تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
4

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه الذي أنزل القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان و هدانا إلى التفقه في أحكام الدين و صلى اللّٰه على خير خلقه و أفضل بريته المبعوث رحمة للعالمين و على آله الطيبين الطاهرين و اللعنة على أعدائهم من الأولين و الآخرين إلى قيام يوم الدين.

و بعد فهذه مجموعة من البحوث الفقهية التي قمت بتدريسها لجمع غفير من أهل العلم و الفضل في مدينة قم المشرّفة عش آل محمد (صلى الله عليه و آله) و محور هذه المباحث كتاب العروة الوثقى للفقيه الكبير و المحقق النبيل سماحة آية اللّٰه العظمى السيد محمد كاظم اليزدي تغمده اللّٰه بغفرانه و أسكنه بحبوحة جنته و قد تعرضت في ضمنها لتنقيح كثير من المباني و النكات الأُصولية و الفقهية و الرجالية، و حيث إن جماعة من أبنائي الفضلاء رغبوا في نشر هذه المباحث من أجل أن ينتفع بها أرباب العلم و التحصيل، فنزلت عند رغبتهم و أجبت مسئولهم سائلًا المولى العلي القدير أن يفيد بها أهل الفضل، و أن يتقبلها بأحسن القبول إنه قريب مجيب و بالإجابة جدير و إياه أستعين فإنه نعم المولى و نعم النصير. و أرجو من اللّٰه العلي العظيم أن يجعله ذخراً ليوم فقري و حاجتي فإنه الغفور الرحيم.

جواد التبريزي‌

29 جمادى الأُولى 1426‌

5

كتاب الطهارة

6

فصل

النجاسات اثنتا عشرة:

[البول و الغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه]

الأول و الثاني: البول و الغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إنساناً أو غيره (1) برياً أو بحرياً صغيراً أو كبيراً بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح.

____________

النجاسات‌

البول و الغائط‌

(1) لا يعرف الخلاف في أن البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه، له نفس سائلة و لم يكن من الطيور من النجاسات، و ادعى عليه في المعتبر و المنتهى (1) إجماع العلماء كافة عدا شذوذ من العامة، بل لا يبعد عدّ نجاسة البول و الغائط من الإنسان و الحيوان كما ذكر من الضروريات في الجملة.

و المراد بذي النفس السائلة اجتماع الدم في عروق الحيوان و خروجه بقوة و دفع إذا قطع شي‌ء منها، و يقابله ما لا دم له أو يخرج دمه بالرشح كالسمك، و من هنا يشكل إدخال حيوان البحر حيث لا يعرف منه ذي النفس السائلة و إن قيل إن التمساح كذلك.

____________

(1) المعتبر 1: 410، و المنتهى 1: 163 و 176.

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

..........

____________

و كيف كان يدل على نجاسة البول و الغائط من الإنسان غير واحد من الروايات:

منها صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسّع اللّٰه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهوراً» (1) فإن الظاهر نجاسة البول، و أن مطهره الماء، نعم لا إطلاق فيها ليحكم بعدم الفرق بين بول الصبي و غيره.

و حسنة الحسين بن أبي العلاء: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟

قال: «صب عليه الماء مرتين» (2) و لو كان الصب لإزالة العين و كونها مانعة عن الصلاة لما احتاج إلى تعدد الصب.

و بهذا يظهر وجه الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول؟ قال: «اغسله في المركن مرتين» (3).

و موثقة أبي بصير عنهم (عليهم السلام): «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلّا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء» (4).

و صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذَكره بحجر و قد عرق ذَكره و فخذاه؟ قال: «يغسل ذَكره‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 350، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: 343، الباب 26، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 3: 397، الباب 2 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة 1: 152، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

9

..........

____________

و فخذيه» (1).

و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: «لا، إلّا أن يكون الماء كثيراً قدر كر من ماء» (2). إلى غير ذلك مما ورد في الاستنجاء و غيره.

و البول الوارد في الروايات المتقدمة و إن كان مطلقاً في كثير منها إلّا أنه يمكن دعوى انصراف بعضها إلى بول الإنسان خاصة من غير فرق بين بول الصبي و غيره، و ما في صحيحة الحلبي سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الصبي؟ قال: «تصبّ عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلًا، و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء» (3) فلا ظهور لها على طهارة بول الرضيع بل مدلولها عدم اعتبار الغسل في تطهيره، بل يكفي فيه صب الماء و إن كان قابلًا للعصر كما لا يخفى.

و أما البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه من الحيوان كما ذكر فيدل عليه مضافاً إلى الإطلاق في بعض الروايات المتقدمة صحيحة عبد اللّه بن سنان قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (4).

و كذلك روايته الأُخرى (5).

و في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إن أصاب الثوب شي‌ء من بول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 350، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 155، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 13.

(3) المصدر السابق 3: 397- 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) المصدر السابق: 405، الباب 8، الحديث 2.

(5) التهذيب 1: 264، الحديث 770.

10

نعم في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة (1)، لكن الأحوط فيها الاجتناب.

____________

السنّور فلا تصح الصلاة فيه حتى يغسله» (1) حيث إن المأنوس في الأذهان أن الأمر بغسل الثوب مما لا يؤكل لحمه نظير الأمر بغسله من بول الإنسان لتطهير الثوب، لا لإزالة العين خاصة بحيث يكون مانعاً عن الصلاة خاصة نظير مانعية عرق الجلال و الجنب من الحرام.

و يدل أيضاً على تنجس أبوال ما لا يؤكل لحمه في الجملة صحيحة زرارة أنه قال:

«لا تغسل ثوبك من بول شي‌ء يؤكل لحمه» (2) فإنه لو كان البول مما لا يؤكل لحمه طاهراً مطلقاً؛ لما كان لتوصيف الشي‌ء بالوصف المزبور وجه فتأمل.

و أما العذرة من غير المأكول لحمه لعدم احتمال الفرق بين بوله و خرئه، مع أنه يستفاد من بعض الروايات نجاسة الغائط غير المأكول لحمه و لو في الجملة كقوله (عليه السلام) في موثقة عمار: «كل ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (3) فتأمل.

(1) كما عن الفقيه حيث قال: «لا بأس بخرء ما طار و بوله» (4) و نقل ذلك عن ابن أبي عقيل و الجعفي (5)، و عن الشيخ في المبسوط استثناء الخشاف (6) و عن المشهور أن رجيع غير المأكول من الطير كغير المأكول من غير الطير نجس، و في البين‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 404، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 407، الباب 9، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 409، الحديث 12.

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 70- 71، باب ما ينجس الثوب و الجسد، ذيل الحديث 164.

(5) نقله في المدارك 2: 259.

(6) المبسوط 1: 39.

11

..........

____________

قول ثالث: و هو طهارة خرئه، و التردد في طهارة بوله، و قد يظهر ذلك من صاحب المدارك (1)، و حكى عن المجلسي (2).

و يستدل على القول بالطهارة بموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كل شي‌ء يطير فلا بأس ببوله و خرئه» (3).

و لكن يقال إن الموثقة معارضة بصحيحة عبد اللّه بن سنان قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (4) فإن النسبة بينها و بين الموثقة عموم من وجه فيفترقان في بول المأكول لحمه من الطير و في بول غير المأكول من غير الطير، و يجتمعان في بول غير المأكول من الطير.

و إن الصحيحة تتقدم على الموثقة؛ لأنها أصحُّ سنداً و توافقها الشهرة.

و أضاف الشيخ الأنصاري (قدس سره) (5) وجهاً آخر لتقديم الصحيحة حيث ذكر ما نقله العلامة في المختلف (6) نقلًا من كتاب عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) قال: «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه، و لكن كره أكله لأنه استجار بك و أوى إلى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره» (7) و قال و لو كان بول الطير و روثه طاهراً و إن لم‌

____________

(1) المدارك 2: 259.

(2) حكاه في جواهر الكلام 5: 281. و في الحدائق الناضرة 5: 7.

(3) وسائل الشيعة 3: 412، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 405، الباب 8، الحديث 2.

(5) كتاب الطهارة 2: 337 (الطبعة الحجرية).

(6) مختلف الشيعة 8: 291.

(7) وسائل الشيعة 3: 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 20.

12

..........

____________

يؤكل لحمه؛ لكان المتعين تعليل طهارة خرئه بكونه طائراً لا بكونه مأكول اللحم.

أقول: رواها الشيخ (قدس سره) (1) بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أسقط لفظ (الخرء) و ظاهرها أن الخطاف طائر و أنه يجوز أكل لحمه غير أنه يكره أكله؛ لأنه طير مستجير، و لو فرض ثبوت لفظ (الخرء) فلم يعلم أن قوله (عليه السلام): «و هو مما يؤكل لحمه» تعليل لطهارة خرئه، بل هو حكم مستقل و بيان أنه من مأكول اللحم.

و أيضاً لم يتم دليل على تقديم الصحيحة على الموثقة، و صفات الراوي مرجحة في باب القضاء لا الإفتاء و كذا الشهرة في الفتوى و الشهرة في الرواية، بحيث يكون المعارض رواية شاذة و تكون تلك من السنة غير محقق في المقام.

بل قد يقال بتعين تقديم الموثقة لوجهين:

الأول: أن المأكول لحمه من الطيور لا يعرف لها بول، بل لها خرء خاص، و لو كان من الطير المأكول لحمه ما له بول فهو أمر نادر، و على ذلك فلو قدمت الصحيحة و حملت الموثقة على الطير المأكول لحمه يكون ذلك مساوقاً لحمل الموثقة على فرد نادر أو معدوم.

و فيه أن ما هو المعلوم عدم خروج بول مأكول اللحم من مخرج آخر، و أما أنه ليس له بول مختلط مع خرئه فلم يعلم خلافه.

الثاني: أن تقديم الصحيحة على الموثقة يوجب إلغاء عنوان وصف يطير رأساً،

____________

(1) تهذيب الأحكام 9: 80، الحديث 344.

13

..........

____________

حيث ينحصر مدلول الموثقة بالبول و الخرء من الطير المأكول لحمه، و من الظاهر طهارة البول و الروث من مأكول اللحم من غير فرق بين الطائر و غيره، بخلاف تقديم الموثقة على الصحيحة فإنه لا يوجب إلّا تقييد عنوان ما لا يؤكل لحمه بغير الطير.

