المواهب في تحرير أحكام المكاسب

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
949 /
5

[مقدمات التحقيق]

تصدير: بقلم الأُستاذ المحاضر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

التشريع الإسلامي و التحدّيات المعاصرة

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على نبيّه نبي الرحمة، و على الأصفياء من عترته، صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج، و الأرض ذات فجاج.

أمّا بعد؛ فقد ارتحل النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) و ترك بين الأُمّة وديعتين عظيمتين، و ثقلين كريمين، ألا و هما: الكتاب و العترة، و جعلهما المرجع للمسلمين من بعده في جميع الأعصار. و الأُمّة الإسلامية و إن اختلفت في أمر الخلافة بين التنصيص و الانتخاب لكنّها لم تكن مختلفة- حسب تنصيص الرسول- في أنّ الزعامة العلمية و تبيين التشريع الإسلامي على عاتق الكتاب و العترة، فلأجل ذلك اقتفت أُمّة كبيرة من المسلمين إثر الكتاب و العترة في مجال العقائد و الأُصول، و الأحكام و الفروع، و ليس قول العترة إلّا قول الرسول، فشيعة أهل البيت يصدرون عن الكتاب أوّلًا، و أقوال العترة و أفعالهم ثانياً، فالاجتهاد عندهم قائم على تينك الدعامتين.

6

إنّ الأُصول الموجودة في الكتاب و أحاديث العترة، أغنت الشيعة عن الرجوع إلى سائر المقاييس الظنيّة التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، و قد استنطقوا كتاب اللّه و روايات العترة في ظل الاجتهاد عبر قرون تربو على أربعة عشر قرناً، و قد أعانهم على إجابة كلّ حاجات الحياة، انفتاحُ باب الاجتهاد لديهم منذ رحلة النبي الأعظم إلى زماننا هذا، و بذلك حفظوا للفقه نضارته، و للشرع طراوته و عدم اندراسه.

إنّ النظر إلى الفقه الإسلامي بنظرة جامدة، يُعرقل خطاه للقيام بواجبه في كلّ عصر، و لا يتلاءم مع خاتمية الرسالة و التشريع الإسلامي، و هذا يفرض على المجتهد أن ينظر إلى الفقه بوجه يستطيع تبيين التشريع الإسلامي في جميع الموضوعات و في جميع الأجيال و القرون إلى يوم القيامة.

إنّ قيام التشريع الإسلامي بهذه الوظيفة المهمّة يتوقّف على ثبوت أمرين:

الأوّل: أن تكون مصادر الفقه غزيرة وافرة و ذات مادة حيوية يستطيع الفقيه بالإمعان فيها إعطاء كلِّ موضوع حقّه، سواء أ كان موجوداً في عصر الرسول و الأئمّة (عليهم السلام) أم كان موضوعاً مستجدّاً.

الثاني: استنطاق الكتاب و الأحاديث عن طريق الاجتهاد و بذل الجهد في طريق الاستنتاج، و كان هذا هو الرأي السائد على الفقه الإسلامي عبر قرون، بيد أنّ أهل السنّة أقفلوا باب الاجتهاد في أواسط سابع القرون لمسائل سياسية يعرفها من عرف تاريخ الاجتهاد. ( (1))

____________

(1) لاحظ: مفاهيم القرآن: 3/ 295- 302، و لاحظ: الخطط المقريزية: 2/ 333- 334.

7

تقسيم المسئوليات الفقهية بين الفقهاء

إنّ الرائج في العصور السابقة، قيام فقيه واحد بكلّ المسئوليات الفقهية و استنباط جميع الأحكام الشرعية في مختلف أبواب الفقه، فألف غير واحد من الفقهاء موسوعات فقهية كبيرة في أجزاء كثيرة، من شأنها أن تقوم بتأليفها لجنة فقهية، لا فقيه واحد، شكر اللّه مساعيهم.

غير انّ الظروف السائدة تفرض على الفقه و الفقيه، فتح اختصاصات فقهية للممارسين له حتّى يكون الاجتهاد- منضمّاً إلى التخصص في نواح معيّنة- موجباً لتعميق الفقه و تكفّله لإدارة المجتمع و غنائه عن التطفّل على موائد الأجانب.

إنّ طروء الموضوعات الجديدة في الحياة، في ظل الحضارة الصناعية، و توسع نطاق التشريعات المدنية و الدولية في العالم، جعل التشريع الإسلامي أمام تحديات جديدة، و فتح آفاق حديثة كانت غير موجودة في القرون الغابرة، فكما أنّ الظروف السابقة فرضت علينا التحفّظ على انفتاح الاجتهاد بمعنى استنطاق الكتاب و الحديث في كلّ مورد، فهي تفرض علينا- في هذا العصر- تقسيم المسئوليات بين ذوي المواهب الفقهية، حتّى يظهر من ضم هذا- فتح باب التخصصات- إلى ذاك- فتح باب الاجتهاد- تفوّق التشريع الإسلامي و تعمّقه بالنسبة إلى التشريعات القائمة في العالم التي تستوردها كلّيات الحقوق و مجالس التشريع في الدول المتحضّرة، و لن تتحقّق تلك الأُمنية إلّا بتوجّه كلّ من ذوي الأذواق المختلفة إلى ما يلائم ذوقه في الأبواب الفقهية المختلفة.

نحن نرى بأُمِّ أعيننا أنّ الطب كان علماً واحداً و كان طبيب واحد يقوم بجميع الحاجات الطبيّة في العصور السابقة، و لكن ازدياد الحاجات و تقدّم الحضارة في مجال العلاج و الطبابة، و اكتشاف آفاق جديدة في بدن الإنسان‌

8

و روحه، فرض على الأطباء مسألة التخصّص و انتخاب كلِّ طبيب ما يلائم روحه و فكره و ذوقه و سليقته بعد تعلّم الطب العام الذي يورث الإنسان إلماماً بأُصول الطب، و قد انتفع بهذا الموضوع المجتمع البشري، و لو لا هذا التخصّص لكان الطب فاشلًا أمام الحاجات الهائلة.

إنّ هذا الأمر يفرض على الفقه فتح أبواب تخصّصيّة في الفقه، ليمارس فقيه واحد قسماً خاصّاً من أبواب الفقه الذي يلائم ذوقه و فكره، مثلًا يستقل باستنباط الأحكام العبادية فقيه، و يترك أبواب العقود و المعاملات لغيره حتّى يكتسب الفقه عمقاً و شمولًا.

إنّ الحضارة الحديثة، طرحت موضوعات في الحياة البشرية تحتاج إلى دراسة معمّقة، فجاءت بتشريعات و تقنينات في أبواب المعاملات، و الحقوق و في أبواب السياسات و التأديبات، و القضاء و فصل الخصومات، و غير ذلك ممّا يقف عليها من درس الفقه المدني أو الدولي أو تخرج عن كليات الحقوق الغربية في المجالات المختلفة، و هذا يفرض علينا دراسة هذه الموضوعات و هذه التقنينات و التشريعات خصوصاً في ما يرجع إلى الحقوق الفردية و الاجتماعية، و السياسية: المدنية و الدولية، و من المعلوم أنّ دراسة هذه الأُمور تستغرق وقت الفقيه، و إفاضة الوقت في هاتيك المجالات، تعرقل خطا الفقيه عن الاستيعاب بما يمت إلى هذا القسم بصلة.

و نحن لا نشكّ في أنّ رسالة الفقه الإسلامي في ضوء الكتاب و السنّة رسالة شاملة قادرة على حلّ جميع المشاكل، و إعطاء حكم كلّ موضوع فيما يطرح: حول الفرد و المجتمع، حول الحقوق و الاقتصاد، حول السياسة و القضاء، و لكن القيام الدقيق بهذه الوظائف يستنفد طاقات الفقيه إذا حاول أن يكون مجيداً في‌

9

الاستنباط، متفوّقاً في مجال الفقه، و هذا يفرض مسألة التخصّص، بمعنى تقسيم المسئوليات الفقهية بين الفقهاء العظام.

إنّ رفض مسألة التخصّص و انكباب الكثيرين من الفقهاء على أبواب محدودة أتاح الفرصة لغير ذوي المؤهّلات فقاموا- من دون كفاءة- بتبيين التشريع الإسلامي في مجالات الحقوق و السياسة و الاقتصاد، مع أنّهم لا يعرفون من الفقه إلّا ألفاظاً جوفاء و قواعد محدودة ليست لهم أهلية الاستنباط و الاجتهاد.

إنّ فتح باب التخصّص في التشريع الإسلامي لا يعني وقوف فقيه على باب من أبواب الفقه دون باب آخر، فإنّ هذه فكرة خاطئة، بل يعني تقسيم المسئوليات الكبرى بعد نيل درجة الاجتهاد و كسب المقدرة على أن يستنبط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية، بل بعد ما مارس أبواباً مختلفة في ظروف خاصة حتّى تبلورت سليقته و ظهرت أهليته و بان ذوقه و شمه، فعليه- عند ذلك- أن يختار، ما يوافق ذوقه و مواهبه.

هذه هي «الشركة» في الحقوق المدنية ترى فيها أقساماً كثيرة تربو على الستة، و هذه هي مسألة «التأمين» بأقسامها المختلفة في مجال الصناعة و غيرها، و هذه هي المسائل السياسية العالمية، و الحقوق المدنية و الدولية و ... كلّ ذلك يفرض علينا، فتح باب التخصّصات في الحوزات العلمية.

