التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
5

الجزء الأول

مقدّمة التحقيق

ما أشد حاجة المسلمين في عصرنا هذا و في هذه الظروف التي تمرّ بها الأمّة الإسلاميّة إلى القدوات و المثل البارزة لكي تقتدي بها، و تتأسّى بها، و تخطو خطاها في مسيرتها المصيرية.

و ما أكثر النماذج الفاضلة التي تخرّجت من مدرسة الوحي و العترة حاملة على عاتقها نشر القيم و التعاليم الإسلامية المنبثقة من ينابيع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم صنو القرآن و عديله.

و لا غرو في انّ شيخ الفقهاء الشيخ مرتضى الأنصاري- هو أحد القدوات الفذّة و الّذي ظلّ شمعة تحوم حولها فرّاشات العلم آخذين منه العلم و المعرفة- قد بنى بفكره مدرسة أصولية و فقهية عريقة، و كتب في هذين المجالين- الفقه و أصوله- كتابين مهمّين و هما «الرسائل» و «المكاسب» و اللذين أصبحا مدارين للبحث و التنقيب في الحوزات العلمية التابعة لأهل البيت (عليهم السلام) بحيث لا يمكن الاستغناء عنهما، خاصّة لمن أراد التفقّه في الدين.

و قد حاز كتاباه من الأهميّة شأنا عظيما بحيث ما زالا محورين للتحقيق و الاجتهاد، و خاصّة كتابه «المكاسب» الّذي عكف العلماء و الفضلاء على تدريسه، و شرحه، و التعليق عليه، و توضيح غوامضه، بحيث قيل: انّه أحرز صدارة الكتب من جهة كثرة الشروح و التعليقات.

و هذا الكتاب الذي بين يديك هو إحدى التعليقات الأنيقة و المليئة بنكت علميّة قلّما يجدها القارئ الكريم في سائر الشروح و التعليقات ..

6

و قد ظلّ هذا الكتاب- و الكثير من مصنّفات مؤلفه و تأليفاته- بين دفّتي النسيان و الغفلة برهة زمنية طويلة حتى منّ اللّٰه عزّ و جلّ على العاملين في الأمانة العامة لإحياء الذكرى السادسة و السبعين من وفاة المؤلّف آية اللّٰه العظمى العلّامة النحرير الفهامة الحاج السيد عبد الحسين النجفي اللاري أن يخرجوه بثوب جديد و نمق بديع ..

و لسوف يجد القارئ الابداعات و الاحتجاجات القوية و الرصينة التي تميّز بها سيّدنا اللاري (قدس سرّه).

و أمّا المؤلّف فقد ترجمنا له منفردا في مقدّمة تعليقاته على رياض المسائل.

و أمّا الكتاب- و الذي ذكره العلّامة الشيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه نقباء البشر في القرن الرابع عشر (ج 3 ص 1049)- فقد عثرنا بعد البحث الحثيث و الجهد الجهيد على ثلاث نسخ منه.

1- نسخة فتوغرافية من المجلد الأول أتحفنا بها حفيده الحجّة آية اللّٰه العظمى السيّد عبد العلي آية اللّٰهي حفظه اللّٰه إمام جمعة لار، و كانت هذه النسخة ناقصة و فاقدة لبعض الصفحات.

2- نسخة فتوغرافية أخرى من المجلد الأوّل مدّنا بها حفيده آية اللّٰه السيّد عبد الرسول الشريعتمداري الجهرمي، و هذه النسخة كانت كاملة و تامّة من أوّل صفحة حتى نهايتها.

3- نسخة خطّية من المجلد الثاني فقط. و قد أمدّنا بها حفيده آية اللّٰه السيد عبد الحسين آية اللّٰهي، و قد كانت هذه النسخة تحتوي على حواشي كتبها المؤلّف، و للأسف قد سقط منها بعض الصفحات عند تجليد الكتاب بحيث لا يمكن الاستفادة منها.

7

فلهؤلاء الأحفاد الأبرار نقدّم جزيل الشكر و الامتنان، راجين من العلي الأعلى طول العمر لهم، و زيادة توفيقهم لخدمة المذهب الحقّ و الفرقة الناجية و الحوزات العلمية.

منهجيّة التحقيق و التخريج:

بعد العثور على تلك النسخ الثلاث المذكورة قامت الأمانة بتوظيف بعض الفضلاء و المحقّقين- الذين سنشير إلى أسمائهم فيما بعد- بالبدء في عملية التحقيق حسب الأسلوب و الطريقة التالية:

1- استنساخ الكتاب.

2- مطابقة ما استنسخ مع النسخ الأصلية و مقابلته مع مصادرها.

3- إرجاع الأحاديث الواردة في الكتاب إلى المصادر و المراجع التي أشار إليها المصنّف (قدس سرّه) في الكتاب.

4- ما أضفناه من المصادر أو من عندنا- من أجل مراعاة السياق- جعلناه بين [].

5- تقويم النصّ على قدر الوسع و الإمكان.

6- المراجعة النهائية من أجل تصحيح الأخطاء و الأغلاط المطبعية التي وجدت أثناء المراحل الأولى.

ملحوظة: أوّلا: لقد تقدّمت تعليقات السيّد اللاري (قدس سرّه) على مبحث الخيارات تالية لتعليقاته على المكاسب المحرّمة، في المجلد الأول، و كذلك بعض التعليقات غير مرتّبة و منسّقة، و فيها تقديم ما شأنه التأخير و بالعكس، فقد التزمت الأمانة العامّة للمؤتمر بترتيب الكتاب و تنسيقه حسب ما جاء في المكاسب للشيخ الأنصاري (قدس سرّه) فجعلت أوّلا مبحث الخيارات في أواخر المجلد الثاني، و كذلك رتّبت التعليقات طبقا لأقوال الشيخ في مكاسبه.

8

و ثانيا: نرى من الواجب أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى الإخوة المحقّقين الّذين قاموا بتحقيق هذا السفر الثمين، و تقديرا لخدماتهم نذكر أسماءهم و المرحلة التحقيقية التي قاموا بها:

1- الاستنساخ: محمد آغا أوغلو.

2- المقابلة: محمد آغا أوغلو، أبو علي الحكّاك.

3- استخراج المصادر: الحاج أبو أحمد، أبو حياة النعماني، أبو رعد، السيّد طالب الموسوي.

4- تقويم النصّ: الميرزا محمود الزنجاني، فارس حسّون كريم.

5- المراجعة النهائية: الشيخ يحيى كمالي البحراني.

6- تنضيد الحروف: محمد رحيمي.

7- التصحيح النهائي و الإخراج الفني: محمود البدري.

و في الختام نرجو من العلماء الأفاضل أن يغضّوا البصر عن أيّ سهو قد يوجد في هذا الكتاب، لأنّنا لم ندّع العصمة في عملنا هذا، خصوصا انّ المدّة التي تمّ فيها إنجاز هذا العمل- أي تحقيق جميع مصنّفات السيّد اللاري (قدس سرّه)- كانت مدّة قصيرة لا تتعدى عشرة شهور، و لا يخفى انّ هذه الفترة الزمنية القصيرة تستدعي حصول بعض الأخطاء الغير متعمّدة، و خاصّة انّ بعض المصادر التي استفدناها في عملنا هذا كانت مفقودة أو لم نعثر عليها.

آملين أن يتقبّل اللّٰه منّا هذا العمل القليل، و يجعله في صحائف أعمالنا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون إلّا من أتى اللّٰه بقلب سليم.

و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه ربّ العالمين الأمانة العامّة للمؤتمر

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

و بعد: فهذه تعليقات علّقتها على مكاسب أستاذ أساتيذنا الأعلام، عند مذاكرته لإخواننا الكرام.

[القول في المكاسب المحرمة]

[و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الظابطة للمكاسب]

قوله: «روى في الوسائل .. إلخ».

أقول: و هذه الرواية و إن كانت مرسلة، بالنظر إلى أن الحسن بن علي بن شعبة الذي رواها في تحف العقول (1) ليس من عداد الرجال الرواة، و لا من طبقتهم، إلا أنها مجبورة بشهرة أصحابنا المتأخّرين على العمل به، و نقله في الوسائل (2) و الحدائق (3)، و بموافقتها القواعد العقلية و النقليّة، و لفقه الرضا (4)، و رسالة السيّد المرتضى (5).

و أمّا استبعاد أن يكون بعض عبارتها من الإمام (عليه السلام) فلعلّه من جهة نقله بالمعنى، أو بما يطابق حال السائل و فهمه الذي هو معنى البلاغة المطابقة لمقتضى حال المخاطب من حيث الذكاوة و البلادة، كما قال تعالى وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِ (6)، و قيل: «كلّم الناس على قدر عقولهم» فإن البلاغة تختلف باختلاف حال المخاطب.

قوله (عليه السلام): «أربع جهات».

[أقول:] و أمّا المغارسات و الحيازات و المزارعات و النتاجات و مطلق إحياء‌

____________

(1) تحف العقول: 331.

(2) الوسائل 12: 54 ب «2» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(3) الحدائق الناضرة 18: 67.

(4) فقه الإمام الرضا (عليه السلام): 250.

(5) رسالة المحكم و المتشابه: 29 (مخطوط).

(6) إبراهيم: 4.

14

الموات من وجوه المعايش فلا يقدح حصرها في الأربع، لدخول المذكورات فيها بالمعنى الأعمّ.

قوله: «و البرابط».

[أقول:] جمع بربط على وزن جعفر: عود، و بالفارسيّة: سازى است.

كما أن المزامير جمع مزمار- بالكسر- قصبة يزمر بها. و هي مع الغناء و الدفّ و الطبل من جنس الملاهي و المطرب من الأصوات، إلا أن الفرق كون المطرب من الأصوات بالكلام غناء، و بآلة العود بربطا، و بآلة القصبة مزمارا. كما أنه بسائر الآلات يسمّى دفّا أو طبلا أو ناقوسا أو بوريا أو شيپورا و نحوها.

قوله: «فيه، أوله، أو شي‌ء منه، أوله».

أقول: التنويع ب‍ «أو» تعميم لكلّية قاعدة: اقتضاء حرمة الشي‌ء حرمة مقدّماته، و أجزائه، و أسبابه المحصّلة له، و غاياته المترتّبة عليه عقلا و نقلا.

كما أن قوله: «و كذلك كلّ مبيع ملهوّ به» إشارة إلى عموم قاعدة كلّية حرمة الملاهي و بيع الملهوّ به، منها ما كثر اعتياده في الزمان من شرب الوافور و القليان و التتن و الدخان و الترياك و التنباك.

كما أن قوله: «معذّب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير .. إلخ».

إشارة إلى عموم حرمة الظلم و الجور، و كلّية استقلال النقل و العقل بقبحه العقلي، الآبي من التخصيص بالمخالفين كما توهّمه بعض، أو بغير الأقلّ بالإضافة إلى الأكثر عند الدوران بين الأقلّ من أحد و الأكثر من آخر، كما يوهمه ظاهر عبارة الوحيد البهبهاني في رسالة المعاملات، حيث جوّز بل أوجب التولي من قبل الجائر في الظلم لمن علم أنه لو لم يتولّ القليل من الظلم لتولّى غيره الأكثر منه. و هو من أغرب الموهمات المنافية للعقل و النقل، التي لم يسبقه أحد فيما أعلم من مذهب العدليّة، و غير مراد قطعا، و لكن المراد لا يدفع الإيراد.

قوله: «نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة .. إلخ».

15

[أقول:] التنويع إشارة إلى تعميم المحرّم من البيع للمحرّم بنفسه كبيع الخمر، أو بوصفه كبيع الربا.

قوله: «حلال لمن كان من الناس ملكا أو سوقة».

[أقول:] الملك هنا- بكسر اللام- بمعنى الوالي و السلطان العادل. و سوقة- بفتح (1) السين- بمعنى رعيّته، باعتبار أن الرعيّة مسوق و الراعي سائق.

قوله: «قيام الغير به. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن وجه من أهمل الواجب و المستحبّ من المعاملات لعلّه من جهة اندراجهما في المباح و الجواز بالمعنى الأعمّ.

