلى فاعلها على ثلاثة أنحاء:

الأول: المصادر المجردة و ما يشابهها التي لم تدل إلا على نفس الحدث و صدوره عن فاعله، كالضرب و الأكل و الإكرام و غير ذلك، و كذلك أفعالها و ما يشتق منها، فقولهم: ضرب و أكرم مثلا، لا يدل إلا على نفس صدور الضرب أو الإكرام منه و حدوثه.

و الثاني: المصادر في باب المفاعلة، فإنها تدل على حدوث الفعل منه، و صدوره منه، مع ملاحظة تعدّيه إلى الغير، و طلب صدور الفعل من الآخر بلا أن تدل على صدوره كذلك من الآخر، فإن معنى «قاتله» و «بارزة»: صدر منه القتل أو البراز مع طلب صدوره من الآخر، و لهذا يقال: (بارزة فبرز الآخر له)، و لو كان معناه صدور الحدث من الطرفين معا لما صح هذا التعبير و التفريع.

و الثالث: المصادر في باب التفاعل، كالتقاتل، و التبارز و التقابل و التبادل، و أمثال ذلك، فإنها تدل على صدور الحدث من الطرفين، و لهذا لا يقال: تبارزا فبرز له، بخلاف الثاني، و يقال: تقابل زيد و عمرو، و لا يقال: قابل زيد و عمرو، بل قابل زيد عمرا.

فاتضح الفرق بين الثاني و الثالث: أن الثاني لا ينسب إلا إلى فاعل واحد، لكن ليس كالأول، بل مع ملاحظة طلب صدوره أيضا من الآخر، بخلاف الثالث، فإنه لا ينسب إلا إلى فاعلين، فلا يقال: «تقاتل زيد عمرا»، كما يقال «قاتل زيد عمرا».

و من الواضح أن المبادلة التي هي معنى البيع من باب المفاعلة من القسم‌

43

الثاني، فلا يقتضي انتسابها إلى المشتري و تسميته بائعا، بل لا ينسب إلا إلى فاعل واحد، و لكن مع طلب صدور البدلية من الآخر، و هو المشتري.

فان قلت: أ ليس أن المشتري بعد طلب البائع منه البدلية تصدر منه البدلية كالبائع، فاللازم أن يسمى بائعا.

قلت: ليس البيع هو مجرد صدور البدلية، فإنه يكون راجعا إلى المعنى الأول للمصادر، بل معناه صدور البدلية مع ملاحظة الطلب، و المشتري لم تصدر منه المبادلة، بل صدرت البدلية فقط، فلا يسمى بائعا، بلا قابلا، و بعد القبول يقال لهما: تبادلا، كما يقال: «بارزة فبرز له»، ثم يقال: «تبارزا»، و لا يقال:

«تبايعا» إلا إذا صدر بيع من كل منهما، و بالبيع الواحد لا يقال ذلك، لأنّه لم يصدر من الثاني مبادلة.

قوله (قدّس سرّه): الثالث نفس العقد المركب. إلى آخره.

قد عرفت أن الإيجاب ليس من مقولة اللفظ، بل ليس اللفظ إلا آلة لتحققه من الموجب، و هو عبارة عن البيع بالمعنى المصدري، أي إيجاد المبادلة باللفظ، و ليس هو سببا للبيع كما توهم، فلا بأس بالقول بوضع لفظ البيع للإيجاب، و لكن لا بخصوصه كما سمعت، بل يعم نفس البيع الخارجي الذي لم يلاحظ فيه جهة الانتساب إلى فاعله.

غاية الأمر إن معنى واحد، تارة يلاحظ انتسابه إلى فاعله فيعبر عنه بالإيجاب، و اخرى يلاحظ بذاته لا من حيثية الإصدار فلا يعبر عنه بالإيجاب، و لهذا يقال: «البيع عقد»- على الأول-، «و انعقد البيع»- على الثاني- بلا تجوز في كل منهما.

و أما القبول فإنما شرط تحقق البيع في الخارج، و اعتبار المعتبر له عرفا أو شرعا، كما سمعت، و ليس داخلا في مفهوم البيع لا جزءا و لا شرطا.

