بهجة الفقيه

- الشيخ محمد تقي البهجة المزيد...
513 /
5

[و هنا مقدمات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

بهجة الفقيه

شيخ الفقهاء و المجتهدين آية اللّٰه العظمى محمد تقى البهجة (دامت بركاته)

المقدّمة الاولى في أعداد الصلوات

رب وفّق و سهّل‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة علىٰ سيّد أنبيائه محمد و آله الطاهرين و اللعن علىٰ أعدائهم أجمعين.

أعداد الصلوات

و من المفروضة، صلاة اليوم و الليلة؛ و منها: الجمعة الواجبة، و صلاة العيدين، و الآيات، و الطواف الواجب، و صلاة الأموات، و الواجبة بنذر أو عهد أو يمين، و الإجارة من الوصي أو الولي، أو المتبرّع بالاستيجار للقضاء، و من العاجز لصلاة الطواف عنه، و ممّن يستأجر غيره لصلاة ليلة الدفن، و الجامع للنذر و ما بعده ما كان بحدوث سبب لوجوب غير الواجب لولا حدوثه، لعدم كونه واجباً أصليّاً.

و المسنون ما عداها، و المفروض في اليوم و الليلة خمس صلوات، و هي سبعة عشرة ركعة في الحضر، و يسقط من كل رباعيّة ركعتان في السفر.

و الظهر هي الوسطى التي هي أفضل و الظاهر تعدّد جهات وسطيّتها.

النوافل و ما يسقط منها في السفر

و النوافل في الحضر في العدد، ضِعف الفريضة؛ فالمجموع إحدىٰ و خمسون ركعة.

و تسقط في السفر نوافل الظهرين.

و في سقوط الوتيرة تأمّل؛ و استحباب فعلها برجاء‌

8

المطلوبيّة موافق للاحتياط لولا ثبوت الاستحباب من روايات لا تخلو إحداها من اعتبار، أعني رواية «الفضل» (1)، و خبر «العيون» (2)، و «الرضوي» (3)، و قد عمل بها «الشيخ» في «النهاية» و بعض من تأخّر. و ما دلّ علىٰ سقوط نافلة المقصورة منصرف عنها للمخالفة في الكمّ و الكيف، و بالإضافة إلىٰ الليل، و إلى غير الرواتب و أنّها لتكميل العدد. و ما دلّ علىٰ أنّ ما لا تتمّ فيه الفريضة لا تصلح فيها النافلة، إنّما يدلّ على السقوط في نقصان القصر عن النافلة دون العكس؛ فالعمومات قابلة للتخصيص، و الشهرة لا تفيد في ما بأيدينا مداركها لولا انصراف كلماتهم عنها.

مع أنّه نسب التردّد إلىٰ جماعة نسبوا السقوط إلىٰ الأصحاب؛ و صرّح «الشيخ» و بعض من تأخّر بعدم السقوط؛ و عن «الأمالي» أنّه لا يسقط من نوافل اللّيل شي‌ء، و نسبه إلىٰ دين الإماميّة؛ فإنّه يشمل الوتيرة و نافلة المغرب و غيرهما.

و بالجملة فدعوى انصراف العمومات في النصوص و الفتاوىٰ إلىٰ ما يخالف نوافل النهار في العدد، و في الكيفيّة من التقدّم على الفريضة، و في احتمال عدم كونها من الرواتب و إنّما هي تكميل لعدد النوافل، و في الأقليّة من عدد المحذوف في الفريضة المقصورة، و من البدليّة عن وتر الليل لمن فاته صلاة الليل و إلى خصوص الرواتب النهاريّة، كما وقع التصريح به في بعض الأخبار (4) غير بعيدة؛ كما أنّه علىٰ تقدير العموم، فارتكاب التخصيص بسبب روايات المقام (5) متّجهة، و إن كان الخروج عن الشبهة بالإتيان بها برجاء المطلوبيّة، أولىٰ و أحوط.

ثمّ أنه يرتبط سقوط النوافل بسقوط أخيرتي الفرائض، و ثبوتها بثبوتها، فهل المرتبط به شرعيّة السقوط و التماميّة، أو التقصير خارجاً و الإتمام خارجاً؟ و علىٰ‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 29، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، ح 8.

(3) فقه الرضا (عليه السلام)، ص 100.

(4) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، ح 5.

(5) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 29.

9

الأوّل فهل هو التحتّم للسقوط، أو الثبوت؛ أو جواز الإسقاط فيسقط النافلة لجواز التقصير؛ أو الإثبات فيثبت النافلة لجواز الإتمام؛ أو يجوزان معاً لجواز الوجهين من التقصير و الإتمام في الأصل، و لازمه الرجحان الغير المتأكّد؟

و قد نسب في «المفتاح» إلىٰ «الذكرى»، و «مجمع البرهان»، و «المدارك» عدم السقوط في الأماكن الأربعة.

و عن «ابن نما» عن «ابن إدريس» عدم الفرق بين أن يتمّ الفريضة أوْ لٰا، و لا بين أن يصلّي الفريضة خارجاً عنها و النافلة فيها، أو يصلّيهما معاً فيها.

و يمكن أن يقال: إنّ مقتضىٰ الاعتبار، تبعيّة السقوط للسقوط في كيفيّة السقوط، و تبعيّة الثبوت للثبوت في كيفيّته؛ فإن كان سقوط أخيرتي الفريضة أو ثبوتهما على الحتم، فالسقوط و الثبوت في النافلة كذلك؛ و إن كان على التخيير فكذلك النافلة؛ لكن التخيير في الفريضة بين القصر و الإتمام، يعني وظيفتي التاعب و المستريح و في النافلة بين وظيفتهما، و لازمه الفرق بين وظيفتهما، كأنّه يخيّر بين عمل التاعب بالترك و المستريح بالفعل؛ و نتيجته عدم تأكّد استحباب النافلة في حقه كتأكّد المستريح، و عدم سقوطها عنه كالسقوط عن التاعب بسفره، و لم ينقل الاستثناء للسقوط عمّن تقدّم حتى من يقول بالتخيير في الأماكن الأربعة.

و من لوازم الارتباط المذكور، عدم سقوط النوافل عمّن هو بحكم الحاضر، ككثير السفر و المقيم عشراً، كما حكىٰ عن «الغنية» الإجماع عليه في الأوّل، و سقوطها عن المقصّر و لو كان غير مسافر، كما في صلاة الخوف، و عن «الدروس» التصريح به.

و من لوازم الارتباط بالحكم لا بالفعل، عدم السقوط عمّن دخل وقت الفريضة عليه و هو حاضر، و إن نوى القصر حين الخروج و عمل عليه، و يمكن استظهار ذلك من الموثّق عن الإمام الصادق (عليه السلام)

سُئلَ عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله

ثم يخرج في السفر، فقال: يبدأ بالزّوال فيصلّيها، ثم يصلّي الاولىٰ بتقصير ركعتين

(1)

.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 23، ح 1.

10

[مسألة] النوافل ركعتان إلّا ما يستثني

مسألة: النوافل كلّها ركعتان بتشهّد و تسليم إلّا ما يذكر استثناؤه، أعني «الوتر» و «صلاة الأعرابي» و «صلاة الاحتياط»؛ و عن «إرشاد الجعفريّة» الإجماع عليه؛ و في رواية أبي بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام)

و افصل بين كلّ ركعتين من نوافلك بالتسليم

(1)

، و في رواية «علي بن جعفر» المرويّة عن «قرب الإسناد»،

سأل أخاه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي النافلة، أ يصلح له أن يصلّي أربع ركعات لا يسلّم بينهن؟ قال: لا إلّا أن يسلّم بين كل ركعتين

(2)

، دلالة علىٰ ذلك، أي علىٰ عموم الحكم.

و يدلّ عليه ارتكاز ذلك في أذهان المتشرعة، بحيث إنّ المحتاج إلى البيان، خلاف ذلك؛ و لذا لم يذكر ذلك أعني الفصل بين النوافل بالتسليم بعد الركعتين في كثير من النوافل المذكورة في الأخبار؛ و هذا الارتكاز يكفي في تنزيل الإطلاقات علىٰ ما يوافقه، بعد فهم أنّه ليس بمحدث بعد زمان صدور الإطلاقات؛ و علىٰ تقدير عدمه، فمقتضىٰ الإطلاقات هو عدم اعتبار تعدّد الركعة، فضلًا عن أزيد من التسليمة الواحدة في مثل ثمان ركعات.

و الفرق بينهما بعدم إحراز الصلاتيّة في ركعة واحدة غير فارق، لعدم الطريق إلىٰ الإحراز إلّا ثبوت النظير؛ و إلّا فكيف تحرز صلاتيّة الثمان؟ مع أنّها مبنيّة في الروايات بما ليس فيه تعدّد الركعة؛ و في ما يحتمل اعتباره في جميع الصلوات، كيف تحرز صلاتيّة الفاقد على القول بالصحيح؟ بل معنى الصلاة عند المتشرعة غير مختفية، فغيرها مبتدعة عندهم بحسب ارتكازاتهم. و دعوىٰ عدم إحراز البيان في المطلقات، مدفوعة بالمنع من عدم البيان الأعمّ ممّا في مجلس واحد جامع بين المطلق و القيود؛ و كفاية عدم الأعمّ في التمسّك بالإطلاق، مع‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 15، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 15، ح 2.

11

كفاية الأصل لنفي اعتبار الشرطيّة، لولا الإطلاق في الموردين المذكورين بلا فرق فيهما؛ فما أفاده في «المصباح»، قابل للمناقشة بما مرّ؛ و قد بيّنّا اتجاه التمسّك بالإطلاق المقامي على القول بالصحيح، إن رجع فيه الشك في الاشتراط إلى الشكّ في تحقّق الصلاة بدون المشكوك شرطيّته.

و نذر «الوتر» و «صلاة الأعرابي»، لا إشكال في صحّته؛ و النذر المطلق لا إشكال في انطباقه علىٰ كلّ منهما؛ و نذر الوتر في غير الصلاتين لا يصحّ إلّا علىٰ كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر، كما التزموا به في نذر الإحرام قبل الميقات، و فيه تأمّل.

و عبارة المجمع لا تخلو عن إبهام مع الإشكال، و ذكر «السيّد» في حاشية «المفتاح» بعد نقلها: «كذا وجدناها».

لزوم التسليم بين الشفع و الوتر

ثمّ إنّ مقتضىٰ الإجماعات المنقولة في عدّة كتب، أنّ الشفع مفصولة عن الوتر بالتسليم؛ فالركعتان شفع، و الواحدة وتر، لا أنّ الوتر ثلاث بتسليمةٍ واحدة؛ بل لو حملتا على الركعات المعهودة، لم يكن للجمع بين العبارتين أثر ظاهر، و هو الذي يستفاد من أكثر الروايات الكثيرة الموردة في «الجواهر» (1)، و جلُّها من غير الكتب الأربعة؛ و هي بعد استفاضتها، بل انجبارها بالفتاوىٰ أيضاً لولا الاستفاضة كافية في الدلالة علىٰ ما مرّ، و إن كان بعض ما أورده في «الجواهر» (2) قابلًا للمناقشة في الاستدلال به، كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم)

صلاة الليل مثنى مثنى، و إذا خفت الصبح، فأوتر بواحدة

(3)

، لاحتمال الوتر بجعل آخر المثاني ثلاثاً توتر بسبب ضمّ الركعة الواحدة، مع أنّ الشفع خصوص آخر الصلوات قبل الوتر، لا كلّ شفع من صلاة الليل؛ فلعلّه يريد عدم تأخير الوتر عن الليل‌

____________

(1) جواهر الكلام 7، ص 56 58.

(2) الجواهر 7، ص 58.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 11.

12

بالإتيان به قبل الصبح؛ أمّا أنّه بالوصل أو بالفصل، فلا يفهم من هذه الرواية وحدها.

و كذا ما في الأُخرىٰ من قوله (عليه السلام)

يسلّم بين كل ركعتين و يوتر بواحدة

(1)

؛ فإنّه مغاير لأن يقال: يسلّم بعد كل ركعتين؛ فليس الوتر مجموع الثلاث التي ليس فيها بحيث يكون قبل الواحدة ممّا يسلّم فيه بين كل ركعتين.

تعيين المعنى الشرعي للوتر

ثمّ إنّ الظاهر نقل الوتر في عرف الشارع المكشوف بعرف المتشرّعة عن المعنى المعهود اللغوي الغير المختصّ بالصلاة؛ كما أنّ الظاهر وقوع الاستعمالات الكثيرة للوتر في الروايات من كلّ من الركعة الواحدة» (2) و الثلاث المفصولة بالتسليم (3). و الاستعمال في المعنيين [في] جُلّ الموارد لولا كلّها، مع القرينة، إلّا أنّ التحديد للوتر بالركعة أو بالثلاث، زيادة علىٰ الاستعمال؛ بل يمكن استظهار الحقيقة الشرعيّة من كل من التحديدين، و أنّ الوضع، لكل منهما في عرف الشارع و لو كان بحسب كثرة الاستعمال البالغة حدّ الاستغناء عن القرينة.