أو من جهة انصراف الواجب و المستحبّ إلى الراجح النفسيّ التعبّديّ بالأصالة، و الراجح من المعاملات رجحانه عرضيّ غيريّ توصّليّ لمحض التوصّل إلى رفع حاجة النوع مثلا.

أو من جهة أغلبيّة المباح و الحرام من الراجح الشرعيّ في المعاملات بحسب وجودها الخارجيّ أو إيجادها القصدي، على وجه يلحق النادر بالعدم.

أو من جهة تغليب جهة المعامليّة و التوصّليّة في المعاملات، على وجه يلحق الجهة العباديّة و الراجحيّة النادرة بالعدم.

و أمّا ما عن المسالك (2) من أن وجه من خصّ تقسيم التجارة بالثلاثة من جهة جعله المقسم الأعيان المتّجر بها، و من عمّه للأحكام الخمسة جعل المقسم نفس الاكتساب و الاتّجار.

ففيه: ما في الجواهر (3) من أن الأعيان المتّجر بها باعتبار نفسها كما لا‌

____________

(1) السّوقة بضمّ السين، و لم أجد ضبطها بفتح السين في مصادر اللغة، أنظر لسان العرب 10: 170، القاموس المحيط 3: 248.

(2) مسالك الأفهام 3: 118.

(3) جواهر الكلام 22: 7.

16

يتعلّق بها الوجوب و الندب، كذلك لا يتعلّق بها سائر الأحكام من الحرمة و الإباحة. و أمّا باعتبار ما يتعلّق بها من فعل المكلّف فلا فرق بين الواجب و الحرام و المكروه و المستحبّ، و لا وجه لتخصيصها بالثلاثة دون سائر الأحكام.

قوله: «لأنّ ظاهر أدلّة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرّمة .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن لازمة انحصار المحرّم من بيع الخمر و نحوها في خصوص ما لو علم ترتّب الأثر المحرّم عليه و قصد ترتّبه في البيع أيضا، دون سائر صورة الثلاثة الآخر، ممّا لم يعلم و لم يقصد منه الأكثر المحرّم، أو علمه و لم يقصده، أو قصده و لم يعلم.

بل و جواز بيعه من طرف البائع غير القاصد منه ترتيب الأثر المحرّم على بيعه و إن حرم من طرف المشتري القاصد منه ترتيبه على شرائه أو بالعكس. بل و جواز نفس القمار و المقامرة غير المقصود منهما ترتيب الأثر المحرّم. بل و جواز صنعة الأصنام، و المعاملة مع الظّلام، و بيع الملاهي و كلّ حرام، إذا لم يقصد ترتيب الأثر المحرّم عليه. بل لازم ذلك كلّه انحصار جميع وجوه المعايش و المعاملات المحرّمة- على عموماتها و إطلاقاتها و كثرة أفرادها- في خصوص الحرام الغيريّ التبعيّ التوصّلي المقصود منه التوصّل إلى ترتيب الأثر المحرّم، و أن لا يكون فيها- على كثرتها و عموماتها- حرام نفسيّ يكون في نفسه حراما مع قطع النظر عن الحرمة الغيريّة المقدّميّة التوصّليّة.

و ثانيا: أن لازم ذلك عدم صحّة إطلاق الحرمة على شي‌ء من وجوه المعاملات المحرّمة المذكورة في النصوص و الفتاوى على وجه الإطلاق و العموم، حذرا من لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و التخصيص بالأكثر المستهجن عرفا. بل كان اللازم تبديل ما في النصوص و الفتاوى من قولهم: لا يحلّ بيع‌

17

الخمر إلّا في الضرورة، بقولهم: يحلّ بيعه إلا فيما قصد منه ترتيب الأثر المحرّم.

و ثالثا: أن سبب الانصراف في المطلقات إمّا غلبة الوجود أو غلبة الاستعمال، و من الواضح أن الموجود من غلبة الوجود بنفسه غير صارف، و الصارف من غلبة الاستعمال غير موجود.

و رابعا: أن الانصراف من شئون الإطلاقات، لا عمومات قوله المتقدّم:

«حرام محرّم بيعه و شراؤه، و إمساكه و ملكه، و هبته و عاريته، و جميع التقلّب فيه، إلّا في حال تدعو الضرورة فيه» و عموم قوله: «و كذلك كلّ مبيع ملهوّ به، و كلّ منهيّ عنه». و تطرّق التخصيص على تلك العمومات و إن كان ممكنا- بل ستعرف وقوعه في الجملة- إلّا أن وقوعه بما ادعي من التخصيص بما أراد ترتيب الآثار المحرّمة على وجه الإطلاق و الكلّية ممّا لم يقع في نصّ و لا معقد إجماع، بل الواقع خلافه.

قوله: «فلا دليل على تحريم المعاملة إلّا من حيث التشريع».

أقول: فرض التشريع في المعاملة مبنيّ على فرض المعاملات كالعبادات أمورا توفيقيّة، أو على كون الأصل فيها الحظر. و أمّا على المشهور المنصور- الذي هو منهم- من كون الأصل في الأشياء الإباحة- خصوصا الإباحة العقليّة- فلا يتأتّى التشريع في المعاملات غير المنصوصة حلّيتها بالخصوص.

ثمّ و من العجب فرضه حرمة التشريع فيما لا دليل على تحريمه في المعاملات، مع عدم احتماله في معاملة الترياك و التتن و التنباك المقصود منه الآثار المنهيّة من الإسراف و التبذير و الملاهي، مع اندراجها في عموم: «و كلّ منهيّ عنه، و كلّ ملهوّ به، و كلّ وجه من وجوه الفساد» الشامل لإفساد المال و الحال، إلّا لضرورة نظير الضرورة إلى الدم و الميتة.

[النوع الأول الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني]

قوله: «الضرورة المسوّغة للشرب كافية في جواز البيع».

18

[أقول:] و فيه: أن الضرورة المسوّغة للشرب بقاعدة «أن الضرورة تتقدّر بقدرها» إنما تكفي في جواز البيع حال الضرورة، لا مطلقا الذي هو محلّ النزاع، و إلّا لحلّ جميع المحرّمات بواسطة حلّها عند الضرورة، ما عدا حرمة الدم الذي لا تسوّغه الضرورة.

قوله: «يراد به جهة الصلاح الثابتة حال الاختيار دون الضرورة».

[أقول:] لا يقال: إن تخصيصها بحال الاضطرار معلوم من النصّ و الضرورة، و أمّا تخصيصها بحال الاختيار فأين مخصّصة؟

لأنّا نقول: تخصيصه بحال الاختيار في المعنى تعميم للحالتين، بمقتضى العموم و الأولويّة في حال الاضطرار، بخلاف العكس. مضافا إلى أنّ مقتضى قاعدة كون المشتقّ حقيقة في المتلبّس و مجازا في المقتضي عنه المبدأ و فيما لم يتلبّس بعد هو كون المراد بجهة المنفعة و الصلاح إنما هو المنفعة و الصلاح الفعلي، لا الشأني و لا المنقضي، خصوصا البعيد منهما.

لا يقال: لو كان المدار على المنفعة و الصلاح الفعلي لما صحّ شراء ما يصلح للشتاء في الصيف و بالعكس، بل لا يصحّ شراء العقاقير و الأدوية قبل حال المرض، لعدم الحاجة و المصلحة الفعليّة فيها قبل أوان الحاجة.

لأنّا نقول: المدار في المنفعة و الصلاح الفعلي على النوع لا خصوص الأشخاص، و الوجود الفعلي للنوع إنما هو بوجود الأشخاص و الأفراد. و هذا أوضح ما استفيد من النصوص مدارا و ميزانا مائزا بين ما يجوز و ما لا يجوز بيعه، من حيث الطرد و العكس و الجامعيّة و المانعيّة.

قوله: «بل لأن المنفعة المحلّلة للاضطرار و إن كانت كلّية لا تسوّغ البيع».

أقول: إذ لا ملازمة بين حلّيّة الأكل للضرورة و (عدم) (1) حلّيّة البيع،

____________

(1) ورد ما بين القوسين في النسخة الخطّية، و هو زيادة قطعا نشأت من طغيان قلمه الشريف (قدس سرّه).

19

خصوصا في غير حال الضرورة، و إلّا لحلّ جميع المحرّمات المحلّلة حال الضرورة حتى الخمر و العذرة.

أقول: بل المحلّلة لاضطرار التداوي و الاستشفاء من الأمراض، فضلا عن الحافظة للرمق و هلاك النفس، في حيّز التأمّل، بل المنع جدّا، بعد الاستخباث الراجع إلى تنفّر الطبع السليم منه.

و لعلّ فرض المنفعة فيه مع ذلك في بعض الأخبار مجرّد فرض، أو ضرب من التقيّة و المماشاة الزعميّة مع الزاعمين نفعها جهلا مركّبا، كجواب قوله تعالى:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ (1) بقوله قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ (2). و أمّا رواية الجعفري: «أبوال الإبل خير من ألبانها» (3)- فمضافا إلى ضعفه و شذوذه، و مخالفة الضرورة، و معارضة الشهرة و نصوص الكتاب و السنّة و عموم: «حرّمت عليكم الخبائث»- لا تقاوم عمومات المنع.

قوله: «لأن الأول نصّ في عذرة الإنسان .. إلخ».

[أقول:] وجه نصوصيّة كلّ من اللفظين المتّحدين في خلاف معنى الآخر هو اختلاف حكميهما بما لا يحتمل لغيرهما.

قوله: «و فيه ما لا يخفى من البعد».

[أقول:] وجه البعد نصوصيّة لفظ السحت و الحرام- على خلاف لفظ النهي- في التحريم، بخلاف النهي، فإنه ظاهر فيه محتمل للكراهة.

قوله: «و أبعد منه ما عن المجلسي .. إلخ».

[أقول:] وجه الأبعديّة لعلّه من جهة أبعديّة فرض عدم الانتفاع بالعذرة في بلد السائل، لأنه قال في السؤال: «إنّي أبيع العذرة» (4)، فلو لم تكن العذرة منتفعة‌

____________

(1) البقرة: 219.

(2) البقرة: 219.

(3) الوسائل 17: 87 ب «59» من أبواب الأطعمة المباحة ح 3.

(4) الوسائل 12: 126 ب «40» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

20

بها فيها لم يكن كسبه بيعها.

قوله: «حمل خبر المنع على التقيّة، لكونه مذهب أكثر العامّة».

[أقول:] و وجه أبعديّته أقربيّة حمل خبر الجواز على التقيّة من العكس، لأنه مذهب أبي حنيفة (1) و أبي يوسف (2) المعاصرين لزمان الصادق (عليه السلام)، بخلاف خبر المنع، فإنه مذهب الشافعي (3) و مالك (4)، و التقيّة منهما أبعد، خصوصا بلفظ السحت الصريح في التحريم.

قوله: «من وجوه لا تخفى».

[أقول:] كضعف الخبر، و شذوذه، و عدم مقاومته المعارض الأصحّ الأشهر الناقل.

قوله: «إلا أن الإجماع المنقول هو الجابر».

أقول: بل و يكفي الجابر المتقدّم له من شهرة المتأخّرين، و إرسالهم العمومات إرسال المسلّمات، و ضابطة كلّية للتفريعات.

قوله: «و فيه نظر».

أقول: وجه النظر ما تقدّم من العمومات و الإجماع المنقول على الإلحاق.

و أيضا يمكن أن يكون سكوت الشيخ لتردّده في عذرة غير الإنسان، فلا يظهر من السكوت القول بالجواز.

قوله: «الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة .. إلخ».

أقول: و يدلّ عليه- مضافا إلى ما في المتن من الشهرة و الإجماع المنقول- السيرة القطعيّة من المسلمين على الوقود بها و بيعها و شرائها من غير نكير، و عموم‌

____________

(1) المغني 4: 327.

(2) انظر فتح العزيز (المجموع): ج 8 ص 113.

(3) الحاوي الكبير 5: 383.

(4) المغني 4: 327.

