بحوث فقهية معاصرة

- الشيخ محمد تقي البهجة المزيد...
208 /
7

أمارة سوق المسلمين

من الأمارات الشرعية المعروفة و المشهورة أمارة سوق المسلمين، و هي تعني الاعتماد على هذه السوق لإثبات إباحة ما يحتمل الحرمة فيه، و طهارة ما تحتمل نجاسته، و ذكاة ما يحتمل عدم ذكاته.

و هذه الأمارة بعنوانها العام لا إشكال فيها، و هي من ضروريات المجتمع الإنساني قبل أن تكون من ضروريات المجتمع الإسلامي؛ إذ ما لم ترتب آثار السوق في مشروعية ما يوجد فيه من حيث تملكه إياه أو تذكيته أو طهارته لا تستقيم معيشة الإنسان بالنحو الطبيعي المعهود.

إلا أن ما ينبغي التأمل فيه هو مدى أبعاد هذه القاعدة أو شمولها لحالات من الشك قد لا تجري فيها؛ لأن الأمر يختلف مع من يدخل السوق من الناس فهو:

1- قد يؤمن إيمانا جازما لسبب من أسباب الإيمان الخاصة و العامة بمشروعية ما في يد البائع من السلع.

2- و قد تعكس معه الحالة تماما إذ هو قد يؤمن بعدم مشروعية ما في يد البائع من السلع لواحد من الأسباب المتقدمة.

3- و قد يغفل غفلة تامة عن الالتفات إلى المشروعية و عدمها.

4- و قد يشك في المشروعية و عدمها و لكن دون قرينة تؤكد أيا من جانبي هذا الشك.

5- و قد يشك في هذه المشروعية مع وجود قرينة غير معتبرة شرعا على المشروعية كما لو وجدت كتابة غير معروفة المستند أو أخبار من لا يوثق بخبره و شبه هذا من القرائن.

8

6- و قد يؤيد الشك بقرينة- غير معتبرة أيضا- على عدم المشروعية فالشارع لا يرتب الأثر عليها إلا أن لها تأثيرها النفسي لدى الشاك و ترجح لديه جانب العدم.

7 و 8- و قد تكون هاتان القرينتان مما يعتبر شرعا و يرتب الشرع على أساسهما الحكم في جانب المشروعية أو عدمها.

و واضح أن جريان الأمارة إنما هو في المجال الذي لا يكون فيه علم واقعي أو ما يقوم مقامه شرعا فأمارة سوق المسلمين مع هذه الملاحظة لا يمكن إجراؤها في كل من الصور الأولى و الثانية و السابعة و الثامنة؛ إذ في الأوليين هناك اعتقاد جازم و لا يرجع معه إلى الأمارات، و في الأخريين هناك دليل شرعي يرتب الشرع الأثر عليه و إن لم يبلغ إلى درجة العلم الواقعي كما لو قامت البينة الشرعية على أحد الاحتمالين.

و لكن التساؤل عن الصور الأربع الأخرى هل هي جميعا مما تطّرد فيه هذه الأمارة أم لا؟

و لعل الإجابة بالإيجاب واضحة في الصورة الثالثة و الرابعة و الخامسة؛ إذ هي جميعا مما علم جريان الأمارة فيها، و لكن الموقف يختلف بالنسبة إلى الصورة السادسة حيث تواجد قرائن تؤيد الشك في عدم المشروعية، أما كقرينة فعلية في المبيع أو قرائن عامة في ذوي السوق من عدم الالتزام و المبالاة في مصدر جلب تلك السلع و إلى أين تنتهي، و يقع البحث في فصلين:

9

الفصل الأول في أدلة أمارة سوق المسلمين

و لاستيضاح الإجابة عن هذا لا بد من ملاحظة ما عرض من أدلة لهذه الأمارة لدى الفقهاء، و مدى دلالتها و استيعابها لصور الشك المتقدمة،

و قد استدل عليها بأدلة:

الأول: الإجماع،

و قد صدرت هذه الدعوى من جملة من الأعلام، إلا أن إثبات أن هذا الإجماع تعبدي مشكل جدا، و لا سيما مع تكاثر الروايات الواردة في هذه الأمارة، إذ مع وجود الروايات يعتبر الإجماع محتمل المدرك و لا شك، و من المعروف أنه ليس بحجة و إن كان متحققا فعلا بل الحجة أدلته.

الثاني: السيرة العملية من المتشرعين

كافة خاصتهم و عامتهم منذ العصور الإسلامية الأولى و حتى الآن.

و هذه السيرة في الجملة مما لا إشكال فيها إلا أنها دليل لبّي فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن منها، و المتيقن هو ورودها في صورة الغفلة و الشك غير المعتضد بقرينة على المشروعية أو عدمها، و أما ورودها في صورة الشك مع قرائن تؤيد عدم المشروعية فهذا ما لم يعلم من شأنها إلا أن يدعى عموم السيرة.

إذن فلا يمكن الاستدلال بهذه السيرة على الحكم مع مثل هذا النحو من الشك.

الثالث: ما رواه الشيخ الكليني

عن القاسم بن يحيى عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئا في‌

10

يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم؛ قال الرجل: أشهد أنه في يده و لا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فيحل الشراء منه؟ قال:

نعم، فقال أبو عبد اللّه: فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق (1).

و استفادة حجية السوق من هذه الرواية بمناسبة التعقيب الأخير من محكي قول الإمام (عليه السلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» حيث يمكن استفادة أن هذه السوق حجة على ما فيها، و لا ينبغي السؤال عما يشترى فيها و يباع، و يكفي أن تكون الصبغة العامة في السوق هي الإسلام ليشرع التصرفات فيها أخذا و عطاء و أكلا و شربا و لباسا و نحو ذلك.

و يلاحظ على الاستدلال بالرواية:

أولا: أن في سندها حفص بن غياث و هو ضعيف- على المختار (2)- لأنه مخالف للحق في الاعتقاد و إن قيل إن الأصحاب عملوا بما يرويه لوثاقته و تحرّزه عن الكذب فيما يرويه.

و ثانيا: هي منصبة على أمارة أخرى و هي يد المسلم لا سوق المسلمين؛ إذ إن المقصود في كل من السؤال و الجواب إنما هو هذه اليد، أما سوق المسلمين فقد لوحظت فيها عرضا.

و ثالثا: أن الرواية صدرت في عصر كان الناس أقرب للالتزام منهم إليه في الوقت الحاضر، فصحيح أن العامة مذ انحرفوا في عقائدهم عن المنهل الروي لحجج اللّه من أهل البيت (عليه السلام)، إلا أن ارتباطهم لم ينقطع عن الظواهر الإسلامية العامة التي تحفظ للإسلام صبغته البارزة في المجتمع، و من تلك‌

____________

(1) الكافي 7: 384 ب (9) من أبواب الشهادة ح 1، وسائل الشيعة 27: 292 ب (25) من أبواب كيفية الحكم.

(2) هذا بناء على ما كان عليه (دام ظله) فيما مضى من عدم العمل بالخبر الموثق، و لكنه تبدل مبناه فيما بعد.

11

الظواهر مجريات السوق؛ إذ هناك فروق محسوسة بين سوق المسلمين و أسواق غير هم في التعامل و التذكية و شبههما مما يحفظ لتلك المظاهر وجودها، و تسرية حكم هذه السوق إلى حالات ابتعد فيها الناس حتى عن تلك الظواهر قد لا يكون في محله.

و لكن مما لا ينبغي الغفلة عنه أن الرواية وردت في موقع الشهادة، و هي إنما ترد في موقع يأتي التنازع فيه في مشروعية ما تحت يد صاحب اليد أو عدم المشروعية، و هذا النزاع يمكن أن يكون قرينة تؤيد عدم المشروعية كما لا يخفى، إذن فالمناقشة الثانية و الثالثة غير واردتين، و تبقى المناقشة الأولى من ضعف السند فيها كما ألمحنا.

إذن فالرواية- إن تمت سندا- يظهر منها الإطلاق لجميع حالات الشك السابقة حتى و إن كانت هناك قرائن على عدم المشروعية ما لم تكن تلك القرائن معتبرة شرعا.

الرابع: ما رواه أبو حمزة الثمالي

عن أبي جعفر (عليه السلام) (في حديث) أن قتادة قال له: أخبرني عن الجبن، فقال: لا بأس به، فقال: إنه ربما جعلت فيه أنفحة الميت؟ فقال: ليس به بأس إن الإنفحة ليس لها عروق و لا فيها دم و لا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث و دم، و إنما الإنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة فهل تأكل تلك البيضة؟ قال قتادة: لا و لا آمر بأكلها، قال أبو جعفر (عليه السلام): و لم؟ قال: لأنها من الميتة، قال: فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة، أ تأكلها؟ قال: نعم، قال فما حرم عليك البيضة و أحل لك الدجاجة؟

ثم قال: فكذلك الإنفحة مثل البيضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين، من أيدي المصلين و لا تسأل عنه إلا أن يأتيك من يخبرك عنه (1).

و موضع الدلالة في الرواية: (فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من المصلين ..

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 179 ب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.

12

إلخ).

و المتأمل في هذه العبارة يستوقفه قيد (المصلين) في المسلمين أصحاب السوق، إذ لا بد أن يؤخذ في القيد الاحترازية و إلا أصبح لغوا، فمعناه أن من علم التزامه بالصلاة حمل سلوكه على الصحة و إلا فلا.

و من الواضح أن ذكر المصلين لا يقصد به الصلاة بالخصوص فمن علم منه الصلاة أخذ منه دون سؤال و إلا فلا، فإنه لم يقل به أحد و الذي يبدو أن قيد الصلاة أخذ كناية عن الالتزام بتلك المظاهر العامة الحاكمة في المجتمع الإسلامي، و التي من أبرزها الصلاة، و على هذه فالرواية أخذت هذا الالتزام قيدا في حجية سوق المسلمين، فيمكن اعتبار هذه الرواية مقيدة للإطلاق في ما سواها من روايات لا تشير إلى هذا القيد، كما هو ظاهر الرواية السابقة لو تم سندها، و إن كانتا مثبتتين.

الخامس: ما رواه سعد عن أبي جعفر

عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المصلين، فقال: أما النعال و الخفاف فلا بأس بها (1).

و في سندها إشكال من جهة أبان فإنه ابن عثمان و كان ناووسيا (2)، كما لا يخلو السند عن إطلاق يحتاج إلى تقييد في كل من سعد و أبي جعفر إذ الاحتمال فيهما وارد.

و ظاهرها- كسابقتها- حصر جواز لبس الجلود في الصلاة في خصوص ما يجلب من أرض المصلين دون ما يجلب من غيرها و هو أيضا كناية عن الالتزام بهذه المظاهر العامة، فلا وجه لما احتمله سيدنا الأستاذ دام ظله من أن إطلاق‌

____________

(1) وسائل الشيعة ب (38) من أبواب لباس المصلي ح 3.

(2) هذا بناء على ما كان عليه دام ظله فيما مضى من عدم العمل بالخبر الموثق و لكنه تبدل مبناه فيما بعد.

13

المصلين هنا أريد به المسلمين بدلالة الآية الكريمة: قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ؛ إذ إن تعبيري المسلمين و المصلين يكونان مترادفين مصداقا بناء على أن الكفار مكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول، و حينئذ يكون نتيجة سؤال السائل عمّا يؤخذ من أرض غير المسلمين؛ فهذا الاحتمال غير وجيه لسببين:

الأول: ما ذكرناه في مباحث الحجة من عدم تمامية الدلالة في نفس الآية على هذا الاحتمال؛ إذ الكافرون ليسوا مكلفين بالفروع فلا ترادف.