و في هذا المقام فالأظهر أنّ الوضع و لو كان تخصّصاً للركعة بشرط لا عن الانضمام إلى الغير و لو مع الفصل بالتسليم، لا يحتاج إلىٰ غاية، لأنّه الكامل في الفرديّة؛ و غيره إنّما يكون وتراً بسبب الاشتمال علىٰ هذه الركعة المنفردة؛ فأصل وتريّة الغير تجوّز، و الوضع التخصّصي له بسبب كثرة الاستعمال إلىٰ حدّ الاستغناء عن القرينة.

و عليه فالوضع للواحدة متيقّن؛ و للأزيد المشتمل عليها، مشكوك، و استكشافه بالروايات المحدّدة (4) موافقة لظهورها؛ و عليه فالوضع للبشرط شي‌ء و للبشرط لا،

____________

(1) سنن البيهقيّ، 2، ص 486.

(2) تفسير علي بن إبراهيم، و تفسير الصافي، الفجر، 2.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 14، ح 2 و 15، ح 9.

(4) تفسير علي بن إبراهيم، و تفسير الصافي، الفجر، 2.

13

يكون ثانياً، و لازمه احتياج كلا المعنيين إلىٰ قرينة التعيين.

و يمكن في هذا المقام أن يقال: لا منافاة بين الاشتراك اللفظي، و بين عدم تساوي المعنيين، بحيث يحتاج إرادة غير الباكية من العين إلىٰ قرينة التعيين دون الباكية، بل الأمر هنا آكد، للأصالة المتقدّمة و السببيّة السابقة.

لكنه يندفع بأنّ الاحتياج إلى القرينة علامة التجوّز، إذ يمنع كونها قرينة التعيين إلّا بعد إحراز الاشتراك اللفظي الذي لا دليل عليها إلّا اشتراك المعنيين بحسب كثرة الاستعمال و بحسب وقوع التحديد؛ لكن التبادر عند المتشرّعة و هو علامة خاصّة للحقيقة الخاصّة، أعني الركعة الواحدة زائدة علىٰ ذلك؛ فلا يخلو ترجيح الحقيقة فيها علىٰ الاشتراك اللفظي من قرب، فعند الإطلاق يحمل علىٰ ذلك.

و أمّا احتمال الاشتراك المعنوي بأن يكون الموضوع له الجامع بين الفردين، أعني اللّابدية بشرط من الضميمة و عدمها، المعتبر وجودها في فرد و عدمها في الآخر فلا يناسب التحديد المستظهر من الروايات في كلّ منهما؛ كما أنّ عرف المتشرّعة أحد الطرق إلى كشف عرف الشارع في الوضع للركعة الواحدة بشرط لا عن الضميمة، يعني في الوتريّة.

و إنّما نحتاج في الوضع للمشتمل عليها، إلى الروايات المحدّدة للوتر بالثلاث (1) في قبال المحدّدة له بالواحدة (2)، و طريق الجمع بينهما الوضع لخصوص كلّ منهما، لو لا إمكان الجمع بالحمل علىٰ الاشتراك المعنوي؛ فإنّه لا يخلو عن مخالفة للظهور في الطائفتين.

ثم إنّه مع الشكّ في مطلوبيّة كلّ من الشفع و الوتر بنفسه بلا دخالة الانضمام، فيمكن التمسّك بالإطلاق، لولا دعوى الانصراف إلىٰ صورة الانضمام.

و أمّا ما دلّ علىٰ مطلوبيّة الوتر بلا قرينة، فقد مرّ وجه الحمل على الركعة الواحدة من‌

____________

(1) تقدّم آنفاً.

(2) تفسير علي بن إبراهيم و تفسير الصافي، الفجر، 2.

14

دون مداخلة للضميمة في صدق الوتر، إلّا أنّه لا ينافي دعوى انصراف ما دلّ على المطلوبيّة إلىٰ صورة وجود الضميمة، كانصراف دليل مطلوبيّة الشفع إلىٰ ما كان معه وتر. و لعلّه يوجد في بعض الروايات (1) ما دلّ علىٰ مطلوبيّة جعل بعض صلاة الليل وتراً بهذا الانضمام، إذا خشي الصبح، كما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال‌

صلاة الليل مثنى مثنى، و إذا خفت الصبح فأوتر بواحدة

(2)

؛ لكنّ الانصراف المذكور يمنع عن الإطلاق لو تمّ، لا أنّه يمنع عن التمسّك بالأصل لنفي شرطيّة الضميمة في صحّة الوتر.

و أمّا احتمال كون الثلاث موصولة و لو علىٰ سبيل التخيير بين الفصل بالتسليم و عدمه فيدفعه جميع ما دلّ علىٰ أنّ الوتر واحد، و ما دلّ علىٰ أنّه الثلاث مع الفصل.

و أمّا ما دلّ علىٰ أنّه الثلاث بلا فرض للفصل، فيقيّد، أو يشرح بما دلّ على الفصل بالتسليم.

و ما دلّ علىٰ الأمر بالوصل، لا يتعيّن حمله علىٰ ترك التسليم، بل يحمل بشارحيّة غيره، على الوصل الزماني بلا فاصل من زمان معتدّ به أو زمانيّ، و كذا ما دلّ علىٰ جواز التكلّم و عدمه بين الركعتين و الثالثة؛ كما أنّ ما دلّ على التخيير بين التسليم و تركه، يحمل على المتبادر من التسليم، و هو قولُ «السلام عليكم»، لا مطلق التسليم، حتى ما لعلّه يختصّ هنا من الخروج بقول: «السلام علينا و علىٰ عباد اللّٰه الصالحين»؛ و ذلك بعد شارحيّة الروايات الأُخَر (3) الموافقة للمذهب، متعيّن. و لا يتعيّن الحمل على التقيّة، حتّى يقال بعدم انحصارها في وجود القائل بالتخيير عندهم، إلّا أن يجعل هذا أيضاً نوعاً من التقيّة، بلا إناطة بوجود القائل بالتخيير فيهم.

و ممّا قدّمناه في وجه الحقيقة في خصوص الركعة الواحدة الغير الجاري في الاشتراك اللفظي بين الكلّ و الجزء يظهر وجه الفصل بالتسليم، إذ لا معنى للتبادر‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 11.

(3) تقدّم في ص 8، الهامش 2.

15

بدون ذلك؛ مع أنّ مقابلة الوتر بالشفع كالنص في وحدة ركعة الوتر، لا الوتر المشتمل في خصوص رواية المقابلة (1).

استحباب القنوت في الشفع

و كذا استحباب القنوت في الثانية لا يحتاج إلى البيان بأزيد من الفصل بالتسليم، مضافاً إلىٰ ثبوت القنوت في الثالثة؛ فإنّ القنوت في الركعتين الموصولتين غير معهود، حيث يحتاج إلى البيان؛ كما أنّ فقدان الثانية في صورة الفصل للقنوت غير معهود، و يحتاج إلى البيان المفقود.

و ما دلّ من الصحيح (2) لو سلّم صحّته علىٰ ما هو ظاهر في عدمه في ثانية الثلاثة، محمول بقرينة ما مرّ على الموافقة للقائل منهم بالوصل مع ثبوت القنوت في الثالثة، فلا محلّ له في الثانية؛ و لعلّه مراد «البهائي (قدس سره)» المستند إلى الصحيح المذكور، المحجوج بما نقل عن الإمام الرضا (عليه السلام) (3) من القنوت في الركعتين، إلّا أن يحمل علىٰ نفي التأكّد الثابت في الركعة الأخيرة. و بالجملة، جميع ما مرّ من الفصل بالتسليم، و القنوت في الثانية و الثالثة، متّحد ثبوتاً و إثباتاً، مشترك في الدليل و المدلول.

استثناء صلاة الأعرابي

فأمّا «صلاة الأعرابي» فهي مرسلة «الشيخ» في «المصباح» (4) عن «زيد بن ثابت» و فيها توصيفها بمثل صلاة الصبح بعدها الظهران. و في آخر الرواية ما يشهد بمطلوبيّتها‌

____________

(1) انظر الوسائل 4، أبواب المواقيت، الباب 44.

(2) الوسائل 4، أبواب القنوت، الباب 3، ح 2.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 13، ح 24.

(4) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 46، ح 2، و الباب 15، ح 9 و 10، و أبواب المواقيت الباب 44، ح 1 و 4 و 6 و 8 و 10، و مصباح المتهجّد، ص 222.

16

في كلّ جمعة، و لو لم تقع بدلًا عن صلاة الجمعة، و إن كان موردها صورة عدم القدرة علىٰ إتيان الجمعة.

و يكفي في استحبابها ثبوت الرواية المعمول بها علىٰ ما فيها من الخصوصيّات، لنسبتها إلى الشهرة، و عن «المفتاح» إلىٰ استثناء جمهور الأصحاب (1)، فيكفي نقل مثله الخبر بذلك في الخبر المذكور، فتكون الرواية كالصحيحة؛ مع أنّه لو فرض عدم الحجيّة، كان عموم «من بلغ» كافياً في استحباب الإتيان برجاء المطلوبيّة، كما قدّمناه في محلّه.

فالأظهر عدم استقامة جعل الاحتياط في الترك. و المناقشات في المسلكين، يتّضح بالتأمّل، اندفاعها. و الظاهر عدم الحاجة في بيان صلاة مستحبّة إلىٰ بيان أزيد من الجهات المختصّة بها؛ فالتشهّد بعد الاثنين كعدم قراءة السورة في الأخيرتين ممّا لا يحتاج إلى البيان إلّا عدم ثبوتها، لا أنّ ثبوتهما فيها محتاج إلى البيان حتى يتمسّك بالإطلاق في عدمهما.

____________

(1) مفتاح الكرامة، 2، ص 12 ط: مؤسسة آل البيت، و جواهر الكلام 7، ص 69.

17

المقدّمة الثانية في المواقيت

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الفصل الأوّل أوقات الفرائض

[مسألة] وقت صلاة الظهرين

مسألة: ما بين زوال الشمس إلىٰ غروبها، وقت للظهرين، و يختص الظهر من أوّله بقدر أدائها؛ و العصر، من آخره بقدر أدائها؛ و ما بينهما مشترك بينهما على المشهور، كما ستعرفه.

روايات الباب و الجمع بينها و أمّا ما دلّ علىٰ أنّ‌

وقت الظهر ذراع، و وقت العصر ذراعان

، أو‌

قدمان و أربعة

، أو‌

المثل و المثلين

، أو‌

في الظهر إلى الثلثين

، أو‌

في الظهر قدمان، و في العصر الشطر

، أو‌

القدم و القدمين

(1)

، فلا بدّ بملاحظة العرض على عمل المسلمين من المبادرة إلى الظهر بعد التنفّل بعد الزوال؛ و أنّه لا يمكن أن يكون مرجوحاً غير واضح مرجوحيّته و بما في نفس هذه الروايات من الشهادة علىٰ أنّ هذه التحديدات للجمع بين فضيلتي النفل و الفرض؛ فمن لا أمر له بالنفل كما في الجمعة أو السفر لا تحديد في حقّه؛ و أنّ الانتظار إلى الحدّ ليس إلّا للانتظار للنشاط في التنفّل؛ فتكون‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

20

فضيلة الجمع بين النافلة و الفريضة، أفضل من فضيلة المبادرة في أوّل الحدود للفضيلة؛ ففي الحقيقة يكون التوقيت، للنافلة، و أنّه يجوز تأخير الفريضة لأجل فعل النافلة إلىٰ هذا الحدّ دون ما بعده؛ فإنّه حينئذٍ يبدأ بالفريضة؛ كما أنّ توقيت الفريضة بآخر الحدّ، بمعنى أنّه لا يصلّي النافلة حينئذٍ. فما في صحيح «الفضلاء» عن الإمام الباقر (عليه السلام) من أنّ‌

وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان

(1)

إن أُريد منها الانتظار لآخر القدمين للظهر و الأربعة للعصر، فالمراد بقرينة غيرها الانتظار للجمع بين النافلة و الفريضة، و في هذا الاحتمال لا يتعيّن إرادة آخر القدمين و الأربعة، بل يمكن إرادة تمام القدمين و الأربعة لمريد الجمع المذكور.

و ما في صحيح «زرارة» عن الإمام الباقر (عليه السلام)

سألته عن وقت الظهر، فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراعان من وقت الظهر، فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس

(2)

، يمكن أن يراد به أنّ وقت تعيّن الظهر بحسب الفضيلة، هو آخر الحدّ المذكور، بحيث لا يصلّى فيه النافلة، كما لا تصلّى الظهر قبله في أثناء الحدّ المذكور إلّا بعد النافلة؛ فالظهر بلا نافلة، ثابتة في آخر الحدّ، و منفيّة قبل الآخر، إلّا أن تكون بلا فضيلة. و إنّما أطلق الوقت و لم يُقيّد بالفضل، لما يستفاد من بنائهم و عمل المسلمين من شدّة الاهتمام بوقت الفضيلة، حتى جعلوه وقت الصلاة، و بالجمع بين النفل و الفرض، حتّى جعلوه أفضل من رعاية أوّل الوقت المذكور للفضل.

