حاشية المظفر على المكاسب - ج2

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
175 /
3

الجزء الثاني

القسم الثاني: حاشية الخيارات

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

كتاب الخيارات

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و عليه نتوكل، و به نستعين.

الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين (1).

قوله (قدّس سرّه): الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار. إلى آخره.

كما نقل عن جملة من كتب اللغة المعتبرة، و قد ينقل عن بعضهم: أنّ الخيار بمعنى الاختيار فيكون مصدرا.

و الفرق بين المصدر و اسم المصدر: أن المصدر ما دلّ على الحدوث و التجدد، و اسم المصدر ما دلّ على نفس الحدث الموجود بما له من الوجود الخاص به، كسائر الموجودات، مع قطع النظر عن انتسابه إلى فاعله، كما كان كذلك في المصدر، كما أوضحنا ذلك في أول البيع، فراجع.

و عليه، فلا يبعد صحة ما هو المنقول عن جماعة من أهل اللغة من كونه اسم مصدر، لأنّ الخيار ليس هو عبارة عن إيجاد الخيرة، بل هو عبارة عن نفس المعنى‌

____________

(1) أرّخ المصنف (رحمه اللّٰه) حاشيته هذه بيوم 27 شوال 1352 [ه‍].

6

الذي يوجده المختار باختياره، فيقال لمن اختار: أعمل الخيار، كما هو المتعارف مثل هذا الإطلاق في لسان الفقهاء.

و ليس معنى الخيار عندهم إلّا ما هو المعنى عند أهل اللغة، و ليس الفرق إلّا بالإطلاق و التقييد، و إن كان قد يطلق الخيار على نفس حق الخيار، و حق الخيار غير الخيار بالضرورة، و سيأتي التنبيه عليه إن شاء اللّٰه تعالى.

قوله (قدّس سرّه): غلّب في كلمات جماعة من المتأخرين. إلى آخره.

قد أشرنا في الحاشية السابقة أن للخيار في لسان الفقهاء- بل الاخبار- إطلاقان:

أحدهما: إطلاقه بما له من المعنى اللغوي، و هو اسم المصدر من الاختيار، لكن إنما يستعملونه في بعض مصاديق المعنى اللغوي، و هو الخيار في البيع مثلا.

و ثانيهما: إطلاقه على (1) نفس الحق و ملك الخيار، فيكون الاختلاف بين الإطلاق الأول و المعنى اللغوي بالإطلاق و التقييد، بخلاف الثاني، فإن الاختلاف بالتباين، للمباينة بين الحق و الملك و بين المتعلق لهما.

و الإطلاق الأوّل شائع، كما في قوله (عليه السّلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (2)، و قوله (عليه السّلام): «الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام» (3).

فجعل الخيار مملوكا للمشتري في الأخير، لدخول لام الملك، و لا معنى لأن يراد منه الحق.

و الإطلاق الثاني هو المتعارف في لسان الفقهاء (رحمه اللّٰه)، و ربما استعمل في بعض الروايات.

____________

(1)- في الأصل: عن.

(2)- وسائل الشيعة 18: 6 كتاب التجارة، باب 1 من الخيار، حديث 3. (مصدر مذكور).

(3)- المصدر المتقدم، باب 3، حديث 9، ص 12.

7

و المقصود في المقام تعريف المعنى الثاني، أعني حق الخيار، و هو المقصود من كلام المصنف: (غلّب في كلمات جماعة من المتأخرين.)، لا المعنى الأوّل.

و الظاهر أنه بالمعنى الأوّل ليس فيه نقل عن المعنى اللغوي، إذ ليس الاختلاف- كما سمعت- إلّا بالإطلاق و التقييد، فلعله استعمل اللفظ بما له من المعنى اللغوي في بعض مصاديقه، كما ربما يرشد إليه ما نقل عن بعض أهل اللغة، و على كل حال فالأمر سهل.

قوله (قدّس سرّه): فيدخل ملك الفسخ. إلى آخره.

أي فيدخل في التعريف ملك فسخ العقد في العقود الجائزة، و عقد الفضولي إلى آخر الأمثلة التي ذكرها المصنف (قدّس سرّه).

و هذا إيراد على التعريف بعدم كونه مانعا، لأن ملك الفسخ في هذه الأمور لا يسمى خيارا، لأنه ليس بحق، بل حكم، مع أنه يصدق عليه ملك الفسخ، و لكنه (قدّس سرّه)، أجاب بعد ذلك بقوله: و لعل التعبير بالملك للتنبيه. إلى آخره.

و توضيح ما أفاده (قدّس سرّه): أن الملك تارة يطلق و يراد منه مطلق القدرة و السلطنة الحاصلة من الحكم الشرعي أو من الأمور الوضعية.

و أخرى يطلق و يراد منه المعنى الوضعي المجعول أو الانتزاعي على رأي، المنشأ ذلك بمثل عقد البيع و الإجارة، و أمثال ذلك.

فإن أريد من الملك المعنى الأول دخلت هذه الأمور في التعريف، فلا يكون مانعا.

و أمّا لو أريد منه المعنى الثاني، كما هو المتعارف إطلاقه في لسان الفقهاء، فتخرج هذه الأمور، لأن السلطنة فيها على الفسخ حكم شرعي، لا حكم وضعي، بخلاف الخيار، لأنه حق، و فرق بين الحكم و الحق، فإنّ الحقّ مرتبة من‌

8

مراتب (1) الملكية ضعيفة، كما هو المعروف في لسان المتأخرين.

لكن يبقى شي‌ء أنّ الملكية إنّما تتعلق بالأعيان أو المنافع، لأنّها اعتبار مقولة الجدة كما هو الحق، و حق الخيار هو ملك الخيار، أو ملك الفسخ، كما في التعريف، و الفسخ ليس عينا و لا منفعة، فلا معنى لإطلاق الملكية عليه بهذا المعنى، إلّا أنّه قد عرفت أنّ الحق عندهم مرتبة ضعيفة من مراتب الملكية.

و معنى ذلك أنه أمر وضعي مجعول يشبه الملكية، و ضعفه باعتبار عدم تعلقه بالعين أو المنفعة، فصح إطلاق الملك عليه، و لذلك قال المصنف: (و لعلّ التعبير بالملك، للتنبيه على أنّ الخيار من الحقوق).

و منشأ ذلك أنّ لفظ الملك ظاهر بالمعنى الثاني في كلمات الفقهاء، و لا يبعد أن يكون هو المراد من التعريف، و لذلك كان تنبيها على أن الخيار من الحقوق، كما هو واضح لمن تدبر (2).

و المهم في المقام بيان الفرق الحقيقي بين الخيار و بين الردّ في العقود الجائزة، و في عقد الفضولي، و سائر الأمور التي ذكرها المصنف، و عليه يبتني فهم التعريف المذكور حقّ الفهم.

فنقول: قد ذكر العلماء و أطبقوا عليه (3) أنّ كلّ عقد تدخله الإقالة يدخله الخيار و بالعكس، فكل عقد لا تدخله الإقالة لا يدخله الخيار.

فالوقف و النكاح حيث لا تدخلهما الإقالة لا يدخلهما الخيار، و ذكروا أنّ الخيار يقبل النقل و الإسقاط و يورث، فيستكشف من ذلك (4) أنّ الخيار حق من الحقوق.

____________

(1)- في الأصل: مراتبه.

(2)- في الأصل «تبدر».

(3)- كذا.

(4)- في الأصل يوجد سهم من كلمة «ذلك» إلى السطر الأعلى على «لا تدخلهما».

9

و حقيقة معنى ذلك أنه أمر بيد العاقد و تحت سلطنته، و من لوازم ذلك القدرة على نقله و إسقاطه، فيكون له التصرف فيه على النحو الذي يناسبه، فيخالف الحكم، لأنّ الحكم أمر بيد الحاكم، فليس لغيره التصرف، و لا يزول إلّا بارتفاع موضوعه أو برفع الحاكم له، إذ لا حكم لأحد في سلطانه، بخلاف ما لم يكن من خواص الشارع و أحكامه كالحقوق و الملكية الاصطلاحية، فإنّ من له هذه الأمور له أن يتصرف بالتصرفات التي تناسبها، لأنها داخلة تحت سلطانه بجعل الشارع له هذا السلطان، و استكشاف هذا المعنى غالبا يكون بطريق الآن، كما قلنا في الخيار، فإنه يستكشف كونه حقا من قبوله للنقل و الاسقاط، و من إجماعهم عليه أنّ كل ما تدخله الإقالة يدخله الخيار و بالعكس.

فيعلم من هذا البيان ان الخيار يخالف مثل جواز الرد في العقود الجائزة، و جواز فسخ عقد النكاح في هذه الأمور التي ذكرها المصنف (قدّس سرّه)، لأن مثل هذه الأمور من قبيل الأحكام، لعدم قبولها للنقل و التوريث و السقوط بالإسقاط.

و مناط كون الشي‌ء حكما هو هذا، و بذلك يفترق عن الحق، و ليس عندنا للحق معنى آخر غير ما تترتب عليه الآثار، فما لا تترتب عليه هذه الأمور، فليس بحق.

و لا يصغى إلى ما قد يقال: إن بعض الحقوق ربّما لا تثبت لها هذه الآثار، أعني قبول النقل و السقوط و التوريث، فلا يستكشف من عدم ترتب هذه الأمور أنه ليس بحق، بل لا بدّ من استكشاف كونه حكما، و للكلام في هذا محل آخر.

و الغرض بيان افتراق هذه الأمور المذكورة في عبارة المصنف عن الخيار لكونه حقا، و لكونها أحكاما، و التعريف بملك فسخ العقد لا يشملها، و إن قلنا:

إن المراد من الملك هو السلطنة و القدرة، بل لا بدّ من إرادة ذلك، كما سيأتي توضيحه، و الاعتبار شاهد على ذلك الافتراق، و كون الخيار حقا من الحقوق،

10

دون غيره من هذه الأمور المذكورة.

فإنّا إذا (1) لاحظنا المعاملات من غير جهة الشرع و اعتبار الشارع لها، بل نرجع إلى العرف و الطريقة الجارية بين الأمم، لا من حيث كونهم متشرعين، فإنّا نرى بعض المعاملات ممّا بنى العقلاء- لا من جهة الشرع- على لزومها في حدّ ذاتها، حفظا لنظامهم و مصالحهم العامّة، كمعاملة الزواج مثلا، فإنّها معاملة بين الناس بنوا على لزومها و دوامها (2)، إذ نظام المعيشة النوعية مما يتوقف على ذلك من دون توقف على الالتزام من الزوجين، و تمليك أحدهما التزامه للآخر، على العكس من الهبة، فإنّها حيث كانت إحسانا، فالإحسان بطبعه لا يقتضي اللزوم و لا قهر المحسن على إحسانه، و نرى بعض العقود شأنها اللاإقتضاء، كالمبادلة، فإنّها بحسب ذاتها و طبعها لا تقتضي اللزوم و الدوام و لا تقتضي عدمه.

و إنّما يتحقق اللزوم إذا شاء أحد المتبادلين أن يملّك التزامه للآخر، فقد يكون ذلك التمليك للالتزام من الطرفين، و قد يكون من طرف واحد.

و حيث كان الالتزام بجعلهما لا بمقتضى طبيعة المعاملة، فلهما بعد الاتفاق أن يستردا هذا الالتزام و ينقضا هذه المعاملة، و هذا ما نسمّيه بالإقالة، فإنّ حقيقتها (3) فسخ من الطرفين بتراضيهما.

و هذا بخلاف القسم الأول، فإنه لمّا كان اللزوم بمقتضى طبيعة المعاملة لا بجعل المتعاملين، لا مجال لهما أن ينقضا هذا اللزوم، لأنّه لم يكن بإعطائهما حتى يسترجعاه و لو برضاهما معا، و لذا إنّ النكاح كالوقف و أمثالهما لا تقبل الإقالة أصلا.

____________

(1)- في الأصل: إذ.

(2)- في الأصل: و دومها.

(3)- في الأصل: حقيقها.

11

و هذا هو السرّ في الكلّيتين المتقدمتين أنّ كلّ ما يدخله الخيار تدخله الإقالة، و كلّما تدخله الإقالة يدخله الخيار، إذ ما تدخله الإقالة ما كان اللزوم بجعل المتعاملين، لا بمقتضى طبع المعاملة، فلا محالة لهما أن لا يجعلا اللزوم، فيدخل الخيار، كما أن ما يدخله الخيار لا بدّ أن لا يكون لزومه بمقتضى طبعه، و إلّا لما صحّ عدم جعل اللزوم أو جعل عدم اللزوم، و ما كان لزومه لا بطبعه تدخله الإقالة.