و قد ذكرنا في الأُصول أن ما يلزم من تقديم معارضه عليه إلغاء العنوان الوارد فيه رأساً يعامل معه معاملة الخاص، و هذا الوجه صحيح و عليه يحكم بطهارة البول و الخرء من الطيور بلا فرق بين المأكول لحمه و غيره، بل الدليل على تنجس الخرء للإلحاق بالبول لعدم احتمال الفرق بينهما أو للإجماع على عدم الفرق، و هذا الإجماع غير جار في الطيور؛ و لذا التزم في المدارك بطهارة الخرء من الطيور غير المأكول لحمها و تردد في أبوالها للمعارضة المتقدمة.

و أضف إلى الوجهين وجهاً آخر هو أن دلالة الصحيحة على نجاسة بول غير المأكول من الطير بالإطلاق، و دلالة الموثقة على طهارته بالعموم و بناءً على عدم تمام الإطلاق مع معارضة العموم الوضعي بلا فرق بين اتصال العام الوضعي بخطاب المطلق أو منفصلًا عنه كما في المقام، يتعين الأخذ بعموم الموثقة.

ثمّ لو فرض المعارضة بين الصحيحة و الموثقة فتسقط كلتا الروايتين في مورد اجتماعهما و تعين الرجوع إلى أصالة الطهارة.

و دعوى الرجوع إلى الإطلاق في مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور سألته (عليه السلام) «عن البول يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرّتين» (1) و قوله (عليه السلام) في حسنة الحسين بن أبي العلاء سألته (عليه السلام) «عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 395، الباب الأول من أبواب النجاسات، الحديث 2.

14

خصوصاً الخفاش (1) و خصوصاً بوله

____________

مرّتين» (1) لا يمكن المساعدة عليها؛ لانصرافهما إلى بول الإنسان، حيث إنه لو كان المراد كبول غير المأكول من الطير أو غيره، كان السؤال بذكر خصوصية البول.

و كذا دعوى أن الترجيح مع الصحيحة؛ لأنها موافقة للسنة أي إطلاق ما دل على نجاسة البول، فإن الإطلاق في الروايتين و غيرهما غير تام، مع أنه على تقديره، فلا تخرج الروايات المزبورة عن الخبر الواحد و لا تكون من السنة إلّا بدعوى العلم الإجمالي بصدور بعضها، بل قد يقال إنه على هذا التقدير أيضاً فالموافقة لا توجب تقديم الصحيحة، حيث إن موافقة أحد الخبرين لإطلاق الكتاب أو السنة لا تدخل الخبر في الموافق للكتاب و السنة حيث إن الإطلاق حكم عقلي يبتني على مقدمات الحكمة، و لا يكون من الكتاب أو السنة. و لكن لا يخفى ما فيه، فإن الإطلاق قسم من الظهور اللفظي و يكون نظير ظهور الكلام بسائر القرائن، و لذا يصحّ أن يقال إن المولى قد أظهر شمول الحكم لا أنه أراده بالإرادة الجدية فقط، و تمام الكلام في باب التعارض.

بول الخفاش و خرؤه‌

(1) و الوجه في ذلك أنه قد التزم بنجاسة بول الخفاش و خرئه من التزم بطهارة رجيع الطير، سواء كان من مأكول اللحم أم من غيره.

و قد ادعى في المختلف بأن رواية أبي بصير (2) المتقدمة مخصصة بالخشاف‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 343، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 3: 412، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

15

..........

____________

بالإجماع (1)، و ذكر الشيخ (قدس سره) في وجه التزامه بنجاسة بول الخفاش (2) رواية داود الرقي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده؟ فقال:

«اغسل ثوبك» ثمّ قال: أما رواية غياث عن جعفر عن أبيه «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» فهي شاذة محمولة على التقية (3).

ذكر في المدارك بعد نقل كلام الشيخ (قدس سره)، أن رواية غياث أوضح سنداً و أظهر دلالةً (4) و ذيّله في الحدائق بأنه لا أعرف لهذه الأوضحية سنداً و لا الأظهرية دلالةً و وجهاً، بل الروايتان متساويتان سنداً و دلالة (5).

أقول: كون سندها أوضح فإنه لا يبعد أن يكون غياث هو ابن إبراهيم، و الراوي عنه محمد بن يحيى الخزاز الراوي لكتاب غياث، كما يظهر ذلك بملاحظة سائر الروايات و دلالتها؛ لكونها نصاً في طهارة بول الخشاف و الأمر بغسل الثوب في رواية داود غايته الظهور في نجاسته، فيحمل على الكراهة تقديماً للنص على الظاهر.

مضافاً إلى أن الأمر بالغسل مع فرض السائل عدم وجدان البول لكون الغسل معالجة لإزالة بوله لكونه من رطوبات ما لا يؤكل، فيكون مانعاً عن الصلاة، إلّا أن يقال لا يبقى للبول عين مع جفافه ليكون مانعاً فتأمل.

و أيضاً كما شهد بذلك جماعة عدم الدم السائل للخفاش فيعمه ما دل على طهارة‌

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 457.

(2) المبسوط 1: 39.

(3) التهذيب 1: 265- 266، الحديث 64 و 65، مع ذيله.

(4) المدارك 2: 262.

(5) الحدائق 5: 15.

16

و لا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصلياً كالسباع و نحوها، أو عارضياً كالجلال و موطوء الإنسان و الغنم الذي شرب لبن خنزيرة (1)

____________

بول ما لا نفس له (1)، أضف إلى ذلك أنه بناءً على عدم البول لغير الخفاش من الطائر تكون الموثقة معارضة مع رواية داود الرقي، فيحمل الأمر بالغسل فيها على كراهة بوله لصراحة الموثقة، و لكن عدم البول لغيره غير ظاهر.

و على الجملة الحمل على الكراهة بإخراج الأمر بغسل الثوب عن ظاهره يعد من الجمع العرفي، و كذا حمله على كون الغسل معالجه لإزالة العين المانعة عن الصلاة فلا تصل النوبة إلى حمل الرواية الدالة على طهارة بول الخشاف على التقية، فإن الحمل المزبور فرع المعارضة بالتباين مع أن القول بطهارة بول الخفاش مذهب أكثر العامة أو معظمهم غير ظاهر.

و دعوى الإجماع على نجاسته ممن التزم بطهارة بول الطائر و خرئه لا يساعدها ظاهر الكلمات؛ و لذا لم يثبت صارف و مخصص لموثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول و خرء كل شي‌ء يطير (2)، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

بول و خرء غير المأكول‌

(1) قد تقدم الأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه، و الحيوان إما أن يكون محكوماً بعدم جواز أكله بعنوانه الأوّلي كالذئب و الأرنب من السباع و المسوخ، و أما أن يكون بعنوانه الأوّلي مأكول اللحم و يطرأ عليه عنوان ثانوي فلا يؤكل لحمه ككون الإبل جلالًا أو موطوء الإنسان أو الغنم الرضيع بلبن خنزيرة حتى يشتد عظمه، فهل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 3: 412، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

17

..........

____________

الحكم بنجاسة بول ما لا يؤكل إشارة إلى الحيوانات التي لا يؤكل لحمها بعناوينها الأولية، أو أنه يعم الحيوان و لو كانت حرمة أكل لحمه بعنوانه الثانوي؟

و يجري هذا الكلام في مانعية أجزاء و رطوبات غير المأكول لحمه عن الصلاة، فهل الموجب لفسادها لبس أو حمل ما لا يؤكل لحمه بعنوانه الأوّلي أو يعم غير المأكول لحمه و لو بعنوانه الثانوي؟

و لا يبعد دعوى الإطلاق في كلا المقامين.

و لا يتوهم أنه لو كانت الحرمة بالعنوان الثانوي موجباً لنجاسة البول و الخرء أو المانعية للصلاة لزم الالتزام بنجاسة بول الغنم المغصوب أو مانعية حمل أجزائه في الصلاة؛ و ذلك فإن المراد بالعنوان الثانوي ما يكون عنواناً للحيوان خاصة و لا يجري في غيره كالجلال و موطوء الإنسان و الرضيع و لا يكون المغصوب عنواناً لخصوص الحيوان و يجري في سائر الأبوال، بل لا يعم عنوان ما لا يؤكل لحمه الميتة من الغنم و غيره مما يؤكل، فإن ظاهر ما لا يؤكل أن يكون الحيوان في حال حياته معنوناً بأنه لا يؤكل لحمه، فلا يستفاد من صحيحة عبد اللّه بن سنان (1) أو غيرها نجاسة الروث الخارج عن الغنم الميتة.

و يشهد لما ذكرنا ما في موثقة ابن بكير الواردة في بيان مانعية ما لا يؤكل لحمه عن الصلاة، فإنه قد ذكر (عليه السلام) فيها: «فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي، قد ذكاه الذبح، و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسد ذكاه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2 و 3.

18

و أما البول و الغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار و البغل و الخيل (1)

____________

الذبح أو لم يذكه» (1) حيث إن ظاهرها عدم دخول الميتة من الغنم و نحوه فيما لا يؤكل لحمه.

نعم، لا يجوز الصلاة فيها؛ لأن عدم التذكية فيما لا يؤكل لحمه مانعة عن الصلاة كمانعية أجزاء و سائر فضلات و رطوبات ما لا يؤكل لحمه.

بول و روث مأكول اللحم‌

(1) المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً طهارة البول و الروث من كل حيوان يجوز أكل لحمه من غير فرق بين الحمير و البغال و الخيل و بين غيرها من سائر المأكول لحمه.

نعم، يكره البول و الروث من الثلاثة، قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: ما يكره لحمه يكره بوله و روثه مثل الحمير و البغال و الدواب و إن كان بعضه أشد كراهة من بعض، و في أصحابنا من يقول بنجاسة بول البغال و الحمير و الدواب و أرواثها و يجب إزالة قليله و كثيره (2).

و عن ابن الجنيد (3) و الشيخ في النهاية (4) القول بنجاسة البول و الروث من الحمير و البغال و الخيل، و عن المحقق الأردبيلي (5) و صاحب الحدائق (6) التفصيل بين‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

(2) المبسوط 1: 36.

(3) حكاه العلامة في المختلف 1: 457.

(4) النهاية: 51.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 300- 301.

(6) الحدائق 5: 21.

19

..........

____________

أبوالها و أرواثها فيحكم بنجاسة أبوال الثلاثة دون أرواثها، و عن المدارك الحكم بطهارة أرواثها و التوقف في أبوالها (1).

و يستدل على طهارة البول و الروث من كل ما يؤكل لحمه حتى الحمير و البغال و الخيل:

بصحيحة زرارة أنهما قالا: «لا تغسل ثوبك من بول شي‌ء يؤكل لحمه» (2).

و موثقة عمار: «كل ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (3).

و رواية معلى بن خنيس و عبد اللّٰه بن أبي يعفور قالا: «كنا في جنازة و قدّامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكّت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرناه فقال: ليس عليكم بأس» (4)، و في سندها الحكم بن مسكين.