و أمّا ما في خبر «إسماعيل الجعفي»‌

كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا كان في‌ء الجدار ذراعاً، صلّى الظهر، و إذا كان ذراعين، صلّى العصر

(3)

، فيمكن حمله علىٰ ما لا يحمل عليه سائر التحديدات، حتّى ما فيه التحديد بالذراع، لأنّه حكاية عمله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و من البعيد‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 10.

21

انتظاره (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد النافلة إلى الذراع في صلاة فريضة الظهر، مع عدم وضوح ذلك للكلّ؛ و كذا استعلامه للفي‌ء بين النافلة و الفريضة؛ و كذا تطويله النافلة إلى الذراع، و في الجماعة من لا يطوّل، بل ينتظر الخروج بعد الفريضة. فيمكن أن يراد أنّه كان إذا فرغ من النافلة و الفريضة كان قد بلغ في‌ء الجدار ذراعاً حينئذٍ، و هذا ليس بكلّ البعيد بعد ملاحظة عدم انتفاء الظل في المدينة، و هي التي قد ورد فيها حكاية تحديد الجدار للمسجد؛ مع أنّه لو أُريد بلوغ الذراع قبل الفريضة، كان ذلك مخالفاً لما دلّ علىٰ أحبيّة النصف، إلّا أن يحمل قوله‌

كان

، علىٰ الاتّفاق للتجوّز لا علىٰ الاستمرار، لأنّه السنة، و يكون مخالفاً لما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت، مع شرحه بإرادة التعجيل المنافي لإرادة الأوّل الذي ينبغي الانتظار له بعد الزوال، و لما دلّ بعد نقل صلاة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) على أنّ جعل الذراع لمكان الجمع، فلا يمكن أن يكون المنقول من عمله شيئاً آخر لا ربط له بالجمع.

و يشهد لما قدّمناه ما في خبر «أبي بصير» المعبّر بأنّ‌

الصلاة في الحضر ثماني ركعات، إذا زالت الشمس ما بينك و بين أن يذهب ثلثا القامة، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة

(1)

، فإنّ ظاهره أنّ التحديد للنافلة لا للفريضة، و أنّ آخر الحدّ للفريضة علىٰ أيّ حال بحسب الفضل، و أنّ الجمع غير مطلوب بعد بلوغ الظلّ الثلثين.

و أمّا ما وقع من الاستثناء في خبر «إسماعيل بن عبد الخالق» (2)، فهو الشاهد لما قدّمناه من الوقت للنافلة فلا تحديد في ما لا نافلة فيه، فيفهم منه أن لا تحديد مع فعل النافلة بحيث يطلب منه الانتظار في فعل الفريضة إلىٰ مضيّ القدم، و إن كان يمكن شاغليّة النافلة لوقت القدم، و لازمه أنّ تارك النافلة إذا بادر إلى الفريضة، يكون قد أدّاها في غير وقت فضيلتها مضافاً إلىٰ تركه للنافلة.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 23 و 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 23 و 11.

22

و أمّا ما في خبر «ابن بكير» (1)، فالظاهر أنّ المراد أنّ حدّ الإبراد بالتأخير الذي لا يفوت معه الفضل هو المثل، فيمكن عدم إفادته لوقت الفضيلة لولا الإبراد؛ إلّا أن يجمع ما دلّ علىٰ أنّه وقت الفضيلة، كخبر «أبي بصير» في القامة و القامتين، فيحمل علىٰ أنّ حدّ الإبراد هو آخر حدّ الفضيلة، و هو المثل علىٰ حسب بعض الروايات المختلفة هنا، المحمولة علىٰ مراتب الفضل في تأخير الفريضة لأجل فعل النافلة و الفراغ لها، لا أنّه يسنّ الانتظار إلى المثل لمن صلّى النافلة، أو تركها و يريد تركها متعمّداً.

و يوضح ما قدّمناه ما في خبر «زرارة» المعلّل لجعل الذراع لمكان النافلة‌

لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلىٰ أن يمضي ذراع، فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة

(2)

.

و يمكن أن يكون من هذا الباب، التفريق بين الفريضتين؛ فإنّه للتسهيل و الترغيب في فعل الفريضتين بنوافلهما التي هي في رديف الفرائض، كما يظهر من حديث المراجعة في المعراج (3)؛ فإنّ مشقّة الجمع مع الإقبال و النشاط بين الفرائض و النوافل، غير خفيّة.

تلخيص البحث و بالجملة: فالأمر بالتعجيل؛ و ما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت معلّلًا بالتعجيل؛ و التعليل الواقع في الروايات بإرادة الجمع المفيد، لأنّ التأخير لمكان النافلة التي تحتاج إلىٰ زمان، و أنّه لمكان إدراك فضيلة الجمع، التي هي أعلىٰ من فضيلة التعجيل؛ فما فيه الفضيلة الكاملة هو الجمع، لا نفس الوقت أعني الذراع مثلًا و لو لم يرد فعل النافلة، أو قد صلّاها؛ مع ما في التحديدات من الاختلاف المرشد إلىٰ أنّ الجمع أفضل من تركه إلىٰ آخر المثل، و أنّ أفضل الجمع قدم، و دونه القدمان، و دونه ثلثا القامة، و دونه المثل؛ و كذا معلوميّة عمله على المبادرة في فعل الظهر بعد نافلتها، كما يرشد إليه‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 33.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، ح 5 و 10.

23

جريان سيرة المسلمين إلىٰ يومنا هذا عليه في الظهر و المغرب، و أنّه لو كان عمله (صلى الله عليه و آله و سلم) علىٰ خلاف ذلك لظهر و اشتهر؛ و أنّ انكشاف الذراع بعد الظهر بنافلتها أمر عادي، بخلاف الانكشاف بين النفل و الفرض؛ و أنّه يحتاج إلىٰ استعلام و إخبار لو كان لبٰان؛ و كذا ما دلّ علىٰ استثناء السفر و الجمعة المفيد لاستثناء فعل النافلة، و العازم علىٰ تركها رأساً، بقرينة ما دلّ علىٰ أنّه بعد الزوال يحبسه إلّا السّبحة، و ما فيه الأمر بتخفيف النافلة، و ما فيه التخيير بين تطويلها و تقصيرها، و أنّه لا ينتظر للفريضة إلّا الفراغ من النافلة، و ما فيه التخيير بين تطويلها و تقصيرها، و أنّه لا ينتظر للفريضة إلّا الفراغ من النافلة مطوّلة أو مقصّرة، ممّا يتعيّن حمل ما ظاهره أنّ وقت الفضيلة بعد الذراع مثلًا، علىٰ إرادة ما فيه إدراك فضيلة الجمع، و أنّه لا ينبغي ترك النافلة إلى المثل، أو إلىٰ حدّ لو فرغ من الظهر بعد نافلتها بلغ المثل، فقهراً يكون فضيلة العصر بعد المثل إلى المثلين علىٰ حسب هذا الحمل.

و أمّا أنّ التفريق بين الظهرين بإيقاع الظهر في المثل، و العصر بعد المثل، مع الفصل بالنافلة أو مطلقاً، راجح أو لا، فهو أمرٌ آخر غير محلّ البحث.

و الذي يفهم ممّا ورد في المقام من الروايات في حكم فضيلة العصر (1)، أنّ الأفضل تأخيرها لإرادة الجمع بين نافلتها و الفريضة إلىٰ آخر المثلين؛ و أنّ غير مريد الجمع، فالأفضل له الإيقاع في أوّل وقت فضيلتها الذي قد يكون أوّل المثلين، و قد يكون مقدّماً عليه، و قد يكون مؤخّراً عن ذلك، فلا بدّ و أن يكون بعد نافلتها الواقعة بعد فعل الظهر، حتى يدرك فضيلة الجمع بين الفرض و النفل.

و أمّا الجامع بين الفريضتين بلا فصل النافلة، فهو قد فات منه الفضل لا لمكان الجمع، بل لمكان ترك النفل؛ كما أنّ عدم الاكتفاء بفصل النافلة يحتاج إلىٰ دليل؛ فإن ثبت أنّ عمله (صلى الله عليه و آله و سلم) في الأغلب على التفريق، يلتزم بأفضليته لغير المعذور، و لغير الأوقات المستثناة للجمع، بخلاف ما إذا لم يثبت الغلبة؛ مع إمكان المناقشة‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

24

في الاستدلال بهذه الغلبة؛ فإنّ رجحان تأخير كلّ من الظهر و العصر إلىٰ آخر الحدّ لفعل النافلة لعلّه هو الذي رجّح التأخير له (صلى الله عليه و آله و سلم)، للعصر عن المثل لا لرجحان الفصل الزماني بين الفريضتين، و فعله (صلى الله عليه و آله و سلم) للنافلة قبل ذلك ليس يغني عن فعل غيره لها. و بالجملة، فتلك مسألة أُخرى غير ما نحن فيه، و إن أمكن إرجاعها إلىٰ مسألتنا بالتقريب المتقدّم.

بعض الروايات الدالّة على المختار و يدلّ علىٰ ما اخترناه في بيان المراد من هذه الروايات (1)، ما في رواية «ابن مسكان» عن ثلاثة من أصحابنا جميعاً: قالوا: كنّا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)

ألا أن أُنبّئكم بأبين من هذا؟ إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت الظهر، إلّا أنّ بين يديها سُبحة، و ذلك إليك إن شئت طوّلت، و إن شئت قصّرت

(2)

.

فإنّه جُعل فيها التحديد بفعل السبحة على النحو الأعمّ من الطويلة و القصيرة أبين من التحديد بالذراع الذي هو تحديد بزمان معلوم؛ فهل يمكن أن يرجع إليه التحديد بالسبحة [سواء] كانت طويلة أو قصيرة، أو أنّه يرجع التحديد بالذراع في سائر الروايات (3) المعلومة لدى هؤلاء الأصحاب إلىٰ فعل النافلة، و أنّه ليس بذلك الرجحان التنفّل بعد الذراع، بل الأفضل الاشتغال بالنافلة قبله، و الجمع بينهما قبله و بين الفريضة بعده أو في آخر، فيكون الذراع تحديداً للأفضل في وقت النافلة التي يكون الاشتغال بها قبله أفضل؟

فهذه الرواية وزانها وزان رواية التعليل لجعل الذراع بأنّه‌

لك أن تتنفّل إلى الذراع، فإذا بلغ الذراع تركت النافلة، و بدأت بالفريضة

(4)

.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 10.

(4) نفس المصدر.

25

و صرّح في الرواية الأُخرىٰ لصفوان عنهم بقوله‌

و إن كنت خفّفت، فحين تفرغ من سبحتك؛ و إن طوّلت، فحين تفرغ من سبحتك

(1)

، فكأنّه (عليه السلام) نفى التحديد بالذراع، و جعله معرّفاً لفعل النافلة طويلة أو قصيرة.

و لذا لم يذكر في رواية «ذريح» (2) في ترتيب الصلاتين، إلّا فعلهما بعد نوافلهما على الترتيب، و مثلها رواية «مسمع» (3).

و قوله (عليه السلام) في رواية «يزيد بن خليفة»‌

فإذا صار الظلّ قامة، دخل وقت العصر

(4)

، يريد به الدخول بنحو يكون تأخير الظهر إليه مرجوحاً حتّى لمريد النفل، لا أنّ تقديم العصر عليه مرجوح حتّى لمن يتنفّل للظهر و صلّى الظهر، بقرينة ما تقدّم و يأتي.

و قوله (عليه السلام) في رواية «عيسىٰ بن أبي منصور»‌

إذا زالت الشمس فصلّيت سُبحتك، فقد دخل وقت الظهر

(5)

يريد الدخول الذي لا رجحان في التأخير، لأنّ المفروض فعل النافلة الذي هو المرجّح للتأخير إليه؛ فإن دخول وقت الظهر بالزوال و عدم وجوب النفل معلوم للكلّ.

و أمّا رواية «زرارة» فليس فيها ما ينافي ما مرّ، إلّا ما في قوله (عليه السلام)

و لكنّي أكره لك أن تتّخذه وقتاً دائماً

(6)

، فيحتمل إرادة الدوام في السنة في قبال الإبراد الذي حدّده له في الرواية الأُخرىٰ بالمثل و المثلين في الصيف (7)؛ و يحتمل إرادة رجحان التفريق، و ذلك أيضاً يحتمل فيه مطلوبيّة التفريق في وقتين بنفسه.

و يحتمل إرادة لازم التفريق من النشاط لفعل النافلة و التأخير لأجل ذلك؛ فإذا‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 33.

26

كان الوقت مجرّد زوال الشمس دائماً متّخذاً بالاعتياد، لزم ذلك فوت النافلة في كثير من الأوقات؛ فقوله‌

أن تتّخذ ذلك

إن كان مع فعل النافلة المفروض في الرواية، فمطلوبيّة الفرق يمكن أن يكون لمطلوبيّة الإبراد في الصيف، و إلّا احتمل أن يكون لفعل النافلة.