إذا عرفت ذلك فالشارع الأقدس إذا اعتبر المعاملة التي من طبعها اللزوم، و جعل لها عقدا تنشأ به، فلا محالة يكون المنشأ تلك المعاملة التي هي من طبعها ذلك، و إن جعل لإنشائها شروطا خاصة و قيودا، كما في النكاح.

و عليه يكون اللزوم لزوما حكميا لا جعليا عقديا، فليس لأحد المتعاملين التصرف برفعه و حلّه.

نعم ربّما يجعل الشارع ما يكون رافعا له، كالطلاق و الفسخ بالعيوب، و لكن كل هذا يكون من باب الأحكام لا يورث، و لا يسقط بالإسقاط، و لا يصحّ نقله، لأنه رفع لذلك اللزوم الحكمي، فلا بدّ أن يكون جوازا حكميا أيضا، و مثل ذلك أيضا تسلط العمة أو الخالة على فسخ العقد على ضرتها بنت الأخ أو الأخت، و تسلط الأمة المزوجة من عبد على فسخ العقد إذا تحررت.

و لذا إن مثل هذه الأمور لا يجوز اشتراط عدمها في ضمن العقد، إذ ليست بجعل المتعاملين و تحت قدرتهما رفعا و وضعا، فلا محالة يكون كل من اللزوم و الجواز في المقام حكما شرعيا كسائر الأحكام الشرعية، ليس للمتعاملين يد فيهما رفعا و وضعا، كما أن الشارع إذا اعتبر المعاملة التي من طبعها عدم اللزوم، كما في العقود الجائزة كالهبة، كما تقدم، فالعقد الذي تنشأ به لا ينشؤها إلّا كذلك، فلا تقبل اللزوم، و إن التزم المنشئ و ملّك التزامه للآخر.

12

نعم لو جعلها الشارع لازمة كما في هبة الأرحام، فذلك أمر آخر، و يكون لزومها حينئذ كجوازها حكما شرعيا، لا لزوما و جوازا عقديا (1)، و لذلك لا تقبل هبة الأرحام الإقالة.

و من جميع ذلك يتضح الكلام في العقود التي لا تقتضي بطبعها اللزوم و لا الجواز، كالبيع و الإجارة إلى غير ذلك من عقود المعاوضات، فإنه إذا أمضاها الشارع و اعتبرها بالشروط الخاصة منشأة باللفظ لا تقع لازمة بدون التزام المتعاقدين، و تمليك التزام كل منهما للآخر، كما أنها تقع جائزة إذا لم يملّك كل منهما التزامه للآخر، سواء ملّك أحدهما فقط التزامه للآخر، فتقع لازمة من أحد الطرفين و جائزة من الطرف الآخر، أو لم يملّك كلّ منهما التزامه للآخر أبدا على نحو العموم، فتقع جائزة من الطرفين.

و عليه يكون كلّ من الجواز و اللزوم عقديّا لا حكميا، فلمن ملك التزامه الإقالة، و لمن لم يملّك الفسخ و الإمضاء، فيكون الخيار على هذا حقا و أمرا تحت قدرة من له الخيار الذي لم يملّك التزامه و داخلا تحت سلطانه، لأنه جعل من وظيفة المتعاملين، لا ممّا جعله الشارع و من أحكامه، و ما هو داخل تحت سلطانه، حتى لا يكون لغيره التصرف في سلطانه، فلذلك يكون حقّ الخيار يورث و يسقط بالإسقاط، و يقبل النقل كسائر الحقوق.

إذا عرفت ذلك كلّه يتّضح لك الفرق بين الخيار و بعض الأمور التي ذكرها المصنف، مثل جواز الرد في العقود الجائزة، و فسخ عقد النكاح في العيوب، و للعمّة و الخالة إذا عقد زوجهما على بنت الأخ و الأخت، فإن الجواز في مثل هذه الأمور جواز حكمي، و لا يصحّ إطلاق الملك عليه إلّا بنوع من المسامحة، كإطلاق السلطنة، لأنه ليس من سلطان من له ذلك، بل هو من سلطان جاعله و هو‌

____________

(1)- في الأصل: عقدين.

13

الحاكم، بخلاف حق الخيار، فإنه من سلطان نفس المتعاملين و حقوقهما، و بهذا يصحّ إطلاق الملك عليه بمعنى القدرة و السلطنة و السيطرة، لا بمعنى الملك الاصطلاحي الّذي لا يتعلّق إلّا بالأعيان.

و بهذا يتّضح أن قول المصنف (قدّس سرّه): (و لعلّ التعبير بالملك. إلى آخره) ليس غرضه أن المراد من الملك هو الملك الاصطلاحي، كما قلناه سابقا، بل الملك بمعناه اللغويّ الّذي لا يصح إطلاقه على مثل جواز الردّ في العقود الجائزة، و جواز الفسخ في عيوب الزوجة و الزوج، و إن أطلق عليه بضرب من التأويل.

و الحاصل أنه بهذا الاستقراء المتقدّم و المراجعة إلى العرف في فهم العقود على أنحائها تستطيع أن تقع على حقيقة الخيار بأيّ تعبير عبّر.

و أحسن التعبير عنه ما ذكره المصنف (قدّس سرّه): (من أنه ملك فسخ العقد) بهذا المعنى للملك المتقدم.

و بهذا تعرف كيف يكون التعبير بالملك تنبيها على أنّه من الحقوق، فتدبّر و لاحظ.

و في الحقيقة إن ملك الفسخ من لوازم حق الخيار لا نفسه، فإنّه على ما قدّمناه يكون حق الخيار نفس القدرة و السلطنة على العقد، فيكون ذلك تعريفا باللازم، فيخرج حينئذ عن التعريف جواز الرّد في العقود الجائزة، و جواز فسخ عقد النكاح في هذه الأمور التي ذكرها المصنف (قدّس سرّه).

و أمّا خروج جواز الفسخ و الإمضاء في عقد الفضولي، و خروج ملك الوارث ردّ العقد على ما زاد على الثلث فواضح، لأن ذلك ليس من قبيل الحق و السلطنة على نفس العقد كالخيار في عقود المعاوضات، بل ذلك من باب السلطنة على نفس المال، فإنّ المالك في الفضولي و الوارث بالنسبة إلى ما زاد على الثلث مالك حقيقة للمال، و لم ينتقل بعقد الفضولي و بوصية الميت عن ملكه، فليس ذلك‌

14

ابتداء ملك للفسخ بعد فرض وقوع عقد يحتاج انحلاله إلى فسخ، و لذا كان في الفضولي و الوصية يكفي في الانحلال عدم الإمضاء و عدم الرضا، و تسمية ذلك فسخا تسامحا، فلا يحتاج إلى قول أن فعل يتحقق به إنشاء الفسخ، و إنّما المحتاج إلى ذلك هو الإمضاء، على العكس في العقد الخياري، فإن بقاء العقد على مقتضاه يكفي فيه عدم الفسخ، و لا يحتاج إلى إنشاء بقول أن بفعل، و إنّما المحتاج إلى ذلك هو الفسخ.

نعم إسقاط خياره الذي نسميه إمضاء هنا يحتاج إلى الإنشاء بالقول أو الفعل، بخلاف الفضولي و الوصية الزائدة على الثلث، فإن نفس بقاء العقد يحتاج إلى الإنشاء، فضلا عن لزومه و سقوط الخيار لو كان هناك خيار، و لذا إن المالك في الفضولي، و كذا الوارث في الوصية لو أمضى بالقول أو الفعل لا يمضي إلّا نفس العقد تصحيحا له، و لا يسقط ما كان من خيار لو كان لذلك العقد خيار، مثل خيار العيب أو المجلس، أو غير ذلك من الخيار، على تفصيل تقدّم في محله في بيع الفضولي، فراجع و استغنم (1).

قوله (قدّس سرّه): و قد يعرّف بأنه ملك إقرار العقد. إلى آخره.

كما في الرياض، و ما ناقش به المصنف (قدّس سرّه) أمر ينبغي الاعتماد عليه.

توضيحه: أن إقرار العقد تارة يراد منه عدم الفسخ و إبقاء العقد على حاله، و قد عرفت أن إبقاء العقد على حاله يكفي فيه عدم صدور الفسخ، و لا يحتاج إلى إنشاء.

و أخرى يراد منه تثبيت العقد و جعله لازما بعد أن كان جائزا.

فإن أريد من الإقرار في التعريف الأول الذي هو عبارة عن نقيض الفسخ فيكون أمرا عدميا، فإن الأمور العدمية على التحقيق لا تتعلّق بها القدرة، و الملك‌

____________

(1)- في الأصل: و استغم.

15

عبارة هنا عن القدرة و السلطنة.

نعم نسبة القدرة إلى الترك لنسبتها إلى الفعل على طبع القدرة على الفعل، و لذا يقال المختار إذا شاء فعل، و إذا لم يشأ لم يفعل، لا أنّه إذا شاء لم يفعل، و إن اشتهر أن القدرة على الفعل و الترك معا، و جرى عليه المصنف (قدّس سرّه) في كلامه.

إلّا أنّ التحقيق أنّه في الترك على طبع القدرة على الفعل، كما سمعت الآن، و على كل حال فذكر الترك مستدرك لكفاية ذكر الفعل المقدور، بل لا معنى له، لعدم تعلق القدرة به.

و إن أريد من الإقرار الثاني، فيكون أمرا وجوديا، و يقابله الفسخ تقابل الضد للضد، ففيه أولا: أنّ مرجع ذلك إلى إسقاط الخيار، ضرورة أن العقد بنفسه يقتضي دوام الملكية للطرفين، لا يحتاج إلى جعل من أحد المتعاقدين غير صدور نفس العقد منهما، بخلاف الإمضاء في الفضولي، كما تقدمت الإشارة، فلا يصح أن يراد من الإقرار هنا معنى وجودي إلّا إسقاط الخيار، و لا ينافي ذلك أن الخيار- كما تقدم- هي السلطنة على العقد، فإن السلطنة على الشي‌ء الحاصل ليس من مقتضاها تثبيت متعلّقها، فإن السلطنة سلطنة ليس فوق ذلك شي‌ء إلّا رفعها. كما في السلطنة على الأعيان.

نعم لمن له السلطنة على الأعيان أن يرفع هذه السلطنة و أن لا يرفعها، أما إبقاء العين و تثبيتها فذلك نفس وجود العين مسلطا عليها كاف فيه، و لا يحتاج إلى إعمال زائد للسلطنة فوق نفس السلطنة.

فلا محالة لا بدّ أن يرجع إقرار العقد بهذا المعنى من الإقرار إلى إسقاط العقد و رفع هذه السلطنة التي له.

و لا معنى لأخذ هذا المعنى في تعريف نفس الخيار، فإنّ إعدام الشي‌ء كعدمه، لا يعقل أن يكون نفس مفهوم الشي‌ء و هو نقيضه، كما أنّه ليس من لوازمه‌

16

و آثاره، فإن آثار الشي‌ء الثابتة له إنّما تثبت بعد فرض وجوده و ثبوته، و إعدامه هو نفس عدمه، فكيف يعقل أن يثبت له بعد وجوده؟! و إلّا اجتمع النقيضان.

فإن قلت: إن إقرار العقد ليس هو عبارة عن نفس إسقاط الخيار مفهوما، و إنّما إقراره مسبب عن إسقاط الخيار.

قلت: و إن سلم، فليس الإقرار إذن نفس الخيار و لا من لوازمه، بل من لوازم نقيضه، فكيف يصح تعريفه به.

و ثانيا (1) لو سلمنا أن الإقرار بهذا المعنى لا يرجع إلى إسقاط الخيار، بل عبارة عن جعل العقد لازما ثابتا لا يزول في قبال فسخه و إزالته، فإن مقتضى ذلك أنه لو كان الخيار للطرفين، و أمضى العقد أحد الطرفين، فإن العقد يكون لازما، و لا مجال لفسخ الآخر حينئذ، مع أنه من الضروري عندهم أنه إذا أمضى أحد الطرفين، فإنّما يكون لازما من طرفه فقط لا من الطرفين، فإذا فسخ الآخر انفسخ العقد، و على هذا بنوا تقديم الفسخ على الإمضاء لو تعارضا، و إرادة اللزوم من أحد الطرفين فقط لا مطلقا، فليس لذلك معنى غير إسقاط الخيار، و رفع اليد عمّا له من السلطنة المجعولة له، إمّا بجعلهما أو بجعل الشارع، كما في خيار المجلس و الحيوان، و أمثال ذلك، فيعود ما قلناه أولا.

و الحاصل: أنه إمّا أن يراد من جعله لازما و تثبيته من طرف واحد، فليس له معنى إلّا إسقاط الخيار، و إمّا أن يراد من الطرفين، فمقتضاه عدم تقديم الفسخ على الإمضاء، كما هو مسلّم عندهم فيما إذا كان الخيار الطرفين، و أمضى أحدهما و فسخ الآخر.

