تنقيح مباني العروة - كتاب الاجتهاد والتقليد

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
170 /
3

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

4

هذه مجموعة من البحوث الفقهية التي قمت بتدريسها لجمع غفير من أهل العلم و الفضل في مدينة قم المشرّفة عش آل محمد (صلى الله عليه و آله) و قد تعرضت في ضمنها لتنقيح كثير من المباني و النكات الأُصولية و الفقهية و الرجالية، و حيث إن جماعة من أبنائي الفضلاء رغبوا في نشر هذه المباحث من أجل أن ينتفع بها أرباب العلم و التحصيل، سائلًا المولى العلي القدير أن يفيد بها أهل الفضل و أن يتقبلها بأحسن القبول و الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة على محمد (صلى الله عليه و آله) و آله الطاهرين الطيبين (عليهم السلام).

جواد التبريزي‌

12 ذي القعدة سنة 1425‌

5

الاجتهاد و التقليد

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[يجب على كل مكلف أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً]

(مسألة 1) يجب على كل مكلف (1)

____________

التقليد‌

(1) هذا الوجوب عقلي من باب وجوب دفع الضرر المحتمل حيث إن كل من التفت إلى أصل التشريع علم بالضرورة ثبوت أحكام الزامية في الدين و أن الناس غير مهملين في أفعالهم و تروكهم و بهذا العلم الإجمالي بل بنفس احتمال التكليف قبل الفحص قد تنجزت الأحكام الواقعية أي يحكم العقل بلزوم امتثالها و استحقاق العقوبة على مخالفتها، و ما دل على وجوب تعلم الأحكام يمنع عن جريان الاصول الترخيصية في الشبهات قبل الفحص، و على هذا ففي ارتكاب الشبهات يحتمل العقاب- أي يحتمل العقاب في ارتكاب ما يحتمل حرمته و ترك ما يحتمل وجوبه- و العقل يحكم بلزوم دفع العقاب المحتمل و تحصيل الأمن منه، و لا ينتفي احتمال العقاب إلّا بمراعاة الأحكام و التكاليف الشرعية في الوقائع التي يبتلي بها أو يحتمل الابتلاء بها بالموافقة و الطاعة، و هذا يكون بأحد النحوين:

الأوّل: موافقتها بالوجدان: و يحصل ذلك إمّا بالعمل على طبق ما قطع بالوجدان كما في القطعيات و الضروريات و هو قليل أو بالاحتياط في مقام العمل بأن يأتي بما يحتمل وجوبه و يترك ما يحتمل حرمته.

8

في عباداته و معاملاته (1) أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً.

[جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا]

(مسألة 2) الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا (2)

____________

و الثاني: موافقتها بالاعتبار و الاعتماد على حجة فعلية، و الحجة على الحكم الشرعي إمّا أن تكون هي ما استنبطه من مدارك الأحكام و التكاليف بطريق مألوف فتحصيلها هو الاجتهاد، و إمّا أن تكون هي قول المجتهد و فتواه فالعمل عن استناد إليها هو التقليد فإذن يلزم على كل مكلف في غير الضروريات و القطعيات أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً.

(1) بل في جميع أفعاله و تروكه سواء كانت من العبادات أو المعاملات أو العاديات كما يأتي من الماتن (قدس سره) في المسألة التاسعة و العشرين.

الاحتياط‌

(2) يقع الكلام في ذلك تارة في المعاملات و اخرى في العبادات.

أمّا المعاملات فلا شبهة و لا خلاف في جواز الاحتياط بل في حسنه في المعاملات بالمعنى الأعم كما إذا احتاط في تطهير المتنجس بالغسل مرتين لشكه في أنه هل يطهر بالغسل مرة واحدة أو يعتبر فيه التعدد، و لا فرق فيه بين كون المكلف متمكناً من الامتثال التفصيلي و تحصيل العلم بالحال أم لم يكن، و سواء كان الاحتياط فيها مستلزماً للتكرار أم لم يكن.

و أمّا المعاملات بالمعنى الأخص أعني العقود و الإيقاعات فالظاهر أن الاحتياط فيها كالاحتياط في المعاملات بالمعنى الأعم، و أنه أمر حسن لا شبهة في مشروعيته و الاحتياط فيها يكون بتكرار الإنشاء فينشأ العقد أو الإيقاع بانحاء مختلفة ليحرز تحققه.

9

..........

____________

و الإجمال في الإنشاء قد يكون من جهة التردد في صيغة الإنشاء كما إذا تردد النكاح الممضى شرعاً بين كونه بصيغة أنكحت أو بصيغة زوجت فحتى مع التمكن من الفحص و تعيين أن الإنشاء بالاولى أو بالثانية يجوز أن يكرر الإنشاء بكل منهما.

و قد يكون من جهة التردد في مورد العقد و الإيقاع فلا يعلم ما هو موردهما كما إذا أراد طلاق زوجة موكّله و ترددت التي وكّله في طلاقها بين امرأتين له فيجرى الطلاق على كل منهما طلاق المرأة التي وكله في طلاقها.

و قد يشكل في الإنشاء كذلك تارة باختلال الجزم المعتبر فيه و اخرى بلزوم التعليق في العقد أو الإيقاع، و لكن لا يخفى أن التردد في صحة أيّ الإنشاءين شرعاً لا يوجب التردد في النية فإن الإمضاء الشرعي خارج عن الإنشاء و المنشأ حكم شرعي يترتب عليهما؛ و لذا يحصل الإنشاء و العقد ممن لا يعتقد بالشرع أو لا يعتني به، و أما التعليق فلا حاجة إليه أيضاً حتى فيما إذا كانت زوجة موكله مرددة بين امرأتين إحداهما زوجته فإنه إذا جرى الطلاق على كل منهما يتم طلاق من كانت زوجة موكله، بل لو علق الطلاق المنشأ على كل منهما على كونه زوجة لموكّله بأن قال: إن كانت فلانة زوجة موكّله فهي طالق تم الطلاق فإنه قد ذكر في بحث التعليق في العقد و الإيقاع أنه لا يضر التعليق. بحصول أمر يتوقف عنوان العقد أو الايقاع على حصوله عند الإنشاء حيث يكون التعليق في المنشأ لا الإنشاء و المفروض أن المنشأ لا يتحقق بدون ذلك الحصول حتى مع إطلاق العقد أو الإيقاع و يترتب على ذلك الطلاق احتياطاً في موارد الشبهة في الزوجية و العتق في مورد الشك في الرقية و نحو ذلك.

و أمّا العبادات فإن كان الاحتياط فيها غير محتاج إلى تكرار العمل كما إذا شك المكلف في اعتبار السورة بعد قراءة الحمد في صلاته فقرأها لاحتمال جزئيتها‌

10

..........

____________

فلا ينبغي الإشكال في جواز ذلك و لو مع تمكنه من الامتثال التفصيلي و لو علماً فإنه بالامتثال الإجمالي لا يختلّ شي‌ء مما يعتبر في العبادة من قصد القربة، بل الوجه و التمييز حتى لو قيل باعتبارهما زائداً على قصد القربة فإن ما لا يحصل بالامتثال الإجمالي تمييز الأجزاء الواجبة عن غيرها و هو غير معتبر في صحتها قطعاً حيث لم يرد في شي‌ء من الخطابات الشرعية و الروايات التعرض للزومه، بل ورد ما يدفع هذا الاحتمال كصحيحة حريز (1) الواردة في تعليم الإمام (عليه السلام) الصلاة التي ينبغي للمكلف الإتيان بها بذلك النحو، و يأتي التوضيح لذلك عند التعرض لاعتبار قصد الوجه و التمييز في العبادات.

و أما إذا كان الاحتياط فيها محتاجاً إلى تكرار العمل كما في مورد تردّد الصلاة الواجبة بين القصر و التمام في الشبهة الحكمية أو الموضوعية أو تردّد الثوب الطاهر بين ثوبين فيصلّي صلاته قصراً و يعيدها تماماً أو يصلي في أحد الثوبين و يعيدها في الثوب الآخر إلى غير ذلك.

فقد يقال: بعدم جواز ذلك مع التمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي؛ لأن الامتثال الإجمالي يلازم الإخلال بقصدي الوجه و التمييز أو لكون التكرار يعدّ لعباً و عبثاً في مقام الامتثال فلا يناسب العبادة.

و الجواب عن ذلك بأنه لا يكون في الاحتياط بتكرار العمل إخلال بقصد الوجه، فإنه إذا أتى المكلّف بالصلاة قصراً و أعادها تماماً بقصد تحقق الصلاة الواجبة عليه فقد حصلت الصلاة المأمور بها واقعاً بقصد وجهها، نعم عند العمل لا تتميز تلك الصلاة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 459، الباب الأول من أبواب أفعال الصلاة، الحديث الأول.

11

..........

____________

عن الاخرى و قصد التمييز كذلك غير معتبر في صحة العمل و وقوعها عبادة حتى بناءً على القول بأنه في الشك في اعتبار القيود الثانوية مما لا يمكن أخذها في متعلق الأمر يلزم رعايتها لاستقلال العقل بلزوم الإتيان بنحو يكون محصّلًا للغرض من متعلّق الأمر، فإن مقتضى ذلك القول و إن كان الالتزام بالاشتغال، إلّا أن الالتزام به يختصّ بمورد عدم ثبوت الإطلاق المقامي فيه، و الإطلاق المقامي بالإضافة إلى قصد الوجه و قصد التمييز موجود خصوصاً بالإضافة إلى الثاني فإنهما مما يغفل عامة الناس عن اعتبارهما و لو كانا معتبرين في حصول الغرض لتعرض الشارع له بالتنبيه عليه في بعض خطاباته.

و يقال: في مثل هذا الإطلاق المقامي بأن عدم الدليل فيه دليل على العدم، أضف إلى ذلك أنه ليس قصد التمييز في الشبهات الموضوعية من الانقسامات الثانوية حيث يمكن أخذه في متعلق الأمر كسائر القيود التي يعبّر عنها بالانقسامات الأولية، بأن يأمر الشارع بالصلاة إلى جهة يعلم حالها أنها إلى القبلة أو في ثوب طاهر إلى غير ذلك فالإطلاق اللفظي يدفع اعتبار قصد هذا التمييز.

و أما دعوى كون الاحتياط بتكرار العمل مع التمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي يعدّ من اللعب و لا يناسب العبادة فلا يمكن المساعدة عليها أيضاً، و ذلك فإنه قد يكون تكرار العمل و ترك الامتثال التفصيلي لغرض عقلائي مع أن المعتبر في العبادة الإتيان بمتعلق الأمر بقصد التقرب و الخصوصيات المقارنة لمتعلق الأمر خارجاً أو المتحدة معه الخارجة عن متعلق الأمر لا يعتبر حصولها بقصد القربة فالمكلف إذا أتى بصلاته أول الوقت، أو في مكان خاص بداع نفساني له في أول الوقت أو في الإتيان بها في ذلك المكان صحت صلاته حيث إن المأخوذ في متعلق الأمر لا بد من وقوعه بقصد القربة‌

12

..........

____________

لا ما هو خارج عن متعلق الأمر، و لا يقاس بما إذا كانت الخصوصية المتحدة مع العبادة واقعاً رياءً، فإن قصد التقرب لا يجتمع مع اتحاد متعلق الأمر بما هو محرم، بل قد يقال:

ببطلان العبادة حتى مع الخصوصية المنضمة إليها رياءً بدعوى إطلاق ما دلّ على مبطلية الرياء في العمل، و لو كان الرياء في الخصوصية المقارنة المنضمة إليها.

و الحاصل أن الإتيان بالعبادة في ضمن عملين المسمّى بالاحتياط و الامتثال الإجمالي من خصوصيات تلك العبادة الخارجة عن متعلق الأمر بها، و لا يضرّ الإتيان بالخصوصيات الخارجة عن متعلق الأمر بلا داع عقلائي أو بداع نفساني.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) وجهاً آخر لعدم جواز التنزل إلى الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي و هو استقلال العقل بأن الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال العلمي و إذا أتى المكلّف بصلاته قصراً ثمّ أعادها تماماً مع تمكنه من تحصيل العلم بوظيفته من القصر أو التمام يكون الداعي له إلى الصلاة قصراً احتمال الوجوب، و هذا الامتثال كما ذكر في طول الامتثال التفصيلي.