لكن هذه الرواية مشتركة مع رواية «معاوية بن ميسرة» (1) في عدم ارتضاء الجمع بين الظهرين بعد زوال الشمس مع الاختلاف في فرض فعل النوافل، و في الابتداء بالمجموع حين زوال الشمس هنا و عدم فرضها في رواية «معاوية»، و جعل الجمع في طول النهار بعد زوال الشمس، و الاختلاف بالكراهة لاتّخاذه وقتاً هنا، و بقوله (عليه السلام)

ما أحبّ أن يفعل ذلك كلّ يوم

(2)

؛ فإنّ الجمع بلا فرض النوافل، ليس من الراجح، خصوصاً مع عدم الوقوع في أوّل الزوال، و أمّا هذه الرواية ففيها ما ذكرناه؛ مع احتمال إرادة الموافقة مع القوم، المعلوم منهم التفريق المقرون باعتقاد عدم جواز الجمع، خلافاً لما روَوْهُ في الصحيح (3) من الجمع بلا عذر، و لعلّه لذا قال‌

أكره لك أن تتّخذه وقتاً دائماً

(4)

، و إلّا كانت مخالفة لصريح الروايات الدالة علىٰ عدم منع غير السبحة، كما في رواية «ذريح» (5) و غيرها (6) المصرّح بنفي التحديدات كلّها.

و مثله الكلام المتقدّم في صلاة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) في الذراع و الذراعين (7)؛ إلّا أنّه لا يجري فيه احتمال التأخير لفعله النافلة، بل لفعل غيره لها؛ كما يمكن أن يكون التفريق، لما في الجمع من المشقّة، خصوصاً في الصيف، فناسب التأخير و المخالفة في‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 15.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 15.

(3) صحيح مسلم 1، كتاب صلاة المسافر، الباب 6، ح 1 و 6.

(4) تقدّم في ص 21، الهامش 3.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، الحديث 12.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5.

(7) تقدّم في ص 16، الهامش 2 و 3.

27

اليومين، مع بيان أنّ ما بينهما وقت، و لو فرض فعل النافلة في الوقتين، فيكون التسهيل في التأخير. كما أنّ التسهيل علىٰ بعض في عكس ذلك بالجمع، لصعوبة التهيّؤ في وسط الاشتغال بأُمور الدنيا مرّتين؛ و لذا وقع هذا التسهيل منه (صلى الله عليه و آله و سلم) في الرواية (1) الحاكية لجمعه من غير علّة بين الظهرين، الظاهر لولا العمل على التفريق في اتّفاق ذلك، لا أنّه ممّا كان يستمرّ عليه؛ و لذا ورد الأمر بالجمع بهذا الترتيب، أي بفعل النافلة بعد الزوال، ثمّ الفريضة، ثمّ فعل النافلة بعدها، ثمّ فريضة العصر في رواية «سماعة بن مهران» (2)؛ فإنّه يجمع بينه بحسب ظهوره في عدم فوت شي‌ء من الفضيلة بهذا النحو من الجمع، و بين ما مرّ من قوله (عليه السلام) (3)

أكره لك

بوجه من الوجوه المتقدّمة، و كذا بين قوله‌

لا يحبسك إلّا سبحتك، تُطيلها أو تقصّرها

في رواية «ذريح» (4)، و بين ما مرّ من صلاته في الذراع و الذراعين (5)، بعد فهم أن نسبة الذراع إلى الظهر متحدة مع نسبة الذراعين إلى العصر، بحسب مبدء الفضل و منتهاه، و جهة الفضل للنفل أو لمجرّد التفريق.

و ما في رواية «محمّد بن أحمد بن يحيىٰ» (6) النافية للتحديدات مطلقاً، صريحة في عدم العبرة بغير النوافل و لوازمها من التأخير للطويلة و القصيرة؛ و أنّه لا يفوت الفضل بذلك؛ و أنّ التحديدات كلّها كناية عن المواظبة على النوافل؛ فهي كالمشتملة علىٰ تعليل (7) الذراع بالتأخير للنفل، و أنّ المانع هي السبحة، حتى أنّ تفريقه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكن إلّا للتسهيل على المتنفّلين، لما في الجمع بين الفريضتين و نوافلهما في وقت واحد‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 32.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 11.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10، 12.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10، 12.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 13.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3.

28

من الصعوبة الواضحة، حتى أنّ من أراد التسهيل بالجمع يغلب عليه ترك بعض النوافل.

المتحصل من البحث و الإشارة إلى الروايات الأُخر و بالجملة، فلو أمكن شرح أخبار التحديد بأخبار التعليل بالتنفّل و ما هو بمنزلة التعليل من الحبس (1) المؤيّد بروايات التعجيل (2) المذكور في فضل أوّل الوقت، كما جعل في بعض الروايات (3) تحرّي الجمع بين النافلة و الفريضة أبين من قياس الشمس، كما ذكرنا وجه ذلك، فهو؛ و إلّا كان مع المعارضة بين الطائفتين الترجيح مع روايات المحافظة على النوافل، و أنّها الغرض من التحديد، لتأيّدها بالعمل المستمرّ من النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و من بعده في الاشتغال بعد الزوال بالنوافل و وصلها بالفريضة، دون الانتظار للذراع أو المثل أو القدم.

و يظهر منه الحال في المثلين مثلًا للعصر، فإن وقع الظهر في آخر [ه] أو ما بينهما المثل، كان الحال فيهما واحداً، و إلّا كان المثلان زماناً واحداً.

و ممّا يشهد لذلك رواية «قرب الاسناد» حيث ورد فيها الجمع بين الأمر بالظهر بعد السّبحة بعد الزوال (4)؛ ثمّ الأمر في مقام بيان وقت العصر بمثل هذا البيان بعد فعل الظهر بعد نافلتها بعد القدمين من الزوال؛ ففيها الدلالة علىٰ أنّ ذكر القدمين لمكان سبحة الظهر للموافقة بين الصدر و الذيل، و الأمر بالظهر بعد الذراع بلا ذكر نافلتها، ثم العمل في العصر بمثل العمل في الظهر في صدر الحديث، و كذا قوله (عليه السلام) في رواية «زرارة»‌

و صلاة العصر في يوم الجمعة في وقت الاولىٰ في سائر الأيام

(5)

.

و كذا‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 12.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 10.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 2.

29

ما في رواية «زرارة» عن أبي جعفر (عليه السلام) النافية للحدّ المعروف بين الظهر و العصر، و ظاهرها انتفاء الحدّ الزماني بين الصلاتين، و لا يتمّ إلّا بأن يكون الفاصل الشرعي للفصل زمانيّاً و هو النافلة، لا زماناً و هو الذراع أو المثل.

و أمّا رواية «عبيد بن زرارة» (1) فهي من المطلقات التي ليس فيها بعد زوال لشمس إلّا الترتيب بين الظهرين عملًا لا زماناً، حتى أن ما في مرسلة «داود بن فرقد» (2) من الوقت الاختصاصي للظهرين، مقيّد لما في تلك الرواية، فيكون التحديد حتّى ما يكون للفضل الغير الثابت شرعاً لوقتيهما علىٰ خلاف هذا الإطلاق.

و كذا قوله (عليه السلام) في رواية «الجهني» قال‌

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن وقت الظهر؟ فقال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين

(3)

، من المطلقات في هذا الباب، و مثلها في ذي الحاجة رواية «محمّد بن مسلم» (4)، و مثلها رواية «معاوية بن وهب»‌

قال: سألته عن رجل صلّى الظهر حين زالت الشمس، قال: لا بأس به

(5)

؛ فإثبات توقّف الظهر علىٰ أزيد من النفل، يحتاج إلىٰ دليل.

و ما في رواية «صفوان» (6) المعيّن لوقت العصر في ثلثي قدم بعد الظهر، يحتمل إرادة الزوال من الظهر لا الصلاة؛ و عليه يكون الباقي للظهر و نافلتها و لنافلة العصر، ثلثي القدم، و يكون وقت مجموع الصلاتين و نافليتهما قدماً واحداً، و هو مخالف للتحديد حتّى بالقدم و الشبر في فضيلة الظهر، بل لا يناسبه إلّا أن يكون التحديد بالنوافل لا غيرها.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 5.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 2 و 5 و 7 و 11.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 11، 13، 12، 14.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 11، 13، 12، 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 12.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 12.

30

قال السيّد في «المفتاح»: «و يبقى الكلام في ما إذا فرغ من النافلة قبل الذراع، فهل يبادر إلى الفريضة، أو ينتظر الذراع؟ كما قيل مثل ذلك في العصر بالنسبة إلى المثل كما يأتي إن شاء اللّٰه الظاهر أنّه يعني من فرغ من النافلة قبل الذراع يبادر إلى الفريضة يعني لا ينتظر الذراع قدّمه، كما تدلّ عليه الأخبار الكثيرة كأخبار السبحة (1) و غيرها (2) و عموم ما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت (3)، و لم نجد من خالف في ذلك سوىٰ ظاهر «الكاتب»، حيث قال في ما نقل عنه: «يستحبّ للحاضر أن يقدّم بعد الزوال شيئاً من التطوّع إلىٰ أن تزول الشمس قدمين» و تبعه علىٰ ذلك صاحب «الكفاية»، حيث قال: «و الأقرب استحباب تأخير الظهر إلىٰ أن يصير الظلّ قدمين» و هو مذهب «مالك» (4). و في «الخلاف» و «المنتهىٰ»: «لا خلاف في استحباب تعجيل الظهر».

و في «المدارك»: «إنّ مقتضىٰ صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) استحباب تأخير الظهر إلىٰ أن يصير الفي‌ء علىٰ قدمين من الزوال»، لكنّه قبل ذلك بأوراق متعدّدة، اختار المبادرة و قال: «إنَّ مذهب «ابن الجنيد» قول مالك (6) انتهىٰ.

و تقدّم أنّ ما فيه التعليل من الروايات يدلّ علىٰ تأويل التحديدات، و أنّها للنافلة لا للفريضة، و إن أمكن جعله لهما باعتبار أولويّة الفريضة بما بعد المثل، و النافلة بما قبل المثل، فمن أخّر الفريضة عمّا بعد المثل فقد فات منه فضيلة الفريضة، [سواء] أتى بالنافلة قبل المثل أو لم يأتِ بها؛ و أنّ اتخاذ الأوّل وقتاً دائماً يؤدّي إلى ترك النوافل في كثير من الأوقات؛ و أنّها لا تجري في المتنفّل قبل الحدّ، و التارك لها بعد الحدّ، فضلًا عمّا‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(4) المدوّنة الكبرى، 1، ص 55.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1.

(6) مفتاح الكرامة، 2، ص 15 و 16.

31

قبله؛ فإنّ تعليل جعل الذراع بوقت النافلة (1) يشهد بصحّة التحديدات، و بإرادة الملازمة للمواظبة على النوافل، و لذا قال (عليه السلام) في رواية أُخرى‌

صواب جميعاً

(2)

؛ فإنّ صوابيّة ذلك لا تنافي صوابيّة دخول الوقتين بالزوال، و إدراك الفضلين مع النافلتين؛ و كذا جعل ذلك أبين من التحديدات في رواية أخرى (3) مع أن الحدّ الزماني أبين من التحديد بالزمانيّات، و لا يتم ذلك إلّا بما قدّمناه.

و لعلّ عمل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على التفريق و من بعده، لمكان إدراك الغالب فضل التنفّل الشاق مع الجمع بين الفريضتين و نوافلهما، فلا ينافي فضل المبادرة، بل أفضليّتها لمن لا تشقّ عليه، و ينشط للجمع بين الفرائض و النوافل، بحيث لا يزاحم سائر الشواغل الدنيويّة. و ندرة ذلك في الناس غير خفيّة.

و قد وقع التعليل للذراع بالتنفّل عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) بعد نقل حكاية صلاة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا بلغ الفي‌ء ذراعاً.

و هاهنا وجه آخر للمخالفة في البيان في الروايات بالتحديد بالزمان و الزماني، و قد مرّت الإشارة إليه، و هو إرادة الموافقة مع القوم في الجملة، و هو ما فيه قوله (عليه السلام)

أنا أمرتُهم بهذا لو صلّوا على وقت واحد عرفوا فأخذوا برقابهم

(5)

، حيث شاهد الراوي فعل بعض أصحابنا الظهر و بعضهم العصر في وقت الظهر بدون انتظار لوقت العصر، و لعلّ مصلّي الظهر كان ينتظر وقت العصر، بل مجرّد فعلهما من شخصين في وقت الظهر يدلّ علىٰ اختلافهما عملًا في فعل العصر في وقت الظهر في الجملة؛ فإنّ التوقيت لبعضهم بالتنفّل، و لبعضهم بالزمان (6) يقتضي هذا الاختلاف.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 30.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 27 و 28.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 7، ح 3.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5 و 8.

32

[مسألة] الوقت الاختصاصي للظهرين

مسألة: يدخل وقت الظهرين بالزوال و يخرج بالغروب. و يعتبر الترتيب بينهما في العمد مطلقاً، لا في السهو في الجملة. و يختصّ الظهر بأوّل الوقت، بمقدار أدائه مع الشروط المفقودة، و العصر بآخره كذلك؛ فلا تصحّ العصر في وقت الظهر الاختصاصي و لو سهواً، كما لا تصحّ الظهر في الوقت المختصّ بالعصر و لو سهواً.