و في الصحيح عن أبي الأغر النحاس قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأُصبح فأرى أثره فيه؟ فقال: «ليس عليك شي‌ء» (5) و لا ينحصر في مدح أو توثيق لأبي الأغر و إن عبر عنها الأردبيلي (قدس سره) بالحسنة (6)، و ظاهرها طهارة أبوالها و أرواثها و عدم مانعيتها للصلاة أيضاً.

____________

(1) المدارك 2: 302- 303.

(2) وسائل الشيعة 3: 407، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 409، الحديث 12.

(4) وسائل الشيعة 3: 410، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 14.

(5) المصدر السابق: 407، الحديث 2.

(6) مجمع الفائدة و البرهان 1: 299.

20

..........

____________

و في موثقة زرارة: «إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكّي» (1).

أقول: يعني ليست بميتة، و قد ذكر في مقابلها روايات ظاهرة في تنجس أبوال الثلاثة و أرواثها، أو أبوالها فقط:

كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا؟ قال: «يغسل بول الحمار و الفرس و البغل، فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» (2) و لكن لا يستفاد منها أزيد من المانعية.

و نظيرها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بروث الحمر و اغسل أبوالها» (3).

و صحيحته الأُخرى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال:

«اغسل ما أصابك منه» (4).

نعم، ظاهر بعض الروايات النجاسة:

كموثقة سماعة قال: سألته عن بول السنور و الكلب و الحمار و الفرس قال:

«كأبوال الإنسان» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 408، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: 409، الحديث 9.

(3) المصدر السابق: 406، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 409، الحديث 11.

(5) وسائل الشيعة 3: 406، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

21

..........

____________

و رواية عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الحمير و البغال؟

قال: اغسل ثوبك، قال: قلت: فأرواثها؟ قال: هو أكثر (أكبر) من ذلك (1).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سألته عن أبوال الدواب و البغال و الحمير؟ فقال: «اغسله، فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، فإن شككت فانضحه» (2).

أضف إلى ذلك بعض ما ورد في: الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب فقال: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» (3).

و ربما قيل بأنه لو كان في بعض ما تقدم ظهور في تساوي أبوال الحمير و البغال و الخيل و أرواثها فيرفع اليد بالإضافة إلى الأرواث بصراحة صحيحة الحلبي المفصلة بين الروث و أبوالها، و حيث إن هذه الروايات أخص مما ورد في نفي البأس عن بول مأكول اللحم و ما يخرج منه يرفع اليد بها عن الإطلاق المزبور.

و أما الروايات الخاصة الظاهرة في طهارة أبوال الحمير و البغال فلعدم تمام إسنادها و لا أقل من ترجيح هذه في مقام المعارضة لا يمكن الاعتماد عليها.

و قد يقال لو فرض تمام السند في تلك الروايات فالترجيح معها لمخالفتها العامة، و قد تقدم أن صفات الراوي لا تكون مرجحة في مقام الإفتاء، بل لا تصل النوبة إلى التعارض بنحو التباين، فإن هذه الطائفة ظاهرة في النجاسة أو المانعية و تلك صريحة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 409، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 13.

(2) المصدر السابق: 406، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 1: 158، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

22

..........

____________

في الطهارة فيحمل الأمر بالغسل على الكراهة.

و ربما يؤيدُ ذلك راوية زرارة عن أحدهما (عليه السلام) في أبوال الدوابّ تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أ ليس لحومها حلالًا؟ فقال: «بلى، و لكن ليس ممّا جعله اللّٰه للأكل» (1) و يمكن تمام السند فيما دل على الطهارة؛ لأن الشهرة تجبر ضعفه.

أقول: الجمع العرفي بحمل الأمر بالغسل على كراهة الصلاة في الثوب الملاقي لأبوال الحمير و البغال و الخيل و كذا في البدن الملاقي لها، و إن كان ممكناً في بعض الروايات، و لكنه لا يتم بالإضافة إلى موثقة سماعة المتقدمة قال: سألته عن بول السنّور و الكلب و الحمار و الفرس؟ قال: «كأبوال الإنسان» (2) فإن الروايات الدالة على عدم البأس بأبوالها أما مطلقة كموثقة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي» (3)، فلا بد من رفع اليد عن إطلاقها بما دل على تنجس أبوال الحمير و البغال و الخيل كالموثقة، و أما الروايات الخاصة الدالة على عدم البأس بأبوالها فإنها لعدم تمام إسنادها غير قابلة للمعارضة للدلالة على نجاستها.

و دعوى اعتبار خبر معلى بن خنيس و عبد اللّٰه بن أبي يعفور المتقدمة؛ لأن الحكم بن مسكين لرواية ابن أبي عمير و غيره ممن لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة عنه معتبر في روايته لا يمكن المساعدة عليها؛ لأن رواية هؤلاء لا تكشف عن وثاقة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 408، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) المصدر السابق: 406، الباب 8، الحديث 7.

(3) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأوّل.

23

..........

____________

شخص على ما ذكرنا في ذيل كلام الشيخ في العدة (1) الذي استظهره من الإجماع الذي ذكره الكشي (قدس سره) بقوله: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة (2).

و كذا دعوى انجبار ضعف الروايات الدالة على الطهارة بعمل الأصحاب، فإنه لو كان في البين ما يوجب اعتبارها لما كان الشيخ في النهاية ملتزماً بنجاستها (3)، و كان من أوائل من يرى اعتبارها في أبوال الحمير و البغال و الخيل.

نعم يمكن دعوى أن ما ظاهره نجاسة أبوالها معرض عنها عند معظم الأصحاب، و فيها ما يوجب الوثوق بأن الأمر بالغسل فيها لرعاية التقية أو للكراهة، حيث إن التفكيك بين بول الحيوان و مدفوعه خلاف المرتكز في الأذهان.

و في معتبرة أبي مريم: ما تقول في أبوال الدواب و أرواثها؟ قال: «أما أبوالها فاغسل إن أصابك و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» (4) فإن ظاهرها و لا أقل من محتملها أن الغسل يثبت في الروث بالأولوية.

أضف إلى ذلك أن المعروف عند العامة أن الحمير و البغال و الخيل مما لا يؤكل لحمه على ما يشهد لذلك ما ورد في الأطعمة المباحة التزامهم أو التزام معظمهم بنجاسة أبوالها و أرواثها أيضاً؛ لالتزامهم بأنها غير مأكولة اللحم و هو الموجب لصدور بعض الأخبار الظاهرة في نجاسة أبوالها أو أرواثها أيضاً.

و على الجملة لو كانت نجاسة أبوالها ثابتة من مذهب الأئمة (عليهم السلام) أيضاً لكان ذلك‌

____________

(1) العدة 1: 154.

(2) اختيار معرفة الرجال 1: 57 و 204 و 217 و 397 و غيرها كثير.

(3) النهاية: 51.

(4) وسائل الشيعة 3: 408، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

24

و كذا من حرام اللحم، الذي ليس له دم (1)

____________

لكثرة ابتلاء الناس بها أمراً مفروغاً عنه، مع أن الأمر بالعكس، فإن طهارتها كطهارة أرواثها حتى في زمان الشيخ (قدس سره) فضلًا عما بعده كانت مشهورة كما يفصح عن ذلك كلامه في المبسوط (1)، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

بول و غائط ما ليس له نفس سائلة‌

(1) نفى جماعة الخلاف في طهارة رجيع ما لا نفس له من الحيوان و بوله و نسب في التذكرة الخلاف فيه إلى الشافعي و أبي حنيفة (2) و أبي يوسف، و ظاهره عدم الخلاف في الطهارة عندنا. و قال في المعتبر: أما رجيع ما لا نفس له كالذباب و الخنافس ففيه تردد أشبهه أنه طاهر؛ لأن ميتته و دمه و لعابه طاهر، فصارت فضلاته كعصارة النبات (3).

فنقول أما طهارة رجيع مثل الذباب و الخنافس مما ليس له لحم فهو محكوم بالطهارة؛ لأن الأصل في المدفوع و البول الطهارة، و إنما يحكم بالنجاسة لقيام الدليل عليها.

و صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة الآمرة بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه (4) لا يعم إلّا ما كان للحيوان لحم.

و إذا لم يحرز الإطلاق و العموم في سائر ما دل على غسل الثوب من البول مرتين وصب الماء على الجسد منه مرتين فيحكم بطهارة رجيع هذا القسم من الحيوان.

____________

(1) المبسوط 1: 36.

(2) التذكرة 1: 50.

(3) المعتبر 1: 411.

(4) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

25

..........

____________

مضافاً إلى قيام السيرة القطعية من عدم الاجتناب عن المأكول و المشروب مما يقعد عليه الذباب و النمل و أشباههما حتى مع العلم بإصابة وجههما لذلك المأكول و المشروب.

كما يظهر ذلك بأدنى ملاحظة أحوال أهل القرى و البوادي بل البلدان.

و أما إذا كان لما ليس له نفس لحم كالسلحفاة و السمك المحرم، فقد ادعى في الخلاف انصراف صحيحة عبد اللّه بن سنان يعني قوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) عن بول هذا القسم من الحيوان، و أن ظاهرها ما له نفس.

و لكن لا يخفى عدم صحة الدعوى المزبورة؛ و لذا يلتزم بمانعية استصحاب ما لا يؤكل لحمه عن الصلاة بلا فرق بين كونه مما له نفس أم لا.

و كذا دعوى أن البول من السلحفاة و الخفاش و غيرهما كعصارة النبات لا يصدق عليه البول أو الخرء مما لا يمكن المساعدة عليها، و لعله هذا الموجب لتردد المحقق في الشرائع و المعتبر (2).

نعم، قد يقال بطهارة البول و الغائط من غير ذي النفس بموثقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (3) فإن الأصحاب و إن استدلوا بها على طهارة ميتة ما لا نفس له إلّا أن مقتضى إطلاقها عدم فساد الماء بما ليس له نفس، سواء تفسخ في الماء و انتشرت أعضاؤه و فضلاته فيه أم لا.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) الشرائع 1: 41. و المعتبر 1: 411.

(3) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر الحديث 2.

26

[ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة]

(مسألة 1) ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معها شي‌ء من الغائط و إن كان ملاقياً له في الباطن، نعم لو أُدخل من الخارج شيئاً فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان إن علم ملاقاتها له فالأحوط الاجتناب عنه، و أما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان و لم يعلم خلطه بالغائط و لا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته (1).

____________

لا يقال: دلالتها على عدم تنجس الماء ببول ما ليس له نفس و برجيعه بإطلاقها، و دلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان على نجاسة بول غير ذي النفس مما لا يؤكل لحمه أيضاً بالإطلاق فيتعارضان.