فإن قلت: فرق بين الإمضاء و الفسخ، فإنّ الفسخ حيث يكون معدوما للموضوع- و هو العقد، فيسقط خيار الآخر، و لا مجال حينئذ لأعماله- سالبة‌

____________

(1)- كذا، و لم يرد: أولا.

17

بانتفاء الموضوع.

و هذا بخلاف الإمضاء، فإن العقد فيه يتأكد ثبوته. و المفروض أنّ للآخر خيار، و مع فرض ثبوت الموضوع و بقائه أيّ مانع من إعمال الآخر سلطنته، فينزل العقد بالفسخ.

و الحاصل: أن تثبيت العقد من أحد الطرفين و جعله لا يزول، لا يقتضي زوال سلطنة الآخر و خياره، لأن الموضوع بعد لم ينتف، بل تأكد ثبوته حتى ينتفي الخيار لزوال الموضوع، كما كان في صورة الفسخ، و ليس أحد الطرفين له السلطنة أيضا على إزالة خيار الآخر و إسقاطه حتى يزول خياره بمجرد إعمال الأول خياره فلا محالة يكون الخيار له باقيا.

قلت: بعد أن فرضت أنّ من له الخيار له القدرة على إقرار العقد و جعله ثابتا لا يزول بمعنى زائد على إسقاط الخيار، فلا محالة لا مجال لإعمال الآخر خياره، فإن الشي‌ء الثابت اللازم المفروض أنه لا يزول، كيف يتصور القدرة على زواله؟! فلا محالة يسقط خيار الآخر، لعدم تزلزل موضوعه، كما كان في انعدام موضوعه، حذو النعل بالنعل فتدبّر جيدا.

و لكن الإنصاف ينبغي أن يقال: إن الإقرار الذي هو إعمال الخيار، و إن كان عبارة عن جعل العقد ثابتا لا يزول، إلّا أنه ليس معناه جعله ثابتا من جميع الجهات، و انما الغرض جعله ثابتا من جهته بتمليكه الالتزام (1) للآخر.

و لازم هذا المعنى هو إسقاط الخيار، لأنه إذا أعمل خياره، فقد سقط طبعا، كما أنّ لازم إسقاط الخيار إقرار العقد، و التلازم بينهما هو الذي يوقع الوهم في الاشتباه، و إلّا فمفادهما ليس أمرا واحدا، و كلّ منهما ينشأ بغير ما ينشأ به الآخر‌

____________

(1)- في الأصل: لالتزامه.

18

و يشهد لذلك قوله (عليه السّلام) في خيار الحيوان «فذلك رضى منه» (1) أي الحدث قبل الثلاثة، فجعل التصرف مصداقا للرضى بالعقد، و هذا غير معنى الاسقاط فيكون التصرف منشأ به الإمضاء و الإقرار.

و يفهم من هذا أن الإقرار كالإسقاط يحتاج إلى الإنشاء قولا أو فعلا.

نعم بقاء العقد على حاله لا يحتاج إلى إنشاء، و يكفي فيه عدم الفسخ، و لكن مجرد ذلك لا يوجب ثبوت العقد من قبله و سقوطه خياره، بل الخيار يبقى ما دام زمانه باقيا، و لو كان هذا إعمالا للخيار للزمه سقوطه.

و من هذا التقرير يظهر أن هذا التعريف للخيار، و هو (ملك إقرار العقد و إزالته) خير من تعريف المصنف ب‍ (ملك فسخ العقد).

أصالة اللزوم في البيع:

قوله (قدّس سرّه): إن الأصل في البيع اللزوم. إلى آخره.

إن أصالة اللزوم لا يختص الكلام فيها بالبيع، بل ذلك جار في جميع العقود، فينبغي البحث هنا عن معنى اللزوم المتنازع في أصالته في جميع العقود، و في خصوص البيع و أمثاله، من عقود المعاوضات، كالإجارة و الصلح المتضمن للمعاوضة.

فنقول: قد عرفت في الحاشية السابقة أن العقود بحسب وضعها الأصلي و تشريعها من العقلاء و العرف أو الشرع على ثلاثة أنحاء:

تارة يكون العقد بحسب وضعه و ما بني عليه في أصل تشريعه من العقلاء هو اللزوم و الدوام، كما في عقد النكاح و الوقف و أمثالهما، فيكون مقتضيا للّزوم.

____________

(1)- الوسائل 18: 13، باب 4 من أبواب الخيار، حديث 1. (مرجع مذكور).

19

و أخرى يكون بحسب وضعه على نحو الجواز، كالهبة، لأنها إحسان، و الإحسان عند العقلاء لا يرونه لازما على المحسن، فيكون مقتضيا للجواز.

و ثالثة يكون على نحو اللاإقتضاء فلا يقتضي اللزوم و لا الجواز.

و قلنا: إن الشارع إذا أمضى المعاملة التي من شأنها اللزوم أو الجواز تقع كذلك، فيكون لزومها أو جوازها حكميا لا تقبل الانقلاب باختيار المتعاملين إلّا بالأسباب الّتي يضعها الشارع و يقررها، كالطلاق في النكاح، فلا يقبل ما كان لزومه حكميا أن يكون جائزا بالجواز العقدي الحقّي، و لا ما كان جوازه حكميا يقبل أن يكون لازما باللزوم العقدي الحقي.

و أمّا ما كان من قبيل القسم الثالث فيقبل النحوين، لأن حقيقته اللاإقتضاء.

فإن علم أن العقد من قبيل القسم الأول أو الثاني فلا كلام، و يكون لازما أو جائزا، لزوما أو جوازا حكميا لا يقبل الأوّل الجواز العقدي، و لا الثاني اللزوم العقدي.

و إن علم أنه من قبيل الثالث، فلا يحكم عليه بشي‌ء من اللزوم و الجواز الحكميين، و يقبل اللزوم و الجواز العقديين (1)، كما سمعت، فيكون لازما بالتزام المتعاقدين، و جائزا بعدم التزامهما، فإن ثبت التزام المتعاقدين أو عدم التزامهما، كما في البيع المشروط فيه الخيار فذاك، و إلّا لو خلّي العقد و نفسه من دون جعل للالتزام منهما و لا لعدمه، أو شك في التزامهما، فهل مقتضى الأصل أن يكون لازما أو جائزا؟ و قد تختلف العقود التي تكون من هذا القبيل بعضها بعض، لكن المشهور أن الأصل اللزوم في مطلق العقد و خصوصا في البيع.

ثمّ لو شكّ في عقد أنه من قبيل القسم الأول الذي يكون لازما لزوما‌

____________

(1)- في الأصل: العقدين.

20

حكميا، أو من قبيل القسم الثاني الذي يكون جائزا جوازا حكميا، فيرجع الشك في اللزوم و الجواز الحكميين، بخلاف ما تقدّم، فإن الدوران يكون بين الجواز و اللزوم العقديين، فهل الأصل أيضا هنا اللزوم؟

ربّما يظهر من بعض الكلمات أنّ الحكم بأصالة اللزوم عام لمثل المقام، و إن كان تمسكهم بعموم وجوب الوفاء بالعقد ينفي ذلك، فإن العقد عبارة عمّا عقده المتعاملان، و كان اللزوم بجعلهما، كما أنه قد يشك في أن العقد المعلوم كونه لازما، هل لزومه حكمي أو عقدي؟ و العقد المعلوم كونه جائزا، هل جوازه حكمي أو عقدي؟ و للكلام في هذا محل آخر.

و المهم في المقام البحث عن البيع، و قد عرفت أن محل الكلام في البيع و في أمثاله من العقود التجارية هو اللزوم و الجواز العقديين لا الحكميين، لمعلومية كون البيع و ما يشبهه ليس لزومها لزوما حكميا.

و الحقّ كما عليه المشهور، أو المجمع عليه- كما يستفاد من بعض- هو أصالة اللزوم.

و يمكن تقريب هذا الأصل بوجهين:

الوجه الأول في تقريب الأصل:

الأوّل: إنه قد تقدم منّا في المعاطاة و غيرها: أن حقيقة البيع هو المبادلة بين المالين، و معنى ذلك أن الإضافة الحاصلة بين المالك و المال التي ينتزع منها أن صاحب المال مالك، و المال مملوك لا تنقل في البيع، بل لا يعقل فيها النقل، فلا يقع التبديل بين الملكيتين أو الإضافتين، بل إنما يكون التبديل بين طرفي الإضافتين فقط، فالبائع يجعل المبيع بعد أن كان طرفا لإضافته المالكية طرفا لإضافة‌

21

المشتري المالكية إلى الثمن بدلا عن الثمن، فيكون طرفا لتلك الإضافة التي كان الثمن طرفا لها و يحلّ محلّه، و كذلك المشتري يجعل الثمن طرفا لإضافة البائع المالكية إلى المبيع بدلا عن المبيع، فيكون طرفا لتلك الإضافة التي كان المبيع طرفها لها، فيحلّ محلّه أيضا، فلا يحدث حينئذ تغيير و تبديل في نفس الإضافات، بل أضافه البائع على حالها، و إضافة المشتري أيضا على حالها، لكن كان الطرف لإضافة البائع هو المبيع، فصار بهذه المبادلة الثمن في محلها، و كان الطرف لإضافة المشتري هو الثمن، فصار بهذه المبادلة المبيع في محلّها، فليس التبديل إلّا بين الطرفين للإضافتين، أعني تبديل نفس المالين، كما يدلّ عليه التعريف.

و عليه إذ تبقى إضافة كل من البائع و المشتري على حالها، فلا بدّ أن يكون البيع لو خلي و طبعه يقتضي اللزوم، لأنه كانت إضافة كل منهما إلى ماله قبل المبادلة على نحو اللزوم بلا تزلزل في نفسها، فإذا كانت نفس هذه الإضافة باقية و تغيّر طرفها فقط، فلا محالة تبقى على ما كانت عليه من اللزوم.

و قد قرّب بضع أجلة مشايخنا هذا المعنى و هذا التبديل بين طرفي الإضافتين، بأن الإضافتين كالخيطين خيط مشدود من رقبة المالك البائع إلى المبيع، و خيط من رقبة المشتري المالك إلى الثمن.

و معنى تبديل الطرفين أن العقدة التي على المبيع تحلّ، و يشدّ طرف الخيط في الآخر و هو الثمن، و العقدة التي على الثمن تحلّ و يشد طرف الخيط على المبيع.

و أمّا طرفا الخيطين الآخرين فهما باقيان على حالهما على رقبتي المالكين، و الخيط المتصل برقبة البائع أو المشتري على حاله لم يتبدّل، فكذا الإضافتان لا يتبدلان و باقيتان على حالهما من كونهما إضافتين لزوميتين.

نعم إلّا أن يكون البائع لا يشدّ طرف الإضافة أو الخيط في الثمن شدّا وثيقا، و كذلك المشتري، فيكون العقد جائزا قابلا للانحلال، و هذا معنى أن كلا من البائع‌

22

و المشتري قد لا يملك التزامه للآخر، فيكون البيع بيعا خياريا، و قد يكون عدم الشدّ الوثيق يكون بجعل الشارع لمصلحة و حكمة، كما في خيار المجلس و الحيوان، و إلّا فعقد البيع، مع قطع النظر عن جعل المتبايعين أو الشارع للخيار، فبمقتضى طبعه و أصله أن يكون لازما.

و بهذا التقرير يظهر أنه لا ينافي هذا الأصل جعل خيار المجلس في كل عقد حتى يقال: كيف تجتمع أصالة اللزوم في البيع مع دخول خيار المجلس في جميع أفراده.

التقريب الثاني للأصل:

الوجه الثاني من التقريب: أن الغرض من البيع عند المتعاملين كسائر العقود التجارية هو البناء على الانتفاع بالمبيع أو الثمن ليكون ملكا لهما، فالبناء الأصلي في المتبايعين هو أن يكون ما يشتريه، أو ما يأخذه ثمنا ملكا له، يتصرف به كيف يشاء، ليس لأحد معارضته فيه، فاللزوم في البيع أم تبانى عليه المتعاقدون لمصالحهم و قضاء حوائجهم، و هذا لا من جهة جعل جاعل أو بناء العرف أو العقلاء على أن يكون البيع لازما بين المتبايعين مع قطع النظر عن التزام الطرفين، كما كان في العقود اللازمة باللزوم الحكمي، كما قلناه سابقا، فإن ذلك معنى آخر.

و المقصود في المقام هو أن اللزوم من نفس بناء المتبايعين بأصل فطرة الناس من حيث الحاجة إلى المبادلة و انتظام معاشهم و قضاء حوائجهم شخصيا، مع قطع النظر عن بناء العقلاء أو العرف أو الشرع، بل هذا أمر يخص كلّ متعاقدين في نفسهما.

