التهذيب في مناسك العمرة والحج - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
346 /
5

الجزء الثاني

[تتمة كتاب الحج من العروة]

[فصل في أقسام الحج]

فصل في أقسام الحج و هي ثلاثة بالإجماع و الأخبار (1): تمتّع، و قران، و إفراد.

و الأوّل فرض من كان بعيداً عن مكّة و الآخران فرض من كان حاضراً أي غير بعيد.

و حدّ البعد الموجب للأوّل ثمانية و أربعون ميلًا من كل جانب على المشهور الأقوى، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): قلت له: قول اللّٰه (عزّ و جلّ) في كتابه ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ فقال (عليه السلام): «يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلًا ذات عِرق و عُسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية، و كل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة»، و خبره عنه (عليه السلام): سألته عن قول اللّٰه (عزّ و جلّ) ذٰلِكَ.، قال: «لأهل مكّة، ليس لهم متعة، و لا عليهم عمرة، قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية و أربعون ميلًا من جميع نواحي مكّة، دون عُسفان، و ذات عرق» و يستفاد أيضاً من جملة من أخبار آخر.

____________

(1) أقسام الحج ثلاثة بالإجماع و الاخبار، و في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: (سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول الحج ثلاثة أصناف حج مفرد و قران و تمتّع بالعمرة إلى الحج و بها أمر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الفضل فيها، و لا نأمر الناس إلّا بها و الأولان وظيفة القريب إلى مكة، و الثالث وظيفة البعيد عنها، و حدّ البعد عند‌

6

و القول بأنّ حدّه أثنا عشر ميلًا من كل جانب كما عليه جماعة ضعيف لا دليل عليه، إلّا الأصل فإن مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتّع على كل أحد، و القدر المتيقّن الخارج منها من كان دون الحد المذكور، و هو مقطوع بما مرّ، أو دعوى أنّ الحاضر

____________

المشهور ثمانية و أربعون ميلًا من كل الجهات لمكّة أي ستة عشر فرسخاً)، كما يشهد لذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قول اللّٰه (عزّ و جلّ) في كتابه ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ، قال: يعني أهل مكة ليس عليهم المتعة، كل من كان أهله دون ثمانية و أربعون ميلًا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة فهو ممّن دخل في هذه الآية، و كل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة) (1)، و ظاهرها تحديد البعد عن مكة من كل جانب من جوانبها بثمانية و أربعين ميلًا و أنّ من كان أهله دون هذا الحد فعليه غير المتعة، و قيل و القائل الشيخ في المبسوط و ابن إدريس و المحقق في الشرائع، أنّ حج التمتع وظيفة من يبعد عن مكة أثنى عشر ميلًا أي أربعة فراسخ، و أنّ ما في صحيحة زرارة من التحديد بثمانية و أربعين ميلًا يوزّع على الجهات الأربع فيكون كل جهة أثنى عشر ميلًا، حيث إنّ المكلف بالبعد كذلك يخرج عن عنوان الحاضر في مكة، و نسب المحقق في المعتبر هذا القول الذي اختاره في الشرائع إلى قول نادر لا عبرة به.

أقول: لم يظهر أنّ المراد من كون أهل الشخص حاضري المسجد الحرام عدم كون أهله مسافرين، بل ينافي ذلك التحديد الوارد في صحيحة زرارة و صحيحة الحلبي و سليمان بن خالد و أبي بصير كلّهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (ليس لأهل مكة، و لا لأهل مرّ، و لا لأهل سرف متعة) (2)، و ذلك قول اللّٰه (عزّ و جلّ) ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ و وجه المنافاة ما يقال من أنّ البعد من مكة في بعض ذلك أزيد من المرحلة التي ظاهرها ثمانية فراسخ، و أنّ ذات عرق في صحيحة زرارة بيان‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 32/ 96؛ الاستبصار: 2 157/ 514.

7

مقابل للمسافر و السفر أربعة فراسخ، و هو كما ترى، أو دعوى أنّ الحاضر المعلّق عليه وجوب غير التمتّع أمر عرفي و العرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلًا، و هذا أيضاً كما ترى، كما أنّ دعوى أنّ المراد من ثمانية و أربعين التوزيع على الجهات الأربع فيكون من كل جهة اثنى عشر ميلًا منافية لظاهر تلك الأخبار.

____________

لثمانية و أربعين ميلًا بنحو التمثيل، و في الحكم على من يكون أهله دونه بعدم المتعة له دلالة واضحة على عدم العبرة باثني عشر ميلًا، و أمّا ما في صحيحة حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه (عزّ و جلّ) ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ، قال: (من كان منزله على ثمانية عشر ميلًا من بين يديها، و ثمانية عشر ميلًا من خلفها، و ثمانية عشر ميلًا عن يمينها و ثمانية عشر ميلًا عن يسارها، فلا متعة له مثل مر و أشباهه) (1) فلا عامل بها من أصحابنا، و أمّا صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام و ليس لهم متعة، و صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حاضري المسجد الحرام، قال ما دون الأوقات إلى مكة، فإنّه لو كان المراد من كان أهله قريباً إلى مكة من الميقات فلا يمكن الأخذ بها، و إن أريد من يكون أهله دون تمام المواقيت فإنّ ذلك تحديد بالأخفى، و لكن لا ينافي ما تقدم من التحديد الوارد في صحيحة زرارة.

و المتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه لا مورد في المقام لأن يقال بأنّ المستفاد من بعض الأخبار وجوب الحج تمتعاً على كل مستطيع، نظير ما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيمة لأنّ اللّٰه تعالى يقول (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فليس لأحد إلّا أن يتمتع) (2)، فإنّ قوله (عليه السلام) (فليس لأحد إلّا أن يتمتع) يعم كل مستطيع و القدر المتيقن ممّن خرج‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 10؛ الكافي: 4 300/ 3.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 3 من أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 25/ 75؛ الإستبصار: 2 15/ 439.

8

و أمّا صحيحة حريز الدالّة على أنّ حد البعد ثمانية عشر ميلًا فلا عامل بها، كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان الحلبي الدالّتين على أنّ الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكّة.

____________

عن هذا العموم أهل مكة و من كان بعيداً بأقل من اثنى عشر ميلًا حيث يكون حاضراً، و لا يدخل في عنوان المسافر و يؤخذ في غيره بالعموم المزبور. و فيه مع إمكان المناقشة في مثل العموم المزبور، حيث إنّه تفريع على قوله سبحانه و ما في قوله سبحانه، مقيّد بغير حاضري المسجد الحرام انّ المخصّص للعموم المزبور صحيحة زرارة المتقدمة، حيث إنّ ظاهرها في نفسها و بقرينة بيان المثال للحد الوارد فيها بذات عرق و عسفان و لمن ليس عليه متعة لأهل من يبعد عن مكة باثني عشر ميلًا أو أزيد، كما في صحيحة الفضلاء، يعني في الصحيح عن عبيد اللّٰه الحلبي و سليمان بن خالد و أبي بصير كلّهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: (ليس لأهل مكة، و لا لأهل مرّ، و لا لأهل سرف، متعة) (1) يكون دليلًا على أنّ الحد ليس باثني عشر ميلًا، فلا يبقى مورد للتمسك بالأصل أي العموم المزبور، و الحاضر المذكور في الآية يقابل الغائب لا المسافر، و لا مجال للرجوع إلى المعنى العرفي للحاضر بمعنى جعل صدقه معياراً بعد ورود التحديد له، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

ثمّ إنّه يبقى في المقام أمر و هو أنّ ظاهر الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة هو تعين حج التمتع على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، مع أنّ ظاهر الآية المباركة وجوب الهدي على من تمتع بالعمرة على الحج، و انّ هذا التمتع لا يثبت في حق من كان أهله حاضري المسجد الحرام، كما أنّ ظاهر ما ورد في حج رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أنّ المتعة وظيفة من لم يسق الهدي في إحرامه، و شي‌ء من ذلك لا يقدح فإنّ الإحرام للحج بسياق الهدي قد نسخ بالإضافة إلى حجة الإسلام ممّن‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أقسام الحج، الحديث 1.

9

و هل يعتبر الحد المذكور من مكّة أو من المسجد؟ وجهان، أقربهما الأوّل (1).

____________

كان وراء الحد بتعيّن إحرامه بالتلبية، و تعيّن التمتع على النائي كما هو مدلول الروايات في مورد نزول الآية.

(1) لا يخفى أنّ المستفاد من الآية أنّ التمتع بالعمرة إلى الحج ليست وظيفة من كان أهله حاضري المسجد الحرام، بل هو وظيفة من لم يكن أهله حاضريه، و قد حدّد من يكون أهله حاضريه بثمانية و أربعين ميلًا، و مقتضى ذلك ملاحظة البعد بين المسجد الحرام و بين مكان أهله، كما عليه ظاهر كلمات جماعة من الأصحاب، و لم يرد في الروايات ما يدلّ على ملاحظة هذا البعد من مكة، و ما في رواية زرارة ثمانية و أربعون ميلًا من جميع نواحي مكة مع ضعف ضعف سندها لا تدلّ على أنّ المبدأ هو مكة، فإنّ مكة قيد للنواحي لا مبدأ لثمانية و أربعين ميلًا.

و يمكن أن يقال: إنّ المراد من المسجد الحرام نفس مكة، و لذا عدّ أهل مكة من حاضريه مع أنّهم غير ساكنين في المسجد الحرام، و المتعارف في تحديد البعد بحيث يعرفه الناس هو التحديد بين قرية أو بلد و بين قرية أو بلد آخر لا ملاحظة البعد بين مكان و بين بناء أو بيت في بلد أو قرية، نعم إذا بنى على إجمال صحيحة زرارة و عدم تعيين ظهورها من حيث مبدأ حساب البعد يقال يلتزم بأنّ مبدأ الحساب نفس المسجد الحرام، أخذاً بالعموم في مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة حلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (فليس لأحد إلّا أن يتمتع) و قوله (عليه السلام) في صحيحة ليث المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (ما نعلم حجّا للّٰه غير المتعة إنّا إذا لقينا ربّنا قلنا، يا ربّنا، عملنا بكتابك) (1) الحديث، حيث لا يرفع اليد عن العموم في غير المتيقن مع إجمال الخاص، و هو من يكون بعده من المسجد الحرام و منزله أقل من ثمانية و أربعون ميلًا.

أقول: قد تقدم التأمّل في العموم المذكور، و يأتي بيان الوظيفة عند تردّد‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 3 من أقسام الحج، الحديث 6؛ التهذيب: 5 26/ 78؛ الاستبصار: 2 151/ 496.

10

و من كان على نفس الحد فالظاهر أنّ وظيفته التمتع (1)، لتعليق حكم الإفراد و القران على ما دون الحد.

و لو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص، و مع عدم تمكّنه

____________

الواجب عليه بين التمتع و الإفراد.

(1) من كان أهله على نفس الحد يجب عليه التمتع لأنّ حكم الإفراد أو القرآن معلّق في صحيحة زرارة على دون ثمانية و أربعين ميلًا، و حكم التمتع فيها و إن كان معلّقاً فيها على عنوان وراء ثمانية و أربعين ميلًا، كما هو ظاهر اسم الإشارة إلّا أنّ المستفاد من الآية و لو بانضمام الروايات هو أنّ التمتع بالعمرة إلى الحج وظيفة من لم يكن أهله حاضري مكة المفسر حضورها بكون أهله بما دون الحد، و ممّا ذكر يظهر أنّه لو شك المكلف في المسافة و انّ أهله دون الحدّ المذكور أم لا، فالاستصحاب في عدم كونه حاضراً يدرجه في موضوع وجوب التمتع.

و على الجملة إجمال صحيحة زرارة بالإضافة إلى من كان رأس الحدّ لا يوجب الإجمال في الآية المباركة المستفاد منها و لو بانضمام الروايات انّ التمتع بالعمرة إلى الحج وظيفة من لم يكن أهله فيما دون الحدّ، و ممّا ذكر يظهر أنّه في موارد تردد أمر بيته في أنّه دون الحدّ أم لا، لا يجب الفحص، بل يبنى على عدم كونه دون الحد فيثبت في حقه وجوب المتعة.

11

يراعي الاحتياط (1)، و إن كان لا يبعد القول بأنّه يجري عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتّع لأنّ غيره معلّق على عنوان الحاضر و هو مشكوك، فيكون كما لو شك في أنّ المسافة ثمانية فراسخ أو لا، فإنّه يصلّي تماماً لأنّ القصر معلّق على السفر و هو مشكوك.