فإنه يقال: لو سلم التعارض يكون المرجع أصالة الطهارة على ما تقدم مع أنه يمكن القول بأن الموثقة ناظرة إلى ما ينجس الماء، و أن ما ينجس الماء بإصابته لا يدخل فيه ما ليس له نفس سواء كان متفسخاً أو لا، و لا يلاحظ النسبة بين دليل الحاكم و الدليل المحكوم، نعم يجري ملاحظة النسبة في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: «كل ما ليس له دم فلا بأس» (1).

و أما الاستدلال على طهارة بول ما ليس له نفس أنه إذا لم يكن ميتة و دمه و لعابه نجساً لا يكون رجيعه أيضاً نجساً فلا يخرج عن القياس.

ملاقاة الغائط في الباطن‌

(1) لو لم يذكر (قدس سره) الاحتياط الوجوبي في شيشة الاحتقان الملاقية للغائط في الباطن، و كذا في ماء الاحتقان الخارج المعلوم ملاقاته للغائط في الداخل لحمل العبارة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث الأوّل.

27

..........

____________

أنه (قدس سره) لا يرى نجاسة البول و الغائط و الدم و المني ما يخرج من الباطن، حيث إن الأدلة المستفاد منها نجاستها لا تعم العين ما دامت في الباطن، و احتمال اختصاص النجاسة بالخارج غير بعيد، و لكن بما أنه (قدس سره) حكم بالاحتياط في شيشة الاحتقان و ماء الاحتقان مع إحراز ملاقاتهما الغائط في الباطن علم أن الحكم بالطهارة في النوى و الدود؛ لكون الملاقاة في الداخل مع كون كل من الغائط و الشي‌ء باطنياً لا توجب النجاسة، و لذا يشكل الفرق بين النوى الخارج و شيشة الاحتقان، فإن النوى أيضاً شي‌ء خارجي دخل الجوف من غير أن يستحيل، غاية الأمر أنه دخل الجوف من مجرى الحلق و شيشة الاحتقان من مجرى الغائط، و هذا لا يوجب الفرق بينهما.

نعم، الدود الخارج طاهر؛ لكونه متكون في الجوف بل لدخوله في الحيوان يمكن القول بعدم تنجسه أصلًا، و على تقديره يطهر بزوال العين المفروض؛ لعدم حمله أجزاء الغائط إلى الخارج.

صور الملاقاة في الباطن‌

و كيف ما كان يقع الكلام في أن أدلة تنجس الطاهر بملاقاة النجاسة تعم الملاقاة في الباطن أم لا، فنقول: للملاقاة في الباطن صور:

الأُولى: ما إذا كان الشي‌ء الباطني ملاقياً للنجاسة في الباطن، كملاقاة مجاري البول للبول و مجرى الغائط للغائط، و هذه الملاقاة لا توجب تنجس المجاري و نحوها بلا شبهة. و يشهد لذلك ما ورد في طهارة المذي و نحوه مع أنه يخرج من مجاري البول، و كذا ما دل على أن الأمر بالغسل في التنجس و غيره لا يعم غير الظواهر، و أنه لا يعتبر غسل الباطن، و من الظاهر أن تنجس الشي‌ء يستفاد من الأمر بغسله، و في‌

28

..........

____________

موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إنما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعني المقعد و ليس عليه أن يغسل باطنها» (1) و نحوها غيرها، و في موثقته الأُخرى قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف؟ فقال: «إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه» (2).

أضف إلى ذلك أنه لا دليل على الحكم بنجاسة العين ما دام في الباطن فعدم تنجس الملاقي لها في الباطن لعدم نجاسة العين غير بعيد.

الصورة الثانية: أن يلاقي النجاسة الخارجية الباطن كمن شرب الماء المتنجس فما أصاب الماء من داخل الفم أيضاً لا يتنجس، و يشهد لذلك ما ورد في طهارة بصاق شارب الخمر كرواية عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل يشرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه، قال: «ليس بشي‌ء» (3)، نعم لم يثبت وثاقة ابن أبي الديلم و ما ورد في بلل الفرج من المرأة الجنب كصحيحة إبراهيم بن محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة وليها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب أ تصلي فيه؟ قال: «إذا اغتسلت صلت فيهما» (4) حيث إن ترك الاستفصال عن كون جنابتها بالجماع و إفراغ الرجل ماءه في فرجها دليل على عدم تنجس فرجها بالمني، بل يظهر من موثقة عمار المتقدمة أن البواطن لا تغسل في موارد الأمر بالغسل من الخبث، و كذلك لا تغسل في موارد الأمر به من الحدث.

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 347، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 3: 438، الباب 24 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) المصدر السابق: 473، الباب 39، الحديث الأوّل.

(4) المصدر السابق: 498، الباب 55، الحديث الأوّل.

29

..........

____________

و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المضمضة و الاستنشاق؟ قال: «ليس هما من الوضوء، هما من الجوف» (1) قد يتوهم من بعض الروايات دلالتها على تنجس البواطن من الحيوان و الإنسان بالنجاسة الواردة من الخارج، و في مرسلة موسى بن أكيل عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) في شاة شربت بولًا، ثمّ ذبحت، قال: فقال: يغسل ما في جوفها، ثمّ لا بأس به، و كذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة، و الجلالة هي التي يكون ذلك غذاها» (2) و فيه مع الإغماض عن سندها و عدم صلاحيتها للمعارضة لما تقدم أن الحكم فيها إما تعبدي لا يرتبط بالتنجس؛ لأن ظاهرها غسل تمام ما في جوفها من قلبها و كبدها و غيرهما مع أن البول لا يصيبها إلّا بعد الاستحالة، و أما المراد حصول غسل البول من جوفها كما إذا ذبحها قبل الاستحالة فلا تدل على تنجس موضع البول فضلًا عن غيره.

و مما ذكر يظهر الحال في رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في شاة شربت خمراً حتى سكرت، ثمّ ذبحت على تلك الحال: «لا يؤكل ما في بطنها» (3) مع أن ظاهرها عدم جواز أكل ما في جوفها قبل الغسل و ما بعدها كما لا يخفى.

الصورة الثالثة: ما إذا كان الشي‌ء الطاهر الخارجي ملاقياً في الباطن الدم أو الغائط أو غيرهما من غير أن يخرج متلوثاً بما في الباطن كشيشة الاحتقان و تزريق الإبر في عروق الدم و نحو ذلك، فقد احتاط (قدس سره) في الفرض على ما تقدم، و لكن لا موجب للاحتياط، فإنه لا دليل على كون الغائط أو الدم أو غيرهما- ما دام في الباطن- محكوماً‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 24: 160، الباب 24 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: 160، الحديث الأول.

30

..........

____________

بالنجاسة فضلًا عن كونه منجساً لملاقيه، بل على تقدير كونها من النجاسة فيقال ما ورد في طهارة القي‌ء يقتضي عدم تنجس الطاهر به، و في موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتقيأ في ثوبه يجوز أن يصلي فيه و لا يغسله؟ قال: لا بأس به» (1) فان ما يخرج من المعدة يلاقي ما فيها من الغائط لا محالة.

و دعوى عدم صدق الغائط على المنهضم ما يدخل في مجاري خروجه يكذبها ملاحظة ما يخرج عن معدة الغنم و نحوه عند شقها بعد الذبح، هذا كلّه فيما إذا لم تكن العين في الباطن مشاهدة، و إلّا فيقال إنها تنجس ما لاقاها من الطاهر الخارجي كالسن المصنوع في الفم فإنه يتنجس بالدم الخارج من اللثة أو غيرها، حيث يصدق على الشي‌ء الخارجي أنه أصابه الدم في فمه بل الدم المشاهد و نحوه و لا يحسب من العين في الباطن.

أقول: لو لم نحسب الدم المشاهد في اللثة من العين في الباطن فلا تكون نفس اللثة أيضاً من الشي‌ء الباطني و لم نجد أيضاً رواية تعم إصابة الطاهر مثل الدم في داخل الحلق أو الأنف إلّا ما في صحيحة زرارة قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني فعلمت أثره» (2) فإن السؤال فيها يعم ما أصاب الدم ثوبه بإدخال طرفه في الأنف و أصابته الدم و إن لم يخرج متلوثاً، و لكن ظاهر السؤال إصابة الدم الثوب كإصابة المني له بمعنى وقوعه عليه، و لذا ذكر في السؤال فعلمت أثره أي الدم.

و على الجملة فليس في ما دل على نجاسة الغائط أو الدم ما يعم المشاهد في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 488، الباب 48 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) تهذيب الاحكام 1: 421، الحديث 8.

31

[لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم]

(مسألة 2) لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم (1)، و أما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز.

____________

الباطن كما لا إطلاق في أدلة التنجس ما يدل على تنجس مثل السن الموضوع في الفم بدم اللثة و نحوه فالرجوع إلى أصالة الطهارة غير بعيد.

الصورة الرابعة: ما إذا كان وعاء الملاقاة فقط هو الباطن و كان كل من الملاقي و الملاقى شيئاً خارجياً كمن تكون أسنانه المصنوعة في الماء المتنجس، و في هذه الصورة يحكم بتنجس الطاهر بالملاقاة مع النجاسة و لا يضر كون الملاقاة وعاءها باطناً أخذاً بالإطلاق في بعض الروايات كقوله (عليه السلام) في موثقة عمار بن موسى الساباطي الواردة في الحكم بتنجس الماء القليل الملاقي للنجاسة و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء فإن الأسنان المصنوعة في الماء شي‌ء خارجي قد أصابها ذلك الماء المتنجس، و لا يصدق عليها أنها من الجوف الذي لا يغسل من الخبث أو الحدث.

بيع البول و الغائط‌

(1) يقع الكلام في مقامات ثلاث:

الأوّل: جواز بيع البول و الغائط من مأكول اللحم.

و الثاني: جواز الانتفاع من البول و الغائط من غير المأكول لحمه.

الثالث: في جواز بيع البول و الغائط من غير المأكول لحمه و عدم جوازه.

و قد ذكرنا تفصيل الكلام في المقامات الثلاثة في المكاسب المحرمة و نشير إليها في المقام على وجه الاختصار، فنقول: استعمال الروث مما يؤكل لحمه في تسميد الأراضي المزروعة و البساتين و جعلها وقوداً كما هو المتعارف عند أهل القرى و البساتين يوجب المالية لذلك الروث، فيجوز بيعه للمنفعة المقصودة للعقلاء‌

32

..........

____________

الموجبة لبذل المال بإزائها في مقام تملكها، فيعمه قوله سبحانه: «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (1) وَ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2).