23

و هكذا الكلام في سائر العقود التجارية، فإن الأمم جرت في معاملاتهم التجارية بعضهم مع بعض، و بين أمّة و أمّة على هذا الأساس، و البناء بحيث إنما يشتري البضاعة لتكون له إلى الآخر كسائر أمواله، بحيث لا يبقى لأحد التصرف فيها.

و الحاصل أن طبع البيع و المبادلة هو الالتزام من المتعاقدين على تمليك أحدهما للآخر ليكون مالا له، و يخرج عن رقبة نفسه، و قد يخرج نادرا عن هذا الأصل، فلا يملّك أحدهما التزامه للآخر، فيدخل الخيار في البيع بجعلهما.

و ليس الغرض من هذا الكلام أن الغلبة في البيع ذلك حتّى يقال: إنه لا دليل على حجية الظن في الغلبة، و أنّه إن أريد غلبة الأفراد فأغلبها ينعقد جائزا، لأجل خيار المجلس أو غيره من الخيارات، و إن أريد غلبة الأزمان، فلا ينفع في التمسك في الشك في الأفراد، كما في الكتاب، بل الغرض- كما عرفت- أن الأصل و طبع البيع هو أن يكون عن التزام من المتبايعين، لتوقف انتظام أمور معاشهم و قضاء حوائجهم على ذلك.

و لذا قال العلّامة في التذكرة- كما نقله في الكتاب-: و الغرض تمكن كل من المتبايعين من التصرف فيما صار إليه، و إنّما يتمّ باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه (1)، انتهى.

و الظاهر أن غرضه ما ذكرناه من الأصل و دخول خيار المجلس في أغلب أفراد البيع بجعل الشارع ذلك، لا ينافي أن بناء المتعاملين على (2) اللزوم.

و إذا عرفت ما ذكرنا من كون الأصل في البيع في بناء أهل العرف المتعاملين به هو اللزوم، فإذا أمضاه الشارع على هذه الحالة على ما عندهم، فلا بدّ أن يكون.

____________

(1)- تذكرة الفقهاء 1: 515 ط. حجرية (منشورات المكتبة المرتضوية/ إيران).

(2)- في الأصل: عن.

24

كذلك لازما بطبعه شرعا، و إذا لم يمضه كذلك، فلا بدّ أن يتبع دليله في ذلك.

و لكن المفروض أن الشارع أمضى هذه المعاملة بما هي عليه عند العرف، كما يدلّ عليه قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) و قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) و قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).

فيثبت بمقتضى هذه العمومات- المضية لما عند الناس من معاملة البيع، و غيرها من عقود التجارات- أن الأصل في البيع عند الشارع هو اللزوم، كما في غيره من العقود، و لا يخرج عن هذا العموم إلّا بدليل، كأدلة خيار المجلس و خيار الحيوان، و أمثال ذلك، فإذا شك في مورد في الخروج عن هذا الأصل، فالمرجع هذه العمومات.

و منه تعرف سرّ ما تمسك به بعض الأعلام لأصالة اللزوم بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ، و قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فإنه ليس الغرض إثبات اللزوم من نفس هذين الآيتين، حتّى يستشكل في الأولى بأنها لم تدل إلّا على حليّة البيع، و لا دلالة على اللزوم المدّعى.

و في الثانية لزوم كثرة التخصيص بالنظر إلى سائر العقود الجائزة، فإنّه بعد أن كان المستفاد منهما ليس إلّا إمضاء البيع الذي هو عند العرف، و إمضاء العقود التي عندهم على ما هي عليها، فلا بدّ من إثبات لزوم البيع بهما، لكونه كذلك عند العرف، و قد أمضاه الشارع كذلك، فلو كان عقد جائزا عند العرف، بمعنى من الجواز يقابل اللزوم في البيع- و هو اللزوم العقدي الذي يكون بجعل المتعاقدين- فلا بدّ أن يكون ذلك العقد جائزا عند الشارع بهذا الدليل، كما كان جائزا عند‌

____________

(1)- البقرة: 275.

(2)- النساء: 29.

(3)- المائدة: 1.

25

العرف على نسق استفادة لزوم البيع عند الشارع من لزومه عند العرف و إمضائه بطريقتهم بحسب الفرض لو قيل: إن لفظ العقد شامل للعقد الجائز من حيث طبعه، و إلّا فهو خارج تخصصا كخروج العقود الجائزة و اللازمة جوازا و لزوما حكميا، لعدم كون اللزوم و الجواز فيها بجعل العاقد حتى يؤمر بالوفاء، كما سيأتي إن شاء اللّٰه توضيحه.

نعم خروج البيع الثابت له الخيار بأدلته و لو كان الخيار بجعل المتبايعين لا بدّ أن يكون تخصيصا لا تخصّصا، و لا يلزم منه حينئذ كثرة التخصيص، فتدبّر جيدا، و لا يختلط عليك.

قول العلامة (قدّس سرّه):

و الأصل الاستصحاب. إلى آخره.

ظاهر هذه العبارة أنّها بيان لما سبق من الأصل، إلّا أنّه لا معنى لكون البيع وضعه الشارع للنقل هو معنى الاستصحاب، فيحتمل أن تكون على نحو التتمة لما سبق، فكأنه قال: و الأصل بقاء النقل.

و بيانه أنّه لما علم من الشارع أنه جعل البيع للنقل، فإذا وقع البيع فقد وقع النقل، و لكنه يشك أنه لازم، فيسري إلى جميع الأزمنة حتى بعد الفسخ، أو جائز فينقطع بحصول الفسخ، فيستصحب حينئذ النقل الذي وقع.

و يحتمل أن تكون وجها ثانيا للأصل، فتكون الوجوه- على هذا- التي ذكرها العلّامة ثلاثة، ثانيها الاستصحاب.

و لكن يبعد هذا الاحتمال و إن كان هو أقرب في سوق العبارة: أنه على هذا لا يكون الوجه الأوّل تامّا، بحيث يصلح أن يكون دليلا، فإن مجرد أن يكون الشارع وضعه لنقل الملك لا يقتضي أن يكون البيع لازما، فإن من يقول: إن الأصل فيه الجواز، يقول أيضا بوضعه لنقل الملك.

إلّا أن يقال: إنه إشارة إلى دليل مركب من صغرى و كبرى، و لكن أشار‌

26

إلى صغراه اعتمادا على وضوح المقصود.

و حاصل ذلك يكون أن الغرض من البيع عند الشارع هو نقل الملك، لأنه وضعه لذلك، فجواز نقض البيع بالفسخ يكون نقضا للغرض منه، و هو لا يصحّ فتدبّر.

و أمّا الثالث، فقد ذكرنا سابقا في الحاشية المتقدمة أن الظاهر أن غرضه بيان التقريب الثاني الذي ذكرناه، و هو غير بعيد من عبارته، و لكنه بنفسه غير تام الدليلية ما لم ينضم إلى ما ذكرناه سابقا من إمضاء الشارع لطريقة العرف على النحو الذي جروا عليها، فكأنّه أيضا كالدليل الأول انّما اكتفى بذكر الصغرى فقط، و الكبرى على كلّ حال في كليهما عدم صحة نقض الغرض، إمّا غرض الشارع كما في الأوّل، و إمّا غرض المتبايعين، كما في الثاني، و على كلّ حال فالأمر سهل.

قوله (قدّس سرّه): مع أنه لا يناسب ما في القواعد. إلى آخره.

لأن هذا من الفرد النادر في مقابل الغالب، فلا يكون خروجا عن الغالب و هو في قبالة.

قوله (قدّس سرّه): و مرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع. إلى آخره.

قد يقال: ان إرجاعه إلى أصالة عدم الارتفاع بلا ملزم مع ان عدم الارتفاع ليس له حالة سابقة، و لكن غرض المصنف استصحاب عدم تأثير العقد سالبة بانتفاء الموضوع، و إن كان لا ملزم لهذا الإرجاع.

نعم الكلام في جريان استصحاب العدم الأزلي إلّا انّ المصنف (قدّس سرّه) يرى صحة هذا الاستصحاب و إن منعه جملة من الأكابر، على ان المصنف (قدّس سرّه) كثيرا ما يرجع الأصول الوجودية إلى الأصول العدمية، كما يرجع أصالة الحقيقة إلى أصالة عدم القرينة، و أصالة العموم إلى أصالة عدم التخصيص، و هكذا، و غير معلوم منه أنه يريد الإرجاع الحقيقي، بل لعلّه يقصد بذلك التفسير و التوضيح،

27

و إن كان المشهور عنه هو الأوّل، فتأمّل.

قوله (قدّس سرّه): الرابع المعنى اللغوي. إلى آخره.

ليس غرضه من المعنى اللغوي انه لغة كذلك، بل الغرض أن المنشأ بالبيع هو هذا المعنى، كما يرشد إلى هذا تفسيره للمعنى اللغوي انّ وضعه و بناءه عرفا و شرعا، و لا معنى لهذا التفسير لو أراد أنه كذلك لغة، و هذا الوجه ظاهره ينطبق على ما ذكرناه من التقريب الثاني لأصل اللزوم كما تقدّم.

قوله (قدّس سرّه): لكنّه مع عدم تماميته. إلى آخره.

وجه عدم تماميته أن خيار تخلف الوصف انّما يثبت أيضا لنقصان في أحد العوضين، فلا يدخل في القسم الأوّل، بل و كذا خيار تخلف الشرط.

28

أصالة اللزوم في غير البيع

قوله (قدّس سرّه): أمّا لو شك في عقد آخر من حيث اللزوم. إلى آخره.

لا يخفى أن الشك الأوّل في العقد الآخر إن كان المراد الشك في لزومه العقدي، كما في البيع، فلا بدّ أن يرجع إلى حال ذلك العقد عند العرف المتعاملين به.

فإن علم ان بناءهم على اللزوم، كما في جميع العقود التجارية، فالأصل اللزوم كما في البيع.

و إن علم بناؤهم على الجواز و قد أمضاه الشارع، فالأصل فيه على العكس من البيع، فإنّ الأصل حينئذ يكون الجواز و ان شك كذلك أيضا عند العرف، فلا مجال للحكم بأصالة اللزوم أو الجواز، لأنه لم يعلم أن طبع العقد ما هو، و قد عرفت معنى أنّ الأصل في البيع اللزوم على هذا الوجه، كما أنه لا معنى للحكم بأصالة اللزوم أو الجواز العقديين (1) في عقد شك في جوازه و لزومه الحكمي.

نعم الكلام أيضا يجري في العقود المشكوك لزومها الحكمي، و يجري هذا التقريب في البيع لإثبات لزومها أو جوازها الحكمي، فإنه قد عرفت أن العقود منها ما هو يقتضي اللزوم الحكمي عند العرف لا بالمعنى الذي صورناه في البيع،

____________

(1)- في الأصل: العقدين.

29

و منها ما هو يقتضي الجواز الحكمي، و منها ما هو حقيقته اللاإقتضاء كالبيع.

فإذا علم أن العقد عند العرف على النحو الأوّل و أمضاه الشارع، فالأصل فيه اللزوم الحكمي، و إن علم أنه على النحو الثاني فالأصل فيه الجواز.

و مع الشك فيما عند العرف فلا أصل، بل لا معنى له، كما لو شك في اللزوم العقدي أيضا عند العرف، كما تقدّم.

و إن علم أنه على النحو الثالث لا مجال للشك في لزومه الحكمي مع إحراز إمضاء الشارع له، و لا أصل قطعا بهذا المعنى يقتضي اللزوم أو الجواز الحكميين.

نعم لو شك فيما هو عند الشارع. نعم (1) إذا شك في هذا القسم إنه لازم لزوما عقديا- كما في البيع- فالأصل اللزوم أو الجواز، و قد تقدّم.

و بهذا التقرير يتضح لك ما في إطلاق عبارة المصنف هنا من عدم اقتضاء ذلك الأصل لزومه، أي لزوم عقد آخر غير البيع، و ما في تعليله لذلك بأن مرجع الشك حينئذ إلى الشك في الحكم الشرعي.

قوله (قدّس سرّه): فيجري في البيع و غيره. إلى آخره.

سواء كان لزوم غير البيع المشكوك فيه لزوما حكميا أو عقديا، كما سيأتي إن شاء اللّٰه توضيح معنى التمسك بهذا العموم في العقد المشكوك لزومه الحكمي.

العمومات:

قوله (قدّس سرّه): فمنها قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. إلى آخره.

اعلم أنه وقع الكلام بين العلماء أن المنشأ بهذه الآية و أمثالها، هل هو الحكم التكليفي و الحكم الوضعي منتزع منها، كما عليه المصنف (قدّس سرّه)، و عليه جرت طريقته‌

____________

(1)- كذا في الأصل.