44

أما جزءا فواضح لا ينبغي الارتياب فيه، و أما شرطا، فقد يستدل له بأمور:

الأول: التبادر، حيث إن المتبادر من لفظ البيع و سائر متصرفاته هو التمليك المتعقب بالقبول، و اعتبار لحوقه من باب الشرط المتأخر، فلو قال: «بعت داري»، و المفروض أنه لم يقبل المشتري، يقال له: «كاذب في إخباره».

الثاني: صحة السلب عن البيع المجرد عن القبول.

الثالث: لو قال: بعت، و ما قبل المشتري، يعد تناقضا.

و الجواب واضح، بعد ما سمعت منّا سابقا من أن البيع له ملاحظتان كسائر أفعال الإنسان، و التبادر و صحة السلب و عد الإخبار عن البيع متناقضا مع عدم القبول باعتبار الملاحظة الثانية، حيث يلاحظ البيع بذاته، و بما هو موجود بوجوده (1) الاعتباري، و لذا باعتبار الملاحظة الأولى يقال: بعته فقبل بلا تجوز فيه، و إنما القبول على ما عرفت شرط في تحقق اعتبار المعتبر الشرع أو العرف، و هو لا يتحقق إلا بعد القبول، لا من قبيل الشرط المتأخر، و كيف يعقل دخول القبول في مفهوم البيع مع استحالة إنشائه من البائع؟

و قد أطال بعض الأجلة (2) من المحشين بما لا ينتهي إلى محصل، حتى التزم بالفرق بين الإنشاء و الإخبار مع اختيار أنه مجاز في الأول، و هو بعيد للغاية.

و الأغرب أنه التزم بنظير ذلك في جملة من ألفاظ المعاملات مثل:

«صالحت» و «عاهدت» و «بايعت». إلى آخره.

حتى قال: فإنه لا إشكال في تقوّم معناه بالطرفين على ما هو مقتضى باب‌

____________

(1) في الأصل: بوجده.

(2) و هو السيد محمد كاظم اليزدي (قدّس سرّه) (صاحب العروة الوثقى). في حاشيته على كتاب المكاسب: ص 63 ط. قم (إسماعيليان) 1378 ه‍.

45

المفاعلة، و في مقام الإنشاء لا يمكن ذلك على ما ذكرت (1)، انتهى.

أشار الى ما ذكره (قدّس سرّه) سابقا: من ان ما يصدر من الطرف الآخر ليس بيده، فليس له إنشاؤه، و أنت قد عرفت معنى المفاعلة، و أنها لا تنسب إلا إلى فاعل واحد، غاية الأمر تدل على صدور الحدث مع طلب صدوره من الآخر، و هذا لا مانع من إنشائه.

و أغرب الجميع التزامه ثانيا بإمكان إنشاء القبول إذا كان واثقا بصدوره من المشتري، فإن وثوقه لا يجعله اختياريا له، مع أن مقتضاه الاستغناء عن إنشاء القبول من المشتري.

و أما ما استشهد به من نذر البيع فلا شاهد له به، فإنه لو لم يقبل المشتري لا يحنث قطعا.

و في كلامه (قدّس سرّه) مواقع للنظر لا تخفى على البصير بعد الإحاطة بما ذكرناه، و التأمل فيه.

و قوله (قدّس سرّه): لا الكسر و الانكسار. إلى آخره.

حيث إن الكسر لا يعقل انفكاك الانكسار عنه، بخلاف الإيجاب، لإمكان انفكاك الوجوب عنه، كإيجاب العبد على مولاه، و إن كان بنظر الوجوب (2) يحصل الوجوب، إلا أنه خارجا لا يحصل.

و البيع من قبيل الثاني، لأن إيجاب البيع إذا لم يتعقبه قبول لا يحصل خارجا، و إن كان بنظر البائع يحصل البيع حين الإيجاب.

و لكن لا يخفى ما في كلام المصنف هنا من المسامحة، حيث جعل المنصرف في دعوى التبادر هو الإيجاب المتعقب للقبول، حيث تقوم القرينة على إرادة‌

____________

(1) المصدر المتقدم.

(2) كذا.