و يدلّ عليه مرسلة «داود بن فرقد» (1) المشهورة عملًا، بل عن «الشيخ نجيب الدّين»: أنّه نقل الإجماع عليه جماعة، و لعلّهم اطّلعوا على فتوى «الصدوق»، بالوفاق في غير ما اقتصر فيه على نقل المطلق. و في قبالها الإطلاقات (2)، و في بعضها الدلالة على الترتيب دون بعضها، لكنّ إطلاقها المقتضي لصحّة العصر في المختصّ بالظهر، و الظهر في المختصّ بالعصر ليس بتلك القوّة، خصوصاً مع بيان الترتيب في بعضها غيرَ مقيّدٍ بعدم السهو، فهي قابلة للتقييد بما في المرسلة (3) المشهورة، المتأيّدة بروايات طُهر الحائض (4) و نسيان الظهر إلى عند غروب الشمس (5)، و تأخير الظهر حتى يدخل وقت العصر أنّه يبدء بالعصر (6)، و توقيت العشاء بفعل المغرب (7).

و الظاهر أظهريّة المرسلة في إفادة الوقت المختص بالفرائض الأربعة من المطلقات المقتضية للخلاف؛ و لا شبهة في جواز الجمع بين المطلقات و المرسلة في الكلام الواحد، و تعيّنِ ارتكاب التقييد حينئذٍ؛ و لو كانتا من المتنافيين، لم يجز الجمع بينهما في كلام واحد، فكذا الحال في ما وقع من الانفصال بين البيانين، فيجمع بينهما‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(4) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49، ح 3 و 5.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 17.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 17.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 19.

33

بعد اعتبار المرسلة بالشهرة بالتقييدِ المرسومِ في ما لا يحصى من موارد بيان الأحكام، المفصولة مقيّداتها عن مطلقاتها بكثير من الأزمنة، و ليس المقام ممّا يعمّ به البلوى حتّى لا يمكن ارتكاب التّقييد، بل وقوع العصر في أوّل الزوال سهواً، و الظهر في قريب الغروب كذلك، ممّا يندر اتّفاقه.

و مع الغمض عنه، فالمرسوم من مبلّغي الشريعة، التدريج في بيان الأحكام و قيودها. و لو فرضت المعارضة بالتكافؤ بعد حفظ العمل الجابر للمرسلة، يمكن الترجيح بالأشهريّة البالغة إلىٰ حكاية الإجماع على النحو المتقدّم.

و يظهر من «المصباح» الميل إلى عدم الاختصاص في ما لا يفيد الاشتراك خلاف الترتيب، مع حكمه بتعيّن العصر في آخر الوقت لو لم يبقَ إلّا مقدار إحداهما، مع أنّه لا وجه له إلّا الاختصاص. و شرطيّة الترتيب إن كانت محفوظة هنا، فهي إلىٰ عدم تعيّن العصر، بل إلى تعيّن الظهر أقرب.

و الإجماع المحكي ليس إلّا للاختصاص، و هو مدلول رواية «الحلبي» (1) في الفرض، و مرسلة «داود» (2) مطلقاً.

الميزان في الوقت الاختصاصي و كيفيّة تقديره

ثمّ إنّ الظاهر، أنّ المراد من أربع ركعات في المرسلة، هو وظيفة الظهر المختلفة باختلاف المكلّفين من الحضر و السفر، و الحاجة إلىٰ تحصيل الشروط و عدمها؛ فهل ينتهي الأمر إلى تسبيحتين بدل الركعتين في شدّة الخوف، فلا يلزم الصبر في العصر و صحّة الانتظار إلى انقضاء وقت صلاة المختار، في فعل العصر عمداً بعد الظهر، و نسياناً قبلها؛ و كذا لو كان بحيث يفتقر لتحصيل الشروط و إزالة الموانع، إلى زمان طويل يقرب من الحدّ، فلا يصحّ عصره سهواً قبل ظهره، لأنّ الوقت المختصّ في حقّه، من الزوال‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 7.

34

إلىٰ ما بعد وقت الظهر؛ أو أنّ المرجع، المتعارف المختار في الصورتين، فينتظر في الصورة [الأُولىٰ]، و تصحّ العصر في الثانية؟ احتمالان. يمكن ترجيح الثاني فيهما، لأنّ المفهوم، الكناية عن وظيفة المختار على الوجه المتعارف بمثل التعبير بأربع ركعات. و لو نسي بعض الأجزاء الغير الركنيّة ممّا لا يتدارك كالقراءة، أمكن ترجيح عدم الانتظار لمضيّ مقدار المنسي؛ و أمّا ما يتلافىٰ كالسجدة و التشهّد المنسيّين، فمع اعتبار الوحدة و الارتباط بينه و بين الصلاة بإبطال مبطلات الصلاة، يلزم التأخير إلىٰ مضيّ وقت القضاء و التلافي؛ و كذا الكلام في صلاة الاحتياط؛ فإنّه لا يتحقّق الاحتياط مع المعاملة عمل النافلة، بل الاحتياط من حيث العمل، عمل الركعة من الفريضة، بخلاف سجدتي السهو، لأنّ وجوب المبادرة فوراً ففوراً، ليس توقيتاً؛ و كذلك الحال في السرعة و البطؤ.

و يقدّر وقت الاختصاص، بالمتعارف المتوسّط من عمل المختار، و لا يقدّر بأقلّ الواجبات، و لا بجميع ما كان يعتاده من المستحبّات على كثرتها؛ فإنّ التقدير بالأقلّ، فيه من المشقّة ما لا يخفىٰ، و لا يفهم من الإطلاقات؛ و كذلك في ما كان يفعله من المستحبّات الكثيرة؛ فالمتوسّط المتعارف الغير الشاقّ هو المحمول عليه الإطلاق.

و في كفاية الوقت التقريبي في تعيين المختصّ و المشترك، وجه، لتعسّر التحقيق.

و لو شك في بلوغ المشترك حال الصلاة، فمقتضىٰ الاستصحاب عدمه، فتفسد، إلّا أن يعارض بأصالة عدم الفعل إلى البلوغ، فتصحّ؛ إلّا أنّ الثانية لا تخلو من إثبات؛ و مع قطع النظر عنه؛ فلو كان التاريخ معلوماً بأمارة مشكوكة التحقّق حال الصلاة، جرىٰ استصحاب عدم المجهول إلىٰ زمان المعلوم لو سلّم من الإثبات.

و على أيّ، فالصلاة عصراً في الوقت المختصّ بالظهر، فاسدة و لو كانت سهواً، لعدم جريان السهو في الوقت، بخلاف الوقت المشترك؛ فإنّها فاقدة للترتيب المعتبر في حال العمد لا مطلقاً.

35

العدول إلىٰ الأُخرىٰ في الوقت الاختصاصي و لو ذكر في أثناء الفريضة، فللعدول إلى الظهر وجه، كما عن «البيان»، و «المقاصد العليّة»، لعدم لزوم الوقت لما سبق عصراً، حتّى يقال: «لا يصحّ ما سبق.»، و إنّما المقصود الصحّة ظهراً، و وقته حاصل، و إنّما المفقود نيّة الظهر في ما سبق. و المعتبر في موارد العذر، الأعمّ من النيّة في الابتداء و الأثناء، كما يظهر من موارد العدول في المشترك.

و مثله ما لو شرع في العصر بالظنّ المعتبر، ثمّ انكشف الخلاف في الأثناء بدخول المشترك في الأثناء؛ فإنّه يعدل إلى الظهر، لأنّ المصحّح الوقت للظهر مع نيّته، لا صحّة العصر لدخول وقته في الأثناء، كالصلاة قبل الوقت الداخل في الأثناء، إذا كان الدخول بأمارة شرعيّة.

و لو ظنّ الضيق عن غير العصر فصلَّاها ثم انكشفت السعة بمقدار ركعة أو أربع، فالظّاهر مع اعتبار الظنّ صحّة العصر، بناء على اغتفار الترتيب فيه كما في السهو، و حينئذٍ يصلّي الظهر بعدها أداءً، لأنّ الاختصاص بالعصر لمن لم يؤدّها صحيحة، لا مطلقاً على الأظهر.

اختصاص عدم جواز الإتيان في الوقت الاختصاصي، بالشريكة و لو بقي من آخر الوقت مقدار خمس ركعات، جمع بينهما في الأداء بتخصيص الأربع بالظهر، لوقوع ركعة منه في المشترك، و تخصيص ركعة بالعصر يؤدّي بها عصره الواقع ثلاث ركعات منه في خارج الوقت. و لا يضرّ ذلك من جهة اختصاص ذلك الوقت بالمغرب، لأنّ لازم الاختصاص عدم صحّة الشريكة فيه، لا كلّ فريضة واجبة، و ليس ذلك، لأنّ وقت الاختصاص لمثل هذا الشخص، بعد ثلاث العصر؛ فإنّ ثلاث العصر و إن كانت واجبة عليه، لكنّها ليست من شروط المغرب و مقدّماتها، و ليس كلّ واجب داخلًا في وقت الاختصاص، يعني بحيث يكون وقت الاختصاص ما بعد ذلك الواجب، و إنّما هو في شروط الفريضة المختصّة بذلك الوقت، و لذا نلتزم بصحّة العشاء‌

36

لو وقعت سهواً بعد ثلاث العصر المذكورة، لأنّ ما بعده ليس من المختصّ بالمغرب، فليتدبّر. الوقت الاختصاصيّ و الاشتراكي للعشائين و يجري في العشائين، مثل ما ذكرناه في الظهرين من وقتي الاختصاص و الاشتراك، للاشتراك في الدليل حتّى نقل الإجماع؛ فيختصّ بالمغرب بعد غيبوبة الشمس مقدار أداء ثلاث ركعات مع الشروط، و بالعشاء مقدار أربع قبل الانتصاف للمختار، و ما بينهما مشترك بين العشائين. و يجري اختصاص آخر الوقت لغير المختار على القول به قبل الفجر بالعشاء، كما يجري لوازم الاختصاص و الاشتراك على ما مرّ في الظهرين.

و يبقى القول المحكيّ عن «الشيخين»، و «ابن أبي عقيل»، و «سلّار» من أنّ «أوّل وقت العشاء ذهاب الشفق المغربي في الاختيار»، و لا يخلو بعض الروايات (1) من دلالة عليه؛ لكنّ الروايات المستفيضة (2) النافية للبأس عن العشاء قبل ذهاب الشفق، قابلة لحمل المخالف على ابتداء وقت فضيلة في حال الاختيار، دون العذر المسوّغ للجمع بين العشائين مطلقاً.

وقت صلاة الصبح و أوّل وقت صلاة الصبح، طلوع الفجر الصادق المعترض المنتشر في الأُفق المبان به الخيطان، دون الكاذب الصاعد. و هذا بحسب الفتوىٰ و النصوص (3) من المسلّمات، فلا تترتّب الأحكام المعهودة من الصلاة و الصوم قبل ذلك.

عدم اختلاف طلوع الفجر باختلاف أيّام البيض و نحوها و الظاهر أنّ الطلوع، له وقت مخصوص زماني، كالزوال و الغروب، لا يختلف باختلاف الأيّام، إلّا الاختلاف المعهود المضبوط لدى المحاسبين. و ذلك الزمان لا يختلف باختلاف‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 22.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 27.

37

أيّام البيض و غيرها، و لا بوجود المانع من الغيم و نحوه و عدمه، إلّا أنّ يتأخّر إحراز الطلوع و تبيّنه، لا نفس المتبيَّن بالفتح فله حدٌّ زماني غير مختلف، و المختلف هو العلم به فقد يتأخّر، و قد لا يتأخّر و لو حصل المانع، و لا فرق بين مانعيّة ضوء القمر أو الغيم عن الإحراز أحياناً.

فجعل التبيّن في الآية الشريفة (1) غاية، لمكان أنّ غايتيّة المتبيَّن ملزوم غالبي لغايتيّة التبيّن، فهو طريق محض، لا مأخوذ في الموضوع و لو طريقاً. و لا فرق بين كون المانع من سنخ البياض، كضوء القمر، أو غيره، كالغيم؛ فانضباط الوقت الخاصّ بالآلات المستحدثة و القديمة، يغني عن مشاهدة الأُفق الممتاز فيه خطّ البياض عن خطّ السواد.

فدعوى اعتبار التبيّن في موضوع الأحكام خارجة عمّا يفهمه العرف في المقام، و كيف يكون للتبيّن الموضوعيّة للحكم مع القطع بإرادة التبيّن، أو تحقّق زمانٍ بعد التبيّن و قبل الطلوع و لو كان قليلًا؟ و كيف يكون للتبيّن الفعلي، الموضوعيّة المتقدّمة مع عدم حدّ معروف غيره غير التبيّن التقديري؟ لأنّه كلّما قرب إلى الطلوع للشمس يزول السواد تدريجاً، لا أنّه يتبيّن الخيطان مع أوسعيّة البياض.

فلا بدّ من غايتيّة الاحمرار مع عدم التبيّن، و هو كما ترى يعدّ من وقت صلاة الصبيان، مع أنّه بلا دليل؛ مع أنّ التفكيك بين مانعيّة الغيم و القمر، لاتّفاقيّة الأوّل، و دائميّة الثاني في الشهر.