30

في جميع الأحكام الوضعية أنها منتزعة من الأحكام التكليفية؟ أو أن المنشأ و المدلول لها هو الحكم الوضعي و التكليفي معا، أو خصوص الوضعي، كما عليه جملة من أكابر علماء العصر و من قارب عصرنا؟

و ينبغي الآن أن نوضح طريقة شيخنا المصنف أعلى اللّٰه مقامه قبل كل شي‌ء، فنقول: لبيان وجه التمسك بهذه الآية لأصالة اللزوم لا بدّ من تقديم أمرين:

الأوّل: العقد عبارة عن العهد أو ما يسمى عقدا لغة و عرفا، كما ذكره المصنف، و يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر، إذ من المعلوم انه ليس للشارع في مثل ذلك اصطلاح جديد، فما روي في تفسير علي بن إبراهيم من أنه العهد (1)، من القريب إرادة المعنى اللغوي أو العرفي، و المفهوم من العقد هو إيجاد العقدة في المنشأ بالمعاملة لئلا تنحل المعاملة، و من المعلوم أنّ حصول العقدة في البيع لا تكون بنفس المبادلة، و كذلك غيره من المعاملات لا تكون بنفس إنشاء معنى المعاملة، بل معنى المعاملة هو الموضوع للعقدة، و هي التي تحتاج إلى الربط و العقد و الإيثاق حتى لا تنحل، فكيف يكون إيجادها إيجاد للعقدة؟!.

و هذا واضح، فمعنى إيجاد العقدة و جعل المعاملة وثيقة هو أن يعطي كلّ من المتعاملين التزامه للآخر و يملّكه إياه، بحيث لا يجعل لنفسه الاختيار في الفسخ و الردّ و إبطال المعاملة، فتكون العقدة حاصلة من الطرفين، و قد يعطي أحد المتعاملين فقط التزامه للآخر، فتكون العقدة حاصلة من طرف واحد.

و قد تقدّم منّا أن بناء المتعاملين في جميع المعاملات التجارية على الالتزام و التعهد في المعاملة، و البناء على إعطاء كلّ من المتعاملين التزامه للآخر، حفظا‌

____________

(1)- الظاهر ان التفسير بالعهد ليس في تفسير القمي بل هو عن ابن عباس، كما نقله الطبرسي في مجمع البيان 3/ 233 و سيأتي مزيد تفصيل من الشيخ (رحمه اللّٰه).

31

لنظامهم التجاري، و رعاية لحاجاتهم و ضرورياتهم، كما سبق توضيحه.

فالبيع كغيره من المعاملات التجارية مبني على هذا المعنى، و المتعاملين أصل معاملتهم تكون على إعطاء الالتزام و التعهد بإبقاء كلّ من العوضين عند من انتقل إليه على نحو الدوام.

و بهذا يتضح أن عقدية العقد إنما تكون بهذا الالتزام و التعهد، الذي هو عبارة عن اللزوم المعاملي، و لهذا يصحّ تسمية العقد عهدا، لأنه لا يكون عقدا إلّا لتضمنه للتعهد و الالتزام، و مقتضى هذا التعهد و الالتزام أنه ليس لأحدهما التصرف فيما صار إلى الآخر بهذه المعاملة، و كلما يكون نقضا لهذه المعاملة و مضمون العقد فهو غير جائز بمقتضى التزامهما.

و أما المعاملة الخالية عن هذا التعهد و الالتزام لا تسمى عقدا.

الثاني: إن هذه العمومات بمقتضى إطلاقها لها العموم الزماني، و معنى عمومها الزماني أن الحكم مطلق مستمر لا يختص بزمان دون زمان، لأن متعلق الحكم له العموم الزماني و الحكم ثابت للعام الزماني، و بعبارة يكون مصب العموم الزماني هو الحكم، لا أنّ مصب الحكم هو العموم، كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى توضيح ذلك في خيار الغبن.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إنّه لمّا كان العقد عند العرف هو عبارة عن إيجاده العقدة بين المتعاملين، و إعطاء كلّ منهما التزامه للآخر، فمعنى الوفاء به هو العمل بمقتضاه و عدم نقض تعهدهما بأن التزام كل منهما بيد الآخر و التزامهما بعدم التصرف في ما انتقل إلى الآخر، فإذا أمر الشارع بالوفاء، فليس معناه انّ هذا حكم تعبدي مولوي دائمي كوجوب الصلاة و الصوم و أمثال ذلك من الواجبات التوصلية أو التعبدية التي لم يأمر بها الشارع إلّا لمصلحة نوعية يختل بدونها نظام النوع، بل لا بدّ أن يراد من وجوب الوفاء بالعقد هو لزوم الجري على مقتضى‌

32

العقد لمراعاة حقوقهما و تنفيذ ما التزما به لمصلحة نفسيهما (1) على طبق رضاهما، فلو تقايلا و رضيا بنقض هذا التعهد و العقد، و استرجاع الالتزام الذي أعطاه كل منهما للآخر، فلا محالة لا يجب حينئذ الوفاء، و لا يحرم ذلك عليهما، نظير وجوب الوفاء بالدين، فإن هذا الوجوب إنما هو مراعاة لحق الدائن، فلو أن الدائن أبرأ ذمة المدين أو أمهله، فموضوع وجوب الوفاء ينتفي قطعا، و لا يجب الوفاء.

فمقتضى هذه الآية العامّة لكل عقد- لمكان الجمع المحلّى باللام- أن كل معاملة صدق عليها العقد يجب الوفاء بمقتضاها، و لا يجوز نقضها، و يحرم الفسخ على نحو يكون الوجوب وجوبا تكليفيا حقيا، أي لمراعاة حق الطرف الآخر، و الحرمة تكون حرمة تكليفية حقيقة كذلك، و حيث قلنا في الأمر الثاني أن العموم عموم أزماني فيعم وجوب الوفاء جميع الأزمنة إلى الآخر على نحو الدوام، إلّا أن يأتي مخصص فيخرج عن هذا العموم، كأدلة الخيارات، و مع عدمه فالمرجع هو هذا العموم بلا شبهة، و ينتزع من هذا الوجوب التكليفي الحقّي- أي الذي هو لمراعاة حقي المتعاملين- الحكم الوضعي، و هو لزوم المعاملة الذي هو لازم مساوي لذلك الوجوب بالمعنى المتقدم.

و التمسك بهذا العموم لإثبات اللزوم لا يفرق فيه بين أن يكون في اللزوم و الجواز من أول الأمر، أو بعد انعقاد المعاملة لازمة، لأنه يكون شكا في التخصيص.

أمّا على الثاني فواضح، و أمّا على الأوّل، فلأن المعاملة، و إن كانت مشكوكة اللزوم من أوّل الأمر، إلّا أن المفروض أنّ المتعاملين تعاقدا و تعاهدا، و أعطى كلّ منهما التزامه للآخر، فصدق على المعاملة اسم العقد، فهي داخلة في عموم وجوب الوفاء بالعقد، فإذا شككنا في لزومها عند الشارع، فقد شككنا في‌

____________

(1)- في الأصل: نفسهما.

33

تخصيص هذا العموم و في الشك في التخصيص المرجع أصالة العموم، كما هو واضح.

هذا كله إذا كان الشك في العقود التجارية التي لزومها لزوم عقدي لا حكمي، أمّا لو كان الشك في لزوم العقود التي لزومها حكمي كالنكاح و الوقف، فالتمسك بهذا العموم لإثبات لزومها الحكمي محل نظر، فإن غاية ما ينتزع من هذا الوجوب هو اللزوم العقدي، أمّا اللزوم الحكمي فلا معنى لانتزاعه من هذا الوجوب، لأن هذا الوجوب قد فرضناه رعاية لحق المتعاقدين، و مع رضاهما بالفسخ و انحلال العقد، لا مورد لوجوب الوفاء، فهو وجوب حقّي كما قلناه آنفا، فكيف ينتزع منه اللزوم الحكمي الذي هو ثابت حتى مع رضا المتعاقدين بالفسخ، و لهذا قلنا: إن الإقالة لا تدخل في العقود اللازمة باللزوم الحكمي، لأنه لا أثر لرضاهما بالفسخ أو التقايل، فلا يكون اللزوم الحكمي منتزعا من الوجوب الحقي، و لا نفس الوجوب الحقي.

نعم لا بأس بالتمسك بهذا العموم في العقود اللازمة باللزوم الحكمي إذا شك في لزومها لتأكيد لزومها الحكمي لا لتأسيسه، فتدبّر.

ثمّ إنه أورد بعض المحشّين (قدّس سرّه) على الكتاب أن وجوب الوفاء فرع وجود العقد، و بعد الفسخ نشك في بقائه، فلا يتم إلّا بالاستصحاب.

و دعوى أن المفروض وجود العموم الأزماني، مدفوعة بأنه على فرض التسليم إنما ينفع مع تحقق الموضوع، و هو مشكوك.

نعم لو كان الموضوع صدور العقد و لو لم يكن باقيا كان كما ذكر، لكنه مقطوع العدم، إذ مع فرض زوال العقد لا يجب الوفاء قطعا (1).

أقول: بعد ما عرفت من التقريب الذي ذكرناه لكلام المصنف (قدّس سرّه) تعرف‌

____________

(1)- السيد محمد كاظم اليزدي: حاشية المكاسب، قسم الخيارات، ص 3. ط. حجرية سنة 1378 ه‍.

34

عدم توجه هذا الإيراد، فإنه بعد أن كان المفروض أن العقد متضمن لالتزام كلّ من المتعاقدين للآخر بدوام مضمون المعاملة، و أنه ليس لكل منهما نقض هذا الالتزام بالفسخ، و لا بالتصرف فيما انتقل عنه بنحو من أنحاء التصرّف، و إذا دخل هذا العقد تحت عموم وجوب الوفاء بالعقد، فيكون بحكم الشارع حينئذ ليس لهما الفسخ و لا التصرف أبدا، حتى بعد الفسخ، فإذا شك في أنّ لهما التصرف و الفسخ فذلك شك في تخصيص العموم، فيتمسك بالعموم، و ليس ذلك من قبيل التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية.

و الحاصل أنّه بعد أن وقع من المتعاقدين الالتزام، و قد حكم الشارع بمقتضى هذا العموم بنفوذ هذا الالتزام و عدم جواز نقضه بالفسخ، فالعقد يكون محكوما بلزومه دائما، فإذا شك في زواله بالفسخ يحكم بعدم تأثير الفسخ فيه بمقتضى العموم الذي دلّ على أنه دائم لا يزيله الفسخ.

و بعبارة أخرى إنّه أ ليس قلنا ان الحكم في الآية حكم تكليفي ينتزع منه حكم وضعي، و ذلك الحكم التكليفي ينحلّ إلى الحكم بعدم جواز الفسخ دائما، فلا بدّ في مقام التخصيص أن يدلّ الدليل على حكم تكليفي، و هو جواز الفسخ في خصوص هذا العقد الخاص أو في خصوص زمان من أزمنة هذا العقد الخاص، و من هذا الحكم التكليفي ينتزع حكم وضعي، و هو جواز العقد إمّا من أول الأمر أو بعد زمان، فإذا شك في أنه يجوز الفسخ أو لا يجوز، فلا بدّ أن يكون للشك في ورود دليل يخصص العموم، على أنه لو سلّمنا أن العقد بحسب ذاته و أصل وضعه لا يقتضي اللزوم، لكن محالة أن اللزوم ثابت له من الشارع لو خلي و نفسه، فيحتاج إثبات جوازه (1) إلى التخصيص، فلا يكون المقام من الشبهة المصداقية.

و سرّ المغالطة في المقام أن اللزوم و الجواز من الصفات المنوّعة للعقد، كما‌

____________

(1)- في الأصل: جواز.

35

قيل إنهما صفتان منوعتان للملكية أو أنهما من لواحق العقد.

فإن كان الأوّل، فما ذكره المورد على الكتاب في محلّه، لأنّه إذا شك في لزوم عقد و جوازه يشك في وجود الموضوع بعد الفسخ، فلا يمكن التمسك بالعموم.

أما لو قلنا: إن الجواز و اللزوم من لواحق العقد إنّما يثبتان بجعل الشارع بعد فرض العقد، فلا مجال لهذا الكلام فإنه بعد فرض أن كل عقد بحسب العموم جعل له الشارع اللزوم و الدوام لمقتضاه، فإذا شك في عقد خاص أنه جائز، يشك في تخصيص ذلك العموم الدالّ على لزوم كل عقد، فتدبّر.