46

الإيجاب المثمر، فإنك قد سمعت ان المنصرف هو البيع، بمعنى اسم المصدر، و حيث لا يتحقق ذلك في الخارج إلا بالقبول ينصرف إلى القبول، لا لدخله في المفهوم، و لعله أشار إلى ذلك بقول «فتأمل».

قوله (قدّس سرّه): و الظاهر أن المسبب هو الأثر الحاصل. إلى آخره.

غرضه (قدّس سرّه) أن لا معنى لإطلاق البيع على العقد مجازا بعلاقة السببية، لأن البيع هو النقل، و هو حاصل بنفس العقد و الإنشاء، و ليس هو المسبب، بل المسبب هو الانتقال الحاصل في نظر الشارع، و ليس هو البيع، بل أثر للبيع، و لقد أجاد (قدّس سرّه) فيما أفاد.

و منه ينقدح أن النزاع في وضع البيع كسائر ألفاظ المعاملات للسبب أو المسبب ليس في محله، لأن نزاعهم يرجع إلى وضعه لنفس العقد، أو لمنشإ بالعقد، و المنشأ بالعقد ليس بمسبب للعقد، بل آلة كما تقدم، فلا سبب و ما مسبب في البين.

و أما الانتقال- في نظر الشارع- الذي هو أثر للبيع، فهو مساوق للملكية، و قد عرفت أنها غير منشأة بالعقد أبدا، و إنما يكون وجودها باعتبار الشارع لها، فتأمل.

قوله: ثم إن الشهيد الثاني. الى آخره.

هذا المقام إشارة إلى النزاع في وضع الألفاظ للصحيح أو الأعم، و قد استشكل في تحقق النزاع فيما إذا كانت موضوعة للمسببات، حيث إنها دائرة بين الوجود و العدم، و لا تتصف بالصحة و لا الفساد، و لكن إن كان المراد من المسببات هو الآثار للبيع و أمثاله، التي هي عبارة عن الملكية الحاصلة في نظر الشارع، فهي و ان كان كما ذكره، إلا أنه [لا] أظن أحدا يتوهما، و ان نقله المصنف (قدّس سرّه).

47

و إن كان المراد هو نفس النقل و المبادلة، كما ربما يطلق عليها المسببات في كلام بعضهم، إلا أنها ليس دائرة بين الوجود و العدم، بل تكون صحيحة تارة فيما إذا اعتبر (1) آثارها الشارع، فتترتب عليه آثارها، و فاسدة أخرى فيما إذا لم يعتبرها.

قوله (قدّس سرّه): نعم يمكن أن يقال: إن البيع. إلى آخره.

هذا توجيه للتمسك بالإطلاق في العمومات مع القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح، و نتيجته أن البيع لم يستعمل إلا في المؤثر الصحيح، و لو كان عند العرف، غاية الأمر إن الاختلاف بين العرف و الشرع في المصداق، فإن علم شي‌ء عدم اعتبار الشارع له فهو خارج موضوعا عن المؤثر، و إن كان مشكوك الاعتبار فيتمسك بإطلاق أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) لإثباته حيث [إنه] شامل لكل مؤثر و لو كان عند العرف، لانه ليس من الشارع اصطلاح جديد في ألفاظ المعاملات، بل يستعملها على المتفاهم العرفي.

و لكنه فيه ما لا يخفى، فان العرف إنما يتبع في تعيين المفاهيم، أما في تطبيقها على مصاديقها فلا، و لا يصح الرجوع إليهم في ذلك، لأنه ليس من شأنهم تطبيق المفاهيم على المصاديق، بل إنما شأنهم تعيين المفاهيم، كما صرح به المصنف في غير موضع من كتبه.

نعم لو رجع تطبيق المفاهيم على مصاديقها إلى توسعة في المفهوم، فإنه يرجع في الحقيقة إلى تعيين المفاهيم، و لا بأس حينئذ بأتباعهم، و لكن لا ينطبق ذلك على مقامنا، فإن مفهوم البيع و هو الصحيح المؤثر ليس فيه اختلاف عند العرف أو الشرع، و الاختلاف في مؤثّر عقد لا يرجع إلى الاختلاف في مفهوم‌

____________

(1) في الأصل: اعتبار.