و هناك وجه آخر للزوم فتح هذا الباب في وجه الفقهاء العظام، و هو اختلاف المسائل الفقهية في المبادئ التي يحتاج إليها الفقيه في استنباط أحكامها، فانّ المسائل الفقهية و إن كانت تشترك في المبادئ العامّة التي ذكرها المحقّقون في باب الاجتهاد و التقليد، و لكن أبواب العقود و الإيقاع، تختلف عن أبواب العبادات، و كلاهما يختلفان عن أبواب السياسات و التأديبات و ... من حيث‌

10

المبادئ الخاصّة، فالفقيه في استنباط الأحكام العبادية يحتاج إلى دراسة الكتاب و السنّة سنداً و متناً أزيد من دراستهما في أبواب المعاملات، فانّ النصوص في العبادات كثيرة بخلاف أبواب المعاملات فإنّ فيها الكليّات و القواعد التي ربّما لا تحتاج إلى مثل هذه الدراسة، و لكن تحتاج إلى مبادئ أُخرى، و من المعلوم أنّ صرف الوقت في جميع هذه المجالات يستنفد الطاقة، فيصد الإنسان عن التعمّق و التدبّر الكافي، إلّا النوابغ القلائل الذين يَضنُّ بهم الدهر إلّا في فترات خاصّة.

أسأله سبحانه أن يوفّقني لتبيين هذه النظرية في مجال آخر حتّى استوفي حقّها.

و في الختام نضع أمام القارئ هذه المباحث في مجال المكاسب المحرّمة التي ألقيناها على عصبة من فضلاء الحوزة، و قد قام بتحريرها و ضبطها و استخراج مصادر أحاديثها، قرة عيني، العالم الجليل و الفاضل النبيل، الجامع بين العلم و التقى، الفائق على كثير من أقرانه، البارع على لفيف من أمثاله: الشيخ سيف اللّه اليعقوبي الأصفهاني- دامت بركاته-.

فجاء الكتاب سفراً محرّراً بعبارات واضحة، خالياً عن الإجمال المخلّ و الإطناب المملّ، أسأله سبحانه أن يوفّقه لنشر سائر ما كتب من أبحاثنا الفقهية، و أُوصيه بالاحتياط التام في مواضع الشبهات، و أن لا ينساني من الدعاء كما لا أنساه إن شاء اللّه.

جعفر السبحاني

قم المشرفة

22 جمادى الآخرة من شهور عام 1410 ه‍-

11

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على عباده الذين اصطفى، محمّد و آله خير الورى، لا سيّما على خاتم الأوصياء، عليه آلاف التحية و الثناء.

أمّا بعد: فإنّ علم الفقه- الذي هو العلم بالوظائف في هذه الحياة الدنيا- من أفضل العلوم و أسماها، لاتّصاله باللّه سبحانه أوّلًا، و كونه مصدر السعادة في الدارين ثانياً، و قد بلغ حثّ أئمّة أهل البيت على تعلّمه إلى حد، ودّوا أن تكون السياط على رءوس أصحابهم حتّى يتفقّهوا. كيف و الإنسان هو الذي تحمّل الأمانة الإلهية في هذه النشأة، و أمّا غيره فأبى عن تحمّلها و أشفق منها، و ما هذه الأمانة إلّا العمل بالوظائف الإلهية المتوجّهة إلى الإنسان في دار الدنيا، و على ضوء ذلك فالفقه و الفقيه يلقيان الضوء على الطريق حتى يمشي المجتمع في ضوئهما إلى معالم السعادة و مراكزها.

ثمّ إنّي بحمد اللّه ممّن وفقه اللّه تعالى لدراسة هذا العلم و النظر فيه، سنين متمادية، و قد جعلت محور استفادتي في هذا العلم دروس شيخنا العلّامة، الحجة، المحقّق، الفقيه، الأُستاذ الأكبر آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني- (دام ظله)- كيف و شيخنا الأُستاذ- (مدّ ظله)- أحد من وفّقه اللّه سبحانه لنشر العلوم الإسلامية و تدريسها و تربية جيل جديد من العلماء و الفضلاء، في مجال علوم الشريعة، أُصولها و فقهها، و له على العلم و أهله أياد بيضاء.

12

و لمّا وقع ما كتبته في قسم المكاسب المحرّمة موقع القبول و الرضا منه، و قد قرأ فصوله و أبوابه، استجزته لطبعه فأجازني، فاشكر اللّه سبحانه على توفيقه لهذا الإنجاز، و أرجوه أن يوفّقني لنشر كلّما ضبطته و حررته من دروس شيخنا الأُستاذ- (دام ظله الوارف)- إنّه سميع الدعاء.

قم- الحوزة العلمية

سيف اللّه اليعقوبي القمشئي

26 جمادى الآخرة 1410 ه‍-

13

[تمهيد]

قال شيخنا الأُستاذ- (دام ظله)-:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على نبيّه و خيرة خلقه محمّد، و على الأصفياء من عترته الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس و طهّرهم تطهيراً. (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلىٰ وٰالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صٰالِحاً تَرْضٰاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي). ( (1))

أمّا بعد؛ فإنّ الكلام يقع في أحكام المكاسب، حلالها و حرامها، سائغها و محظورها. و إن كان النظر إلى القسم المحرّم أكثر، فنقول:

«المكاسب» جمع «مكسب» كمفاعل جمع «مفعل» و تتّحد في مفرده زنة المصدر الميمي و أسماء الزمان و المكان. و المراد في المقام هو الأوّل، بمعنى الكسب أو الاكتساب. و لو أُريد منه اسم المكان، فالمراد بيان أحكام الموضوعات التي يكتسب بها، فالأوّل هو الأنسب في المقام، بل المتعيّن.

إنّ «الشيخ الأعظم» صدّر كتابه ب‍‌

الروايات العامّة، التي تتضمّن قواعد كلّية في أحكام المكاسب

، و استند إليها في المسائل التي طرحها فيما بعد. و هي لا تتجاوز عن روايات أربع:

____________

(1) الأحقاف: 15.

14

1. رواية تحف العقول.

2. رواية الفقه الرضوي.

3. رواية دعائم الإسلام.

4. النبوي الوارد في الكتب الفقهية الاستدلالية.

و إليك دراسة هذه الروايات سنداً و دلالة.

15

1 حول رواية «تحف العقول»

روى الحسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول» عن الصادق (عليه السلام): أنّه سئل عن معايش العباد؟ فقال: «جميع المعايش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب، أربع جهات، و يكون منها حلال من جهة، حرام من جهة.

فأوّل هذه الجهات الأربعة: الولاية، ثمّ التجارة، ثمّ الصناعات تكون حلالًا من جهة حراماً من جهة، ثمّ الإجارات.

و الفرض من اللّه تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، و العمل بذلك الحلال منها، و اجتناب جهات الحرام منها.

فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر اللّه بولايتهم على الناس، و الجهة الأُخرى: ولاية ولاة الجور.

فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل، و ولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل، بلا زيادة و لا نقصان، فالولاية له و العمل معه و معونته و تقويته حلال محلل.

و أمّا وجه الحرام من الولاية: فولاية الوالي الجائر، و ولاية ولاته، فالعمل لهم‌

16

و الكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام محرّم، معذّب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأنّ كلّ شي‌ء من جهة المئونة له معصية كبيرة من الكبائر، و ذلك انّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كلّه، فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم و الكسب معهم إلّا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم و الميتة.

و أمّا تفسير التجارات في جميع البيوع و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع ممّا لا يجوز له، و كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه ممّا لا يجوز له: فكلّ مأمور به ممّا هو غذاء للعباد، و قوامهم به في أُمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، و كلّ شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله وهبته و عاريته.

و أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء: فكلّ أمر يكون فيه الفساد، ممّا هو منهيّ عنه، من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شي‌ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش و الطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شي‌ء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام و محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه، فجميع تقلّبه في ذلك حرام، و كذلك كلّ بيع ملهو به، و كلّ منهيّ عنه ممّا يتقرّب به لغير اللّه، أو يقوى به الكفر و الشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحقّ، فهو حرام محرّم بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه وهبته و عاريته و جميع التقلّب فيه، إلّا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك.

17

و أمّا تفسير الإجارات: فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره- إلى أن قال-:

و أمّا تفسير الصناعات: فكلّ ما يتعلّم العباد أو يعلّمون غيرهم، من أصناف الصناعات، مثل الكتابة و الحساب و التجارة و الصياغة و السراجة و البناء و الحياكة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير- ما لم يكن من ذوات الأرواح- و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد- منها منافعهم و بها قوامهم و فيها بلغة جميع حوائجهم- فحلال فعله و تعليمه و العمل به و فيه لنفسه أو لغيره.

و إن كانت تلك الصناعة و تلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد و وجوه المعاصي و تكون معونة على الحقّ و الباطل فلا بأس بصناعته و تعليمه، نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد تقوية و معونة لولاة الجور، كذلك السكين و السيف و الرمح و القوس، و غير ذلك من وجوه الآلة التي تُصرف إلى جهات الصلاح و جهات الفساد، و تكون آلة و معونة عليهما، فلا بأس بتعليمه و تعلّمه و أخذ الأجر عليه و العمل به و فيه لمن كان له فيه جهات الصلاح، من جميع الخلائق، و محرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد و المضار.

فليس على العالم و المتعلّم إثم و لا وزر، لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم و قوامهم و بقائهم.

و إنّما الإثم و الوزر على المتصرّف بها في وجوه الفساد و الحرام، و ذلك إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها، التي يجي‌ء منها الفساد محضاً، نظير البرابط و المزامير و الشطرنج، و كلّ ملهوّ به، و الصلبان و الأصنام، و ما يشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام، و ما يكون منه و فيه الفساد محضاً، و لا يكون منه و لا فيه‌

18

شي‌ء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به، و أخذ الأجر عليه، و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها، إلّا أن تكون صناعة قد تتصرف إلى جهات الصنائع، و إن كان قد يتصرّف بها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلّة ما فيه من الصلاح، حل تعلّمه و تعليمه و العمل به، و يحرم على من صرفه إلى غير وجه الحقّ و الصلاح. فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معايش العباد و تعليمهم في جميع وجوه اكتسابهم- إلى أن قال-:

و أمّا ما يجوز من الملك و الخدمة فستة وجوه:

ملك الغنيمة، و ملك الشراء، و ملك الميراث، و ملك الهبة، و ملك العارية، و ملك الأجر.