ثم هذا كله في تقريب ما أفاده المصنف من أنّ الآية مفادها الحكم التكليفي، و منه ينتزع الحكم الوضعي، لأنّ هذا الحكم التكليفي يلازم الحكم الوضعي، و هو اللزوم كما أوضحناه.

و التحقيق أن مفادها بالعكس هو الحكم الوضعي، و ينتزع منه الحكم التكليفي.

بيان ذلك يتوقف على ذكر مقدّمة و هي أن الالتزام و العهد و النذر و أمثال ذلك، تارة يتعلق بفعل الملتزم و الناذر و المتعهد، و أخرى يتعلق بالنتيجة.

فالأوّل مثل نذر الصيام و الصلاة، و غير ذلك من أفعال الإنسان الاختيارية، و الثاني مثل الملكية و الإباحة، مما كان نتيجة فعله.

و من المعلوم أن البيع بأصل وضعه عند العرف و عامة الناس يتضمن الالتزام و التعهد، كما قلناه سابقا، و لكنّ هذا الالتزام و التعهد إنّما هو متعلّق بالنقل و الانتقال الذي هو نتيجة عقد البيع، لا بنفس فعلهما، و هو إيجاد البيع، فإن إيجاد البيع هو إيجاد المبادلة، و هما يلتزمان كل للآخر بلزوم هذه المبادلة المنشأة و بقاء ملكية البائع للثمن، و المشتري للمثمن.

و بعبارة أخرى إنه بعد إيجاد العقدة يلتزمان ببقائها و عدم انحلالها،

36

و بشدها شدا وثيقا لا تقبل الانحلال إلّا برضاهما معا.

ثم إن الوفاء بالتعهد و الالتزام عبارة عن إبقاء هذا الالتزام و القيام به و الثبات عليه، غاية الأمر أن الثبات عليه تارة يكون نفسيا فقط حيث لا آثار هنا للملتزم به يظهر بها التزامه و ثباته عليه.

و أخرى يكون خارجيا يحصل بترتيب آثار الملتزم به، و يكون ترتيب الآثار علّة لظهور الالتزام و الثبات عليه على وجه يكون الوفاء و الثبات على الالتزام عنوانا لترتيب الآثار.

فيقال: إن الآثار ثبات عملي على التزام، أو وفاء عملي بالتزام، كعنوان تصديق العادل في حجية خبر الواحد المأمور به، فإن الأخذ بمؤدى الخبر علة لظهور تصديق العادل إذا كان بقصد التصديق، فيكون تصديقا عمليا، لا أن نفس العمل بمؤدى الخبر يكون تصديقا للعادل و لو لم يكن بقصد التصديق.

و هنا أيضا كذلك، فإن الأخذ بالآثار بنفسها ليس ثباتا على الالتزام و لا وفاء به، بل الثبات عليه و الوفاء به إنّما يظهر بترتيب آثار ما التزم به، فيكون الأخذ بالآثار ثباتا عمليا عليه و الوفاء عمليا به، بمعنى أنه يعنون بهذا العنوان و لازم الثبات على ما التزم به و الوفاء به عدم جواز ما يتحقق به نقض التزامه من التصرف في المقام بما انتقل عنه و فسخ البيع و أمثال ذلك مما يكون سببا لحصول نقض التزامه و تعهده.

إذا عرفت ما ذكرنا يتضح المقصود الذي نرمي إليه، فإن بعد أن فرضنا أن العقد عبارة عن إيجاد (1) العقدة بالتزام كلّ من المتبايعين مثلا للآخر، و متعلق الالتزام ليس هو الفعل، بل هو النتيجة، و الوفاء به عبارة عن الثبات على ذلك الالتزام و القيام بذلك الالتزام إلى ما بعد البيع، فلا محالة لا يكون المتعلق للأمر‌

____________

(1)- في الأصل: إيجاده.

37

بالوفاء هو فعل من أفعال المتبايعين حتى يكون الأمر متضمنا لحكم تكليفي، لأن متعلق الالتزام، كما قلنا، هو النتيجة التي هي عبارة عن الملكية و النقل و الانتقال، لا البيع الذي هو فعل للبائع و المشتري، و لا عدم التصرف بما انتقل عنه، و لا عدم الفسخ و لا شي‌ء من ذلك أصلا.

و عليه يكون المتعلق للأمر ليس إلّا اللزوم، الذي هو عبارة عن الثبات على الالتزام، الراجع إلى بقاء الالتزام، و هو معنى لزوم البيع.

و أما صيغة افعل، و إن كانت ظاهرة في الحكم التكليفي، لكن لا بدّ أن تحمل على الأمر الإرشادي لبيان اللزوم، كما نقول في الأوامر المتعلقة بالجزء و الشرط للواجب إنّها إرشاد إلى الجزئية الشرطية، كما أن النهي عن شي‌ء في المأموري (1) إرشاد إلى المانعية.

و الذي يشهد لما ذكرنا- من كون الوفاء في الآية هو الثبات على الالتزام و القيام به، لا نفس ترتيب آثار ما التزم به- أنّه فسرت العقود في الآية:

تارة بعقود أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما عن تفسير علي بن إبراهيم، عن الجواد (عليه السّلام): «أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عقد عليهم لعلي (عليه السّلام) بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل اللّٰه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين» (3).

و أخرى العهود التي أخذ اللّٰه سبحانه على عباده بالإيمان به، و طاعته فيما أحل له أو حرم، كما عن ابن عباس (4)، و غير ذلك من التفاسير.

و هذه المعاني لا تنطبق عليها كل الانطباق إلّا إذا أريد ما ذكرناه من معنى‌

____________

(1)- كذا في الأصل.

(2)- المائدة: 1.

(3)- تفسير القمي 1: 160 ه‍. قم سنة 1404 ه‍.

(4)- انظر الشيخ الطبرسي: مجمع البيان 3/ 233 طهران سنة 1406 ه‍.

38

الوفاء في الآية، و هو الثبات على الالتزام خصوصا في المعنى الثاني، فإن الوفاء بالإيمان و الطاعة لا يمكن يكون (1) واجبا بالوجوب المولوي، لعدم وجوب الطاعة بالوجوب الشرعي، فكذا الوفاء بها عملا و ترتيب آثارها.

و لا بأس على ما نقول من عموم الآية لجميع هذه الأمور، و يكون المراد من الآية و اللّٰه العالم: هو لزوم الثبات على العهود الذي (2)، يعاهدنا الإنسان على نفسه بالنظر إلى غيره و بالنسبة إلى نفسه، فتعم حتى النذر و العهد، و حتى مثل حلف الفضول عند الجاهليين.

فاتضح أن مفاد هذه الآية هو إنشاء (3) الحكم الوضعي و هو لزوم العقد دائما و بقاء الالتزام إلى ما بعد البيع، و منه ينتزع الحكم التكليفي من حرمة التصرف بما انتقل عنه، و حرمة الفسخ و أمثال ذلك، إذ بعد أن كان الالتزام ثابتا إلى الآخر، و العقد يكون لازما بقاء، كما هو لازم حدوثا، لا محالة يكون لازمه أن المبيع مثلا لا يجوز لأحد التصرف فيه- البائع و غيره على حد سواء- و كذلك لا يجوز فسخه، لأنه يكون به نقض الالتزام و هكذا من التكاليف الحكمية من النواهي و الأوامر المتعلقة بمال بالنسبة إلى غير مالكه.

و اتضح أيضا أنه لا معنى لأن يكون مفاد الآية هو الحكم الوضعي، كما في الكتاب، فيكون نهيا عن التصرف و الفسخ، أو أمرا بعدم التصرف و الفسخ، فإن عدم التصرف و الفسخ، و العمل على مقتضى الملكية و الالتزام ليس بنفسه و بما هو كذلك وفاء بالعقد، و العمل بمقتضى العقد هو ليس إلّا الثبات على الالتزام و عدم نقضه.

____________

(1)- كذا في الأصل.

(2)- كذا.

(3)- في الأصل: الإنشاء.

39

ثمّ إنّه يتضح لك من بياننا لهذا الوجه للآية الشريفة ان التمسك بها في مقام الشك في الجواز و اللزوم لإثبات اللزوم لا يتوقف على جعل الآية عامّة بالعموم الزماني بإطلاقها، فإن نفس معنى الثبات على الالتزام، و الوفاء به لا يتحقق إلّا بعدم نقض المعاملة بالفسخ، و إلّا فمع الفسخ لم يتحقق ثبات أصلا.

و بعبارة أخرى إنه بعد أن تضمن العقد الالتزام بالمبادلة و دوامها، فلا يتحقق الوفاء بها أصلا مع الفسخ في زمان من الأزمنة، فنفس الوفاء بالعقد هو معنى يقتضي الدوام بلا حاجة إلى استفادة عموم الحكم الزماني من الإطلاق، فتدبّر.

و بهذا التقرير كلّه تعرف أن خروج العقود الجائزة جوازا حكميا ليس من باب التخصيص، بل من باب التخصص.

و ذلك هو مقتضى لفظ الوفاء، فإن الوفاء إنّما يكون في فرض يكون الالتزام من العاقد فيفي به، أمّا لو كان اللزوم من الشارع جعله على نحو الحكم المولوي كسائر الأحكام التكليفية المحضة لا معنى لأن يأمر نفس العاقد بالوفاء، و ليس هو تحت يده رفعا و لا بقاء، فلا يكاد تشمل لفظ العقود في الآية المتعلقة لوفاء العاقد للعقود اللازمة باللزوم الحكمي، و إذا لم تكن اللازمة داخلة موضوعا، فالجائزة كذلك لا يكون خروجها تخصيصا.

نعم العقود الجائزة بالجواز العقدي كالبيع الخياري تخرج عن العموم تخصيصا لا تخصصا، لأن العقد بنفسه متضمن للالتزام المعاملي فهو في حدّ نفسه داخل لو لا الدليل الذي يدلّ على ثبوت الجواز، كدليل خيار المجلس و الحيوان.

إلّا أنّه يشكل في البيع الخياري الذي كان الخيار بجعل المتعاملين، فإنه لا التزام من المتعاملين بحسب الفرض، فلا معنى لوجوب الوفاء بالعقد الذي معناه،- كما قررناه- هو الثبات على الالتزام، إذ لا التزام، فلا عقد فلا وفاء، فلا‌

40

وجوب، و حينئذ يخرج مثل هذا البيع عن عموم الآية تخصصا لا تخصيصا، كالعقود الجائزة بالجواز الحكمي.

و يجاب عن ذلك بتوضيح معنى جعل الخيار من المتعاملين: إنّه لا شبهة أن المتعاملين بالبيع ينشآن المبادلة بالبيع، و يلتزمان بهذه المبادلة.

غاية الأمر أنّه تارة يعطي كلّ منهما التزامه للآخر، فلا يثبت الخيار لهما من قبلهما، و أخرى لا يعطي كل منهما التزامه للآخر، فيكون التزامه تحت سلطنته باقيا، و بهذا تحدث له السلطنة على العقد، فإن شاء أن يعطي التزامه للآخر، فيكون البيع لازما من قبله، و إن شاء أن يحلّ العقد و يفسخ، فينحل البيع، لأن له ذلك.

و على كلّ حال لا ينافي ذلك أنه التزام بالمبادلة و أوجد العقدة الذي بذلك يكون العقد عقدا، لأنّه غاية ما كان أن الالتزام لم يملكه إلى الطرف الآخر، و لم يجعل أمره بيد الآخر، فله إبقاء التزامه، و له حلّ العقد، لا أنه لم يلتزم أصلا بالمبادلة، و لم يوجد العقدة، و إنّما العقدة التي أوجدها تكون عقدة قابلة للانحلال لا عقدة موثقة غير قابلة للانحلال، فلا يخرج البيع عن كونه عقدا قد التزام المتبايعان بإيجاد مضمونه.

و يمكن تصوير الوفاء به، فيدخل تحت عموم الآية، و لكن لمّا دلّ الدليل الخاص على إمضاء ما جعلاه من الخيار، يكون ذلك الدليل مخصصا للعموم، و إلّا فمجرد عدم إعطاء كلّ منهما الالتزام للآخر لا يقتضي جواز الفسخ بدون الإمضاء من الشارع لما جعلاه.

فتحصل أن الحق في الآية أن مفادها هو الحكم الوضعي، لا الحكم التكليفي، كما عليه المصنف.

بقي الكلام في القول الثاني، و هو عمومها للحكم الوضعي و التكليفي عرضا،

41

كما ينسب إلى صاحب الجواهر.