و جعل الوقت زماناً خاصّاً في الأوّل دون الثاني، و التفكيك بين وقت الصبح و الظهرين و العشائين ممّا لا يخفى وضوح فسادهما.

ثمّ إنّه يأتي الكلام إن شاء اللّٰه في أنّ اعتبار ذهاب الحمرة المغربيّة في وقت المغرب على القول، به و بملازمة بقاء الحمرة مع عدم الغروب، لا يقتضي كشف الحمرة المشرقيّة‌

____________

(1) البقرة، 187.

38

عن الطلوع، و ملازمةَ حدوث الحمرة لحدوث الطلوع، لأنّ المقابلة بين الافقين تقتضي الملازمة المذكورة، على القول بها، و أماريّة الذهاب على الاستتار، على القول الآخر؛ و أمّا حدوث الحمرة فإنّما يكشف عن قرب الطلوع، لا خروج الشمس فوق أُفق المشرق، كما لا يخفى.

علائم معرفة الزوال

العلامة الأُولىٰ: ظهور الظلّ مشرقاً للشاخص

و يعلم الزوال بظهور الظلّ في ناحية المشرق للشاخص، كان قبل ذلك في نهاية النقص في جانب المغرب، أو منعدماً للمسامتة الواقعة مرّة في السنة في حدّ الميل الأعظم، و مرّتين في السنة في ما بين الميلين.

و أمّا ما في خبر «عبد اللّٰه ابن سنان»‌

تزول الشمس في النصف من حزيران، على نصف قدم، و في النصف من تموز، علىٰ قدم و نصف

إلى مثل الأوّل في النصف من حزيران (1)، فإنّما تتمّ دعوى المخالفة مع الاعتبار في صورة العلم بمخالفة النسبة المذكورة فيها بين البروج للواقع، و إلّا فالزوال في النصف من حزيران على نصف قدم، لا يعمّ جميع الأمكنة المختلفة قطعاً في النقص و الزيادة و لو في برج واحد، كما هو المعلوم في ما تجاوز الميل من الأمكنة؛ و في ما لم يتجاوز، فالمكان التي تزول فيه في النصف من «حزيران» على نصف قدم، إذا زالت فيه في «تموز» علىٰ غير القدم و النصف، تتحقّق المخالفة بين الخبر و الاعتبار، لا بمجرّد عدم الزوال في بعض البلاد في «حزيران» علىٰ نصف قدم.

و حُكي عن بعض علمائنا، اختصاص ما في الخبر بالعراقي، و هو المناسب لعرض «العراق»، و لكون الراوي عراقيا. و قيل: «يختصّ بالمدينة»، و هو لا يناسب مقارنتها لحدّ الميل الأعظم؛ فإنّها حينئذٍ موضع المسامتة كما يدّعىٰ هذه المخالفة، كما يظهر ممّا‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 11، ح 3.

39

في «الحدائق» في ما بين النصف من أيلول، حيث جعل فيها الزوال على ثلاثة أقدام و نصف؛ و النصف من «تشرين الأوّل»، حيث جعل الزوال على خمسة أقدام و نصف. و المناسب لما سبق أربعة أقدام و نصف، و كذا المناسب سبعة في النصف من «تشرين الأوّل»، على ملاحظة النسب مع فرض الخمسة و النصف في ما سبق.

و لا تكفي ملاحظة الأبعديّة الموجبة لأطوليّة الظلّ، و أكثريّة الإقدام في البلاد الشماليّة في الخريف و الشتاءِ منها في الربيع و الصيف، لكفاية النسبة في البعد مع استواء السير في جميع أزمنة السنين.

و يمكن الحمل علىٰ وقوع الاشتباه في النقل من بعض من توسّط من رواة الحديث، مع أنّ جعل الإقدام أمارةً، موقوف على تعيين القدم الحقيقي للنوع؛ فلو أمكن بلا عسر كما في رواية الأشبار في الكرّ (1) كان مغنياً عن الانتظار للأخذ في الزيادة، و إلّا فتحقيق تمام القدم يتوقّف علىٰ تحقّق الأخذ في الزيادة و العلم به، فلا يناسب جعل الإقدام أمارة مستقلّة.

القول بعدم بظهور زيادة الظلّ إلّا بعد ساعة و المناقشة فيه ثم إنّه حكي عن «المقاصد العليّة»: «أنّ زيادة الظلّ بعد نهاية النقص، لا تظهر إلّا بعد ساعة زمان‌

____________

(1) الوسائل 1، أبواب الماء المطلق، الباب 10.

40

السير في دقيقة مثلًا بمقدار من الظلّ لو كان؛ فعدمه و تحقّق الركود في تلك الدقيقة، يكشف عن الزوال، و إلّا لما توقّف عن السير و لوازمه و لو في الحسّ.

و علىٰ أيٍّ، فما في الروايات (1) هو الاقتصار على الزيادة بعد النقيصة. و لو كان ذلك متأخّراً بساعة من الزوال، لما اقتصر الإمام (عليه السلام) علىٰ ذلك، إلّا أن يحمل على مطلوبيّة احتياط المصلّي، كمطلوبيّة الاستبانة في الفجر.

العلامة الثانية: ميل ظلّ الشمس إلىٰ جانب المشرق

و ممّا يعلم به الزوال، «ميل ظلّ الشمس إلىٰ جانب المشرق»، و قد سبق طريق استعلام هذا الميل مع ما مرّ من دعوى الاحتياج إلى زمان طويل.

و أمّا أنّ الظلّ عند وصول الشمس إلى دائرة نصف النهار يقع علىٰ خطّ نصف النهار، و عند ميل الشمس إلىٰ جانب المغرب يميل الظلّ إلىٰ جانب المشرق، فلا يخلو عن مناقشة؛ فإنّ الظلّ في ما تجاوز الميل من البلاد الشماليّة، لا يقع في الزوال على الخطّ، بل يتجاوز عنه، كما مرّ في الأقدام، و إلّا كان ظاهراً في طرف المشرق، و منعدماً حين الزوال.

العلامة الثالثة: ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن

و ممّا يعلم به الزوال، «ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن» لمن استقبل القبلة الواقعة على نقطة الجنوب، كما هو في بعض بلاد العراق. نسبت هذه العلامة إلى فتوى الأصحاب، و قد وردت الرواية (2) المفسرة لما كان من زوال الشمس بكونها على الحاجب الأيمن. و عليه، فإنّ هذه العلامة تحتاج إلىٰ تشخيص نقطة الجنوب باستخراج نصف النهار بالدائرة الهنديّة، أو بالآلة المائلة إلى القطب، بعد تعيين مقدار المخالفة مع القطب المتصل بالجدي. و مع هذا، فيحتاج‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 12.

41

الإحساس بتيامن الشمس عن الوسط خصوصاً إذا أُريد تيامن تمام القرص إلى مضيّ مدّة، فيكشف التيامن عن سبق الزوال.

و لعلّه لا مفهوم لما بُيّن فيه العلامات من النصوص، و إنّما المراد بها الثبوت عند الثبوت فقطّ؛ أو المراد بيان الأوّل تقريباً عرفيّاً تحقيقاً دقيقاً؛ كما أنّ مقتضى الدقّة، ما في «الجواهر» (1) من أنّ الزيادة حدوث الزائد بعد أن لم يكن، فهو كالحدوث بعد الانعدام، لا أنّ أحدهما زيد الظلّ و الآخر حدوثه، كما أنّ الجامع بين الأمرين كما في «المسالك» ظهور الظلّ في ناحية المشرق.

[مسألة] أوّل وقت صلاة المغرب، غروب الشمس

مسألة: غروب الشمس، أوّل وقت صلاة المغرب، بالإجماع المحكيّ عن «التذكرة» و غيرها؛ و الخلاف في ما به الغروب؛ فعن جماعة أنّه استتار القرص، و يدلّ عليه روايات كثيرة (2)، فيها الصحاح و نحوها من المعتبرة. و عن المشهور، أنّه ذهاب الحمرة المشرقيّة؛ و يدلّ على ذلك روايات كثيرة (3) ينجبر ضعف بعض ما فيها بالاشتهار العملي.

الجمع بين الروايات الدالّة علىٰ الاستتار و الدالّة علىٰ ذهاب الحمرة لكنّ الكلام في وجه الجمع بين الطائفتين إذا لم يكن المسألة إجماعيّة، كما عن «السرائر» دعوى الإجماع علىٰ ما هو المشهور، مع وقوع الظفر بالفتوى علىٰ طبق الصحاح من جماعة كالمحكيّ عن «الكاتب»، و «علل الصدوق»، و ظاهر «الفقيه»، و «ابن أبي عقيل»، و «المرتضىٰ» و «الشيخ»، و «سلّار»، و «القاضي»، و «سيّد المدارك»، و «الخراساني»، و «الكاشاني»، و تلميذه، و «الأستاذ الأكبر».

____________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 101.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16.

42

حمل روايات الاستتار على التقيّة و المناقشة فيه و لا يخفى: أنّ وجه الجمع من «الجواهر» (1) و «المصباح» هو حمل روايات الاستتار على التقيّة، لموافقتها لما عليه العامّة، حتّى أنّ العامّة يعرفون ذلك من الشيعة.

لكن في الاكتفاء بذلك في الجمع، مناقشة واضحة؛ فإنّ الحمل على التقيّة فرع وصول النوبة إلى العلاج، المتوقّف علىٰ عدم العلاج العرفي، و لذا لا تردّ رواية واحدة معتبرة بمجرّد الموافقة للعامّة؛ كما أنّ المعهود من العامّة عدم رواية ذهاب الحمرة و عدم العمل به، و روايتهم للخلاف، و معرفتهم لوجود جماعة من الشيعة علىٰ هذا العمل الموافق لروايات ذهاب الحمرة، مع عدم معلوميّة مستندهم في العمل، و أنّه الموضوعيّة أو المعرِّفيّة، مع عدم معلوميّة أنّه قول جميع الشيعة، فكيف يحتجّ بمعرفتهم لمذهبنا و لا يمكننا استعلام مذهبنا منهم؟ مع أنّ في الروايات ما يدلّ على العمل علىٰ طبق الاستتار عند المخالف لذلك، بل عند الشيعة المخالفين لذلك أيضاً.

الجمع بحمل المجمل على المبين و ما فيه و قد يجمع بالتفسير و الشرح و حمل المجمل على المبين، و دعوى الحكومة في الروايات الشارحة.

و أنت خبير بأنّه لا إجمال في شي‌ء من الزوال و الغروب، فالثابت من الروايات بيان المعرِّف للموضوع المجهول تحقّقه، لا المجهول مفهومه، [و] لا بيان ما به الزوال و الغروب، بل ما يعرف به الزوال و الغروب، كما لم يحتمل ذلك في الزوال، مع أنّ العلامات المبيّنة قد سبق تأخّرها عن أوّل وقت الزوال.

مع أنّ في روايات ذهاب الحمرة ما ينصّ على العلامتيّة (2)، و على أنّه احتياط، مع ظهوره في الاحتياط الموضوعي لا الحكمي؛ فيحمل ما لم ينصّ فيه على العلامتيّة،

____________

(1) جواهر الكلام، 7 ص 115 121.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16؛ و فقه الرضا (عليه السلام)، ص 104.

43

على المنصوص و يدلّ علىٰ تبيّن الغروب مفهوماً ما فيه أنّه‌

إذا نظرت إليه فلم تره

(1)

، و لا أصرح من ذلك في أنّه لا وقع للسؤال عن الواضحات.

الجمع العرفيّ بين تلك الروايات و من المعهود عن الدليلين إذا أمكن العمل بواحد منهما مع عدم إلغاء الآخر، يقدّم ذلك على العمل بما لو عمل به لغي الآخر؛ فإذا عمل برواية استتار القرص، حمل رواية الذهاب على المعرِّفيّة في صورة الجهل، و علىٰ استحباب التأخير مع عدم اليقين للاحتياط، بخلاف العمل بالعكس، فلا محلّ لروايات الاستتار إلّا الطرح، و الحمل على التقيّة.

مع أنّ تقييد موضوع الاستتار الواضح منه إرادة الاستتار من الأُفق، المستوي بزمان يقرب من ذهاب الحمرة على الموضوعيّة، كأنّه تكلّم بالكناية بلا داعٍ إليه لمخالفة التعبيرين للعامّة.

مع أنّه لا يمكن الجمع بين إجماعيّة التحديد بالغروب و خلافيّة ما به الغروب، بعد تبيّن الغروب مفهوماً كالزوال؛ فيقال: إنّه زوال الشمس، لكن بقيد ازدياد الظلّ بعد النقص، قاصداً زماناً يظهر فيه الازدياد على نحو الموضوعيّة لا المعرّفيّة.

مع أنّه لا يمكن الجمع بين عدم جواز تأخير الظهرين عمداً إلىٰ ما بعد الاستتار عن الأُفق المستوي، و بين مبدئيّة ذهاب الحمرة لوقت المغرب. و الالتزام بالجواز مخالف لمرتكزات الكلّ قطعاً، و ثبوت وقت لا يصحّ فيه شي‌ء من الظهرين و المغرب ذلك.