و أما أبوالها فالمنسوب إلى المشهور و إن كان جواز بيعها كأرواثها إلّا أنه لا يمكن الالتزام بالجواز لعدم المنفعة المقصودة منها للعقلاء بحيث يوجب دخولها في الأموال، بل أخذ المال بإزائها يكون من تملك المال بالباطل.

و التداوي ببعض تلك الأبوال لا يوجب كونها نظير الأدوية المتعارفة المعدة لمعالجة الأمراض مما يستعمل في حال الاضطرار أو صيرورتها كالمظلة التي يستعملها الطيار عند الاضطرار إلى الهبوط بها على الأرض، فإن التداوي أو الهبوط عند الاضطرار من المنفعة المقصودة للعقلاء و المحللة الموجبة لبذل المال بإزائها، بخلاف التداوي فإنه ليس من المنفعة المقصودة، و لا أقل من عدم كون أبوالها في مثل زماننا كذلك، فيكون أخذ المال بإزائها من تملكه، بالباطل.

و لو قيل بجواز شرب تلك الأبوال في حال الاختيار أخذاً بالإطلاق في بعض الروايات كرواية الجعفري سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: «أبوال الإبل خير من ألبانها» (3) و في بعضها الآخر جواز شربها للتداوي خاصة و في موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال: «إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه و كذلك أبوال الإبل و الغنم» (4) فإن مقتضى الاشتراط في هذه جواز اختصاص جواز‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 275.

(2) سورة المائدة: الآية 1.

(3) وسائل الشيعة 25: 114، الباب 60 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 3: 410، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 15.

33

..........

____________

شرب أبوالها بصورة الاضطرار.

و مقتضى رواية الجعفري جوازها مطلقاً و لا يمكن حملها على صورة الاضطرار، فإن مقتضى كون أبوالها خيراً من ألبانها جواز شربها حتى اختياراً، و لكن لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها و على تقدير المعارضة فالمرجع عموم حرمة الخبائث، فإن أبوالها منها فلا تصل النوبة إلى أصالة الحلية، اللهم إلّا أن يقال شمول الخبائث للأبوال الطاهرة غير ظاهر، حيث يحتمل كون معناها الرجس من الفعل أو الشي‌ء المعبر عنه بالفارسية ب‍ (پليد) فيختص بالنجس منها.

أضف إلى ذلك أنه يمكن القول بعدم المفهوم للشرط الوارد في الموثقة فإن اختصاص حرمة فعل بصورة عدم الحاجة إليه و حلّها معها غير معهود في الشرع.

و على الجملة فالمرجع هو أصالة الحلية، و لو مع الإغماض عن رواية الجعفري و رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «لا بأس ببول ما أكل لحمه» (1) فإنه مع ضعف سندها يحتمل كون المراد بعدم البأس طهارة البول لا جواز شربه، بل لا يبعد دعوى ظهورها في الأول، و حمل رواية الجعفري على كونها مجرد حكم طبي لا شرعي ضعيف، حيث إن ظاهرها بيان الحكم الشرعي خصوصاً مع ما في ذيلها و يجعل اللّٰه الشفاء في ألبانها.

و على الجملة فعدم المالية لأبوالها يوجب خروج أخذ المال بإزائها عن البيع المعتبر فيه المالية للمعوض، و دعوى عدم اعتبار المالية في المبيع، بل يكفي في البيع كونه مورد الغرض العقلائي و على تقدير الإغماض فلا حاجة إلى كونه بيعاً، بل يكفي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 114، الباب 60 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

34

..........

____________

في كونه تجارة لا يخفى ما فيها، فإن التجارة هي البيع و الشراء بقصد الاسترباح، و إذا لم يكن أخذ المال بإزاء شي‌ء بيعاً فلا تكون تجارة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه و أن أخذ المال بإزائها من أكل المال بالباطل بلا شبهة.

و أما العذرة من غير مأكول اللحم فإن كانت لها منفعة مقصودة للعقلاء محللة شرعاً كالتسميد بها، كالروث من مأكول اللحم يجوز بيعها و تملك المال بإزائها أخذاً بإطلاق حل البيع و نحوه، و المفروض أي المالية لها تمنع عن كون أخذ المال بإزائها من أكل المال بالباطل، نعم لو ثبت إلغاء الشارع ماليتها فيدخل فيه على نحو الحكومة.

و ما قيل في وجه الإلغاء أمران:

الأوّل: الإجماع المنقول المستفيض.

و الثاني: بعض الروايات كرواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن العذرة من السحت» (1) و في سندها علي بن مسكين.

و لكن يقال: أن ضعفها منجبر بعمل الأصحاب، و رواية تحف العقول الواردة فيها النهي عن بيع وجوه النجس (2)، و لا يخفى ما فيهما فإن الإجماع على تقديره يحتمل كونه للروايات المشار إليها و كونها موافقة للاحتياط دعتهم إلى العمل بها؛ و لذا لا يمكن الاعتماد عليه و لا على تلك الروايات، حيث لم يثبت كون موافقة الاحتياط من موجبات العمل بالرواية فيرفع اليد بها عن الإطلاق أو العموم الموجب للترخيص،

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

(2) تحف العقول: 333. طبعة مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم.

35

نعم، يجوز الانتفاع بهما في التسميد و نحوه (1)

____________

و في رواية محمد بن مضارب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس ببيع العذرة» (1).

و نقل الشيخ الأنصاري (قدس سره) حمل المانعة على عذرة الإنسان و حمل المجوزة على الروث من مأكول اللحم و أيد الجمع بموثقة سماعة، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر فقال إني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها و ثمنها و قال: لا بأس ببيع العذر (2) فإن الجمع بين المنع و التجويز بالإضافة إلى مخاطب واحد قرينة على أن المراد بموضع المنع غير الموضوع للتجويز.

و فيه أنه يمكن كونه من قبيل الجمع في النقل و يؤيده تكرار لفظ (قال).

و على الجملة فمجرد نجاسة الشي‌ء مع فرض المنفعة المحللة المقصودة له الموجبة للمالية لا تمنع عن جواز بيعه، و من هذا القبيل بيع الدم للتزريق المتعارف في زماننا هذا.

(1) فإن جواز الانتفاع بها مقتضى أصالة الحلية بعد عدم قيام دليل على عدم جواز الانتفاع، و ما في رواية تحف العقول من حرمة جميع التقلب في النجس (3) مع ضعف سندها، و كون خلافها من المتسالم عليه في الكلمات لا يمكن الاعتماد عليها، و قوله سبحانه: «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (4)، ظاهر الرجز من الأفعال المعبر عنها ب‍ (پليد) و ليس مطلق الانتفاع بالنجس أو المتنجس منه.

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) تحف العقول: 333.

(4) سورة المدثر: الآية 5.

36

[إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة بوله و روثه]

(مسألة 3) إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة بوله و روثه (1).

____________

في البول و الخرء المردد بين كونه من مأكول اللحم أو غيره‌

(1) الموضوع للنجاسة هو البول و الخرء مما لا يؤكل لحمه، و إذا شك في بول أو خُرء أنه من مأكول اللحم أو من غيره بالشبهة الموضوعية فيجري فيه أصالة الطهارة، و كذلك فيما إذا علم أنه من الأرنب مثلًا و شك في أن الأرنب مأكول اللحم أو من غيره، فيجري في بوله و خرئه أيضاً أصالة الطهارة.

غاية الأمر أن الرجوع إلى أصالة الطهارة في الشبهة الحكمية مشروط بالفحص و عدم إمكان إحراز العلم أخذاً بمقتضى أدلة وجوب تعلم الأحكام، و إن الجهل بها مع التمكن من إحرازها لا يكون عذراً بخلاف الشبهات الموضوعية، فإنه لا موجب لرفع اليد فيها عن إطلاق أدلة الأُصول.

و لكن ذكر في الجواهر في ذيل اعتبار النفس السائلة للحيوان في نجاسة بوله و روثه أنه بناءً على اعتبار هذه القيد في نجاسة بول غير مأكول اللحم و خرئه لو شك في حيوان أن له نفس سائلة أم لا يحكم بطهارتهما بلا اختبار؛ لأصالة الطهارة و استصحاب طهارة ملاقيهما أو يتوقف الحكم بالطهارة على اختباره بالذبح و نحوه لتوقف امتثال الأمر بالاجتناب عن بول ما لا يؤكل لحمه من ذي النفس عليه، و لأنه كسائر الموضوعات المقيدة التي علق الشارع عليها أحكاماً كالصلاة للوقت و للقبلة و غيرهما، أو يفرق بين الحكم بطهارته و بين عدم تنجسه للغير فلا يحكم بطهارة نفس البول أو الخرء و يحكم بطهارة ملاقيهما لاستصحاب الطهارة في الملاقي بلا معارض، و لأن الملاقي كالثوب في الفرض نظير الثوب الذي أصابه رطوبة مردّدة بين البول النجس و الماء فإن الثاني يحكم بطهارته و كذا في الفرض، وجوه في المسألة لم أعثر على تنقيح‌

37

..........

____________

شي‌ء منها في كلمات الأصحاب (1).

أقول: لم يظهر لي ما مراده (قدس سره) من هذا الكلام في المقام، فإنه إن كان المراد أن الأصل العملي كأصالة الطهارة لا تجري في المشتبه الذي يتمكن المكلف على رفع شكه فيه بالفحص، فلا يمكن التفصيل فيه بين نفس البول المشكوك و بين ملاقيه.

و إن كان المراد أن الموضوع للحكم فيما إذا كان مقيداً بقيد و شك في حصول ذلك الحكم للشك في حصول القيد فلا يكون ما صدق عليه عنوان نفس الموضوع قبل الفحص مجرى الأصل العملي، و بما أن المفروض إحراز أن الموجود خارجاً بول أو خرء مما لا يؤكل لحمه و يشك في كونه من ذي النفس السائلة فاللازم الفحص عن قيده كالفحص عن قيد الصلاة من الوقت و كونها للقبلة و غيرهما، فهذا أيضاً لا يوجب الفرق بين نفس البول و ملاقيه، فإن الموضوع لتنجس الملاقي ملاقاته مع بول ما لا يؤكل لحمه من ذي النفس السائلة، و الملاقاة مع بول غير المأكول محرز و الشك في حصول قيد الموضوع و الأمر في الصلاة أيضاً كذلك، فيمكن إحراز قيدها بالأصل كالاستصحاب الجاري في الوقت، حيث يحرز به الصلاة في الوقت من غير اعتبار الفحص كما هو المقرر في بحث الاستصحاب في الوقت.