و أنت إذا عرفت ما ذكرناه تعرف الوجه في عدم صحة إرادة الحكم التكليفي و إن كان مع إرادة الوضعي، لعدم صحة أن يراد من الوفاء نفس ترتيب الآثار، إلّا أن يجعل ذلك عنوانا و مرآة عن ترتيب الآثار من باب حكاية العنوان عن المعنون، و لكن الجمع بين جعل نفس العنوان موضوعا للحكم، و المعنون الحاكي عنه العنوان في استعمال واحد غير صحيح، فإنه جمع بين لحاظ العنوان لحاظا استقلاليا و لحاظه لحاظا مرآتيا آليا، مضافا إلى أنّ الجمع بين الحكم التكليفي و الحكم الوضعي في استعمال واحد غير ممكن، فإن استعمال الصيغة في الحكم الوضعي للإرشاد، و في التكليفي على نحو المولوية، و لا جامع بينهما، إذ لا جامع بين داعي البعث و داعي الإرشاد، و لا يعقل أن تكون صيغة الأمر مصداقا للإرشاد و للبعث معا.

قوله (قدّس سرّه): وجب العمل بما يقتضيه التمليك. إلى آخره.

لا يخفى أن ما يقتضيه العقد ليس إلّا الثبات على الالتزام، و القيام به في مقام الفعلية، كما تقدم، لا ترتيب آثار الملكية، فإن ترتيب الآثار بها يتحقق الثبات على الالتزام، و بها يخرج الالتزام إلى المرحلة الفعلية، و يكون التزاما خارجيا عمليا.

نعم يكون الوفاء و الثبات على الالتزام عنوانا لترتيب الآثار، كما مثّلنا بتصديق العادل عملا، فإن نفس العمل بما أخبر به لا يكون تصديقا، بل به يتحقق التصديق، فيصدق هذا العنوان على العمل، و إلّا فلو كان ترتيب الآثار بنفسه يكون مصداقا للوفاء لكان ترتيب الآثار من دون قصد الالتزام و الثبات عليه، مصداقا للوفاء، مع أنّه بالضرورة ليس كذلك.

قوله (قدّس سرّه): و ليسا من مقتضيات العقد في نفسه. إلى آخره.

بل يمكن دعوى أن البيع‌

42

و سائر العقود التجارية أصل وضعها العرفي بحسب البناء هو اللزوم، كما ذكرناه سابقا مع قطع النظر عن حكم الشارع باللزوم، و إن كان نفس مفهوم البيع و غيره من المفاهيم الّتي من شأنها اللاإقتضاء بالنسبة إلى اللزوم و الجواز، لكن عرف المتعاملين جرت سيرتهم و بناؤهم العملي على الالتزام بمؤدى هذه المعاملات حفظا لشؤون معاشهم، و رعاية لقضاء حوائجهم.

قوله (قدّس سرّه): الّتي لا يراد منها إلّا حلّيّة جميع التصرفات المترتبة عليه الّتي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين. إلى آخره.

هذا التعميم لما بعد الفسخ باعتبار إطلاق الآية لجريان مقدمات الحكمة هنا، و إذ ثبتت حلّيّة التصرفات حتى بعد الفسخ، كان لازمه عدم تأثير الفسخ الذي هو معنى لزوم البيع، و إلّا لما كانت التصرفات حينئذ محللة لغير الفاسخ فينتزع من حلية التصرفات بعد الفسخ لزوم البيع.

و هكذا الاستدلال بآية حلّية أكل المال بالتجارة عن تراض، حيث أنّ المراد من الأكل هو التصرف، لا الأكل الحقيقي.

و حاصل ما أفاده المصنف، أن الحلّية التي دلّت عليها الآيتان هي الحلّية الحكمية التكليفية، و ينتزع منه الحكم الوضعي و هو اللزوم.

و لكن الكلام الذي ذكرناه في آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) جار في آية حلّيّة البيع من أن المدلول المطابقي للآية هو الحكم الوضعي و ينتزع منه الحكم الوضعي، بل هنا أولى.

بيان ذلك: إن الحليّة كما تطلق و يراد منها الحكم التكليفي في لسان الأدلة، كذلك تطلق و يراد منها الحكم الوضعي كلفظ الجواز و الحرمة، فيقال مثلا: و بر ما يؤكل لحمه حلال، و المراد منه مثلا صحة الصلاة به حتى لو حرم أكله بالحرمة‌

____________

(1)- المائدة: 1.

43

التكليفية لعارض مثل صيرورته جلّالا أو موطوءا، كما يقال: وبر ما لا يؤكل لحمه حرام، و المراد منه فساد الصلاة به، حتى لو أحل أكله بالحلّيّة التكليفية لعارض كالمخمصة.

و مثل هذا كثير مثل «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1) أي نافذ صحيح، و كقوله (عليه السّلام) «جواز شهادة الأربعة الذين أحدهم الزوج» (2).

و لا معنى للجواز هنا إلّا الصحة، كما قال الشهيد الثاني في الروضة (3).

و من جملة الضوابط للتمييز بين الحليتين و الحرمتين أن المتعلق للحلية أو الحرمة إن كان فعلا من الأفعال الاختيارية، كان اللفظ ظاهرا في الحكم التكليفي، إلّا أن تقوم قرينة، كما في قوله (عليه السّلام) «جواز شهادة الأربعة»، و إن لم يكن فعلا من الأفعال الاختيارية كان اللفظ ظاهرا في الحكم الوضعي، إلّا أن تقوم أيضا قرينة على خلاف ذلك، فيقدّر حينئذ الفعل، كما في قوله تعالى، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ (4) فإنه لا معنى للحرمة الوضعية، فلا بدّ أن يقدر الفعل، مثل الوطء و مقدماته، و النظر إلى العورة، و هكذا.

إذا عرفت [هذا]، فهنا الحلّيّة في آية حلية البيع، إنما هي مستندة إلى البيع، و هو ليس من قسم الأفعال، لأنّ المراد منه هو البيع بالمعنى الاسم المصدري، لا بالمعنى المصدري، و لذا جعله المصنف (قدّس سرّه) كناية عن التصرفات في العوضين، فيكون البيع قرينة على أن المارد من الحلية الوضعية، و يوجب ظهور اللفظ في ذلك.

و جعل البيع كناية عن التصرفات بلا ملزم، بل لا وجه له، و لا يصار إليه‌

____________

(1)- الوسائل 23: 184، كتاب الإقرار، باب 3، حديث 2.

(2)- انظر الوسائل 22: 431، كتاب اللعان، باب 12، حديث 1. (منقول بالمعنى).

(3)- الروضة البهية 6: 217 (منشورات جامعة النجف الدينيّة).

(4)- النساء: 23.

44

إلّا مع القرينة الدالة على أنّ المراد من الحلية التكليفية، و المفروض ليس هناك من قرينة.

و دعوى أن ذلك يستفاد من مقابلة هذه الآية لقوله تعالى وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (1) ممنوعة، لأن ذلك أيضا جار فيه الكلام، و لا بدّ أن تحمل الحرمة على الحرمة الوضعية.

و الحاصل أن حمل الحلية على الحكم التكليفي ثم التصرف لأجل ذلك في لفظ البيع، و جعله كناية عن التصرفات اللازمة عادة لانتقال المال إلى المشتري و البائع يحتاج إلى مؤنة زائدة لا يساعد عليها نفس لفظ الآية، بل ظاهرة في خلافها.

و حمل هذه الآية على الحكم الوضعي أولى من حمل آية وجوب الوفاء عليه، كما أشرنا إليه، لأن صيغة افعل موضوعة للوجوب البعثي التكليفي، أو ظاهرة فيه، فحملها على الإرشاد حمل للفظ على خلاف ما وضع له بواسطة القرينة و هي الوفاء الذي لا معنى لأن يكون واجبا بالوجوب التكليفي، لما سمعت من أن الوفاء غير ترتيب الآثار، و إنما ترتيب الآثار به يظهر الوفاء لا نفسه، و قد تقدّم تفصيله، فكانت المادة قرينة على المراد من الهيئة، كما جعلنا الوفاء أيضا قرينة على تخصيص العقود بالعقود التي من شأنها الاقتضاء (2)، فخرجت العقود اللازمة و الجائزة لزوما و جوازا حكميا عن موضوع الآية تخصصا.

و أما هنا فإن لفظ الحلّية ليس موضوعا لخصوص الحكم التكليفي، فحمله على الحكم الوضعي ليس من باب حمل اللفظ على خلاف ما وضع له بواسطة القرينة، فلا يمكن توهم جعل لفظ الحلّية قرينة على المراد من البيع، إذ لا ظهور لها‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2)- في الأصل: الاقتضاء.

45

في الحلية التكليفية، بخلاف آية وجوب الوفاء، فإنه لما كانت الصيغة موضوعة للوجوب التكليفي أو ظاهرة فيه، كان مجال لتوهم قرينتها على المراد من المتعلق، و هو الوفاء بجعله كناية عن ترتيب آثار العقد من باب دلالة اللازم على الملزوم، حيث إن ترتيب الآثار علّة الحصول الوفاء، لأنه بها يظهر الوفاء كما قلناه، و على الأقل يمكن التشكيك بجعل الأمر دائرا بين صرف ظهور الهيئة في الوجوب التكليفي، و صرف ظهور الهيئة في نفس عنوان الوفاء الذي هو المعنى الحقيقي.

و إن كان الحق خلافه، لأن المادة تكون قرينة على الهيئة، و ظهورها حاكم على ظهورها.

و لكن الفرض أن في هذه الآية مجال للوهم، بخلاف آية حلية البيع.

و الحاصل أن آية حلية البيع لا تدلّ إلّا على إمضاء الشارع للبيع و نفوذه، و لا دلالة (1) لها على أكثر من ذلك و ينتزع منه حلية التصرفات.

و أمّا دلالتها على اللزوم فسيأتي إن شاء اللّٰه ما يمكن تقريبه، و قد تقدمت الإشارة إليه أيضا.

قوله (قدّس سرّه): لكن يمكن أن يقال انه إذا كان المفروض الشك. إلى آخره.

توضيح ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) أنّ البيع ليس عبارة إلّا عن المبادلة بين المالين الّتي ليست حقيقتها إلّا اللاإقتضاء بالنسبة إلى اللزوم، و الجواز كما أوضحناه سابقا في بعض حواشينا المتقدمة، و لا شبهة أن الحكم إنّما يثبت لموضوعه بعد فرض ثبوته، و لا يعقل أن يكون حافظا لموضوعه، فلو شك في ثبوت الموضوع لا يعقل أن يتمسك بإطلاق الحكم لإثبات الموضوع بالضرورة، مثلا عموم (أكرم العلماء) لا يشمل ما كان مشكوك العالمية، و لا يعقل أن يثبت كونه عالما، و هنا بعد الفسخ‌

____________

(1)- في الأصل: و لأدلة.

46

نشك في بقاء البيع و ثبوت المبادلة، فكيف يعقل التمسك بإطلاق حلية التصرفات مع الشك في ثبوت الموضوع، بل لا يعقل أن تكون الآية مطلقة و شاملة لما بعد الفسخ لقصورها عن ذلك، فنحتاج في التمسك بها إلى إثبات الموضوع من غير جهتها، و ليس إلّا الاستصحاب، و الرجوع إلى الاستصحاب خروج عن محل الكلام من التمسك بالعمومات، و هكذا الكلام في آية حلية أكل المال بالتجارة عن تراض.

و لكن يبقى إشكال الفرق بين هذين الآيتين، و الآية الأولى، و هي قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، كما لم يفرق بينهما من هذه الجهة بعض المحشين، فمنع من التمسك بعموم وجوب الوفاء لما ذكرناه هنا في هذين الآيتين، كما سبق التنبيه عليه.

و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا هناك و هنا، يتّضح لك الفرق، فإن الموضوع هناك لوجوب الوفاء هو العقد، و العقد ليس هو نفس المبادلة، فإن المبادلة هي متعلق للعقد، و العقد يكون من لواحق المبادلة الذي هو عبارة عن جعل العقد و الالتزام، بخلاف ما هنا، فإن الموضوع نفس المبادلة فلا بدّ من إحرازها و لو بالأصل.

أما في الآية المتقدمة، فلا يلزم إحراز المبادلة حيث إن المطلوب فيها هو الوفاء بالعقد و الثبات على الالتزام، فيكون نفس مدلول الآية هو حرمة النقض بالفسخ و عدم جواز الفسخ حرمة تكليفية الذي معناه بقاء العقد و المبادلة، كما يقول المصنف (قدّس سرّه)، أو وضعية، كما قلناه فالآية بنفسها دالة على عدم نفوذ الفسخ، و أين هذا من الآيتين اللتين لا يدلان إلّا على حلية التصرفات بعد الفسخ بمقتضى الإطلاق الذي لازمه عدم نفوذ الفسخ، و لا يثبت إطلاق الحلية لما بعد الفسخ إلّا بعد فرض ثبوت الموضوع، فدلالتهما على عدم نفوذ الفسخ يتوقف على ثبوت‌

47

موضوعهما، و هما التجارة و البيع، و لا يمكن أن يثبتا بأنفسهما الموضوع، فلا مجال لدعوى دلالتهما على عدم نفوذ الفسخ.