و بتعبير آخر للامتثال مراتب أربع لا يجوز التنزل إلى المرتبة اللاحقة إلّا مع عدم التمكن من المرتبة السابقة، الامتثال التفصيلي و الامتثال بالعلم الإجمالي، الامتثال الظني و الامتثال الاحتمالي.

أقول: لم يظهر وجه صحيح لكون الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي بل هما في عرض واحد، و ذلك فإن المعتبر في العبادة هو حصول العمل بنحو قربي لا لزوم خصوص الإتيان بالعمل بداعي الأمر به، نعم هذا من أفراد حصول العمل قربياً كما أنه يكفي في حصول القربة الإتيان بداعي احتمال كونه متعلق الأمر، و ما يكون في طول الامتثال العلمي الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال العلمي كما‌

13

لكن يجب ان يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو التقليد (1).

[قد يكون الاحتياط في الفعل و قد يكون في الترك]

(مسألة 3) قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً و كان قاطعاً بعدم حرمته (2) و قد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل و كان

____________

إذا كان المكلف في آخر الوقت بحيث لا يتمكن إلّا من الاتيان بأربع ركعات قبل خروج الوقت و دار أمره بين أن يصليها في ثوب طاهر معلوم و بين أن يصليها في أحد ثوبين يعلم بطهارة أحدهما و نجاسة الآخر، فإن العقل في الفرض مستقل برعاية الامتثال التفصيلي و عدم جواز التنزل إلى الاحتمالي، هذا مع أن الإتيان بالقصر أولًا ثمّ إعادتها تماماً يكون بداعي الأمر المعلوم إجمالًا المتعلق بأحدهما واقعاً، و هذا الامتثال علمي لا احتمالي غاية الأمر لا يدري حال العمل أنّ ما يأتي به هو متعلق الأمر أو ما يأتي به بعده أو أتى به قبل ذلك فيكون فاقداً لقصد التمييز و قد تقدم عدم اعتباره في صحة العبادة.

فتحصل أنه لا بأس بالاحتياط في العبادات كما لا بأس به في المعاملات سواء كان الشخص متمكناً من الامتثال التفصيلي للتكاليف أو لم يكن متمكناً منه.

شرط العمل بالاحتياط‌

(1) يشترط في العمل بالاحتياط أن يكون الشخص عالماً بموارده و كيفياته بالاجتهاد أو التقليد إذ بدونه لا يتحقق الاحتياط الذي هو العلم بدرك الواقع فلا يحصل الأمن من العقاب و من هنا يظهر أن الوجوب المزبور إرشادي عقلي لا مولوي شرعي.

صور العمل بالاحتياط‌

(2) كما في الدعاء عند رؤية الهلال أو الخمس في الميراث حيث يحتمل وجوبه مع القطع بعدم حرمته.

14

قاطعاً بعدم وجوبه (1) و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام (2).

[الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار]

(مسألة 4) الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد (3).

[في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً]

(مسألة 5) في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً؛ لأن المسألة خلافية (4).

____________

(1) كما في شرب التتن حيث تحتمل حرمته مع القطع بعدم وجوبه.

(2) أو لم يعلم أن وظيفته يوم الجمعة الظهر أو الجمعة.

و لا يخفى أن الجمع بين الأمرين قد يكون في عملين مستقلين كما في المثالين و قد يكون في عمل واحد كما إذا دار الأمر بين وجوب الجهر و الإخفات فالاحتياط حينئذ يتحقق بتكرار القراءة فيها مرتين إحداهما بالجهر و الاخرى بالإخفات ناوياً في كل منهما أن تكون هي القراءة المأمور بها لو كانت وظيفته كذلك و إلّا كانت قراءة للقرآن لجواز قراءة القرآن في الصلاة ثمّ إن هاهنا موردين للاحتياط لم يتعرض لهما الماتن فإنه. قد يكون الاحتياط في الجمع في الترك كما إذا علم بحرمة أحد فعلين فإن الاحتياط يقتضي تركهما معاً، و قد يكون في الجمع بين الإتيان بأحد الفعلين و ترك الآخر كما إذا علم إجمالًا بوجوب الأول أو حرمة الثاني.

(3) قد تقدم في المسألة الثانية ما يرتبط بالاحتياط فيما إذا كان مستلزماً للتكرار من الوجوه التي ذكرت للمنع عنه و الجواب عنها.

(4) بمعنى أن جواز الاحتياط ليس من المسائل البديهية التي لا تحتاج إلى الاجتهاد و التقليد، بل هو من المسائل النظرية التي لا بد فيها من إعمال الاجتهاد أو الرجوع إلى فتوى الفقيه.

15

[لا حاجة إلى التقليد في الضروريات]

(مسألة 6) في الضروريات لا حاجة إلى التقليد كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، و كذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين و في غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخير بينه و بين التقليد.

[عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل]

(مسألة 7) عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل (1).

[التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين]

(مسألة 8) التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين و إن لم يعمل بعد، بل و لو لم يأخذ فتواه فإذا أخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد (2).

____________

فالاستناد إلى الاحتياط في امتثال الأحكام الشرعية لا يصحّ إلّا بعد تحصيل العلم بجوازه و مشروعيته اجتهاداً أو تقليداً و إلّا فلو احتاط الشخص بدون ذلك لم يطمئن بعدم العقاب.

العمل بلا تقليد‌

(1) ليس المراد به البطلان الواقعي بل المراد به عدم جواز الاجتزاء به عقلًا و أنه لو كان مع تركهما مخالفة التكليف الواقعي لاستحق العقاب على تلك المخالفة بخلاف ما إذا لم يكن تركهما موجباً لذلك كما إذا عمل حين العمل برجاء أنه الواقع ثمّ علم بعده أنه مطابق لفتوى من يجب عليه التعلم منه فإن الأمن و عدم استحقاق العقاب الحاصل بهذا الإحراز كافٍ في نظر العقل، و الحاصل أنه إذا لم يحرز المكلف صحة عمله بالاجتهاد أو التقليد فليس له أن يكتفي به.

تعريف التقليد‌

(2) قد عُرّف التقليد بوجوه:

منها: أن التقليد هو أخذ قول الغير و رأيه للعمل، و هذا يعني أن التقليد عبارة عن‌

16

..........

____________

تعلّم قول الغير و رأيه و يكون داعيه إلى التعلم هو العمل به.

و منها: أنه الالتزام بالعمل بقول الغير، و على هذا فلو أخذ رسالة مجتهد للعمل بما فيها في الوقائع التي يبتلي بها فقد حصل التقليد و إن لم يعلم بما في الرسالة من أحكام الوقائع فضلًا عن العمل بما فيها.

و منها: أنه نفس العمل بقول الغير بمعنى أن العمل إذا استند إلى قول الغير و رأيه تحقق التقليد.

و لا يخفى أنّ ما تقدم من أنه يجب على المكلّف في الوقائع التي يبتلي بها أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً لا ينظر إلى ما ذكر من أنّ التقليد هو الالتزام بالعمل بقول الغير، و لا لمجرّد تعلّمه لغاية العمل به، فإنّ الوجوب المذكور من حكم العقل على ما تقدم، و الذي يحكم به العقل مراعاة الأحكام و التكاليف الشرعيّة في الوقائع بالموافقة و الطاعة إمّا بالوجدان و يحصل ذلك بالاحتياط، أو بالاعتبار و الاعتماد على حجّة فعليّة و هي ما استنبطه من مدارك الأحكام و التكاليف بطريق مألوف كما في المجتهد، أو قول المجتهد و فتواه على تقدير تمام الدليل على جواز الاعتماد على فتوى الفقيه من العاميّ في مقام العمل.

و على الجملة حكم العقل في مقام الطاعة هو لزوم تحصيل المؤمّن للمكلّف في الوقائع التي يبتلى بها، و لا يلزم في حكمه بلزوم تحصيله أن يكون سبق التعلّم على العمل، و أن يكون عمله بدونه قبله من العمل بلا تقليد، حيث إنّه إذا عمل العاميّ في واقعة عملًا برجاء أنّه عمل بالواقع و الوظيفة، ثمّ ظهر له بعد العمل أنّه على طبق فتوى المجتهد الذي يجب الرجوع إليه كفى ذلك في حكم العقل المتقدّم، و عدم سبق التقليد على العمل لا يضرّ في الفرض، هذا كلّه بالإضافة إلى حكم العقل.

17

..........

____________

و أمّا الأدلّة و الخطابات الشرعيّة فحيث إنّ وجوب تعلّم الأحكام و التكاليف بالإضافة إلى الوقائع التي يبتلي بها المكلّف أو يحتمل ابتلاءه بها طريقيّ، بمعنى أنّ الغرض من إيجاب التعلّم إسقاط الجهل بالتكليف عن العذريّة في صورة إمكان تعلّمه، فهذه الأدلّة منضمّة إلى الروايات الواردة في إرجاعهم (عليهم السلام) الناس إلى رواة الاحاديث و فقهاء أصحابهم كافية في الجزم في أنّ لزوم تعلّم الأحكام في الوقائع التي يبتلي بها المكلف أو يحتمل ابتلاءه يعمّ التعلّم من فقهاء رواة الأحاديث، فلا يكون الجهل مع إمكان التعلّم من الفقيه عذراً في مخالفة التكليف و ترك الوظيفة.

و مما ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره في العروة- من بطلان عمل العاميّ التارك للاحتياط و التقليد- بمعنى عدم الإجزاء به عقلًا، و أنّه لو كان مع تركهما مخالفة التكليف الواقعيّ لاستحقّ العقاب على تلك المخالفة، بخلاف ما إذا لم يكن تركهما موجباً لذلك، كما إذا عمل حين العمل برجاء أنّه الواقع، ثمّ علم بعده أنّه مطابق لفتوى من يجب عليه التعلّم منه، فإنّ الأمن و عدم استحقاق العقاب الحاصل بهذا الإحراز كافٍ في نظر العقل، و ليس وجوب التعلّم قبل العمل كسائر التكاليف النفسيّة على ما تقدّم.

و أمّا ما ذكره جمع من العلماء من اعتبار العمل بفتوى المجتهد حال حياته في جواز البقاء على تقليده بعد موته، و ما ذكروه من عدم جواز العدول عن الحيّ إلى حيّ آخر مع العمل بفتوى الأوّل و جوازه بدونه لا يقتضي كون التقليد هو نفس العمل، فإنّ المتّبع في جواز الأول و عدم الجواز في الثاني ملاحظة الدليل فيهما ليؤخذ بمقتضاه؛ و لذا اعتبر في الجواز و عدمه العمل فيهما مَنْ يرى التقليد هو الالتزام بالعمل أو التعلّم للعمل.

18

..........

____________

جواز التقليد‌

يقع الكلام في جواز التقليد في طريق إحراز العاميّ جوازه بنظره، ليمكن له التقليد، و في جوازه للعاميّ بنظر المجتهد، و قد ذكر المحقق الخراساني (قدس سره) أنّ جوازه في الفرعيات في الجملة أي- مع ملاحظة الأوصاف المعتبرة في المجتهد أو المحتملة اعتبارها- من الأوّليات التي تكون فطريّة لكلّ إنسان يعلم بثبوت الأحكام و الوظائف الشرعيّة في الوقائع التي يبتلي بها أو يحتمل الابتلاء بها، و لأجل كون هذا فطريّاً جبليّاً يجده كلّ عاميّ من نفسه، و لا يحتاج فيه إلى دليل يوجب علمه بجوازه، و لو كان علم العاميّ بجوازه موقوفاً على الدليل على إحرازه جوازه لانسدّ باب العلم بجوازه عليه مطلقاً أي و لو كان له حظّ من العلم ما لم يكن له ملكة الاجتهاد، فإنّ استناد العاميّ في جوازه إلى التقليد يستلزم الدور أو التسلسل، فإنّ تقليده في مسألة جواز التقليد يتوقّف أيضاً على إحرازه جواز التقليد فيها.

و أمّا جواز رجوع العاميّ إلى المجتهد بنظر المجتهد فقد ذكر أنّ العمدة في جوازه بنظر الفقيه هو الحكم الفطريّ أيضاً؛ لأنّ ما عداه من الوجوه القائمة عند المجتهد التي ذكروها غير تامّة، كالاستدلال على جوازه بالإجماع، فإنّ الإجماع مدركيّ لاحتمال أن يكون المدرك لاتفاقهم هو كون الرجوع أمراً فطريّاً ارتكازيّاً، و هذا حال الإجماع المحصّل، فكيف بالمنقول؟ و إن قيل باعتبار المنقول في غير مثل المقام.