فهذه وجوه ما يحلّ و ما يجوز للإنسان إنفاق ماله و إخراجه بجهة الحلال في وجوهه، و ما يجوز فيه التصرّف و التقلّب من وجوه الفريضة و النافلة. ( (1))

و الكلام يقع تارة في المؤلِّف، و أُخرى في المؤلَّف

أمّا الأوّل: فهو: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني. يروي عن: أبي علي محمد بن همام الاسكافي (المتوفّى عام 336 ه‍-) ( (2)) و يروي أيضاً عن «ابن همام»، محمد بن جعفر بن قولويه مؤلّف «كامل الزيارات» ( (3)) (المتوفّى عام 367 أو 369 ه‍-) و على ذلك يكون الرجل في طبقة «ابن قولويه»، متقدّماً بقليل على الشيخ الصدوق (المتوفّى عام 381 ه‍-) و قد ذكر أرباب المعاجم ترجمته و قيمة كتابه في كتبهم.

____________

(1) الوسائل: 12/ 54، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) أرّخ وفاته كما ذكرناه، الرجالي العظيم النجاشي فراجعه.

(3) انظر الباب 73، الحديث 1 من كتاب كامل الزيارات.

19

أمّا وثاقته فلم يتعرّض أحد من القدماء له بالوثاقة و لا بالضعف، نعم وثّقه كثير من المتأخّرين، كالشيخ إبراهيم القطيفي مؤلف كتاب «الوافية في تعيين الفرقة الناجية»، و القاضي نور اللّه التستري في «مجالس المؤمنين» في ترجمة أبي بكر الحضرمي، و الشيخ الحر العاملي في كتاب «أمل الآمل» و العلّامة المجلسي في مقدّمة «البحار»، و المولى عبد اللّه الأفندي صاحب «الرياض» و السيد الخونساري الاصفهاني صاحب «الروضات»، و نقل الشيخ حسين بن علي بن صادق البحراني في كتابه «الطريق إلى اللّه»: أنّ شيخنا المفيد يروي عنه. ( (1))

و أمّا الثاني:- الكتاب- فلا شكّ أنّه من أجلّ الكتب، و يعرّفه المجلسي بقوله: إنّ نظمه يدلّ على رفعة شأن مؤلّفه، و قد حوى من المواعظ ما فيه حياة للقلوب.

و أمّا الكلام في اعتبار نفس الرواية التي صدَّر بها الشيخ كتابه: فانّها مرسلة، لا مسندة، و هناك قرائن تدلّ على أنّ الرواية منقولة بالمعنى، و لأجل ذلك حصل في متنها غلق و اضطراب، و إن كان أكثر مضامينها مطابقة للروايات المعتبرة.

و على أيّ حال فهل يمكن الاعتماد عليها في عامّة مضامينها- خصوصاً في المتفردات- أو لا؟ الظاهر لا، لوجود بعض المناقشات فيها:

الأوّل: أنّها مرسلة و لا جابر لها، و هي و إن كانت مشهورة، لكن الاشتهار مربوط بالأعصار المتأخّرة، و الجابر هو الشهرة بين القدماء. و الذي يسهل الخطب: (إنّ جلّ روايات الكتاب- حسب ما لاحظناه- مراسيل لا مسانيد) و لعلّه ترك‌

____________

(1) الكنى و الألقاب: 1/ 318.

20

الأسانيد لأجل ثبوت صحّة الأحاديث عنده، كما فعله أحمد بن علي الطبرسي في ما رواه في كتاب «الاحتجاج».

الثاني: انّ السائل سأل عن مقدار جهات معايش العباد فأجاب الإمام بأنّها منحصرة في أربع: 1. الولايات 2. التجارات 3. الصناعات 4. الإجارات.

مع أنّ جهات المعايش لا تنحصر فيما ذكر، فإنّ منها الحيازات، و الزراعات و النتاجات، و الاصطياد، و غرس الأشجار، و الأسباب القهرية كالمواريث، و هي غير داخلة في الجهات المذكورة في الحديث.

و ربّما يجاب عنه بأنّ صدر الحديث و إن كان ظاهراً فيما ذكر، لكن الإمام (عليه السلام) عدل عن الجواب إلى بيان جهات المعايش من جهة خصوص المعاملات، و لأجل ذلك حصرها في أربع، حيث قال (عليه السلام): «جميع المعايش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب» فالمقسم هو التعايش من طرق المعاملات.

و أنت خبير بأنّ الجواب لا يدفع الإشكال بحذافيره، لما فيه:

أوّلًا: أنّ المراد من الولاية ليست الولاية العامّة التي جعلها اللّه لخاصّة أوليائه، أو للعدول من فقهائه، و إنّما المراد منها هو الولاية العرفية الخاصّة للولاة و عمّالهم، و من المعلوم أنّ الولاة اجزاءٌ للحكومات. فالولاية بهذا المعنى داخلة تحت الإجارات، و المراد من الإجارة هو المعنى الأعم الذي يدخل فيه مثل الجعالة و الولاية، و عليه فلا وجه لعدّها مستقلة. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ جعلها قسيماً للإجارة لأجل ترفيع مقام الولاية، و بذلك أفردها عن الإجارة بالذكر.

21

و ثانياً: إن أُريد من الصناعات نفس العمل، أعني: ذات البناء و الخياطة من دون ملاحظة الطوارئ- من كون الإنسان أجيراً في إيجادها و إحداثها- فهي ليست قسماً من المعاملات.

و إن أُريد منها العمل المعقود عليه، كما إذا آجر نفسه لأجل البناء و الخياطة، فهو داخل تحت الإجارة، و إن باع عمل نفسه فهو داخل تحت التجارة، و بالجملة لا يظهر- لجعل الصناعة قسماً مستقلًا- وجه.

الثالث: انّه مشتمل على ما لا يقول به المشهور، أعني: حرمة التصرّف و التقلّب مطلقاً فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد، أو يكون فيه شي‌ء من وجوه النجس، و من المعلوم أنّ التصرّف و الإمساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد و النجس ليس حراماً على الإطلاق، و إنّما يحرم فيما إذا كان الاستعمال في جهة الفساد، أو يكون الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة، كيف؟ و قد روى سماعة في الموثّق، قال: سألته عن لحوم السباع و جلودها؟ فقال: «... أما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه». ( (1))

الرابع: التعارض في بعض فقراتها في ضابطي الحلّ و الحرمة، فقد قال في ضابطة الحل: أن يكون فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كلّه حلال بيعه. و ذكر في ضابطة الحرمة: أن يكون فيه وجه من وجوه الفساد. فعندئذ يقع التزاحم أو التعارض في ذي الجهتين: الصلاح و الفساد، في الصنائع التي فيها الجهتان.

الخامس: وجود التشقيق و التصنيف الذي يناسب كتب المصنّفين؛ و الذي يسهل الخطب في هذا الوجه أنّ التشقيق بهذا الوصف موجود في عهد الإمام (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل: 3/ 256، الباب 5 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 3.

22

إلى مالك، و في رسالة الحقوق «لعلي بن الحسين (عليه السلام)»، و قد نقل صاحب «تحف العقول» كلًا من العهد و الرسالة في كتابه.

و مع هذا كلّه فقد قال السيد الطباطبائي (قدس سره) في تعليقته: إنّه يستفاد من ذلك الحديث اثنتا عشرة قاعدة كلّية، فلاحظ. ( (1))

هذا كلّه حول حديث تحف العقول.

____________

(1) 1. حرمة الدخول في أعمال السلطان الجائر و حرمة التكسّب بهذه الجهة.

2. حرمة الإعانة على الإثم.

3. جواز التجارة بكلّ ما فيه منفعة محلّلة.

4. حرمة التجارة بكلّ ما فيه مفسدة من هذه الجهة.

5. حرمة بيع الأعيان النجسة، بل المتنجّسة إذا جعل المراد من الوجوه، الأعم.

6. حرمة كلّ عمل يقوى به الكفر.

7. حرمة كلّ عمل يوهن به الحق.

8. جواز الإجارة بالنسبة إلى كلّ منفعة محلّلة.

9. حرمة الإجارة في كلّ ما يكون محرماً.

10. حلية الصناعات التي لا يترتب عليها الفساد.

11. حرمة ما يكون متمحّضاً للفساد.

12. جواز الصناعة المشتملة على الجهتين بقصد الجهة المحلّلة، بل يظهر من الفقرة الأخيرة، جوازها مع عدم قصد الجهة المحرّمة، و إن لم يكن قاصداً للمحلّلة.

23

2 حول رواية «الفقه الرضوي»

قال في «الفقه الرضوي»: «... اعلم يرحمك اللّه أنّ كلّ مأمور به ممّا هو منّ على العباد، و قوام لهم في أُمورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، و ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته.

و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه لوجه الفساد، و مثل الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و الربا، و جميع الفواحش، و لحوم السباع، و الخمر، و ما أشبه ذلك، فحرام ضار للجسم، و فساد للنفس». ( (1))

أمّا الفقه الرضوي فقد اختلفت فيه الأقوال، و إليك بيان الأقوال المشهورة.