____________

الوظيفة عند تردّد الحج الواجب بين التمتّع و غيره‌

(1) قد تقدم عدم وجوب الاحتياط و جواز الاكتفاء بحج التمتع، كما نفي الماتن (قدّس سرّه) البعد منه في المقام، و إذا أراد المكلّف الاحتياط، فعليه أن يحرم لما هو وظيفته الواقعية من عمرة التمتع أو حج الإفراد، و إذا دخل مكة طاف و سعى بقصد الإتيان بالوظيفة الواقعية فيقصّر ثمّ يحرم للحج من مكة، و بعد الإتيان بأعمال الحج و الفراغ عنها يعتمر بعمرة مفردة، و بهذا يحصل له اليقين بفراغ ذمته من حجة إسلامه، سواء كانت حج التمتع أو الإفراد، فإنّه على تقدير كون وظيفته حج التمتع فظاهر، و أمّا بناءً على أنّها حج الإفراد يكون إحرامه للحج من مكة لغواً، لأنّ الوظيفة هي الإحرام لحج الإفراد من الميقات كما يكون تقصيره غير واجب، بل الواجب في حقه العمرة المفردة التي أتى بها بعد الحج على الفرض. نعم يجب على تقصيره الكفارة فإنّه و إن كان أمره مردداً بين الوجوب و الحرمة، فللمكلف اختيار فعله لرجاء وجوبه إلّا أنّ علمه الإجمالي حين التقصير امّا بوجوبه أو وجوب الإتيان بالطواف و السعي بعد أفعال منى أوجب الإتيان بكل منهما، ففي النتيجة قد جمع المكلف في سنة واحدة بين حج التمتع و حج الإفراد من حيث الأمور المعتبرة في كل منهما بخصوصه، و قد يقال في الاحتياط وجه آخر، و هو أن يحرم للعمرة تمتعاً، و يأتي بعد أن دخل مكة بأعمال عمرة التمتع، ثمّ يحرم من مكة بالحج و يخرج من مكة للإحرام ثانياً لحج الإفراد، ثمّ بعد الفراغ من أعمال الحج يأتي بالعمرة المفردة، و لكن جواز هذا الوجه لا يخلو عن تأمّل، لأنّ الأمر بالعمرة تمتعاً في حق حاضري المسجد الحرام في سنة استطاعته للحج غير ثابت و لو ترتباً، و عليه فإحرام المكلف المفروض لعمرة التمتع يمكن أن يكون باطلًا فلا يجوز له الدخول بمكة بهذا الإحرام.

و على الجملة علمه إجمالًا إمّا بعدم جواز دخول مكة بهذا الإحرام، و أمّا‌

12

ثمّ ما ذكر إنّما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام، حيث لا يجزئ للبعيد إلّا التمتّع و لا للحاضر الإفراد أو القرآن، و أمّا بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد و الحاضر كل من الأقسام (1) الثلاثة بلا إشكال، و إن كان الأفضل اختيار التمتّع، و كذا بالنسبة إلى الواجب غير حجّة الإسلام كالحج النذري و غيره.

____________

لا يجوز له الخروج منها و بعد تقصيره بعد طوافه و سعيه يوجب الاقتصار بالوجه الأول، و اللّٰه العالم.

(1) بلا خلاف معروف بين أصحابنا و يشهد لذلك ما ورد في الروايات المتعددة، كصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها، و ذلك سنة اثنتي عشرة (احدى) و مأتين، فقلت: بأيّ شي‌ء دخلت مكة مفرداً أو متمتعاً؟ فقال: متمتعاً، فقلت: أيّما أفضل المتمتع بالعمرة إلى الحج، أو من أفرد و ساق الهدي؟ فقال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: المتمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي و كان يقول: ليس يدخل الحاج بشي‌ء أفضل من المتعة) (1) فظاهر قوله (عليه السلام) أفضل مشروعية الإفراد، و المراد من مثل هذه الصحيحة الحج الندبي لما تقدم من تعين التمتع في حجة الإسلام للبعيد، و تعين الإفراد على من أهله حاضري المسجد الحرام.

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الكافي: 4 292/ 11.

13

[ (مسألة 1) من كان له وطنان أحدهما في الحد و الآخر في خارجه]

(مسألة 1) من كان له وطنان أحدهما في الحد و الآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما (1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة و لا متعة له، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت إن كان له أهل بالعراق و أهل بمكّة، فقال (عليه السلام): فلينظر أيّهما الغالب» فإن تساويا فإن كان مستطيعاً من كل منهما تخيّر بين الوظيفتين و إن كان الأفضل اختيار التمتّع، و إن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة.

____________

(1) لا ينبغي التأمّل فيما إذا كان له وطنان أحدهما في الحدّ و الآخر في خارجه و استطاع للحج، فعليه فرض أغلبهما، فقد روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت إن كان له أهل بالعراق و أهل بمكة؟ قال: فلينظر أيّهما الغالب عليه فهو من أهله) (1).

و في غير هذه الصورة بأن لم يكن أحدهما غالباً بل كانا متساويين سواءً كانت اقامته في كل منهما ستة أشهر أو أقل، و كان في الأشهر الباقية متردّداً بينهما لا يبعد أن يتخير بين الأقسام الثلاثة، لكونه مكلّفاً بطبيعي الحج مع خروجه عن موضوع الوجوب التعييني لخصوص أحد الأقسام، و دعوى أنّه يمكن القول بوجوب التمتع عليه أخذاً بالعموم، في مثل صحيحة الحلبي المتقدمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيمة لأنّ اللّٰه يقول فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فليس لأحد إلّا أن يتمتع) (2) الحديث مدفوعة بما تقدم من أنّ العموم المزبور بالإضافة إلى من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام بقرينة ورودها تفسيراً، بل تفريعاً على الآية، و كذا دعوى تعين الإفراد أو القرآن عليه، لأنّ قيد الموضوع لوجوبهما على المستطيع إثباتي بأن كان أهله من حاضري المسجد الحرام، و للآخر يعني لوجوب التمتع سلبي بأن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، و مع صدق الموضوع الإثباتي ينفي عنه الموضوع لوجوب التمتع، لعدم إمكان صدق الإثبات و النفي معاً، فلا مجال للتخيير حتى في فرض استطاعته في كل من الوطنين فضلًا عمّا إذا استطاع في الداخل في الحدّ، و لو لم يكن وجوب الإفراد عليه تعييناً ظاهراً فلا أقل من كونه أحوط.

أقول: لو كان وجوب حج الإفراد معلّقاً على ثبوت الأهل للمستطيع في داخل الحد، و كان الموضوع لوجوب حج التمتع سلب ذلك العنوان بأن لا يكون أهله من‌

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 34/ 101؛ الاستبصار: 2 159/ 519.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 25/ 75؛ الاستبصار: 2 150/ 493.

14

[ (مسألة 2) من كان من أهل مكّة و خرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها]

(مسألة 2) من كان من أهل مكّة و خرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها فالمشهور جواز حجّ التمتّع له (1) و كونه مخيّراً بين الوظيفتين، و استدلّوا بصحيحة عبد الرحمن بن

____________

حاضري المسجد الحرام، لما كان وجه لتعليق وجوب كل من الحجين على الغالب عليه من أهلية، بل كان المناسب أن يقول (عليه السلام) عليه الحج إفراداً، و لا أقل من أن يقول إذا لم يكن الغالب عليه من أهلية خارج الحدّ فعليه حج الإفراد، فتعليق وجوب كل منهما على الغالب عليه من أهلية يعطي ان ذا الوطنين خارج عن مدلول الآية كما ذكرنا، فمع استطاعته للحج في كل من الوطنين يجب عليه طبيعي الحج إذا لم يكن الغالب عليه أحد أهلية.

و على الجملة إذا كان مستطيعاً للحج من كل من المكانين فحكمه التخيير، و إن كان اختيار حج التمتع أفضل للأخبار الواردة في كونه أفضل الأقسام، و أمّا إذا فرض عدم استطاعته إلّا من أحدهما خاصة فتعين حجّ أهل ذلك المكان مع عدم كونه الغالب عليه محلّ تأمّل، فإنّ مقتضى ما تقدم تخييره في الفرض أيضاً، و اللّٰه العالم.

(1) المكّي إذا بعد عن أهله و مرّ في رجوعه إلى مكة ببعض المواقيت، فعليه الإحرام من ذلك الميقات بلا خلاف معروف، و يقتضيه ما دلّ على عدم جواز دخول مكة بلا إحرام، أضف إلى ذلك ما في صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من قوله (عليه السلام): (إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) وقّت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها) (1).

____________

(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 323/ 2.

15

الحجّاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكّة، فيمرّ ببعض المواقيت، إله أن يتمتّع؟ قال (عليه السلام): ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، و كان الإهلال أحبّ إليّ» و نحوها صحيحة أخرى عنه و عن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن (عليه السلام)، و عن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك و أنّه يتعيّن عليه فرض المكّي إذا كان الحج واجباً عليه، و تبعه جماعة لما دلّ من الأخبار على أنّه لا متعة لأهل مكّة، و حملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني، و لا يبعد قوّة هذا القول، مع أنّه أحوط لأنّ الأمر دائر بين التخيير و التعيين و مقتضى الاشتغال هو الثاني خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحج، بل يمكن أن يقال إنّ محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها و أمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض أهلها.

____________

ثمّ إنّه إذا كانت عليه حجة الإسلام هل يتعين عليه ما هو فرض أهل مكة فيحرم له أو يجوز له الإحرام لعمرة التمتع، فعن الشيخ (قدّس سرّه) في جملة من كتبه و المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهي جوازه، بل الجواز منسوب في المدارك إلى الأكثر و في غيرها إلى المشهور، و يستدل على ذلك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) حيث ورد فيها: (سألته عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار، ثمّ يرجع إلى مكة، فيمرّ ببعض المواقيت، إله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، و كان الإهلال أحب إليّ) (1)، و في الصحيحة الأخرى لعبد الرحمن بن أعين قالا: (سألنا أبا الحسن (عليه السلام). إلى أن قال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له و الإهلال بالحج أحبّ إلىّ) و قد يقال: كما عن ابن أبي عقيل و جماعة انّ المراد من الصحيحتين الحج المندوب لا حجة الإسلام، بقرينة ما ورد في ذيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين من السؤالات الراجعة إلى الحج المندوب.

أضف إلى ذلك أنّ من كان من أهل مكة بحيث له مقدرة مالية يخرج إلى بعض الأمصار لا تكون حجة الإسلام باقية على عهدته، بل لو كانتا مطلقتين من حيث الحج الواجب و المندوب يعارضهما ما ورد في صحيحة زرارة و غيرها من أنّ أهل مكة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الكافي: 4 300/ 5.

16

..........

____________

ليس عليهم متعة، و في الصحيح عن عبيد اللّٰه الحلبي و سليمان بن خالد و أبي بصير كلّهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (ليس لأهل مكة، و لا لأهل مر، و لا لأهل سرف، متعة) (1)، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق في عدم جواز المتعة حتى ممّن كان من أهل مكة و خرج إلى بعض الأمصار، ثمّ رجع إلى الميقات، و مورد المعارضة المكي الخارج الذي يرجع إلى مكة و عليه حجة الإسلام، فيؤخذ في مورد اجتماعهما بإطلاق نفي المتعة لأهل مكة لموافقته لإطلاق الآية أو كون إطلاق الآية مرجعاً بعد تساقط الإطلاقين، فتكون النتيجة ما عليه ابن أبي عقيل و المختار عند جماعة كما قواه الماتن (قدّس سرّه)، و لكن يورد على ذلك بعدم حمل إمكان الصحيحتين على الحج المندوب، فإنّه ينافيه ما ورد فيها من كون الإهلال بالحج أحب إلىّ، حيث لا ينبغي التأمّل في أنّ في الحج المندوب الأفضل حج التمتع، فكيف يكون الإحرام للحج أحبّ.

أقول: ظاهر الأحب جواز الأمرين و كون الإحرام للحج أحب و أفضلية التمتع لأهل مكة في الحج المندوب لم تثبت، و ما ورد في أفضلية التمتع بقرينة التعليل بأنّه أخذ بقول اللّٰه سبحانه و سنة نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مقتضاه اختصاص الأفضلية للبعيد إذا حج ندباً، نعم التمتع عن المجاور بل ذي الوطنين أفضل، و هذا غير الفرض في الصحيحتين.

و على الجملة ففي فرض حجة الإسلام يكون إطلاق الآية المباركة مرجّحاً لما دلّ على عدم التمتع لأهل مكة، و لو خرج إلى البعيد أو مرجعاً بعد تساقط الإطلاقين، و اللّٰه العالم.

نعم لو كان وصول النوبة إلى الأصل العملي لكان مقتضاه التخيير لا تعيّن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 32/ 96؛ الاستبصار: 2 157/ 514.

17

[ (مسألة 3) الآفاقي إذا صار مقيماً في مكّة]

(مسألة 3) الآفاقي إذا صار مقيماً في مكّة فإن كان ذلك بعد استطاعته و وجوب التمتّع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه سواء (1) كانت إقامته بقصد التوطّن أو المجاورة و لو بأزيد من سنتين.

____________

الإفراد، لما ذكرنا في بحث الأصول أنّه إذا دار أمر الواجب بين التعيين و التخيير يكون مقتضى أصالة البراءة الجارية في ناحية الوجوب التعييني عدم معارضتها بأصالة البراءة الجارية في ناحية الجامع بين الفعلين هو الاكتفاء بأي من الفعلين.