بخلاف آية وجوب الوفاء، فإن دلالتها على عدم نفوذ الفسخ ليس من طريق ثبوت الموضوع، بل بنفسها دالة على بقاء المبادلة و العقد، فلا يتوقف على بقائها.

فاتّضح السرّ في عدم تعرض المصنف للإشكال في آية وجوب الوفاء، و تعرضه له في هذين الآيتين.

و العجب من بعض المحشين (1) السابق الذكر حيث أخذ هذا الإشكال من المصنف هنا، و أورده عليه في آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لم يتفطن إلى أن المصنف مع التفاته إلى إلى الإشكال في هذين الآيتين، فخصصه بهما و لم يذكره هناك، لا بدّ لعدم جريانه هناك، و إلّا كيف يغفل المصنف (قدّس سرّه) عن ذلك و هو المنبّه عليه؟

و المصنف (قدّس سرّه) من تعرف! و التحقيق أنّه يمكن تتميم الاستدلال بآية حلية البيع، و لكن لا على ما سلكه المصنف من كون المدلول لهما هو الحلية التكليفية، بل لا على ما سلكناه من كونه هو الحلية الوضعية.

بيان ذلك أن البيع و إن كان هو نفس المبادلة، و الآية تدلّ على نفوذ المبادلة، و حقيقة المبادلة هي اللاإقتضاء من جهة اللزوم و الجواز، إلّا أنّا قد ذكرنا سابقا و كررنا غير مرة أن من يرجع إلى العرف و سيرة الناس في معاملاتهم هو البناء على الالتزام، و التعهد بدوام المبادلة و النقل و الانتقال، لا من جهة جعل شارع أو مشرع آخر من عرف عام أو سلطان أو عقل أو غير ذلك، بل بطبعهم و فطرتهم حفظا لنظام معاشهم، و رعاية لقضاء حوائجهم الّتي لا تتم إلّا بهذا‌

____________

(1)- و هو السيد اليزدي، و قد سبق ذكر الاشكال.

48

الالتزام من الطرفين، و التعهد بعدم انتقاض المعاملة، و قد قلنا: إن هذا الكلام جار في جميع العقود التجارية، و لا يختص بخصوص البيع، و حينئذ فإذا أمضى الشارع البيع بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) على ما هو عليه عند الناس من البناء على لزوم و جريان سيرتهم على التعهد و تمليك التزام كلّ من الطرفين للآخر.

ففي الحقيقة لا يكون إمضاء لصرف المبادلة، بل إمضاء للمبادلة المعقود عليها و الملتزم بها، فيكون إمضاء للالتزام و اللزوم العقدي، فتدل الآية بنفسها على اللزوم العقدي على نحو الإمضاء، كدلالة آية وجوب الوفاء بالعقد على اللزوم، و لا حاجة إلى إحراز بقاء المبادلة لا من جهة الآية، لأنّ نفس مدلولها يكون هو بقاء المبادلة و لزومها و عدم نفوذ الفسخ بلا فرق بين الآيتين.

و أما آية حلية أكل المال بالتجارة على تراض، فإنها و إن كانت ظاهرة في الحكم التكليفي لا الوضعي، لأن متعلق الحليّة هو الأكل لا التجارة، إلّا أنّ لازم حليّة التصرفات في مال التجارة عند الشارع هو نفوذ المعاملة و حصتها عنده بالضرورة، فينتزع من الحليّة التكليفية الحلية الوضعية، كما في آية حليّة البيع عند المصنف.

فإذا دلّت الآية على نفوذ المعاملة و إمضائها بالدلالة الالتزامية، و المفروض أن بناء المعاملات التجارية على اللزوم العقدي، كما ذكرناه، فتدلّ الآية على إمضاء اللزوم الذي عند العرف بعين ما قلناه في آية حلية البيع.

و منه يظهر أن آية حلية البيع أيضا يمكن استفادة هذا المعنى منها على القول بأن مفادها الحليّة التكليفية، كما سلكه المصنف (قدّس سرّه) لانتزاع الحلية الوضعية بلا فرق بين الآيتين، و لا حاجة إلى التمسك بإطلاق الآيتين لاستفادة عمومهما الأزماني،

____________

(1)- البقرة: 275.

49

كما تصدى إليه المصنف (قدّس سرّه) لعين ما قلنا في آية وجوب الوفاء بالعقود، كما سبق التنبيه عليه، فراجع.

قوله (قدّس سرّه): و منها قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ. إلى آخره.

هذه الآية، و هي قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (1).

قد استدل المصنف بها على اللزوم، تارة بالمستثنى، كما تقدم، و اخرى بالمستثنى منه، كما هنا، و يمكن الاستدلال بمجموع الآية كما سيأتي.

و لا بدّ من بيان الآية على نحو الإجمال حتى يتضح المقصود من الكلام فنقول: الأكل لغة الازدراد بعد المضغ.

و لكن استعمل استعمالا شائعا في التصرف و الأخذ على نحو الكفاية، لأن لازم الأكل هو إتلاف الشي‌ء بإدخاله في البطن، و عدم إمكان استرجاعه، فأطلق الملزوم و أريد اللازم، و لعلّ التعبير يقصر عن بيان حقيقة هذا المعنى، لكن الرجوع إلى العرف كاف في استفادة معناه، و لا يكاد يخفى ما فيه من لطف.

و الخطاب بضمير الجماعة المضاف إليه الأموال، قد يتوهم فيه ابتداء أنه كيف يحرم أكل أموالهم؟ و كيف يكون أكل أموال الآكل باطلا؟ فلذلك حمل الضمير بعضهم على البعض أي: لا تأكلوا أموال بعضكم، فحذف المضاف للعلم.

و قيل: إن الإضافة هنا لمطلق الاختصاص، و المراد الأموال التي خلقها اللّٰه تعالى لنفعكم، إلّا أنّ المتدبّر قد لا تخفى عليه النكتة في الآية الكريمة في إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين، فإن الإضافة على حقيقتها إضافة تملكية بلا تقدير شي‌ء.

____________

(1)- النساء: 29.

50

و لكن للمبالغة باعتبار تنزيل المؤمنين منزلة نفس واحدة، فمال أحدهم مال للجميع، فيكون فيه رمز اجتماعي و لطف بيان للحث على الوحدة و الأخوة و التكاتف بين المؤمنين، حتى لا يظلم بعضهم بعضا، و لا يغتال أحدهم الآخر بأكل ماله بالباطل، كما يرشد إلى هذا المعنى قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «المسلم أخو المسلم لا يحلّ له ماله إلّا عن طيب نفس منه» (1).

فمهّد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لحرمة مال المسلم على غير المسلم بالحكم بأنه أخوه، فجعله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كالتعليل لعدم حلية أكل ماله من دون طيب نفسه.

و تقدير البعض و إن كان لازمان، لكن لا باعتبار المعنى المطابقي، بحيث يكون تقديرا في نفس اللفظ و حذف اعتمادا على العلم به، بل باعتبار المعنى الجدي الكنائي المقصود من الكلام جدا لا المعنى الاستعمالي، فهو تقدير معنوي لا لفظي.

و قوله تعالى بَيْنَكُمْ يشهد لهذا المعنى من الرمز للاتحاد، فإنّ البينية إنّما تكون في الشي‌ء المجتمع.

و الباطل خلاف الحق، و لكن يختلف باختلاف ما يراد منه، فقد يراد منه الباطل عند العرف، و قد يراد منه الباطل عند الشرع، و قد يراد الباطل ما كان عند العقل، و هو الظلم.

و الظاهر في المقام بملاحظة المقابلة للتجارة أن الباطل ما كان لا عن تجارة عن تراض.

و المراد من التجارة ما يصدق تجارة عرفا، فالباطل ما كان باطلا عرفا، و لذا قال المصنف (قدّس سرّه): بكلّ وجه يسمى باطلا عرفا، و لا شبهة أنه يصدق عليه الظلم عقلا حينئذ فهو باطل أيضا عقلا و باعتبار إمضاء الشارع لما في طريقة العرف يكون الباطل عرفا باطلا شرعا، لكن كونه باطلا شرعا يستفاد من هذه‌

____________

(1)- مستدرك الوسائل 17: 88 كتاب الغصب، باب 1، حديث 5.

51

الآية، فالمرجع في تشخيص الباطل هو العرف، فكل ما هو باطل عرفا باطل شرعا بمقتضى هذه الآية، فإذا دلّ الدليل الخاص على جواز أكل ما هو باطل عرفا يكون مخصصا لعموم هذه الآية، كما دلّ الدليل على جواز أكل المارّة من ثمر الأشجار، فيكون خروجه تخصيصا لا على نحو الحكومة.

هذا كلّه في مفردات عقد المستثنى منه، و قد اتّضح- و اللّٰه العالم- المعنى بهذا البيان.

و أمّا عقد المستثنى، فنقول: الاستثناء إمّا أن يكون من نفس النهي عن الأكل فيكون الاستثناء منفصلا، و إن كان من الأكل بالباطل، فيكون الاستثناء منقطعا.

و الظاهر هو الثاني، لأن الظاهر أنّ الاستثناء من مجموع الجملة الأولى، فتدلّ الآية على حصر حلية الأكل للمال بالتجارة عن تراض.

و قد يجعل الاستثناء من جملة مقدرة بأن يقدّر: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل بأي سبب كان، أو ما يؤدي هذا المعنى، فيكون استثناء التجارة التي هي من جملة الأسباب من عموم الأسباب، و لكن لا يخفى ما فيه من تكلّف و ضعف.

و التجارة قرئت بالنصب، فتكون خبر كان الناقصة، و الاسم إمّا يعود إلى الأكل، أو يقدر لفظ التجارة، فيكون التقدير: إلّا أن تكون التجارة تجارة عن تراض، و يبعّد الأول تأنيث الفعل، و هو: تكون.

و قرئت أيضا بالرفع، فتكون كان تامّة (و تجارة) فاعلها، و (عن تراض) قيد للتجارة إما أنها متعلقة بالتجارة، أو حال منها، و لا وجه لجعله خبرا بعد خبر على تقدير قراءة النصب.

إذا عرفت ما ذكرناه، فنقول: أما الاستدلال للمقام بعقد المستثني، فقد عرفت الكلام فيه في الحاشية السابقة في أن الاستدلال لا يتم إلّا على ما ذكرناه،

52

لا على ما ذكرناه المصنف، فإنّه لا دلالة له على اللزوم.

و أمّا الاستدلال بعقد المستثنى منه فحاصله- كما أفاده المصنف (قدّس سرّه)- أنّه بعد أن دلّت الآية على حرمة أكل مال الغير بالباطل بما يسمى باطلا عرفا، فالمدار كما ذكرنا في تشخيص الباطل هو العرف، فكلما كان باطلا عرفا فهو باطل شرعا، يحرم أكل المال به، و لا يخرج عن هذا العموم إلّا مع الدليل المخصص، و هنا لما كان أكل المثمن مثلا بدون إذن من انتقل إليه باطل عرفا، فهو حرام بمقتضى عموم الآية، فينتزع منه عدم تأثير الفسخ.

و لكن لا يخفى أنّه إنّما يعدّ باطلا عرفا بعد عدم تأثير الفسخ، و إلّا فمع تأثير الفسخ لا يكون باطلا عرفا، لأنّه (1) أكل لماله لا لمال غيره، فمع الشك في تأثير الفسخ لا يحرز كونه باطلا عرفا.

نعم إلّا أن يكون الفسخ عند العرف غير مؤثر، فيكون باطلا عرفا، فتدبّر.

و على كلّ حال فالأولى الاستدلال بمجموع عقدي المستثنى و المستثنى منه، فتكون الآية دليلا واحدا، لا كما جعلها المصنف دليلين، و ذلك لأن الآية بمجموعها بمقتضى الاستثناء تدلّ على حصر حلّية أكل المال بالتجارة عن تراض، فكل ما لم يكن تجارة عن تراض فهو محرم، و الأكل بالفسخ بمفهوم الحصر يكون محرما من جهتين.

أحدهما كون الفسخ ليس بتجارة عرفا، كما هو واضح.

و ثانيهما إنه لا عن تراض، لأن الفرض فرض عدم رضا الطرف الآخر بالفسخ، فيحتاج الحكم بتأثير الفسخ إلى دليل مخصص لعموم الآية.

قوله (قدّس سرّه): فإن مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع. إلى آخره.

لا يخفى أن الاستدلال بهذه الآية يتوقف على كون الخيار يتعلّق بنفس العين‌

____________

(1)- في الأصل: لأن.