الأوّل: انّه من منشآت الإمام (عليه السلام)، اختاره المجلسي الأوّل (رحمه الله)، و يظهر أيضاً من ولده، و إليك لفظهما:

قال العلّامة المجلسي الأوّل في «روضة المتّقين»:

____________

(1) مستدرك الوسائل: 13/ 65، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

24

اعلم أنّ السيد الثقة الفاضل المعظم القاضي مير حسين- طاب ثراه- كان مجاوراً في «مكة المعظمة» سنين، و لمّا رجع إلى أصفهان، ذكر لي انّي جئت بهدية نفيسة إليك، و هو الكتاب الذي كان عند القميّين و جاءوا به إليّ، عند ما كنت مجاوراً، و كان على ظهره، انّه يُسمّى ب‍- «الفقه الرضوي» و كان فيه بعد الحمد و الصلاة على محمد و آله: «أمّا بعد فيقول عبد اللّه علي بن موسى الرضا» و كان في مواضع منها خطه (صلوات اللّه و سلامه عليه). و ذكر «القاضي»: انّ من كان عنده هذا الكتاب، ذكر أنّه وصل إلينا عن آبائنا، انّ هذا الكتاب من تصنيف الإمام- (صلوات اللّه عليه)- و كانت نسخة قديمة مصحّحة فانتسخت منها. و لمّا أعطاني القاضي نسخته انتسخت منها، و كان عندي مدّة ثمّ أخذ منّي بعض التلامذة و نسيت الآخذ، جاءني به بعد تأليفي بهذا الشرح، فلمّا تدبّرته ظهر انّ جميع ما يذكره «علي بن بابويه» في الرسالة فهو عبارة هذا الكتاب ممّا ليس في كتب الحديث ....

و الظاهر انّه كان هذا الكتاب عند «الصدوقين» و حصل لهما العلم بأنّه تأليفه (صلوات اللّه عليه)، و الظاهر انّ الإمام- (صلوات اللّه عليه)- ألّفه لأهل خراسان و كان مشهوراً عندهم، و لمّا ذهب الصدوق إليها اطّلع عليه بعد ما وصل إلى أبيه قبل ذاك، فلمّا كتب أبوه إليه الرسالة و كان ما كتبه موافقاً لهذا الكتاب، تيقّن عنده مضامينه، فاعتمد عليها «الصدوق»- و الذي ظهر لي بعد التتبع انّ علّة عدم إظهار هذا الكتاب انّه لمّا كان كان في خراسان و كان أهلها من العامّة- و الخاصّة منهم قليلة- اتّقى (صلوات اللّه عليه) فيه في بعض المسائل تأليفا لقلوبهم، مع أنّه (صلوات اللّه عليه) ذكر الحقّ أيضاً، لم يُظهر «الصدوق» ذلك الكتاب و كان مخزونا عندهما و كانا يفتيان بما فيه،

25

و يقولان إنّه قول المعصوم. ( (1))

و قال «العلّامة المجلسي» في أوّل «البحار»: أخبرني به السيد الفاضل المحدّث القاضي أمير حسين- طاب ثراه-، بعد ما ورد اصفهان، قال: قد اتّفق في بعض سني مجاورتي «بيت اللّه الحرام»، أن أتاني جماعة من أهل قم حاجّين، و كان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا (عليه السلام) و سمعت الوالد (رحمه الله) أنّه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه- (صلوات اللّه عليه)-، و كان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، و قال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن انّه تأليف الإمام (عليه السلام)، فأخذت الكتاب و كتبته و صحّحته، فأخذ والدي (قدس سره) هذا الكتاب من السيد و استنسخه و صحّحه، و أكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في «كتاب من لا يحضره الفقيه» من غير سند، و ما يذكره والده في رسالته إليه، و كثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا و لا يعلم مستندها، مذكورة فيه. ( (2))

و قال في «الفصول»: و يدلّ على ذلك أيضاً أنّ كثيراً من فتاوى «الصدوقين» مطابقة له في اللفظ، و موافقة له في العبارة، لا سيما عبارة «الشرائع» [لوالد الصدوق]، و انّ جملة من روايات الفقيه التي ترك فيها الاسناد موجودة في الكتاب. ( (3))

و قد بالغ المتتبع «النوري» في الفائدة الثانية من خاتمة «مستدركه» في تشييد هذا القول و تأييده و اسناده إلى غير واحد من الأعلام المتأخّرين. ( (4))

الثاني: انّه نفس ما ألّفه والد الصدوق لابنه، و ينقل عنه الصدوق في كتاب‌

____________

(1) روضة المتقين: 1/ 16.

(2) بحار الأنوار: 1/ 11.

(3) مستدرك الوسائل: 3/ 345.

(4) مستدرك الوسائل: 3/ 336.

26

«الفقيه» بعنوان «و في رسالة أبي إليّ» و قد اشتهر ب‍- «كتاب شرائع علي بن موسى ابن بابويه»، و الشاهد على ذلك أنّ ما نقله الصدوق عن تلك الرسالة يطابق بلفظه و معناه لفظ ذلك الكتاب و معناه، و انتسابه إلى الرضا (عليه السلام) نشأ من اشتراك اسم والد الصدوق و والد والده مع اسم الإمام و اسم والده (عليهما السلام) فظنّ انّه «لعلي بن موسى الرضا (عليهما السلام)» حتّى لقبت تلك الرسالة ب‍- «فقه الرضا»، و لمّا كان الكتاب مفتتحاً بالعبارة التالية:

(يقول عبد اللّه علي بن موسى) توهّم الكاتب انّه للإمام، و زاد لفظ الرضا بعد ذلك.

الثالث: انّه نفس كتاب «التكليف» لمحمد بن علي الشلمغاني الذي طلب الشيعة من وكيل الناحية أبي القاسم الحسين بن روح أن ينظر فيه، فلمّا نظر فيه قال: ما فيه شي‌ء إلّا و قد روي عن الأئمّة (عليهم السلام) إلّا في موضعين أو ثلاثة، فانّه لعنه اللّه كذب عليهم في رواياتها.

و قد روى الشيخ في كتاب «الغيبة» أيضاً عن عدّة من مشايخه، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود و أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، انّهما قالا: ممّا أخطأ محمد بن علي في المذهب في باب الشهادة: أنّه روى عن العالم (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان لأخيك المؤمن على رجل حقّ فدفعه و لم يكن له من البيّنة عليه إلّا شاهد واحد، و كان الشاهد ثقة رجعتَ إلى الشاهد و سألتَه عن شهادته، و إذا أقامها عندك شهدت معه عند الحاكم على مثل ما يشهده عنده لئلّا يتوى ( (1)) حقّ امرئ مسلم». ( (2))

____________

(1) توي يتوى: كرضي يرضى: هلك.

(2) كتاب الغيبة لشيخ الطائفة: 252.

27

و هذه الرواية الّتي تفرّد بها الشلمغاني موجودة في هذا الكتاب، و هذا يفيد الاطمئنان بأنّه من تأليف الشلمغاني.

هذه هي الأقوال المشهورة حول هذا الكتاب، و هناك احتمالات أُخر ضربنا عنها صفحاً. و لا يمكن الاعتماد على مثل هذا الكتاب لوجوه:

الأوّل: لو كان الكتاب من تأليف الإمام لاشتهر طيلة هذه القرون، مع أنّه ليس في كلمات القدماء من هذا الكتاب أثر و لا خبر، مع توغّلهم في ضبط الآثار المروية عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

الثاني: ما ورد في الرسالة من الألفاظ التي يبعد صدورها من الإمام (عليه السلام) مثل قوله: روي، يروى، أروي، نروي، و هذه التعابير غير مأنوسة في كلمات الأئمّة (عليهم السلام).

و هذا الوجهان و غيرهما ممّا أورده صاحب «المستدرك» و صار بصدد الإجابة عنها، توجب سلب الاطمئنان عن الكتاب. و الظاهر انّ أدلّة حجّية الخبر الواحد لا تشمل مثل هذا، هذا كلّه في سنده.

و أمّا مضمون الرواية فظاهره حرمة جميع الاستعمالات إذا كان كان منهيا عنه، و يكون فيه وجه من وجوه الفساد، حيث قال: «و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله و شربه، و نكاحه، و إمساكه بوجه الفساد ...».

مع أنّه لم يقل أحد بمضمونها، إذ كيف يمكن لفقيه أن يفتي بحرمة إمساك الدم و الميتة للأغراض المباحة.

على أنّ التعليل الوارد فيه غير شامل لجميع الموارد، حيث علّل جميع التقلّبات ممّا فيه الفساد بقوله: «ضار للجسم و فساد للنفس» مع أنّ لبس الميتة أو‌

28

الانتفاع بها في بعض الغايات ليس بضار للجسم، و لا موجب لفساد النفس.

و على كلّ تقدير لا يمكن الاعتماد على هذا الحديث فيما إذا تفرّد بشي‌ء غير موجود في الأحاديث الصحيحة.

29

3 حول رواية «دعائم الإسلام»

روى القاضي النعمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في كتاب «دعائم الإسلام»: «الحلال من البيوع، كلّ ما هو حلال من المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للناس و صلاح و مباح لهم الانتفاع به، و ما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه». ( (1))

و الكلام يقع في المؤلِّف و المؤلَّف:

أمّا الأوّل: فهو يكنّى بأبي حنيفة و يسمّى بالنعمان بن أبي عبد اللّه: محمد بن منصور التميمي المغربي، توفّي في القاهرة في 29 جمادى الآخرة سنة 363 ه‍-، و يعرف بالقاضي النعمان، أو بأبي حنيفة الشيعي، و قد وصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين اللّه- الخليفة الفاطمي الرابع- و صار قاضي القضاة وداعي الدعاة، و لا شكّ انّ المؤلف من الفاطميّين من الإسماعيليين. و لم نقف على توثيقه، و ترجمه «صاحب المستدرك» في الفائدة الثانية و نقل كلمات العلماء في حقّ الرجل، و ممّا نقل عن العلّامة الطباطبائي (قدس سره) انّه إنّما لم يرو عمّن بعد الصادق من الأئمّة‌

____________

(1) دعائم الإسلام: 2/ 18.

30

خوفاً من الخلفاء الإسماعيلية حيث كان قاضياً منسوباً من قبلهم. ( (1)) و طبع الكتاب بمصر و حقّقه آصف علي أصغر فيضي و قدّم له مقدّمة، و قد ترجمه شيخنا الأُستاذ- (مدّ ظله)- في موسوعته: بحوث في الملل و النحل، الجزء الثامن، فلاحظ.