(1) الآفاقي إذا أقام بمكة بعد استطاعته و وجوب حج التمتع عليه فلا خلاف يعرف في بقاء حكمه السابق، و لو كان ذلك بقصد الاستيطان في مكة، أو بعد سنتين من اقامته بها بعنوان المجاور، و كأنّ موضوع وجوب حجّ الإفراد أو القرآن كون المكلّف زمان حصول استطاعته حاضر مكّة، كما أنّ الموضوع لوجوب حج التمتع عدم كونه عند حصولها من حاضريها، و دعوى أنّ استفادة ذلك من الخطابات الشرعية مشكل، فإنّ مقتضاها دوران وجوب الحج تمتعاً أو غيره مدار كون المكلف زمان الإتيان من أهل مكة أم لا، فإنّ مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له) (1) و بإطلاقها شاملة لمن كانت استطاعته للحج قبل إقامته أم بعدها، بل يكفي ظاهر تقسيم الموضوع في الآية المباركة بين من أهله من حاضري المسجد الحرام، المراد منهم أهل مكة و ما دون الحدّ و بين من يكون أهله من حاضريه، فالأول مكلف بالحج مفرداً، و الثاني بالحج تمتعاً، نظير تقسيم المكلف بكونه مسافراً أو غير مسافراً، فإنّ كون المكلف حاضراً أو مسافراً عند تحقق الوجوب لا يكفي في بقاء ذلك الوجوب إذا تبدل إلى العنوان الآخر لا يمكن المساعدة عليها، و ذلك لأنّ الاعتبار بسنة الاستطاعة، و انّ المكلف إذا كان مكلفاً فيها بحج التمتع يجب عليه الإتيان به و لو بعد استيطانه بمكة أو بعد سنوات من‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 34/ 101؛ الاستبصار: 2 159/ 519.

18

..........

____________

اقامته فيها بعنوان المجاور، لأنّ المستفاد من الروايات أنّ الحج الواجب على المكلف في سنة استطاعته مع تركه في تلك السنة يثبت في عهدته كالدين، و لذا يكون وجوب الإتيان به بعد تلك السنة منوطاً ببقاء الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج، و يقضي عنه من أصل تركته مع موته قبل الإتيان.

و على الجملة الإتيان بالحج في السنة اللاحقة وفاء لما عليه في السنة السابقة، و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت: (فإن مات و هو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة، قال: يحج عنه إن كان حجة الإسلام و يعتمر، إنّما هو شي‌ء عليه) (1)، و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (إن كان صرورة فمن جميع المال، أنّه بمنزلة الدين الواجب) (2)، و على ذلك يجب عليه الإتيان بما ينطبق عليه ما على ذمته ليكون وفاءً به و لا يقاس المقام بمسألة القصر و الإتمام إذا كان المكلف في بعض الوقت حاضراً و في بعضه مسافراً، فإنّه لو كان في آخر الوقت مسافراً كان تكليفه فيه القصر و لو كان في أوّل الوقت لعدم كونه مسافراً مكلفاً بالتمام، نعم لو لم يأت بالقصر في آخر الوقت يثبت على ذمته القصر، و لذا يجب قضائها قصراً حتى فيما كان القضاء في الحضر، و ما في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام): (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له) ليس له إطلاق بحيث يشمل لمن كان عليه حج التمتع قبل ذلك، و الوجه في ذلك أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) هو تنزيل المقيم منزلة المكّي ليثبت له ما للمكّي، و التمتع المنفي عن المكّي هو كونه مكيّاً حال استطاعته المعتبرة في وجوب الحج، و أمّا إذا كان عليه حج التمتع لاستطاعته إلى الحج قبل كونه مكيّاً، فالتمتع غير منفي عنه حتى ينتفي عن المقيم بمكة أيضاً، و مقتضى التنزيل أن يجب على المستوطن حج التمتع، و لا يحتاج إلى مضى السنتين أو أقل أو‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 3؛ الكافي: 4 270/ 4؛ الوسائل: الباب 3 من أبواب الإحصار، الحديث 1.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث 4؛ الكافي: 4 305/ 1.

19

و أمّا إذا لم يكن مستطيعاً ثمّ استطاع بعد إقامته في مكّة فلا إشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكّي في الجملة، كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرّد الإقامة، و إنّما الكلام في الحد الّذي به يتحقّق الانقلاب، فالأقوى ما هو المشهور من أنّه بعد الدخول في السنة الثالثة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة و لا متعة له (1).»،

____________

أكثر فإنّه حقيقة من أهل مكة.

(1) إذا استطاع الآفاقي بعد ما أقام بمكة يجب عليه التمتع قبل إتمامه السنتين من اقامته، و إذا استطاع بعد إتمامه السنتين ينقلب فرضه إلى حج الإفراد أو القرآن عند المشهور، بل هذا هو المنسوب إلى غير الشيخ (قدّس سرّه) من أصحابنا، و قد ورد في صحيحة زرارة قوله (عليه السلام): (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة فلا متعة له) (1)، و في صحيحة عمر بن يزيد قال: (قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً، و ليس له يتمتع) (2)، و ما عن الشيخ في النهاية و المبسوط و المنسوب إلى الإسكافي و الحلي من عدم انتقال الفرض إلى الإفراد أو القرآن حتى يقيم ثلثاً، لعلّه محمول على أنّ المراد الدخول في السنة الثالثة فلا ينافي ما تقدّم من اعتبار إكمال سنتين و إلّا فلا يعرف له مستند.

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 9 من أبواب أقسام الحج.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 34/ 102.

20

و صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام): «المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطناً و ليس له أن يتمتّع» و قيل بأنّه بعد الدخول في الثانية لجملة من الأخبار، و هو ضعيف لضعفها بإعراض المشهور عنها، مع أنّ القول الأوّل موافق للأصل، و أمّا القول بأنّه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه إلّا الأصل المقطوع بما ذكر، مع أنّ القول به غير محقّق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور بإرادة الدخول في السنة الثالثة، و أمّا الأخبار الدالّة على أنّه بعد ستة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها، مع احتمال صدورها تقيّة و إمكان حملها على محامل آخر.

و الظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطّن فينقلب بعد قصده من الأوّل، فما يظهر من بعضهم من كونها أعم لا وجه له، و من الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطّن.

____________

و ظاهر الشهيد و الفاضل الأصبهاني الميل إلى انقلاب الفرض بالدخول في السنة الثانية لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة‌

21

..........

____________

أهل مكة) (1)، و صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد اللّٰه (عليهما السلام) لأهل مكة أن يتمتّعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها، قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين، صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهراً فإنّ لهم أن يتمتّعوا) (2)، و يضعف هذا القول باعراض المشهور عن الروايتين كما أعرضوا عن صحيحة حفص البختري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثمّ يرجع مكة بأي شي‌ء يدخل؟ فقال: إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، و إن كان أقل من ستة أشهر فله أن يتمتع) (3)، و لكن يمكن أن يقال: بعد تعارض الطائفتين الأوليتين في التحديد و عدم إمكان تقييد المفهوم، فيما يدلّ على اعتبار السنتين بما دلّ على الاكتفاء بالسنة، فإنّه مساوق لإلغاء التحديد بالسنتين و لا يعدّ مثله من الجمع العرفي خصوصاً مع اعتبار تجاوز السنتين في صحيحة عمر بن يزيد، و ظاهر الآية المباركة وجوب التمتع على المجاور و لو بملاحظة ما ورد في تفسيرها فلا يكون شي‌ء من الطائفتين موافقاً للكتاب، و يؤخذ بالآية و ما هو بمفادها من الروايات بالإضافة إلى غير القدر المتيقن، و هو من يكون إقامته بمكة أقل من سنتين، فيحكم بوجوب التمتع عليه، و يرفع اليد في مورد الجزم أو الوثوق و لو بمعونة الشهرة بين الأصحاب، و هو من أقام بمكة سنتين أو أزيد.

و على الجملة الالتزام بانقلاب الفرض في الأقل من السنتين لا يمكن الالتزام‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4؛ التهذيب: 5 476/ 1680.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 35/ 103.

(3) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 476/ 1679.

22

ثمّ الظاهر أنّ في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكّي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً (1) فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكّة و لا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده، فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلّتها، و أنّ الانقلاب إنّما أوجب تغيير نوع الحج و أمّا الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتّع، هذا.

____________

به، و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ اعتبار السنتين في المجاور في انقلاب فرضه لا يعم صورة الاستيطان، فإنّ مع الاستيطان المعبّر عنه بالقاطن يدخل الشخص في عنوان أهل مكة الوارد في الروايات عدم المتعة لهم، و لذا علّق كون المجاور قاطناً على تجاوز سنتين حيث لا يعتبر في المجاور أن يكون أهله حاضري المسجد الحرام، و إطلاق القاطن و أهل مكة عليه بعد إقامة سنتين تنزيل و إلحاق حكمي.

(1) يقع الكلام في المقام في أنّه لو استطاع للحج بعد سنتين هل يلاحظ استطاعته لحج الإفراد من مكة حيث تكون الاستطاعة له من مكّة قليلة المؤنة أو يعتبر أن يكون مستطيعاً باستطاعة بلده بأن يكون له مؤنة الحجّ من بلده، فقد اختار الماتن (قدّس سرّه) كعدة من أصحابنا الأوّل، و عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الثاني، و بتعبير آخر يتعين على المجاور بعد سنتين الإفراد لا التمتع، و لكن الكلام أنّه يكفي في وجوبه استطاعته عن مكة كسائر أهل مكة أو أنّه يفترق عن أهل مكة في الاستطاعة، فيعتبر في وجوب الحج عليه إفراداً استطاعته من بلده إلى الحج فالتبدل في نوع الحج الواجب لا في الاستطاعة المعتبرة في وجوبه، و لكن لا يخفى أنّه لم يرد في الخطابات الشرعية إلّا أن يكون للمكلف ما يحج به، و ظاهرها كون ما يحج به زائداً على مصارفه العادية اللازمة، و على ذلك فربّما يختلف استطاعة المكي عن المجاور بعد إكمال سنتين، فإنّه إذا كان بقاء المجاور في مكة بعد إكمال حجّه حرجياً و صرف ما عنده من المال في مصارف حجّه يوجب أن لا يتمكّن من العودة إلى بلده، أو كونه حرجياً فلا يكون مستطيعاً حتى لحج الإفراد بخلاف المكي، فإنّه لا حاجة له إلى العودة إلّا بمكة، و نظيره المجاور الذي لا يعوده إلى بلده بعد الفراغ من حجه، بل يبقى بمكة لتحصيل مال بحيث لا يلزم من صرف ماله الفعلي في مصارف حجه حرج أو محذور فيكون مستطيعاً للحج كأهل مكة.

23

و لو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكّة لكن قبل مضي السنتين، فالظاهر أنّه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتّع و لو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب (1).

و أمّا المكّي إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيماً بها فلا يلحقه حكمها في تعيّن التمتّع عليه لعدم الدليل و بطلان القياس، إلّا إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطّن و حصلت الاستطاعة بعده، فإنّه يتعيّن عليه التمتّع بمقتضى القاعدة و لو في السنة الأُولى، و أمّا إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكّة فلا، نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة فعلى القول بالتخيير فيها كما عن المشهور يتخيّر و على قول ابن أبي عقيل يتعيّن عليه وظيفة المكّي.

____________

(1) قد تقدم أنّ ذلك فيما كانت استطاعته بعد السنتين، و أمّا إذا كانت في بلده أو قبل تجاوز السنتين و أراد الإتيان بالحج بعد تجاوزهما، فعليه حج التمتع و لو في السنة، هذا فيما إذا جاور الآفاقي مكة، و أمّا إذا جاور المكي في بلدة نائية فالمتعين عليه حج الإفراد بلا فرق بين كون استطاعته في مكة أو تلك البلدة، و بلا فرق بين كونهما بعد السنتين أو قبلهما، فإنّ انقلاب الوظيفة بعد المجاورة بسنتين وارد في مكة، و على خلاف ما تقدم من ظهور الخطابات الأوّلية و لاحتمال الخصوصية يقتصر بمورده، نعم إذا كان المكي مستوطناً في بلدة خارج الحدّ يلحقه حكم أهلها فيتعين‌

24

[ (مسألة 4) المقيم في مكّة إذا وجب عليه التمتّع]

(مسألة 4) المقيم في مكّة إذا وجب عليه التمتّع كما إذا كانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتّع، و اختلفوا في تعيين ميقاته (1) على أقوال:

أحدها: أنّه مهلّ أرضه، ذهب إليه جماعة، بل ربّما يسند إلى المشهور كما في الحدائق لخبر سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) سألته عن المجاور، إله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال (عليه السلام): «نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فليلبّ إن شاء» المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في

____________

عليه حج التمتع إذا حصلت له الاستطاعة في تلك البلدة قبل سنتين أو بعدهما، نعم إذا بنى على أنّ المكّي إذا خرج إلى بعض البلاد و رجع إليها يتخيّر بين التمتع و حج الإفراد كما تقدم في المسألة الثانية، فيجوز له التمتع و حج الإفراد، و إن كان ذلك قبل سنتين، و إلّا يتعين عليه الإفراد، و اللّٰه العالم.