و الاعتماد على اشتهار الحكم، مع أنّ فيه تبعيّة للنصوص المبنيّة على الاحتياط في هذا المهمّ مع غلبة الاستيلاء بالغيم و الجبال في إثبات الحكم اللزومي، كالكشف بذلك عن ثبوت حجّة لديهم غير واصلة إلينا، مع كثرة روايات الطرفين و وضوح مداليلها، كما ترى.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح، 25

44

و كذا الكشف عن استقرار المذهب عملًا عليه، و إن خفي علىٰ جماعة يعتدّ بهم، فمن يقدّم رواية أوّليّة الزوال للظهرين (1)، مع تحديد كثير من الروايات بالذراع و الذراعين (2)، كيف يسوَّغ له نسيان ذلك في المقام؟ مع وضوح استفادة المعرّفيّة من روايات المقام، و منها ما اشتمل على التعليل (3)، كاستفادة الجمع من التعليل في ذلك المقام.

و أمّا مرسل «ابن أبي عمير» (4)، ففيه جعل سقوط القرص منوطاً بمجاوزة الحمرة، و لا يكون ذلك إلّا مع الجهل بالسقوط. و إرادة مرتبة عالية من السقوط حمل على الكناية، كما مرّ؛ مع أنّه لو تمّ عدم معهوديّة ذهاب الحمرة لدى العامّة، كان بيان الأئمّة (عليهم السلام) لذلك كاشفاً عن كونه من أسرارهم، كما وقع مثله في أمثاله، كالبيان للمميّز للحيض عن البكارة (5)، و من المعلوم أنّه لا يكشف عن التكليف المولوي، بل عن التنبيه على المغفول عنه عند العامّة، كما في المثال المذكور، و هذا يكفي لتصدّيهم لبيانه مكرّراً.

و بالجملة، فالناظر في وضع البيان في الطائفتين، لا يكاد يرتاب في تعيّن الجمع بالحمل علىٰ أنّ الموضوع هو الاستتار عن الأُفق المستوي، و أنّه في موارد الجهل به معرَّف بذهاب الحمرة، لا أنّ الاستتار مقيَّد بمضيّ زمان مقارن لذهاب الحمرة تعبّداً.

و يؤيّد ذلك ما يظهر من الروايات من جعل حدّ التأخير في بعضها إلى رؤية كوكب، كصحيح «بكر بن محمّد» (6)، و في بعضها إلى رؤية ثلاثة، كصحيح «زرارة» (7)، و في بعضها ظهور النجوم، كصحيح «إسماعيل بن همام» (8)، و في كثير منها إلىٰ ذهاب الحمرة‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4 و 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4 و 8.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح 3 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح 3 و 4.

(5) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 2.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6.

(7) الوسائل 7، أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الباب 52، ح 3.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 19، ح 9.

45

المشرقيّة؛ و من الواضح اختلاف هذه التحديدات زماناً، و عدم إمكان الجمع بين ذلك و بين التقييد التعبّدي إلّا بطرح ما عدا الأخير.

القول بالملازمة بين علامتيّة ذهاب الحمرة و علامتيّة بدوها و ما فيه و قد يقال: إنّ مقتضى جعل العلامة ذهاب الحمرة، فلازمه علامتيّة ظهور الحمرة في المغرب لطلوع الشمس، فلا يجوز تأخير الصبح إلى بدوّ الحمرة، كما لا يجوز تقديم المغرب علىٰ ذهابها عن المشرق.

و فيه: أنّه لا تعبّد بالتقييد في الصبح، و إن وقع علىٰ قول في المغرب. و أمّا على العلامتيّة المحضة؛ فزوال الحمرة المغربيّة علامة سبق الاستتار عن الأُفق المستوي، و لازمه أن يكون زوال الامتياز بين الأُفق المغربي و غيره علامة علىٰ سبق طلوع الشمس علىٰ أُفق المستوي، مع الجهل بغيم أو جبل في المشرق، لا أن يكون ظهور الحمرة علامة ذلك، بل علامة لقرب الطلوع.

و تقيّد الصلاة بذلك الزمان غير ثابت، و لم ينقل في ما أعلم الالتزام به من أحدٍ تقدّم علىٰ «كاشف اللثام»، حيث حُكي استظهاره لذلك، بناء على العلامتيّة في صلاة المغرب، و إن وافقه ما عن «فقه الرضا» (عليه السلام) (1) و «الدعائم» (2)، إلّا أنّه لا بدّ من حملهما علىٰ مرجوحيّة التأخير إلىٰ ظهور الحمرة في المغرب.

ذكر محامل للروايات الدالّة علىٰ اعتبار ذهاب الحمرة و أمّا ما روي من صلاة الإمام الرضا (عليه السلام) المغرب حين ظهرت النجوم، كما في صحيح «إسماعيل بن همام» (3)؛ أو إذا أقبلت الفحمة من المشرق، كما في خبر «محمّد بن علي» (4)،

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام)، ص 104.

(2) دعائم الإسلام 1، ص 139.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 19، ح 9.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

46

فيمكن أن يكون ذلك لاستحباب التّأخير إلىٰ وقت الاستبانة المطلقة، كما روي مثله في تأخير صلاة الصبح (1)، مع أنّ الثاني في السفر، و هو من الأعذار كما هو ظاهر، و الأوّل لا دلالة فيه علىٰ الاستمرار، بل علىٰ وقوعه مرّة.

مع أنّ استمرار عمل الشيعة لو كان علىٰ عمل، لا يدلّ علىٰ وجوبه، فإنّهم يلتزمون بكثير من المستحبّات، كالقنوت الذي هو شعار الشيعة، و هو من المستحبّات لديهم.

مع أنّ التوقيت في الظهرين كما مرّ وارد بالذراع و الذراعين، و قد رفع اليد عنه بما دلّ علىٰ علّة التوقيت، كما ورد التحديد و التوقيت هنا بذهاب الحمرة مطلقاً، و ورد التعليل بأنّه لإحراز سبق الاستتار علىٰ ما يستفاد ممّا دلّ عليه.

مع أنّ صحيح «بكر بن محمّد» المحدّد للأوّل برؤية الكوكب علىٰ ما يستظهر منه موقّت للآخر بغيبوبة الشفق، و كما أنّ هذا وقت الفضيلة، فليكن ما فيه من بيان أوّل الوقت للفضيلة. و الإنصاف أنّ الجمع بين الطائفتين بالحمل علىٰ بيان العلامة لمرتبة من السقوط، مع وضوح السقوط عرفاً، و وضوح الاستتار عن الأُفق المستوي، ممّا لا يرضىٰ به صاحب الذوق السليم في فهم الروايات المحكيّة عن جماعة هم أفصح الكلّ؛ بل نفس روايات الذهاب بعد شرح بعضها لبعضها بما فيه التنصيص على العلامتيّة، من أدلّة كون الموضوع نفس الغروب و الاستتار؛ و أنّه لا فرق في الموضوع بين الفجر و الزوال و الغروب في الموضوعيّة؛ و أنّ الاختلاف و التّأخير في الأدلّة على هذه الأوقات.

و الظاهر من الذاهبين إلىٰ الانضمام من المتأخّرين، هو رؤية الغلبة في المفتين من الصدر الأوّل بذلك، حتى حُكي الإجماع عليه مؤيّدة باستمرار العمل علىٰ ذلك بين الشيعة.

و هذا لو سلّم، ليس فيه حجّة على شي‌ء؛ فإنّ الفتوىٰ، على طبق النصوص حملًا لها‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 27، ح 5 و 6.

47

علىٰ ما فيها من الشرح، و قد عرفت أنّ روايات الشرح أيضاً بين شارح و مشروح؛ فالعبرة بما فيه نصوصيّة على العلامتيّة، فلا يمكن الاعتماد على فتاويهم في الواضحات.

و أمّا العمل، فهو مع موافقته للاحتياط علىٰ ما مرّ لا يكشف عن اللزوم، لإمكان أن يكون هذا من شعار الشيعة في قبال غيرهم؛ كما أنّ القنوت في مطلق الصلوات في المحلّ المخصوص شعار لهم، مع أنّه غير واجب.

و أمّا رواية رؤية الكوكب بعد جنّ الليل في مصحّح «بكر بن محمّد»، عن أبي عبد اللّٰه (1) (عليه السلام)، فلعلّ المشار إليه في الجواب هو الجنّ، أو الرؤية بعد الجنّ، لا مطلق الرؤية، و لا مطلق الليل؛ و هو مع مخالفته لذهاب الحمرة لا يعلم أنّ تحقّق بدوّ الظلمة بنفس الاستتار، و في زمانه، أو في زمان الذهاب؛ فإنّه تدريجي الحصول إلىٰ ما بعد الذهاب أيضاً، لأنّه إضافي. و أمّا خبر «أبان» عن الإمام الصادق (عليه السلام) في وتر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أنّه علىٰ مثل مغيب الشمس إلىٰ صلاة المغرب (2)، فيحتمل أن يراد به أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ما كان يقدّم الوتر بمعنى الثلاث ركعات علىٰ مقدار صلاة المغرب؛ و ما كان يؤخَّر فصلاة المغرب، يراد بها حينئذٍ تمام الصلاة زماناً، لا زمان الشروع فيها، فيكون موافقاً لخلاف المشهور. و احتمال هذا مانعٌ عن الاستدلال، أو يحمل على الفضل على أحد الاحتمالين في ما فيه الفضل؛ كما أنّ أصل هذا الوقت للوتر ندبي، و لو علىٰ من وجب عليه الوتر.

و أمّا مرسل «ابن أشيم» (3) المعلِّل بكون المشرق مطلًّا على المغرب، فالظاهر أنّ المراد أنّ موضع الحمرة في المشرق مشرف على موضع الغروب من الأُفق غير محاذ له؛ فالذهاب من الموضع العالي يكشف عن سبق الذهاب من الموضع الداني الموازي للأُفق، و ليس فيه أنّ حدوث الحمرة فيه ملازم لعدم الغروب عن الأُفق المستوي؛ كما‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6 و 5 و 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 5.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 3.

48

أنّ حدوث الحمرة في المغرب مع وجود الإشراف على الوجه المتقدّم، ليس كاشفاً عن الطلوع علىٰ الأُفق المستوي، و إنّما يقتضي المقابلة الموجبة للاحمرار مع النازل عن الأُفق المستوي من الشمس؛ كما أنّ المقابلة للحمرة المغربيّة مع النازل من الشمس عن الأُفق المستوي في المغرب كذلك، و يمكن أن يكون هذا من إرشاداتهم المختصّة بأهل البيت (عليهم السلام).

و ممّا يؤيّد القول بالاستتار أنّ لازم القول المنسوب [إلىٰ] الشهرة على خلاف ما يفيده كلام «الشرائع» (1) من أنّه الأشهر، و أنّ مختاره غيره، و أنّه أشهر غير مشهور يقابله النادر أن يكون الاعتبار بأمر آخر غير غروب الشمس ينضمّ إلى غروبها، حتى أنّ ذلك ليس لاستبانته كما في الفجر؛ و هذا باعتبار مخالفته للمرتكزات، و مخالفته لما عليه المعظم، لو كان مذهباً لأهل البيت (عليهم السلام) لكانوا ينادون به و يفهمون خواصّه، و قد علمنا أنّهم لم يفهموا إلّا علامتيّة الذهاب للغروب المحسوس؛ [و] تقدم ذلك علىٰ زمان ذي العلامة في الأُفق المستوي و العلامتيّة لمرتبة من الغروب، هو عبارة عن التعبّد بالتقييد بالانضمام، و هو محتاج إلىٰ تصريح مفقود، بل مفقود فيه ظهور، لمحكوميّة الظهور في التوقيت للظهور في التعليل بالأماريّة بل النصوصيّة، كما لا يخفىٰ على المنصف المتأمّل.

و على الرجوع إلى التقييد، يرجع التعارض بين خبرين:

أحدهما قوله (عليه السلام)

مسّوا بالمغرب قليلًا، فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا

(2)

و الآخر قوله (عليه السلام) للموافق عملًا للذهاب بالتعليل المتقدّم بأنّه‌

إنّما عليك مشرقك و مغربك

(3)

بعد صلاته بمجرّد الغيبوبة.

و لا جمع أحسن هنا من أن يكون قوله (عليه السلام)

مسّوا

موافقاً للواقع، و يكون‌

____________

(1) جواهر الكلام، 7 ص 109 106.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

49

التعليل للتقيّة، لبيان الواقع بأنّه على خلاف الواقع بقوله (عليه السلام)

إنّما عليك مشرقك و مغربك ..

و الحمل على التقيّة في الأخبار بالثاني لملاحظة المستمعين لها، مع التقيّة في إخباره عن عمله (عليه السلام) علىٰ خلاف الواقع الفرضي، كما ترى، يتأدّى التقيّة بأخفّ الضرورتين؛ فإنّ الأصل الجهتي يؤخذ به ما لم يظهر خلافه بشواهد على الخلاف، و ليس مطلق المخالفة لما عليه العامّة شاهداً يؤخذ به، و إلّا لما بقي للأصل محلّ، كما هو واضح.