أمّا الثاني: فالكتاب كلّه مراسيل عن علي (عليه السلام) و أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و قد عرفت كلام العلّامة الطباطبائي بحر العلوم (قدس سره) في ترك روايته عن غيرهما من الأئمّة (عليهم السلام).

____________

(1) لاحظ المستدرك: 3/ 313- 322.

31

4 حول الحديث «النبوي»

أعني قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه».

فنقول: قد احتجّ به الشيخ (رحمه الله) في «الخلاف» ( (1)) و العلّامة (رحمه الله) في «التذكرة»- على ما قيل- و الحديث مروي في السنن و المسانيد، روى البيهقي في «السنن الكبرى» أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان جالساً عند الركن، فرفع بصره إلى السماء فضحك و قال: «لعن اللّه اليهود- ثلاثاً- إنّ اللّه حرّم عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها، إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم عليهم ثمنه». ( (2))

و روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه قاعداً في المسجد- إلى أن قال-: إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم عليهم ثمنه. ( (3))

و روى أبو داود عن ابن عباس مثل ما رواه البيهقي و أحمد مشتملًا على لفظة «أكل شي‌ء». ( (4))

____________

(1) الخلاف: 2/ 82 المسائل: 208، 310، 311 و قد رواه بدون لفظة «أكل».

(2) السنن الكبرى: 6/ 13.

(3) المسند: 1/ 247، 293.

(4) سنن أبي داود: 3/ 280، كتاب البيوع.

32

و روى في «المستدرك» عن غوالي اللآلي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)- إلى أن قال-: إنّ اللّه تعالى إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم ثمنه. ( (1))

فتلخص أنّ الرواية في كتب المسانيد و الحديث مشتملة على لفظة «أكل» غير أنّها مروية في كتب أصحابنا الاستدلالية بدون هذا القيد. نعم نقل عن مسند أحمد بن حنبل أنّه رواه بدون لفظة «أكل» و لم نعثر عليه، فعلى فرض صحّة وجود «الأكل» في الرواية كما مرّ مصدره يكون المراد: إنّ اللّه إذا حرّم أكل شي‌ء معد للأكل حرّم ثمنه، و بذلك يعلم أنّ ما في حاشية سنن البيهقي من النقض على الرواية بانتقاضها ببيع الآدمي، بل الحمار و السنور حيث يحرم أكلها و لا يحرم بيعها، باطل، لما عرفت من أنّ المراد من تحريم الأكل هو تحريم أكل شي‌ء معد للأكل، و أمّا الأمثلة فليست مخلوقة للأكل و لا معدّة له.

و على فرض صحّة ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من عدم وجود لفظ «الأكل» فالمراد ما إذا كان جميع منافع الشي‌ء أو منافعه الشائعة الغالبة حراماً بحيث يصدق على الشي‌ء انّه حرام على الإطلاق حقيقة، كما إذا حرمت جميع منافعه حقيقة، مثل ما إذا حرم الانتفاع بالخمر مطلقاً حتّى في سقي الشجر، أو تنزيلًا و حكماً مثل ما إذا حرمت منافعه الشائعة، فعندئذ يحرم بيعه تكليفاً و وضعاً لأجل انّ تحريم المنافع عامّتها أو أغلبها يوجب سقوط الشي‌ء عن المالية، فإنّ مالية الشي‌ء لأجل منافعه، فلو كان معدوم المنفعة حقيقة أو مسلوبها شرعاً، فلا يبذل بإزائه الثمن المألوف، و ما هو كذلك تعد المعاملة عليه سفهية.

و مع ذلك كلّه فالقدر المتيقن في الرواية هو ما إذا كان عامّة منافعها محرّمة- و إن كان نادر المصداق و الوجود في الشريعة المطهرة- أو غالبها و معظمها و كان‌

____________

(1) مستدرك الوسائل: 13/ 73، الباب 6.

33

البيع لهذه الغاية المحرّمة، و أمّا إذا كان البيع للغاية المحلّلة و إن كانت غير غالبة فلا يعمّه الحديث، و سيوافيك انّ بيع الأعيان النجسة في غير ما دلّ الدليل الخاص بحرمة بيعها- كعذرة الإنسان للتسميد مثلًا- لغايات محلّلة كبيع الميتة له أيضاً و بيع جلدها للسقي، صحيح تشمله إطلاقات البيع و التجارات، و لا تزاحمه تلك العمومات حتّى النبوي الذي يستند إليه كثيراً، غفلة عمّا يرمي إليه.

و على كلّ تقدير فهذه الروايات العامّة لأجل فقدان السند، و وجود الإرسال في جميعها، و عدم الجابر، لا يمكن الاعتماد عليها، إلّا النبويّ الأخير، فإنّه مشهور بين الفقهاء حديثاً و قديماً. و قد عرفت مفاده على كلا التقديرين.

34

في تقسيم المكاسب

إنّ الفقهاء- (رضوان اللّه عليهم)- قسّموا المكاسب إلى محرّم و مكروه و مباح.

و قال المحقق: و ينقسم إلى محرّم و مكروه و مباح.

و زاد بعضهم عليه، الواجبَ و المندوب، قال سلّار في «المراسم»: المكاسب على خمسة أضرب: واجب، و ندب، و مكروه، و مباح، و محظور.

ثمّ مثّل لكلّ واحد و قال:

أمّا الواجب: فهو كلّ حلال بيعه أو الاحتراف به إذا كان لا معيشة للإنسان سواه.

و أمّا الندب: فهو ما يكتسب به على عياله ما يُوسِّع به عليهم.

و أمّا المكروه: فهو أن يكتسب محتكراً، أو له عنه غنى، و يحتمل به مشقة.

و أمّا المباح: فهو أن يكتسب بما لا يضره تركه و لا يقيم بأوده، بل له غنى عنه.

و أمّا المحظور: فان يكتسب مالًا لينفقه في الفساد أو يحترف بالحرام. ( (1))

و تبعه العلّامة في «القواعد» فزاد على الأقسام الثلاثة، الواجبَ و المندوبَ، و احتمله الشيخ الأنصاري (رحمه الله) فمثّل للمستحب بالتكسّب بالزراعة و الرعي، و للواجب- ب بالتكسّب بالصناعات التي بها قوام الحياة، ثمّ تأمّل في‌

____________

(1) انظر المراسم: 169.

35

آخر كلامه.

و وجه التأمّل: انّ المستحب هو نفس الزراعة و الرعي، أو نفس الإنفاق على العيال موسعاً و إن لم يكتسب بهما، لاستحباب توفير ما يموّنُ به الناس و ترخيص أسعارهم و إيجاد الرفاه لهم.

كما أنّ الواجب هو حفظ النظام و نفس العمل من التجارة و البناء سواء (أ كان) بأُجرة أم لا. و أمّا الاكتساب بهما فليس واجباً، كما أنّ الواجب في مورد العيال هو الإنفاق بأيّ طريق حسن، و القول بوجوب التجارة و البناء من باب المقدمة خروج عن البحث، لأنّ البحث في الوجوب النفسي كالاستحباب و الكراهة.

و الحقّ أن يقال: انّه إن أُريد تقسيم التكسّب فهو ثلاثي لا غير. و إِن أُريد تقسيم العمل بما هو هو سواء أوقع موضع التكسّب أم لا، فالتقسيم خماسي كما أوضحناه.

معنى حرمة التكسّب

تُطلق حرمة الاكتساب و يراد منها تارة الحرمة التكليفية، و أُخرى الوضعية.

أمّا الأُولى فقد فسّرت بوجوه:

الأوّل: ما عن الشيخ الأنصاري من أنّ المراد حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتيب الأثر المحرّم. ثمّ إنّه (قدس سره) علّل في ذيل كلامه وجه التقييد ب‍- «قصد ترتيب الأثر المحرّم» بأنّ ظاهر الأدلّة في تحريم بيع مثل الخمر. هو ما إذا باع بقصد ترتيب الآثار المحرّمة. أمّا لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة إلّا من حيث التشريع.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التقييد مخالف لإطلاق ما دلّ عليه النهي بما‌

36

هو هو، فإنّ إطلاقه يقتضي حرمة البيع سواء أقصد المشتري الأثرَ المحرّم أم قصد الأثر المحلّل، فحرمة الاكتساب بالخمر و الخنزير و الصليب و الأصنام و آلات القمار ثابتة في الحالتين جميعاً، و لا يحتاج في تحقّق حرمته (إذا قصد الأثر المحلّل) إلى تحقّق عنوان التشريع، فإنّ النهي عن بيع شي‌ء كتجويز بيعه، فكما أنّ ما دلّ على الحلّية يقتضي حليته مطلقاً سواء أقصد المشتري الأثر المحلّل أم قصد غيره، فهكذا ما دلّ على حرمته، فلا وجه للتقييد أبداً.

نعم: لو كان النهي عن البيع لأجل كونه إعانة على الإثم، كبيع السلاح من أعداء الدين، و العنب من الخمّار، لكان لذلك وجه، فيكون الاكتساب المحرّم ما إذا كان المشتري قاصداً للأثر المحرم؛ و أمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا قصد الكافر الحرب مع الكافر الآخر أو كان القصد أكل العنب، فلا يكون محرماً.

الثاني: ما ذكره المحقّق الإيرواني من أنّ معنى حرمة الاكتساب هو حرمة إنشاء النقل و الانتقال بقصد ترتيب أثر المعاملة، أعني: التسليم و التسلّم للمبيع و الثمن، فلو خلا عن هذا القصد لم يوصف الإنشاء الساذج بالحرمة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من القيد على خلاف الإطلاق أيضاً، فإنّ مقتضى الإطلاق تحريم البيع بما هو هو، سواء أ كان مقترناً بقصد ترتيب أثر المعاملة من التسليم و التسلّم، أم لا. نعم لو كان دليل الحرمة هو الإعانة على الإثم لكان لهذا القيد وجه.