(1) المقيم بمكة إذا وجب عليه التمتع كما إذا كان مستطيعاً في بلده أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه يجب عليه الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتع، و وقع الخلاف في تعيين ميقاته فعن الشيخ و أبي الصلاح و ابن سعيد و المحقق في النافع و العلامة في بعض كتبه أنّه ميقات أهل أرضه، و عن ظاهر المقنعة و النهاية و المبسوط و المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد و صريح الدروس و المسالك أنّه أحد المواقيت المخصوصة مخيّراً بينها، و عن الحلبي أنّه خارج الحرم، و احتمله في المدارك و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار و اختلاف الأنظار في الجمع بينها.

منها ما يقال: إنّها ظاهره في تعيين ميقات أرضه كخبر سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (سألته عن المجاور، إله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فيلبّي، إن شاء) (1)، و في السند معلى بن محمد. و يستدل على ذلك أيضاً بروايات واردة في تارك الإحرام من الميقات جهلًا أو نسياناً‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الكافي: 4 302/ 7؛ التهذيب: 5 59/ 188.

25

الجاهل و الناسي الدالّة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل و النسيان و أنّ ذلك لكونه مقتضى حكم التمتّع، و بالأخبار الواردة في توقيت المواقيت و تخصيص كل قُطر بواحد منها أو من مرّ عليها بعد دعوى أنّ الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه.

ثانيها: أنّه أحد المواقيت المخصوصة مخيّراً بينها، و إليه ذهب جماعة أخرى لجملة أخرى من الأخبار، مؤيدة بأخبار المواقيت بدعوى عدم استفادة خصوصية كل بقطر معيّن.

ثالثها: أنّه أدنى الحل، نقل عن الحلبي و تبعه بعض متأخري المتأخرين، لجملة ثالثة من الأخبار.

____________

كصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، و إن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج) (1) بدعوى أنّ الخروج إلى ميقات أهله وظيفة كل من يكون مكلّفاً بحج التمتع بلا دخل لخصوصية دخول الحرم بلا إحرام نسياناً أو جهلًا؛ و بالروايات الواردة في تعيين المواقيت لأهل الآفاق، و يستدل على القول الثاني بصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) حيث ورد فيها: (فكتب انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) وقّت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها، و فيها رخصة لمن كانت به علّة فلا تجاوز الميقات إلّا من علة) (2) حيث يصدق على الراجع إلى ميقات من المواقيت أنّه أتى عليها، و لو كانت الروايات الواردة في تعيين المواقيت أو في رجوع الجاهل و الناسي ظاهرة في تعين ميقات خاص فيرفع اليد عن التعين بمثل الصحيحة الدالّة على التعميم لمن أتى على أخرى، بل لو قيل في تارك الإحرام إلى أن دخل الحرم بتعيّن رجوعه إلى ميقات أهله أخذاً بظهور التعين في جملة من الروايات الواردة فيه، فلا وجه للتعدّي منه إلى المجاور لأنّه كان معلنا بالإحرام من ذلك الميقات فلعلّ فيه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 7؛ التهذيب: 5 58/ 180.

(2) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ التهذيب: 5 476/ 1678.

26

و الأحوط الأوّل، و إن كان الأقوى الثاني لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة و أخبار الجاهل و الناسي و إن ذكر المهل من باب أحد الأفراد، و منع خصوصية للمرور في الأخبار العامّة الدالّة على المواقيت، و أمّا أخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيّدة بأخبار المواقيت أو محمولة على صورة التعذّر.

____________

خصوصيّة، و في موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (من حجّ معتمراً في شوال. إلى أن قال: و إن اعتمر في شهر رمضان أو قبله و أقام إلى الحج فليس بمتمتّع، و إنّما هو مجاور أفرد للعمرة، فإنّ هو أحبّ أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاور ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فإن هو أحبّ أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبّي منها) (1)، و تفصيله (عليه السلام) بين إحرام المجاور بعمرة التمتع و إحرامه بحجّ الإفراد شاهد قوي لوجوب الرجوع إلى الميقات، و ظاهر هذه الموثقة و إن كان الحج الاستحبابي، إلّا أنّه لا يحتمل أن يكون الحج الواجب تمتعاً مختلفاً عن التمتع استحباباً و لا يضرّ بالاستدلال اشتمالها للخروج إلى عسفان الذي لا يعرف حاله.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها) (2) بحملها على غير عمرة التمتع حيث يحرم المجاور لها من خارج الحرم، كما يرفع اليد عن إطلاق صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) لأهل مكة أن يتمتّعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها. إلى أن قال: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم) (3) فتحمل على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى أحد المواقيت، و مثلها رواية سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج في رجب. إلى أن قال: من دخلها في غير أشهر الحج، ثمّ أراد أن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الفقيه: 2 274/ 1335.

(2) الوسائل: الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الفقيه: 2 276/ 1330.

(3) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 35/ 103.

27

ثمّ الظاهر أنّ ما ذكرنا حكم كل من كان في مكّة و أراد الإتيان بالتمتّع و لو مستحباً (1).

هذا كلّه مع إمكان الرجوع إلى المواقيت، و أمّا إذا تعذّر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل، بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات، و إن لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه، و الأحوط الخروج إلى ما يتمكّن.

____________

يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكة و لا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت و يصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، ثمّ يخرج إلى الصفا و المروة فيطوف بينهما، ثمّ يقصر و يحلّ، ثمّ يعقد التلبية يوم التروية) (1)، فإنّها أيضاً تحمل امّا على العدول إلى التمتع أو على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات لما تقدم، فلا مجال للقول الثالث أو القول بأنّ الرجوع إلى الميقات أفضل و إلّا فيجوز الإحرام بكل من الوجوه الثلاثة إلّا أن يقال ليس في البين ما يوجب الحمل على صورة عدم التمكن إلّا أن دعوى أنّ المفروض في الطائفة الأولى، و كذا الثانية تمكن رجوعه إلى الميقات بخلاف الطائفة الثالثة، فإنّها مطلقة بالإضافة إلى التمكن و عدمه فيرفع اليد عن إطلاقها بالطائفتين الأوليتين.

(1) بل تقدم أنّ ظاهر بعض الروايات هو صورة استحباب التمتع كموثقة سماعة بن مهران الواردة في كون الإحرام بعمرة التمتع مشروطاً بوقوعه في أشهر الحج، و أمّا مع عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات يجزي الإحرام للتمتع من خارج الحرم، و قد تقدم أنّ مقتضى الطائفة الثالثة جواز الإحرام لعمرة التمتع للمجاور بمكة من خارج الحرم، غاية الأمر أنّها مطلقة من حيث التمكن من الرجوع إلى الميقات و عدمه فيحمل على صورة التمكن بالطائفتين الأولى و الثانية، حيث إنّ موردهما صورة التمكن من الرجوع إلى ميقات أهله أو أحد المواقيت، و ما عن الماتن من الاحتياط بالرجوع إلى ما يمكن من خارج الحرم، ففيه أنّ ذلك وارد فيمن دخل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الكافي: 4 302/ 10.

28

[فصل في صورة حج التمتّع و شرائطه]

فصل في صورة حج التمتّع و شرائطه

[صورة حج التمتّع على الإجمال]

صورة حج التمتّع على الإجمال أن يُحرم في أشهر الحج من الميقات بالعمرة المتمتّع بها إلى الحج، ثمّ يدخل مكّة فيطوف فيها بالبيت سبعاً و يصلّي ركعتين في المقام، ثمّ يسعى لها بين الصفا و المروة سبعاً، ثمّ يطوف للنساء احتياطاً و إن كان الأصح عدم وجوبه (1)، و يقصّر، ثمّ ينشئ إحراماً للحج من مكّة في وقت يعلم أنّه يدرك الوقوف بعرفة، و الأفضل إيقاعه يوم التروية، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها من الزوال إلى الغروب، ثمّ يفيض و يمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه و يقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ثمّ يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة، ثمّ ينحر أو يذبح هديه و يأكل منه، ثمّ يلحق أو يقصّر، فيحل من كل شي‌ء إلّا

____________

الحرم مع مروره بالميقات و تركه الإحرام منه، فلا يعم المفروض في المقام مع أنّ مقتضى الاحتياط الإعادة.

(1) قد تقدم وجوب طواف النساء في العمرة المفردة، و الظاهر ليس فيه خلاف يعتد به بين أصحابنا، كما هو مقتضى الروايات المعتبرة، و ذكرنا أنّ موضع الإتيان بهذا الطواف فيها بعد الحلق أو التقصير، و أمّا العمرة تمتعاً فالمشهور، بل بلا خلاف يعرف عدم اعتبار طواف النساء فيها، بل يحصل الإحلال من إحرامها بمجرد التقصير، و يدلّ على ذلك عدة من الروايات منها صحيحة صفوان بن يحيى قال: (سأله أبو حرث، عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف و سعى و قصّر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، إنّما طواف النساء بعد الرجوع من منى) (1)، و صحيحة محمد بن عيسى قال: (كتب أبو القاسم مخلد بن موسى الرازي إلى الرجل (عليه السلام) يسأله عن العمرة المبتولة، هل على صاحبها طواف النساء و العمرة التي يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب أمّا العمرة التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف‌

____________

(1) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 6؛ التهذيب: 5 254/ 862؛ الاستبصار: 2 232/ 805.

29

النساء و الطيب، و الأحوط اجتناب الصيد أيضاً، و إن كان الأقوى عدم حرمته عليه من حيث الإحرام ثمّ هو مخيّر بين أن يأتي إلى مكّة ليومه فيطوف طواف الحج و يصلّي ركعتيه و يسعى سعيه فيحل له الطيب، ثمّ يطوف النساء و يصلّي ركعتيه فتحلّ له النساء، ثمّ يعود إلى منى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق و هي الحادي عشر، و الثاني عشر، و الثالث عشر و يرمي في أيّامها الجمار الثلاث، و أن لا يأتي إلى مكّة ليومه بل يقيم بمنى حتّى يرمي جماره الثلاث يوم

____________

النساء (1)، و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (إذا فرغت من سعيك و أنت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك، و قلّم أظفارك و ابق منها لحجّك فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحلّ منه المحرم و أحرمت منه، فطف بالبيت تطوّعاً ما شئت) (2).

إلى غير ذلك، و أمّا ما رواه في الصحيح إبراهيم بن عبد الحميد عن عمر أو غيره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (المعتمر يطوف و يسعى و يحلق، و قال: لا بدّ له بعد الحلق من طواف آخر) (3) فمضافاً إلى تردد الراوي عنه (عليه السلام) و جهالته لا تعم عمرة التمتع، حيث لا يكون فيها بعد السعي إلّا التقصير دون الحلق)، و ما رواه محمد بن عيسى عن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 1؛ الكافي: 4 538/ 9؛ التهذيب: 5 254/ 861؛ الاستبصار: 2 232/ 804.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 1؛ التهذيب: 5 148/ 487.

(3) الوسائل: الجزء 13، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 2؛ الكافي: 4 538/ 7.

30

..........

____________

سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) (إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت و صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة و قصّر حلّ له كل شي‌ء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً و صلاة) (1) و مع الإغماض عن سندها يقال: انّها محمولة على العودة إلى مكة بعد أفعال منى.

و لكن يرد بأنّه لا يكون في الحج إلّا الحلق و التقصير قبل طواف الحج و سعيه، و فيه أنّ الإيراد مبني على ثبوت القصّر، و فيما رواه في الاستبصار خال عنه، و حيث لم يثبت فرض التقصير بعد السعي بين الصفا و المروة يحتمل كون المراد العودة إلى مكة بعد أفعال منى، فلا تصلح للمعارضة مع ما تقدم، و أمّا دعوى حمل الطواف الوارد فيها على الاستحباب للجمع بينها و بين ما تقدم فلا يمكن المساعدة عليها فإنّ‌

____________

(1) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 7؛ التهذيب: 5 162/ 544؛ الاستبصار: 2 244/ 853.

31

الحادي عشر و مثله يوم الثاني عشر، ثمّ ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتّقى النساء (1) و الصيد، و إن أقام إلى النفر الثاني و هو الثالث عشر و لو قبل الزوال لكن بعد الرمي جاز أيضاً، ثمّ عاد إلى مكّة للطوافين و السعي، و لا إثم عليه في شي‌ء من ذلك على الأصح، كما أنّ الأصح الاجتزاء بالطواف و السعي تمام ذي الحجّة، و الأفضل الأحوط هو اختيار الأوّل بأن يمضي إلى مكّة يوم النحر بل لا ينبغي التأخير لغده فضلًا عن أيام التشريق إلّا لعذر.

[و يشترط في حج التمتّع أمور]

و يشترط في حج التمتّع أمور:

[أحدها: النيّة]

أحدها: النيّة بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحج (2) حين الشروع في إحرام العمرة، فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردّد في نيّته بينه و بين غيره لم يصح، نعم في جملة من الأخبار أنّه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتّع بها، بل يستحب ذلك إذا بقي في مكّة إلى هلال ذي الحجّة، و يتأكّد إذا بقي إلى يوم التروية، بل عن القاضي وجوبه حينئذ، و لكن الظاهر تحقّق الإجماع على خلافه، ففي موثق سماعة عن الصادق (عليه السلام) «من حجّ معتمراً في شوال، و من نيّته أن يعتمر و يرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، و إن هو أقام إلى الحج فهو متمتّع، لأنّ أشهر الحج، شوال و ذو القعدة و ذو الحجّة، فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة

____________

ظهورها عن عدم حلية النساء قبل الإتيان بالطواف الآخر.