(2) البقرة: 275.

48

البيع و توسيع نطاقه عرفا، فلا محالة على هذا الأوجه للتمسك بإطلاقات البيع و سائر ألفاظ المعاملات.

49

في المعاطاة

قوله (قدّس سرّه): و أما ما ذكره من تعلق الأخماس و الزكاة إلى آخر ما ذكره، فهو استبعاد محض. إلى آخره.

لا يخفى أن ليس المراد من كلام الشيخ الكبير أعلى اللّٰه مقامه جواز إخراج الخمس من مال المعاطاة و الزكاة و الدّين و النفقة، حتى تكون استبعادات محضة، فإن هذا هو مقتضى صحة المعاطاة، فإنها من جملة التصرفات المباحة، بل المقصود تعلق حق الزكاة و الخمس و الدين و النفقة و الشفعة، و هكذا في مال المعاطاة، ضرورة توقفها على الملك، إذ الزكاة و الخمس إنما تتعلق بنماء ماله، و كذلك الدين و النفقة، و ما بيده من مال المعاطاة ليس بملكه و لا ماله، فكيف تتعلق به هذه الحقوق؟! فلا تكون مجرد استبعادات، بل قواعد جديدة لم تكن معهودة في الشرع.

الأمر السادس: ملزمات المعاطاة

قوله (قدّس سرّه): فإن جعلنا الإجازة كاشفة. إلى آخره.

سيأتي من المصنف (قدّس سرّه) في بيع الفضولي أن من شروط الإجازة أن لا يسبقها‌

50

الرد، و لم يفصل فيه هناك بين الكشف و النقل، و أما القول بالفرق بأن الكلام هناك في أن الرد هو المجيز و هنا غيره، فلا يجدي، فإن الدليل على الاشتراط هناك آت هنا، و هو أن الإجازة تجعل المجيز أحد طرفي العقد، و من شروط الصيغة أن لا يحصل بين طرفي العقد ما يسقطهما عن صدق العقد، فتكون الإجازة بمنزلة القبول لإيجاب المشتري، فإذا رجع المالك الأول قبلها تسقط الإجازة من الثاني عن صدق القبول عليها، و لعله إلى هذا يرمي قوله (قدّس سرّه): و يحتمل عدمه، لأنه رجوع قبل تصرف الآخر، فيفسد- أي البيع- و تلغو الإجازة.

قوله (قدّس سرّه): و لو امتزجت العينان. إلى آخره.

إن الامتزاج و كذا التصرف المغيّر للعين يقع في مواضع، حكم في بعضها بالرد و عدم اقتضائه لعدمه، مثل خيار العيب و خيار الغبن، فلو تصرف بائع العين المعيبة أو الغابن بهذا النحو من التصرف جاز للمشتري للعين المعيبة و المغبون استرداد الثمن، و كذا في الهبة أيضا.

و حكم في بعضها بعدم جواز الرد، كما في خيار الفلس على ما قيل، مع أن الدليل في المقامات واحد، و هو قيام العين، كما في بعض الأخبار (1) و لعل التفصيل لمناسبة الحكم للموضوع.

و كيف كان فمقامنا لم يقم عليه دليل يقتضي لحوقه في أحد القسمين، فمع الشك في لحوقه بأحدهما مقتضى القاعدة هو استصحاب الملكية للمالك الأصلي للعين المتصرف بها، فلا وجه للحكم بسقوط الرجوع على القول بالملك.

قوله (قدّس سرّه): إنه ليس جواز الرجوع في مسألة المعاطاة. إلى آخره.

لأن جواز الرجوع ليس جوازا حقيا كما تقدم، بل هو جواز حكمي قائم‌

____________

(1) راجع الشيخ الحر العاملي: وسائل الشيعة 18: 30، حديث 3 من الباب 16 من أبواب الخيار، ط.

مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) قم.

51

بموضوعه كسائر الأحكام الشرعية، فبموته ينعدم الحكم بانعدام موضوعه، فإن المستفاد من أدلة الميراث أن الذي يورث شي‌ء يبقى بعد الموت، بمعنى أن يصدق عليه أن الميت يتركه و يمضي، كالمال أو الحق القائم بعين، و أما نفس جواز الرجوع حكميا، فليس مما يقوم بالمال بحيث يتركه الميت عند موته، بل قائم به ينعدم بانعدام موضوعه، و لذا لا يجري استصحاب جواز التراد كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)، بل الجاري هو استصحاب ملكية من بيده العين.