الثاني:- مع التنزل- أن مجرى الكلام في الرواية سؤالا و جوابا إنما هو عن الأخذ من أولئك الذابحين غير الملتزمين بمبادئ الشرع العامة مما يرجح عدم جريان تذكيتهم وفق الضوابط الشرعية، و لهذا فإن الصلاة ليست هي المقصودة في المسألة بل هي أخذت كطريق إلى تحقق عنوان الالتزام بالشريعة و حفظ المظاهر باعتبار ما لها من أهمية في هذه المظاهر، فغاية السؤال تكون حينئذ عن شراء الجلود و مشتقاتها ممن لا يلتزمون بأحكام الشريعة فهل أصلي فيها أو لا؟

و لهذا كان تفصيل الإمام (عليه السلام) بين النعل و الخف من جانب و غيرهما من جانب آخر؛ لأنهما مما يجوز لبسهما في الصلاة و إن كانا نجسين بالنجاسة العارضة؛ لأنهما لا يستران العورة.

و الرواية مع هذا المقيد تقرب في الدلالة من سابقتها في حجية سوق المسلمين حين يعلم التزامهم بالمظاهر العامة للشريعة دون ما إذا لم يعلم منهم هذا الالتزام.

السادس: ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج،

قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفراء أشتريه من الرجل الذي لعلي لا أثق به، فيبيعني على أنها ذكية أبيعها على ذلك؟ فقال: إن كنت لا تثق به فلا تبعها على أنها ذكية إلا أن تقول: قد قيل لي إنّها ذكية (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 172 ب (38) من أبواب ما يكتسب منه ح 2.

14

و الرواية معتبرة السند إلا أن الالتزام بدلالتها منطوقا مشكل، فهي تشترط الوثوق بالتذكية في جواز التصرف في البيع فيما يتوقف عليها، و هذا يعني إسقاط حجية سوق المسلمين فالإمام (عليه السلام) يقول: (إن كنت لا تثق به فلا تبعها على أنها ذكية) و منافاة هذا المنطوق للسيرة التي عرف شمولها لبعض صور المشكوك واضح.

إذن فلا بد من حمل الثقة المطلوبة هنا على تلك الثقة العامة التي تتأتى من حفظ المجتمع للمظاهر و الرسوم الإسلامية العامة، لا تلك الثقة الخاصة التي تنشأ من المخالطة و استمرار الاتباع الشخصي لأحكام الدين الحنيف من كل بائع في السوق بالخصوص.

إلا أنه يمكن القول: إن الرواية بعيدة عن السوق و أمارته و أنها تحكي فقط عن شراء من شخص عابر يشك المشتري في تصرفاته و التزامه، فهي أجنبية عما نحن فيه.

هذه نماذج من أدلة هذه الأمارة و قد اتضح من خلالها أن سوق المسلمين ليست حجة على الإطلاق، بل حجيتها فقط في حالة معرفة المشتري بالتزام البائعين فيه و حفظهم المظاهر الشريعة و متقيدين بما يحفظ لهذه المظاهر وجودها، و الإطلاق الموجود في بعض الروايات يمكن تقييده بالقيود الواردة في بعضها الآخر كما هو واضح من رواية أبي حمزة الثمالي من أمر الإمام أبي جعفر (عليه السلام) لقتادة بالشراء، و عدم السؤال من سوق المسلمين الملتزمين بالصلاة كعنوان لالتزامهم بمظاهر إسلامية المجتمع الذي يكون.

و لئن نوقش في إمكان تقييد الإطلاقات في ذلك البعض بمثل هذه القيود فلا أقل من أنها تثير الشك في حجية السوق بدونها، و الشك في الحجية يساوق عدم الحجية كما هو معلوم، فيبقى الإطلاق بحاجة إلى دليل واضح بجعل الحجية له دون تلك القيود.

و يضاف إلى ما تقدم روايات أخرى يمكن أن تكون مؤيدة للقيد المذكور

،

15

و نقول: مؤيدة، إذ إن في سندها ضعفا لا ينهض في اعتبارها دليلا شرعيا فمنها:

1- ما رواه الشيخ (قدّس سرّه) عن أحمد بن محمد عن سعد بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق من أسوق الجبل أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه (1).

و رواه الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) في الفقيه أيضا.

و الإشكال في السند يأتي من جهتي كل من سعد بن إسماعيل و أبيه إسماعيل بن عيسى فكل منهما لم يثبت توثيقه، كما يلاحظ أن في النسخ اختلافا؛ إذ في مطبوع كل من كتاب الفقيه و التهذيب و الوسائل يوجد فيها (الجبل) إلا أن في هامش نسخة الفقيه المطبوعة حديثا نقل عن بعض المخطوطات (الجيل) و (الخيل) و (الحثل)، و فسر الأخير بهامش المطبوعة القديمة أنهم طائفة من اليهود (2).

و دلالة الرواية واضحة على عدم كفاية دعوى الإسلام في وصف ذوي السوق، بل لا بد من اقتران هذه الدعوى بما يحفظ للشريعة مبادئها في حياتهم و بين أظهرهم، و لا سيما الصلاة فيما يبيعونه نوعا.

2- ما رواه الشيخ الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عنهم (عليه السلام) قالوا خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الإنفحة، و البيضة، و الصوف و الشعر، و الوبر، و لا بأس بأكل الجبن كله مما عمله مسلم‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 348 ب (17) من أبواب الصلاة، ح 76، وسائل الشيعة 3: 492 ب (50) من أبواب النجاسات ح 7.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 267 ب (39) فيما يصلى فيه و ما لا يصلى فيه من الثياب ح 39.

16

أو غيره، و إنما يكره أن يؤكل سوى الإنفحة مما في آنية المجوس و أهل الكتاب لأنهم؛ لا يتوقون الميتة و الخمر (1).

و ضعف السند في الرواية من جهة إسماعيل بن مرار إذ هو ممن لم تثبت وثاقته و إن ادعيت من البعض لرواية من لا يروى إلا عن ثقة عنه، إلا أن هذه الدعوى غير مسلّمة المدرك فلا تتم.

و دلالة الرواية على المطلوب تأتي من جهة التعليل العام الذي بني عليه الحكم في كراهة تناول ما في أيدي الكتابيين لتناولهم الميتة و الخمر و عدم توقيهم منهما، و هذا يعني شمول الحكم لكل من عرف عنه عدم التوقي و إن كان من المسلمين.

3- ما رواه محمد بن الحسين (الحسن) الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضمونا فلا بأس (2).

و واضح أن السؤال كان عن السوق المتعارف بين المسلمين فاللام هي لام العهد الحضوري أي هذه السوق التي ندخلها و الإمام قيّد المشروعية بضمان التذكية و لو كان ناشئا من حفظ مظاهر الالتزام بأحكام الإسلام، و إلا كان القيد لغوا.

إذن فحصيلة هذه الروايات كافة أن السوق يجب أن يكون للمسلمين و أن لا يكون هؤلاء المسلمون ممن عهد منهم عدم الالتزام- و إن لم يعلم الالتزام- أما إذا عهد منهم التحلل وعد الالتزام فلا ينبغي إجراء حكم سوق المسلمين عليهم.

____________

(1) الكافي 6: 260 ب (9) ما ينتفع به من الميتة و ما لا ينتفع به منها.

(2) الكافي 3: 399 ب (60) اللباس الذي تكره الصلاة فيه و ما لا تكره.

17

الفصل الثاني آثار أمارة سوق المسلمين

قلنا: إن الأثر الجامع لقاعدة سوق المسلمين بعد اجتماع شرائطها هو البناء على مشروعية ما شك في مشروعيته، و تجمع هذه الكلمة أبعادا ثلاثة بارزة لعل من المجدي الوقوف عند كل منها بالخصوص، و هذه الأبعاد هي:

1- ملكية ما احتمل عدم ملكيته؛ إذ لا تصح معاملة البيع من دون إحراز أن ما يباع صالح للتملك.

2- طهارة ما احتمل نجاسته؛ لأن بيع النجس لا يصح إلا بشروط معينة.

3- تذكية ما يشك في عدم تذكيته، بل حلية كل ما يشك في حرمته سواء أ كان من جهة التذكية أم غيرها.

أما البعد الأول: فإن ملكية ما احتمل عدم ملكيته هو مفاد كثير من الروايات

سبق بعضها، و يضاف إليه ما يمكن أن يعد طوائف تشهد على هذه الملكية.

الطائفة الأولى: ما ورد في بيع الرقيق المدعي للحرية،

و لم تكن له بينة على دعواه فمنها ما رواه:

1- العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن مملوك ادعى أنه حر و لم يأت ببينة على ذلك أشتريه؟ قال: نعم (1).

و الرواية وردت بطريق صحيح لدى كل من الشيخ الطوسي و الشيخ الصدوق (رضوان اللّه عليهما)، و هي و إن وردت في المملوك الذكر إلا أن الذكورة لا خصوصية لها في الحكم- كما هو واضح.

____________

(1) تهذيب الأحكام 7: 69 ب (6) في ابتياع الحيوان ح 31، من لا يحضره الفقيه 3: 162 ب (69) البيوع ح 55.

18

2- المشايخ الثلاثة (قدّس سرّه) عن حمزة بن حمران قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، أدخل السوق و أريد أن أشتري جارية فتقول إني حرة، فقال اشترها إلا أن تكون لها بينة (1).

و سندها مخدوش بحمزة بن حمران فهو لم يوثق.

و الفرق ما بين دلالتي الروايتين أن في الأولى عموما يشمل غير السوق مما يرى بأيدي الناس من المالكين، بينما خصصت الثانية ما يعرض في السوق من الجواري و لهذا قيل: إن الأولى من أدلة قاعدة اليد و الثانية من أدلة أمارة سوق المسلمين، بينما خلط آخرون فأوردوهما تارة في أدلة أمارة اليد و أخرى في أدلة سوق المسلمين، و لكن سيأتي بيان ما في هذا الوجه من الاضطراب إن شاء اللّه.

الطائفة الثانية: ما دل على حلية ما لم تعلم حرمته بالذات

و ذكر سوق المسلمين كمورد لهذه القاعدة منها ما رواه:

مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته و هو سرقة أو المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهرا .. و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (2).

و الرواية ضعيفة السند لوجود مسعدة بن صدقة فيها، و هو ممن لم تثبت وثاقته (3)، و قيل عنه: إنه عامي أو بتري.

الطائفة الثالثة: ما ورد في ما اشتبه أنه كان سرقة أو خيانة

إذ إن ترتب آثار سوق المسلمين لإثبات الملكية فيما إذا لم يعلم أنه المسروق بعينه فمنها ما رواه:

1- أبو بصير قال: سألت أحدهما (عليه السلام) عن شراء الخيانة و السرقة، قال: لا، إلا‌

____________

(1) الكافي 5: 213 ب (93) في شراء الرقيق ح 13.

(2) وسائل الشيعة 17: 336 ب (1) من أبواب البيع و شروطه ح 4.

(3) هذا ما كان (دام ظله) بانيا عليه ثم عدل إلى توثيقه فيما بعد.

19

أن يكون قد اختلط معه غيره فأما السرقة بعينها فلا (1).

و الرواية معتبرة سندا، و هي تفيد المنع في خصوص ما علم أنه مسروق، و من دون هذا العلم يجري الحكم بتملك البائع له بحجية سوق المسلمين، و قريب منها مضمرة سماعة (2).