ثمّ إنّ الماتن التزم بأنّ طواف النساء في عمرة التمتع احتياط استحبابي، و ربّما يستظهر من عبارة المتن أنّ محلّه بعد إكمال السعي و قبل التقصير، مع أنّ الوارد في رواية سليمان بن حفص المروزي أنّ طواف النساء و صلاته بعد التقصير، و لعلّ الوجه فيما ذكر، ما ورد في الروايات المتعددة من (أنّ المتمتع بالعمرة إذا قصر أحلّ من كل شي‌ء أحرم منه) فإنّ لازمه أن يكون طواف النساء فيها قبل التقصير ليكون المقصر محلًّا لجميع ما حرم عليه بالإحرام، و رواية سليمان بن حفص المروزي قاصرة على الترتيب المدّعى، ثمّ إنّ ما تعرض الماتن (قدّس سرّه) لما ذكره في المقام نتكلم فيها فيما يأتي من أفعال عمرة التمتع و حج التمتع تفصيلًا.

(1) لا فرق في جواز النفر الأول لمن اتقى النساء و الصيد بين أن يأتي يوم العيد مكة لطوافه و سعيه أو يأتي بعد ذلك اليوم.

(2) قد تقدم أنّ أنواع الحج ثلاثة و كل من الأنواع و إن كان يختلف عن الآخر في بعض الخصوصيات الخارجية كاشتراط حج التمتع بسبق عمرته في سنة حجّة و وجوب الهدي في حجّه و عدم ارتباط حج الإفراد و القران بسبق العمرة و الإتيان بها في سنة الحج، و جواز تقديم طوافه و سعيه على الوقوفين، و نحو ذلك إلّا أنّه حيث تصحّ العمرة المفردة كعمرة التمتع في أشهر الحج، و كلتا العمرتين متحدتان في صورتهما حتى في طواف النساء، فإنّ الإتيان به في عمرة التمتع احتياط استحبابي، ففي‌

32

و من رجع إلى بلاده و لم يقم الحج فهي عمرة، و إن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتّع، و إنّما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتّى يجاور ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتعا

____________

تعيّن إحداهما عند الإحرام يحتاج إلى تعيين لأيّهما الإحرام، و بما أنّه لا تكون العمرة تمتعاً إلّا بالإتيان بالحج بعده فاللازم في وقوعها عمرة التمتع ان قصد الإحرام للحج بعد الفراغ منها بخلاف وقوعها عمرة مفردة، و على ذلك فلا مناص من الالتزام بكون العمرتين، و لو في إحرامها عنوانين قصديين، فعلى المكلف التعيين في النية عند إحرامهما، و كذلك يصحّ الإحرام من الميقات لحج الإفراد من الميقات قبل الإتيان بالعمرة، فعلى المكلف تعيينَهُ أنّه للحج أو للعمرة و لو إجمالًا، كما في موارد تردّد التكليف الواقعي بين كونه حج التمتع أو حج الإفراد، نعم في جملة من الأخبار انّ من اعتمر بعمرة مفردة في أشهر الحج و بقي إلى أوان الحج له أن يحرم بحج‌

33

بعمرته إلى الحج، فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها» و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلّا أن يدركه خروج النّاس يوم التروية» و في قوية عنه (عليه السلام) «من دخل مكّة معتمراً مفرداً للحج فيقضي عمرته ثم خرج كان ذلك له، و إن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة)، قال (عليه السلام): و ليس تكون متعة إلّا في أشهر الحج» و في صحيحة عنه (عليه السلام) «من دخل مكّة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجّة

____________

التمتع من مكة، و تحسب عمرته المفردة عمرة التمتع، كصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته فخرج كان ذلك له، و إن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة. و قال: ليس تكون متعة إلّا في أشهر الحج) (1)، و موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: (من اعتمر في شوال و من نيّته أن يعتمر و يرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، و إن أقام إلى الحج فهو متمتع لأنّ أشهر الحج شوال و ذي القعدة و ذي الحجة) (2)، و هذه كسابقتها، و إن كانت ظاهره في انقلاب العمرة المفردة إلى عمرة التمتع بمجرد البقاء إلى موسم الحج أي زمان يحرم فيه للحج، إلّا أنّه لا بدّ من حملهما على صورة الإحرام للحج من مكة لجواز رجوعه إلى بلاده، و عدم وجوب إحرام الحج عليه، و لو كان الانقلاب غير مشروط بالإحرام لم يجز له الرجوع إلى أهله و ترك الحج، لكون عمرة التمتع مع حجه عمل واحد يجب إتمامه بالدخول فيه، كما هو المحكي عن القاضي استناداً إلى ما تقدم، و صحيحة أخرى لعمر بن زيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلّا أن يدركه خروج الناس يوم التروية) (3)، و في حسنته الأخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): (من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس) (4) إلّا أنّه مع ذلك لا بدّ من حملها على الاستحباب أو ما كان عليه حجة الإسلام، فإنّه مضافاً إلى تعارضها و كون المحكي عن القاضي قولًا نادراً لم يلتزم به المشهور بمقتضى الحمل المذكور في صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (أنّه سئل عن رجل خرج في‌

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 435/ 1513؛ الوسائل: الجزء 11، الباب 10 من أبواب العمرة، الحديث 5.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.

(3) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة، الحديث 9.

(4) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 6؛ التهذيب: 5 436/ 1517؛ الإستبصار: 2 327/ 1161.

34

فليس له أن يخرج حتّى يحج مع النّاس» (1) و في مرسل موسى بن القاسم «من اعتمر في أشهر

____________

أشهر الحج معتمراً، ثمّ خرج إلى بلاده؟ قال: لا بأس و إن حج من عامه ذلك و أفرد الحج فليس عليه دم) (1)، و انّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق و كان معتمراً، حيث إنّ استشهاده (عليه السلام) لجواز الخروج بفعل الحسين (عليه السلام) مع كون خروجه (عليه السلام) على الظاهر كان للضرورة، دليل على جواز خروج المعتمر في حال الاختيار حتى يوم التروية، و أوضح منها معتبرة معاوية بن عمار قال: (قلت: لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) من أين افترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: إنّ المتمتع مرتبط بالحج، و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء)، و قد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق و الناس يروحون إلى منى، و لا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (2)، و قد تقدم في مباحث العمرة المفردة أنّ المراد بالبقاء إلى الحج ليس هو خصوص البقاء في مكة، بل لكون عمرته مفردة يجوز له الخروج حتى إلى بلد بعيد مع رجوعه إلى مكة قبل انقضاء الشهر الذي أحرم فيه، بل مطلقاً إذا لم يخرج عن الحرم، غاية الأمر إذا رجع إلى مكة من خارج الحرم في غير الشهر الذي اعتمر فيه يجب عليه الإحرام ثانياً لدخول مكة فإن أحرم تكون عمرته عمرة التمتع، فإن ترك الإحرام فإنّه و إن عصى لتركه الإحرام لدخول مكة، و لكن لو أحرم للحج من مكة يكون حجه حج التمتع، لما ورد في أنّ العمرة في أشهر الحج متعة، و قد ذكرنا سابقاً أنّه لو أحرم أولًا لعمرة التمتع، ثمّ خرج عن الحرم بلا إحرام للحج من مكة و لم يحرم للعمرة ثانياً بعد مضى الشهر فهو أيضاً كما ذكر.

(1) لا يخفى أنّ الرواية ليست صحيحة فإنّ في سندها موسى بن سعدان و هو ضعيف، و الحسين بن حماد و في ثبوت التوثيق له تأمّل و قوله (قدّس سرّه) مفرداً للحج، لعلّه من سهو القلم و الصحيح مفرداً للعمرة.

____________

(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 2؛ الكافي: 4 535/ 3؛ التهذيب: 5/ 436/ 1516؛ الاستبصار: 2 327/ 1160.

(2) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 3؛ الكافي: 4 535/ 4.

35

الحج فليتمتّع» إلى غير ذلك من الأخبار، و قد عمل بها جماعة، بل في الجواهر لا أجد فيه خلافاً، و مقتضاها صحّة التمتّع مع عدم قصده حين إتيان العمرة، بل الظاهر من بعضها أنّه يصير تمتّعاً قهراً من غير حاجة إلى نيّة التمتّع بها بعدها، بل يمكن أن يستفاد منها أنّ التمتّع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها، و لا بأس بالعمل بها، لكن القدر المتيقّن منها هو الحج الندبي (1)، ففيما إذا وجب عليه التمتّع فأتى بعمرة مفردة ثمّ أراد أن يجعلها عمرة التمتّع يشكل الاجتزاء بذلك عمّا وجب عليه سواء كان حجّة الإسلام أو غيرها ممّا وجب النذر أو الاستئجار.

____________

(1) استظهر (قدّس سرّه) من الروايات الواردة في المقام جواز الإتيان بحج التمتع عقيب العمرة المفردة في أشهر الحج فيما إذا أقام إلى الحج، و لكن التزم بأنّ القدر المتيقن منها ما إذا كان حج التمتع ندبياً، فلا يعم ما إذا كان واجباً عليه بالأصل أو بالاستيجار أو بالنذر، و لعلّ التزامه مبنى على أنّ الوارد في الروايات المعتبرة أنّ للمعتمر بعد عمرته المفردة الرجوع إلى أهله، و إن بقي إلى الحج يتمتع، و هذا الوارد لا يجري في حق من يجب عليه التمتع، فإنّه ليس له الرجوع إلى بلاده، بل يجب عليه البقاء ليأتي بالحج، و يمكن المناقشة فيه بأنّ المعتمر بالعمرة المفردة إذا اعتمر في شوال يمكن له أن يرجع إلى بلده إذا كان بلده قريباً ثمّ يعود إلى الميقات، و يأتي بحج التمتع، و في الفرض لا يجب عليه البقاء إلى الحج.

و على الجملة شمول الروايات لهذا الفرض يمنع عن الالتزام باختصاصها بالحج الندبي، و كذلك ما يقال من اختصاصها بما إذا لم يكن المكلف مريداً للحج في تلك السنة عند الإحرام للعمرة المفردة، و إلّا فلا يحكم بالانقلاب مع قصده العمرة المفردة.

أقول: لا بأس بالالتزام بإطلاق الأخبار حتى بالإضافة إلى من كان من قصده الإتيان بالحج في تلك السنة، و مفاد الأخبار أنّه إذا أحرم للعمرة المفردة فإن بدا له أن يخرج إلى‌

36

..........

____________

بلاده، و يترك الحج فلا بأس، و إن بقي إلى أوان الحج فلا حاجة إلى الإتيان بعمرة التمتع، فإنّ العمرة التي أتى بها تحسب تمتعاً، و في صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المعتمر في أشهر الحج؟ قال: هي متعة) (1)، و إطلاق التنزيل و أن يقتضي الاكتفاء بها في إتيان حج التمتع، و أنّه لا يجوز خروجه و رجوعه إلى بلاده، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق التنزيل بالإضافة إلى عدم الخروج إلى بلاده بالروايات الدالة على أنّه إذا أراد الخروج إلى بلاده فله ذلك، ففي صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: (لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثمّ يرجع إلى أهله) (2)، و نحوها غيرها.

و مع ذلك كله الأحوط على من عليه حج التمتع بعنوان حجة الإسلام أن يحرم من الميقات بعمرة التمتع، و عدم الاكتفاء في الإحرام لحج التمتع بالعمرة المفردة الواقعة في أشهر الحج، و إن اتفق له حاجة توجب خروجه إلى بعض الأمكنة أن يحرم للحج من مكة، ثمّ يخرج على ما تقدم، و أمّا ما ذكر الماتن (قدّس سرّه) بعدم الاكتفاء فيما إذا كان أجيراً للحج تمتعاً فعدم الاكتفاء فيه ليس مبنياً على الاكتفاء في خصوص الحج تمتعاً إذا كان مندوباً، بل على تقدير الاكتفاء في حجة الإسلام أيضاً يجب على الأجير العمرة من الميقات تمتعاً، لأنّ منصرف عقد الإجارة الإتيان بحج التمتع بالإحرام لعمرة التمتع.

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 4؛ التهذيب: 5 436/ 1514.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 1؛ الكافي: 4 534/ 1؛ الاستبصار: 2 327/ 1160.

37

..........

____________

و أمّا مسألة النذر فهو تابع لقصد الناذر فإن كان منذورة مطلق حج التمتع فيلتزم بالاكتفاء، و إلّا فلا و إن قلنا بجواز الاكتفاء حتى في الحج الواجب بالأصالة.