21

حلّية بيع كلّ ما فيه وجه من وجوه الصلاح، بعد فرض منفعة الوقود بها من أعظم المنافع الكلّية المقصودة منها، و مفهوم تقييد الممنوع بيعه من السرجين بالنجس في معقد الإجماع فافهم.

قوله: «فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل».

أقول: بل الأظهر حرمة بيع المسفوح النجس من الدم بقرينة القصّابين.

قوله: «لكن الظاهر أن حكمهم بتبعيّة الأم».

[أقول:] يعنى: أن هذا التعليل دوريّ شبيه بالمصادرة، لأن المراد بعدم الملك عدم الانتفاع.

قوله: «التقرير الغير الظاهر في الرضا».

[أقول:] وجه عدم ظهور التقرير في الرضا مع كون الأصل فيه الرضا:

وجود المانع من ظهوره في الرضا، و هو عموم المنع من جواز بيع الميتة، القابل للاكتفاء به في السكوت عن المنع في الكتاب و السنّة. أمّا الكتاب فيكفي عموم:

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ (1)، و عموم وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (2) بعد قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ (3).

و أمّا السنّة فيكفي ما تقدّم من عموم النهي عن بيع شي‌ء من وجوه النجس.

قوله: «فلا مانع من صحّة بيعه .. إلخ».

[أقول:] و فيه: أنه [إن] قام الدليل الخاصّ على جواز الانتفاع كما قلت فهو مخصّص لعموم المنع من جواز بيع الميتة، من باب ملازمة الإذن في الشي‌ء- و هو جواز الانتفاع- للإذن في لوازمه، و هو جواز البيع، و لا حاجة إلى تكلّف دعوى عدم المانع. و إن لم يقم الدليل الخاصّ فالمانع هو عموم قوله (عليه السلام): «أو شي‌ء من‌

____________

(1) الحج: 30.

(2) المدثر: 5.

(3) المائدة: 90.

22

وجوه النجس» (1) فيما تقدّم من العمومات.

و دعوى ظهورها في الانصراف إلى حرمة الانتفاع- كما قاله المصنف- فيه أولا: المنع بما قدّمنا (2) من الوجوه الأربعة، و تعليل الانصراف بتعليل المنع من بيع شي‌ء من وجوه النجس بكونه منهيّا عن أكله و شربه عليل، بأنه كما علّل بالنهي عن خصوص الأكل و الشرب كذلك علّل أيضا بالنهي عن عموم إمساكه و جميع تقلّبه.

و ثانيا: لو سلّم ما قلت من عدم المانع فلا حاجة إلى ما قلت من فرض الدليل الخاصّ على جواز الانتفاع، ضرورة أن عدم المانع كاف في جواز البيع بعد وجود المقتضي له، من أصالة الإباحة الشرعيّة و العقليّة، و عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (4).

قوله: «إناطة جواز البيع و عدمه بجواز الانتفاع و عدمه».

أقول: هذه الإناطة مسلّمة، لكنّها بمنزلة الكبرى- كسائر العبارات التالية- للإناطة لا يثبت بها الصغرى، و هو جواز الانتفاع بجلد الميتة الذي هو المطلوب.

فإن كان المثبت له دليل خاصّ و نصّ مخصّص، كالاستصباح بالنجس (5) و بيع العبد الكافر (6) و كلب الصيد (7)، فعليه بإثباته. و إن كان أصالة الإباحة و عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فمن المقرّر أن الأصل- و لو كان لفظيّا- دليل حيث لا دليل، فلا يقاوم الدليل، و هو عموم الأدلّة الناهية عن‌

____________

(1) الوسائل 12: 56 ب «2» من أبواب ما يكتسب به قطعه من ح 1.

(2) في ص: 15- 16.

(3) البقرة: 275.

(4) النساء: 29.

(5) الوسائل 12: 66 ب «6» من أبواب ما يكتسب به.

(6) الوسائل 12: 86 ب «16» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(7) الوسائل 12: 82 ب «14» من أبواب ما يكتسب به.

23

الانتفاع بالنجس بجميع وجوه الانتفاع.

قوله: «و الانصاف إمكان إرجاعه إلى ما ذكرنا. فتأمّل».

أقول: أمّا إرجاعه إلى ما ذكره فلإمكان رجوع شرطيّتهما إلى الشرطيّة في الجملة، أعني: شرطيّة أحدهما لا كلّ منهما.

و أمّا وجه التأمّل فلأن الاكتفاء بأحد الشرطين خلاف ظاهر الشرطيّة.

قوله: «و هو مشكل».

أقول: لا إشكال في كون الأخبار المجوّزة صحيحة و صريحة في تخصيص عمومات النهي عن بيع الميتة و الانتفاع بالنجس. و إنما الإشكال فيها من جهة استلزامها التخصيص في قاعدة اشتراك جميع المكلّفين في الأحكام الواقعيّة بغير المستحلّ، و هو من التصويب الباطل.

و يمكن رفع هذا الإشكال عن الأخبار المجوّزة أولا: بمنع استلزامها تخصيص قاعدة الاشتراك في الأحكام و تحليل الحرام، لاحتمال أن يكون تجويزها بيع الميتة من المستحلّ من باب «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» (1).

و ثانيا: بمنع بطلان اللازم، و هو التخصيص في قاعدة الاشتراك و بطلان التصويب بغير المستحلّ، لأن دليل الاشتراك و بطلان التصويب من الأدلّة النقليّة القابلة للتخصيص لا العقليّة الآبية منه.

قوله: «لوجود المقتضي و عدم المانع».

أقول: أمّا جواز بيع الميتة الطاهرة فلأصالة الإباحة و عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3).

و أمّا عدم المانع فممنوع، إذ لا ينحصر المانع في النجاسة، بل عموم النهي‌

____________

(1) الوسائل 17: 598 ب «3» من أبواب ميراث المجوس ح 2.

(2) البقرة: 275.

(3) النساء: 29.

24

عن بيع الميتة في عرض النهي عن بيع الخمر و وجوه النجاسة مانع مستقلّ، لم يثبت التخصيص المخرج له عن عموم النهي، إلّا بفحوى الخبر (1) المتقدّم في جواز الإسراج بالزيت النجس و ذوبان الألية النجسة.

قوله: «خذها و أفسدها .. إلخ».

أقول: دلالة الخبر على جواز بيع الخمر مبنيّ على أن يكون المراد من الأخذ أخذها شراء، لا مجّانا أو تقاصّا عن الدراهم، قبل التخليل لا بعده، و أن يكون المراد من إفسادها تخليلها لا إهراقها، لعدم الماليّة، و إلّا فلا يدلّ على جواز بيعه، بل على منعه كما هو الأظهر.

قوله: «يمكن الاستدلال على ذلك بالتعليل .. إلخ».

أقول: الاستدلال على حرمة المتنجّس بعموم تعليل حرمة الأعيان النجسة بأنه «محرّم الأكل .. إلخ»، دون عموم وجوه النجس الظاهر في الأعيان النجسة دون المتنجّسة، مبنيّ على حجّية عموم منصوص العلّة، بأن يكون التعليل «بأنه محرّم الأكل» في قوّة التعليل بأن كلّ محرّم الأكل و لو كان من الأعيان المتنجّسة لا النجسة محرّم البيع، و إلّا فعلى القول بالمنع من حجّية عموم منصوص العلّة، و احتمال اختصاص ضمير العلّة بخصوصيّة خصوص معلوله، فينصرف عموم العلّة إلى خصوص عموم معلوله و لا يتعدّاه، و يكون التعليل «بأنه محرّم الأكل» في قوّة: لأن خصوصيّة حرمة أكل الأعيان النجسة توجب حرمة بيعها، لا أن حرمة مطلق الأكل توجب حرمة البيع.

[و أما المستثنى من الأعيان المتقدمة]

قوله: «و أن اشتراطهم قبول التطهير إنما هو فيما يتوقّف الانتفاع به على طهارته .. إلخ».

أقول: مضافا إلى ذلك فيه أولا: أن الظاهر من قبول التطهير- نظرا إلى أن‌

____________

(1) الوسائل 12: 66 ب «6» من أبواب ما يكتسب به.

25

المشتقّ حقيقة في المتلبّس دون غيره، و إلى أن الدليل على اشتراط قبول التطهير ليس إلّا نصوص (1) المنع من بيع النجس و اعتبار الطهارة فيه- إنما هو قبوله بالفعل لا بالقوّة، فضلا عن القوّة البعيدة، فضلا عن البعيدة الخارجة عن قدرة المالك رأسا.

و ثانيا: أن قبول الطهارة بالقوّة البعيدة لو صحّحت بيع النجس لصحّحت بيع كلّ من الأعيان النجسة، إذ ما من عين من الأعيان النجسة إلا و يقبل التطهير بالقوّة البعيدة، كالانقلاب و الانتقال و الاستحالة و التجفيف و التنقيص.

و ثالثا: أن الوصف الشأنيّ لو صحّح بيع النجس لكانت الصحّة مراعاة بحصوله، مثل الإجازة في الفضولي و القدرة على التسليم و القبض في غيره، فيلزم منه فساد بيع الكافر لو لم يسلم و المرتدّ لو لم يتب، بل لا أقلّ من لزوم أن يكون تخلّفه من قبيل تخلّف الوصف و الشرط موجبا للخيار، و لم يلتزم به أحد.

قوله: «ينشأ من تضادّ الحكمين».

[أقول:] يعني: من جواز بيعه، و وجوب إتلافه و حرمة إبقائه.

و فيه: أنه لا تضادّ في الحكمين بعد فرض اختلاف موضوع أحدهما و هو البيع و الآخر و هو النفس، مضافا إلى عدم التضادّ و التنافي بين موضوعهما، و إمكان الجمع بين البيع و الإتلاف في آن واحد، و ليسا مثل حفظه و إتلافه، و لا مثل استخدامه و إتلافه، في عدم الاجتماع و تضادّ الموضوعين.

فالأقوى صحّة بيعه و عدم صحّة رهنه، لأن سلب المنافع شرعا لا ينافي المقصود من البيع، بخلاف المقصود من الرهن.

قوله: «لأن مرجع التقييد إلى إرادة ما يصحّ عنه سلب صفة الاصطياد».

[أقول:] أي: لا سلب صفة السلوقيّة أقول: فيه أولا: أن سلب صفة‌

____________

(1) الوسائل 12: 56 ب «2» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

26

الاصطياد عنه إنما هو عين منطوق القيد و الوصف لا مرجع القيد و مفهومه.

و ثانيا: أن تعليل عدم انصراف الصيود إلى السلوقي، بإرادة سلب صفة الاصطياد من سلب الصيود لا سلب صفة السلوقي، مصادرة بالمطلوب.

و ثالثا: أن الانصراف و الحمل على الغالب- و هو السلوقي- إن صحّ في مطلق الصيود صحّ في المقيّد الموصوف بالاصطياد أيضا. و بعبارة أخرى: كما أن المطلق الوارد مورد الغالب لا إطلاق فيه، كذلك القيد و الوصف و الشرط و الصلة و الموصول الوارد مورد الغالب لا مفهوم له، فلا فرق و لا فارق. إلّا أن يوجّه الفرق بأن القيد و الوصف و صلة الموصول لفظ زائد على إطلاق المطلق كالعموم، لا بدّ له بحسب البلاغة من معنى زائد على المطلق المنصرف إلى الغالب، و هو العموم غير المنصرف إليه.

قوله: «الأول أظهر فتدبّر».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن وجه أظهريّة تعميم السلوقيّ لمطلق الصيود دون تخصيصه بخصوص الصيود منه، مع أظهريّة تعليله بأكثريّة الصيود منه بالخصوص في التخصيص لا التعميم، إنما هو إطلاق كلب الصيد في سائر الفتاوى و النصوص في التعميم لا التخصيص.

قوله: «مع أن دعوى الإجماع ممّن يصطلح الإجماع على مثل هذا الاتّفاق لا يعبأ بها».

[أقول:] لا يقال: إن مثل الشيخ هو الذي فتح باب الإجماع اللطفيّ و الكشفيّ، فكيف لم يصطلح الإجماع على مثل هذا الاتّفاق؟! مع أن المصنف (1) جعل هذا الوجه من جملة وجوه القدح في الإجماع المنقول.