فالحق ما ذكره (قدّس سرّه) أنه بناء على القول بالملك تلزم المعاطاة بعد الموت، كما أنها تلزم أيضا بالتصرف الموجب للامتزاج، و الموجب لتغيّر العين لعدم العلم بأنه من قبيل خيار الفلس، فتلزم المعاطاة بالتصرف، أو من قبيل خيار العيب أو الغبن، فلا تلزم، و يثبت جواز الرجوع و التراد، فلا وجه هنا أيضا لاستصحاب جواز التراد مع الشك، لا لأجل أن الموضوع حقيقي، بل للشك في المقتضي، (أو للشك في تحقق الموضوع، فإن لم يعلم أن المال المتصرف به من قبيل المال المتصرف به في خيار العيب، أو في خيار التفليس) (1)، هذا على القول بالملك.

و أما على القول بالإباحة، فهل تلزم المعاطاة بالموت أو بالتصرف بالمزج و تغيير العين، أو لا؟

ظاهر الشيخ (قدّس سرّه) الثاني في الموت، و صريحه في التصرف بالمزج و التغيير.

و الحق الثاني، اما في الموت فمن وجهين:

الأول: للسيرة القطعية على عدم التوريث، ضرورة أن استفادة حكم المعاطاة من سيرة الناس و معاملتهم على ترتيب آثار البيع الحقيقي على المعاطاة، بحيث لا يفرقون بينه و بين البيع بالعقد، و لذا حكم بترتب جميع آثار البيع حتى المتوقفة على الملك.

____________

(1) القوسين كما في الأصل.

52

و من هنا جعل كاشف الغطاء إعلاء اللّٰه مقامه من وجوه تأسيس القواعد الجديدة- على القول بالإباحة- هو تعلق المواريث بما في اليد الحاصل بالمعاطاة، مع العلم ببقاء مقابله، و لو كان بالموت يرجع ما بيده إلى المالك الأصلي لما كان وجه للنقض بالمواريث و لزوم تأسيس قواعد جديدة، مع أن الشيخ (قدّس سرّه) لم يرده هناك إلا بأنه استبعاد محض.

و الثاني: أن الرجوع في المعاطاة على القول بالإباحة ليس كما ذكره في المتن نظير الرجوع في إباحة الطعام، ضرورة أن الإباحة في المعاطاة ليس من ناحية المسببات، بحيث أن المعقود عليه فيها هو نفس إباحة التصرف، كما في العقود الادنية، بل إنما جاءت- على القول بها- من ناحية الأسباب لعدم قابليتها لإفادة الملك، و إنما الواقع هو التسليط و إعطاء السلطنة المالكية للمتعاطي معه، بحيث يعطيه جميع ماله من السلطنة، و لم يبق له إلا العلقة المالكية، لعدم قابلية العقد لإفادتها، بمعنى أن الملكية أن يملك مع انتقال جميع التصرفات على المال عنه، فليست الإباحة إلا عدم حصول الملك فقط، و تسميتها بالإباحة لا تخلو عن تسامح لضيق التعبير.

فتحصل أن الذي يبقى للمالك الأصلي هو نفس الإضافة و الملكية بذلك المعنى المتقدم، و أما آثارها من السلطنات الملازمة للملكية، فليس تحت يده و تصرفه، و لذا قلنا سابقا: إن معنى جواز الرجوع ليس عبارة عن جواز التصرف بنفس العين، بل معناه هو هدم أساس تلك السلطنة، نظير الهبة و أمثالها من العقود.