ثمّ إنّه قد ورد في جملة من الأخبار أنّ من أحرم لحج الميقات و دخل مكة و طاف و سعى، فله أن يقصر و يجعلها متعة، ثمّ أحرم للتمتع من مكة، و تلك الأخبار كما عليه المشهور ناظرة إلى الإحرام بالحج الأفرادي ندباً أو جهلًا مع كون وظيفته التمتع أو رعاية للتقية، و أمّا من كانت وظيفته الإفراد أو كان الإفراد واجباً عليه بالنذر و شبهه فلا يشرع في حقّه العدول، و في موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة، ثمّ يبدوا أن يجعلها عمرة، فقال: إنّ لبّى بعد ما سعى قبل أن يقصّر فلا متعة له) (1)، و هذه الموثقة ظاهرها جواز العدول إلى التمتع فيما أحرم للحج إفراداً ندباً، لأنّ جهة السؤال العدول إلى التمتع بعد الفراغ عن جواز حجّ التمتع في حقّه، و أيضاً لو كان الإفراد فرضاً عليه لكان عليه العدول حتى فيما إذا لبّى بعد طوافه و سعيه، كما هو مفاد ما ورد في تفسير الآية المباركة (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية، و في صحيحة زرارة قال: (جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) و هو خلف المقام إنّي قرنت بين حجة و عمرة، فقال له: هل طفت بالبيت؟ قال: نعم، فقال: هل سقت الهدي؟ قال: لا، فأخذ (عليه السلام) شعره، و قال: أحللت و اللّٰه)، و هذه الرواية مطلقة تشمل لمن عليه حج التمتع و أحرم للإفراد جهلًا هذا لو لم يكن ظهورها في خصوص ذلك بقرينة أنّ ظاهر السؤال استعلام الوظيفة مع عدم استفصال الإمام (عليه السلام) في الجواب من التلبية بعد الطواف و السعي و عدمها، و في الصحيح المروي في الوسائل عن عبد اللّٰه بن زرارة (ان تهلّ بالإفراد، و تنوي الفسخ‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 19 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الفقيه: 2 204/ 931.

38

[الثاني: أن يكون مجموع عمرته و حجّه في أشهر الحج]

الثاني: أن يكون مجموع عمرته و حجّه في أشهر (1) الحج، فلو أتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له أن يتمتّع بها، و أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجّة بتمامه على الأصح، لظاهر الآية و جملة من الأخبار كصحيحة معاوية بن عمّار و موثقة سماعة و خبر زرارة، فالقول بأنّها الشهران الأوّلان مع العشر الأوّل من ذي الحجّة كما عن بعض أو مع ثمانية أيام كما عن آخر أو مع تسعة أيام و ليلة يوم النحر إلى طلوع فجره كما عن ثالث أو إلى طلوع شمسه كما عن رابع ضعيف، على أنّ الظاهر أنّ النزاع لفظي فإنّه لا إشكال في جواز إتيان بعض الأعمال إلى آخر ذي الحجّة، فيمكن أن يكون مرادهم أنّ هذه الأوقات هي آخر الأوقات الّتي يمكن بها إدراك الحج.

____________

إذا قدمت مكة فطفت و سعيت فسخت ما أهللت به، و قلّبت الحج عمرة، و أحللت إلى يوم التروية) (1) و صدره و ذيله شاهدان على أنّ ما ذكر فيه لرعاية التقية، و لا يبعد كون هذا النحو من القصد نحو قصده لعمرة التمتع، و لا يكون في الحقيقة عدولًا.

(1) يعتبر في حج التمتع أن تكون عمرته في أشهر الحج، فلو أتى بعمرته أو بعض عمرته قبل أشهر الحج لم يجز أن يتمتع بها، و لعلّه من غير خلاف يعرف، و يدلّ على ذلك موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: (من حجّ معتمراً في شوال، و من نيّته أن يعتمر و يرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، و إن هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأنّ أشهر الحج، شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن اعتمر فيهن و أقام إلى الحج فهي متعة، و من رجع إلى بلاده و لم يقم إلى الحج فهي عمرة، و إن اعتمر في شهر رمضان أو قبله و أقام إلى الحج فليس بمتمتّع، و إنّما هو مجاور أفرد العمرة فإن هو أحبّ أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتّعاً بالعمرة إلى الحج) (2)،

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 5 من أبواب أقسام الحج، الحديث 11؛ رجال الكشي: 1 349/ 221.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.

39

[ (مسألة 1) إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتّع]

(مسألة 1) إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتّع فقد عرفت عدم صحّتها تمتّعاً، لكن هل تصح مفردة (1) أو تبطل من الأصل؟ قولان، اختار الثاني في المدارك، لأنّ ما نواه لم يقع و المفردة لم ينوها، و بعض اختار الأوّل لخبر الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في رجل

____________

و دلالتها على كون أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة كدلالتها على عدم صحة العمرة تمتعاً قبل دخول شهر شوال تامّاً، و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه (عزّ و جلّ) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ و الفرض التلبية و الإشعار و التقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج و لا يفرض الحج إلّا في هذه الشهور التي قال اللّٰه (عزّ و جلّ) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ و هو شوال و ذو القعدة و ذو الحجة (1)، فما عن التبيان و الجواهر و غيرهما من أنّها شوال و ذو القعدة و عشرة أيام من ذي الحجة، و ما عن المبسوط و الخلاف و الوسيلة من أنّها الشهران الأولان مع أيام من ذي الحجة تنتهي بطلوع الفجر من يوم النحر و كذا ما عن الجمل و العقود و المهذب من كونها الشهرين الأولين مع تسعة أيام من ذي الحجة الظاهر أنّ النزاع لفظي، فإنّه لا ينبغي التأمّل في جواز الإتيان ببعض أعمال الحج إلى آخر ذي الحجة مطلقاً أو مع العذر كما لا إشكال ببطلان الحج بفوت الوقوفين على تفصيل يأتي.

(1) إذا اعتمر قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتع فقد تقدم عدم صحتها متعة، و الكلام في أنّها تقع مفردة أو أنّها تبطل من الأصل، و قد اختار الثاني في المدارك‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 11 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7؛ الفقيه: 2 278/ 1361.

40

فرض الحج في غير أشهر الحج، قال: يجعلها عمرة» و قد يستشعر ذلك من خبر سعيد الأعرج قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «من تمتّع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكّة حتّى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، و إن تمتّع في غير أشهر الحج ثمّ جاور حتّى يحضر الحج فليس عليه دم إنّما هي حجّة مفردة، إنّما الأضحى على أهل الأمصار» و مقتضى القاعدة و إن كان هو ما ذكره صاحب المدارك لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض للخبرين.

[الثالث: أن يكون الحج و العمرة في سنة واحدة]

الثالث (1): أن يكون الحج و العمرة في سنة واحدة، كما هو المشهور المدعى عليه

____________

مستدلًا عليه بأنّ ما نواه لم يقع و المفردة لم ينوها، و اختار بعض الأوّل، لرواية عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج، قال: يجعلها عمرة) (1)، و هذه مع الإغماض عن سندها لم يفرض فيها الإحرام لعمرة التمتع إلّا بدعوى الإطلاق بمعنى عدم الاستفصال في الجواب بكون فرض الحج للإحرام له أو لعمرة التمتع، و رواية سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): (من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، و من تمتع في غير أشهر الحج فليس عليه دم إنّما هي حجة مفردة، و إنّما الأضحى على أهل الأمصار) (2) و هذه في سندها محمد بن سنان، و تدلّ على أنّ الحج بعد العمرة المفروضة يكون حج إفراد، و أمّا العمرة المفروضة مفردة أو باطلة من أصلها فلا دلالة لها على شي‌ء منهما فما ذكره الماتن (قدّس سرّه) من عدم البأس بالقول بأنّها عمرة مفردة للخبرين لا يمكن المساعدة عليه لضعفها سنداً، بل دلالة أيضاً.

(1) الثالث من الأمور المعتبرة في حج التمتع أن تكون عمرته و حجّه في سنة واحدة، و يدلّ على ذلك أمور كالأخبار الواردة في كيفية حج التمتع فإنّ ظاهرها‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الكافي: 4 487/ 1؛ و أورده في الحديث 11 من الباب 1 من أبواب الذبح.

41

الإجماع، لأنّه المتبادر من الأخبار المبينة لكيفية حجّ التمتّع، و لقاعدة توقيفية العبادات، و للأخبار الدالّة على دخول العمرة في الحج و ارتباطها به، و الدالّة على عدم جواز الخروج من مكّة بعد العمرة قبل الإتيان بالحج، بل و ما دلّ من الأخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو يوم عرفة و نحوها، و لا ينافيها خبر سعيد الأعرج المتقدّم بدعوى أنّ المراد من القابل فيه العام القابل فيدلّ على جواز إيقاع العمرة في سنة و الحج في أخرى، لمنع ذلك بل المراد منه الشهر القابل، على انّه لمعارضة الأدلّة السابقة غير قابل، و على هذا فلو أتى بالعمرة في عام و أخّر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتّعاً سواء أقام في مكّة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثمّ عاد إليها، و سواء أحل من إحرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة الأخرى، و لا وجه لما عن الدروس من احتمال الصحّة في هذه الصورة.

ثمّ المراد من كونهما في سنة واحدة أن يكونا معاً في أشهر الحج من سنة واحدة، لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر شهراً، و حينئذ فلا يصح أيضاً لو أتى بعمرة التمتّع في أواخر ذي الحجّة و أتى بالحج في ذي الحجّة من العام القابل.

____________

الإتيان بالحج بعد التحلل من عمرته بالإحرام للحج من مكة بضميمة ما ورد في (أنّ المتمتع بعمرته إلى الحج محتبس في مكة للحج، و أنّه إذا عرض له حاجة إلى الخروج يحرم للحج منها فيخرج و لا يجاوز الطائف و شبهها مخافة أن لا يدرك الحج) كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: (سألته عن رجل قدم إلى مكة متمتعاً فأحلّ، أ يرجع؟ قال: لا يرجع حتى يحرم بالحج، و لا يجاوز الطائف و شبهها مخافة أن يدرك الحج، فإن أحب أن يرجع إلى مكة رجع، و إن خاف أن يفوته الحج مضى على وجهه إلى عرفات) (1)، و نحوها غيرها، و كالأخبار الواردة في دخول عمرة التمتع في الحج إلى يوم القيمة، فإنّ ظاهر دخولها فيه هو عدم افتراقها عن الحج بعدها في سنة العمرة بقرينة ما أشرنا إليه من أخبار كونه محتبساً بمكة لا يخرج منها عند الحاجة إلّا بالإحرام للحج، فإنّه لا معنى للإحرام للحج في سنته و لو مع خروج ذي الحجة، و منها الأخبار الواردة في ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو بدخول يوم عرفة أو إلى زمان لم يدرك الحج. إلى غير ذلك، و يستدلّ أيضاً بما ورد في عدة من الروايات من أنّ اللّٰه (عزّ و جلّ) (فرض الحج على أهل الجدّة في كل عام) فإنّ مقتضاها اعتبار وقوع الحج في سنة، و بما أنّ حج التمتع مشروط بوقوع العمرة قبلها و دخولها في الحج، فلا محالة يكون الحاصل اعتبار وقوع عمرة التمتع و حجه في سنة واحدة، و يمكن المناقشة فيه بأنّ الحكم المزبور حكم استحبابي فلا منافاة بين استحباب‌

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 22 من أبواب أقسام الحج.

42

[الرابع: أن يكون إحرام حجّه من بطن مكّة مع الاختيار]

الرابع (1): أن يكون إحرام حجّه من بطن مكّة مع الاختيار، للإرجاع و الأخبار. و ما في

____________

حج التمتع في كل سنة نظير ما ورد في أنّ لكل شهر عمرة، و لكن لم يعتبر الإتيان بعمرته في تلك السنة مع حجّه كما لا يعتبر الإتيان بالعمرة المفردة في شهر واحد، حيث يجوز أن يأتي بإحرامها في شهر، و الإتيان بسائر أعمالها بعد شهر أو شهرين، و ما في خبر سعيد الأعرج المتقدم من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعلية شاة، حيث ادّعى أنّ ظاهره جواز الإتيان بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة من عامه و الإقامة بمكة إلى أن يحضر الحج من السنة الآتية ثمّ يحرم للحج فيها، فمع ضعف سنده و تسالم الأصحاب على خلافه لم يعلم أنّ المراد من القابل السنة الآتية، بل يحتمل كونه الشهر القابل، و بتعبير آخر هذه الرواية في مقام بيان أنّ حج التمتع الذي يجب فيه الهدي لا يتوقف على الإحرام بالحج بعد الفراغ من عمرته من غير فصل، بل يكون الحج متمتعاً و لو بخروج الشهر الذي اعتمر فيه إذا بقي في مكة.

(1) يعتبر في الإحرام لحج التمتع أن يحرم له من أي موضع من مكة بلا خلاف يعرف، و يدلّ على ذلك أخبار منها حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (عن الرجل يتمتع يريد الخروج إلى الطائف؟ قال: يهلّ بالحج من مكّة) (1)، و صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي قال: (قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): من أين أهلّ بالحج؟ فقال: إن شئت من رحلك و إن شئت من الكعبة، و إن شئت من الطريق) (2)، و رواها الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن عمرو بن حريث الصيرفي قال:

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7؛ الكافي: 4 443/ 3؛ التهذيب: 5 164/ 547.

(2) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الكافي: 4 455/ 4.