الثالث: ما أفاده المحقّق الخوئي- (دام ظله)-: انّ ما يكون موضوعاً لحليّة البيع بعينه موضوع لحرمته و ليس البيع عبارة عن الإنشاء الساذج، من غير فرق بين أن نقول بأنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ- كما هو المعروف بين‌

37

الأُصوليين- أم كان بمعنى إظهار ما في النفس من الاعتبار، و ليس البيع أيضاً عبارة عن مجرّد الاعتبار النفساني ... بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركّب من ذلك الاعتبار النفساني مع إظهاره بمبرز خارجي، سواء أتعلّق به الإمضاء من الشرع و العرف أم لا. ( (1))

و ما ذكره و إن كان متيناً، لكنّه يجب أن يقيد الإنشاء أو ابراز الاعتبار النفساني- الذي هو موضوع الحلية و الحرمة- بالجد، و يقال بأنّ موضوع الحرمة هو إنشاء السبب الجدّي، بالفعل أو القول الذي يتسبب به العقلاء إلى حصول المسببات، و على ذلك يكون قصد ترتيب أثر المعاملة من لوازم الإنشاء الجدي و السبب الحقيقي.

و الفرق بين هذا المعنى و ما ذكره المحقّق الإيرواني واضح، حيث إنّ القصد المزبور جزء الموضوع المحرّم عنده، و من لوازمه على الأخير، فإنّ إنشاء السبب على وجه الجد يلازم ذلك القصد. هذا كلّه في الحرمة التكليفية.

و أمّا الحرمة الوضعية في الاكتساب: فهي عبارة عن فساد المعاملة، بحيث لا يترتب عليها الأثر شرعاً أو قانوناً.

نعم: حرمة الاكتساب التكليفية لا تلازم الفساد، و النسبة بين الحرمتين عموم و خصوص من وجه، فالبيع عند النداء، حرام تكليفاً لا وضعاً، و المعاملة غير فاسدة، كما أنّ البيع الغرري بنفسه حرام وضعاً و فاسد حسب القانون، و ليس نفس التكسّب بحرام تكليفاً، و ربما يجتمعان كما في بيع الخمر.

و إلى ما ذكرنا أشار «الشيخ الأعظم (قدس سره)» بقوله: و أمّا حرمة المال في مقابلها‌

____________

(1) مصباح الفقاهة: 1/ 30.

38

- أي مقابل حرمة الاكتساب- فهو متفرّع على فساد البيع، لأنّه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي و إن قلنا بعدم التحريم. ( (1))

هذا كلّه حول تفسير حرمة الاكتساب تكليفاً و وضعاً، فهلمّ معي نبحث عن الاكتسابات المحرّمة. فنقول: إنّ للاكتسابات المحرمة أنواعاً، نذكر كلّ نوع في طي مسائل:

____________

(1) و ما نقلناه من الشيخ الأعظم جملة معترضة وقعت في كلامه بين تفسير حرمة الاكتساب تكليفاً و تقييده بقصد ترتيب الأثر. و بين تعليل هذا التقييد، و لأجل ذلك حصل الإغلاق في كلامه (قدس سره).

39

الاكتسابات المحرمة

(1)

النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة‌

و فيه مسائل ثمان:

1. التكسّب ببول ما لا يؤكل لحمه.

2. التكسّب بروث ما لا يؤكل لحمه.

3. التكسّب بالدم.

4. التكسّب بالمني.

5. التكسّب بالميتة.

6. التكسّب بالكلب و الخنزير.

7. التكسّب بالخمر.

8. التكسّب بالأعيان النجسة غير القابلة للطهارة.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

1

[النوع الأول] الاكتساب بالأعيان النجسة

الأعيان النجسة التي يمكن الاكتساب بها عبارة عن: البول، و الروث، و الدم، و المني، و الميتة، و الكلب، و الخنزير، و الخمر، و الأعيان المتنجسة التي لا تقبل الطهارة. و كان للمصنّف أن يبحث عن جميع الأعيان النجسة جملة واحدة من دون أن يخصّص لكلّ منها بحثاً خاصاً، حتّى يكون البحث موجزاً قابلًا للتدريس غير أنّه عقد لكلّ واحد منها عنواناً خاصاً فنحن نقتفي أيضاً أثره فنقول: إنّ هنا مسائل ثمان:

***

42

المسألة الأُولى: التكسب ببول ما لا يؤكل لحمه

قد تعرّض الفقهاء لحكمه بين مخصّص له بذكر، و مُدْخِل له تحت العنوان الكلّي: «العين النجسة».

قال الشيخ (قدس سره) في «النهاية»: و جميع النجاسات محرّم التصرّف فيها و التكسّب بها على اختلاف أجناسها، من سائر أنواع العذرة و الأبوال و غيرهما، إلّا أبوال الإبل خاصة. ( (1))

و قال سلار (رحمه الله) في «المراسم»: التصرّف في الميتة و لحم الخنزير و شحمه و الدم و العذرة و الأبوال ببيع و غيره حرام، إلّا بيع بول الإبل خاصة. ( (2))

و قال العلّامة (قدس سره) في «التذكرة»: يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية، ... و لو باع نجس العين كالخمر و الخنزير و الميتة لم يصحّ إجماعاً. ( (3))

و قال في «الجواهر»: لا خلاف يعتد به في حرمة التكسّب في الأعيان النجسة التي لا تقبل الطهارة بغير الاستحالة. ( (4))

____________

(1) النهاية: 364.

(2) المراسم: 170.

(3) التذكرة: 10/ 25، المسألة 8، فصل في العوضين.

(4) الجواهر: 22/ 8.

43

و قال ابن قدامة في «المغني»: و الحيوان قسمان: نجس، و طاهر. فالنجس نوعان: أحدهما ما هو نجس رواية واحدة، و هو الكلب و الخنزير و ما تولّد منهما أو من أحدهما، فهذا نجس عينه و سؤره و جميع ما خرج منه. ( (1))

فكلّ هذا لا يجوز بيعه، لأنّه لا نفع فيه، فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل. ( (2))

إلى غير ذلك من الكلمات التي ستقف عليها في المسائل الآتية.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الهدف الأسمى في المقام هو البحث عن الحرمة التكليفية فقط. و أمّا الحرمة الوضعية- بالمعنى الذي عرفت- فيبحث عنها استطراداً فنقول: استدلّ الشيخ الأعظم على حرمة التكسّب تكليفاً بوجوه أربعة، أشار إليها بقوله: «بلا خلاف ظاهر، لحرمته، و نجاسته، و عدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة فيما عدا بعض أفراده كبول الإبل الجلّالة أو الموطوءة».

و لكن هذه الوجوه الأربعة مخدوشة جدّاً.

أمّا الأوّل- أعني قوله: «بلا خلاف ظاهر»-: فقد اعترض عليه بأنّه من المحتمل أو المعلوم استناد المجمعين إلى الروايات العامّة و الروايات الخاصّة في بيع الأجناس النجسة، و هذا الاحتمال و إن كان قائماً في أكثر المسائل الإجماعية- التي وردت فيها روايات-، لكنّه في المقام تجاوز حدّ الاحتمال، لأنّ الشيخ قد أفتى بحرمة التكسّب بالأبوال النجسة في كتاب «النهاية»، و هو ملتزم فيها بصياغة المسائل بنفس النصوص الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في المسألة، و هذا يكشف عن ورود النصّ الخاص في نفس المسألة غير ما ورد من الروايات العامّة أو الخاصّة في بعض الأجناس النجسة، فيُحتمل جدّاً الإجماع أو «لا خلاف» مستنداً إلى الرواية.

____________

(1) المغني: 1/ 41، الطبعة الثالثة.

(2) المغني: 4/ 229.

44

و أمّا الثاني- أعني قوله: «لحرمته»، و الضمير عائد إلى البول، فإن أراد حرمة شربه فهو مسلّم، و لكنّه لا يلازم حرمة التكسّب تكليفاً فضلًا عن فساده إذا كانت له مالية عقلائية. و إن أراد حرمة كلّ منافعه حتّى التداوي و صنع الطين، فهو ممنوع، لعدم الدليل على حرمة التصرّف في النجس على وجه الإطلاق، إلّا ما سمعته في حديث «تحف العقول» حيث قال: «فجميع تقلّبه في ذلك حرام»، و قد عرفت ضعف الحديث و عدم إمكان الاحتجاج به فيما تفرّد به.

و أمّا الثالث- أعني قوله: «و نجاسته»-: فالظاهر انّه ليس دليلًا مستقلًا، و إنّما هو ملازم للوجه الثاني أعني قوله: «لحرمته»- أو الرابع- أعني قوله: «و عدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة»- إذ ليست النجاسة بما هي مانعة عن جواز التكسّب؛ و لأجل ذلك يجوز بيع العبد الكافر و كلب الماشية و الحائط لعدم حرمته، و إمكان الانتفاع بالمنفعة المحلّلة المقصودة، و لأجل ما ذكرنا- النجاسة ليست من الموانع- قال صاحب الغنية (رحمه الله)- بعد أن اعتبر في المبيع أن يكون منتفعاً به تحرزاً ممّا لا منفعة فيه، و قيّدنا بكونها مباحة تحفظاً من المنافع المحرمة، و يدخل في ذلك كلّ نجس لا يمكن تطهيره» ( (1)) و ما ذكره صريح في أنّ اعتبار الطهارة لأجل كونه يمكِّن الانتفاع للإنسان، بخلاف النجاسة فهي مانعة عنه.

و أمّا الرابع- أعني قوله: «و عدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة»- فلو صحّ لدلّ على الحرمة الوضعية لا التكليفية، لأنّ عدم الانتفاع يخرج المورد عن المالية، و يكون أكل الثمن في مقابله أكلًا بالباطل.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري اعترض على ما ذكره بأنّ الشرب ليس من منافع البول الشائعة حتّى تكون حرمته سبباً لعدم إمكان الانتفاع بها بنحو المنفعة‌

____________

(1) الغنية: 213، كتاب البيع.