2- قرب الإسناد بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها يحل فرجها لمن اشتراها؟ قال: إذا أنبأهم أنها سرقة فلا يحل و إن لم يعلم فلا بأس (3).

و الظاهر أن الرواية تامة السند، و هي رتبت حرمة الوطء على ما إذا أخبر البائع المشتري بذلك بل على ما إذا أفاده الخبر علما بالسرقة؛ إذ لو كان مجرد الإخبار كافيا لما عقب بقوله (عليه السلام): (و إن لم يعلم فلا بأس)، فهذا التعقيب يعني أن الشرط إنما ذكر لطريقيته إلى علم المشتري لا أنه هو مناط التحريم؛ و لهذا فلو أخبر البائع و غيره المشتري من دون أن يستوجب هذا الخبر علما لديه فلا يتأتى الحكم بالحرمة.

و هذا المقدار من الروايات كاف في الدلالة على المطلوب بل فيها ما يدل على إباحة الفرج كما في تلك الروايات التي تضمنت جواز شراء الرقيق و إن ادعى أنه حر، ما لم يعلم لقرينة من القرائن الموجبة للعلم أنه صادق في دعواه؛ إذ مع هذا العلم يخرج الأمر عن مجال قاعدة سوق المسلمين كما سبق أن عرفنا.

و هنا إشكال لا بد من استيضاح ما فيه و هو:

أن ما يثبت ملكية المعروض في السوق للبائع ليست هي أمارة سوق المسلمين‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 335 ب (1) من أبواب عقد البيع و شروط ح 4.

(2) وسائل الشيعة 17: 336 ب (1) من أبواب البيع و شروط ح 6.

(3) قرب الاسناد: 267 باب ما يحل من البيوع ح 1064.

20

بل أمارة اليد، فإذا عرض شي‌ء للبيع في السوق فأقصى ما تدل عليه قاعدة السوق أن عارضه يملك حق التصرف فيه، و أما أن هذا الشي‌ء ملكه هو بالذات فلا تدل عليه البتة، بل هو مجال قاعدة اليد، و هذا يعني أن مورد الأخبار السابقة جميعها أو معظمها إنما هو قاعدة اليد، و ليس سوق المسلمين.

و لمعرفة ما في الإشكال، و الفرق ما بين القاعدتين، لا بد من التأمل قليلا في مفادهما، فنقول:

إن ملكية إنسان لشي‌ء لا تثبت إلا بعد إحراز أمرين:

1- قابلية المملوك لأن يتملك شرعا.

2- قابلية المالك لتملك ذلك المملوك.

و معنى إحراز القابلية في الجانبين ليس هو إحراز الإمكان العقلي المطلق، بل المقصود هو الصلاحية الفعلية لإضفاء هذه العلاقة الاعتبارية من الجانبين معا فيقال: إن المملوك صالح فعلا لأن يملكه زيد و إن زيدا صالح كذلك لملكية هذا المملوك، و أما إحراز هذه الصلاحية الفعلية من واحد من الجانبين فقط دون الجانب الآخر فهو لا يسمح لاعتبار علاقة الملكية في المورد، فإثبات أن هذا القلم مثلا صالح فعلا لأن يملكه شخص من الناس لا يقتضي تلك العلاقة؛ إذ إن تلك الصلاحية وحدها لا تعني أنني أنا الذي أملك هذا القلم ما لم يحرز صلاحيتي أنا لأن أملكه و بالطرق المشروعية لدى العقلاء.

و هكذا الأمر بالعكس لو تمت صلاحيتي أنا لأن أملك شيئا من الأشياء فإن هذا لا يعني الحكم بأنني أملك هذا القلم بالذات ما لم تكن في القلم صلاحية لأن أملكه أنا، و هكذا.

و لهذا نقول: إن الملكية الاعتبارية و إن لم تكن من مقولة الإضافة- لأنها لا وجود لها وراء الاعتبار- إلا أن مفهوم الملكية ذاته متقوم بهذه الإضافة؛ لأنه يعني صورة من صور انتساب شي‌ء لشي‌ء بنحو معين، إذن فلتحقق مفهوم الملكية لا بد من إحراز المالك و المملوك لكي يرد عليهما اعتبارها و إلا فلا.

21

و بهذا التقرير الواضح يتبين مورد القاعدتين، فقاعدة سوق المسلمين إنما تثبت الطرف الأول من طرفي الملكية بمعنى أن هذا الإناء أو هذا اللحم أو الحيوان المعروض في سوق المسلمين فيه صلاحية فعلية لأن يملكه مالك معين إلا أنها تترك تعيين المالك إلى قاعدة اليد التي تثبت بدورها أن البائع الذي بيده هذه السلعة المعروضة هو المالك دون غيره.

إذن فكل من القاعدتين تتناول جانبا لا تتناوله القاعدة الأخرى مع أن كلا منهما أمارة شرعية في مجالها تتناول إثبات مدلولها و لوازمه من دون تدافع، فحين نرى مقدارا من اللحم بيد زيد يعرضه في السوق تثبت قاعدة اليد أن هذا اللحم له و لا يجوز مزاحمته فيه، و تصح كافة تصرفاته المشروعة عليه، و لكن هل أن اللحم بالذات مما يمكن تملكه له كما لو احتمل أنه ميتة أو نجس العين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليس من مجال قاعدة اليد، و إنما هو من مهمة أمارة سوق المسلمين فيصح شراؤه و تملكه و استعمالاته الأخرى، كما أن هذه الأمارة لا تتناول الإجابة عن أن زيدا بالذات هو مالك اللحم، و في كلتا الحالين لا يعني القدح في أي من الأمارتين فهما ثابتتان و مثبتتان لمدلوليهما و لوازمهما.

إذن فالأمارتان مختلفتان مفهوما و تطبيقا، فما ذكر من الإشكال غير تام، و على أساس هذه التفرقة يتبين مسار الأدلة المتقدمة و مدى دلالتها، فالأمر بعد لا يستحق تطويلا أكثر من هذا، كما لا داعي للبحث في أن أمارة سوق المسلمين هل هي أمارة على كون اليد أمارة أو لا؟ كما حاول البعض ذلك إذ لا موضوع له بعد هذه التفرقة الواضحة لموردي كل من الأمارتين.

البعد الثاني و الثالث: في طهارة ما شك في نجاسته و تذكية ما احتمل عدم التذكية فيه

، و قد سبق من الأخبار ما يصرح بهذين البعدين من المشروعية التي تثبتها سوق المسلمين، و يمكن أن يزاد هنا لإثبات تذكية و طهارة ما يباع في السوق ما رواه:

22

1- فضيل و زرارة و محمد بن مسلم، أنهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق و لا يدرى ما صنع القصابون؟ فقال (عليه السلام) كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين، و لا تسأل عنه (1).

2- أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أ يصلي فيها؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك (2).

و رواه الصدوق (قدّس سرّه) في الفقيه بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفري عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) (3).

3- أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال:

سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلي فيه؟ قال: نعم أنا أشتري الخف من السوق و يصنع لي و أصلي فيه، و ليس عليكم المسألة (4).

4- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، و إن اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 16: باب 29 من أبواب الذبائح ح 1.

(2) وسائل ب (50) من أبواب النجاسات ح 3.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 257 ب (39) ما يصلى فيه و ما لا يصلى فيه من الثياب ح 791

(4) وسائل الشيعة 3: 492 ب (50) من أبواب النجاسات ح 6.

(5) وسائل الشيعة 3: 490 ب (50) من أبواب النجاسات ح 1.

23

و نحوها روايات أخرى، و هي بصريح الأمر بالصلاة فيها و نحوه تدل كذلك على طهارتها؛ إذ لا تجوز الصلاة في النجس.

تعقيب

من المجدي و الحديث في سوق المسلمين قد وصل إلى هذه المرحلة أن نعقب بمسائل أربع مهمة لها مساس بموضوع هذه السوق، و لا ينبغي الغض عنها:

المسألة الأولى: أشار البعض إلى اختلاف بين موضوعي الحلية و الطهارة في الحيوان المذبوح

إذ اعتبر أن موضوع الطهارة أوسع من موضوع الحلية، فلتحقق الحلية لا بد من إحراز التذكية بشرائطها المتحققة و لو بأمارة سوق المسلمين، أو حمل استعمال المسلم على الصحة، و مع الشك من دون تحقق واحدة من الأمارات عليها لا يثبت عنوان التذكية و لا يصح استعماله فيما يتوقف على التذكية.

أما موضوع الطهارة فلم يؤخذ فيه إلا أن لا يحرز أنه ميتة، و الميتة عنوان وجودي لا بد لتحققه من شرائط معينة، فما لم يحرز أنه ميتة يجري عليه الحكم بالطهارة، و الفرق يتضح في مورد الشك في التذكية فإن أصالة عدم التذكية تمنع من الالتزام بالتذكية فيها؛ إذ هي أمر وجودي اشترط فيه فري الأوداج بنحو معين و كيفية خاصة من التسمية و الاستقبال و غيرهما، و ما لم يعلم بتحقق هذه الشرائط لا يحكم بالتذكية.

إلا أن أصالة عدم التذكية لا تحقق عنوان الميتة التي هي موضوع النجاسة، و من ثم لا يحكم على ما شك في تذكيته من الحيوان بأنه نجس بل تبقى أصالة‌

24

الطهارة ثابتة فيه للاستصحاب، و لا مانع من إجراء مثل هذا الاستصحاب؛ لأن المانع يتصور بواحد من أمرين:

1- احتمال تبدل موضوع الاستصحاب بعد القيام بعملية إزهاق الروح بالنحو الذي لم يحرز أنه تذكية؛ لأن الموضوع هو الحيوان الحي الذي أخذ فيه العنوانان معا بنحو وحدة المطلوب أي أن الوصف و الموصوف شي‌ء واحد، و مع تخلف الحياة بهذا النحو المشكوك جمعه للشرائط المعتبرة في التذكية يقطع بارتفاع الموضوع؛ لانتفاء المركب بانتفاء بعض أجزائه، فلا يمكن حينئذ إجراء الاستصحاب لأن شرطه هو بقاء الموضوع.

و لكن هذا الاحتمال غير وارد إذ لا دليل على اعتبار موضوع الاستصحاب بهذا النحو، و إلا لم يمكن القول ببقاء الطهارة حينما تنتفي الحياة من الحيوان مطلقا و إن كان بالتذكية، و من المعلوم بطلان هذا اللازم، بل موضوع الطهارة هو ذات الحيوان الخارجي دون حاجة إلى اتصافه بالحياة أو غير الحياة، فهو محكوم بهذه الطهارة ما لم يعلم طرو عنوان الميتة التي هي موضوع النجاسة.

2- احتمال تعارض استصحاب الطهارة باستصحاب عدم التذكية؛ لأنه قد يحرز به عنوان الميتة التي هي موضوع النجاسة.

و لكن سبق أن عرفنا أن الميتة عنوان وجودي لا بد من إحراز مقتضياته أيضا، و هو لا يساوق دائما عدم التذكية، إذن فيبقى الحكم بالطهارة ممكنا مع عنوان عدم التذكية، و لا مانع من هذا.

إلا أن يقال- كما لا يبعد- إن: موضوع النجاسة و الحرمة هو غير المذكى و هو معنى الميتة كما يستفاد من بعض أخبار المسألة فلاحظ.