43

خبر إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) من قوله (عليه السلام): «كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلمّا رجع فبلغ ذات عِرق أحرم من ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج» حيث إنّه ربّما يستفاد منه جواز الإحرام بالحج من غير مكّة محمول على محامل أحسنها أنّ المراد بالحج عمرته حيث إنّها أوّل أعماله، نعم يكفي أيّ موضع منها كان و لو في سِككَها للإجماع و خبر عمرو بن حريث عن الصادق (عليه السلام): «من أين أهلّ بالحج؟ فقال: إن شئت من رَحلك و إن شئت من المسجد، و إن شئت من الطريق» و أفضل مواضعها المسجد و أفضل مواضعه المقام

____________

(قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو بمكة من أين أهلّ للحج؟ فقال: إن شئت من رحلك و إن شئت من المسجد، و إن شئت من الطريق) (1)، و الظاهر أنّ المراد من الرحل موضعه أي المنزل، و المراد من الطريق، الطريق في داخل مكة، و في موثقة يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) من أىّ مسجد أحرم يوم التروية؟ فقال: من أي مسجد شئت) (2)، و المراد مساجد مكة، و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (إذا كان يوم التروية إن شاء اللّٰه تعالى فاغتسل، ثمّ ألبس ثوبيك و ادخل المسجد. إلى أن قال: ثمّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر ثمّ أحرم بالحج) (3)، و تحمل ما فيها على الأفضلية بالقرينة السابقة، و أمّا موثقة إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعة، ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة و إلى ذات عرق، أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأنّ لكل شهر عمرة و هو مرتهن بالحج، قلت: فإنّه دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبي مجاوراً فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلمّا بلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج) (4)، و ربّما يستظهر منها جواز الإحرام لحج التمتع من الميقات من خارج الحرم، و لكن من المحتمل جدّاً كما تقدم سابقاً أن يكون المراد الإحرام بحج الإفراد، و مناسبة نقل ذلك في مقام الجواب الإشارة إلى عدم مشروعية الإحرام بالعمرة قبل انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه سواء كانت العمرة الأولى عمرة مفردة أو عمرة تمتع، و كيف كان فلو أحرم من غير مكة بطل إحرامه لحج التمتع، و لو لم يتداركه بطل حجّه، و لا يكفي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ الكافي: 4 455/ 5.

(3) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 1، و في الوسائل: الباب 55 من أبواب الإحرام.

(4) الوسائل: الجزء 11، الباب 22 من أقسام الحج، الحديث 8؛ الكافي: 4 422/ 2.

44

أو الحجر، و قد يقال أو تحت الميزاب، و لو تعذّر الإحرام من مكّة أحرم ممّا يتمكّن، و لو أحرم من غيرها اختياراً متعمّداً بطل إحرامه، و لو لم يتداركه بطل حجّه، و لا يكفيه العود إليها و التجديد مع الإمكان، و مع عدمه جدّده في مكانه.

____________

العود إلى مكة بدون تجديد الإحرام منها، و ذلك فإنّ إحرامه من غيرها كالعدم، نعم لو كان ذلك جهلًا أو نسياناً منه و لم يمكنه العود إلى مكة و تجديد الإحرام منها جدّد الإحرام و لو من عرفه، بل لو لم يعلم أو لم يتذكّر إلّا بعد أعمال الحج يحكم بصحة حجّه، كما يشهد لذلك صحيحة علي جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات و جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلاده؟ قال: إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه) (1)، و صحيحته الأخرى عن أخيه (عليه السلام) (و سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو بعرفات فما حاله؟ قال: يقول: اللّهمّ على كتابك و سنة نبيّك، فقد تمّ إحرامه) (2). و لأجل هذه الصحيحة يكون الأحوط ضم هذه الجملة إلى التلبية في عرفات.

ثمّ إنّ ما ذكر الماتن (قدّس سرّه) من أنّه أحسن المحامل لموثقة إسحاق بن عمار إحرامه (عليه السلام) لعمرة التمتع، لا يمكن المساعدة عليه لما تقدم من عدم انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه، كما هو ظاهر فرض السائل فلا مجال للإحرام للعمرة تمتعاً و لا للعمرة مفرداً، كما أنّ دعوى أنّ في الرواية إجمال، أو لعلّه سقط منها بعضها لا يمكن المساعدة عليه.

و كذا ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ المكلّف إذا أحرم للحج من غير مكة جهلًا أو نسياناً، و أمكن له الرجوع إلى مكة و تجديد الإحرام تعيّن الرجوع و الإحرام من مكة، و إن لم يكن يجدّد الإحرام من موضعه لا يخلو عن الإشكال، فإنّه إذا لم يمكن له الرجوع و أحرم جهلًا أو نسياناً في ذلك الموضع بحيث لو علم أو تذكّر في زمان الإحرام لم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ التهذيب: 5 476/ 1678.

(2) الوسائل: الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ التهذيب: 5 476/ ذيل الحديث 1678.

45

[الخامس: ربّما يقال إنّه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته و حجّه عن واحد واحد]

الخامس: ربّما يقال إنّه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته و حجّه عن واحد (1) واحد،

____________

يمكن له الرجوع فلا حاجة إلى التجديد، فإنّه قد أتى بما هو وظيفته مع العجز عن الرجوع إلى مكة، و بتعبير آخر المتفاهم ذكر الجهل و النسيان من موارد العذر في ترك الإحرام من مكة لا أنّ لهما خصوصية، فلو كان ترك الإحرام من مكة لعذر آخر فلا يبعد جواز الإحرام من موضع العذر من خارج مكة.

(1) يذكر لحج التمتع شرطاً آخر و هو أن يكون عمرة التمتع و حجّه من شخص‌

46

فلو استؤجر اثنان لحجّ التمتّع عن ميّت أحدهما لعمرته و الآخر لحجّة لم يجزئ عنه، و كذا لو حجّ شخص و جعل عمرته عن شخص و حجّه عن آخر لم يصح، و لكنّه محل تأمّل، بل ربّما يظهر من خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) صحة الثاني حيث قال: «سألته عن رجل يحجّ عن أبيه، أ يتمتّع؟ قال: نعم المتعة له و الحج عن أبيه».

____________

واحد و بالنيابة عن واحد، فلو اعتمر واحد تمتعاً عن شخص و أتى نفس الحج تمتعاً آخر عن ذلك الشخص لم يصح، و كذلك إذا اعتمر متمتعاً واحد عن شخص و أتى عقيبها حجّه عن آخر، و الوجه في ذلك أنّ عمرة التمتع مع حجّه عمل واحد كما استظهر ذلك ممّا ورد في دخول عمرة التمتع في حجّه، و ما دلّ على عدم المتعة لمن لم يدرك بعد المتعة الوقوفين، و على هذا فلو أتى أحد الشخصين عمرة التمتع عن واحد و الآخر حجّه عن ذلك الواحد تبطل عمرة النائب الأول لعدم تعقبها بالحج، كما يبطل حج الآخر لعدم سبقه بعمرة التمتع، و بتعبير آخر عمرة التمتع شرط في حج التمتع و الإتيان بشرط دون ملازمه لا يجزي كالطهارة من واحد، و المشروط من آخر كنفس الصلاة لم يثبت مشروعيته حتى في مورد النيابة.

و ممّا ذكر يظهر الوجه في عدم الصحة ما إذا أتى واحد عمرة التمتع عن شخص، و الآخر حجه عن شخص آخر، و أمّا ما ورد في معتبرة محمد بن مسلم عن‌

47

[ (مسألة 2) المشهور أنّه لا يجوز الخروج من مكّة بعد الإحلال من عمرة التمتّع قبل أن يأتي بالحج]

(مسألة 2) المشهور أنّه لا يجوز الخروج من مكّة بعد الإحلال من عمرة التمتّع قبل أن يأتي بالحج (1) و أنّه إذا أراد ذلك عليه أن يحرم بالحج فيخرج محرماً به، و إن خرج مُحلا و رجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة، و ذلك لجملة من الأخبار الناهية عن الخروج، و الدالّة على أنّه مرتهن و محتبس بالحج، و الدالّة على أنّه لو أراد الخروج خرج ملبّياً بالحج، و الدالّة

____________

أبي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل يحج عن أبيه، أ يتمتّع؟ قال: نعم، المتعة له و الحج عن أبيه) (1)، فلا دلالة لها على التبعيض بأن يأتي العمرة من نفسه و الحج عن أبيه، بل السؤال راجع إلى مشروعية النيابة عن الميت بالإتيان بحج التمتع، حيث إنّ الميت يتمتع بالإحلال من عمرة التمتع فأجاب (عليه السلام) (بأنّ النائب يتمتّع بالإحلال)، و بتعبير آخر المتعة له، و الحج عن أبيه غير المتعة منه و الحجة عن أبيه، فإنّ ظاهر الثاني التفريق و ظاهر الأول هو كون الحج الداخل فيه العمرة لأنّه حج التمتع عن أبيه و المتعة له أي ينتفع بها و لو لم يكن هذا ظاهر فلا أقل من احتمالها بحيث لا يكون لها ظهور في التفريق، نعم ورد في رواية الحارث بن المغيرة التي لا يبعد اعتبارها سنداً عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (في رجل تمتّع عن أمّه و أهلّ بحجه عن أبيه، قال: إن ذبح فهو خير له، و إن لم يذبح فليس عليه شي‌ء لأنّه إنّما تمتع عن أمّه، و أهلّ بالحج عن أبيه) (2) فقد يقال بأنّ ظاهرها جواز التفريق و ليس في سندها إلّا صالح بن عقبه الذي ضعّفه ابن الغضائري و تبعه العلّامة، و لكن الرجل من المعاريف و تضعيف ابن الغضائري لا اعتبار به، و لكن مدلولها عدم وقوع الحج أي حج التمتع، و لذا لا يجب عليه الهدي و الكلام في وقوع كل من العمرة و الحج عن اثنين مع كون العمرة تمتعاً و الحج حج التمتع، و إذا لم يكن الحج حج التمتع يكون حج افراد، كما أنّ العمرة تقع مفردة، كما لا يخفى.

(1) المشهور عدم جواز خروج المتمتع بعد عمرته من مكة، بل هو محتبس للحج و أنّه إذا اتّفقت له حاجة إلى الخروج يحرم للحج و يخرج، فإن ترك الإحرام و خرج و عاد في الشهر الذي أحرم فيه فهو، و إلّا يجدّد إحرامه للعمرة و يعتمر ثانية،

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1؛ الفقيه: 2 239/ 807.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 5؛ التهذيب: 5 239/ 807.

48

على أنّه لو خرج محلا فإن رجع في شهره دخل محلا و إن رجع في غير شهره دخل محرماً، و الأقوى عدم حرمة الخروج و جوازه محلا حملًا للأخبار على الكراهة كما عن ابن إدريس (رحمه اللّٰه) و جماعة أخرى بقرينة التعبير ب‍ «لا أحب» في بعض تلك الأخبار، و قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق (قدّس سرّه): «إذا أراد المتمتّع الخروج من مكّة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لأنّه مرتبط بالحج حتّى يقضيه، إلّا أن يعلم أنّه لا يفوته الحج» و نحوه الرضوي، بل و قوله (عليه السلام) في مرسل أبان: «و لا يتجاوز إلّا على قدر ما لا تفوته عرفة» إذ هو و إن كان بعد قوله: «فيخرج محرماً» إلّا أنّه يمكن أن يستفاد منه أنّ المدار فوت الحج و عدمه، بل يمكن أن يقال: إنّ المنساق من جميع الأخبار المانعة أنّ ذلك للتحفظ عن عدم إدراك الحج و فوته لكون الخروج في معرض ذلك، و على هذا فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً مع علمه بعدم فوات الحج منه، نعم لا يجوز الخروج لا بنية العود أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج.

____________

و يدلّ على ذلك عدة من الروايات منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبّي. إلى أن قال: و ليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج) (1)، و في صحيحة معاوية بن عمار (إنّ أهل مكة يقولون: إنّ عمرته عراقية و حجّه مكيّة، قال: كذبوا أو ليس مرتبطاً بالحج لا يخرج حتى يقضيه) (2)، و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (في رجل قضى متعته و عرضت له حاجة أراد أن يمضي إليها، قال: فقال: فليغتسل للإحرام و ليهلّ بالحج و ليمض في حاجته، فإن لم يقدر على الرجوع إلى مكة مضى إلى عرفات) (3)، و صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (من دخل مكة متمتّعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 86/ 284.

(2) الوسائل: الباب 24 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 31/ 94؛ الاستبصار: 2 156/ 512.

(3) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4؛ التهذيب: 5 164/ 548.