و ممّا ذكر يظهر الحال في دعوى كون جواز التقليد على العاميّ من ضروريات الدين؛ لأنّ احتمال كونه من ضروريّات العقل و فطريّاته أولى من تلك الدعوى.

و أيضاً يظهر الحال في دعوى سيرة المتديّنين، فإنّ سيرتهم ليست ناشئة من‌

19

..........

____________

مستند شرعيّ غير ما ذكر من كون الجواز أمراً فطريّاً، و ما استند في جوازه من بعض الآيات من الكتاب المجيد غير تامّ، فإنّ آية النفر لا دلالة لها على جوازه و أخذ قول النذير و الفقيه تعبّداً، حيث إنّها في مقام إيجاب تعلّم الأحكام و التفقّه فيها و وجوب إبلاغها إلى السائرين بنحو الوجوب الكفائي، و آية السؤال في مقام إيجاب الفحص و التعلّم، و لعلّه لتحصيل العلم لا إيجاب التعبّد بجواب المسئول، كما يشهد لذلك كون المسئول هم أهل الكتاب و المسئول عنه من الاعتقاديّات، و لو قيل بأن المسئول هم الأئمّة (عليهم السلام) كما ورد في بعض الروايات فلا شبهة في اعتبار قولهم و كلامهم، و هذا خارج عن مورد الكلام في المقام.

نعم، يتمّ الاستدلال على جواز التقليد بالروايات الواردة في جواز تقليد العاميّ بالمطابقة أو بالاستلزام أو بالمفهوم، كما فيما ورد في جواز الإفتاء مع العلم مفهوماً أو منطوقاً، فإنّ ما يدلّ على عدم جواز الإفتاء من غير علم ظاهر مفهوماً جواز الإفتاء بالعلم، و هذا الجواز يستلزم جواز التقليد، و نظير ذلك ما ورد في إظهاره (عليه السلام) أن يرى في أصحابه من يفتي الناس بالحلال و الحرام، فإنّ مقتضاه جواز التقليد بالاستلزام؛ لأنّ إفتاء شخص أو شخصين لا يوجب العلم بالواقع، بخلاف الأمر بإظهار الحقّ و حرمة كتمانه، فإنّه لا يدلّ على التعبّد بالإظهار و الأخذ بالبيان، فإنّ الأمر بالإظهار و حرمة الكتمان لغاية ظهور الحقّ و العلم به كما يقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع.

و الحاصل أنّ الأخبار المشار إليها لكثرتها و تعدّد أسانيدها توجب القطع بصدور بعضها عن الإمام (عليه السلام)، و إمضائهم جواز تقليد العاميّ في الفرعيّات و لو في الجملة، فيكون مخصّصاً لما دلّ على عدم جواز اتّباع غير العلم، و ما دلّ على الذمّ على تقليد‌

20

..........

____________

الغير من الآيات و الروايات كقوله سبحانه: «لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و قوله سبحانه: «قٰالُوا إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُهْتَدُونَ» (2) مع إمكان دعوى خروج التقليد في الفرعيّات من الفقيه عن مدلول الآيتين تخصّصاً لا تخصيصاً، فإنّ آية الذمّ على الاقتداء راجعة إلى رجوع الجاهل إلى مثله، و آية النهي عن اتّباع غير العلم ناظرة إلى النهي في الاعتقاديّات التي لا بدّ من تحصيل العلم و المعرفة بها.

و أمّا قياس الفرعيّات بالاعتقاديّات في عدم جواز التقليد، بدعوى أنّ مع غموض الأمر في الاعتقاديّات لا يجوز التقليد فيها، فكيف يجوز في الفرعيّات مع سهولة الوصول إليها فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الاصول الاعتقاديّة المطلوب فيها العلم و اليقين و الاعتقاد مسائل معدودة يتيسّر تحصيل العلم بها لكلّ شخص، بخلاف الفرعيّات التي لا يتيسّر الاجتهاد الفعليّ في مسائلها إلّا في كلّياتها للأوحديّ في طول عمرهم كما لا يخفى.

أقول: الحكم العقليّ الفطريّ و إن كان المنشأ في بناء العقلاء على الرجوع في كلّ أمر يعرفه أهل خبرته إليهم، إلّا أنّ هذا البناء و حكم العقل قابل للردع عنه، حيث يمكن للشارع إلغاء التقليد في الحكم الشرعيّ الفرعيّ بالأمر بالاحتياط في كلّ واقعة لم يتفق العلماء الموجودون في عصره على نفي التكليف فيها، و إذا أمكن ذلك و احتمل العاميّ الردع فلا يفيده الحكم العقليّ الفطريّ، و قوله (قدس سره): لو لا ذلك الفطريّ عند العاميّ لانسدّ على العاميّ باب العلم بجواز التقليد، ممنوع؛ إذ اللازم على العاميّ علمه بجواز التقليد‌

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 36.

(2) سورة الزخرف: الآية 22.

21

..........

____________

له في المسائل التي يبتلي بها، و هذا يحصل من الاستدلال، و الاستدلال لا يتوقّف على تمكّنه و إحاطته بجميع ما يكون دليلًا للجواز عند الفقيه، بل على العاميّ أن يعتمد على علمه الحاصل من فتوى علماء عصره العدول المعروفين و من كان قبل عصره، و الجزم بأنّه لو منع الناس عن الرجوع إلى العلماء في تعلّم الفتوى و العمل به و أوجب عليهم الاحتياط لما أفتى هؤلاء بالجواز، و جواز الاقتصار بالعمل على طبق الفتوى المعتبر، و بهذا أيضاً يقنع نفسه في مسألة لزوم تحصيل العلم و اليقين في الاعتقاديّات و رفع اليد عن حكم الارتكاز، بأنّه لو لم يجب ذلك على الناس و جاز التقليد فيها لما أفتوا بوجوب تحصيل العلم و اليقين و الاعتقاد و لو بدليل يقنع نفسه.

و قد يقال: إنّه لو لم يتمكّن العاميّ من تحصيل العلم بجواز التقليد كان اللازم في حقّه بحكم العقل هو الاحتياط في الوقائع بالأخذ فيها بأحوط الأقوال من العلماء المعروفين في عصره؛ لأنّه لا يعلم بثبوت تكاليف زائدة في حقّه في الوقائع التي يبتلي بها غير ما أفتوا بها فيها و لو من بعضهم، فإنّ مقتضى العلم الإجماليّ بالتكاليف في موارد فتاويهم يوجب علمه الإجماليّ بثبوت التكاليف في حقّ المكلفين في الوقائع، و هذا الاحتياط على ما ذكرنا لا يوجب محذوراً على العاميّ من عسر فضلًا عن اختلال النظام.

و لكن لا يخفى أنّ انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجمالي الصغير لا ينفع فيما إذا كان احتمال التكليف بنفسه منجّزاً للتكليف كما في المفروض في المقام، حيث لا يتمكّن العاميّ من الفحص عن جميع الفتاوى في الوقائع و لا عن أدلّة الأحكام.

نعم، إذا حصل له الوثوق و الاطمئنان بعدم الدليل على التكليف في غير موارد‌

22

..........

____________

فتوى العلماء المعروفين في عصره، مع اعتقاده و جزمه بأنّ الشارع لم يردع عن العمل بوثوقه و اطمئنانه ذلك أمكن له ترك الاحتياط في غير موارد فتاوى علماء عصره بالتكليف، أو حصل الوثوق بفحص علماء عصره في مورد فتاويهم بنفي التكليف، و كان هو بنفسه عارفاً باعتبار الاصول النافية.

و أمّا الروايات فلا بأس بدلالتها- و لو بالالتزام في بعضها و بالمطابقة في بعضها الآخر- على جواز تعلّم العاميّ و العمل على طبقه في الأحكام الفرعيّة من العالم بها بالطرق المألوفة في الجملة، و يأتي التعرّض لذلك تفصيلًا.

و قد ظهر ممّا تقدّم استقلال العقل بعد اعتبار قول المفتي في حقّ العاميّ بأنّ المكلّف في الوقائع التي يبتلي بها إمّا أن يكون مجتهداً يعمل على طبق اجتهاده، أو مقلّداً يعمل على طبق فتوى المجتهد أو محتاطاً، و هذا التخيير بعد إحراز جواز الامتثال الإجماليّ حتى فيما إذا كان العمل عبادة، و الاحتياط فيها موجباً لتكرار العمل؛ و لذا لا يجوز الأخذ بالاحتياط في العبادات إلّا مع إحراز جوازه و لو بالاجتهاد في هذه المسألة أو مع التقليد فيها، و اعتبار قول المفتي في حقّ العاميّ كاعتبار خبر العدل و الثقة في الأحكام طريقيّ يوجب تنجّز الواقع مع الإصابة و العذر عند موافقته و خطئه، فيختصّ اعتبار الفتوى بموارد الجهل بالحكم الواقعيّ، و لا يكون مورد التقليد في ضروريات الدين و المذهب، و لا في القطعيّات التي يعرفها العاميّ و لو بالتسالم عليه كأكثر المباحات.

نعم، فيما يتردّد الحكم بين الإباحة و الاستحباب أو بينهما و بين الكراهة فإن أراد الإتيان بقصد الاستحباب أو بقصد الكراهة كي ينال الثواب فعليه إحراز خصوص الحكم أو الإتيان بالرجاء و احتمال نيل الثواب؛ لئلا يكون عمله تشريعاً، و قد تقدّم‌

23

..........

____________

مدلول أخبار وجوب طلب العلم و أنّه بالإضافة إلى الفرعيات طريقيّ.

بقي في المقام ما ربّما يتوهّم من أنّ العمومات الناهية عن اتّباع غير العلم و المتضمّنة للذمّ على اتّباع غيره رادعة عن التقليد كقوله سبحانه: «لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و قوله سبحانه: «وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا إِلىٰ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قٰالُوا حَسْبُنٰا مٰا وَجَدْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا» (2) إلى غير ذلك.

و لكنّ العموم أو الإطلاق لا يصلح رادعاً خصوصاً بالإضافة إلى السيرة المتشرعة و المشار إليها و الأخبار المستفاد منها لزوم رجوع العاميّ إلى الفقيه، و قول الفقيه يكون من اتّباع العلم، و الذم في الآية راجع إلى اتّباع الجاهل مثله بقرينة ما في ذيلها: «أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ» (3) مع أنّها ناظرة إلى التقليد في الاعتقاديّات و لا يجزي فيها التقليد، بل يجب فيها تحصيل العلم و العرفان و الإيمان، و لا يمكن فيها الأخذ ببعض الأخبار، و دعوى إطلاقها يعمّ جواز التعلّم في الاعتقاديات أيضاً بالأخذ بما يقول المسئول، فيكون قوله أيضاً فيها علماً و عرفاناً لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فإنّ مقتضى تلك الروايات اعتبار قول من يرجع إليه، و أنّه علم في جهة طريقيّته لا من جهة الوصفيّة، و المطلوب في اصول الدين و المذهب العلم بما هو صفة و يقين ينشرح به الصدر، و يشدّ القلب بالعروة الوثقى من الإيمان و الاعتقاد، كما هو مقتضى الأمر بالإيمان فيها في الكتاب المجيد في الآيات، و كذا الحال في الروايات الواردة فيها.

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 36.

(2) و (3) سورة المائدة: الآية 104.

24

[الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت]

(مسألة 9) الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت (1) و لا يجوز تقليد الميت ابتداءً.

____________

تقليد الميت‌

(1) ذكروا أن المعروف بين أصحابنا اعتبار الحياة في المجتهد في جواز تقليده فلا يعتبر فتوى المفتي بعد موته و عن بعض الأصحاب و مخالفينا و الأخباريين حيث يرون الأخذ بما استفاده الفقيه من الروايات المأثورة عن أهل البيت و الطهارة تقليداً إياه عدم اعتبارها، و عن جماعة من الأصحاب التفصيل بين التقليد الابتدائي فلا يجوز و بين التقليد الاستمراري فيجوز البقاء على تقليد الميت.