المسألة الثانية: ما يعرض من السلع في الأسواق،

و لا سيما مع تقدم المدنية و سهولة النقل و تطور وسائط الحفظ لفترات أطول، و عدم الالتزام من قبل أكثر المورّدين يمكن أن تلحظ فيه حالتان:

25

الحالة الأولى: أن سوق المسلمين هي المكان الأول الذي تطرح فيه هذه السلعة أو تلك،

كما هو المشاهد في السلع التي تصنع في بلاد الإسلام، أو ما يذبح في هذه البلاد من اللحوم و الأسماك و غيرها، و يجمعها أن لا تكون مجلوبة من غير بلاد الإسلام و أن أسواق المسلمين هي مبدأ مطرحها للاستهلاك.

الحالة الثانية: أن تسبق سوق المسلمين سوق أو أسواق أخرى تطرح فيها هذه السلع

و من تلك الأسواق تنقل إلى سوق المسلمين، كما يشاهد الآن في الكثير من المصنوعات و الألبان و اللحوم و سائر المعلبات و غيرها، و التساؤل الآن: هل أن مثل هذه الحالة مشمولة لأدلة سوق المسلمين المتقدمة أم لا؟

و الذي يبدو أن مصب الروايات الواردة في أمارة سوق المسلمين و عدم السؤال عما يؤخذ منها هو الحالة الأولى لا الحالة الثانية، و يرى هذا واضحا في رواية فضيل و زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة و قول أبي جعفر (عليه السلام) فيها: (إذا كان ذلك في سوق المسلمين)، و كما سبق أن عهدنا من رواية محمد الأشعري المتقدمة، و أن اللام فيها للعهد الحضوري أي هذه السوق المعهودة لدى المسلمين.

و كما لا لاحظناه من رواية يونس التي حكت كره الإمام (عليه السلام) لتناول ما سوى الإنفحة مما يعمل في آنية المجوس و أهل الكتاب؛ لعدم توقيهم عن الميتة و الخمر.

و يمكن الاستئناس لهذا الاختصاص بالحالة الأولى بما دل على شرطية اعتراف الرقيق نفسه بالرقية لو عرضه الذمي في السوق، و عدم كفاية العرض وحده في تصحيح الشراء كما في رواية:

عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رقيق أهل الذمة أشتري منهم شيئا فقال: اشتر إذا اقروا لهم بالرق (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 243 ب (1) من أبواب بيع الحيوان ح 1.

26

و مثلها رواية إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1) و زكريا بن آدم عن الرضا (عليه السلام) (2)، و غيرها.

و كذلك ما دل على عدم جواز شهادة غير المسلمين على حياة ما يخرج بأيديهم من السمك الذي سبقت يد غير المسلم عرضه في سوق المسلمين للبيع عليهم.

و في هذا المعنى روايات عديدة منها:

ما رواه عيسى بن عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صيد المجوس فقال:

لا بأس إذا أعطوكه حيا و السمك أيضا و إلا فلا تجوز شهادتهم عليه إلا أن تشهده (3).

و أما الحالة الثانية حيث يعلم بسبق سوق على سوقهم، ففيها صور:

1- أن يتحمل المسلم العارف الملتزم مسئولية ما بيده و يضمن أن ما يبيعه مشروع الاستعمال، من أوجه معينة أو كافة الأوجه و هذه الحالة خارجة عن محل البحث؛ إذ الأمر يعود إلى موجبات الاطمئنان بمثل هذا الضمان الشخصي الذي تحكمه قواعد أخرى ليست من مجالنا الآن.

2- أن لا يتعهد البائع المسلم بمشروعية ما يبيعه- كما هو الغالب في الأسواق الموجودة- فلا بد أن يلتفت إلى أن سوق المسلمين فرع السوق الأولى، و أن مصب القاعدة إنما هي تلك السوق التي سبق طرح السلعة فيها، فإن جرت فيها حكم بالصحة و إلا فلا كما لو علم بأنها غير مسلمة.

3- أن تسبق سوق قبل سوق المسلمين قطعا، و لكن لا يعلم شي‌ء عن تلك السوق و إمكان تطبيق القاعدة أو عدم إمكانه هناك، و في هذه الحالة لا مجال‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 243 ب (1) من أبواب بيع الحيوان ح 2.

(2) وسائل الشيعة 18: 243 ب (2) من أبواب بيع الحيوان ح 3.

(3) وسائل الشيعة 23: 386 ب (34) من أبواب الصيد ح 1.

27

للجزم بتطبيق أدلة سوق المسلمين في السوق الفعلي؛ لاحتمال اختصاصها بالسوق التي لم يسبقها سوق أخرى كما لا يمكن الجزم بعدم تطبيقها؛ لاحتمال أمامية إطلاق أدلتها فالأمر مشكل.

المسألة الثالثة: سبق أن أشرنا إلى أن أكثر الروايات المتقدمة إنما ورد فيها عنوان سوق المسلمين،

إلا أن مما يجدر بالانتباه إليه أن هذا العنوان ليس هو بالذات موضوع الحكم بل هو للغلبة أخذ طريقا لنسبة الحكم إلى الموضوع الذي هو كل بلاد الإسلام، فكل ما يباع و يشترى بل و ما يستعمل في بلاد الإسلام محكوم بهذا الحكم، فلا اختصاص للسوق في عدم السؤال و الحلية و غيرها من الآثار، فلو فرض أن لحما وجد في يد شخص ليس في السوق شرع تملكه و تناوله و طهارته سواء أ كان مما يباع أم لم يكن.

و يمكن أن يؤيد بروايات أخرى منها:

1- ما رواه النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطرق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي، فقال: هم في سعة حتى يعلموا (1).

و قد وردت هذه الرواية بطريق كل من الشيخ الكليني و الشيخ الطوسي و البرقي إلا أن هذه الطريق كلها تنتهي إلى النوفلي عن السكوني (2)، و هما ممن لم تثبت وثاقته و إن نقلت دعوى عمل الطائفة بروايات السكوني، و ذهب سيدنا الأستاذ دام ظله إلى توثيقه لوجوده في أسناد كتاب كامل الزيارات (3)، إلا أننا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 493 ب (50) من أبواب النجاسات ح 11.

(2) وردت بسند آخر عن الجعفريات، ينظر: مستدرك الوسائل: 2/ 588.

(3) و قد عدل عن ذلك و اقتصر على توثيق من يرويه ابن قولويه عنهم من دون واسطة.

28

لا نرى صحة هذه القاعدة.

و الرواية و إن لم تعين بلاد الإسلام إلا أن هذا يعلم من شاهد الحال فيها.

2- ما رواه إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام) أنه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس (1).

كما يمكن الاستئناس في هذا العموم لغير الأسواق بما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن المسلم العارف يدخل في بيت أخيه فيسقيه النبيذ أو الشراب لا يعرفه، هل يصلح له شربه من غير أن يسأله عنه؟ فقال: إذا كان مسلما عارفا فاشرب ما أتاك به إلا أن تنكره (2)، و روايات أخرى تفيد هذا المعنى.

المسألة الرابعة: سبق أن كررنا أن قاعدة سوق المسلمين أمارة شرعية مجعولة من قبل الشارع، أو بالأخرى أمارة عقلائية أيدها الشرع

بضوابط معينة كطريق لتحصيل الواقع؛ و لهذا فإنها مما يثبت لها كافة أحكام الأمارات الشرعية المجعولة من طريقيتها إلى الواقع، و تقدمها على الأصول كافة؛ لأن مدلولها كشف تعبدي يرتفع به موضوع الأصل العملي و هو الشك سواء أ كان هذا الأصل تنزيليا أم غيره، كما أنها تثبت لوازم مدلولها، و سائر الأحكام الأخرى التي جعلت للأمارات.

و ينبغي أن يعلم أن أمارة سوق المسلمين كأمارة اليد تتقدم عليها الأمارات‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 456 ب (55) من أبواب لباس المصلي ح 3.

(2) وسائل الشيعة: 17/ 233، باب 6 من أبواب ح 1.

29

الأخرى التي يعتمد عليها في مقام القضاء كالبينة و الاعتراف؛ لأن مفاد أدلتها الاستناد إليها حيث لا أمارة، فحالها حال الأصول المحرزة من هذه الجهة و إن كانت مقدمة على سائر الأصول العملية.

وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ* و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين‌

30

الرّبا

مقدمة

من البديهيات المعروفة في الإسلام حرمة الربا، و قد وردت النصوص الإسلامية المتواترة في هذا التحريم و التشديد عليه منذ الأيام الأولى للتشريع في كل من القرآن الكريم و السنة الطاهرة، فمن كتاب اللّه قوله تعالى:

1- الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا، وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا، فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ، وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ (1).

2- يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ (2).

3- يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ (3).

4- يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ (4).

____________

(1) سورة البقرة: 275.

(2) سورة البقرة: 276.

(3) سورة البقرة: 278- 279.

(4) سورة آل عمران: 130- 131.

31

و من السنة الطاهرة ما رواه:

1- هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: درهم ربا عند اللّه أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم (1).

2- زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: إني سمعت اللّه يقول: يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ و قد أرى من يأكل الربا يربو ماله؟ فقال: أي محق أمحق من درهم ربا؟! يمحق الدين، و إن تاب منه ذهب ماله و افتقر (2).

3- أنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في وصيته لعلي (عليه السلام)، قال: يا علي، الربا سبعون جزءا فأيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت اللّه الحرام، يا علي درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت اللّه (3).

4- الصدوق بسنده عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في حديث-، قال: و من أكل الربا ملأ اللّه بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، و إن اكتسب منه مالا لم يقبل اللّه منه شيئا من عمله، و لم يزل في لعنة اللّه و الملائكة ما كان عنده منه قيراط واحد (4).

5- الطبرسي عن علي (عليه السلام) قال: إذا أراد اللّه بقرية هلاكا ظهر فيهم الربا (5)، و قريب منه روي عن الصادق (عليه السلام) (6).

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 117 ب (1) من أبواب الربا ح 1.

(2) وسائل الشيعة 18: 119 ب (1) من أبواب الربا ح 7.

(3) وسائل الشيعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 12.

(4) وسائل الشيعة 18: 122 ب (1) من أبواب الربا ح 15.

(5) مجمع البيان 2: 208 تفسير سورة البقرة آية 270.

(6) بلفظ: إذا أراد اللّه بقوم هلاكا ظهر فيهم الربا، وسائل الشيعة 18: 123 ب (1) من أبواب الربا ح 17.

32

6- الحسين بن زيد عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه (عليه السلام) في مناهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه نهى عن أكل الربا و شهادة الزور و كتابة الربا و قال: (إن اللّه لعن آكل الربا و مؤكله و كاتبه و شاهديه) (1).

و بعد، فإن حرمة الربا في الجملة من الضرورات البديهية من التشريع الإسلامي- كما قلنا- و لهذا فلو قيل بكفر كل منكر للضروري لأمكن القول بكفر مستحل الربا و إباحة دمه، و لعل هذا ما يشير إليه الإمام الصادق (عليه السلام) فيما يرويه عنه:

ابن بكير قال: بلغ أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أنه كان يأكل الربا و يسميه اللبأ فقال (عليه السلام): لئن أمكنني اللّه منه لأضربن عنقه (2).

2- و ما يرويه محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) في حديث: و علة تحريم الربا بعد البينة لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرم و هي كبيرة بعد البيان و تحريم اللّه عز و جل لها، لم يكن إلّا استخفافا منه بالمحرم الحرام، و الاستخفاف بذلك دخول بالكفر (3).