نعم، القبلة لا يمكن إحراز الصلاة إليها بالأصل و بما أنها متعلق الأمر فلا بد من إحراز الإتيان بالصلاة إليها في مقام الامتثال، و الحاصل أنه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق خطابات الأُصول العملية في الشبهات الموضوعية بلا فرق بين الشك في حصول نفس الموضوع أو قيده و أنه لا يجب الفحص في شي‌ء منهما، و بلا فرق بين‌

____________

(1) جواهر الكلام 5: 289.

38

..........

____________

الأحكام الانحلالية و غيرها. نعم إذا كان متعلق الطلب حصول المقيد فلا بد من إحراز القيد في حصول الامتثال و لو بالأصل كما تقدم.

لا يقال: الحيوان المشكوك في كونه مما حرم أكل لحمه أو لا بالشبهة الموضوعية أو الحكمية محكوم بحرمة أكل لحمه كما هو فرض الماتن (قدس سره) فيكون بوله و خرؤه مما يحرم أكل لحمه، فكيف ذكر أن البول و الخرء منه محكوم بأصالة الطهارة؟

فإنه يقال: المراد مما لا يؤكل لحمه أن يكون الحيوان بعنوانه محكوماً بعدم جواز أكل لحمه مع التذكية أو كان معنوناً بعنوان عرضي يختص بالحيوان و يكون الحيوان معه محكوماً بعدم جواز أكل لحمه و لو مع التذكية كموطوء الإنسان و الجلال، و الثابت من الحرمة في مورد الشك في التذكية بالشبهة الموضوعية أو الحكمية الحرمة بعنوان أن الحيوان غير مذكى و البول أو الخرء من الميتة لا يكون من الأعيان النجسة على ما تقدم، فكيف بالبول و الخرء من غير المذكى.

و لو قيل بحرمة الأكل في غير مورد الشك في التذكية أيضاً في الشبهة الموضوعية أو الحكمية كما هو ظاهر الماتن (قدس سره) فهذه الحرمة ثابتة للحيوان و لو مع تذكيته بما هو مشكوك بقاء حرمته السابقة لا بما هو حيوان.

لا يقال: قد حكم في الخطابات الشرعية بنجاسة البول من الحيوان مطلقاً كما في حسنة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟ قال:

«صب عليه الماء مرتين» (1).

و صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 343، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث الأول.

39

..........

____________

الثوب؟ قال: «اغسله مرتين» (1) و قد خرج عن هذا الإطلاق بول المأكول لحمه، و إذا شك في بول أو خرء أنه من المأكول لحمه فباستصحاب عدم كونه بول المأكول لحمه، يحرز بقاؤه في الإطلاق المزبور.

فإنه يقال: ما أُشير إليه من المطلقات جواب لخصوص مورد السؤال، و البول في سؤال السائل منصرف إلى بول الإنسان.

و بتعبير آخر لم يذكر (عليه السلام) ابتداءً اغسل الجسد أو الثوب من البول مرتين كما أنه لم يذكر الجواب كذلك ليدعي الإطلاق، بل ذكر في السؤال عن إصابة البول الثوب و الجسد اغسله مرتين، و إصابة البول الجسد أو الثوب في كلام السائل ينصرف إلى بول الإنسان، و إلّا لذكر في السؤال خصوصية البول كما هو الحال في السؤال عن إصابة بول السنور أو الحمير و البغال و الدواب، و لذا لا يبعد الالتزام بكفاية الغسل و الصب مرة في إصابة غير بول الإنسان.

و على تقدير تسليم الإطلاق فنقول لا يحرز باستصحاب عدم كون البول المفروض من المأكول لحمه بقاؤه تحت الإطلاق، فإن الإطلاق المزبور مقيد بما إذا كان البول مما يحرم أكله، و ذلك فإن خطاب الأمر بغسل الثوب و الجسد من البول مرتين مع خطاب الأمر بغسل الثوب من بول ما لا يؤكل لحمه، و إن لم يكونا من المتنافيين ليعد خطاب المقيد قرينة على المراد من المطلق؛ لأن الخطابين المثبتين انحلاليان على ما هو المقرر في باب المطلق و المقيد، إلّا أن وجود خطاب ثالث بأنه لا بأس بما يصيبه بول ما يؤكل لحمه، يوجب أن يكون قوله: «اغسل ثوبك من أبوال ما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 395، الباب الأول من أبواب النجاسات، الحديث 2.

40

..........

____________

لا يؤكل لحمه» (1) قرينة على أن المراد من خطاب المطلق ليس جميع الأحكام الانحلالية، بل أبوال ما لا يؤكل لحمه.

و الحاصل أن خطاب: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» بعد ورود الأمر بنفي البأس بأبوال ما يؤكل لحمه تكون قرينة على المراد من خطاب المطلق، فيكون الموضوع للنجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، و استصحاب عدم كون المشكوك من مأكول اللحم لا يثبت أنه من بول غير المأكول لحمه.

و قد يقال: عدم جريان الاستصحاب في ناحية عدم حلية أكل لحم الحيوان مع تذكيته كالأرنب فيما شك في حلّ أكل لحمه مع تذكيته، و فيما إذا شك أن ما أصاب بوله الثوب و البدن شاة أو ذئب، و ذلك فإن إباحة أكل لحم الحيوان مع التذكية بمعنى عدم تحريم أكل لحمه حتى مع التذكية لا الإباحة الخاصة التي تقابل الاستحباب و الكراهة و الوجوب و الحرمة التي يمكن دعوى أنها مجعولة في مقابل ما ذكر، فتكون الإباحة في قوله (عليه السلام) لا بأس ببول و روث ما يؤكل لحمه (2)، نظير الإباحة و الحلية في قوله (عليه السلام): كل شي‌ء حلال حتى تعرف أنه حرام (3) و ليس للإباحة بمعنى عدم التحريم حالة سابقة عدمية، بل الحالة السابقة عدم جعل الحرمة لأكل لحم الحيوان حتى مع ذكاته، و لكنه لا يثبت أن البول مما لا يؤكل لحمه نظير ما تقدم من أن استصحاب بقاء المال لملك الغير لا يثبت أن تلفه تلف مال الغير، فيرجع إلى قاعدة الطهارة في المشكوك، و هذا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 410، الباب 9.

(3) انظر وسائل الشيعة 17: 87، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

41

و إن كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1)

____________

غاية ما خطر ببالي في تقريب ما ذكر في التنقيح (1) في الجواب عن التمسك بإطلاق ما دل على نجاسة البول و تنجس الثوب و البدن بإصابة بول الحيوان المردد بين كونه مأكول اللحم أو غير المأكول.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإن المتمسك بالإطلاق لم يذكر جريان الاستصحاب في ناحية عدم حلية أكل لحم الحيوان حتى مع ذكاته ليجاب عنه بأنه ليس لعدم الحلية حالة سابقة، بل ذكر جريان الاستصحاب في ناحية عدم انتساب البول خارجاً إلى ما يؤكل لحمه، حيث إن البول المفروض عند عدمه لم يكن منتسباً خارجاً إلى ما يؤكل لحمه، و يحتمل عدم الانتساب بحاله بعد وجوده، و إن يعلم انتسابه إلى حيوان خاص كالأرنب في الشبهة الحكمية و الصحيح في الجواب هو الوجهان الأوليان.

في الحيوان المردد بين كونه مأكول اللحم و غيره‌

(1) قد يُعلم أن الحيوان يقبل التذكية و يشك في جواز أكل لحمه، فقد يقال بحرمة أكل لحمه و شحمه سواءً كان ذلك في الشبهة الحكمية أم الموضوعية، و يقرر هذا الأصل باستصحاب حرمة الأكل الثابتة للحيوان قبل تذكيته حيث يحتمل أن لا يوجب تذكية الحيوان المزبور حلية الأكل و تبقى حرمته السابقة بحالها.

و بتعبير آخر أكل الحيوان قبل تذكيته فيما كان الحيوان قابلًا للأكل حيّاً كالسمكة الصغيرة حيث يمكن ابتلاعها حيّاً و أكل لحمه، بأن يؤخذ حال حياته قطعة من لحمه و شحمه كان محرماً و يحتمل بقاء الحرمة كذلك بعد تذكيته.

و لكن لا يخفى ما في الاستدلال فإن حرمة أكل الحيوان الحي فيما لا يمكن‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 482 فما بعد.

42

..........

____________

ابتلاعه حيّاً لا معنى لها، و فيما يمكن ابتلاعه كالسمكة الصغيرة غير ثابتة فإن قوله سبحانه «إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ» (1) استثناء عن حيوان يموت بالتردي و نحوه أو بأكل السبع، و غير ناظر إلى ابتلاع الحيوان حيّاً و حرمة أكل القطعة المبانة من الحي تكون فعلية بعد الإبانة لا قبلها، فإن ظاهر ما ورد في أن القطعة المبانة من الحي ميتة فرض الإبانة كما في سائر الموضوعات، و استصحاب هذه الحرمة بعد موت الحيوان بالذكاة أو بغيره لا يدخل في الاستصحاب التعليقي أيضاً، فإن الاستصحاب التعليقي مورده ما إذا كانت حرمة شي‌ء في خطاب الشرع معلقاً على حصول أمر في حال، و يحتمل بقاء تلك الحرمة المشروطة للشي‌ء المزبور في حال آخر، و أما إذا كانت الحرمة مجعولة للشي‌ء الخاص لم يحصل ذلك الشي‌ء و لو لعدم حصول خصوصية و شك في ثبوت الحرمة لخاص آخر كالقطعة المبانة من مذكى ذلك الحيوان فلا موضوع للاستصحاب أصلًا.

لا يقال: استصحاب حرمة الأكل فيما كان الحيوان قابلًا للابتلاع و عدم جواز أكل الحيوان حيّاً متسالم عليها عند جماعة، و على ذلك فاستصحاب هذه الحرمة بعد تذكية الحيوان جار بلا معارض، فإن ما لا يؤكل من الحيوان يكون بالحرمة المجعولة لأكله المستمر حتى ما بعد ذكاته، بخلاف ما يؤكل فإن الحرمة لأكله ترتفع مع التذكية، و بتعبير آخر لا فرق في المأكول لحمه و غير المأكول لحمه بالإضافة إلى حال حياة الحيوان، و إنما الفرق بينهما ما بعد التذكية حيث تستمر الحرمة في غير المأكول لحمه و ترتفع في المأكول لحمه.

فإنه يقال: على تقدير حرمة الأكل في الحيوان الحي فلا تبقى لتلك الحرمة‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 3.

43

..........