و ذكر في الكفاية أنه لا ينبغي الشك في أن مقتضى الشك في اعتبار الفتوى عدم اعتباره فلا بد في الخروج عن عدم الاعتبار من قيام دليل أو أصل حاكم على أصالة عدم الاعتبار.

و قد يقال بوجود أصل حاكم عليها حيث إن الاستصحاب في بقاء اعتبار الرأي نظره بعد موته أيضاً.

و رده بأن هذا الاستصحاب لا أساس له لأن بالموت ينتفي الرأي و النظر فلا مجال لاستصحاب الاعتبار الذي كان الموضوع له هو الرأي و النظر.

لا يقال: الرأي و النظر يتقوم بالنفس و لا تزول النفس بالموت بل تنتقل من عالم إلى عالم أرقى.

فإنه يقال: للحياة في بقاء الشخص و رأيه جهة تقوّم عند العرف و لذا يرون المعاد من إعادة المعدوم و لا يقاس لبعض الأحكام الجارية على الشخص كاستصحاب طهارته و نجاسته و جواز النظر إليه؛ لأن للطهارة و جواز النظر الموضوع بحسب الفهم‌

25

..........

____________

العرفي البدن الذي يبقى بعد الموت أيضاً و إن يحتمل أن يكون للحياة دخالة فيهما في حدوثهما و بقائهما كاحتمال دخالة التغير في نجاسة الماء الكثير حدوثاً و بقاءً فلا يمكن الاستصحاب لا في بقاء اعتبار الرأي و لا في ناحية بقاء نفس الرأي و النظر لعدم بقاء الموضوع و يعتبر في جريان الاستصحاب في الحكم بقاء الموضوع له.

لا يقال: هذا إذا كان الرأي بحدوثه موضوعاً لحدوث الاعتبار، و ببقائه موضوعاً لبقاء الاعتبار، و أما إذا احتمل أن يكون الرأي بحدوثه موضوعاً لحدوث الاعتبار و بقائه كما في اعتبار خبر العدل فيمكن الاستصحاب في بقاء اعتبار الرأي و النظر الذي كان المجتهد عليه حال حياته.

فإنه يقال: لا يحتمل أن يكون الرأي بحدوثه موضوعاً للاعتبار حدوثاً و بقاءً كالخبر.

و يشهد لذلك عدم جواز تقليد الشخص بعد عروض الجنون أو زوال رأيه بسبب المرض و الهرم و لو كان اعتبار الرأي كاعتبار الخبر لما كان عروضهما موجباً لانتفاء الاعتبار كما في عروضهما للمخبر بعد اخباره.

و مما ذكر يظهر أنه لا فرق في عدم جواز تقليد الميت ابتداءً و عدم جواز البقاء على تقليده بعد موته سواء عمل بفتواه حال حياته أم لا لعدم بقاء الرأي و النظر بعد موته على كل تقدير.

أقول: لا شهادة في عدم جواز التقليد بعد عروض الجنون أو تبدّل الرأي أو زواله بأن الموضوع للاعتبار حدوثاً و بقاءً حدوث الرأي و بقاؤه فإن نظير ذلك ثابت في الخبر أيضاً فإن الخبر إذا أكذب نفسه في خبره السابق بمعنى أنه ذكر وقوعه اشتباهاً‌

26

..........

____________

فلا يعبأ بخبره السابق في الأحكام الكلية بل في الموضوعات أيضاً في غير مقام الشهادة و الإقرار حيث إن مع تمام الشهادة و حصول القضاء لا ينقض الحكم و لا ينفذ الرجوع عن الإقرار السابق إلّا فيما يعتبر فيه تعدد الإقرار كالإقرار بالزنا و نحوه أو مطلق الحدود مع احتمال صدقه بناءً على سقوطها بالإنكار بعد الإقرار لحصول الشبهة كما قيل مع أن الإقرار كالإخبار بحدوثه موضوع للاعتبار حدوثاً و بقاءً و كما يقال إن الخبر فيما إذا وقع موضوع للاعتبار بشرط عدم رجوع مخبره و ادعائه بوقوعه اشتباهاً كذلك يمكن أن يكون الرأي موضوعاً للاعتبار بشرط أن لا يقع رجوع أو يعرض لمن ينسب إليه الرأي جنون و نحوه حيث إن المفتي بعد عروض الجنون لا يعتبر رأيه السابق لا لعدم بقائه، بل لأن المجنون لا يليق بمنصب الزعامة الدينية؛ و لذا يعتبر فيه بعض الأوصاف و الامور مما لا يكون الشخص مع فقدها مناسباً لذلك المنصب.

و الصحيح في الجواب عن استصحاب اعتبار الرأي أن يقال اعتباره كان متيقناً بالإضافة إلى من تعلم منه الفتوى حال حياته، و أما من يتعلم منه فتواه الذي كتب أو ينتقل بعد وفاته فلم يحرز اعتباره بالإضافة إلى من يتعلم بعد موته نظير ما ذكرنا في الاستصحاب في أحكام الشرائع السابقة أضف إلى ذلك أن الاستصحاب في اعتبار الرأي يكون من الاستصحاب في الشبهة الحكمية و يتعارض فيها استصحاب بقاء الاعتبار المجعول باستصحاب عدم جعله.

و الحاصل أن الموضوع للاعتبار بحسب الروايات فتوى المجتهد و فتواه إخبار عن الحكم الشرعي الكلي المجعول بنحو القضية الحقيقيّة.

نعم، إخباره به عن حدس بخلاف الخبر عن حكم الواقعة بنحو القضية الحقيقية‌

27

..........

____________

بالسماع عن المعصوم (عليه السلام) فإنه أخبر به عن حسّ و سماع و كما أن الحدس ينتفي عن المجتهد بعد موته كذلك الحس في الخبر ينتفي غاية الأمر الدليل على الاعتبار في الخبر موجود كما تقدم في بحث حجية الخبر و لا دليل على اعتبار الأوّل إلّا بالإضافة إلى من أخذ الفتوى و تعلّم منه حال حياته.

و على الجملة لا يمكن إثبات اعتبار فتوى المجتهد و رأيه بالإضافة إلى من لم يتعلّم الحكم منه إلّا بعد وفاته، كما إذا وصلت فتواه إليه بعد موته بطريق النقل أو قرأها في كتابه أو رسالته.

نعم، ربما يقال إن مقتضى السيرة العقلائية جواز هذا النحو من التعلم حيث لا يرى العقلاء فرقاً بين الحي و الميت في الامور التي يرجعون فيها إلى أهل خبرتها و لم يردع عنها الشرع بالإضافة إلى تعلم الأحكام الشرعية.

و لكن لا يخفى ما فيه فإن السيرة العقلائية تتبع فيما إذا أحرز إمضاء الشارع لها في أخذ الأحكام و تعلّمها و لو كان إحراز الإمضاء بعدم الردع عن اتباعها و بما أن ما دلّ على إرجاع الإمام (عليه السلام) في تعلم معالم الدين إلى بعض الأشخاص من الأحياء فالمقدار المحرز إمضاؤه من السيرة ما إذا كان الرجوع إلى العالم بمعالم الدين في حياته و لم يثبت السيرة المتشرعة في الأخذ بأحكام الشرع الأخذ من كتاب شخص أو رسالته إلّا إذا كان الأخذ بمعنى تعلم الحديث و الرواية على نحو مذكور في بحث أخذ الحديث نعم مقتضى ما ورد من الروايات في إرجاعهم (عليهم السلام) إلى الاشخاص عدم الفرق بين العمل بما أخذ منهم حال حياتهم أو بعد مماتهم.

و يمكن تقرير عدم جواز تقليد الميت ابتداءً بوجه آخر و هو بما أن المسائل‌

28

..........

____________

الاختلافية بين العلماء كثيرة جدّاً و لو لم يعتبر في جواز التقليد حياة المفتي و جاز تقليد الميت ابتداءً لزم في تلك المسائل الأخذ بقول أعلم الأموات و الأحياء فينحصر جواز التقليد بواحد في جميع الأعصار؛ لكونه أعلم من الكل أو يحتاط بين فتوى الاثنين و الثلاث، و هذا خلاف المعلوم من ضرورة المذهب و أنه أمر التزم به مخالفينا كما لا يخفى.

و أما الاستمرار على تقليد المجتهد بعد وفاته فقد ذكرنا أن مقتضى ما ورد في جواز التعلم ممن يعلم معالم الدين جواز العمل بما تعلم من الحي حتى بعد موته أيضاً، و حيث إن صاحب الكفاية (قدس سره) قد منع عن جريان الاستصحاب في بقاء حجية الرأي بأن الموضوع للاعتبار حدوثاً و بقاءً حدوث الرأي و بقاؤه و أن المجتهد بعد موته لا رأي له ليحكم باعتباره تعرض لاستصحاب آخر يقال باختصاص جريانه في البقاء على تقليد الميت، و هو الاستصحاب في الأحكام الشرعية الثابتة في حق العامي عند تقليده عن المجتهد حال حياته حيث إن رأي المجتهد كان من قبيل الواسطة لحدوثها لا من مقومات تلك الأحكام من حيث الموضوع و المعروض لها.

و أجاب عن هذا الاستصحاب بأن الأحكام ليست لها حالة سابقة محرزة لتستصحب بناءً على ما هو الصحيح من أن المجعول في الطرق و الأمارات التي منها رأي المجتهد بالإضافة إلى العامي مجرّد المعذرية، و المعذرية سواء استفيد جواز التقليد من حكم الفطرة أو من الروايات و الخطابات الشرعية.

و ما تقدم سابقاً من قيام الأمارة مقام العلم في موارد إحراز الحالة السابقة بأن مفاد خطابات الاستصحاب إثبات الملازمة بين ثبوت الحكم و بقائه بحيث يكون الحجة‌

29

..........

____________

على الثبوت حجة على البقاء عند الشك كان تكلّفاً، نعم لو قيل بأن معنى اعتبار الطريق و الأمارة جعل مدلولها حكماً طريقياً ظاهرياً فلاستصحاب تلك الأحكام مجال إذا كانت الدعوى أن الرأي السابق كان من قبيل الواسطة في عروض تلك الأحكام لموضوعاتها، و لم يكن الرأي مقوماً للحكم المعروض إلّا أن الإنصاف أن ثبوت تلك الأحكام لموضوعاتها بما أنها متعلق رأي المجتهد و حدسه فيكون هذا العنوان مقوماً لها و بعد انتفاء الرأي لا موضوع لها و لا مجال لاستصحاباتها، بل يمكن أن يقال إذا لم يجز البقاء على تقليد المجتهد بعد زوال رأيه بالهرم و المرض إجماعاً لم يجز البقاء بعد موته بالأولوية حيث إن الهرم و المرض لا يوجب زوال الشخص بل زوال رأيه فقط بخلاف الموت فإنه زوال للشخص أيضاً.

أقول: لا يخفى ما في كلامه فإنه لا مجال للاستصحاب في الأحكام التي كانت منجزة بفتوى المجتهد حال حياته حتى بناءً على ما ذكره في بحث الاستصحاب و عبّر عنه في المقام بالتكلف السابق، و هو كون مفاد خطابات الاستصحاب جعل الملازمة بين ثبوت الشي‌ء و بقائه عند الشك، و ذلك فإن المصحّح هو شك المكلف في بقاء الحكم على تقدير ثبوته واقعاً فيدعي أن بالأمارة يحرز ثبوته من حيث التنجز، و بقاؤه على التنجز يحرز بالاستصحاب، و ليس الشك في المقام في بقاء الحكم على تقدير ثبوته واقعاً، بل بقاؤه على تقدير ثبوته محرز وجداناً، و إنما الشك في ثبوته في الواقعة من الأوّل و ما كان عليه المجتهد من الرأي و الفتوى كان منجّزاً في ثبوت ذلك الحكم فإن أمكن الاستصحاب في بقاء الحجية لذلك الرأي و الفتوى كما ذكرنا من أن حدوث الرأي و الفتوى كافٍ في ثبوت الحجية و بقائها فهو، و الّا فلا مورد للاستصحاب؛ لعدم بقاء الرأي.

30

..........