و أمّا خبر «الشحّام» (1) في صعود «جبل أبي قبيس»، و رؤية الشمس خلف الجبل في زمان اشتغال الناس بالصلاة، فهو و إن دلّ ذيله علىٰ الاعتبار بمشرق المصلّي و مغربه إذا لم ترَه خلف الجبل كما ذكره في الصدر، إلّا أنّه لا بدّ من شرحه بإرادة الغروب عن الأُفق المستوي، و كفاية حدس ذلك بالغيبوبة عن النظر؛ فإنّه يحدس منها الغيبوبة عن الأُفق المستوي بعد زمان، فيعتدّ بهذا الحدس القطعي ما لم ينكشف خلاف قطعه؛ فلا بدّ من حمل قوله (عليه السلام)

إذا لم تَرها خلف الجبل

(2)

على إلحاق العلم بالاحتمال، لكونه خلف الجبل، مع عدم القطع بسبب الغيبوبة السابقة على الغيبوبة عن أسفل الجبل أيضاً؛ و علىٰ أيٍّ، فهو من أدلّة القول بالاستتار، لعدم اعتبار الذهاب فيه؛ بل من المعلوم بُعْد التقييد بزمان منتظر في روايات الاستتار؛ مع عموم البلوىٰ و طول الزمان، حتى أنّ الراوي رأى صلاة الإمام (عليه السلام) مع عدم ذهاب الشعاع، و ذكر لراوٍ أنّه يصلّيها قبل الذهاب.

مع أنّ الجمع بين العلامتيّة و سقوط القرص في بعض الروايات كالمنقول عن «فقه الرضا» (عليه السلام) (3) نصّ في إرادة العلامة مع الجهل، لا في إرادة حد آخر مع الاستتار غير مربوط بالنظر إلى الأُفق، بل متأخّر عن الغيبوبة عن النظر بكثير.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(3) فقه الرضا (عليه السلام)، ص 103 104.

50

و المحتمل في عبارة «فقه الرضا» (عليه السلام) علىٰ ما حكي، و هي «أوّل وقت المغرب سقوط القرص إلىٰ مغيب الشفق» إلى أن قال: «و الدليل علىٰ غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق، و في الغيم سواد المحاجر، و قد كثرت الروايات في وقت المغرب، و سقوط القرص، و العمل من ذلك علىٰ سواد المشرق إلى حدّ الرأس» (1) أن يكون قوله: «و قد كثرت الروايات» من كلام الجامع، لا من كلامه (عليه السلام)، و قد عثرنا في هذا الكتاب، على بعض الشواهد علىٰ عدم كون الكلّ من عبارات الإمام (عليه السلام)؛ فإنّ روايتهم (عليهم السلام) عن غيرهم ليست بتلك الكثرة التي يحمل عليها المشكوك؛ مع أنّه لو كان من كلامه (عليه السلام)، فلا يحمل على معنىٰ ينافي صدر كلامه الجامع بين السقوط و الدليل.

و غاية ما فيه و في أمثاله من الروايات الموقّتة بالذهاب، مطلوبيّة التأخير من باب الاحتياط من الشارع، دون المكلّفين الواقع في قطعيّاتهم الخطأ الكثير؛ لكن المطلوبيّة لو كانت ملزمة، كانت مطلقات سقوط القرص خالية عن الفائدة غير التقيّة التي لا يحمل عليها الرواية إلّا بسبب المعارضة المفقودة مع الجمع الواضح العرفي، حيث نصّ في بعضها على العلامتيّة و الدليليّة، فيحمل عليه ما فيه التوقيت الظاهر في التحديد و الاعتبار في الموضوع، و كون السقوط جزءً للموضوع.

فما في «المفتاح» (2) من ورود عشرة دالّة، و اعتبار خمسة منها بحسب ما أورده من كلام المصحّحين لها، و حكاية مذهب المعظم، و نحو ذلك من الأصحاب، بل الإجماع عن «السرائر»، إنّما يفيد إذا لم تكن الشهرة معلومة المدرك، الواضح فيه الجمع بين المختلفات.

و أمّا ما روى «يعقوب بن شعيب» في خبر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) من قوله (عليه السلام)

____________

(1) تقدم آنفاً.

(2) مفتاح الكرامة، 2 ص 25 26.

51

مسّوا بالمغرب قليلًا.

(1)

، فهو من أدلّة الاستحباب، إذ لا حدّ للتسمية، فتصدق بأقلّ من دقيقة؛ فإنْ حمل علىٰ من كان بلده في شرق المدينة، فيكون الغروب فيه قبل الغيبوبة فيها، لزم ملاحظة ذلك في جميع البلاد، و هي المنفيّة في رواية (2)، بل مخالفة للضرورة، لتفاوت وقت الغروب بحدّ لا يمكن ملاحظتها لأهل الأرض.

و لو حمل على وجود الجبل في بلد السائل دون الإمام (عليه السلام) أي في غربيتهما، فالتقيّة واضحة، و الملاحظة متعيّنة، و هو المناسب لتعليل الأمر بالتسمية قليلًا، و لا ربط لها بذهاب الحمرة، كما هو واضح؛ فهو كما دلّ علىٰ رؤية الكوكب أو النجوم أو ذهاب الحمرة أو مجاورتها إلى المغرب من جهة أنّ الاختلاف هنا و في نظائره من شواهد الاستحباب، مع أنّ في بعضها كخبر «جارود» (3) أنّه أمر بالتسمية إلىٰ ذهاب الحمرة، فجعلها الخطاب ذهاب الشفق، فخالفهم الإمام (عليه السلام) عملًا بالصلاة حين الاستتار. و هل تتمّ المخالفة بالصلاة قبل الوقت؟ كما في ذلك الخبر، حيث قال‌

فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص

و هل لا يكون ذلك كاشفاً عن أنّ أمره السابق كان استحبابيّا؟

كما أنّ حمل ما روي (4) من صلاته (عليه السلام) في الطريق قبل ذهاب الشعاع، على التقيّة، من أعجب الأمور؛ فإنّه لا داعي إلى التقيّة إلى هذا الحدّ في الطريق الذي هو معذور عن الصلاة في أوّل الوقت فيه قطعاً، ثم إنّه بعد صلاته يتّقي عن أصحابه الذين صلّوا معه، و تعجّبوا من صلاته أيضاً ببيان أنّه أول الوقت، و أصحابه كيف اقتدوا به مع اعتقادهم عدم دخول الوقت، لو لم يكن اعتقادهم أنّه وقت مخالف للفضل، ثم إنّهم يسألونه عن صلاته في هذه الساعة، فيجيبهم و هم من أصحابه بكفاية غيبوبة الشمس في دخول الوقت.

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15 و 23.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15 و 23.

52

و كذا لا وجه لحمل مخالفته مع المؤخّر للمغرب، و الصبح بعكسه (عليه السلام)، في رواية «عبيد بن زرارة»؛ فإنّ التقيّة بعد المخالفة مخالفة ثانية في موافقته، ثم بيان أنّ المدار علىٰ مشرق المصلي و مغربه، فيكون الاستتار عن أُفق المصلّي و نظره أوّل الوقت، و من الواضح أنّ تقديم الصلاة على وقتها غير ترك الأفضل، بل إنّما يسوّغه ما يسوّغ الحرام تقيّة مع البناء الظاهر منه علىٰ عدم الإعادة في السفر.

و أمّا صحيحة «يعقوب بن شعيب» (1)، فمع أنّ التعليل بظهوره مدفوع بالضرورة بمخالفته لما في رواية «عبيدة بن زرارة»‌

إنّما علينا أن نصلّي إذا وجبت الشمس عنّا.

(2)

، يمكن حملها على القبليّة لوجود الجبل و نحوه في طرف المغرب من بلادهم، بخلاف بلده (عليه السلام) إن كان الواقع هكذا، و لعلّه الموافق لمطلق التمسية المأمور بها فيها، و في خبر «جارود»‌

قلت لهم: مسّوا بالمغرب قليلًا

(3)

.

و أمّا رواية صعود الجبل و هو صحيح حريز (4) في زمان صلاة الناس للمغرب، فيمكن أن يستفاد منها أنّ الغيبوبة عن الأُفق في نظر المصلّي تكفي، و تكون أمارة الغروب ما لم يرَ القرص بالصعود، أو يعلم ذلك بقياس الوقت، و إنّما لا تكفي في ما لو كانت الغيبوبة بالغيم المساوي لما قبل الغروب و ما بعده.

و مثلها رواية الحائطة و هي مكاتبة «عبد اللّٰه بن وضّاح» (5) الظاهرة في الاستحباب إذا حمل على الحمرة فوق الجبل و على الجبل، لا الحمرة المشرقيّة التي لا يناسبها ذكر الجبل؛ فإنّها ظاهرة مع الجبال و عدمها، لكنّ تأخّرها عن إقبال الليل في الرواية و التعبير بالحُمرة دون الشعاع، ربّما يرجّح الموافقة لأخبار المشهور. و الشعاع هو الذي‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 22.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 14.

53

عبّر به في رواية صلاة الإمام الصادق (عليه السلام) في الطريق‌

و نحن ننظر إلىٰ شعاع الشمس

(1)

، إلّا أن يكون من إطلاق الشعاع على الحمرة، و ليس كإطلاق الحمرة على الشعاع.

و هذا و إن كان غير محلّ البحث، إلّا أنّ الالتزام بكفاية السقوط عن الحسّ في الأُفق المستوي، و إن بقي الشعاع المرئي في المواضع المرتفعة من الجبال و غيرها مشكل، للزوم الاستتار عن جميع المكان الواحد، حتى من كان على الجبل الواقع في المغرب أو المشرق، و إن أمكن الاكتفاء بالسقوط حسّا في الأُفق المستوي مع عدم الارتفاع في سطح ذلك المكان بجبل أو نحوه؛ فمقتضى الاحتياط بل هو الأظهر، هو التأخير مع المشاهدة للشعاع، و لعلّ الذمّ في الرواية على الصعود، لمكان عدم الاكتفاء بالأمارة، مع انتهاء الصعود إلى الحرج على النوع.

هل الراجح انتظار الذهاب، أو المبادرة إلى الصلاة؟

و هل الراجح مع الغيبوبة عن الحسّ في الأُفق المستوي بلا اختلاف للسطح في مكان المصلي بطرفيه شرقاً و غرباً هو الانتظار للذهاب، اللازم مع الغيم و نحوه من الحائل، فيكون مع عدمه أيضاً راجحاً، لقوله (عليه السلام)

مسّوا، فإنّ الشمس تغيب عندكم.

و لقوله (عليه السلام)

غابت الشمس من شرق الأرض و غربها

(2)

، و لا ينافيه قوله (عليه السلام)

إنّما عليك مشرقك و مغربك.

(3)

، لأنّه للوقت، و الأوّل للرجحان؟ أو الصلاة بمجرّد الغيبوبة عن الحسّ في الفرض المذكور؟ كما يستفاد ممّا حُكي صلاة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) بالناس، و الناس يرون مواضع نبلهم (4).

____________

(1) تقدم آنفاً.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 1.

(3) تقدم تخريجها في ص 51 الهامش 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 5.

54

و نحوه رواية «صفوان بن مهران»، و فيها‌

إذا غاب القرص فصلّ المغرب، فإنّما أنت و مالُك للّٰه.

(1)

.

و ما روي من صلاة الإمام الرضا (عليه السلام) (2)، مع مخالفته لما روي من صلاة الإمام الصادق (عليه السلام) (3)، و وقوع الصلاتين في الفعلين في السفر، المطلوب فيه السير مع عدم الظلمة، فلا يكون التقديم إلّا لدخول [الوقت]، و عدم رجحان التأخير. كما أنّ استمرار العمل منه (صلى الله عليه و آله و سلم) على الصلاة في ذلك الوقت، لا يكون إلّا للرجحان؛ مع أنّ أوّل الوقت و المبادرة أفضل للصلاة، و الحمل على التقيّة في الموافقة في بيان الحديث النبوي، أي في الكذب عليه (صلى الله عليه و آله و سلم)، قد مرّ ما فيه.

و الظاهر أنّ صدور كثير من التكلّفات في روايات الاستتار، منشأ [ه] ملاحظة الشهرة، مع أنّ من المقطوع به عدم اختلاف المشهور معنا إلّا في فهم الروايات، لا في شي‌ء آخر وصل إليهم دوننا، مع أنّه قد عبّر في «الشرائع» (4) عنه بأنّه الأشهر، إن أراد الفتوىٰ كما هو الأظهر، دون الرواية؛ فلا وجه لدعوى الانجبار مع عدم الفرق إلّا في الفهم و الدلالة التي لا تنجبر بالشهرة، نعم دعوى الصحّة و التصحيح، لا بأس بها في جملة من روايات المقام، فيأتي ما ذكرناه في الدلالة.

نتيجة المباحث السابقة

و الحاصل أنّ روايات الذهاب بعد التأمّل فيها قابلة للجمع العرفي بين التعابير الواقعة فيها أوّلًا، و بَعد هذا الجمع، للجمع المتحصّل من جمع ما فيها، بين ما دلّ على الاستتار؛ بل يمكن الاستدلال ببعضها علىٰ أنّ الموضوع هو السقوط و لو لم تكن‌

____________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 24.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8 و 23.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8 و 23.

(4) شرائع الإسلام 1، ص 51، ط: إسماعيليان قم.