____________

موضوع بعد تذكية الحيوان و لو كان أكل لحم الحيوان أو شحمه محرماً بعد تذكيته أيضاً فهذه حرمة أُخرى تثبت لبعض الحيوان، و يعبر عن الحيوان بما لا يؤكل لحمه و عن حرمته بالحرمة الذاتية، و عليه فاستصحاب حرمة أكل الحيوان بعد تذكيته يكون من استصحاب القسم الثالث من الكلي؛ لأن الحرمة الثابتة له بعنوان غير المذكى قد ارتفعت يقيناً، و يشك في ثبوت الحرمة الذاتية له من الأول فالأصل عدم حدوثها.

و كون المورد من استصحاب القسم الثالث مبني على الالتزام بأن الحرمة في الحيوان غير المأكول لحمه متعددة، منها حرمة أكل الحيوان غير المذكى من غير فرق بين المأكول لحمه و غيره، و منها حرمة أكل ذلك الحيوان بلا فرق بين ما قبل ذكاته و بعدها المعبر عنها بالحرمة الذاتية.

و أما بناءً على أن حرمة أكل غير المذكى تثبت في الحيوان المأكول لحمه خاصة و لا يكون في غيره إلّا الحرمة الذاتية، يكون المشكوك المفروض من موارد الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي و مع ذلك لا يجري فيه استصحاب الحرمة بعد ذكاته لما هو المقرر في محله من عدم جريان الاستصحاب في ناحية كلي الحكم مع جريان الأصل في ناحية عدم حدوث الفرد الطويل من الحكم بلا معارض كما في المقام.

لا يقال: على تقدير الحرمة الذاتية للحيوان تكون تلك الحرمة مع حرمته بعنوان غير المذكى متحدة في الوجود لا محالة، فإن الموضوع أو المتعلق الواحد لا يحتمل حكمين مستقلين إلّا بناءً على جواز الاجتماع، و عليه فيكون استصحاب حرمته بعد تذكيته من استصحاب الشخص لا من قبيل الاستصحاب الكلي.

فإنه يقال: لو سلم ذلك فلا يجري الاستصحاب في ناحية الحرمة الفعلية السابقة‌

44

..........

____________

لعدم إحراز بقاء الموضوع لها، لاحتمال أنها كانت الحرمة بعنوان غير المذكى و قد تغير الموضوع.

و دعوى التسامح في بقاء الموضوع و أن الحرمة بعد التذكية على تقديرها تحسب بقاءً للحرمة السابقة لا تفيد، فإن استصحاب بقاء الحرمة السابقة يعارضها استصحاب عدم جعلها بالإضافة إلى ما بعد ذكاته كما هو الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، بل الموضوعية بالإضافة إلى استصحاب أحكامها لا في نفس الموضوعات.

و هذا كله على فرض الحرمة لأكل الحيوان حال حياته، و قد ذكرنا عدم معقولية ذلك فيما لا يمكن ابتلاعه، و عدم الدليل عليها فيما يمكن ابتلاعه فالمرجع أصالة الحلية، بل لا تصل النوبة إلى الأصل العملي، بل يرجع في الشبهة الحكمية بعد إحراز أن الحيوان يقبل التذكية إلى إطلاق الحصر في قوله سبحانه: «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ» (1)، و في الشبهة الموضوعية أيضاً يرجع إلى الإطلاق في المستثنى منه بعد إجراء الاستصحاب في ناحية عدم كون المشكوك من عنوان المخصص، و هذا من قبيل الاستصحاب في العدم الأزلي فلاحظ و تدبر.

ثمّ إنه قد يستدل على جواز أكل لحم الحيوان و شحمه مع إحراز كونه قابلًا للتذكية في الشبهة الحكمية بما ورد في بعض روايات الصيد من تجويز أكل الصيد لو قتله سلاح الصياد، و في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من جرح‌

____________

(1) سورة الانعام: الآية 145.

45

..........

____________

صيداً بسلاح، و ذكر اسم اللّٰه عليه، ثمّ بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع، و قد علم أن سلاحه هو الذي قتله، فليأكل منه إن شاء» (1).

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل من الصيد ما قتل السيف و الرمح و السهم» (2) هذا بالإضافة إلى الصيد البري.

و أما بالإضافة إلى صيد البحر ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صيد الحيتان و إن لم يسمّ؟ قال: «لا بأس به» (3).

و في رواية زيد الشحام: «لا بأس به إن كان حيّاً أن تأخذه» (4) و لكن لا يبعد أن يكون مفاد الروايات أنه لا يعتبر في حل الصيد إدراك ذكاته، بل يكفي في حله أن يقتله سلاح الصياد رمحاً أو سيفاً أو سهماً، بل و غيرها من السلاح و أن القتل كذلك يحسب ذكاة نظير قوله سبحانه: «فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» (5)، و إنه لا يعتبر في ذكاة الصيد أن يقتله الكلب المعلم، و أما أن أي حيوان يقبل الذكاة ليكون قتله بسلاح الصياد أو بالكلب المعلم كافياً في أكله فهذا خارج عن مدلول الآية، و الروايات المشار إليها.

و بتعبير آخر الحيوان الذي يحل أكله بالتذكية يحسب قتله بالسلاح مع ذكر اسم اللّٰه تذكيه له أيضاً، كما أن قتله بالكلب المعلم كذلك، و أما أن أي حيوان يجوز أكله بالتذكية فلا تعرض فيما تقدم لذلك، و ما ورد في صيد البحر ناظر إلى أنه لا يعتبر في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 23: 362، الباب 16 من أبواب الصيد، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) المصدر السابق: 385، الباب 33، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: الحديث 2.

(5) سورة المائدة: الآية 4.

46

..........

____________

حله ذكر اسم اللّٰه عليه، بل المعتبر فيه أخذه من الماء حيّاً؛ و لذا ما دل على أنه لا يؤكل من حيوان البحر إلّا ما له فلس لا يحسب مقيداً لإطلاق مثل صحيحة الحلبي و رواية الشحام فلاحظ.

و أما إذا كان الشك في حلية أكل الحيوان لاحتمال عدم قبوله التذكية كالكلب و الخنزير، فهل يحكم بأنه يقبل التذكية فيجوز أكل لحمه لأصالة الإباحة، أو أن مقتضى الأصل عدم حصول التذكية فلا يجوز أكل غير المذكى؟

و يقع الكلام أولًا في الشبهة الحكمية و قد ذكر في الحدائق أن غير الإنسان و الكلب و الخنزير مما لا يؤكل، و كل ما يؤكل يقبل التذكية (1).

و قد يقال بأنه يستفاد ذلك من الروايات، منها ما تقدم من أن قتل الصيد بسلاح الصياد يحسب تذكية للحيوان و لا يضر بحلّه عدم تذكيته بالذبح، و من قوله سبحانه:

«قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» (2).

و لكن لا يخفى ما في الاستدلال بهما فإن المستفاد من الروايات المتقدمة كما ذكر أن الصيد المأكول لحمه لا يعتبر فيه الذكاة المعتبر في الحيوان المأكول الأهلي، بل يكفي فيه قتله بسلاح الصيد أو بقتل الكلب المعلم فلا تعرض فيها لذكاة غير المأكول لحمه و أنه يقع عليه الذكاة أم لا، و المفروض في المقام هو الشك في حل الحيوان لاحتمال أنه لا يقع عليه الذكاة، و الآية المباركة مخصصة بغير المذكى جزماً مع أنه قد‌

____________

(1) الحدائق 5: 523.

(2) سورة الانعام: الآية 145.

47

..........

____________

ذكر فيها الميتة و يحتمل كون المفروض في المقام ميتة نظير الخنزير المذبوح.

و الاستدلال على قبول كل حيوان بالتذكية بما ورد في ذيل موثقة ابن بكير الواردة في مانعية غير المأكول لحمه عن الصلاة حتى برطوباته و فضلاته من قوله (عليه السلام):

«و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله، فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه» (1) أيضاً غير تام، فإن عدم تذكية الذابح يصدق و لو لعدم كون الحيوان قابلًا للذكاة مع أن في بعض النسخ «ذكاه الذابح أو لم يذكه» و ظاهره أن الذبح في غير المأكول قد يحقق الذكاة و قد لا يحقق.

و على الجملة المستفاد من الموثقة أن كل مأكول اللحم يقع عليه الذكاة، و كذا بعض غير مأكول اللحم، و أما وقوع الذكاة لكل ما لا يؤكل لحمه فلا دلالة لها على ذلك، فيحتمل المفروض في المقام كونه مما لا يقع عليه الذكاة فلا يجوز أكل لحمه، نعم لو ثبت أن تذكية كل حيوان هو ذبح أوداجه بالحديد مع شرط الاستقبال و ذكر اسم اللّٰه عليه، و عدم حصول الذكاة في الكلب و الخنزير لنجاستهما الذاتية فلا يوجب الذبح المزبور طهارتهما، و يدعى استفادة ذلك من رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها؟ فقال: لا تصلّ فيها إلّا ما كان منه ذكياً، قال:

قلت: أ و ليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه (2) فيثبت الذكاة في المفروض في المقام و مع احتمال حرمة أكل لحمه و شحمه يرجع إلى الإطلاق و لا أقل من أصالة الحل على ما ذكر في القسم الأول، و لكن لا سبيل لنا إلى إثبات ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 345- 346، الباب 3، الحديث 2.

48

..........

____________

فإن الرواية ضعيفة سنداً بل دلالةً أيضاً، حيث يحتمل أن يكون قوله: «بلى إذا كان مما يؤكل» بياناً لنفس الذكي لا للذكي مما يؤكل الذي يجوز الصلاة فيه، نعم يمكن كون ذيلها قرينة على الثاني فلاحظ.

و قد استدل في الجواهر على قبول كل حيوان التذكية بصحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود قال: «لا بأس بذلك» (1) فإن نفي البأس عن لبس جميع الجلود يدل على أن كل حيوان ذي جلد يقبل التذكية بضميمة ما ورد في عدم جواز الانتفاع بشي‌ء من الميتة.

و فيه أنه لو كان المراد من هذه الصحيحة نفي البأس عن الجلود في الصلاة فلا بد من حملها على التقية؛ لأنه لا تجوز الصلاة في جلود الثعالب بل الفنك و السمور فضلًا عن جميع الجلود على ما يأتي إن شاء اللّٰه في لباس المصلي.

و إن كان المراد جواز لبسها في غير حال الصلاة فلا دلالة لها على قبول التذكية، حيث إنه لم يتم دليل على عدم الانتفاع بالميتة و عدم جواز لبسها في غير الصلاة تكليفاً.

و لو فرض تمام الدليل على عدم جواز لبس جلد الميتة و لو في غير الصلاة، فغاية ما يستفاد من الصحيحة أن الثعالب و الفنك و السنجاب تقبل التذكية، و أما جميع الحيوانات من ذوات الجلود فلا؛ لأن ما دل على عدم جواز لبس الميتة يكون مقيداً لنفي البأس في الصحيحة بغير الميتة فيكون مفاد الصحيحة؛ لا بأس بجميع الجلود إلّا إذا كانت ميتة، فيكون المفروض في المقام من الشبهة المصداقية لعنوان المخصص‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 352، الباب 5 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأوّل.