49

ثمّ الظاهر أنّ الأمر بالإحرام إذا كان رجوعه بعد شهر إنّما هو من جهة أو (لكل شهر عمرة) لا أن يكون ذلك تعبّداً أو لفساد عمرته السابقة أو لأجل وجوب الإحرام على من دخل مكّة، بل هو صريح خبر إسحاق بن عمّار: قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتّع يجي‌ء

____________

ذات عرق خرج محرماً و دخل ملبّياً بالحج، فلا يزال على إحرامه، فإن رجع إلى مكة رجع محرماً و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، و إن شاء وجهه ذلك إلى منى، قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام، ثم رجع في إبان الحج، في أشهر الحج، يريد الحج، فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، و إن دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأي الإحرامين و المتعتين متعة الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، و هي المحتبس بها التي وصلت بحجّته، قلت: فما فرق بين المفردة و بين عمرة المتعة إذا دخل في أشهر الحج؟ قال: أحرم بالعمرة (بالحج)، و هو ينوي العمرة، ثمّ أحلّ منها و لم يكن عليه دم، و لم يكن محتبساً لأنّه لا يكون ينوي الحج) (1)، و ظاهر ما تقدم أنّه لا يجوز للمعتمر بعمرة التمتع الخروج من مكة، بل عليه البقاء فيها حتى يحج، و ما ذكر الماتن (قدّس سرّه) من حملها على كراهة الخروج بقرينة التعبير بلا أحبّ لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ غاية التعبير أن لا أحب لا يدل على الحرمة لا أنّه ظاهر في الكراهة الاصطلاحية فيؤخذ بدلالة غيره من إطلاق النهي عن الخروج و عدم الترخيص في تركه إلّا في مورد الحاجة إليه، حيث يتعيّن عليه الإحرام من مكة ثمّ الخروج إلى حاجته، و كذا ما ذكره (قدّس سرّه) من دلالة مرسلة الصدوق حيث نفى البأس عن الخروج إذا علم أنّه لا يفوت الوقوف بعرفة، و مثلها ما في الفقه الرضوي و مرسلة أبان، فإنّها لضعفها سنداً لا تصلح لأن تكون قرينة على الكراهة.

و الحاصل لا ينبغي التأمّل في أنّ النهي عن الخروج للاحتفاظ بالحج، و لكن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 6؛ الكافي: 4 441/ 1؛ التهذيب: 5 163/ 546.

50

فيقضي متعته ثمّ تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عِرق أو إلى بعض المنازل، قال (عليه السلام): يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الّذي تمتّع فيه لأنّ لكل شهر عمرة و هو مرتهن بالحج.»، و حينئذ فيكون الحكم بالإحرام إذا رجع بعد شهر على وجه الاستحباب

____________

ظاهر الروايات أنّه حكمة في عدم جواز الخروج شرعاً لا أنّ الاحتفاظ هو متعلق التكليف لئلا يجري في مورد العلم بتمكنه من الإتيان بالحج برجوعه إلى مكة، ثمّ لا يخفى ظهور هذه الصحيحة عدم وجوب الرجوع إلى مكة مع كونه محرماً للحج عند الخروج منها، بل له الذهاب من مكانه إلى عرفات حتى مع إمكان رجوعه إلى مكة، و لكن مقتضى صحيحة حفص بن البختري أنّ الذهاب إلى عرفات على تقدير عدم تمكنه من الرجوع إلى مكة، اللهمّ إلّا أن يقال: لا اقتضاء للتعليق، كما ذكر فإنّه (عليه السلام) في مقام بيان أثر الإحرام من مكة للحج قبل خروجه منها، حيث إنّه إذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكة فلا حاجة له في الرجوع إليها حيث أنّه محرم بالحج من مكة من قبل فإن لم يرجع يمشي إلى عرفات بإحرامه.

ثمّ إنّه إذا ترك المعتمر بعمرة التمتع الإحرام من مكة للحج و خرج بلا إحرام، فإن رجع في غير الشهر الذي خرج فيه يحرم ثانياً للعمرة في رجوعه، فتكون عمرة التمتع هي العمرة الثانية، و تكون الأولى عمرة مفردة فيجب لها طواف النساء إن لم يطف قبل ذلك، و لا يحكم ببطلان العمرة الأولى حيث علّل (عليه السلام) الإحرام للعمرة الثانية في صحيحة إسحاق بن عمار بأن (لكل شهر عمرة) و ظاهره أنّ العمرة السابقة عمرة في شهر، و العمرة الثانية عمرة أخرى في الشهر الآخر، و لو كانت العمرة السابقة باطلة لكان التعليل بأنّ حج التمتع لا تكون إلّا بعمرته و حيث إنّ الإمام (عليه السلام) عين العمرة تمتعاً في العمرة الثانية فلا محالة تكون العمرة الأولى عمرة مفردة، و أيضاً لو كانت العمرة الأولى فاسدة بمجرد الخروج بلا إحرام لما اعتبر في الإحرام للعمرة‌

51

لا الوجوب لأنّ العمرة الّتي هي وظيفة كل شهر ليست واجبة (1)، لكن في جملة من الأخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده كصحيحتي حماد و حفص بن البختري

____________

الثانية مضى الشهر الذي اعتمر فيه.

و على الجملة لزوم العمرة الثانية لما تقدم من أنّ انقضاء الشهر و عدم جواز دخول مكة ثانياً بلا إحرام يوجب تجديد العمرة، و لو رجع في الشهر الآخر و ترك الإحرام للعمرة ثانياً، و إن عصى بدخول مكة بلا إحرام لكن يجوز له أن يحج تمتعاً بالعمرة السابقة، حيث إنّ انقلابها إلى المفردة مع تجديد العمرة ثانيةً، كما هو مقتضى صحيحة حماد بن عيسى لا مع ترك تجديدها.

(1) لا يخفى أنّ الأمر بتجديد الإحرام إذا خرج من غير إحرام للحج و رجع في غير شهره كما في صحيحة حماد بن عيسى، أو في غير الشهر الذي تمتع فيه، كما في صحيحة معاوية بن عمار لكون العمرة مشروعة لكل شهر، كما في هذه الصحيحة أنّه حيث لا يجوز الدخول من خارج الحرم، مكة بغير إحرام يجب عليه العمرة المشروعة لكل شهر، فالالتزام بالاستحباب في حقه لا يمكن المساعدة عليه، كما هو أيضاً مقتضى الأخبار في الأمر بتجديد الإحرام لدخول مكة في غير الحطاب و الحشاش، و نحوهما ممّا يقتضي حاجته إلى الخروج تكرار الدخول و الخروج، و لا يبعد أن يدخل في ذلك بعض خدمة الحجاج الذين يقتضي شغلهم بعد متعة العمرة، تكرار الخروج و الدخول لتنظيم أمور الحجاج و تأمين الغذاء و الطعام و سائر حوائجهم، و أيضاً تطبيق مشروعية العمرة لكل شهر على تجديد الإحرام للعمرة تمتعاً في المقام،

52

و مرسلة الصدوق و الرضوي، و ظاهرها الوجوب، إلّا أن تحمل على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل، لكنّه بعيد فلا يترك الاحتياط بالإحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج، بل القدر المتيقّن من جواز الدخول مُحلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الإهلال أي الشروع في إحرام العمرة، و الإحلال منها، و من حين الخروج، إذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة: ثلاثون يوماً من حين الإهلال، و ثلاثون من حين الإحلال بمقتضى خبر إسحاق بن عمار، و ثلاثون من حين الخروج بمقتضى هذه الأخبار، بل من حيث احتمال كون المراد من الشهر في الأخبار هنا و الأخبار الدالّة على أنّ لكل شهر عمرة الأشهر الاثني عشر المعروفة لا بمعنى ثلاثين يوماً، و لازم ذلك أنّه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور فخرج و دخل في شهر آخر أن يكون عليه عمرة، و الأُولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضاً، و ظهر ممّا ذكرنا أنّ الاحتمالات ستة: كون المدار على الإهلال، أو الإحلال، أو الخروج، و على التقادير فالشهر إمّا بمعنى ثلاثين يوماً أو أحد الأشهر المعروفة.

و على أيّ حال إذا ترك الإحرام مع الدخول في شهر آخر و لو قلنا بحرمته لا يكون موجباً لبطلان عمرته السابقة فيصح حجّه بعدها.

ثمّ إنّ عدم جواز الخروج على القول به إنّما هو في غير حال الضرورة بل مطلق الحاجة، و أمّا مع الضرورة أو الحاجة مع كون الإحرام بالحج غير ممكن أو حرجاً عليه فلا إشكال فيه (1).

____________

ظاهره أنّ المراد بالشهر في المقام هو المراد فيما تقدم في مباحث العمرة المفردة من أنّ لكل شهر عمرة في كون المراد، كما ذكر الشهر الذي أحرم فيه للعمرة لا الذي أهلّ فيه، و يحتمل ذلك في صحيحتي حماد بن عيسى و معاوية بن عمار (1).

(1) ظاهر الماتن (قدّس سرّه) أنّه مع الضرورة بل الحاجة إلى الخروج بعد عمرة التمتع‌

____________

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب أقسام الحج.

53

و أيضاً الظاهر اختصاص المنع على القول به بالخروج إلى المواضع البعيدة (1)، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين، بل يمكن أن يقال باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم، و إن كان الأحوط خلافه.

ثمّ الظاهر أنّه لا فرق في المسألة بين الحج الواجب و المستحب، فلو نوى التمتّع مستحباً ثمّ أتى بعمرته يكون مرتهناً بالحج و يكون حاله في الخروج محرماً أو محلا و الدخول كذلك كالحج الواجب.

____________

يجوز الخروج بعد الإحرام للحج من مكة، و لا يجوز الخروج مع أحدهما بلا إحرام إلّا إذا لم يتمكن من الإحرام، أو كان حرجاً عليه، و قد يقال: إنّه مع الضرورة أو الحاجة يجوز الخروج مُحلًّا إذا أحرز أنّه لا يفوته منه الحج، و يستظهر ذلك من صحيحة إسحاق بن عمار (حيث سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن متمتع يجي‌ء فيقضي متعته، ثمّ تبدوا له الحاجة فيخرج إلى المدينة و إلى ذات عرق، أو بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأنّ لكل شهر عمرة) الحديث حيث لم يتعرض فيها (عليه السلام) لعدم جواز الخروج بلا إحرام، و فيه أنّ المفروض في السؤال خروجه من مكة بلا إحرام فيسأل عن حكمه بعد ذلك فلا نظر في الجواب إلى حكم الإحرام قبل الخروج، فيؤخذ فيه بصحيحتي حفص البختري و حماد بن عيسى حيث أمر الإمام (عليه السلام) فيهما بالإحرام للحج قبل الخروج و مقتضى الإطلاق فيهما وجوبه حتى مع إحراز إدراكه الحج على تقدير تركه، و بما أنّ البقاء في مكة واجب مستقل يسقط في مورد الاضطرار أو الحرج في الخروج بالإحرام.

(1) مقتضى ما ورد في أنّ المتمتع في أشهر الحج لم يكن له الخروج حتى يقضي الحج، أو هو محتبس بمكة إلى الحج بمعنى عدم جواز الخروج من مكة فضلًا عن الخروج عن الحرم، و ما ورد في خروجه إلى الأمكنة البعيدة أو خارج الحرم مفروض في كلام السائل لا يوجب التقييد في الإطلاق المشار إليه، غاية الأمر يلتزم جواز الخروج إلى بعض الأمكنة التابعة لمكة، فإنّ هذا الخروج لا ينافي صدق كونه مقيماً بمكة محتبساً فيها للحج، و يترتب على ذلك جواز نزول الحجاج بعد العمرة‌

54

ثمّ إنّ سقوط وجوب الإحرام عمّن خرج محلا و دخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتّع (1)، و أمّا من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكّة في حرمة دخوله بغير الإحرام إلّا مثل الحَطّاب و الحَشّاش و نحوهما.

و أيضاً سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر، إنّما هو على وجه الرخصة بناءً على ما هو الأقوى من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين (2)، فيجوز الدخول بإحرام قبل الشهر أيضاً، ثمّ إذا دخل بإحرام فهل عمرة التمتّع هي العمرة الأُولى أو الأخيرة؟ مقتضى حسنة حماد أنّها

____________

تمتعاً في المنازل و البيوت الخارجة من مكة كما في عصرنا الحاضر، نعم لا يبعد أن يكون ما ورد في أنّه إذا رجع في الشهر الذي تمتع فيه يدخل بلا إحرام، و إن دخل في غيره يحرم للعمرة ثانياً، ناظر إلى من خرج إلى خارج الحرم، فلا يعم من لم يخرج من حدود الحرم، و اللّٰه العالم.

(1) و لعلّ التقييد بعمرة التمتع لكون الفرض فيمن يريد الإتيان بحج التمتع، و إلّا فلا يختص الحكم بمن قصد عمرة التمتع، بل يعم من دخل مكة بعمرة مفردة ثمّ خرج و أراد الرجوع إلى مكة ثانياً، فإنّه يجوز له الدخول بلا إحرام، نعم إذا كان مريداً حج التمتع فالأحوط أن يصبر حتى خروج الشهر الذي اعتمر فيه و يحرم ثانياً بعمرة التمتع، فإنّ الاكتفاء بالعمرة المفردة مع خروجه عن مكة كما هو المفروض لا يخلو عن تأمّل كما تقدم، و إن قلنا بأنّه غير بعيد أخذاً بإطلاق ما دلّ على أنّ المفردة في أشهر الحج متعة.

(2) قد تقدم أنّ مشروعية العمرة إنّما هو في كل شهر، و ذلك لما دلّ على أنّ‌