____________

و أيضاً ما ذكره من قياس موت المجتهد و زوال رأيه به بالهرم و نحوه الذي يلحق الشخص معه بالصبيان و المجانين لا يخفى ما فيه فإن الإجماع على عدم جواز التقليد بعد الهرم و نحوه للعلم بعدم رضا الشارع بالزعامة الدينية ممّن لاحق بالصبيان و المجانين، و هذا بخلاف الموت فإنه ارتحال من عالم إلى عالم أرقى حيث مات الأنبياء و الأولياء و أنه أمر قد خطّ على بني آدم.

و على الجملة فلا مانع عن استصحاب بقاء ما كان للمجتهد من فتواه على اعتباره بعد موته كبقاء الشهادة و الخبر على اعتبارهما، نعم الاستصحاب في الشبهة الحكمية لا يجري و في المقام الشبهة حكمية و لكن لا تصل النوبة في المقام للأصل العملي للإطلاق في الروايات على ما تقدم.

نعم، إذا خالف الحي مع الميت الذي كان قلده في زمان حياته في بعض الفتاوى و كان الحي أعلم منه بالفعل يتعين على العامي العدول إلى الحيّ كما يأتي في مسألة لزوم تقليد الأعلم مع العلم باختلاف الفتاوى.

و الكلام في إجزاء الأعمال التي أتى بها زمان حياة المجتهد السابق تقدم في باب الإجزاء و نعيده في المقام في ضمن بعض المسائل، و هذا بخلاف ما إذا كان الميت أعلم من الحي فإنه يتعين عليه البقاء على تقليد الميت في المسائل التي تعلّمها منه حال حياته و لم ينساها حتى يحتاج إلى تعلم جديد نظير من يتعلم فتواه بعد موته بالنقل إليه أو يقرأ فتواه من كتابه أو رسالته، و ما في بعض الروايات في أمر كتاب فضل بن شاذان و يونس بن عبد الرحمن من تصديق الإمام (عليه السلام) العمل بما فيهما على تقديره لا يكون شاهداً لجواز تقليد الميت ابتداءً أو بعد نسيان فتواه فإن مع تصديقه (عليه السلام) ينسب ما في‌

31

..........

____________

الكتاب إلى الإمام (عليه السلام) فيعتبر ما فيه قوله و لا كلام في اتباع قول الإمام (عليه السلام) في حياته أم بعد مماته.

و إذا كان الميت حال حياته أعلم من الحي و شك في صيرورة الحي أعلم منه يستصحب عدم صيرورته أعلم و إن شك في أعلميته منه من الأول كما في الشك الساري، فإن احتمل الأعلمية في حقه فقط بمعنى أنه كان مساوياً للحي أو كان أعلم فالمتعين هو الأخذ بأحوط القولين حتى بناءً على التخيير بين المتساويين فإن الميت في الفرض و إن يحتمل أعلميته من الحي إلّا أنه لا يدور الأمر في الفرض بين التخيير و التعيين في الحجية حيث إن المشهور لم يجوزوا التقليد من الميت حتى بقاءً و حتى ما إذا كان أعلم من الحيّ و لا يقاس الفرض بما إذا كان مجتهدان فعلم أنهما إما متساويان في الفضل أو أن هذا المعين أعلم من الآخر لو ادعى الوثوق و الاطمينان بأن الشارع لا يريد من العامي الاحتياط في الوقائع و عليه جاز له الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية الحاصلة بموافقته عملًا فتوى أحدهما.

و قد يقال إنما يجوز البقاء على تقليد الميت أو يجب فيما إذا عمل العامي بفتاوى الميت حال حياته و ما لم يعمل بها يتعين رجوعه إلى الحيّ سواء كان الميت أعلم من الحي أم لا، و لعل هذا القائل يرى أن التقليد هو العمل أي الاستناد فيه إلى الفتوى و ما دام لم يعمل بالفتوى حال حياة المفتي لا يكون العمل بفتواه بعد موته من البقاء على التقليد أو يقول بأن المجتهد في فتاويه في المسائل يكون غالباً مبتلى بالمعارض من السائرين و يكون اعتبار فتواه فيها من قبيل التخيير بين المتعارضين فما دام لم يعمل العامي بفتواه حال حياته لم يكن له اعتبار ليستصحب بعد موته و لكن لا يخفى ما فيه‌

32

[إذا عدل عن الميّت إلى الحيّ لا يجوز له العود إلى الميّت]

(مسألة 10) إذا عدل عن الميّت إلى الحيّ لا يجوز له العود إلى الميّت (1).

[لا يجوز العدول عن الحيّ إلى الحيّ إلّا إذا كان الثاني أعلم]

(مسألة 11) لا يجوز العدول عن الحيّ إلى الحيّ إلّا إذا كان الثاني أعلم (2).

____________

فإن المجتهد لو كان أعلم حال حياته من غيره كانت فتواه معتبرة، و تعلّم العامي تلك الفتوى علماً بالحكم الشرعي، و يأتي أنه لا اعتبار مع الأعلم لفتوى غيره و إن كان عمل العامي به بعد وفاته و إن لم يكن أعلم كان المتعين على العامي الاحتياط بين القولين أو الأقوال في المسألة أو الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، هذا كله مع إحراز اختلاف الفتاوى و لو إجمالًا.

و أما مع عدم علم العامي باختلاف الأحياء فيها و لو بالظفر بموارد معينة من الاختلاف و انحلال علمه الإجمالي به فالتعلم من كل منهم يحسب علماً منه بالحكم الشرعي سواء عمل به حال حياته أم لا.

العدول في التقليد‌

(1) و قد ظهر ممّا تقدّم إذا تعلّم الوظائف من مجتهد أعلم حال حياته و مات ذلك المجتهد فقلّد مجتهداً حيّاً، فإن كان الميّت أعلم بالإضافة إليه فرجوعه إلى الحيّ غير صحيح، و وجب عليه العمل بما تعلّم من الميت حال حياته، و إن كان في كلّ منهما احتمال الأعلميّة بالإضافة إلى الآخر فلا بأس فيما إذا لم يوجب القطع بمخالفة التكليف الواقعيّ إمّا في الواقعة السابقة أو اللاحقة و إن لم نقل بالاحتياط بين القولين و الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة.

(2) و لا يخفى أنّ الثاني إذا صار أعلم من السابق يجب الرجوع إليه، و أمّا إذا علم أنّ الثاني كان أعلم من الحيّ الأوّل فيعلم بطلان تقليده الأوّل.

33

[يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط]

(مسألة 12) يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط (1) ...

[إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما]

(مسألة 13) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما إلّا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع (2).

____________

(1) أقول: قد تقدّم لا يجب تقليد الأعلم في المسائل التي لا يعلم اختلاف المجتهدين فيها لا إجمالًا و لا تفصيلًا، و اتّباع الأعلم في المسائل التي يعلم العاميّ اختلاف العلماء فيها و لو إجمالًا عندهم لعدم اعتبار قول غيره، و يجب الفحص عن الأعلم فيها مع العلم بوجوده، بل مع احتمال وجوده لإحراز الحجّة فالأخذ بقول أحدهم مع الشك في اعتبار قوله لا يكون مجزياً، كما تقدّم في بيان حكم العقل في إحراز الامتثال و الطاعة، كما لا يحرز أن ما أخذه منه إحراز لمعالم دينه و وظيفته الشرعيّة في الواقعة. نعم لا بأس بتركه و الاحتياط بالأخذ بأحوط القولين.

إذا تساوى المجتهدان في الفضيلة‌

(2) أقول: يقع الكلام تارة فيما إذا لم يعلم العاميّ اختلاف أحدهما مع الآخر في المسائل التي يبتلي بها أو يحتمل ابتلاءه بها، و اخرى فيما إذا اعلم اختلافهما تفصيلًا أو إجمالًا، أمّا الفرض الأوّل فالظاهر جواز تعلّم الحكم من كلّ منهما، و بعد تعلّمه يجب عليه العمل بما تعلّمه، و قد تقدّم أنّ هذا مقتضى الإطلاق فيما دلّ على جواز المراجعة إلى من يثق به في تعلّم الأحكام من يونس بن عبد الرحمن و الحارث بن المغيرة و أمثالهما بلا حاجة إلى إحراز عدم المخالفة بينهما بالأصل، و لا أثر لأورعيّة أحدهما في الفرض؛ لأنّ ما يمكن أن يستند إليه في الالتزام بالرجوع إلى الأورع من مقبولة عمر بن حنظلة (1) و رواية داود بن الحصين التي في سندها الحكم بن مسكين عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأول.

34

..........

____________

أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال:

«ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما، فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر» (1) و هما ظاهرتان في فرض ظهور اختلافهما.

و أمّا إذا كان الاختلاف بينهما محرزاً فالمتعيّن سقوط اعتبار كلّ من الفتاوى المختلفة بينهما عن الاعتبار، فإنّ دليل جواز التقليد بمعنى تعلّم الحكم من الفقيه لا يعمّ صورة العلم بالاختلاف، إلّا فيما إذا كان أحدهما أعلم كما هو خلاف الفرض في المسألة، فيدور أمر العامي في المسألة بين الاحتياط في الواقعة إذا لم يمكن الاحتياط فيها بالأخذ بأحد القولين، و إذا أحرز أنّ الشارع لا يريد منها الاحتياط في الوقائع فتصل النوبة إلى الموافقة الاحتماليّة التي تحصل بمطابقة عمله لفتوى أحدهما في المسائل، حيث إنّه إذا لم يجب الموافقة القطعيّة في الوقائع يكتفى بالموافقة الاحتماليّة في الوقائع، و هذه الموافقة الاحتماليّة مقدّمة على الموافقة القطعيّة في بعض الموارد مع العلم بالمخالفة في بعضها الآخر.

و لا دلالة في المقبولة و لا لرواية داود على خلاف ذلك، فإنّ موردهما القضاء و فصل الخصومة، و لا يمكن ذلك- يعني فصلها- إلّا بنفوذ حكم أحدهما المعيّن، و لو ادّعى استفادة حكم الرجوع إلى الفقيه في تعلّم الحكم الشرعي أي الفتوى منهما لزم الالتزام بأنّه إذا كان أحد الفقيهين أعلم من الآخر، و الآخر أورع من الأعلم يكون المكلّف على التخيير بينهما مع أنّ صاحب العروة أو غيره لم يلتزم بذلك، و وجه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 113، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

35

..........

____________

اللزوم ظهور المقبولة و الرواية كون كلّ من الأوصاف مرجّحاً لقضاء صاحبه، لا أنّ المرجّح مجموع تلك الأوصاف؛ و لذا كرّر في المقبولة السؤال عمّا إذا كان كلّ من الحكمين مساوياً فيها و ليس لأحدهما فضل على الآخر فيها.

ثمّ إنّه كما تقدّم لا تصل النوبة في مفروض المسألة إلى قاعدة احتمال التعيّن في الحجّة عند دوران أمرها، بأن يقال فتوى الأورع حجّة يقيناً و الشكّ في فتوى الآخر و ذلك فإنّ التخيير الذي ذكرنا للالتزام بعدم وجوب الاحتياط و كفاية الموافقة الاحتماليّة، لا لاعتبار كلا الفتويين على نحو التخيير أو اعتبار فتوى الأورع تعيّناً، ليقال يؤخذ بالتعيين عند دوران الحجّة بين التعيين و التخيير.

و قد يقال (1): لا يكون المقام من دوران الحجّة بين التعيين و التخيير حتّى بناءً على الالتزام بأنّ الحجة عند دوران الأمر بين مجتهدين متساويين تخييريّة؛ لأنّ ما في أحد المجتهدين من المزيّة غير دخيل في ملاك طريقيّة فتواه، كما إذا دار الأمر بين مجتهدين متساويين في العلم و لكن أحدهما يواظب على نافلة الليل دون الآخر.

و لكن لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه إذا احتمل أنّ ما في أحدهما من المزيّة و إن لم يكن ذلك دخيلًا في مطابقة فتاويه للواقع اعتبره الشارع بملاحظة منصب المرجعيّة و القضاء، دخل المقام مع الالتزام بالتخيير في الحجّة في صورة التساوي في دوران الأمر بين التعيين و التخيير فيها.

____________

(1) بحوث في الاصول (الاجتهاد و التّقليد): 65. (للأصفهاني).

36

[إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز الأخذ في تلك المسألة من غير الأعلم]

(مسألة 14) إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز (1) في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و إن أمكن الاحتياط.