و عليه فما ينبغي الحديث فيه ليس ثبوت أصل الحكم بل المورد الذي يصدق عليه الربا المحرم؛ لأنه مجال للأخذ و الرد بين الفقهاء، و هم قسموا الربا من هذه الناحية إلى ما يقع في المعاوضات و ما يقع في القرض، و ينبغي الوقوف عند كل من القسمين لتأمل أقوالهم فيه و مدارك هذه الأقوال: فالكلام يقع في فصلين:

____________

(1) الوسائل 12718 ب (4) من أبواب الربا ح 3.

(2) وسائل الشيعة 18: 125 ب (2) من أبواب الربا ح 1.

(3) وسائل الشيعة 8: 121 ب (11) من أبواب الربا ح 11.

33

الفصل الأول في ربا المعاوضة

في بداية الحديث عن ربا المعاوضة ينبغي الالتفات إلى سؤال مبدئي مهم و هو:

هل أن ربا المعاوضة يشمل كافة أصناف المعاوضات أو يختص بالبيع فقط؟

و يجدر الإلفات هنا إلى أن جميع من قال بالشمول لكافة المعاوضات لم يعن الزيادة في المنافع و الأعمال بل خصوص الأعيان؛ و لهذا ينبغي الالتفات إلى ما في بعض الرسائل العملية من التسامح في التعبير كما في منهاجي كل من السيد الحكيم (قدّس سرّه) و سيدنا الأعظم دام ظله؛ إذ قالا:

(الربا قسمان: الأول ما يكون في المعاملة و الثاني ما يكون في القرض)، و المسامحة في التعبير واضحة في أمرين:

الأول: في جعل القرض قسيما للمعاملة مع أنه معاملة و لا معنى لأن يجعل قسيما لها إلا إذا اعتبرت المعاملة هنا حاكية عن المعاوضة.

الثاني: في التعبير بالمعاملة و المعاوضة بإطلاقها مع أن المراد خصوص ما يجري منها على الأعيان، إذ إن كلا من السيد الحكيم (قدّس سرّه) و سيدنا الأستاذ دام ظله لم يريدا شمول الحكم للزيادة في غير ما يجري في الأعيان من المعاوضات؛ و لهذا فإن سيدنا الأعظم دام ظله في المنهاج تبعا للسيد الحكيم (قدّس سرّه) صرح بقوله: (أما إذا لم تكن المعاوضة بين العينين كأن يقول: صالحتك على أن تهب لي تلك العشرة و أهب لك هذه الخمسة، أو يقول أبرأتك عن الخمسة التي لي عليك بشرط أن تبرئني عن العشرة التي لك علي و نحوها فالظاهر الصحة) (1).

____________

(1) منهاج الصالحين للسيد الخوئي 2/ 52.

34

و على أي حال فالإجابة عن السؤال المتقدم برزت في قولين:

الأول: القول بشمول الربا لكافة المعاوضات الجارية بين الأعيان سواء كانت بيعا أم غيره، و نسب هذا القول إلى المشهور من القدماء و المتأخرين.

الثاني: القول باختصاص الربا المحرم في البيع فقط، و نسب هذا إلى صاحب السرائر (قدّس سرّه) و المحقق (قدّس سرّه) و العلامة (قدّس سرّه) في بعض كتبه.

و احتج من قال بشمول حرمة الزيادة في كافة المعاوضات بعدة أدلة منها:

1- صدق الربا على كل معاوضة يزيد فيها أحد العوضين على الآخر، و هذا معروف في الظاهر من إطلاق اللفظ، فما دل على حرمة الربا في كافة الآيات و الروايات شامل بإطلاقه لما يجري في كل معاوضة من الزيادة كما شاهدناه واضحا في الآيات و الروايات السابقة.

و لمعرفة ما في هذا الدليل ينبغي الرجوع إلى ما سبق في المقدمة من الآيات و الروايات و التأمل فيها ليعرف مبلغ ما تشير إليه بهذا الصدد.

فالآية الأولى لا بد أن يكون الإطلاق فيها مرتبطا بالإطلاق الوارد فيما قبلها؛ لأن قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (1) هو من مقولة الكفار و ليس من المقولة الإلهية في التشريع و إن أصر المشهور من الفقهاء على حكايتها لأصل التشريع، و اعتبار هذه الفقرة من أدلة الحكم الإلهي الشرعي؛ و لهذا أفاضوا في الاستناد إلى معطياتها في بعض موارد الفقه في أنحاء شتى من المعاملات، و لكنك خبير بأن السياق لا يساعده.

و مع التنزل فإن الآية جعلت الربا مقابل البيع المحلل، و هذا بإطلاقه ينتهي إما إلى تحليل الزيادة و إن كانت في البيع مطلقا أي حتى ما يجري في المتجانسين، و إما إلى تحريم الزيادة حتى في البيع في غير المتجانسين، إذ في مورد الالتقاء لا‌

____________

(1) البقرة: 275.

35

بد من تقييد أحد الإطلاقين بالآخر و نتيجة التقييد- لو خلينا نحن و مدلول الآية- هذا الذي ذكرناه، و هو ما لم يقل به أحد و لا يعقل أن يقول به أحد.

نعم صدر الآية يمكن الاستدلال به؛ إذ قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا .. الآية (1)، يمكن أن يدعى الإطلاق فيه و يستدل به على المقصود، و لكن هذا أيضا غير تام؛ إذ يرد عليه:

أولا: أن الآية الكريمة إنما وردت لبيان أصل التشريع، و لا يسلم وجود إطلاق في هذه المرحلة؛ إذ الإطلاق إنما يتم مع إحراز مقدماته الأربع المعروفة و أولها أن يكون المتكلم في مقام البيان، و البيان هنا منصب على أصل تشريع الحكم و ليس على خصوصيات المتعلق، فلم تتم هذه المقدمة الأولى و الأهم.

ثانيا: مع تسليم وجود مثل هذا الإطلاق في موضوع الربا فإنه بمعناه اللغوي يشمل كافة موارد الزيادة، و هذا غير ممكن قطعا؛ إذ من موارد الزيادة ما يكون في المعاوضة الرابحة في غير المتجانسين أيضا، و غير معقول- كما عرفت- أن يذهب أحد إلى تحريم مثل هذه الزيادة في أحد العوضين ما لم تتوفر فيها الشرائط المذكورة في النصوص.

إذن فالأمر هنا يستوجب الرجوع إلى أدلة التحديد الأخرى لمفهوم الممنوع من هذه الزيادة، و من دونها يصبح الأمر مجملا و ليس مطلقا كما يتصور المستدل، و سيأتي إن شاء اللّه أن الأدلة حددت منع الزيادة في خصوص معاوضة البيع و في المكيل و الموزون فقط من الأعيان، لا كل المعاوضات و لا كل الأعيان.

و بمثل هذه الملاحظة تماما يمكن القول في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً (2)؛ إذ البيان أيضا منصب على أصل تشريع الحرمة، فلا إطلاق فيها ليدّعى شمولها لكافة المعاوضات، و تسليم الإطلاق‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2) آل عمران: 130.

36

فيها ينتهي إلى الإجمال تماما- كما بينا-، فلا بد من أدلة أخرى تعين الزيادة المحرمة.

أما قوله تعالى: يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ (1) فالإنصاف أن في الاستدلال به على الشمول من الوهن ما هو أكثر؛ فكل ما في الأمر أن الآية بصدد عرض الأثر الوضعي للربا المحرم، فلا إطلاق يتصور فيها للموضوع، بل لو لا العلم القطعي بحرمة الربا من أدلته الأخرى لأشكل القول بدلالتها على حرمة الربا، لأن الأثر الوضعي السيئ لشي‌ء لا يلازم تحريمه دائما، كما أن الأثر الوضعي الحسن لا يلازم الوجوب دائما؛ و لهذا فإننا نرى في الكثير من النصوص آثارا سيئة لبعض المكروهات ما يفوق ما ذكر لبعض المحرمات، كما ذكر لبعض المندوبات آثار فاقت في حسنها ما ذكر لبعض الواجبات، و هذا واضح لمن يتعامل مع النصوص، إذن فلا إطلاق في الاستعمال هنا.

و مع التنزل و اعتبار أن محق الربا يعني محوه الشرعي، و عدم ترتيب الأثر على المعاوضة الربوية و هذا يعني الحرمة أو يلازمها، إلا أن هذا لا يستوجب القول بتحريم كل زيادة و إن لم تكن في البيع من المعاوضات أو في غير المتجانسين من العوضين من المكيل و الموزون؛ إذ النصوص الأخرى لا بد من ملاحظتها لاستكمال الصورة، و هذا يعني افتقار الآية إلى غيرها من الأدلة الموضحة لما فيها من إجمال.

و الكلام نفسه جار في الاستدلال بقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا (2)، فأقصى ما تدل عليه الكلمة هنا لزوم ترك ما يبقى لدى الإنسان من الربا المحرم و لكن أي زيادة هذه؟

واضح أن الآية لم تتعرض لبيان هذه الزيادة، بل لا نظر في الآية إلى ما يأكله‌

____________

(1) البقرة: 276.

(2) البقرة: 278.

37

المرابي قبل توبته من الربا فكيف يتصور فيها الإطلاق المقصود؟!

إذن فلم يتم الاستدلال بواحدة من الآيات على شمول الحرمة لكل زيادة في أي معاوضة.

و الاستدلال بالروايات المتقدمة أيضا لا يعدو الاستدلال بالآيات، فهي في جميعها لا تعدو مصبا واحدا هو تحريم الربا و تشديد النكير عليه و الآثار الوضعية لتناول شي‌ء منه، و هذه النواحي لا علاقة لها ببيان ذات الربا بالإطلاق فيه مع انتفاء التقييد، فالروايات كالآيات مفتقرة في هذه الناحية إلى ما يحدد الموضوع فيها.

و هذه الناحية من هذه الروايات تشبه ما ورد في رواية علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة.

فإن هذا المنطوق الذي يشدد على النظرة المحرمة لا بد له من دليل آخر يبين ماهية هذه النظرة التي لها مثل هذه الأثر السيئ، و إلا فليس كل نظرة سهما من سهام الشيطان.

إذن فهذه الطائفة من الآيات و الروايات كافة لا دلالة فيها على شمول الربا المحرم لكل معاوضة؛ إذ لم يتم فيها الركن الأول للإطلاق.

2- و مما يستدل به على شمول الربا لكافة المعاوضات ما دل على حكمة التحريم من أدلة؛ فإن عموم الحكمة يدل على عموم التحريم، و هذه الطائفة كثيرة جدا و لئن كان بعضها غير معتبر سندا إلا أن منها ما هو صحيح كذلك، و يكفينا هنا منها ما رواه:

1- هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنما حرم اللّه عز و جل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 118 ب (1) من أبواب الربا ح 4.

38

2- هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن علة تحريم الربا فقال: إنه لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات و ما يحتاجون إليه، فحرم اللّه الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال و إلى التجارات من البيع و الشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض (1).

3- زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما حرم اللّه (عز و جل) الربا لئلا يذهب المعروف (2).

و هكذا غيرها من الروايات التي تؤكد مثل هذه الحكم لتحريم الربا فلا تختص الحكم بالبيع فقط بل تشمل المعاوضات كافة، فالتحريم حينئذ يجري فيها كذلك.

و الإنصاف أن هذه الطائفة من الروايات أضعف من سابقتها في الدلالة على المقصود فهي مع أنها- كما يقول المستدل نفسه- تدل على بيان الحكمة، و الحكمة لا تبلغ مبلغ العلة التامة التي يدور الحكم مدارها وجودا و عدما ليقال بشمول الحرمة في كل مورد تتواجد فيه.