و بهذا يتضح أن جواز تصرف من بيده المال المتعاطي به لا يتوقف على الرضا من المالك بعد العقد غير الرضا حين عقد المعاطاة، سواء علم بكراهة المالك باطنا أو لم يعلم، و حيث عرفت أنه لم يبق للمالك الأصلي في المعاطاة على‌

53

الإباحة إلا الإضافة الملكية، تعرف أنه بالموت لا بد من القول بلزوم المعاطاة، لأن الملكية إضافة قائمة بين طرفيها لا تبقى بعد الموت بحيث يتركها الميت و يمضي، لاستحالة قيامها بطرف واحد، فبموته لا بد أن تنعدم، فكيف يعقل قيام الوارث طرفا لهذه الإضافة؟! و أما توريثه في غير المقام فلمكان أن المال لما انقطع إضافته عن طرفها الآخر لا يعقل ان يبقى مخلّى السرب، حيث إن الآثار ثابتة له من السلطنات و غيرها، لبقاء ماليته المحتاجة إلى القيام بطرفين، فلا بد من قيام طرف آخر طرفا للإضافة، و ليس هو إلا الوارث بحكم الشارع.

و أما في المقام فحيث كانت السلطنة على المال و الآثار ثابتة لمن بيده المال لا للمالك الأصلي، فلا يحتاج إلى طرف آخر بعد أن كانت السلطنة المساوية للملكية قائمة بمن بيده المال.

و أما في التصرفات الأخر، كالامتزاج و تغيير العين، فمضافا إلى قيام السيرة على لزوم العقد بها- فإن من أرجع العين المتصرف بها بهذا التصرف يجعل في موضع الهزو عند الناس- أن الامتزاج موجب للشركة في المال، و كذلك التغير إذا أوجب زيادة العين بوصف قائم بها.

و لا شبهة أنه بحصول الشركة تحصل ملكية جديدة غير الملكية الأولى، بداهة أن ملكه السابق لا يقوم مع الشركة بنفس العين القائمة بنفسها المتميزة في الواقع دون الظاهر، بل تسقط تلك الملكية السابقة.

و على تقدير الشركة يكون حقه مشاعا في المال المشترك، كما هو الشأن في قواعد الشركة، فإذا شككنا في أن التصرف في المقام من قبيل التصرف في خيار العيب أو من قبيل التصرف في خيار التفليس، فإنه لا وجه لاستصحاب ملكية المالك الأصلي للغير، لانعدام الملكية السابقة بحصول الشركة قطعا، فكيف يعقل‌

54

استصحابها مع انتقاضها بعلم آخر؟ و أما الملكية الحادثة بالشركة فلم يعلم ثبوتها للمالك الأصلي، و لا أصل يقتضي ذلك.

و من هنا يتضح ما في كلام الشيخ (قدّس سرّه) في المتن سابقا من أن الأصل بقاء التسلط على ماله الممتزج بمال الغير، فيصير المالك شريكا مع مالك الممتزج به، فإنه إن كان استصحاب الملكية توجب الشركة بنفس الملكية المستصحبة، فقد عرفت أن الملكية في الشركة ملكية جديدة تحدث بها غير الملكية السابقة قطعا، و إن كان بملكية أخرى، فلا يجدي استصحاب الملكية الأولى في ثبوت الملكية الجديدة له.

هذا مع جريان استصحاب سلطنة من بيده العين الثابتة له يقينا قبل حصول هذا التصرف، لما عرفت من معنى الإباحة في باب المعاطاة، و كذا استصحاب ضمان العين بالمسمى، فعلى تقدير جريان استصحاب الملكية السابقة للمالك الأصلي، فهي معارضة باستصحاب سلطنة الآخر و الضمان بالمسمى، و ليست من باب الاستصحاب السببي و المسببي، لأن السبب في الشك في رفع السلطنة الثابتة للمباح له ليس هو الشك في ملكية الأول، بل السبب له هو التصرف الخاص، و أنه من أي البابين: باب خيار التفليس أو من باب خيار العيب؟

و إنما يكون الشك في الملكية للأول، و الشك في السلطنة المنافي في عرض واحد، كما تقدم نظيره في التلف، لأنهما مسببان عن الشك في دخوله في أي البابين.

على ان استصحاب ملكية المالك الأصلي غير جارية من وجه آخر، لأنه لم يثبت للمالك الأصلي الا ملكية أن يملك، و إلا فنفس الملكية المساوية للسلطنة على المال بوجوه التصرف قد نقلها عن نفسه و أعطاها للغير، و هذه الملكية‌