____________

إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة‌

(1) قد يفصّل (1) في المقام بين ما إذا لم يفتِ الأعلم في مسألة لعدم إكمال فحصه عن مقتضى مدارك الحكم فيها أو أنّه لم يفحص عنها في تلك المسألة أصلًا، كما ربّما يتّفق ذلك في مقام الاستفتاء عنه في مسألة فيجيب فيها بالاحتياط، ففي مثل ذلك ممّا يحتمل الأعلم أنّه لو أكمل فحصه أو فحص عن المدرك فيها لأفتى بما أفتى فيه غير الأعلم، و كذا فيما لا يريد الأعلم أن يفتي فيها ببعض الملاحظات، كأن لا يريد أن يخالف المشهور في إفتائهم و إن كان مقتضى ملاحظة المدارك للأحكام هو ما أفتى به غير الأعلم، فإنّه يجوز في ذلك أيضاً الرجوع إلى فتوى غير الأعلم، فإنّه عالم بحكم المسألة كما هو فرض كونه مجتهداً عارفاً بطريق الاستنباط و تعيين الأحكام من أدلّتها، و كان المانع عن اعتبار فتاواه في ساير الموارد معارضتها و إحراز مخالفتها مع فتوى الأعلم و لو إجمالًا، و هذا المانع غير موجود بالإضافة إلى مفروض الكلام فيعمّه ما دلّ على الرجوع بالعارف بالأحكام، و يؤيّده السيرة العقلائيّة، و يلحق بذلك ما إذا كانت المسألة مما لم يتعرّض الأعلم لحكمها أصلًا و يحتمل العاميّ أنّه لو كان متعرّضاً لحكمها لأفتى بما أفتى به غير الأعلم.

و أمّا إذا كان عدم إفتاء الأعلم بالإضافة إلى نفس الحكم الواقعيّ لا بالإضافة إلى مدركه، بل كان المستفاد من قوله أنّ مقتضى رعاية المدارك هو الحكم بالتكليف أو ما هو الموضوع له من الوضع، كما لو عبّر بقوله: الأحوط لو لم يكن أقوى هو الترك أو‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة 1: 145.

37

..........

____________

الإتيان، في مقابل من أفتى بجواز الارتكاب أو جواز الترك أو رأى الأعلم أنّ مقتضى العلم الإجماليّ الموجود بالتكليف في المسألة هو الاحتياط و الجمع بين الفعلين، كما قال بالاحتياط في مسألة من سافر أربعة فراسخ غير قاصد الرجوع من يومه، و إذا رأى المجتهد أنّ ما دلّ على وجوب القصر فيه معارض بما دلّ على التمام فيه و ليس في البين معيّن آخر لوجوب خصوص أحدهما، فقال لا مجال في المسألة إلّا الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام، فلا يجوز للعاميّ في مثل ذلك الرجوع إلى فتوى غير الأعلم الذي ينفي التكليف في الفرض الأوّل أو يعيّن التكليف في ناحية أحد الفعلين.

و على الجملة إذا كان ما ذكره الأعلم في المسألة من الاحتياط متضمّناً لتخطئة من ينفي التكليف أو الاحتياط فلا مجال فيها للرجوع إلى قول غير الأعلم.

و قد ذكرنا في جواب هذا التفصيل في الدورات السابقة أنّ ما هو معتبر بالإضافة إلى العامّي هو الفتوى بالحكم الشرعي، و مع عدم الافتاء به فلا موضوع لوجوب التعلّم منه و المفروض في المقام أنّه ليس للأعلم فتوى بالإضافة إلى الحكم الشرعي في المسألة ليعارض فتوى الآخر، و يبقى ما يتضمّن قول الأعلم من تخطئة غيره، و أنّه ليس بمقتضى المدارك و لا دليل على اعتبار قول الأعلم في نفس هذا القول، و لكن لا يبعد بأن يقال الدليل على اعتبار قول الأعلم في فرض المعارضة السيرة العقلائيّة، و العقلاء لا يعتنون بقول غير الأعلم إذا كان القول المزبور موضع اتّهام من الأعلم مع إمكان رعاية الواقع و لو بالاحتياط، و المفروض أنّ الأعلم عيّن الوظيفة الظاهريّة فيه.

ثمّ إذا جاز العدول إلى غير الأعلم في موارد عدم الفتوى من الأعلم يجب رعاية الرجوع إلى الأعلم فالأعلم مع اختلافهما لعين ما تقدّم.

38

[إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة]

(مسألة 15) إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحيّ الأعلم في جواز البقاء و عدمه (1).

____________

مسألة جواز البقاء على تقليد الميت‌

(1) يقع الكلام تارة في فتوى المجتهد الميّت في مسألة البقاء على تقليد الميّت سواء أفتى فيها بجواز البقاء أو بعدم جوازه أو بوجوب البقاء، و اخرى في فتوى الحيّ الأعلم سواء أفتى بجواز البقاء أو بعدم جوازه.

فنقول: إذا أفتى الميّت بجواز البقاء على تقليد الميّت فلا يجوز الاستناد إليه و الاعتماد عليه في مقام العمل بسائر فتاواه؛ لأنّ الاستناد في العمل بفتاواه اعتماداً على فتواه بجواز البقاء دوريّ، فلا بدّ من الرجوع إلى الحيّ الأعلم في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت، فيكون المقام نظير ما إذا لم يكن للأعلم فتوى في المسائل التي ابتلى بها المكلّف، حتّى فيما إذا فرض أنّ الميّت كان أعلم من الحيّ الموجود فعلًا، إذ لا يعتبر قوله في مسألة البقاء على تقليد الميّت سواء كان فتواه بجواز البقاء أو وجوبه أو عدم جواز البقاء، و كذا يكون نظير ما إذا كان الأعلم الحيّ غير واجد لسائر شرائط التقليد حيث يرجع إلى فتوى الحيّ الواجد لشرائط جواز التقليد، حيث إنّ فتوى الأعلم الحيّ هو المتيقّن في الاعتبار بالإضافة إلى العاميّ بعد سقوط فتوى الميّت عن الاعتبار في مسألة البقاء على تقليد الميت.

و على ذلك فإن أفتى الحيّ الأعلم بعدم جواز البقاء على تقليد الميت فلا يترتّب على رأي الميّت في المسائل أيّ أثر حتّى إذا فرض أنّ فتواه كانت وجوب البقاء على تقليد الميّت فضلًا عن فتواه بجواز البقاء أو حرمته، و أمّا إذا أفتى الحيّ الأعلم بجواز البقاء فهل يمكن الالتزام بأنّ للعاميّ أن يعتمد في مسألة البقاء على تقليد الميّت على‌

39

..........

____________

فتوى الميّت بفتوى الحيّ فيها بجواز البقاء؟ بأن يبقى على تقليد الميّت في خصوص هذه المسألة بحيث صار ما يفتي الميّت حال حياته من جواز البقاء على تقليد الميّت حجّة بعد وفاته أيضاً بفتوى الحيّ، أو أنّ فتاوى الميّت في ساير المسائل معتبرة بفتوى الحيّ بجواز البقاء و لا تعتبر فتوى الميّت في مسألة جواز البقاء حتّى مع حكم الحيّ بجواز البقاء على تقليد الميّت.

الصحيح أن يقال: إن لم تختلف فتوى الحيّ الأعلم مع فتوى الميّت في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت- بأن يكون ما أجازه الحيّ من البقاء كان هو الجائز على فتوى الميّت- فلا يصير قول الميّت في مسألة جواز البقاء مع تقليد العاميّ عن الحيّ الأعلم حجّة معتبرة في تلك المسألة، فإنّ فتوى الأعلم الحيّ بجواز البقاء معناه أنّ الفتاوى من الميّت في المسائل إذا قلّد العاميّ إيّاه فيها حال حياته هي الوظائف الشرعيّة بالإضافة إليه بعد مماته، و مع فرض رجوع العاميّ إلى الحيّ الأعلم في ذلك و صيرورته عالماً بوظائفه الشرعيّة لا معنى لاعتبار فتاوى الميّت علماً في حقّ العامي ثانياً بفتوى نفس الميّت حال حياته بجواز البقاء، لأنّ هذا الاعتبار يصير لغواً محضاً، و كذا الحال فيما إذا اختلفت فتوى الحيّ الأعلم مع فتوى الميّت و كانت فتوى الحيّ أوسع من فتوى الميّت في الجواز، كما إذا كان الميّت يعتبر في جواز البقاء العمل بفتوى الميّت حال حياته، و لكنّ الحيّ الأعلم يجوّز البقاء مطلقاً سواء عمل بفتوى الميت حال حياته أم لم يعمل، فإنّه في هذا الفرض أيضاً يكون العاميّ بالرجوع إلى الحيّ عالماً بالوظائف الشرعيّة في الوقائع التي قلّد فيها المجتهد الميّت، فلا أثر للضيق في فتوى الميّت في مسألة جواز البقاء.

و بتعبير آخر إذا صارت فتاوى الميّت في الوقائع في المسائل التي تعلم حكمها‌

40

..........

____________

من الميت حال حياته حجة في حق العاميّ بفتوى الحيّ فلا يمكن شمول اعتبار فتوى الحيّ بالإضافة إلى فتوى الميّت في مسألة البقاء، حيث إنّه لغو محض.

و أمّا إذا كان الأمر بالعكس، بأن كان الميّت يجوّز البقاء على تقليد الميّت في المسائل التي قلّد فيها في حياة المجتهد، سواء عمل بها في حال حياته أم لا، و لكن الحيّ الموجود فعلًا يجوز له البقاء على تقليد الميّت في خصوص المسائل التي قلّد فيها المجتهد، و عمل بها في حال حياته، ففي هذا الفرض لو عمل العاميّ بفتوى الميّت في مسألة البقاء حال حياته، كما إذا بقي على تقليد مجتهد برهة من الزمان بعد موته اعتماداً على فتوى حيّ أجاز البقاء على تقليد الميّت و لو لم يعمل بفتواه حال حياته، و بعد موت هذا الحيّ إذا رجع إلى الحيّ الذي يعتبر العمل في حال حياة الميّت يبقى على تقليد الثاني- في مسألة البقاء- الذي عمل بفتواه حال حياته في البقاء على تقليد الميّت الأوّل، و بذلك يمكن القول باعتبار فتوى الميّت الثاني بفتوى الحيّ الفعليّ في البقاء على تقليد الميّت الأوّل حتّى في المسائل التي لم يعمل بفتواه فيها زمان حياته، فيكون هذا نظير ما أقمنا الدليل على حجّية خبر العدل في الأحكام الشرعيّة و قام خبر عدل على حجّية خبر مطلق الثقة في الأحكام الشرعيّة، فتكون النتيجة حجّية خبر مطلق الثقة في الأحكام الشرعيّة.

لا يقال: إذا أفتى الحيّ الفعليّ بجواز البقاء على تقليد الميّت في خصوص المسائل التي عمل بها العاميّ حال حياة مجتهده، و منع عن البقاء على تقليده فيما لم يعمل به حال حياته؛ لقيام الدليل عند الحيّ على الاختصاص، فكيف يجوز للعاميّ- الذي عمل بفتوى الميّت في مسألة جواز البقاء حال حياته- البقاء على فتاوى الميّت الأوّل مع عدم عمله بتلك الفتاوى زمان حياة الميّت الأوّل؟ حيث إنّ الحيّ الفعليّ يمنع‌

41

..........

____________

عن مثل هذا البقاء.

فإنّه يقال: العاميّ لم يستند في البقاء على تلك الفتاوى إلى فتوى الحيّ في مسألة جواز البقاء ليتناقض هذا النحو من البقاء مع فتواه، بل يستند في جواز البقاء عليها إلى فتوى الميّت الثاني في مسألة جواز البقاء، و المفروض أنّه عمل بهذه الفتوى في زمان حياته و يستند في البقاء في هذا الجواز إلى فتوى الحيّ الفعلي.

و بتعبير آخر إنّما منع الحيّ في الاستناد في تلك الفتوى بأن يعمل العاميّ بها مستنداً إلى الحيّ الفعليّ و أنّه جوّز هذا الاستناد فيها و لم يمنع عنه، و لكن لم يمنع عن العمل بها مستنداً إلى فتوى الميّت الثاني.