لأنّا نقول: قد تقرّر في محلّه أن الإجماع مختلف جدّا بين الخاصّة‌

____________

(1) فرائد الأصول: 49.

27

و العامّة، و بين القدماء و المتأخّرين، من حيث الأقسام و الأحكام و اشتمال الإمام بالتضمّن أو الالتزام، و من حيث الاستناد إلى الملازمة العاديّة بين الرئيس و المرءوس، أو إلى قاعدة اللطف و الكشف و غيرهما، إلّا أن الظاهر مع ذلك كلّه عدم تغيّر المصطلح عند الكلّ بأنه اتّفاق كلّ أهل عصر واحد، و أن سائر الأقسام و الأفراد منه على اختلافها إنما تلحق بالإجماع المصطلح حكما لا اسما، لاشتراكهما فيما هو مناط الحجّية من باب التنزيل المجازي، فلا يحمل عليه إطلاق الإجماع، لظهوره في المصطلح.

قوله: «هو المنع. فافهم».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى دفع ما يقال: من أن الظنّ الحاصل من عمومات الأدلّة المانعة أضعف من الظنّ الحاصل من الشهرة المجوّزة، لفعليّة هذا الظنّ و شأنيّة الظنّ الآخر، فكيف يكون أقوى منه؟!.

و طريق دفعه: أن أقوائيّة الظنّ الحاصل من الأدلّة إنما هو بالنسبة إلى الأدلّة من حيث انه ظنّ خاصّ، و أضعفيّته إنما هو بالنسبة إلى نفسه مع قطع النظر عن أدلّة اعتباره، و أقوائيّة الظنّ الحاصل من الشهرة المجوّزة من حيث العكس، فلا تنافي.

قوله: «بعد الجفاف».

أقول: و أقرب من ذلك قبولها التطهير بغسل المصبوغ بها بعد الصبغ، كالاختضاب بالحنّاء النجس ثم غسل محلّ الخضاب.

قوله: «و قد تقدّم أن المنع عن بيع النجس .. إلخ».

أقول: تقدّم (1) أيضا منّا ما فيه من الوجوه الأربعة، و أن فرض حلّ المنفعة إن كان بالدليل الخاصّ المخصّص للعمومات المانعة عن بيع النجس فالمفروض‌

____________

(1) في ص: 15- 16.

28

عدمه، و إن كان بأصالة الإباحة و عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) فمن المقرّر عدم مقاومتها لأدلّة الحرمة.

قوله: «المطلق المنصرف إلى الفوائد المحرّمة فافهم».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن غلبة الوجود بنفسه لا يوجب الانصراف ما لم يستند إلى غلبة الاستعمال، أو إلى دفعه، لأن المراد من انصراف المطلق ليس انصراف لفظه حتى يعتبر في صارفة غلبة الاستعمال، بل انصراف فعله، أعني:

فعل البيع، حيث إن الفعل المجهول الوجه بالنسبة إلى الجاهل يحمل على الغالب وجوده من الصحيح و الفاسد، و بالنسبة إلى الفاعل يدان بنيّته، كما قيل: العقود تابعة للقصود.

بيان ذلك: أن كلّ ما كان من قبيل الإحسان و الظلم و إلقاء المحترم في القاذورة من الأفعال التي لها جهة واحدة، فهي لا تنصرف إلى غير جهتها المتّحدة. و كلّ ما كان من قبيل ضرب اليتيم و المحترم من الأشخاص و المصحف و طين الحائر، و مسّ الأسماء المشتركة بين المحترم و غيره، و نحوها من ذي الجهات العديدة من الأفعال، فهي ممّا لا تتعيّن و لا ينصرف فعلها إلّا إلى ما يعيّنه قصد الفاعل من الجهات العديدة.

هذا كلّه في توجيه ما وجّه به المصنف، التفصيل الذي اختاره قولا رابعا في المسألة.

و لكن فيه: أن تبعيّة الأفعال للعقد كتبعيّة العقود للقصود إنما هو فيما ثبت له في العرف و الشرع جهتان مختلفتان غير مميّزتين بوجه من الوجوه، كضرب اليتيم حيث ثبت في الخارج أنه بوجه العدوان حرام و بوجه الإحسان حسن،

____________

(1) البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

29

فينحصر تعيينه في القصد. و ما نحن فيه ليس كذلك، إذ لم يثبت شرعا إناطة حلّية بيع النجس و حرمته بماليّة المبيع و عدم ماليّته، و لا إناطة ماليّته و عدم ماليّته بإزاء ما يقابله من منافعه المحرّمة و المحلّلة كما زعم المصنف، حتى ينصرف تعيينه إلى القصد و ينحصر في القصد، و إنما هو أمر مستنبط و رجم بالغيب، و العلل المستنبطة كالقياس و الاستحسان ممّا لا تعتبر عندنا، خصوصا عند المصنف، كما صرّح (1) به في وجه خروج القياس عن مطلق الظنّ على تقدير الانسداد.

بل الثابت فيما نحن فيه إنما هو النهي عن بيع النجس على وجه العموم، و استثناء بيع الدهن منه على وجه التخصيص و مقتضى القاعدة العرفيّة في إطلاق المستثنى و تخصيصه بخصوص قصد الإسراج أو اشتراطه أو عدمهما هو الرجوع إلى إطلاق المخصّص و عدمه، كما أن المرجع في عموم المستثنى منه و عدمه إلى عمومه و عدم عمومه، لا إلى تبعيّة القصود و مدخليّتها في التعيين.

قوله: «و مرجع هذا في الحقيقة إلى أنه لا يشترط إلّا عدم قصد المنافع المحرّمة. فافهم».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى منافاة صحّته لما ادّعاه من انصراف مطلق البيع (2) إلى ما يكون ماليّته في إزاء المنافع الغالبة المحرّمة.

أو إلى دفعه بأن هذا من شئون انصراف اللفظ لا الفعل، أعني: من انصراف لفظ البيع و المبيع، و أمّا انصراف فعله- و هو النقل و الانتقال- إلى الجهة المحلّلة فيكفي فيه مجرّد عدم قصد الجهة المحرّمة، كما وجّهنا به أمره المتقدّم (3) بالفهم.

ألا ترى أنه يكفي في جواز مسّ الأسماء المشتركة بين المحترم و غيره عدم قصد المحترم لا قصد غيره، و في إباحة السفر عدم قصد المعصية لا قصد الطاعة.

____________

(1) فرائد الأصول: 156.

(2) أي: مطلق بيع الدهن المتنجّس من غير قصد الفائدة المحلّلة.

(3) في ص: 28.

30

قوله: «على أضعف الوجهين من وجوب الاقتصار في الانتفاع بالنجس على مورد النصّ».

أقول: أضعفيّته مبنيّ على ما اختاره من إهمال عمومات النهي عن بيع النجس، و دعوى انصرافها إلى قصد ما يترتّب عليه من المنافع المحرّمة. و قد عرفت ما فيه، و أقوائيّة عمومها بأبلغ وجه.

قوله: «هو النفع المحرّم. فافهم».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى ما قد يقال من عدم الفرق بين الشرطين في استناد فساد المشروط إلى فساد الشرط في البين، من جهة أن ما وقع من العقد المطلق لم يقصد، و ما قصد منه من المشروط بالشرط لم يقع شرعا.

أو إلى دفعه و إبداء الفرق الواضح بين قولك: بعتك النجس بشرط أن تأكله، و بعتك العنب بشرط أن تخمّره، من جهة أن بيع العنب لا فساد فيه إلّا من قبل تخمّره الفاسد، بخلاف بيع النجس فإن فساده من قبل نفسه قبل شرطه.

هذا، و لكن فيه أن فساد بيع النجس إن كان من جهة مانعيّة عموم النجاسة- كما هو الأشهر- فالفرق المذكور بين الشرطين و العلاوة المذكورة في البين واضح، إلّا أن هذا المبنى خلاف مختاره فيما مرّ و فيما سيأتي. و إن كان من جهة مانعيّة آثاره المحرّمة دون مانعيّة نفسه- كما هو مختاره- فالفرق المذكور بين الشرطين ممنوع في البين، إلّا أن العلاوة المذكورة مسلّمة فيه.

قوله: «إنما جعل غاية للإعلام».

[أقول:] يعني: أن الاستصباح إنما جعل في النصوص غاية للإعلام الخارج عن البيع، لا شرطا و لا قيدا داخلا في البيع حتى يعتبر اشتراطه أو قصده فيه، و لا غاية للبيع أيضا، لعدم الترتّب بينهما حتى يعتبر فيه، بل المترتّب على نقل البيع الانتقال لا الاستصباح.

31

قوله: «فهل يجب مطلقا أم لا؟ .. إلخ».

[أقول:] أي: فهل يجب مطلقا حتى على الأجنبيّ غير المتسبّب لإغراء الجاهل بنجاسته ببيع و نحوه، كما هو ظاهر العلامة (1) في تعليله وجوب الإعلام بوجوب النهي عن المنكر، أم لا يجب إلّا على البائع المتسبّب لإغراء المشتري ببيعه له من غير إعلام؟

قوله: «فإن الغاية للإعلام ليس هو تحقّق الاستصباح .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن ذلك مناف لقوله آنفا: «إنما جعل غاية للإعلام» و لما هو المحقّق من ترتّب الإصباح على الإعلام، و العمل على العلم، و الائتمار على الأمر، و الانتهاء على النهي، بحسب التديّن و الديانة و المقتضيات الإيمانيّة و المحاسن الفطريّة، لو لا الموانع الخارجيّة، كما أن ترتّب كلّ غاية على ذي الغاية و مسبّب على سببه مبنيّ على عدم الموانع الخارجيّة، و عدم ترتّبها بواسطة الموانع لا يخرجها عن الغاية و المسبّبيّة.

و ثانيا: أن الدليل على عدم كون الإعلام واجبا شرطيّا في صحّة البيع هو عدم ترتّب صحّة البيع عليه لا عدم ترتّب الإصباح عليه، فإن عدم ترتّب الإصباح عليه دليل عدم كونه شرطا في حصول الإصباح، لا دليل عدم كونه شرطا في صحّة البيع الذي هو محلّ النزاع. إلّا أن يوجّه قوله: «فإن الغاية .. إلخ» بأن عدم ترتّب الإصباح على الإعلام دليل عدم كونه غاية له، و أن الغاية له هو مجرّد رفع الجهل و الإغراء عن الجاهل، لا دليل عدم كونه واجبا شرطيّا حتى يرد عليه ما أورد.

قوله: «و يؤيّده أن أكل الحرام و شربه من القبيح».

أقول: وجه كونه مؤيّدا لا دليلا لعلّه من جهتين:

____________

(1) أجوبة المسائل المهنّائية: 49 المسألة 53.

32

أولا: من جهة أن قبحه في حقّ الجاهل بمعنى النقض لا العقاب، و أن حسن الاحتياط فيه حسن ندبيّ لا وجوبي، إلّا في الشبهة المحصورة لا البدويّة.

و ثانيا: أن قبح ارتكاب خلاف الواقع و حسن الاحتياط في تحصيل الواقع بالنسبة إلى الجاهل لا يستلزم وجوب الإعلام على العالم إلّا من باب المقدّمة و عموم وَ لٰا تَعٰاوَنُوا (1).

قوله: «لكن إثبات هذا مشكل».

أقول: وجه الإشكال من جهة أصالة البراءة من وجوب إعلام الجاهل كلّية على وجه العموم، و من جهة وجوب إرشاد الجاهل في الأحكام و تنبيه الغافل في الموضوعات، خصوصا في ما هو معرض إتلاف النفوس و الأعراض و الأموال في الجملة. فتأمّل.

قوله: «كما إذا أكره غيره على المحرّم».

[أقول:] بأن أمره بالظلم، أو نصبه واليا أو حاكما أو ضابطا أو كاتبا أو قاضيا على الجور و الظلم، و تحرير ديوانه، و الحكم بغير ما أنزل اللّٰه، و نحو ذلك ممّا جرت عليه عادة ملوك الجور و العدوان، و طاغية كلّ زمان، في إكراه الناس على الحرام، بكلّ من وجوه العلّية أو السببيّة أو الشرطيّة أو عدم المانعيّة من الحرام و المحرّمات.

قوله: «و لا إشكال في حرمته و كون وزر الحرام عليه، بل أشدّ، لظلمة».

أقول: وجه ذلك عموم قوله إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (2).

و عموم قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ (3).

و عموم: «رفع عن أمّتي تسعة .. و منها: ما أكرهوا عليه .. و ما اضطرّوا‌

____________

(1) المائدة: 2.

(2) النحل: 106.

(3) البقرة: 173.

33

إليه» (1).

و لكن لا يخفى أن معذوريّة المكره- بالفتح- و كون وزره على المكره- بالكسر- عقلا و شرعا إنّما هو في غير الدماء و في غير شرب الخمر و مسح الخفّين، لاستثناء الدماء عقلا و شرعا، و الخمر و مسح الخفّين نصّا، و في غير ما يكون المكلّف بسوء اختياره معينا أو طالبا أو راغبا أو معرّضا نفسه لإكراه الغير له، كالضائف بسوء اختياره المكره له بأكل الحرام، و المجيب دعوته اختيارا مع العلم بأنه سيكرهه على الحرام، فإنه في جميع هذه الموارد- كالمتوسّط بسوء اختياره في الأرض المغصوبة- غير معذور عقلا و لا نقلا، بل هو ضامن و غارم على ما أكره، لأن ما كان بسوء الاختيار من الإكراه و الاضطرار فهو في حكم الاختيار لا الاضطرار عقلا و نقلا.

قوله: «و إلّا لم يكن عيبا. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أنه و إن لم يكن عيبا عرفا بل و لا شرعا، بالنظر إلى عدم حرمته على الجاهل ظاهرا، إلّا أنه بالنظر إلى حرمته الواقعيّة و منقصته الخفيّة واقعا يعدّ نقصا واقعيّا و عيبا خفيّا، و لهذا يستحيل الخطأ و النسيان على المعصوم، و يغرم الجاهل المخطئ في حقوق الناس، و يضمن الطبيب و لو كان حاذقا، و يقضى الفائت و لو غافلا.

أو إشارة إلى عدم المنافاة بين كونه عيبا خفيّا و منكرا شرعيّا ليجب الإعلام به في المعاوضات من جهتين، و في غيرها من جهة النهي عن المنكر.

أو إشارة إلى أن إعلام الجاهل و تنبيه الغافل بالمحرّمات الواقعيّة و إن لم يثبت وجوبه بأدلّة النهي عن المنكر، إلّا أن استحبابه ثابت بمثل عموم استحباب الأذان الإعلامي، و عدم القول بالفصل بين ما يوجب إيقاظ النائم و عدمه،

____________

(1) الوسائل 11: 295 ب «56» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 1.

34

خصوصا قبل الفجر، و بسيرة الأمير (عليه السلام) على إيقاظ النائمين في مسجد الكوفة للصلاة، و نصوص الأمر باستهلال شهر رمضان (1)، و أوامر اختبار المرأة عن حالها المشتبه بين حدوث الحيض و عدمه، أو انقطاعه و عدمه، أو بين الحيض و العذرة و القرحة أو الاستحاضة، أو بين القليلة و الكثيرة و المتوسّطة.

فإن بنينا على ظاهر تلك الأوامر ثبت وجوب الاستعلام و الإعلام في خصوص هذه الموضوعات، مضافا إلى ما تقدّم منها. كما أن نصوص حرمة كتمان الشهادة (2) و وجوب أدائها و تحمّلها أيضا ممّا يثبت وجوب الإعلام في الموضوعات في الجملة، مضافا إلى ما تقدّم أيضا. كما أن وجوب نصح المستشير و قوله (عليه السلام): «اذكروا المرء بما فيه ليتحرزه الناس» (3) أيضا ممّا يثبت وجوب الإعلام في الجملة، مضافا إلى ما تقدّم.

قوله: «مرسلة الشيخ (4) المنجبرة بالشهرة المحقّقة .. إلخ».

أقول: انجبار الرواية بشهرة الرواية منصوص، و أمّا بشهرة الفتوى فمبنيّ على حجّية مطلق مظنون الصدور من الأخبار أو حجّية الظنّ المطلق في الأحكام، و إلّا فلا يسلم الانجبار بها، كما يومي إليه قوله: «لو سلّم».

قوله: «خصوصا بالحمل على الإرشاد أولى».

أقول: أمّا وجه أولويّة حمل الجملة الخبريّة في المرسل على الندب من الحمل على تقييد المطلق، فلأن تقييد المطلق و إن كان أشيع المجازات و أرجحها في مقام تعارض الأحوال، بل قيل بأنه حقيقة، إلّا أن تقييده بالجملة الخبريّة يستلزم مجازين: تجوّز في المطلق و تجوّز في استعمال الجملة الخبريّة في‌

____________

(1) لم نجد نصوص بهذا المعنى، و ربما كان مقصوده شي‌ء آخر.

(2) الوسائل 18: 227 ب «2» من أبواب الشهادات.

(3) جامع السعادات 2: 321، و فيه اختلاف يسير.

(4) المبسوط 6: 283.

35

الإنشاء، بخلاف حملها على الندب، فإنّه تجوّز واحد.

و أمّا وجه خصوصيّة الإرشاد فلعدم استلزامه التجوّز أصلا.

قوله: «لإبائها في أنفسها عنه، و إباء المقيّد عنه».

أقول: في كلّ من الإباءين نظر، بل منع واضح. أمّا عدم إباء أنفسها عن التقييد فلأنها ليست من الأحكام الفعليّة، و لا في مقام إعطاء القاعدة الكلّية، حتى تأبى عن التقييد. فكما أن العمومات المتقدّمة عليه المانعة من وجوه الاستنفاع بالنجس لم تأب من التخصيص بجواز الاستصباح به، كذلك إطلاق المخصّص لها لا يأبى من التقييد ب‍ «تحت السماء» بالطريق الأولى.

و أمّا عدم إباء المقيّد عنه فلأن إباء المقيّد عن التقييد مبنيّ على أن ما دلّ عليه التقييد المذكور من نجاسة الدخان مخالف للشهرة، و أن حرمة تنجيس السقوف لا دليل عليه. و كلاهما ممنوعان.

أمّا شهرة طهارة الدخان فلأنها في دخان أعيان النجس لا المتنجّس، خصوصا الدهن الذي لا ينفكّ دخانه عن أجزائه اللطيفة المتصاعدة من الدسومة المحسوسة غير المستهلكة فيه.

و أمّا تنجيس السقوف فما كان منها مثل سقوف المساجد و المشاهد فدليل حرمته واضح. و أمّا سقوف غير المساجد فلاحتمال النهي عن تنجيسها، للإرشاد إلى عموم الابتلاء بانتشار النجاسة و سرايتها إلى الجدران و ما يقربها من الألبسة و الظروف و الفروش و الأطعمة و الأشربة و الأبدان، بل و سرايتها إلى تنجيس كلّ من يجتمع مع الدخان تحت السقوف، بل كثيرا ما يتكوّن الدخان في سقوف الحمّام بقطرات ماء ينجّس من يتقطّر عليه، أو يجتمع الدخان في السقوف فيأخذه الجاهل أو الناسي نجاسته لمداد الكتب و الصحف، إلى غير ذلك من معرّضيّة تنجيسه السقوف مفاسد انتشار النجاسة و سرايتها المسوّغة لحرمة‌

36

تنجيسها، كما سيحكيه المصنف في آخر المسألة عن الكافي عن الوشّاء: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها، فقال: حرام هي ميتة، فقلت: جعلت فداك فيستصبح بها؟ فقال: أما علمت أنه يصيب اليد و الثوب و هو حرام؟!» (1).

فعلى هذا ينبغي أن يقال في تفصيل المقال و تحقيق الحال: إنه إن لم نقل بانجبار المرسلة بشهرة الفتوى بها فلا مقتضى لتقييد الاستصباح بها تحت السماء رأسا. و إن قلنا بانجبارها- كما يقتضيه حجّية الظنّ المطلق في الأحكام، أو مطلق مظنون الصدور من الأخبار- فلا مانع من تقييدها الاستصباح بما تحت السماء، لأن المانع إن كان أولويّة الحمل على الإرشاد فهو غير مانع، لأنّ الإرشاد إلى عدم تأثّر السقوف بنجاسة الدخان غير مانعة الجمع مع تقييد الاستصباح بما تحت السماء، بل هو مقتض له أيضا. و إن كان المانع هو لزوم نجاسة الدخان و حرمة نجاسة السقوف، فمن الواضح عدم مانعيّتهما، للمنع من بطلان اللازم، حسب ما عرفت من أن ما يصحّ للمانعيّة من شهرة طهارة الدخان فيما نحن فيه لم يوجد، و ما وجد منه من حرمة تنجيس السقوف لا يصلح للمانعيّة.

قوله: «مع أنه لو عمّ المتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد».

[أقول:] يعني: من الظروف و الفروش و الألبسة و الأمكنة و الأصبغة و الأمتعة و نحوها، ممّا لم يشترط في استعمالها الطهارة.

و لكن فيه: إمكان منع الملازمة، و إخراج جميع ما لا يتوقّف استعماله على الطهارة بعنوان واحد، كقولك: إلّا ما يقبل التطهير، أو ما لا يشترط فيه الطهارة، أو ما لا يستلزم منه التنجيس و المفسدة من الاستعمالات، بحيث لا يلزم من إخراجها التخصيص بالأكثر و إن كان الخارج أكثر، كقوله:

____________

(1) الكافي 6: 255 ح 3، و فيه اختلاف يسير.

37

إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ إِلّٰا مَنِ اتَّبَعَكَ (1) و الحال أن تابعيه أكثر بأضعاف.

قوله: «المائعات المتنجّسة كالدهن و الطين و الصبغ و الدبس إذا تنجّست ليست من أعمال الشيطان».

أقول: فيه كما أن تصنيع الخمر و الأصنام إنما كان بتعليم الشيطان، كذلك تنجيس المتنجّس لا يكون في الخارج إلّا من شرّ الشيطان، إذ ما من شرّ و لا فساد و لا فسق و لا تنجيس و لا آفة و لا عاهة و لا خطأ و لا نسيان و لا جهل و لا غفلة إلّا و هو مستند بالأصالة أو الأوّليّة أو الأولويّة أو السببيّة أو العلّيّة إلى عمل الشيطان و وسوسته، كما أنه ما من معصية أو استعمال حرام إلّا و هو مستند إلى إغوائه و تسويله.

و على ذلك فلا فرق بين التخمير و التصنيم و بين التنجيس في كون كلّ منهما من تعليم الشيطان و تسبيبه. كما أنه لا فرق بينهما في كون استعمالها على النحو الخاصّ- يعني: على النحو المحرّم من الشرب و الأكل- أيضا من إغواء الشيطان و استتباعه. فآية الاجتناب عن الرجس بإطلاقها شاملة لاجتناب المتنجّس أيضا.

قوله: «و أضعف من الكلّ الاستدلال بآية تحريم الخبائث» (2).

أقول: وجه الأضعفيّة أن الخبيث في العرف و الشرع ما يتنفّر منه الطبع، فلا يشمل كلّ متنجّس، بخلاف عموم الرجس.

قوله: «المراد هنا حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحلّية الطيّبات».

أقول: فيه أنه لا قرينة و لا صارف للحرمة و الحلّية عن عموم حذف المتعلّق لجميع الاستنفاعات، من الأكل و الشمّ و التنزّه و التفرّج و غيرها.

____________

(1) الحجر: 42.

(2) الأعراف: 157.

38

قوله: «و الملاقي للنجس و إن كان عنوانا للنجاسة، لكنّه ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابلة غيره».

أقول: يمكن منعه بأن الملاقي للنجس بعد فرض كونه عنوانا- أي:

موضوعا و محكوما للنجاسة- لا مانع من كونه وجها من وجوه النجاسة- أي:

فردا و مصداقا و قسيما من أفراد النجاسة و أقسامها و مصاديقها- في مقابل غيره، أي: غير الملاقي. أمّا بحسب الحكم الشرعي و هو وجوب الاجتناب فلاشتراكه معها فيه. و أما بحسب الصدق العرفي و إطلاق النجس فلاشتراكه أيضا فيه معها، فأين الفرق و الفارق؟ إلّا أن يستظهر من وجوه النجس خصوص الأعيان النجسة بالذات. لا العرض، و لكنّه غير بيّن و لا مبيّن.

قوله: «و فيه: أن طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها في الأكل».

أقول: فيه أولا: أنه لو كان كناية عن خصوص عدم أكله لكان طرحه رأسا، و إراقة المرق المتنجّس و الماء المتنجّس، بل و المشتبه به عند اشتباه ماء الوضوء فيه، خصوصا الكثير من منزوحات البئر، من التبذير المحرّم، مع إمكان الانتفاع به في سقي الدوابّ و الزرع، بل و الطين و الجصّ و نحوها. فجواز إراقتها من غير نكير و لا تبذير أصدق شاهد على إرادة المعنى الحقيقي الظاهر من الإراقة و الطرح، لا الكناية عن عدم الأكل، لأن المعنى الحقيقي لا يجتمع مع الكنائي في إرادة واحدة.

و ثانيا: أن الكناية استعمال اللفظ في المعنى لينتقل منه إلى لازمة، و الانتقال يتوقّف على ناقل عرفي معيّن، و تعيينه بقوله: «فإن ما أمر بطرحه من جامد الدهن و الزيت يجوز الاستصباح به إجماعا» ممنوع، لأن ما أمر بطرحه من جامد الدهن مقدار جزئي بحسب العادة، بحيث يكون إثمه بتنجيس الظرف و المصباح أكثر من نفعه بالاستصباح، و خارج عن مورد نصوص جواز‌

39

الاستصباح، فلم يعلم جواز الاستصباح بالمقدار الجزئيّ من الجامد المتنجّس على ما كان الاستصباح بالمائع الكلّي منه بالنصّ، حتى يكون قرينة معيّنة على الانتقال من معنى الطرح إلى لازمة و هو عدم الأكل.

قوله: «فإن الظاهر من كلام السيّد (1) [المتقدم] أن مورد الإجماع هو نجاسة ما باشره .. إلخ».

أقول: ما استظهره من كلامه من أن معقد إجماعه ثبوت أصل النجاسة لا الأحكام المتفرّعة عليه إنما هو استشعار من انسياق كلامه في مقابلة العامّة المنكرين للنجاسة، و لكنّه لا يقاوم أظهريّة كلامه و تصريحه بالتعميم بقوله: «لا يجوز أكله و لا الانتفاع به .. إلخ».

و كذلك ما استظهره من إجماع الخلاف (2) من تخصيصه بردّ المخالفين لا يقاوم أظهريّة كلامه و تصريحه بالتعميم بقوله: «لا يجوز أكله و لا الانتفاع به بغير الاستصباح». مضافا إلى عدم مانعيّة الجمع بين المرادين و عدم المنافاة في البين بالجمع بين الظاهرين.

و كذلك إجماع الغنية (3) و إن كان ظاهرا فيما ذكره من تحريم لا تحريم سائر المنافع، إلّا أن استثناءه بيع الزيت للاستصباح به تحت السماء أظهر في حرمة الاستصباح تحت الظلّ، فضلا عن حرمة سائر الانتفاعات، و بقائها تحت عموم المستثنى منه. مضافا إلى عدم مانعيّة الجمع بين الظاهرين.

قوله: «فلا ريب في وهنها بما يظهر من أكثر المتأخّرين».

أقول: لو سلّم مخالفة المتأخّرين أمكن منع وهنها و قدحها في إجماعات المتقدّمين، لانقراض عصر المخالف، فإن المعتبر في الإجماع اتّفاق أهل عصر‌

____________

(1) الانتصار: 193.

(2) الخلاف 6: 91، 92 المسألة 19.

(3) غنية النزوع: 213.

40

واحد لا جميع الأعصار، و إلّا لم يتحقّق إجماع بعد.

قوله: «دون غيره، مثل بلّ الطين و سقي الدابّة».

أقول: عدم حرمة الانتفاع بهما كما يحتمل أن يكون من جهة أصالة الحلّ في كليّ الانتفاعات، كذلك يحتمل أن يكون من جهة تنقيح المناط من نصوص جواز الاستصباح، و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال به على مخالفة الإجماع.

قوله: «و لا يخفى أن كلا وجهيه صريح في حصر التحريم».

(2) أقول: إنما الصريح فيما ذكر هو الوجه الثاني لا الأول.

قوله: «قال الشهيد في قواعده: النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة و الأغذية (1) .. إلخ».

أقول: إثباته حرمة استعمال النجس في الصلاة و الأغذية لا ينفي ما عداه حتى يثبت حلّيّة سائر استنفاعاته.

قوله: «و مراده بالنهي عن النجس النهي عن أكله».

أقول: كما يحتمل ذلك يحتمل أن يريد بالنهي عنه عمومات النهي عنه الدالّة على حرمة جميع الاستنفاعات إلّا ما خرج، و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

قوله: «جواز الانتفاع بالدهن المتنجّس في جميع ما يتصوّر من فوائده».

أقول: هذا أيضا ليس بصريح في مخالفة الإجماعات على أصالة حرمة الاستنفاعات بالمتنجّس إلّا ما خرج، لاحتمال استناد جوازها في خصوص الدهن المتنجّس إلى النصّ (2) لا الأصل، فضلا عن جوازها في غير الدهن المتنجّس.

____________

(1) القواعد و الفوائد 2: 85.

(2) الوسائل 12: 66 ب «6» من أبواب ما يكتسب به.

41

قوله: «و لا يخفى ظهوره في جواز الانتفاع».

أقول: بل الأمر بالعكس، فإن قوله: «إنما خرج هذا الفرد بالنصّ» صريح في عدم خروج سائر الاستنفاعات، إلى آخر سائر الفقرات و العبارات، فإنها أدلّ على موافقة الإجماع من الاستدلال بها على مخالفته، و لا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.

قوله: «يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجيس و هي القاعدة .. إلخ».

أقول: الاستصحاب و القاعدة أصل لا يقاوم الدليل من عمومات النهي عن استعمال النجس، حسب ما عرفت. مضافا إلى أن قوله: «كلّ شي‌ء يكون لهم فيه صلاح (1) .. إلخ» محتمل لأن يكون بيانا كاشفا عن كون الحلال الواقعي و الحكم الشرعي تابعا للصلاح الواقعي و المصلحة و الحكمة النفس الأمريّة، كما يقال: إن الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح النفس الأمريّة، لا إنشاء لجعل الحلال الظاهري لكلّ ما فيه منفعة ظاهريّة، كقوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ (2) و «خلق اللّٰه الماء طهورا» (3)، حتى يكون من القواعد الظاهر (4) المنشئة للحلّية الظاهريّة في كلّ ما فيه منفعة ممكنة، و ذلك لظهور الصلاح في السرّ و الحكمة المكمونة، بخلاف المنفعة، فإنها قد تطلق حتى على الموهمات الزعميّة، كقوله تعالى قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ (5)، و لم يقل: فيهما مصالح، فرقا بين المصلحة و الحكمة و النفع و المنفعة. فافهم.

قوله: «حلّ بيع كلّ ما يباح الانتفاع به».

____________

(1) الوسائل 12: 55 ب «2» من أبواب ما يكتسب به قطعه من ح 1.

(2) البقرة: 29.

(3) الوسائل 1: 101 ب «1» من أبواب الماء المطلق ح 9.

(4) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: الظاهريّة.

(5) البقرة: 219.

42

أقول: ظاهر الرواية أن حلّية البيع منوط بحلّية الانتفاع لا بنفس ما يمكن الانتفاع، فالاستدلال به على قاعدة كلّية حلّية الانتفاعات في النجس كالمصادرة على المطلوب.

قوله: «و يمكن حمل كلام من أطلق المنع .. إلخ».

أقول: التقييد في المطلق- خصوصا في فتاوى العلماء- من غير مقيّد و لا صارف خلاف الظاهر جدّا، لا يصار إليه من غير قرينة صارفة، لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

قوله: «و يؤيّده تعليل استثناء الدهن لفائدة الاستصباح».

أقول: أمّا في النصوص فقد جعل الاستصباح غاية للتنبيه و الإعلام، لا تعليلا لجواز البيع حتى يكون من قبيل العلّة المنصوصة على حلّية كلّ ما فيه فائدة و منفعة، كتعليل حرمة الخمر بأنه مسكر الدالّ بعمومه على حرمة كلّ مسكر.

و أمّا في الفتاوى- فمضافا إلى أنّه لم يقع تعليلا إلّا في كلام من ذكر- فهو من قبيل العلّة المستنبطة التي لا حجّية فيها.

قوله: «قلنا: ليس المراد ذلك، لأن الفائدة بيان لوجه الاستثناء».

أقول: أمّا توجيهه فهو أن يكون جواز بيع الدهن المتنجّس لفائدة الاستصباح بيانا لوجه استثناء بيعه فائدة (1) الاستصباح، لا حصر المبيع المستثنى في المقيّد للاستصباح، فكأنّه قال: إلّا الدهن لكلّ فائدة كالاستصباح، لا المقيّد لخصوص الاستصباح.

و مع ذلك فيه أولا: أن التعليل به لم يقع في نصّ حتى يكون من قبيل العلّة المنصوصة في الحجّية، بل هو من قبيل العلّة المستنبطة التي لم تقع في كلام غير‌

____________

(1) كذا في النسخة الخطيّة، و الظاهر أن الصحيح: لفائدة.

43

من ذكر، و لا حجّية فيها أيضا.

و ثانيا: أن جعل الاستصباح وجها للاستثناء لا حصرا للمستثنى لعلّه خلاف الظاهر، و الاحتمال كاف في الإبطال للاستدلال.

و ثالثا: لو سلّم كون الاستصباح وجها للاستثناء لا المستثنى فغايته تعميم حكم جواز البيع لكلّ ما يمكن الاستصباح به، لا لكلّ ما يمكن الانتفاع به كما هو المدّعى، كما لا يخفى.

قوله: «يكفي في صحّة ما قلنا تطرّق الاحتمال».

أقول: الاحتمال الكافي لبطلان الاستدلال إنما هو الموجب للإجمال، لا المخالف لظاهر الحال و المقال.

قوله: «على مذهب المتكلّم. فافهم».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن إشكال المستشكل لا يتوجّه على مخالفة مذهب المستشكل، و إنما يتوجّه على مخالفة مذهب المستشكل عليه، أو على مخالفة ما هو المسلّم بينهما.

[بقي الكلام في حكم نجس العين]

قوله: «فلظهورها في الانتفاعات المقصودة .. إلخ».

أقول: بل الظاهر من عموم حذف المتعلّق هو حرمة عموم الانتفاعات.

مضافا إلى أن التقييد و الانصراف من دون مقيّد و صارف خلاف الأصل، بل خلاف البلاغة، بل تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح على الحكيم، مع إمكان أن يقول بدل «فاهجر»: فلا تأكل أو فلا تناوله. مضافا إلى أن الاستقراء في المحرّمات الشرعيّة أنه إذا حرّم شيئا حرّم قليله و كثيره و أسبابه و غاياته و مقدّماته و مؤخّراته و جميع تقلّباته. مضافا إلى سيرة الصلحاء و العلماء و الأنبياء و الشواهد القطعيّة من حالهم على الاجتناب من جميع تقلّباته و استنفاعاته و تصنّعاته و محافظاته و إمساكاته، حتى التفرّج و النظر إليها و إمساكها و حفظها، كما صرّح به‌

44

في خبر تحف العقول (1) و نصوص (2) حرمة الخمر.

و أمّا ما قال من الاتّفاق على جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد، فلم تثبت الكلّية المدّعاة، لكون العامّ المخصّص حجّة في الباقي.

قوله: «فإن الظاهر أن المراد من النفع المفروض للدم و الأبوال و الأوراث هو النفع المحلّل .. إلخ».

أقول: أمّا توجيه ظهور النفع المطلق في النفع المحلّل، و انصراف فرض وجود النفع المقابل لفرض عدمه إلى حلّ النفع المقابل لحرمته، فدعوى الصارف العقلي المشار إليه بقوله: «و الّا لم يحسن ذكر هذا القيد .. إلخ». يعني: إن لم ينصرف النفع من قوله: «و إن فرض له نفع» إلى النفع المحلّل لم يحسن عقلا و لا عرفا التوصّل ب‍ «إن» الوصليّة إلى فرض وجوده، لأن فرض وجود غير المحلّل منه تحصيل للحاصل، و فرض عدم غير المحلّل المصحّح لفرض وجوده في الأشياء المذكورة- يعني: الدم و الروث و البول ممّا لا يؤكل- خلاف الواقع و الظاهر من قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (3). و لم يحسن أيضا ذكر خصوص الصبغ للدم دون الأكل، مع اشتراكه في النفعين، و عدم الفارق بينهما في البين.

هذا، و لكن التوجيه غير وجيه. أمّا أولا: فمن جهة أنه توجيه لما لا يرضى به صاحبه، نظرا إلى أن فرض النفع المذكور في كلام الشهيد محلّلا ينافي قوله: «لا يجوز بيع الدم و إن فرض له نفع .. إلخ» لأن حلّية نفعه يستلزم حلّية بيعه من باب المقدّمة، و أن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه كما هو المختار، أو من باب إناطة حلّية النفع و حرمته بحلّية النفع و عدمه، كما هو مختار المصنف في المسألة.

____________

(1) تحف العقول: 331.

(2) الوسائل 17: 237 ب «9» من أبواب الأشربة المحرمة.

(3) المائدة: 3.

45

و أمّا ثانيا: فمن جهة أن الصارف المذكور إنما هو يصلح لصارفيّة فرض النفع إلى حلّ النفع لو لم يفرض لعدمه وجه إلّا الحرمة. و هو ممنوع جدّا، لاتّفاق العرف و الشرع من جميع أهل الملل و النحل على استقذار أكل الدم و الروث و البول ممّا لا يؤكل، و استخباثها و تنفّر الطبع عنها، على وجه ينزّل عرفا و عقلا وجود منفعة الأكل المحرّم منها منزلة العدم بالنسبة إلى مثل وجود منفعة الصبغ بالدم، لكن لا من جهة حرمة أكله و حلّية الصبغ به، حتى يتوهّم انصرافها إلى الحرمة و الحلّية كما زعمه المصنف، و إلّا لكان الانصراف و التنزيل خاصّا بأهل الملل دون النحل، بل بخصوص الملتزم و المطّلع بالملّة، لا أنه مستقلّ بالعلّة و إن لم يلتزم و لم يطّلع و لم يكن من أهل الملل، بل التنزيل المذكور إنما هو من جهة الاستقذار العرفي من أكل الدم دون الصبغ به، أو من جهة عدم توهّم الحلّية في أكله و توهّمها في الصبغ به.

قوله: «فإن عدوله عن التعليل بعموم المنع عن الانتفاع بالنجس إلى ذكر خصوص الميتة يدلّ على عدم العموم في النجس».

أقول: فيه أولا: أن الاستدلال بعموم «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» لا يدلّ على عدم عموم المنع عن النجس، فإن إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه.

و ثانيا: لو دلّ على عدم عموم المنع عن النجس فلعلّه لا من جهة عدم عمومه، بل من جهة طروّ التخصيص عليه أو توهّمه، فإن توهّمه ليس بأبعد من توهّم عدم عمومه.

قوله: «بل من جهة التسامح و الادّعاء العرفي تنزيلا للموجود منزلة المعدوم .. إلخ».

أقول: فيه أن هذا التسامح و الادّعاء العرفي المنزّل للموجود من منافع النجس منزلة العدم عرفا إن كان بالنسبة إلى منافعه المتعارفة كالتسميد للعذرة‌

46

و الإيقاد للروث، فمن البيّن أنه لا يصحّ و لا يجري ذلك التنزيل العرفي أصلا و رأسا، فضلا عن إيجابه خروج تلك المنافع عن عموم المنع و الحرمة.

و إن كان بالنسبة إلى منافعه النادرة المسمّى في اصطلاح شريف العلماء بالمضرّ الإجمالي، كالتداوي بالخمر و الإيقاد بالعذرة و الاستصباح و الإطلاء بالدهن، فمن البيّن أنه و إن صحّ و جرى ذلك التنزيل العرفي للمنافع النادرة منزلة العدم عرفا، إلّا أنه يوجب انصراف المطلق عنها و خروجها عن تحت المطلق لا العموم.

و إن كان بالنسبة إلى منافعه النادرة الأندر المسمّى في اصطلاح شريف العلماء بالمبيّن العدم، كالتخليل بالخمر و التداوي بالعذرة و سدّ الساقية بالميتة و إطفاء النار بالجلاب، فهو و إن صحّ و جرى بل و أوجب صحّة سلب تلك المنافع النادرة الأندر عرفا عن النجس، إلّا أنه لا يتمّ المطلوب كلّية بل جزئيّة، و لا يثبت المدّعى بالجملة بل في الجملة، ضرورة أن الموجبة الجزئيّة لا تنتج المطلوب الكلّي، و النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات. فالذي يعمّ المطلوب من التنزيل لا يتمّ، و الذي يتمّ لا يعمّ. فالموجب لصحّة سلب المنافع عرفا في الجملة غير منتج للمطلوب بالجملة، و المنتج له بالجملة غير موجب للصحّة.

قوله: «بل في الرواية (1) إشعار بالتقرير. فتفطّن».

أقول: لعلّه إشارة إلى أن إشعار الرواية بالتقرير ناظر إلى أن سكوت الامام (عليه السلام) عن عدم ردعه و منعه عن إيقاد الجصّ بالعذرة و عظام الموتى مستلزم و كاشف عن رضاه و جواز الانتفاع بالأعيان النجسة.

أو إلى إمكان منع الملازمة، بوجود المكفي للردع بعموم المنع في الآيات و الروايات، أو بوجود المانع من التقيّة، أو سلب القابليّة بالكلّية أو الجزئيّة.

____________

(1) الوسائل 2: 1099 ب «81» من أبواب النجاسات ح 1.

47

قوله: «و أمّا حمل الحرام على النجس كما في كلام بعض».

أقول: جملة: «كما في كلام بعض» وصف للنجس المحمول عليه لا للحمل، يعني: أن حمل الحرام في الرواية على النجس الذي لا يبالي به كما قاله بعض الأساطين فلا شاهد عليه.

قوله: «لعدم المانع مع وجود المقتضي. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أنه إن سلّم عموم الآيات و الأخبار المانعة من قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (1) و نحوه، فهو مانع عامّ لجميع الانتقالات من بيع و غيره، بل و من جميع التقلّبات من استنفاع و غيره، و إن لم يسلّم عمومها فغير مانعة حتى من البيع إذا قصد منه الآثار المحلّلة، إذ المفروض اتّحاد المانع من النقلين، و عدم الفارق في البين.

قوله: «لكن الإنصاف أن الحكم مشكل. نعم، لو بذل مالا .. إلخ».

أقول: المراد من الحكم المشكل بقرينة العهد السابق و الاستدراك اللاحق هو جواز المعاوضة و دفع العوض المالي في إزاء ما فرض أنه ليس بمال عرفا.

و وجه هذا الإشكال حينئذ: أن معاوضة العين المفروضة غير مال بالمال.

كيف لا يعدّ ثمنا لنفس العين حتى لا يكون سحتا بمقتضى (2) النصوص؟! و لهذا يستدرك رفع هذا الإشكال بما قال من جعل العوض عوضا عن رفع اليد المانعة شرعا من حيازة الباذل، أو عوضا عن الدخول و التصرّف في ملك المانع من حيازته لأجل أن يحوزه، أو بما نقول من جعله عوضا عن حقّ الاختصاص الشرعي لذي اليد على ما في يده.

ثمّ إن في كلام المصنف إشكالين آخرين لا يستدرك رفعهما بشي‌ء.

____________

(1) المائدة: 3.

(2) الوسائل 12: 126 ب «40» من أبواب ما يكتسب به.

48

أحدهما: فيما قال من الفرق عرفا بين جلد الميتة للاستقاء و العذرة للتسميد، من حيث جعل مثل منفعة الاستقاء المحلّلة لجلد الميتة مالا في العرف، و عدم جعل مثل منفعة التسميد بالعذرة مالا فيه، مع فرض اتّحاد النفع و اشتراكه بين النجسين، و انتفاء الفرق في البين.

ثانيهما: في أن حكم الماليّة العرفيّة في مثل جلد الميتة لمنفعة الاستقاء يستلزم جواز المعاوضة على نفسه و النقل و الانتقال بغير ما نصّ الشارع على منعه كالبيع، من هبة أو صلح أو إجارة أو إرث أو وصيّة، و إغرام المفوّت و المانع من الاستقاء بجلد الميتة بغصب أو إتلاف أو ضمان أو كفالة.

و هذا الإشكال أيضا ينحلّ إلى إشكالين:

أحدهما: في أصل التزام الفقيه بترتّب الأحكام المذكورة على ماليّة جلد الميتة لمنفعة الاستقاء.

و ثانيهما: في تخصيص ترتّبها على مثل جلد الميتة لمنفعة الاستقاء، دون الميتة لإطعام الجوارح و العذرة للتسميد و الخمر للتخليل، مع اشتراك المقتضي بين النفعين، و انتفاء الفرق في البين.

قوله: «يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أنه لا دليل في نفس الحيازة و لا من الخارج على اشتراط القصد في إفادته التمليك أو الاختصاص، إذ لا مانع من كونها من الأسباب القهريّة لإفادة التمليك أو الاختصاص، كما أن فعل الإتلاف و اليد الجانية من الأسباب القهريّة للضمان و لو صدرت عن خطأ لا قصد. و حينئذ فلا يبعد أن تكون الحيازة و لو عبثا أو خطأ أو قهرا أو إكراها يوجب التملّك أو الاختصاص فيما لا يقبل التملّك، كما أن قبض العين المغصوبة و اللقطة و لو عن خطأ و غفلة أو عبث أو نسيان يوجب الضمان شرعا، و ثبوت أحكام الأمانة الشرعيّة على ما وقع في يده‌

49

بعموم: «على اليد ما أخذت حتى تودّي» (1).

و ثانيا: سلّمنا اشتراط القصد، لكن الخروج عن فرض اللغويّة و العبثيّة كما لا يقتضي بأزيد من قصد الحيازة أو قصد التملّك في إفادتها التملّك، كذلك لا يقتضي بأزيد من من قصد الاختصاص في إفادتها الاختصاص، فما المقتضي لاشتراط زيادة قصد الانتفاع؟

و ثالثا: سلّمنا اشتراط قصد الانتفاع، لكن قصد الانتفاع بالمحاز الجزئي القليل الذي لا ينتفع به منفردا إلّا بعد الاجتماع الكثير- كالتقاط النواة و البعرور و البعر- أيضا من قصد الانتفاع في كلّ ما يعتبر فيه القصد، فإن قصد المجموع المركّب من الهيئة الاجتماعية لا يتحقّق إلّا بقصد كلّ من أجزائه المنفردة. و حينئذ فلا مسرح للإشكال الذي رتّبه على اشتراط قصد الانتفاع بقوله: «فيشكل الأمر فيما تعارف في بعض البلاد .. إلخ». و لا حاجة إلى استدراك كلفة حمله بقوله:

«نعم، لو جمعها في مكانه المملوك .. إلخ».

[النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به]

[القسم الأول ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلا الحرام]

قوله: «بناء على أن تحريم هذه الأمور تحريم لمنافعها .. إلخ».

أقول: في كلّ من صحّة البناء و المبنى تأمّل، بل منع. أمّا الأول فلأن حرمة الاكتساب كما يحصل من حرمة منافع تلك الأمور المذكورة، كذلك يحصل من حرمة نفسها من باب المقدّمة و التعاون، أو الملازمة المنصوصة فيها بين حرمة الشي‌ء و حرمة ثمنه، إذ كما أن مقدّمة الحرام حرام كذلك غاية الحرام حرام عقلا.

هذا، مضافا إلى أن حرمة كلّ من نفس الأمور المذكورة و منافعها منصوص فيه بالاستقلال على حدة، فلا يبتني حرمة الاكتساب بالأمور المذكورة على تخصيص حرمتها بحرمة منافعها من جهتين: إحداهما: من جهة أن حرمة كلّ منهما كاف في حرمة الآخر. و ثانيها: من جهة أن حرمة كلّ منهما منصوص به‌

____________

(1) المستدرك للحاكم 2: 47، و عوالي اللئالي 2: 345.

50

مستقلا و على حدة، فلا يصحّ الابتناء المذكور.

و أمّا الثاني: فلأنه لو سلّمنا صحّة ابتناء حرمة الاكتساب بما ذكر على تخصيص حرمتها و انصرافها إلى حرمة منافعها، إلّا أنّه لا نسلّم صحّة المبنى المذكور، لعدم صحّة التخصيص بلا مخصّص و الانصراف بلا صارف.

قوله: «و لو فرض ذلك كان منفعة نادرة لا يقدح في تحريم العين .. إلخ».

أقول: الفرد النادر إنما لا يقدح خروجه عن المطلقات بواسطة الانصراف، و أمّا بالنسبة إلى عموم النواهي المحرّمة فيقدح خروج النادر فضلا عن المنفعة غير النادرة، و إن فرض اشتراك الهيئة المحرّمة بينها و بين المحلّلة، فإن خروجها و جواز البيع بقصدها- كما قاله المصنف- يقدح في عمومات الباب من غير مخصّص.

قوله: «محمول على الجهة المحلّلة التي لا دخل للهيئة فيها».

أقول: الجهة المحلّلة التي للهيئة فيها دخل مثل ضرب الدفّ و المزمار و العود لأجل إعلام الغافل و النائم لا لأجل الطرب، و الجهة المحلّلة التي لا دخل للهيئة المحرّمة فيها جعل الأمثلة المذكورة ظرفا أو اتّخاذها زينة. و من البيّن أن عدم مدخليّة الهيئة المحرّمة في الجهة المحلّلة مقتض لحلّيتها لا توجيها لحرمتها كما هو المدّعى، إلّا أن يوجّه بأن المراد الجهة المحلّلة من العنوان المحرّم لنفسه لا لهيئته، بمعنى الحرام الذي لا هيئة له مثل الخمر.

قوله: «لمنع شمول الأدلّة لمثل هذا الفرد».

أقول: و أيّ مانع من شمول الأدلّة لمثل هذا بعد فرض عمومها و صراحتها في العموم؟!

قوله: «لأن المتيقّن من الأدلّة .. إلخ».

أقول: الاقتصار على المتيقّن فيما خالف الأصل إنما هو في المجملات‌

51

و الأدلّة اللبيّة، لا العمومات و الأدلّة اللفظيّة كما فيما نحن فيه.

قوله: «الملحوظ في البيع قد يكون مادّة الشي‌ء».

أقول: و إن كان الملحوظ في البيع قد يكون المادّة إلّا أن مجرّد لحاظ المادّة و قصده في البيع لا يسوّغ جواز بيعه و رفع مانعيّة الهيئة و صدقها عليه، إلّا إذا انفكّت المادّة عن الهيئة و أزيلت الصفة المانعة عنها، أو لم تكن الهيئة المفروضة مانعة و محرّمة شرعا. و أمّا إذا لم تنفكّ عنها، و كانت مانعة محرّمة على وجه العموم كما هو المفروض، فمن البيّن أن حرمة الهيئة العارضة هي حرمة مادّتها المفروضة لها، لأن النهي عن الشي‌ء نهي عن لوازمه المقوّمة له، و إلّا لساغ بيع جميع العناوين المحرّمة و الأوصاف المانعة، من الخمر و الأصنام و الأزلام و الطبول و المزامير و الدفوف، بلحاظ قصد ما عدا وصف الخمريّة من مادّة جسميّته أو سائر أوصافه و ألوانه و منافعه غير المخمّرة (1)، من الاستشمام و الاستنشاق من البهائم و الأطفال.

و أمّا الاستدلال على جواز بيع المادّة بضمان الغاصب و المتلف لهذه الأمور موادّها دون هيئاتها، ففيه منع الدلالة، لاحتمال اختصاص ضمان الموادّ بصورة كون الإتلاف تدريجا لا دفعيّا، أو بصورة ما إذا لم يجز إلّا إتلاف الهيئة دون المادّة، كما هو الأظهر من أدلّة النهي عن المنكر، و أمّا إذا توقّف إتلاف الهيئة على إتلاف المادّة معا فلا ضمان للمادّة، كما لا ضمان للهيئة، لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه. و مثله ما إذا لم يكن للمادّة قيمة بعد سلب الهيئة و زوال الوصف عنه.

قوله: «و لعلّ التقييد في كلام العلّامة ب‍ (كون المشتري ممّن يوثق بديانته) (2) لئلّا يدخل في باب المساعدة على المحرّم .. إلخ».

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّها تصحيف: المحرّمة.

(2) لم نقف عليه في كتبه، انظر التذكرة 1: 465، فإن فيه نوع شبه، و لكن نقله عن التذكرة السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 32.

52

أقول: بل احتمال أن يكون التقييد في كلام العلّامة لأجل إخراج المبيع عن الهيئة المحرّمة المانعة من صحّة البيع، و إدخاله في بيع الرضاض و المادّة المجرّدة عن المانع الداخلي المسلّم المانعيّة، نظير بيع المتنجّس حال تنجّسه لكن بشرط التطهير، أو بيع لحم الشاة حال حياته بشرط التذكية، أظهر من كونه لأجل دفع عروض ما لا يصلح للمانعيّة من الأمور الخارجيّة من جهات عديدة، ككون النهي عن التعاون بالنسبة إلى البيع نهيا خارجيّا فلا يقتضي الفساد، خصوصا في المعاملات، خصوصا مع إمكان التفصّي عن مانعيّته- على تقدير تسليم المانعيّة- بتكسيره بعد بيعه و قبل إقباضه، بل و بمحض عدم قصد المعاونة على الإثم في بيعه، كما سوّغوا به بيع العنب لمن يعمله خمرا.

قوله: «إن أراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الإشكال في الجواز، و لا ينبغي جعله محلّا للخلاف».

أقول: عدم إمكان إرادة الزوال الفعليّ للوصف المانع في محلّ الخلاف لا يعيّن المدّعى و هو إرادة الزوال القصديّ للوصف، بأن يكون مجرّد قصد المادّة الموصوفة بالوصف المانع كافيا في رفع المانعيّة و صحّة البيع، لاحتمال إرادة الزوال الشرطي المشروط في بيعه، بل الزوال الشأني القريب إلى الفعلي أو المشرف إلى الفعل بعلاقة أوله إليه بعد البيع فورا، كما هو الأظهر ممّن اعتبر في صحّة بيع الموصوف بالوصف المانع زوال الوصف، و لو بقرينة أقربيّته إلى الزوال الفعليّ المتعذّر من الزوال القصديّ المحض الخارج عن صدق الزوال رأسا، و لا يصدق عليه الزوال لا حقيقة و لا مجازا بمحض القصد إلى عدم إرادته في البيع.

قوله: «لحق الآلة المعدّة لها حكم آلات القمار».

أقول: بل الأظهر من عموم حرمة كلّ ملهوّ به و كلّ وجوه الفساد و القمار‌

53

و المسير في النصوص (1) هو حرمة عموم (2) الآلات المعدّة لها، كالشطرنج و الصولجان، و غير المعدّة لها كالمقامرة بالبيض و الخاتم و نحوها، بل و حرمة فعل المراهنة و لو لم يكن بآلة، كالمصارعة و المماطلة و المغالبة بركض و نحوه، بل و المقاولة بإنشاء شعر أو خطبة، بل و حرمة التفرّج، بل التعليم و التعلّم له، فضلا عن انضمام القول بالفعل و الفعل بالآلة، و بالالتزام بالعوض و أخذ العوض عليه.

فإن كلّها داخلة في عموم النهي عن وجوه الفساد، غايته أنه كلّما كثرت الضمائم اشتدّت الحرمة و تعدّدت جهاتها، فإن الحرام القولي إذا انضمّ الى الفعل صار حراما من جهتين، و إذا انضمّ إلى الآلة اشتدّت من جهة ثالثة، و إذا انضمّت إلى أخذ العوض اشتدّت من جهة رابعة، و إذا انضمّت إلى الالتزام بأخذ العوض اشتدّت من جهة خامسة، و إذا انضمّت إلى التديّن و الاستحلال العملي اشتدّت الحرمة من جهة سادسة، إلى أن يبلغ إلى الاستحلال القولي الموجب للكفر و الارتداد، الذي هو سوء عاقبة مآل الإصرار و الاستصغار الموعود عليه النار بقوله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ* (3) وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* (4) ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا السُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اللّٰهِ وَ كٰانُوا بِهٰا يَسْتَهْزِؤُنَ (5).

كما أن مآل كسب الطاعات، و تحصيل ملكة العدالات، و التزهّد في المباحات، على هذه المراتب و الكيفيّات إلى أن يبلغ في العروج و الترقّيات حدّ بلوغ الروحانيّات، و اجتذاب نفحات الرضا و الرضوان، التي هي أعظم من التنعّم‌

____________

(1) الوسائل 12: 54، 237 ب «2، 102» من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل 12: 119، 242 ب «35، 104» من أبواب ما يكتسب به.

(3) الأعراف: 182.

(4) الأعراف: 183.

(5) الروم: 10.

54

بالجنّات و الحور الحسان التي أعدّت للمتّقين، و العاقبة للمتّقين.

قوله: «إلّا أن المتيقّن منه ما كان من جنس المزامير و آلات الأغاني و من جنس الطبول».

أقول: فيه أولا: أن قاعدة الاقتصار على المتيقّن إنما يصار إليه فيما خالف الأصل من الأدلّة اللبيّة و المجملة، لا العمومات اللفظيّة المبيّنة كما فيما نحن فيه.

و ثانيا: أن ما كان من جنس المزامير و الطبول إنما هو من آلات الأغاني و الغناء، و هو أخصّ من عمومات حرمة اللهو و الملاهي بقوله: «و كلّ ملهوّ به» (1) بمراتب عديدة و جهات متعدّدة، و المفروض أن عموم النهي عن اللهو و الملاهي يقتضي حرمة مطلق اللهو حتى القولي كالقصص الملهية، فضلا عن الفعلي كالتصفيق و الترقيص و المصارعة و المماطلة و المغالبة و شرب الملهيات من الترياك و التنباك، فضلا عن المنضمّ بمطلق الآلة كاللعب بالطيور و السبحة، فضلا عن الآلات المعدّة له كالمجانيق و المراجيح و فنون الشعبذة المعدّة للّعب و اللهو و الإلهاء، فضلا عن اللهو بأصوات الغناء المطرب الموجبة للخفّة الملحقة بنوع من السكر المحرّم، فضلا عن الآلة المعدّة له من المزامير و الطبول و الصناديق، فإنها من أقصى منتهى مراتب حرمة الأغاني و وجوه الفساد، التي لا واسطة بينهما و بين الكفر و الارتداد إلّا الاستحلال، فكيف (2) يجعل من الملاهي؟

قوله: «خيار التدليس. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن خيار تفاوت سكّة السلطان مع سكّة غير السلطان ليس من تفاوت صفة شدّة الرغبة و ضعفها، كتفاوت وصف الجيّد و الردي‌ء و الصحيح و الأصحّ، حتى يكون من قبيل خيار التدليس، بل تفاوته من‌

____________

(1) الوسائل 12: 57 باب «2» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و الظاهر أن الصحيح: فكيف لا يجعل .. إلخ، و لعلّه سقط من العبارة.