و مع فرض كونها علة لا يسع الالتزام بمغزاها؛ إذ إن كثيرا من موارد الزيادة مجرى للمعاوضات المباحة كالبيع، مع تأتي جريان تلك العلة أو الحكمة كقوله:

«لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف»؛ إذ لا مانع من كون البيع عملا معروفا مع أخذ الزيادة؛ لأن الموضوع يختلف حسنا و قبحا باختلاف الجهة، و عليه كيف يتصور شمول الحرمة في هذه الروايات لجميع المعاوضات الجارية في الأعيان؟!.

3- مما استدل به على الشمول كذلك: ما دل على حرمة المعاوضة بين المتجانسين مع زيادة أحد العوضين، دون تعيين هذه المعاوضة في خصوص‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 8.

(2) وسائل الشيعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 10.

39

البيع، و هذه الطائفة كثيرة فمنها ما رواه:

1- أبو بصير و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الحنطة و الشعير رأسا برأس لا يزاد واحد منهما على الآخر (1).

2- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و لا يصلح الشعير بالحنطة إلا واحدا بواحد (2).

3- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في البر بالسويق؟

فقال: مثلا بمثل لا بأس، قلت: إنه يكون له ريع (3) أنه يكون له فضل؟ فقال:

أ ليس له مؤنة؟ فقلت بلى قال: هذا بهذا، و قال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يدا بيد (4).

و مع أن هذه الطائفة من الروايات هي الأهم في الاستدلال إلا أنها كذلك غير ناهضة بالدلالة على المقصود لأمرين:

أولا: لأن مصب البيان فيها إما اعتبار أصل المجانسة مع التفاضل في العوضين لتحقق الربا المحرم، أو أن التساوي لا بد منه في تجانس العوضين لتصحيح عملية المعاوضة، أو اعتبار أن الحنطة و الشعير كليهما جنس واحد، و ليس لواحدة من هذه النواحي أدنى قرب من نوع المعاوضة التي وقعت بها المعاملة الربوية ليقال: إن في الاستعمال إطلاقا، و ما لم يكن الكلام في مقام البيان لا تتم فيه أولى مقدمات الحكمة و هي الأساس للقول بالإطلاق مع انتفاء القيد.

و ثانيا: لأن الملاحظ في روايات هذه الطائفة جميعها التصريح بباء البدلية في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 3.

(2) وسائل الشيعة 18: 139 ب (8) من أبواب الربا ح 5.

(3) في نسخة زيادة: أو، و في أخرى: أي. (هامش المخطوط).

(4) وسائل الشيعة 18: 140 ب (9) من أبواب الربا ح 1.

40

العوضين (رأسا برأس، الحنطة بالشعير، البر بالسويق)، و هذا يعني ورودها في المعاملات التي تتقوم بمفهوم المعاوضة في الأعيان لا المعاملات التي يكون التعاوض فيها شرطا أو لا حقا للعقد.

و الذي ينظر في المعاملات الجارية في العروض لا يرى غير البيع و ما يلحق به من الفسخ و الإقالة تعتبر فيه المعاوضة مقومة لذات المعاملة و أما الصلح و الهبة المعوضة فلم تؤخذ فيهما المعاوضة ركنا مقوما لذات المعاملة.

فمعنى المعاوضة- كما أشار إليه العلامة (قدّس سرّه) في بعض كتبه و الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه و اخترناه في بابه- أن إنشاء كل من الإيجاب و القبول يقتضي حلول كل من العوضين محل الآخر في الملكية، و هذا يعني أن البائع حين ينشئ البيع في قوله (بعت) ينشئ في الحقيقة تمليكه المبيع للمشتري في الوقت الذي ينشئ فيه تملكه للثمن، و هكذا الأمر بالنسبة للمشتري فإنه بإنشائه القبول ينشئ الملكيتين، و ليس كما قاله البعض من أن إنشاء البائع يعني تمليكه المبيع للمشتري بينما يعني قبول المشتري تمليكه الثمن للبائع بل كل منهما يقصد الملكيتين معا، و لهذا فمع اختلال شرائط عوضي المعاملة أو بعضها تبطل المعاملة من أساسها لأنهما ركنان فيها.

و مثل هذا الارتباط لا يقال في الصلح أو الهبة المعوضة؛ إذ إن حقيقة الصلح تتقوم برفع المنازعة إما فعلا أو حيث يحتمل وقوعها، و كون هذا الرفع يقتضي بذل كل من طرفي المعاملة أو غيرهما ما يتحاشى به الوقوع في النزاع إلا أن هذا البذل و المعاوضة فيه لم يقصدا أساسا فيها، و لهذا قلنا في مباحث الصلح: إنه لا دليل على نفوذ الصلح ابتداء حيث لا تقع منازعة أو ما يكون منشأ لها، فحين يمر شخص على بائع توفرت في بضاعته شرائط البيع و يملك هو من المال ما تتوفر فيه شرائط الثمن و كانا معا ممن توفرت فيهما شرائط المتعاقدين المتبايعين إلا أنهما يعزبان عن البيع إلى الصلح في المعاملة دون سبب، فلا دليل على صحة هذه العاملة كصلح.

41

و كذلك الهبة المعوضة فإن العوض إنما يؤخذ في عقدها كشرط و ليس ركنا، فالموجب يقول: و هبتك هذا القلم بشرط أن تهبني ذلك الكتاب، و لهذا فإن ملكية الموهوب له تتحقق بمجرد قوله بالهبة و استلامه للموهوب، أما ملكية الواهب للعوض المشروط فلا تتحقق إلا بعد أن يهبه إياه الموهوب له المشروط عليه، بخلاف البيع فإن الملكيتين معا تتحققان في العوضين في الوقت نفسه الذي تتم فيه أركان العقد- كما بينا-.

و فرق آخر يتضح معه عدم اعتبار الهبة المعوضة معاوضة هو: أنه مع إطلاق الشرط يصح للموجب له أن يهب الواهب الأول نفس ما وهبه إياه، فالواهب الأول يقول و هبتك هذا القلم على أن تهب لي أنت قلما أيضا، فإن القابل يمكنه أن يهب ذات القلم لمن كان الشرط له و لا يكون الأمر من باب اتحاد العوض و المعوض الممنوع في البيع.

إذن فكل من الهبة و الصلح لا يتحقق فيهما مفهوم المعاوضة كمقوم لذات المعاملة، و أما الفسخ و الإقالة فهما يلحقان بالبيع فيجري فيهما جل شرائطه و أحكامه و منها الربا.

إذن فالطائفة الثالثة كسابقتيها لا تصلح دليلا على شمول المعاوضات في حرمة الربا، فالصحيح اختصاص الحرمة بالبيع فقط حيث به وحده تتم شروط ربا المعاوضة مع اتحاد الجنس و التفاضل بين العوضين.

42

شرائط الربا في البيع

لتحقيق الربا المحرم في البيع شرطان مشهوران ذكرتهما كتب الفقه و أدلته و هما:

1- وحدة الجنس في العوضين، فلا ربا في مختلفي الجنسين.

2- كونهما من المكيل و الموزون، فلا ربا في المعدود و الجزاف، و لا بد من الوقوف عند كل من الشرطين لملاحظة أبعادهما و بعض ملابساتها.

الشرط الأول: وحدة الجنس في العوضين.

سبق أن وضح هذا الشرط في ثنايا الحديث المتقدم و ضمن ما ذكر في الروايات السابقة و لا سيما من مفهوم روايات الطائفة الثالثة من أدلة شمول الربا للمعاوضات، و يضاف إلى ذلك ما رواه:

1- عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) يكره أن يستبدل وسقا من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة؛ لأن تمر خبير أجودها (1).

و بنفس المنطوق تقريبا وردت روايات عديدة ذكرها صاحب الوسائل في بابها (2).

2- سماعة قال: سألته عن الطعام و التمر و الزبيب فقال: لا يصلح شي‌ء منه اثنان بواحد، إلا أن يصرفه نوعا إلى نوع آخر فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد (3).

و أما مع اختلاف الجنس فلا مانع من التفاضل كما هو صريح هذه الرواية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 151 ب (15) من أبواب الربا ح 2.

(2) وسائل الشيعة 18: 151 ب (15) من أبواب الربا ح 1، ح 2، ح 3، ح 4.

(3) وسائل الشيعة 18: 146 ب (13) من أبواب الربا ح 5.

43

و غيرها، و منها ما سنذكره من رواية زرارة و الحلبي إن شاء اللّه، و بعد فإن هذا الشرط في الجملة مما لا يشك فيه أحد.

أما وحدة الجنس فلم يرد في الروايات تعيين معنى شرعي خاص لها سوى ما ورد في وحدة الحنطة و الشعير، و وحدة أصناف التمر، ففي الحنطة و الشعير- مضافا لما مر- ما رواه:

1- عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: إن الشعير من الحنطة (1).

2- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و سئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها إلا شعيرا أ يصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد، و كان علي (عليه السلام) يعد الشعير بالحنطة (2).

و في التمر رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة، و مثلها أخبار مذكورة في بابها.

فحيث إن الروايات ذكرت وحدة الصنف في هذين البابين لا بد أن نقول به و نلتزمه على الرغم من التفاوت بين الحنطة و الشعير عرفا و ما بين أصناف التمر من الاختلاف الكبير جودة و رداءة، أما في غير هما من الأصناف كافة فيرجع فيها إلى العرف فهو المحكم فيها فحيث يحكم العرف بوحدة الجنس منع من التفاضل فيه إن كان مكيلا أو موزونا و إلا لم يحكم بالمنع.

و أما في حالة الشك- حيث لا تكون للعرف كلمة فاصلة في التعريف-، فليست هنا قاعدة عامة يرجع إليها في كافة الموارد كأصل عملي يعين الوظيفة الشرعية سوى العمومات- إن أمكن تطبيقها- كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)، أو‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 2.

(2) وسائل الشيعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 4.

(3) المائدة: 1.

44

وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)، و هذه تقتضي صحة المعاملة حيث لا يعلم صدق هذه الوحدة؛ لأنها شرط وجودي للحرمة و البطلان في البيع الربوي فحيث لم يحرز تحققه لا يمكن الحكم بالبطلان و الربوية.

و يؤيد الحكم بالصحة، ما عهد في السيرة العملية منذ عهد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حتى الآن من عدم التوقف عن البيع و الشراء في مثل هذه الموارد المشكوكة، إذن فلا بد من الجزم بوحدة الجنس للحكم بالمعاملة الربوية.

أما موارد الشك التي كانت مجال أخذ ورد فالمعروف منها ثلاثة:

المورد الأول: أصناف اللحوم، فهل أن اللحم جنس واحد يشمل كافة أصنافه أو هو يختلف باختلاف الحيوان؟ قال بعض الفقهاء باختلاف جنس اللحم كل نوع بحسب الحيوان الذي يؤخذ منه، و لكن من الممكن أيضا تصنيف الجنس بحسب الفروق السعرية و الرغبة بين الأجناس، و يتوحد على هذا الأساس لحم الضأن و المعز ذكورا و إناثا في جنس واحد، بينما يصنف لحم البقر و الجمال كذلك في جنس آخر، و هكذا.

المورد الثاني: الأصول و الفروع، و قد ذكر سيدنا الأستاذ دام ظله أن القاعدة تقتضي وحدة الفرع مع أصله في الجنس، و لكننا لم نتعقل منشأ شرعيا لهذه القاعدة، أو عقليا لا نقاش فيه، كما أن العرف الذي أنيطت به التفرقة ما بين الأجناس لا يرى لهذه القاعدة وجودا، فالعرف يرى أن الجبن و الحليب جنسان مختلفان، و الشمع و العسل، و السمك و زيته، كل منها جنس يختلف عن الآخر و إن أخذ بعضها من بعض، إذن فهذه القاعدة التي ذكرها سيدنا الأستاذ دام ظله لم تثبت، و العرف- كما سبق- له كلمة الفصل في المسألة عندهم.