و لا يخفى أنّ المراد بجواز البقاء في كلّ من فتوى الحيّ و الميّت الثاني عدم تعيّن البقاء، و عليه تكون فتاوى الميت الأوّل و فتاوى الحيّ الفعليّ من قبيل الحجّة التخييريّة بالمعنى المتقدّم، بمعنى أنّ للعاميّ اختيار إحداهما في مقام العمل.

و أمّا إذا أفتى الميّت بجواز البقاء على تقليد الميّت، و أفتى الحيّ بوجوب البقاء فهل يمكن أن يعمّ فتوى الحيّ لمسألة جواز البقاء على تقليد الميّت التي أفتى فيها الميّت بالجواز؟ بحيث جاز للعاميّ العدول في غيرها من المسائل إلى الحيّ استناداً إلى فتوى الميّت بجواز العدول و البقاء، أو أنّه لا يمكن أن تعمّ فتوى الحيّ تلك المسألة، بل يختصّ اعتبار فتوى الحيّ لسائر فتاوى الميّت في المسائل.

قد يقال بالاختصاص حيث إنّ شمول اعتبار فتوى الحيّ بوجوب البقاء لنفس مسألة ما أفتاه الميّت في مسألة جواز البقاء يوجب أن يكون فتوى الميّت في ساير المسائل حجّة تعيينيّة و تخييريّة حيث إنّ شمول فتوى الحيّ لما أفتى به في ساير‌

42

..........

____________

المسائل مقتضاه أنّ فتوى الميّت فيها حجّة تعيينيّة، و شمول فتواه لنفس مسألة جواز البقاء الذي هو فتوى الميّت يوجب كونها حجّة تخييريّة، و لا يمكن أن يكون فتوى أيّ مفت في مسألة من المسائل أن تكون حجّة تعيينيّة و تخييريّة.

أقول: إنّما لا يكون قول الميّت حجّة في مسألة البقاء على تقليد الميّت و لا في سائر المسائل إذا كان الاستناد إلى نفس قوله، و إذا أفتى الحيّ بوجوب البقاء على تقليد الميّت، و كان قوله حجّة فيها يكون العاميّ برجوعه إلى هذا الحيّ عالماً بوظائفه في سائر المسائل التي تعلّم حكمها من الميّت حال حياته كما هو مقتضى الحجّة التعيينيّة، و لا يعتبر قول الميّت في مسألة جواز البقاء و إن تعلّمه العاميّ من الميّت حال حياته؛ لأنّ مرجع قول الميّت أنّ العاميّ جاهل بعد موت مجتهده بالوظائف في المسائل ما لم يختر البقاء و الرجوع إلى الحيّ، و المفروض أنّ الحيّ الذي قوله معتبر في البقاء نفى ذلك و أفتى بأنّ العاميّ بعد موت مجتهده عالم بالوظائف و أنّ وظائفه هي التي كانت عليها حال حياة مجتهده.

و بتعبير آخر اختيار البقاء أو الرجوع في المسائل إلى الحيّ و فتوى الميّت في مسألة البقاء موضوعها العاميّ و الجاهل بالوظيفة، و بفتوى الحيّ بوجوب البقاء و اعتباره كما هو المفروض يخرج العاميّ عن الموضوع الذي ذكر الميّت الحكم له، فتكون فتوى الحيّ حاكمة على فتوى الميّت فتدبّر.

و أمّا إذا كان الأمر بالعكس، بأن كانت فتوى الميّت في مسألة البقاء الوجوب و فتوى الحيّ الجواز، حيث لا اعتبار بفتوى الميّت في المسائل و منها مسألة البقاء على التقليد بعد موت المجتهد فيجوز للعاميّ البقاء على فتاوى الميّت أو الرجوع فيها إلى الحيّ.

43

..........

____________

و بتعبير آخر لا يمكن أن تكون فتاوى مجتهد بالإضافة إلى العاميّ حجة تعيينية و تخييريّة و حيث إنّ قول المجتهد الثاني ليس بحجّة يكون المتّبع قول الحيّ.

نعم إذا كان لفتوى الحيّ في الجواز خصوصيّة و لم تكن تلك الخصوصيّة في فتوى الميّت، بأن أجاز الحيّ البقاء في خصوص المسائل التي عمل المكلف بها زمان حياة مجتهده، و فرض أنّ العاميّ قد عمل بفتوى الميّت بوجوب البقاء في حياة المجتهد جاز له البقاء على تقليد المجتهد الثاني في هذه المسألة، و بذلك تكون فتاوى المجتهد الميّت الأول حجّة في حقّه و إن لم يكن عاملًا بها زمان المجتهد الأوّل الذي مات قبل المجتهد الثاني.

و أمّا إذا كان كلّ من الميّت و الحيّ الفعليّ قائلًا بوجوب البقاء على تقليد الميّت فإن لم يكن بينهما اختلاف في الخصوصيّات أصلًا أو كانت الخصوصيّة في فتوى الميّت فقط فلا يعتبر قول الميّت في مسألة البقاء أصلًا لعين الوجه المذكور فيما تقدّم في المسألة في صورة تجويز كلّ منهما البقاء على تقليد الميت، و أمّا إذا كانت الخصوصيّة في فتوى الحيّ فقط، كما إذا أفتى الحيّ بوجوب البقاء في خصوص المسائل التي عمل العاميّ بها زمان حياة المفتي، و كانت فتوى الميّت وجوب البقاء سواء عمل بها زمان حياة مجتهده أم لا، فيمكن أن تصير فتوى الميّت حجّة في مسألة وجوب البقاء على النحو الذي فرضنا في اختلاف الحيّ مع الميّت في فتواهما في خصوصيّة جواز البقاء.

بقي في المقام ما إذا أفتى الحيّ بعدم جواز البقاء على تقليد الميّت بعد موته، و قد أشرنا في أوّل البحث إلى أنّ فتواه بعدم جواز البقاء على تقليد الميت توجب الرجوع في تمام المسائل إليه و لا يعتبر شي‌ء من فتاوى الميّت لا في مسألة البقاء على تقليد‌

44

[عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل]

(مسألة 16) عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل (1) و إن كان مطابقاً للواقع، و أمّا الجاهل القاصر أو المقصّر الذي كان غافلًا حين العمل و حصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحاً، و الأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

____________

الميت، و لا في سائرها؛ لأنّ معنى عدم جواز البقاء أنّ فتاوى الميّت لا يكون شي‌ء منها حجّة في حقّ العاميّ، و المفروض أنّ على العاميّ الرجوع في الوقائع التي يبتلى بها إلى أعلم الأحياء، فإنّ قوله القدر اليقين في الاعتبار بالإضافة إليه، و اللّٰه العالم.

حكم الجاهل القاصر و المقصّر‌

(1) يقع الكلام في المقام تارة في استحقاق الجاهل العقاب على مخالفة الواقع و التكليف الثابت فيه، بل و في استحقاقه العقاب على احتمال مخالفته الواقع و إن لم يخالفه اتّفاقاً، و اخرى في الحكم بصحة أعماله الصادرة عنه حين الجهل فيما إذا صادفت الواقع.

أمّا الكلام في الجهة الاولى فلا ينبغي التأمّل في أنّ الجهل قصور لا يوجب استحقاق العقاب على مخالفة الواقع فضلًا عمّا إذا لم يخالفه و لو اتّفاقاً، و المراد من الجاهل القاصر في المقام من لم يستند في عمله إلى الحجّة الشرعيّة، كالعاميّ إذا لم يستند في عمله إلى الحجة الشرعيّة، و لم يكن متمكّناً من الاحتياط، و أمّا إذا كان مقصّراً بأن لم يستند في عمله إلى الحجة الشرعية من فتوى المجتهد مع تمكّنه منه و ترك الاحتياط أيضاً كذلك فلا كلام في استحقاقه العقاب على مخالفة الواقع إذ لو تعلّم الفتوى أو أخذ بالاحتياط لم يكن يخالف الواقع، بل يمكن الالتزام باستحقاق الجاهل العقاب فيما لو ترك التعلّم و ترك الاحتياط و لكن لم يخالف التكليف الواقعيّ اتفاقاً‌

45

..........

____________

حيث إنّ احتمال مخالفة التكليف الواقعي حين ارتكاب العمل من غير حجّة شرعيّة على جواز الارتكاب لا يقصر عن التجرّي، كمن شرب العصير الزبيبيّ بعد غليانه مع جهله بحليّته، و احتماله الحرمة حين الارتكاب يعدّ من التجرّي و لو كان في الواقع حلالًا.

و أمّا الحكم بصحة أعمال الجاهل فيما إذا أحرز بعد ذلك بطريق معتبر تمام العمل و لو اتّفاقاً، فإن كان العمل المزبور من قبيل المعاملات بالمعنى الأعمّ كالذبيحة التي ذبحها مع الجهل بكيفية الذبح فلا ينبغي التأمّل في ترتيب آثار الصحة عليها؛ لأنّ المفروض تمامها و عدم اعتبار قصد التقرّب فيها حال العمل، و كذا إذا ظهر نقصها و لكن كان نقصها قابلًا للتدارك، كمن غسل ثوبه المتنجس بالبول في الكر مرّة، فإنّه إذا غسله مرّة ثانية يترتّب عليه طهارته و تذكر أنّ الطريق إلى إحراز صحّتها حين العمل بالإضافة إلى العاميّ فتوى المجتهد الذي يتعيّن عليه فعلًا الرجوع إليه، و لا عبرة بفتوى من كان عليه التعلّم منه حال العمل من غير فرق في ذلك بين الجاهل القاصر و المقصّر.

و أمّا إذا كان العمل السابق من العبادات فقد فصّل الماتن (قدس سره) بين الجاهل القاصر و المقصّر فيما إذا انكشف تمام العمل حينه و أنّ ما أتى به الجاهل كان مطابقاً للواقع، فإنّه حكم بالصحة فيما كان قاصراً أو مقصّراً و لكن كان حين العمل غافلًا بحيث حصل منه قصد التقرّب حال العمل، بخلاف ما إذا كان حين العمل ملتفتاً إلى كونه مقصّراً، فإنّه حكم ببطلان عمله و لو مع انكشاف أنّه كان مطابقاً للواقع بعد ذلك، و كان الوجه في الحكم بالبطلان التفاته حين العمل بكونه مقصّراً فلا يحصل معه قصد التقرب.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ التجرّي يكون بتركه الاحتياط، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته في الواقع القصر أو التمام، فإنّ التجري في الفرض يكون بترك صلاة التمام‌

46

..........

____________

لا بالإتيان بالقصر، و إنّما أتى بالقصر لرجاء أن تكون وظيفته في الواقع القصر، و كذا في مورد كون الاحتياط غير مستلزم للتكرار، كما إذا اقتصر في صلاته على قراءة سورة الحمد خاصة مع احتماله وجوب السورة بعد قراءتها، فإنّ تجرّيه يكون بترك الاحتياط أي بعدم إعادة الصلاة بعد تلك الصلاة بقراءة السورة بعد الحمد، لا في الإتيان بالصلاة المأتيّ بها لاحتمال كونها هي الواجب.

و على الجملة الإتيان بالعمل لرجاء كونه الواجب يحقّق قصد التقرّب.

ثمّ إحراز العاميّ بالعلم الوجدانيّ بأن ما أتى به في السابق من الأعمال كانت مطابقة للوظائف الواقعية أمر لا يتحقّق، و يكون إحرازه ذلك بفتوى المجتهد الذي تكون وظيفته الرجوع إليه فعلًا؛ لأنّ رجوعه إلى المجتهد الذي مات بتعلّم فتواه من تقليد الميّت ابتداءً، و لأنّ تدارك الأعمال أو عدم تداركها بالقضاء أو الإعادة من الوقائع الفعليّة التي ابتلى بها، و المعتبر فيها قول المجتهد الحيّ فعلًا.

نعم ربّما يكون استناد العاميّ في أعماله السابقة إلى فتوى المجتهد السابق، بأن كانت تلك الأعمال عن تقليد موجباً لحكم المجتهد الفعليّ بإجزائها على ما تقدّم، و هذا خارج عن مفروض الكلام في المقام.

لا يقال: إذا فرض كون فتوى المجتهد السابق حجّة كان العمل المطابق له مجزياً سواء استند في العمل إلى فتواه في زمان العمل أو لم يستند إليه كما هو شأن سائر الطرق المعتبرة.

فإنه يقال: قد تقدّم أنّ مقتضى أدلّة إمضاء السيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في الوظائف الشرعيّة كون التعلم في حياة من يرجع إليه مجزياً- سواء كان العمل بما‌

47

[المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك]

(مسألة 17) المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة، و أكثر اطّلاعاً لنظائرها و للأخبار، و أجود فهماً للأخبار. و الحاصل أن يكون أجود استنباطاً، و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط (1).

[الأحوط عدم تقليد المفضول]

(مسألة 18) الأحوط عدم تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل (2).

____________

تعلّمه منه حال حياته أو بعد مماته- و في غير ذلك لا سبيل إلى كشف الإمضاء.

و على الجملة ما يعتبر في حقّ العاميّ بالإضافة إلى صحة أعماله السابقة فتوى المجتهد الذي يتعيّن عليه الرجوع إليه فعلًا. نعم رعاية موافقتها لفتوى المجتهد السابق أيضاً أحوط.

وجوب تقليد الأعلم‌

(1) تكلمنا عنه في بحث وجوب تقليد الأعلم بيان المراد من الأعلم فراجع (1).

(2) قد ذكرنا أنّ مقتضى ما ورد في جواز تعلّم الحكم ممن يعلمه و أخذ من يؤخذ منه معالم الدين جواز التعلّم من كلّ من الفاضل و المفضول مع عدم العلم و لو إجمالًا بمخالفتهما في الفتوى، و إذا أحرز العاميّ توافقهما في مسائل مما يبتلى بها يجوز له الاستناد فيها إلى كلّ منهما، فإنّه كما أنّ للمجتهد الاستناد في فتواه إلى كلّ من الخبرين المعتبرين أي للجميع، كذلك الأمر في العاميّ إذا تعلّم منهما الحكم في تلك المسائل.

نعم إذا لم يحرز توافق الفاضل و المفضول و احتمل مخالفتهما في تلك المسائل فيجوز الأخذ و العمل بالفتوى من كلّ منهما كما هو مقتضى السيرة العقلائيّة في‌

____________

(1) دروس في مسائل علم الأُصول 5: 169.

48

[لا يجوز تقليد غير المجتهد و إن كان من أهل العلم]

(مسألة 19) لا يجوز تقليد غير المجتهد و إن كان من أهل العلم، كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد و إن كان من أهل العلم (1).

____________

الرجوع إلى أهل الخبرة على ما بيّنا سابقاً، و كذا إطلاق أدلّة الإمضاء بأمر الإمام (عليه السلام) فيها بالرجوع إلى بعض أصحابه في أخذ معالم الدين، و كذا في الرجوع إلى بعض أصحاب أبيه (1) إلّا أنّه ما لم يحرز الاتفاق لا يجوز الاستناد في عمله إليهما، بل له أن يختار أحدهما في التعلّم و الاستناد في عمله إلى قوله، و هذا ظاهر.

(1) عدم جواز التقليد من غير المجتهد فلأنّ غير المجتهد ليس من أهل الخبرة في الوقائع بالإضافة إلى الوظائف الشرعيّة المقرّرة فيها بالإضافة إلى المكلّفين، و ما ورد في تعلّم الأحكام و الأخذ بمعالم الدين ممن يعلمها هو الرجوع إلى من يعرفها بالطريق المألوف المتعارف في ذلك الزمان من عرفانها بنحو الاجتهاد و الاستظهار من الخطابات المأثورة و أقوال المعصومين (عليهم السلام) و لو كان ذلك الاجتهاد قد تطوّر بمرور الزمان لكثرة الوسائط و المناقشات في المقدّمات اللازمة للاجتهاد الموجبة للحاجة إلى تنقيح تلك المقدّمات، و هذا غير الاعتماد على قول بعض أهل العلم في نقل الفتوى ممن يرجع الناس إليه و يأخذون الفتوى بواسطته، فإنّ الاعتماد المذكور من باب حجّية خبر الثقة و العدل بالفتوى حيث يجب على مثل هذا العالم التقليد عن المجتهد كالعامي.

نعم، ذكرنا فيما سبق أنّ الجاهل بالحكم في واقعة ابتلى بها يجوز له الرجوع إلى العالم بحكمها من طريق المألوف في معرفة الأحكام و إن كان متمكّناً من الوصول إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42 و 45، و 27: 151، الحديث 34 و 35.

49

[يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجدانيّ، و بشهادة عدلين و بالشّياع المفيد للعلم]

(مسألة 20) يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجدانيّ، كما إذا كان المقلِّد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص. و كذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد. و كذا يعرف بالشّياع المفيد للعلم. و كذا الأعلميّة تعرف بالعلم أو البيّنة الغير المعارضة أو الشياع المفيد للعلم (1).

____________

الحكم الشرعيّ بالسؤال من الإمام (عليه السلام) و الأخذ بما استظهره من كلامه، كما هو مقتضى بعض تلك الروايات الواردة في الإرجاع إلى بعض الرواة من الفقهاء مع ظهور أنّ المأمور بالرجوع ممن له أهليّة الاستظهار من كلامه (عليه السلام) و تمكّنه من الوصول إليه فراجع.

كيف يعرف اجتهاد المجتهد؟

(1) لا كلام إذا علم باجتهاد المجتهد أو كونه أعلم، كما إذا كان المقلّد من أهل العلم و الخبرة و احرز وجداناً اجتهاد شخص أو كونه أعلم من غيره، فإنّ اعتبار العلم الوجدانيّ ذاتيّ، بمعنى أنّه لا يحتاج اعتباره إلى جعل شرعيّ و أن يقوم الدليل على أنّ الشارع اعتبره، و إنّما الكلام في اختصاص الاعتبار بالعلم الوجدانيّ كما هو ظاهر المتن، أو أنّه يعمّ الاطمينان و الوثوق، و لا يبعد عدم الاختصاص فإنّ الاطمينان و إن لم يكن كالعلم الوجدانيّ بحيث يكون اعتباره ذاتياً، إلّا أنّ الظاهر أنّ الوثوق و الاطمينان يعتبر عند العقلاء، و لم يردع عنه الشارع لا في إحراز الموضوعات و لا الأحكام.

نعم لم يثبت الاعتماد عليه حتّى عند العقلاء في إثبات الدعاوى على الغير و نحوها من ارتكاب موجب الحدّ من حقوق اللّٰه و حقوق الناس مما قرّر الشارع في ثبوتها طريقاً خاصّاً.

50

..........

____________

و مما ذكرنا يظهر أنّه لو كان لاجتهاد المجتهد أو كونه أعلم شياع بين أهل الخبرة بحيث أوجب ذلك العلم باجتهاده أو كونه أعلم كفى في ثبوتهما، و ذكر الماتن (قدس سره) في ثبوت الاجتهاد أو الأعلمية شهادة عدلين من أهل الخبرة و كأنّ شهادتهما تدخل في البيّنة المعتبرة في الموضوعات، و منها اجتهاد المجتهد أو كونه أعلم.

الاستدلال على اعتبار شهادة العدلين‌

و يستدلّ على اعتبار شهادة العدلين بوجهين:

الأول: ما ورد في القضاء و فصل الخصومة بين المترافعين و التعبير عن شهادتهما بالبيّنة في مثل قوله (عليه السلام): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات» (1) فإنّ ظاهره أنّ المراد بالبينة ما تكون بيّنة مع قطع النظر عن القضاء و إنشاء فصل الخصومة، و قد طبّق عنوان البيّنة على شهادة العدلين إلّا في موارد خاصّة كالبيّنة على الزنا و نحوه، و الشاهد لكون المراد بالبيّنة ما ذكر، و أنّ شهادة العدلين بيّنة للُامور مع قطع النظر عن مقام القضاء، أنّه لو كان المراد أنّ شهادتهما بيّنة في مقام القضاء و بلحاظ فصل الخصومة، لا مع قطع النظر عن ذلك لم يكن لعطف الأيمان على البيّنة في بعض الروايات وجه، حيث إن اليمين أيضاً في خصوص القضاء بيّنة لإثبات مورد الخصومة أو نفيه.

و الثاني: بعض الروايات الوارد فيها اعتبارها في ثبوت كلّ موضوع للحكم الإلزامي و غيره تكليفاً و وضعاً، كرواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «كلّ شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث الأول.

51

..........

____________

باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» (1) فإنّ ظاهرها أنّ كلّ شي‌ء يحتمل حلّيته و حرمته و حكم بحليّته عند الجهل بأيّ جهة فهذه الحلية تنتهي بظهور الخلاف و العلم بحرمته أو تقوم بخلاف الحليّة بيّنة، فتكون الرواية ظاهرة في أنّ البيّنة مثبتة لجميع الموضوعات التي يترتب عليها الحكم الإلزامي وضعاً و تكليفاً و إن اقتضى خلافها قاعدة اليد، كما في مسألة شراء الثوب أو العبد المشترى أو أصالة عدم تحقّق الرضاع و النسب كما في مسألة تزويج المرأة إلى غير ذلك، و عليه يرفع اليد عن أصالة عدم بلوغ أهل العلم مرتبة الاجتهاد أو عدم صيرورة المجتهد أعلم بقيام البيّنة على اجتهاده أو كونه أعلم.

و قد يناقش في الاستدلال بهذه الرواية- مع الإغماض عن سندها، حيث إنّ مسعدة بن صدقة لم يثبت له توثيق- بأنّه لا يمكن الاستدلال بها في المقام؛ لأن البيّنة شهادة كلّ من العدلين على واقعة محسوسة منهما، و الاجتهاد أو كون شخص أعلم من الامور الحدسيّة لا الحسّية، و لذا يعتبر فيهما قول أهل الخبرة.

و قد يجاب (2) عن ذلك بأنّ الأمر الحدسيّ إذا كان له أثر بارز حسّي يدرك بالحسّ كالسماع لكيفية الاستنباط من مدارك الأحكام و كيفية استظهاره الحكم منها و تكرّر هذا السماع مكرّراً يحسب عند العقلاء حسّاً بالواقعة، نظير الشهادة بإيمان شخص واقعاً و اعتقاده بالولاية برؤية آثارها في الوقائع المتعدّدة.

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 89، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) التنقيح في شرح العروة 1: 175.

52

..........

____________

و فيه إذا كان الأمر الحدسي بحيث يكون أثره محسوساً بحيث يعرفه كلّ من أحرز ذلك الأثر بالحسّ كالشهادة بالشجاعة و العدالة يصحّ دعوى أنّ هذه الامور عند العقلاء داخلة في الحسّ، فيكون الإخبار بها برؤية آثارها شهادة عليها بالحسّ، و لكن اجتهاد الشخص أو كونه أعلم ليس من هذا القبيل، فإنّهما و إن يحرزان بالأثر لكن إحرازهما من الأثر أمر حدسيّ يختصّ هذا الإحراز و الحدس بأشخاص مخصوصين، و لا يكون الإخبار بهما شهادة بالواقعة بالحسّ.

و لا يستفاد اعتبار التعدّد في الإخبار عنهما مما ورد في اعتبار التعدّد في الشاهد بالواقعة، كما لا يستفاد ذلك مما ورد في اعتبار البيّنة في القضاء و لا من رواية مسعدة بن صدقة المتقدّمة، بل المعتبر في الامور التي يرجع فيها إلى أهل الخبرة قولهم إلّا مع الاختلاف حيث يكون المتّبع قول من هو أكثر خبرة حتّى فيما إذا كان واحداً، و عليه فلا يعتبر فيمن يرجع إليه في إحراز الاجتهاد أو كونه أعلم التعدّد كما هو مقتضى السيرة العقلائيّة في الرجوع إلى أهل الخبرة.

و ربّما يورد (1) على الاستدلال برواية مسعدة بن صدقة بأن البيّنة معناها اللغوي ما يوضح الشي‌ء و يثبته، و قد استعمل كثيراً حتى في الرواية بهذا المعنى، غاية الأمر قد طبّق عنوانها في موارد فصل الخصومة على شهادة عدلين في أكثر موارد فصلها، و إذا كان في بناء العقلاء و سيرتهم العمل بأخبار الثقات في غير موارد الدعاوى و نحوها و لم يثبت ردع الشارع عنها، بل ورد في بعض الموارد الاعتناء بخبر الثقة مع كونها من الموضوعات يكون خبره أيضاً بيّنة.

____________

(1) التنقيح في شرح العروة 1: 173.