45

المحلّلة، كما أنّ الأكل ليس من منافع الطين النجس، فعند ذلك لو كان هناك منفعة مثل التداوي بالبول، أو الاستعمال في البناء لما كان هناك مانع من صحّة البيع.

و لا يخفى انّ ما ذكره من التداوي أو الاستعمال في البناء نادر يُلحق البول بعادم المنفعة، و لأجل ذلك لا يعد البول مالًا لأجل هذين الاحتمالين، فعلى ذلك فلو قلنا بأنّ صحّة التكسّب قائمة على كون الشي‌ء مالًا، لا تصحّ المعاوضة عليه.

و الأولى أن يقال: انّه لا دليل على حرمة التكسّب بالبول تكليفاً سوى الإجماع، و ورودها في النهاية في عداد المسائل المتلقاة عن الأئمّة (عليهم السلام). و أمّا حرمته وضعاً فلأجل عدم ماليّته، لأنّ تنفّر الطباع عن البول و قذارته في الأذهان و وفوره و كثرته صارت سبباً لخروجه عن المالية فلا يبذل بإزائه الثمن حتّى يكون عوضاً أو معوضاً، و ما ذكر من حديث التداوي أو الاستعمال في البناء منفعة نادرة، لا تكاد توجد إلّا في الفترات البعيدة. و قلّ ما يتّفق أن يبنى به البناء، أو يداوى المريض به.

و الحاصل انّه لو اشترط في صحّة المعاوضة، المالية. فلا شكّ في عدم ماليته، و يترتب عليه فساد المعاوضة، و أمّا حرمة نفس التكسّب فلا دليل عليه سوى الإجماع و وروده في الفتاوى المتلقاة عن الأئمّة (عليهم السلام).

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي- (دام ظله)- وجّه صحة المعاوضة عليه مع فرض عدم صدق المال عليه بوجوه:

1. لا دليل على اعتبار المالية في البيع، و إنّما المناط صدق عنوان المعاوضة عليه، و أمّا ما عن المصباح من أنّه مبادلة مال بمال فلا يكون دليلًا على ذلك، لعدم حجّية قوله.

2. يكفي أن يكون المبيع مالًا بنظر المتبايعين إذا كان عقلائياً، و لا يجب‌

46

كونه مالًا في نظر العقلاء أجمع.

3. لو سلمنا عدم كون الأبوال المذكورة مالًا حتّى في نظر المتبايعين، لكن غاية ما يلزم، كون المعاملة عليها سفهية، و لا دليل على بطلانها بعد شمول أدلّة صحّة البيع لها. ( (1))

يلاحظ على هذه الوجوه:

أمّا الأوّل: فلو سلّمنا أنّ المناط هو المعاوضة، لكن المقصود منها هو المعاوضة العقلائية التي تدور عليها رحى الحياة، لا المعاوضة اللغوية التي لا يشترط فيها أن يكون العوض أو المعوَّض مالًا يبذل بازائه الثمن، فلأجل ذلك تصدق المعاوضة على مبادلة الأشياء التافهة التي لا يرغب إليها أحد سوى الصبيان، و أمّا المعاوضة العقلائية فلا تنفك عن كونها مالًا يرغب إليه العقلاء و يُبذل بازائه الثمن، و على ذلك فالمعاوضة العقلائية تلازم المالية.

و أمّا الثاني: ففيه أنّ كون الشي‌ء مالًا في خصوص نظر المتعاملين خارج عن مصب الإطلاقات و الأدلّة الإمضائية للمعاملات، إذ لا شكّ انّ قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) ناظر إلى البيع المتعارف بين العقلاء و عامّة الناس، و هو يلازم كون العوضين مالًا عندهم، لا في خصوص نظر المتعاملين.

و أمّا الثالث: ففيه أنّ القول بصحّة المعاملة السفهية عجيب، لانصراف الإطلاقات عن مثلها؛ هذا كلّه لو فرضنا عدم كون بول النجس مالًا.

و أمّا لو شككنا في كونه مالًا أو لا، فهل يمكن التمسّك بالإطلاقات أو لا؟ فقد فصّل المحقّق الورع الشيرازي، بين أدلّة نفوذ البيع و أدلّة نفوذ التجارة، فمنع التمسّك بالأُولى دون الثانية، حيث قال: لو فرض الشكّ في المالية أمكن‌

____________

(1) مصباح الفقاهة: 1/ 34.

47

التمسّك بأدلّة نفوذ التجارات و وجوب الوفاء بالعقد. و لا يصحّ التمسك بأدلّة نفوذ البيع لأنّه مبادلة مال بمال؛ و مع الشكّ في الموضوع كما هو المفروض لا يرجع إلى العموم، نعم لو تُمسّك بعمومات التجارة يثبت كونه بيعاً، لأنّه على فرض الصحّة ليس إلّا بيعاً. ( (1))

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين أدلّة نفوذ البيع و نفوذ التجارات، فإنّ أدلّة نفوذ العقد و التجارات منصرفة إلى ما يرغب إليه العقلاء، و هم لا يرغبون إلّا إذا كان لمورد العقد و التجارة مالية صالحة لبذل الثمن بازائه، فيخرج ما ليس له مالية قطعاً، كالماء على شفير البحر، و التراب في البيداء.

و لو شكّ في مالية الشي‌ء يكون المورد من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقية للعمومات، و لا يصحّ في مثله التمسّك بعموم العام، من غير فرق بين قوله تعالى: (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) ( (2)) و قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ( (3)) غير أنّ المالية مدلول مطابقي لأدلّة نفوذ البيع، و التزامي لغيره.

ثمّ إنّ الشيخ (قدس سره) استثنى من حرمة الاكتساب بالبول النجس، بولَ الإبل الجلّالة أو الموطوءة، و لعلّ وجه الاستثناء هو توهم شمول الإجماع المنقول على جواز بيع بول الإبل لهاتين الصورتين، و إن حرم شربه، و لكنّ الحقّ عدم الفرق بين النجس و المتنجس وضعاً و تكليفاً.

أمّا الأوّل: فلانتفاء المالية، و أمّا الثاني: فلشمول معقد الإجماع المنقول المستفيض، للمتنجس من البول فلاحظ. و أمّا الكلام في بول الإبل الطاهر فسيوافيك البحث عنه.

____________

(1) تعليقة المحقّق الشيرازي: 10.

(2) البقرة: 275.

(3) المائدة: 1.

48

فرعان

الفرع الأوّل: التكسّب بأبوال ما يؤكل لحمه، غير الإبل

الظاهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) التفصيل بين جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه اختياراً فيجوز بيعها، و حرمة شربها كذلك، ففيه وجهان:

الأوّل: الحرمة، لعدم المنفعة المحلّلة المقصودة، و المنفعة النادرة كالاستعمال في البناء و غيره- لو تمّت- لزمت صحّة المعاوضة على كلّ شي‌ء.

الثاني: الجواز، لا للمنفعة النادرة- حتّى يقال: لو كانت المنفعة النادرة ملاكاً للجواز لزم صحّة المعاوضة على كلّ شي‌ء-، بل للمنفعة الظاهرة، أعني: الشرب في ظرف خاص، و هو ظرف الضرورة.

و الفرق بين المنفعة الظاهرة- و لو في ظرف خاص- و بين النادرة، حكم العرف بأنّ الأوّل ذو منفعة، دون الثاني.

ثمّ إنّه (قدس سره) استدرك و رجّح عدم الجواز على القول بالحرمة بالبيان الذي ورد في الكتاب فراجع.

أقول: التفصيل المذكور مبني على كون المنفعة الظاهرة للبول هو الشرب،

49

و لأجله فصّل بين جواز الشرب و حرمته، و استظهر ذلك من أنّه إذا نسبت الحلّية و الحرمة للقابل للشرب، يقدر «شربه» و القابل للأكل يقدر «أكله» و بما انّ البول من الأُمور القابلة للشرب يكون المقدّر في تحليله و تحريمه هو الشرب، فعلى ذلك يكون الشرب هو المنفعة الشائعة، فيدور جواز البيع و حرمته على جواز الشرب و حرمته.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في الأُمور المعدّة للشرب و الأكل، لا في كلّ ما يمكن شربه و أكله و إن لم يكونا معدّين لذلك. فالبول و الروث و الطين ليست معدّة لذلك، و لأجل ذلك نفى الريب في جواز بيع الطين مع أنّه محرّم الأكل. و بذلك يتبيّن انّ جواز البيع و حرمته غير مبنيّ على جواز الشرب و عدمه.

و الحقّ أن يقال: انّ المعاوضة على الأبوال الطاهرة محرمة وضعاً لاستخباثها و تنفّر الطباع منها، و لأجل ذلك لا يعدّ مالًا عند العرف، أضف إلى الاستخباث و التنفّر، كثرتها و وفورها بحيث لا يبذل بازائها الثمن سواءً أجاز شربها أم لم يجز، و التداوي بها أو الاستعمال في البناء في القلّة بمكان لا يصيّرها مالًا، إذ قلّ ما يتّفق لبشر أن يتداوى بالأبوال، أو يبني بناء بها، نعم: لو تقدّمت الحضارة إلى حدّ راج صنع الأدوية و غيرها من الأبوال لكان لجواز المعاوضة وجه.

و أمّا الحرمة التكليفية فلا، لعدم الدليل عليها في الأبوال الطاهرة.

فتلخص انّ بيع البول الطاهر حرام وضعاً، لا تكليفاً، إلّا إذا عُدّ معاونة على الإثم، كما إذا وقف البائع على أنّ المشتري بصدد الانتفاع المحرّم.