49

..........

____________

فلا يمكن الأخذ فيه بالعموم، اللهم إلّا أن يقال للصحيحة مدلولان:

أحدهما: جواز لبس جميع الجلود أي الجلد من كل نوع من الحيوان بقرينة ذكر الثعالب و الفنك و السمور.

و ثانيهما: أن كل نوع من الحيوان يقبل التذكية.

و المدلول الثاني حصل للصحيحة بملاحظة ما ورد في عدم جواز الانتفاع بالميتة، و الثابت من هذا الدليل تقييد المدلول الأولي للصحيحة بكون الجلد من نوع الحيوان من غير الميتة منه، و أما تخصيص نوع من الجلود بأن يدخل الجلد من القرد في الميتة على الإطلاق فلم يثبت، بل مقتضى عموم الصحيحة بحسب الأنواع أن نوع القرد مثلًا قابل للتذكية بذبح الأوداج فلا تكون معه ميتة.

و بتعبير آخر كما أن ضم ما دل على عدم جواز الانتفاع بالميتة و عدم جواز لبسها إلى ما في الصحيحة من نفي البأس بلبس جلد الثعالب و السمور و الفنك تقتضي أن كلًا من الأنواع الثلاثة يقبل التذكية و أنه يكون مذكى بذبح أوداجها كذلك الحال في سائر الأنواع، حيث إن أفراد العموم في الصحيحة كما تقدم هي الأنواع من الجلود، نعم لو قام دليل على أن النوع من حيوان لا يقبل التذكية كالكلب و الخنزير يكون الجلد منهما خارجاً عن الصحيحة بالتخصيص.

لا يقال: معنى الميتة ما زهق روحه بغير التذكية و ليس في مفهومها إجمال، و مع الشك في قابلية نوع من الحيوان للتذكية تكون دلالة الصحيحة على أن ذلك النوع يقبل التذكية موقوفة على عدم كون ذلك النوع بزهوق روحه ميتة، و لو لعدم كونه قابلًا للتذكية فيكون التمسك بالعام في ذلك النوع و الحكم بجواز لبسه مع ذبح أوداجه من‌

50

..........

____________

التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لعنوان الخاص أو المقيد.

فإنه يقال: ما ذكر في عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية غير جار في المقام فإنّه ما ذكر ما إذا ثبت تخصيص العام بعنوان و شك في فرد أنه من أفراد المخصص أو الباقي تحت العام، و عدم جواز التمسك بالعام فيه لكون عنوان العام بعد التخصيص مقيداً بعدم ذلك العنوان فيكون صدق عنوان العام المقيد بسلب عنوان الخاص على المشكوك غير محرز، فلا يمكن التمسك به إلّا مع إحراز القيد المسلوب بالأصل.

و أما إذا لم يحرز تخصيص العام بعنوان كما إذا ورد في خطاب عدم جواز لعن المؤمن و المؤمنة، و ورد في خطاب آخر جواز اللعن على بني أُمية قاطبة، و احتمل أن لا يكون في المؤمنين و المؤمنات من بني أُمية أحد، ففي مثل ذلك لا بأس من التمسك بعدم جواز لعن كل مؤمن و مؤمنة في الفرض المحتمل من كونه بني أُمية لإثبات أنه ليس من بني أُمية، و هذا لا يدخل في التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و المقام من هذا القبيل حيث يحتمل أن يكون نوع الحيوان أو جلده من الميتة بلا فرق بين ذبحه و عدمه لعدم قبوله التذكية، فتكون الصحيحة مخصصةً بالإضافة إليه، و يحتمل أن شيئاً من نوع الحيوان غير مخصص، و إنما الثابت في الأنواع تقييد نفي البأس فيها بكون ذلك النوع، و كذا كل من الأنواع من غير الميتة فلا بأس بالتمسك بعموم الصحيحة بالإضافة إلى الأنواع، و أن في كل منها ما لا يكون ميتة.

و ذكر في المستمسك في الجواب عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية أنه إذا ورد على خطاب العام مخصص منفصل يثبت للعام دلالة التزامية، بأن الفرد المشكوك ليس من أفراد عنوان المخصص، و هذه الدلالة الالتزامية لا تكون معتبرة إلّا‌

51

..........

____________

إذا كان بيان كونه من أفراد المخصص من وظيفة الشارع (1)، كما إذا ورد كل ماء مطهر من الحدث و الخبث، و ورد في خطاب منفصل بأن الماء المتنجس لا يرفع حدثاً و لا خبثاً، و شك في ماء أنه متنجس أم لا بالشبهة الحكمية، كما إذا شك في أن الغسالة التي يعقبها طهارة المحل متنجسة أم لا، ففي مثل ذلك يتمسك بما دل على مطهرية كل ماء لإثبات أن الغسالة المزبورة ليست من المتنجس و إذا كان للمشكوك بكونه مصداقاً للعنوان المخصص جهتان يكون في إحدى جهتيه بيانها من وظيفة الشارع و لم يكن بيان جهته الأُخرى وظيفته، فيتمسك بتلك الدلالة الالتزامية فيما إذا كان الشك في جهته التي وظيفة الشارع بيانها.

و الأمر في المقام من هذا القبيل؛ لأن صحيحة علي بن يقطين (2) الدالة على عدم البأس بجميع الجلود مخصصة بخطاب النهي عن الانتفاع، و لبس الميتة و الحيوان المشكوك كونه من الميتة فيه جهتان، أحدهما: هل ذبحت أوداجه أم لا، و الثانية: أن نوعه قابل للتذكية أم لا، و إذا شك فيه من الجهة الأُولى فلا يجوز فيه التمسك بالدلالة الالتزامية للصحيحة بأنه ليس من الميتة، و إذا شك في كونه ميتة من جهة نوعه قابلًا للتذكية فيتمسك بتلك الدلالة و إثبات أنه مع ذبح أوداجه إلى القبلة و ذكر اسم اللّٰه عليه ليست ميتة.

أقول: لا موجب لعدم اعتبار الدلالة الالتزامية مع ثبوتها فعدم اعتبارها لعدم ثبوتها أصلًا، حيث إن حكم العام بعد ورود خطاب المخصص لا يكون بحسب‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 292- 293.

(2) وسائل الشيعة 4: 352، الباب 5 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

52

..........

____________

المتفاهم العرفي لنفس العام بل يتقيد موضوعه بما ليس فيه عنوان المخصص.

و إذا ورد لا تكرم الفساق من العلماء بعد خطاب أكرم كل عالم يكون الموضوع بطلب الإكرام العالم المسلوب عنه عنوان الفاسق، فيكون صدقه على المشكوك غير محرز فلا يثبت له الحكم إلّا إذا جرى الأصل في ناحية عدم عنوان الخاص.

نعم، ما ذكر في مثل التمسك بعموم مطهرية الماء عند الشك في نجاسة الغسالة مثلًا صحيح، و ذلك لأنه لم يرد في خطاب أن الماء المتنجس لا يكون مطهراً، بل الوارد عدم جواز الوضوء و الشرب من بعض المياه كالذي وقعت فيه قذر أو نحوه، و مثل ذلك لا يعم الغسالة مطلقاً أو التي يتعقبها طهارة المحل، فالخارج من مطهرية الماء تلك الموارد المعبر عنها بتنجس الماء، و بما أنه لم يرد في الغسالة شي‌ء من تنجسها أو عدم جواز الوضوء و الشرب منها يؤخذ فيها بعموم كون الماء مطهراً، فيثبت عدم تنجسها.

و العمدة في الجواب ما ذكره من أن المفروض في المقام من موارد الشك في التخصيص لا من موارد الشك في دخول الفرد في عنوان المخصص، و هذا كله أي استفادة قابلية كل حيوان للتذكية من الصحيحة مبني على ثبوت عدم جواز لبس الميتة في غير الصلاة أيضاً، و لكن سيأتي جوازه و جواز سائر الانتفاعات غير المشروطة بالطهارة منها، و عليه فلا دلالة للصحيحة أو غيرها على قابلية كل حيوان للتذكية أصلًا.

و لم يبق في البين إلّا دعوى أن ذكاة الحيوان مما له نفس سائلة بذبح أوداجه أو صيده بنحو لو وقع على المحلل أكله موجباً لجواز أكله، و أن ذكاة الحيوان بهذا النحو يوجب خروجه عن عنوان الميتة المحكوم عليها بالنجاسة من كل ذي نفس، و بتعبير آخر تذكية كل ذي نفس ليس إلّا أن يحكم الشارع على الحيوان بذبح أوداجه و نحوه‌

53

..........

____________

بعدم كونها ميتة، و أنه في بعض الحيوان موضوع لجواز أكل لحمه و شحمه، و لو كان بعض الحيوان مع ذبحه أو صيده مع ما اعتبر فيهما من القيود من الميتة نظير الكلب و الخنزير لُاشير إليه في بعض الروايات، حيث لا يحتمل أن يكون بين الحيوانات من ذي النفس فرق في كون بعضها مع ذبح أوداجها و صيده مذكى مع عدم جواز أكله و لا يكون بعضه الآخر كذلك مع ما ورد في رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة «أو ليس الذكي ممّا ذكي بالحديد؟ قال: بلى» (1).

أضف إلى ذلك أنه لو كان المراد بقابلية الحيوان للتذكية الخصوصية الخارجية التي تكون بالحيوان و أنها دخيلة في صدق عنوان التذكية عرفاً على فري أوداجه فلا يعرف منها إلّا كون الحيوان من ذي النفس السائلة خصوصاً بعد ما أحرز أن التذكية تقع على غير المأكول و لو في الجملة، و لجميع السباع كما هو مدلول موثقة عبد اللّه بن بكير المتقدمة (2) و غيرها كما يأتي.

و الحاصل أن للتذكية معنى عرفي يحمل الواقع في كلام الشارع عليه و إن زاد فيها قيود لذكر اسم اللّٰه عليه و التوجه إلى القبلة، و كون ذابحه مسلماً، و إن كان المراد القابلية الشرعية فليست القابلية لاعتبار الشارع إلّا عدم كون اعتباره لغواً كاعتبار التذكية على فري أوداج الكلب و الخنزير أو كون الشي‌ء بحيث يكون فيه ملاك الاعتبار و الملاك لا يدخل في الحكم الذي منه اعتبار التذكية بإمضاء التذكية العرفية، و في رواية الصيقل:

«فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 3: 462- 463، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 4.