المورد الثالث: ما إذا كان لماهية واحدة فردان أحدهما رطب و الآخر يابس‌

____________

(1) البقرة: 275.

45

كبيع الرطب بالتمر و العنب بالزبيب، و هذه المسألة مورد لأنظار الفقهاء و اختلاف كلماتهم، و سبب الاختلاف هو اختلاف ما ورد في هذا الباب من الروايات، فطائفة من الروايات تجيز مثل هذا البيع، بينما تدل الطائفة الأخرى على المنع، و من هذه الطائفة ما رواه:

1- الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أن التمر يابس و الرطب فإذا يبس نقص (1).

2- محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى أجل، من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله (2).

3- داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب، إن الرطب رطب و التمر يابس فإذا يبس الرطب نقص (3).

4- داود الأبزاري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب، إن التمر يابس و الرطب رطب (4).

و من الطائفة الأخرى التي تجيز البيع ما رواه:

1- سماعة في الموثق قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن العنب بالزبيب قال لا يصلح إلا مثلا بمثل قال و التمر بالرطب مثلا بمثل (5).

2- أبو الربيع قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما ترى في التمر و البسر الأحمر‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 148 ب (14) من أبواب الربا ح 1.

(2) وسائل الشيعة 18: 149 ب (14) من أبواب الربا ح 2.

(3) وسائل الشيعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 6.

(4) وسائل الشيعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 7.

(5) وسائل الشيعة 18: 149 ب (14) من أبواب الربا ح 3.

46

مثلا بمثل قال: لا بأس قلت فالبختج و العنب مثلا بمثل قال: لا بأس (1).

و الرواية محل خدشة لاشتراك أبي الربيع بين الثقة و المجهول إلا أن الرواية الأولى معتبرة بناء على عدم اشتراط عدالة الراوي.

إذن فالتعارض واضح، و قد حاول البعض علاج هذا التعارض بالحكم بالجواز مع الكراهة حملا منه للنهي الوارد في الطائفة الأولى على الكراهة التكليفية التعبدية، و لكن لا شاهد لهذا الحمل سوى تصريح الرواية الثانية بكراهة علي (عليه السلام) لمثل هذه المعاملة، إلا أن الكراهة في مثل هذه الموارد إنما هي الكراهة النفسية التي تساوق الحرمة و البطلان، لصريح بعض الروايات بأن عليا لم يكن يكره الحلال، إذن فهو جمع تبرعي لا سند له، فالتعارض باق و لا بد من القول بتساقط الدلالتين و الرجوع إلى عمومات الوفاء بالعقد، و الحكم بمقتضاها الذي يعني الحلية و جواز البيع مع عدم التفاضل لوحدة الجنس كما رآه سيدنا الأستاذ دام ظله و جماعة من أجلة الفقهاء.

و لا يعزب عن البال هنا أن نتنبه إلى أن الرطب و التمر و الزبيب و العنب إنما أخذت في الروايات كأمثلة لموضوع البيان في الروايات إذ إن الحكم لا يختص بها فهو شامل لكل ما له فردان: أحدهما رطب و الآخر يابس، و هذا الشمول واضح في عموم التعليل المذكور في الطائفة الأولى كقوله (عليه السلام) في رواية داود بن سرحان: «إن الرطب رطب و التمر يابس فإذا يبس الرطب نقص».

و لهذا فالحكم يشمل كافة الفواكه و الأخشاب إذا بيعت بالوزن أو الكيل و لها فردان رطب و يابس و حيث انتهينا إلى الرجوع إلى العمومات المجيزة للبيع في مثل هذه الحالة يشمل الحكم كذلك كافة ما يتصور للمسألة من أفراد و إن نقصت بعد اليبس.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 5.

47

و ما يمكن أن يعقب به على هذا الشرط من شرطي الربا الوقوف عند رواية يمكن القول بمعارضتها لأدلة المنع في الجنس الواحد مع التفاضل فكانت موردا للأخذ و الرد بين الفقهاء، و هي:

ما رواه الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم و أبدل لك درهما طازجا بدرهم غلة قال: لا بأس (1).

و رواها الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن الفضيل (2).

و الإشكال فيها من جهة استبدال درهم الغلة و هو من أرادإ أنواع الفضة بدرهم طازج و هو من أحسن أنواعها بإضافة عمل الصياغة من درهم الغلة، فالمبادلة وقعت على متحدي الجنس مع فضل العمل.

و قد أفتى جماعة بمضمونها في موردها خاصة إذ أجازوا مثل هذا الاستبدال في صياغة الخاتم فقط دون غيره من الأعمال و المعاملات الأخرى و إن كان صياغة لغير الخاتم كالسوار و القلادة و شبههما، و يمكن الالتزام بهذا الحكم مع تمام سند الرواية، و ليس في رجالها من يناقش فيه سوى محمد بن الفضيل، فإنه مشترك بين شخصين أحدهما- كما قيل- محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة- و النسبة إلى الجد ليست بعزيزة-، و الآخر هو محمد بن الفضيل و قد ذكره الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) تارة بلقب الأزدي و أخرى بلقب الأرزق و ثالثة بلقب الكوفي و رابعة بأنه ابن كثير، إلا أن ما يكتنف المورد من القرائن يدل على أن الجميع واحد، و وصفه الشيخ بالغلو تارة، و ضعفه في مورد آخر.

____________

(1) الكافي 5: 250 ب (115) في الصروف ح 20.

(2) تهذيب الأحكام 7: 100 ب (8) بيع الواحد بالاثنين و أكثر من ذلك و ما يجوز منه و ما لا يجوز ح 77.

48

و كذلك ذكره الشيخ النجاشي (قدّس سرّه) من دون تعقيب له من توثيق أو توهين.

إلا أن المحكي عن الشيخ المفيد توثيقه و تعظيمه وعده في رسالته العددية محمد بن الفضيل من الفقهاء و الرؤساء الأعلام الذين يؤخذ منهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام و لا يطعن عليهم بشي‌ء و لا طريق لذم واحد منهم.

و مع أن سيدنا الأستاذ دام ظله يرى توثيق من ورد اسمه في كتاب كامل الزيارات، و محمد بن الفضيل ممن ورد اسمه فيه إلا أنه انتهى إلى تضعيف الرجل لتعارض الجرح و التعديل فيه، إذ إن مقتضى القاعدة تقديم الجرح حكما، قال في المعجم بعد نقل كلام الشيخ المفيد: إلا أن ذلك معارض بما عرفت من تضعيف الشيخ إياه، إذا لم تثبت وثاقة الرجل فلا يعتمد على روايته (1).

و لكن يبدو أن سبب تضعيف الشيخ له هو ما رمي به من الغلو، و حيث لم يعرف منشأ لهذا الاتهام مع ما يشاهد من اللهجة المعظمة له من الشيخ المفيد (قدّس سرّه) فيرجح لدى النفس اعتقاد وثاقة الرجل و عظمته و جلالته، فلا يبقى احتمال تردده بين الثقة و غيره كما في لسان بعضهم.

و بناء على تمامية السند لا مانع من العمل بالرواية، و لكن لمعارضتها للروايات الصحيحة المتكاثرة المانعة من التفاضل بين فردي الجنس الواحد لا بد من الاقتصار على موردها خاصة، فيحكم بالجواز فيه، و لا شك أن الاحتياط يقتضي ترك هذه المعاملة أيضا للعمومات.

الشرط الثاني: اعتبار الكيل و الوزن في العوضين

و هذا الشرط أيضا مما لا إشكال فيه، و هو مضمون كثير من روايات المسألة، فمنها ما رواه:

____________

(1) معجم رجال الحديث 18: 151 رقم (11591).

49

1- زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن (1).

2- منصور قال: سألته عن الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا (2).

3- منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن البيضة بالبيضتين قال: لا بأس به، و الثوب بالثوبين قال: لا بأس به، و الفرس بالفرسين فقال: لا بأس به، ثم قال: كل شي‌ء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كانا من جنس واحد، فإذا كان لا يكال و لا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد (3).

و حينئذ فحيث لا يكون العوضان من المكيل أو الموزون لا يجري فيهما حكم الربا لو تفاضلا في البيع و إن كانا من جنس واحد كما هو صريح الرواية الثالثة و غيرها.

و كما يرجع في تعيين وحدة الجنس إلى العرف- عندهم- حيث لا نص، كذلك الأمر في اعتبار كون الجنس مكيلا أو موزونا أو غيرهما، فحيث أناط الشرع الحرمة بالكيل و الوزن دون أن يعين ما يكال أو يوزن لا بد من الرجوع حينئذ فيهما إلى صدقهما زمانا و مكانا؛ و لهذا كان لا بد من اختلاف الحكم حيث يختلفان، فالبرتقال الذي كان يباع عدّا في وقت لا يعتبر التفاضل فيه ربا بخلافه الآن حيث يباع بالوزن، و هكذا في الخس الذي يباع الآن في النجف وزنا بينما قد يباع في غيرها عدا، فبيعه في النجف مع التفاضل ربا دونه في البلد الذي يباع فيه عدا، و هكذا، إذن فالرجوع فيه إلى العرف السائد في بلد البيع و زمانه، و ليس المناط هو المعاملة الشخصية إذا أوقعت مخالفة لمتداول البلد أو الزمان.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 132 ب (6) من أبواب الربا ح 1.

(2) وسائل الشيعة 18: 134 ب (6) من أبواب الربا ح 5.

(3) وسائل الشيعة 18: 153 ب (16) من أبواب الربا ح 3.

50

و لهذا فما نسب إلى العلامة (قدّس سرّه) في تعيين بعض الأصناف من المكيل و الموزون دون أصناف أخرى حيث اعتبرها من المعدود غير قائم على قاعدة كلية ثابتة، فلا يتم بقول مطلق، و لعله نظر إلى خصوص ما يجري في بلده و زمانه إذ لا نص شرعيا عليه.

و هنا تساؤل لعله يرد في صورة الشك في التفاضل و التساوي في العوضين؛ حيث اشترطنا التساوي في صحة بيع متحدي الجنس حيث يباع مقدار من الحنطة بمقدار منها و يجهل تساويهما أو تفاضلهما وزنا أو كيلا.

و جماعة كثيرة من الفقهاء و منهم سيدنا الأستاذ دام ظله لم يتعرضوا لهذه المسألة بينما ذكرها آخرون و منهم السيد اليزدي (قدّس سرّه) في ملحق العروة الوثقى، و قد يقال فيها بالصحة اعتمادا على أن الشبهة موضوعية.

و لكن سبق منا أن قلنا باختصاص الربا العوضي بالبيع، كما قلنا: إن من شرائط البيع في المتماثلين جنسا تساويهما مقدارا بنحو يرى العرف ارتفاع الغرر الممنوع في كل معاملة، و ننيط ارتفاع الغرر بالنظرة العرفية؛ لأن الالتزام بالارتفاع الواقعي للغرر يقتضي بطلان معظم المعاملات إن لم نقل الكل، إذ الدقة الواقعية في الأوزان و المكاييل و غيرها من المستحيلات العادية، إذ إن الحكم بالبطلان لا يختص بعصر خاص أو بلد خاص، بل هو شامل لكافة الأزمان و البلدان حتى ما كان في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو ما لا يمكن تصوره من أحد.