سؤال و إجابة

قد عرفت أنّ عدم صحّة البيع وضعاً في الأبوال النجسة و الطاهرة لأجل عدم كونها مالًا في نظر العقلاء، و لكن الشيخ الأعظم (قدس سره) استند في عدم الصحّة‌

50

إلى وجه آخر، و هو: شمول الأحاديث العامّة لها أوّلًا، و عدم وجود المنفعة المحلّلة ثانياً. و عند ذلك يوجّه إليه السؤال التالي:

إنّ الأبوال و الأدوية تشتركان في حرمة الانتفاع اختياراً، و جوازه اضطراراً، فحينئذ فما الوجه في جواز بيع الثاني دون الأوّل؟

و أجاب عنه الشيخ بقوله: و التداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسها على الأدوية و العقاقير، لأنّه يوجب قياس كلّ شي‌ء عليها للانتفاع به في بعض الأوقات (كالاضطرار).

يلاحظ عليه: أنّ الجواب غير تام، للفرق الواضح بين المرض و الاضطرار، فانّ الأوّل من الأحوال العادية للإنسان، بخلاف الاضطرار الذي لا يتّفق إلّا نادراً، فحينئذ فلا يصحّ قوله: للانتفاع به في بعض الأوقات كالاضطرار.

ثمّ إنّه يظهر منه (قدس سره) جواب آخر حيث قال: و لا ينتقض أيضاً بالأدوية المحرّمة في غير حال المرض لأجل الإضرار، لأنّ حلّية هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة بل لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع.

يلاحظ عليه: أنّه يمكن لصاحب النقض أن يقول: إنّ البول مثل الدواء فانّ حلّيته في حال المرض لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع.

و الحاصل: انّ التفريق بين البول و الدواء بعد الاعتراف بماليتهما مشكل، و إنّما تنحل العقدة إذا كان بينهما فرق جوهري: و هو كون الأدوية و العقاقير مالًا يطلبها الناس من قريب أو بعيد و تتطاول إليها الأعناق، و مثلها الطين، خصوصاً في البلاد التي يحمل فيها التراب من خارج البلد، بخلاف الأبوال فانّها لا تعدّ أموالًا عند العرف و العقلاء.

51

ثمّ إنّ المحقّق الإيرواني ( (1)) جاء بجواب آخر، و هو الفرق بين البول و الدواء بعد اشتراكهما في عدم جواز الانتفاع في حال الاختيار، بأنّ البول حرام بالذات سواء أزاد أم نقص كالخمر، و هذا بخلاف الدواء فانّه حرام بمناط الإضرار، و لا يحرم قليله إذا لم يكن مضراً، و ما هو محرم بالمناط الثانوي لا يكون محرماً بالعنوان الأوّلي، و إلّا لا يوجد في العالم مباح بالذات، إذ ما من مباح إلّا و هو مضر في بعض الشرائط، كما إذا أكل الخبز و شرب الماء زائداً على الحد اللازم.

و لا يمكن أن يقال: انّ عنوان الضرر غير منفك عن الدواء، كيف، و ربما كان مضرّاً لبعض دون بعض، و زمان دون زمان، فلأجل ذلك لا يكون محرّماً بالذات، و ما لا يكون كذلك لا يكون محرّم البيع وضعاً و تكليفاً، و إن كان محرّم الاستعمال بعنوان الإضرار.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ لا يصحّ في مورد البول، فانّ الظاهر من الرضوي انّما نهي من أكله و شربه و لبسه لأجل كونه ضاراً للجسم و مفسداً للنفس، فصار كالدواء، و البول الطاهر نهي عن شربه لأجل كونه ضاراً للجسم و مفسداً للنفس، فلو حرم حرم بهذا العنوان. لا بما هو هو؛ اللّهم إلّا أن يحمل التعليل على بيان الحكمة، لا لبيان موضوع الحرمة.

و الظاهر: سقوط السؤال من أصله و عدم الحاجة إلى هذه الأجوبة، لما عرفت من الفرق الجوهري بين الأبوال و الأدوية.

نعم: كلّ من لم يعترف بهذا الوجه يقع في التفكيك بينها و بين الأدوية و العقاقير و الطين في المخمصة.

***

____________

(1) حاشية المكاسب: 3، ذيل قول الشيخ (قدس سره): لأنّه يوجب قياس كلّ شي‌ء عليها.

52

الكلام في لحوم السباع و شحومها

( (1)) الظاهر جواز بيع لحوم السباع و شحومها لوجود المنفعة المحلّلة، كإطعام الكلب و الهرة و غيرهما بها، بل و شيوع التداوي ببعضها- كلحم الأفعى و السمك السقنقور- فيجوز بيعه تكليفاً و وضعاً لوجود الفائدة الشائعة، و عدم انطباق أحد العناوين المحرّمة عليه.

و أمّا شحمها، فلأنّ له مالية، للمنفعة المحلّلة كالإسراج و طلي السفن و غيرهما.

ثمّ إنّ الشيخ (قدس سره) فصّل بين لحم السباع و شحمها، فألحق الأوّل بالبول في عدم الانتفاع به انتفاعاً محللًا، دون الثاني لإمكان الاستفادة منه بالإسراج.

ثمّ لمّا كان «النبوي» الوارد في مورد الشحوم مخالفاً لهذا التفريق صار بصدد الإجابة عنه و قال ( (2)): و لا ينافيه النبوي: «لعن اللّه اليهود حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها»، لأنّ الظاهر انّ الشحوم كانت محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا.

أقول: الأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَ عَلَى الَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمٰا إِلّٰا مٰا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمٰا أَوِ الْحَوٰايٰا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنّٰا لَصٰادِقُونَ). ( (3))

و الظاهر: انّ الشحوم كانت محرّمة عليهم من حيث الأكل، و أمّا اللعن‌

____________

(1) هذا البحث بين الفرعين استطرادي، لانّ المسألة الأُولى مختصة بالتكسّب ببول ما لا يؤكل لحمه، لا التكسّب بلحمه و شحمه.

(2) المكاسب: 4.

(3) الأنعام: 146.

53

عليهم لأنّهم باعوها لأجل هذا الأثر المحرّم، و البيع حرام عند الشيخ إذا كان بقصد ترتيب الأثر المحرّم- ذاتاً- عليه، و يمكن توجيه اللعن لأجل انّ بيعها يعدّ إعانة على الإثم.

و الحق أن يقال: انّ النبوي أعني قوله: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» لا ينافي ما ذكرناه، إذ لا يشمل المورد، لأنّ المراد من تحريم الشي‌ء هو تحريم جميع منافعه أو الشائعة منها، بحيث يلحق الموجود بالمعدوم، و شحم غير المأكول ليس من هذا القبيل، لأنّ الإسراج و الطلي من المنافع الشائعة، و مثله لحوم السباع خصوصاً في ما ذكرناه سابقاً.

نعم: لو صحّ ما ورد في مسند أحمد من زيادة لفظ «الأكل» يشكل جواز بيع شحم السباع فضلًا عن لحومها، لأنّ المدار في حرمة البيع هو حرمة الأكل، لا وجود الفائدة المحلّلة و عدمها، و اللحوم و الشحوم من غير المأكول يحرم أكلها.

و اعلم أنّ أحمد بن حنبل نقل الحديث في مسنده هكذا: حدثنا عبد اللّه، حدّثني أبي، حدّثنا علي بن عاصم، انا ( (1)) الحذاء، عن بركة، عن أبي الوليد، انا ( (2)) ابن عباس قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قاعداً في المسجد مستقبلًا الحجر، قال فنظر إلى السماء فضحك، ثمّ قال: «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها، و انّ اللّه عزّ و جلّ إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم عليهم ثمنه». ( (3))

ثمّ إنّ الشيخ أجاب عمّا ذكرنا من الإشكال بقصور دلالة النبوي، قائلًا: بأنّه لا يمكن الأخذ بهذا العموم، إذ لازمه انّ كلّ ما حرّم أكله، حرّم ثمنه، و هو يستلزم تخصيص الأكثر، لأنّ كثيراً من الأشياء محرّمة الأكل كالتراب و الطين مع‌

____________

(1) الظاهر انّ اللفظ كناية عن «حدثنا» فتدبّر، و في السنن مكان «انا الحذاء»: «خالد الحذاء».

(2) الظاهر انّ اللفظ كناية عن «حدثنا» فتدبّر، و في السنن مكان «انا الحذاء»: «خالد الحذاء».

(3) المسند: 1/ 247- 293.

54

أنّهما غير محرّمة البيع.

و روى البيهقي في سننه نفس هذا الحديث بالسند التالي:

أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) جالساً عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك ... إلى آخر الحديث مثل ما تقدّم عن المسند. ( (1))

و روى في «المستدرك» عن «غوالي اللآلي» مرسلًا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «قال: لعن اللّه اليهود ... إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم عليهم ثمنه». ( (2))

غير انّ الوارد في الكتب الفقهية الاستدلالية هو حذف كلمة «أكل»، و قد ورد في «الخلاف» و غيره بلا لفظ «أكل»، و على ذلك فلم يثبت وجود لفظ «أكل»، و إن ورد في السنن و المسانيد، لعدم ثبوت صحّة كلّ ما ورد فيهما، و المروي في «المستدرك» مرسل، و الظاهر انّه مأخوذ منها.

و لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، لأنّ المراد على فرض وجود لفظ «أكل» هو حرمة أكل ما أُعدّ للأكل، لا مطلق ما يحرم أكله، و إن لم يكن معدّاً له، كما في المثالين، فلا يُعدّان نقضاً بالاستدلال بالحديث.

و الحاصل: انّ كلّ شي‌ء معدّ للأكل إذا حرم أكله، يحرم ثمنه، و تفسير العموم بهذا المعنى لا يلزم منه تخصيص الأكثر.

و الأولى أن يجاب بعدم ثبوت لفظ «أكل» و إن ورد في مسند أحمد و سنن البيهقي و المستدرك.

____________

(1) السنن الكبرى: 6/ 13.

(2) المستدرك: 2/ 427.