إذن فعلى ما اخترناه لا يبقى موضوع لهذا الفرع أصلا، و لا سيما مع ما سيأتي من منع بيع المتجانسين نسيئة حتى مع التساوي؛ إذ التماثل المشروط في متحدي الجنس يعني بطلان البيع ما لم تعلم المماثلة، و من دون هذا العلم يحكم بالبطلان؛ إذ المشروط عدم عند انعدام شرطه فلا مورد للشك بل الشك يساوق العدم.

و أما في المعاوضات غير البيع كأن تكون بنحو الصلح أو الهبة المعوضة فقد قلنا:

51

إنها غير مشمولة لأدلة الربا، و حينئذ فلا مانع فيها من التفاضل بين متحدي الجنس فضلا عما إذا شك في التفاضل و التساوي.

نعم، على مبنى صاحب العروة (قدّس سرّه) من شمول أدلة الربا لكافة المعاوضات مع البيع أمكن تعقل الشك فيجري فيه ما ذكروه على مبناهم من احتمال إجراء حكم الشبهة الموضوعية فيه.

و كما عقبنا الحديث في الشرط الأول بالوقوف عند رواية قد يظهر منها معارضتها لأدلة ذلك الشرط نقف هنا كذلك عند رواية يمكن أن تستشف منها هذه المعارضة، إذ كما عرفنا أن مفاد أدلة الشرط الثاني اعتبار الكيل و الوزن في تحقق الربا، فما لم يكن الجنس مكيلا أو موزونا كأن يكون معدودا أو جزافا لا مانع من التفاضل فيه إذا جعل عوضين في معاملة بيع، و قلنا: إن هذا مما لا إشكال فيه، إلا أن هنا رواية يرويها محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع، و البعير بالبعيرين، و الدابة بالدابتين، فقال: كره ذلك علي (عليه السلام) فنحن نكره إلا أن يختلف الصنفان، قال و سألته عن الإبل و البقر و الغنم أو أحدهن في هذا الباب قال: نعم، نكرهه (1).

و معنى الكراهة المبغوضية المساوقة للحرمة، فتكون هذه الرواية واضحة المعارضة لما سبق من روايات جوزت التفاضل في غير المكيل و الموزون كما هو صريح روايتي منصور المضمرة و الثانية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و مضمون رواية زرارة كذلك.

و لعل التأمل في الرواية يقتضي أن الرواية واردة في مقام التقية؛ لأن منع التفاضل في المعدود مسلك بعض المذاهب الأخرى، و هذا ما يفسر عدول الإمام (عليه السلام) عن بيان الحكم الواقعي بأن نسب الكراهة إلى الإمام علي (عليه السلام)،

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 154 ب (16) من أبواب الربا ح 7.

52

فلا يمكن العمل بمضمونها.

و الظاهر أن هذا هو الوجه في الانصراف عن الرواية لا ما قيل من معارضتها لرواية سلمة عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي (عليه السلام): أنه كسا الناس بالعراق و كان بالكسوة حلة جيدة، قال فسألها إياه الحسين (عليه السلام) فأبى، فقال الحسين: أنا أعطيك مكانها حلتين فأبى، فلم يزل يعطيه حتى بلغ خمسا، فأخذها منه ثم أعطاه الحلة، و جعل الحلل في حجره، و قال لآخذن خمسة بواحدة (1).

إذ ليس في الرواية دلالة على أن ما فعله (عليه السلام) كان بيعا فالإمام (عليه السلام) كان يكسو الناس مجانا، و حباء، و لما عرف عنه من عدم التفرقة بين الناس لم يرد أن يميز ولده على الآخرين بشي‌ء إلا أن إصرار ولده و إبداله الحلة بخمس رفع العائق الذي أوقفه عن إعطائه لولده فأعطاها إياها.

و مع التنزل و تسليم أن ما جرى بينهما (عليه السلام) كان بيعا إلا أن المعاملة جرت بين الوالد و ولده، و سيأتي في العديد من الروايات- إن شاء اللّه- ما يدل على انتفاء الربا بين الوالد و ولده، كما في رواية:

عمرو بن جميع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس بين الرجل و ولده و ليس بين السيد و عبده ربا (2).

و حينئذ فيمكن أن تكون الرواية التي تحكي فعل علي (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام) من أدلة تلك المسألة.

و عليه يكون المخلص من رواية محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة للكراهة ما ذكرناه من احتمال التقية، و هو كاف في رفع اليد عنها، و تبقى أدلة جواز التفاضل في غير المكيل و الموزون من دون أدنى إشكال.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 154 ب (16) من أبواب الربا ح 6.

(2) وسائل الشيعة 18: 135 ب (7) من أبواب الربا ح 1.

53

الفصل الثاني ربا القرض

مما لا إشكال فيه و لا ريب تحقق الربا في القرض، و هو أن يشترط المقرض على المقترض زيادة على المبلغ الذي أقرضه إياه سواء أ كانت الزيادة عينية- كأن يدفع إليه مبلغا إضافيا أو عينا أخرى- أم حكميا- كأن يشترط دفع صنف أجود مما أقرضه إياه-، و قد سبق العديد من أدلة التحريم في المقدمة و يزاد هنا ما رواه:

1- علي بن جعفر في (كتابه) عن أخيه (عليه السلام) قال: و سألته عن رجل أعطى رجلا مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر هل يحل ذلك؟ قال: لا، هذا الربا محضا (1).

2- داود الأبزاري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا يصلح أن تقرض ثمرة و تأخذ أجود منها بأرض أخرى غير التي أقرضت منها (2).

و واضح أن الرواية الأولى ذكرت الزيادة العينية بينما ذكرت الثانية الزيادة الحكمية و هي الجودة، كما أنهما شملتا ما يمكن أن تلحظ فيه الزيادة فهي قد تشترط بملاحظة المال المقرض فقط دون ملاحظة الزمن أيضا، كما يمكن أن تشترط بملاحظة الزمن مع المال، فكلما تأخر المال فترة جعلت زيادة إضافية على المبلغ.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 137 ب (7) من أبواب الربا ح 7.

(2) وسائل الشيعة 18: 144 ب (12) من أبواب القرض ح 1.

54

فزيد قد يقرض عمرا مائة دينار على أن يردها إليه مائة و خمسين، و قد يقرضها إياه على أن يعطيه في كل شهر عشرة دنانير و هكذا، فالمائة في كلتا الحالين تعتبر رأس المال الذي يستحقه المقرض في ذمة المقترض و الزيادة هي الربا، سواء عينت على مقدار المال فقط أو عليه و على المدة التي يمكث المال لديه فيها.

و ربا القرض إنما يحرم مع اشتراط هذه الزيادة حين الإقراض كما صرحت به روايات الباب، و منها الروايتان السابقتان، أما ما يدفعه المقترض إلى المقرض دون شرط فلا مانع من استلامه و قد ورد العديد من الروايات في هذا الشرط منها ما رواه:

1- حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الربا رباءان: أحدهما ربا حلال و الآخر حرام، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضا طمعا أن يزيده و يعوضه بأكثر مما أخذه بلا شرط بينهما، فهو مباح له و ليس له عند اللّه ثواب فيما أقرضه، و هو قوله عز و جل فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ (1)، و أما الربا الحرام فهو:

الرجل يقرض قرضا و يشترط أن يرد أكثر مما أخذه فهذا هو الحرام (2).

2- إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه الشي‌ء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه، قال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا (3).

و على هذين الوجهين تحمل الروايات المطلقة التي وردت في الباب مما ظاهرها الجواز أو المنع، فمما دل على المنع:

1- ما روي مرسلا من غير طرقنا عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: كل قرض جر‌

____________

(1) سورة الروم: 39.

(2) وسائل الشيعة 18: 160 ب (18) من أبواب الربا ح 1.

(3) وسائل الشيعة 18: 354 ب (19) من أبواب القرض والدين ح 3.

55

نفعا فهو حرام (ربا) (1).

2- ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا، و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا قال: لا يصلح، إذا كان قرضا يجر شيئا فلا يصلح.

قال و سألته عن رجل يأتي حريفه و خليطه فيستقرض منه الدنانير فيقرضه، و لو لا أن يخالطه و يحارفه و يصيب عليه لم يقرضه، فقال: إن كان معروفا ما بينهما فلا بأس، و إن كان إنما يقرضه من أجل أنه يصيب عليه فلا يصلح (2).

و أما ما ورد في جواز الانتفاع بالقرض فمنه ما رواه:

1- محمد بن عبدة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القرض يجر المنفعة، فقال:

خير القرض الذي يجر المنفعة (3).

2- محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا و يعطيه الرهن إما خادما و إما آنية و إمّا ثيابا فيحتاج إلى شي‌ء من منفعته (4) فيستأذن فيه فيأذن له، قال إذا طابت نفسه فلا بأس. قلت: إن من عندنا يروون أن كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، فقال: أو ليس خير القرض ما جرّ منفعة؟ (5).

و واضح أن الروايتين المفصلتين مبينتان لما في هاتين الطائفتين من إجمال؛ فالطائفة الأولى واردة حيث تشترط الزيادة حين القرض، بينما تعني الطائفة المجوزة موارد عدم الشرط، ففي رواية يعقوب بن شعيب دلالة واضحة على‌

____________

(1) ينظر: كشف الخفاء و مزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني: 2/ 125.

(2) وسائل الشيعة 18: 356 ب (19) من أبواب القرض و الدين ح 9.

(3) الكافي 5: 256 ب (119) القرض يجر المنفعة ح 2، و وسائل الشيعة 18: 355 ب (19) جواز قبول الهدية و الصلة ممن عليه الدين ح 5.

(4) في نسخة: أمتعته.

(5) وسائل الشيعة 18: 354 ب (19) من أبواب القرض و الدين ح 4.

56

الشرط، و في رواية محمد بن مسلم دلالة على عدم الشرط واضحة بأدنى تأمل.

إذن فلا بد لحرمة الزيادة التي تؤخذ على القرض من اشتراطها حين القعد سواء أ كان الشرط صريحا أم ضمنيا.

حكم ما يؤخذ ربا من الأموال

لا شك في أن مرتكب الربا عن علم بالحكم و الموضوع مأثوم؛ إذ أدلة التحريم واضحة الدلالة على الحرمة التكليفية، و ربما يمكن عدها من أكبر الكبائر، و لا مجال للشك في هذا بعد ما ذكرناه من النصوص في المقدمة التي تشدد النكير على هذا العمل، إلا أن من شرائط المؤاخذة على الحرمة التكليفية العلم بالحكم و الموضوع فحيث لا يتحقق العلم و لا سيما حين يكون عن قصور من المكلف فإن المؤاخذة ترتفع و لا شك لأدلة البراءة المعروفة، و تحقيقه موكول إلى محله.

و إنما الكلام في الأثر الوضعي للمعاملة الربوية حين تقع عن جهل أو حين يريد المكلف التوبة عما عمله حين طيشه و عناده و هو يريد التخلص من آثار تلك المعاملات.

و قد اختلف العلماء في هذه الناحية، و لفهم المسألة بصورة أوضح ينبغي التفرقة بين ربا القرض و ربا المعاوضة أو البيع- على المختار-، فأما ربا القرض فقد وردت النصوص في صحة القرض و إمكان تناول ما أخذ ربا حين الجهالة أو بعد التوبة حيث لا يتميز عن سواه أو يعرف صاحبه الذي أخذه منه، فمن الآيات: