المكاسب والبيع - ج2

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
500 /
2

الجزء الثاني

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة الكلام في شروط المتعاقدين]

[القول في عقد الفضولي]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين‌

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين‌

قوله (قده) بعد اتفاقهم على بطلان إيقاعه (إلخ)

اعلم ان المسلّم من الإنفاق على المنع عن الفضولي انما هو في باب العتق و الطلاق، و اما ما عداهما، فلا يخلو اما ان يكون مما لا يقع فيه البحث عن كون الإجازة فيه كاشفة أو ناقلة، بل تكون الإجازة علة تامة لتحقق المضمون الذي تعلقت به من حين الإجازة، و ذلك كما في إجازة الرجوع الى الطلاق إذا أنشأه غير الزوج فضوليا، حيث ان أجازته بنفسها رجوع و يتحقق بها الرجوع من حينها، أو يكون قابلا لان يقع فيه البحث عن الكشف و النقل، فالأول أيضا مما وقع الاتفاق فيه على بطلانه بالفضولي، بمعنى عدم ترتيب الأثر على الفضولي أصلا، و انما الأثر مترتب على نفس فعل المجيز، و الثاني وقع فيه البحث عن صحة الفضولي فيه. و ان كان المتسالم بين المشهور هو البطلان لكن لم يظهر اتفاق الكل فيه، فدعوى الاتفاق على بطلان الفضولي في الإيقاع على نحو العموم ممنوعة.

قوله قده و كان الذي يقوى في النفس لو لا خروجه عن ظاهر الأصحاب (إلخ)

هل المعتبر في نفوذ العقد الصادر عن الفضولي، هو استناده الى‌

3

المالك مع رضائه به، أم يكفي مجرد رضاه و لو لم يتحقق الاستناد اليه (احتمالان) ظاهر المتسالم عند الأصحاب هو الأول، و مال المصنف قده إلى الأخير لو لا خروجه عن ظاهر الأصحاب، و استدل على ذلك بعمومات أدلة العقود مثل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و آية التجارة، و حديث (لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه) و ما دل على كون سكوت المولى عن نهي العبد عن نكاحه عند العلم به إقرارا به، و حديث عروة البارقي المتضمن للقبض و الإقباض قبل اجازة النبي صلى اللّٰه عليه و آله و سلم و تقريره صلى اللّٰه عليه و آله و سلم إياه، مع انه لو لم يكتف بالرضا الباطني لكان القبض حراما إذ ليس للفضول ان يقبض ما عنده و يقبض بدله، و ذكر أخيرا منع تسالم الأصحاب على اعتبار الاستناد لأنهم يعبرون كثيرا باعتبار الرضا مثل قولهم في مقام الاستدلال على الصحة بأن الشرائط كلها حاصلة إلا الرضا، و مثل قولهم في مقام الاستدلال على عدم كفاية السكوت في الإجازة بأنها أعم من الرضا.

و لا يخفى ما في الكل، أما أولا: فلأن ما يميل إليه في المقام مخالف مع ما استدل به على نفوذ عقد المكره بالإجازة بفحوى صحة عقد الفضولي بها، و ذلك لما عرفت من ان مبنى دعوى الفحوى كان على الالتزام باعتبار الاستناد في العقد حيث يقال (ح) بان عقد الفضول فاقد لجهتين و هما الاستناد و الرضا و عقد المكره فاقد لجهة واحدة و هي الرضا و ما هو فاقد لجهتين لو صح بالتعقب بالإجازة تكون صحة الفاقد لجهة واحدة بها اولى، و هذا الاستدلال مناف مع اختيار عدم اعتبار الاستناد إذ على القول بعدم اعتباره يصير حال العقد الفضولي كعقد المكره من غير أولوية في البين أصلا.

و اما ثانيا: فلما ذكره من منع تسالم الأصحاب و ما نقله من العبائر لا تدل على حصر ما يعتبر في خصوص الرضا بلا اعتبار الاستناد، و ذلك‌

4

لان الرضا يطلق بمعنيين (الأول) طيب النفس (و الثاني) الاختيار و إطلاقه بالمعنى الثاني شائع كثير في استعمالات أهل العرف و اللغة و منه قول العامة في وجه تسمية الرضا (عليه السلام) بالرضا لانه اختاره المأمون لولاية العهد فيمكن ان يكون مرادهم من الرضا في هذه الكلمات هو الاختيار و لا أقل من الاجمال فلا تكون منافيا مع ما يظهر منهم في غير مورد من الاتفاق على اعتبار الاستناد.

و اما ما استدل به من العمومات ففيه انه لا دلالة في شي‌ء منها على عدم اعتبار الاستناد لو لم تكن دالة على اعتباره فهي في الدلالة على اعتبار الاستناد تكون أظهر، أما آية وجوب الوفاء فلأن مقتضى تقابل الجمع بالجمع، اعنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو التوزيع، اعنى وجوب وفاء كل احد بعقد نفسه و لا اشكال ان عقد الأجنبي لا يصير عقد الراضي به ما لم يتحقق الاستناد اليه فبالاستناد يضاف عقد الفضولي إليه ثم يشمله عموم وجوب الوفاء و كذا الكلام في آية التجارة فإن التجارة عبارة عن التكسب و اعتبر فيها الرضا و لا بد من استناد التجارة الصادرة عن الفضولي إلى المالك حتى تصير تجارته فتحل بواسطة الرضا و اما الرضا بتكسب الغير فهو خارج عن مورد الآية كما لا يخفى.

و اما حديث الحل، فلأنه انما يدل على اعتبار طيب النفس و الرضا في العقد و لا ينفي اعتبار ما عداه، إذ ليس في مقام حصر ما يعتبر في العقد بالرضا و يكون حاله كحال لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، حيث انه يدل على اعتبار فاتحة الكتاب في الصلاة لا على عدم اعتبار ما عداها فيها.

و اما ما دل على ان سكوت المولى عند علمه بنكاح عبده إقرار فهو على خلاف مراده (قده) دل حيث انه يدل على ان السكوت منه (ح)

5

إقرار و لا اشكال ان الإقرار- أمر وجودي- تثبيت للأمر الصادر عن العبد فهو اجازة من غير كلام، و انما الكلام في الاكتفاء بمحض الرضا الباطني بلا إبراز له في مرحلة الخارج بإقرار و نحوه، و بالجملة فالسكوت بما هو سكوت ليس موجبا لنفوذ النكاح و لم يجعل (- كك-) في الخبر منشأ لنفوذه بل هو بما هو إقرار يقتضي النفوذ و هذا خارج عن محل البحث و لذا يستدل على ثبوت الفورية في جملة من الخيارات بكون السكوت إقرارا أى سكوت من له الخيار عن الفسخ مع علمه بأن له الخيار يجعل تثبيتا للعقد و دالا على إجرائه على وفقه و هو يقتضي سقوط خياره فدلالة السكوت على سقوط الخيار انما هي لأجل كونه إقرارا و تثبيتا كما سيأتي توضيحه.

و الحاصل ان هذا الدليل لا يدل على صحة الاكتفاء بالرضا و لو لم يكن مع الاستناد لو لم يجعل دليلا على اعتبار الاستناد لمكان التعبير بكون السكوت إقرارا كما لا يخفى، و اما رواية عروة البارقي فسيأتي الكلام فيها مفصلا فالمتحصل مما ذكرناه اعتبار الرضا و الاستناد معا في نفوذ عقد الفضولي و عدم صحة الاكتفاء بالرضا.

و لا فرق فيما ذكرناه بين ما كان متعلق فعل الفضولي ملكا للغير و كانت الحاجة الى إجازة المسبب بالدرجة الثانية، أعني معناه الاسم المصدري أو كان متعلقة مما تعلق به حق الغير و كانت الحاجة الى الإجازة بالنسبة إلى الدرجة الاولى من المسبب، اعنى معناه المصدري كبيع الراهن بلا اذن المرتهن و كنكاح بنت الأخ و الأخت بلا إذن العمة و الخالة و كنكاح الباكرة بلا اذن وليّها لو قيل باعتبار اذنه و كنكاح العبد أو فعله ما يتبع به بعد عتقه بلا اذن مولاه، إذ الجميع مشترك في اعتبار الإجازة زائدا عن الرضا الباطني. و لا يصح الاكتفاء بالرضا الباطني في شي‌ء منها، اما فيما كان‌

6

المحتاج إلى الإجازة هو المعنى الاسم المصدري كبيع مال الغير فضوليا فلما تقدم من ان عقد الفضولي لا بد من ان يستند الى المالك فما لم يستند اليه لا يصير عقده فلا يشمله العمومات الدالة على صحة العقود مثل عموم أَوْفُوا و نحوه.

و اما ما كان المحتاج إلى الإجازة فيه هو المعنى المصدري، فلأنه بعد فرض تعلق حق الغير به و وقوفه على اذنه يتوقف نفوذه على احد أمرين اما إسقاط حق الغير لكي يمضى بصيرورته طلقا عن حق الغير كما إذا أسقط المرتهن حقه عن العين بعد بيع الراهن أو الى تنفيذه لو لم يسقط حقه و الرضا الباطني لا إسقاط و لا تنفيذ فيحتاج الى فعل وجودي منفذ بعد فرض الحاجة الى التنفيذ.

قوله قده ثم انه لو أشكل في غير المالك فلا ينبغي الإشكال في عقد العبد (إلخ)

اعلم انه يحتمل ان يكون المراد من العصيان المذكور في الخبر الوارد في صحة نكاح العبد إذا اجازه المولى معللا بأنه لم يعص اللّٰه سبحانه و انما عصى سيده فإذا أجاز جاز هو العصيان التكليفي أي الحرمة التكليفية، و يحتمل ان يكون بمعنى الوضع اعنى التجاوز عن حق المولى أى فعل ما يتوقف صحته على اذن المولى و كان زمامه بيده، فعلى الأول ترتفع الحرمة التكليفية بمجرد رضا المولى باطنا من غير حاجة الى الإجازة، و على الثاني فيتوقف صحة ما فعله على اذنه أو إجازته.

إذا عرفت ذلك: فاعلم ان مبني ما افاده (قده) من عدم تحقق المعصية التي هي مناط المنع في الاخبار بعد الرضا الباطني و لو لم يأذن المولى. يتم على الاحتمال الأول، و لا يخفي ما فيه. ضرورة فساد هذا الاحتمال لان العصيان لو كان بهذا المعنى لزم صحة نكاحه و لو مع عدم الرضا‌

7

أيضا لكون النهي (ح) راجعا إلى ناحية السبب اعنى مقام التلفظ بصيغة العقد و استعمالها حسبما تقدم و قد مر أيضا ان حرمة السبب لا يوجب فساد المعاملة فالالتزام بالحرمة التكليفية مقتض للالتزام بعدم الفساد كما لا يخفى.

[المسألة الأولى أن يبيع للمالك مع عدم سبق منع للمالك]

قوله قده ثم اعلم ان الفضولي (إلخ)

الفضولي اما يبيع لنفسه و و اما يبيع عن المالك، و على الثاني، فإما يكون مع سبق النهي عن المالك أو لا، فهنا ثلاث صور، و المتيقن من صحة الفضولي هو الأخير أعني ما إذا باع الفضولي عن المالك مع عدم سبق النهي عن المالك، إذ القائلين في هذا الصورة اختلفوا في الصحة في الصورتين الأولتين، و بالجملة فالكلام الآن في هذه الصورة، و قد وقع الخلاف في صحة الفضولي فيها و المشهور على الصحة و هو الحق.

و البحث عن صحة الفضولي فيها في مقامين (الأول) في ان صحته هل هي مطابق مع القاعدة أى ان الأدلة العامة هل تقتضي الصحة أم لا (الثاني) فيما تقتضيه الأدلة الخاصة لو فرض عدم مطابقة صحته مع القواعد، أو مع قطع النظر عن القواعد.

اما المقام الأول: فالحق كون صحة الفضولي مطابقا مع القاعدة، و تقريب ذلك تارة يقع على مسلك المصنف (قده) من الاكتفاء بالرضا الباطني و القول بعدم الحاجة الى الاستناد، و اخرى على ما حققناه من الحاجة الى الاستناد مع الرضا لانه يختلف التقريب حسب اختلاف المسلكين، اما الأول فتقريبه محاذيا لما في الكتاب ان يقال ان مقتضى العمومات مثل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) هو صحة البيع مطلقا سواء كان مع الرضا أم لا، و سواء كان الرضا سابقا أو مقارنا أو لاحقا و لكنها خصصت بما يدل على اعتبار الرضا‌

8

و دليل الدال على اعتبار الرضا اما مطلق أى يدل على كفايته مطلقا. و لو كان لاحقا أو يكون مجملا من هذه الجهة، و على الأول فيدل على كفاية الرضا اللاحق، و على الثاني يكون المتيقن منه هو اعتبار الرضا في الجملة: اما خصوص الرضا السابق و المقارن فلا يدل عليه دليل و إذا شك في اعتباره يكون المرجع هو العام لكون التخصيص بالمخصص المنفصل المجمل هذا هو غاية تقريبه (قده).

و لا يخفى ما فيه اما أولا فلأنه ما لم يتم الاستناد لا يكون شيئا من العمومات دليلا على الصحة لما ذكرناه في مفاد عموم (أَوْفُوا) من ان مقابلة الجمع بالجمع يقتضي التوزيع، فكل احد يجب عليه الوفاء بعقده لا بعقد الصادر عن أخر أجنبي عنه، فالعقد الصادر عن الفضول ما لم يستند الى المالك لا يصير المالك متعلقا لخطاب وجوب الوفاء به سواء قلنا بأن مفاد أَوْفُوا حكم وضعي كما هو الحق أو انه حكم تكليفي ينتزع عنه الحكم الوضعي على ما اختاره المصنف قده على ما سيأتي.

و اما آية الحل فلا شبهة ان المراد من البيع فيها هو معنى الاسم المصدري أعني ما هو نتيجة البيع بالمعنى المصدري، و ما هو عبارة عن المبادلة بين المالين التي هي التجارة بمعنى التكسب، و معلوم انه لم يتحقق من الفضول، و انما الصادر عنه هو البيع بالمعنى المصدري و بالإجازة يصير بيعا و تجارة من المجيز، فمع عدم الاستناد ليس بيع بمعنى الاسم المصدري حتى يتعلق به حكم الحل ببركة عموم أحل اللّٰه البيع و اما ثانيا: فلأن ما افاده من انفصال المخصص عن العام و كون التخصيص بالدليل المنفصل ممنوع، كيف و آية التجارة من العمومات الواردة في مساق بقية العمومات و قد خصص بقيد الرضا بقيد متصل و كون‌

9

التخصيص فيها بالمتصل يستلزم كون ما عداها من سائر العمومات التي لم يذكر فيها ذاك المخصص أيضا كذلك، و ذلك بعد اشتراكها مع عموم تلك الآية المباركة في المفاد و المؤدى و انها بأجمعها مثبتات لمعنى واحد و هو إمضاء المعاملات العرفية المقتضي لصحتها.

و اما ثالثا: فلأن محصل ما افاده قده يرجع الى تأسيس الأصل في كل شرط و ان الأصل فيه هو التأخر ضرورة ان مقتضى ما افاده هو عدم استفادة اعتبار تقارن الرضا مع العقد بل الدليل الدال على اعتباره يدل على أصل اعتباره في الجملة و عند الشك في اعتبار تقارنه يدفع اعتباره بالأصل فيكون شرطا و لو مع التأخر و لا يخفى ان فتح هذا الباب مستلزم لابداء احتمال تأخر كل شرط عن مشروطه و هذا و ان كان ممكنا في نفسه إلا أنه بعيد في الغاية بل طبع اشتراط كل شرط يقتضي اعتبار مقارنته مع المشروط و هو الأصل فيه إلا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بوجوده المتأخر أيضا هذا تمام الكلام في التقريب الأول مع ما فيه.

و اما الثاني: أعني تقريب مطابقة صحة الفضولي مع القواعد محاذيا مع ما هو المختار من اعتبار الاستناد و الرضا فبيانه يتوقف على مقدمة، و هي انه لا اشكال ان باب العقود و الإيقاعات انما هو باب الإيجاد و الإنشاء لكن الإيجادات تنقسم على قسمين: فمنها ما يتعلق بالأمور الخارجية التي موطن وجودها و عالم تحققها هو الخارج، و منها ما يتعلق بالأمور الاعتبارية التي لا وعاء لوجودها إلا عالم الاعتبار و بين القسمين فرق، إذ في الخارجيات يترتب وجودها على إيجادها بلا مهلة و لا يعقل التفكيك بينهما، فإذا تحقق الكسر يتحقق الانكسار أو تحقق التسخين يتحقق التسخن.

و اما في الاعتباريات ففيها مرحلتان مرحلة وجود المنشأ في‌

10

موطن الإنشاء و هذه المرحلة كالخارجيات لا ينفك المنشأ فيها بوجوده الإنشائي عن الإنشاء، و مرحلة تحقق المنشأ في عالم الاعتبار و هذه المرحلة يمكن انفكاكها عن الإنشاء و ذلك فيما إذا توقف تحققه على أمر آخر من اعتباره ممن بيده الاعتبار إذ ليس كل منشئ ممن بيده الاعتبار و على هذا ففي مثل ملكتك السماء أيضا يتحقق المعنى الإنشائي بالإنشاء لكنه لا تحقق له في عالم الاعتبار.

إذا ظهر ذلك فنقول: اما الخارجيات فلا يخلو اما ان تقبل النيابة كالضرب و نحوه أو لا تقبل النيابة، و على كلا التقديرين فشي‌ء منها لا يقبل الفضولي اما ما ليس قابلا للنيابة فواضح إذ كلما تحقق يكون مستندا إلى مباشرة محضا و اما ما يقبل النيابة فإن كان باذن من الغير سابقا على وقوعه يكون مستندا الى الآذن و ان لم يكن مع سبق الاذن فلا يصير بالاذن اللاحق مستندا الى الآذن كما إذا ضرب ضارب و أنت تجيز ضربه بعد العلم بصدوره، و ذلك لأن ضربه هذا له جهتان و هما جهة صدوره عن الفاعل بالمعنى المصدري و جهة صدوره و تحققه في الخارج بمعنى الاسم المصدري و إذا استنابه في ضربه يستند الضرب الى المنوب عنه و إذا أجازه بعد صدوره لا يستند إليه بالإجازة لا معناه المصدري و لا معناه الاسم المصدري أما معناه المصدري، فلاستحالة انقلابه عما وقع عليه، و المفروض انه صادر عن الفاعل. و لا يعقل ان يصير بالإجازة مستندا الى المجيز و اما المعنى الاسم المصدري فلتحققه حين الإيجاد من غير تراخ و توقف في تحققه على أمر مترقب، و الشي‌ء الواقع لا يعقل ان ينقلب عما وقع عليه ففي مثله يستحيل تأثير الإجازة المتأخرة، فلا يتمشى فيه الفضولي بوجه من الوجوه.

و اما الاعتباريات فما لا يقبل منها النيابة أيضا لا يقبل الفضولي‌

11

و القابل منها للنيابة، فبالنسبة إلى المعنى المصدري لا يؤثر الإجازة المتأخرة في استناده الى المجيز كما في المعنى المصدري من الخارجيات و بالنسبة إلى المعنى الاسم المصدري تكون هي قابلة للإجازة بخلاف الخارجيات، و ذلك لإمكان تخلف وقوعه عن وقوع المعنى المصدري لأجل توقفه على أمر مترقب من اعتبار ممن بيده الاعتبار أو اجازة أو نحو ذلك، و على هذا فيصير المعنى للاسم المصدري الواقف لو لا الإجازة متنفذا بالإجازة و تكون الإجازة منفذا له.

و منه يظهر ان الإجازة لا بد من ان تقع على عقد متحقق بحيث تؤثر في نفوذه و ترتيب الأثر عليه لا ان تكون هي بنفسها مما يترتب عليه الأثر كان في البين عقد أم لا، و يترتب على ذلك انه يعتبر في مورد تأثير الإجازة أمران (أحدهما) ان يكون ترتب الأثر على متعلق الإجازة متوقفا على الإجازة، بحيث لولاها لما ترتب عليه الأثر، فلو كان هو بنفسه مما يترتب عليه الأثر كانت في البين اجازة أم لا، لكان خارجا عن مورد الفضولي،، و ذلك كأداء الدين و الزكوات و الأخماس من المتبرع، حيث ان نفس تأديتها يوجب تخلية ذمة المديون منها، بلا توقف منها على اجازة المديون فلا يقع فيه الفضولي و لا يصير بالإجازة مستندا الى المجيز (و ثانيهما) ان تكون الإجازة تنفيذا لفعل الفضولي و لم تكن مما يترتب عليه بنفسه الأثر و لو لم يكن فعل فضولي في البين، و لو كان (- كك-) لكان خارجا عن باب الفضولي، و ذلك كما في مثل الرجوع و جميع العقود الإذنية التي يكفي فيها الاذن، حيث ان الإجازة فيها رجوع أو اذن.

إذا تبين ذلك فنقول إذا كان مصب الإجازة هو المعنى الاسم المصدري لا المعنى المصدري لعدم قابليته لان يلحقه الإجازة يكون مرجع‌

12

الشك في صحة الفضولي إلى الشك في اعتبار صدور المعنى المصدري عمن يعتبر إجازته، فإنه لو كان صدور المعنى المصدري منه معتبرا في صحة العقد لم يكن الفضولي صحيحا، و لو لم يكن معتبرا، لما كان مانعا عن صحة الفضولي.

و حيث رجع الشك الى اعتبار صدور المعنى المصدري عمن له الإجازة زائدا عن اعتبار استناد لمعنى الاسم المصدري اليه يدفع اعتباره بالإطلاقات حيث انه بعد الإجازة يستند العقد أو التجارة و كل ما كان من نظائر ذلك موضوعا لحكم في عام من العمومات مثل (أحل اللّٰه البيع) و نحوه الى المجيز و بعد استناده اليه و كون الشك في الصحة ناشيا عن الشك في اعتبار، حيث صدور المعنى المصدري عن المجيز يدفع اعتباره ببركة الإطلاقات و العمومات و لا يلزم (ح) المحذور الذي أوردناه على مسلك المصنف (قده) من انه مع عدم الاستناد لا دلالة في العمومات، و ظهر الفرق البين بين المسلكين و تبين فساد التمسك بالعمومات على المسلك الأول دون المسلك المختار بما لا مزيد عليه، هذا إذا انتهت النوبة إلى الشك في اعتبار استناد الإنشاء الى من له الإجازة زائدا عن اعتبار استناد المنشأ اليه، و يمكن دفع الشك في اعتباره بالتمسك ببناء العقلاء، بأن يقال ان المعتبر عندهم في أبواب المعاملات هو استناد المعنى المنشأ، و الاسم المصدري الى من بيده الإجازة، و لا يعتبرون استناد المعنى المصدري اليه.

و مما ذكرنا كله يظهر ما في كلام شيخ الفقهاء في كشف الغطاء من تأسيس الضابط لما يصح فيه الفضولي بأن كلما يصح فيه النيابة يصح فيه الفضولي، وجه الضعف هو ما بيناه من عدم جريان الفضولي في كلما يصح فيه النيابة، و ذلك كما في مثل أداء الدين و نحوه، فإنه يصح فيه النيابة‌

13

مع انه لا يصح فيه الفضولي، اللهم إلا ان يقيد الضابط بقيد آخر، و هو قيد ان لا يجرى فيه التبرع فإنه مع زيادته يفيد الكلية فإن ما يصح فيه النيابة لا التبرع يقع فيه الفضولي كليا كما لا يخفى، هذا تمام الكلام في إيضاح كون صحة الفضولي على طبق القاعدة، و قد بقي الكلام في المقام الثاني و هو البحث عما تقتضيه الأدلة الخاصة حسبما يأتي.

[أدلة الصحة]

[في التمسك بخبر عروة البارقي]

قوله قده و ان وجهنا شرائه على وجه يخرج عن الفضولي (إلخ)

و ذلك لان عروة كان وكيلا في شراء الشاة بدينار فكان ما اشتراه من الشاتين بدينار مشمولا للوكالة إذا لوكالة ما تعلقت بخصوص شاة واحد على نحو التقييد بقيد بشرط لا حتى يكون شراء الشاتين خارجا عن تحت الوكالة فيكون مورد الفضولي هو بيعه احد الشاتين اللتين اشتراهما إذ لم يتعلق به الوكالة.

قوله قده و لكن لا يخفى ان الاستدلال بها يتوقف على دخول المعاملة (إلخ)

أورد على الاستدلال بالرواية بأمور (الأول) ان تقريب الاستدلال بها يتم مع ظهورها في توكيل عروة في خصوص شراء الشاة بحيث ينصدم به احتمال كونه وكيلا مفوضا. و اما مع احتمال الوكالة المفوضة فلا يتم الاستدلال: و ذلك لقيام احتمال كونه وكيلا في بيع الشاة و اقباض المثمن و قبض الثمن و مع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال لو لم يدفع بدافع هذا مضافا الى إمكان دعوى ظهور الرواية في الوكالة المفوضة إلا انه لا يحتاج الى دعواه مع انهدام أساس الاستدلال بصرف الاحتمال، و لا دافع لهذا الإشكال إلا دعوى ظهور الرواية في توكل عروة في خصوص الشراء و هي لبست بكل البعيد.

الأمر الثاني: ما أشار إليه المصنف (قده) بقوله لا يخفى ان الاستدلال‌

14

بها يتوقف على دخول المعاملة (إلخ) و هو يتم بناء على ما اختاره من عدم الحاجة إلى الاستناد و الالتزام بكفاية رضاء المالك بوقوع المعاملة على ماله في وقوعها و لو لم تكن مستندة اليه، و على ذلك يورد على الاستدلال بالرواية بدعوى ظهور علم عروة برضاء النبي صلى اللّٰه عليه و آله و سلم بما فعله من بيع احدى الشاتين و قد تأيده بقبض الثمن و إقباض الشاة، مع انه لو كان فضوليا لكان القبض و الإقباض حراما، و لم يكن محل لتقرير النبي صلى اللّٰه عليه و آله و سلم إياه فيما فعله فمن تقريره صلى اللّٰه عليه و آله و سلم يستكشف جواز ما فعله من القبض و الإقباض و جوازهما منوط بعلم عروة برضاء النبي بما فعله، و إلا لكان حراما و مع العلم برضاه يخرج عن كونه فضوليا بناء على عدم الحاجة الى الاستناد هذا محصل مراده و فيه ما لا يخفى.

أما أولا فلفساد المبنى و قد تقدم بما لا مزيد عليه، و اما ثانيا، فلما فيما ذكره من التأييد بالقبض و الإقباض و ذلك لانه بناء على المختار من اعتبار الاستناد في صحة العقد تقول الذي يحتاج الى الاستناد انما هو العقد. و اما القبض و الإقباض فيكفي في جوازهما العلم بالرضا، فصدور القبض و الإقباض من عروة انما هو لأجل علمه برضاء النبي صلى اللّٰه عليه و آله و سلم و هو كاف في جواز وقوعهما منه و خروج فعله عن كونه محرما لكن لا يخرج بذلك فعله البيعي عن كونه فضوليا لأجل فقد الاستناد و لو كان الرضا متحققا.

و بالجملة فدلالة هذا الفقرة من الرواية على صحة الفضولي غير قابل للإنكار و انه لا ينافيه وقوع القبض و الإقباض الغير الجائز وقوعهما عن الفضول، و ذلك لإمكان علم عروة برضاء النبي صلى اللّٰه عليه و آله و سلم بوقوعهما.

الأمر الثالث: ظهور الرواية في كون بيع عروة لإحدى الشاتين معاطاتيا و قد تقدم في باب المعاطاة كفاية وصول كل من العوضين عن صاحبه الى‌

15

الآخر بأي طريق كان و انما العبرة في صحة المعاملة المعاطاتية، هو العلم بالرضا فيخرج عن الفضولي (ح) و الى هذا الوجه يشير‌

بقوله قده:

خصوصا بملاحظة ان الظاهر وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة (إلخ)

و لا يخفى ما فيه اما أولا فلمنع ظهور الرواية في كون بيع الصادر عن عروة معاطاتيا خصوصا مع ملاحظة كونه من أهل اللسان و كون التكلم بالصيغة مثل بعتك و قبلت قليل المؤنة لديه من غير حاجة الى حضور عند من يجري الصيغة له كما لا يخفى.

و اما ثانيا: فلما تقدم في باب المعاطاة من احتياج المعاطاة إلى إنشاء فعلى و لا يكفيه فيها صرف وصول كل من العوضين عن صاحبه الى الآخر مع رضائه به، و قد قلنا ان مثل تلك المعاملة لا تفيد الملكية بل هي مفيدة للإباحة، و انما ذكره القائل بالإباحة و لو كان ممنوعا في مطلق المعاطاة.

و لكنه مقبول في المحقرات التي جرت السيرة بالاكتفاء فيها على مجرد وصول كل من العوضين الى الآخر و لو كان بواسطة حيوان و لا شبهة في تحقق الإنشاء الفعلي في قضية عروة حيث انه وقع القبض و الإقباض فيدخل في باب الفضولي من غير اشكال.

قوله قده و جميع ما ذكر فيها من الموهنات موهونة (إلخ)

و هذه الموهنات، مثل ما يورد على حكمه (عليه السلام) بأخذ الوليدة قبل السؤال عن الابن البائع من انه هل باع بلا اذن من أبيه أو انه يدعى الوكالة عنه، و مثل حكمه (عليه السلام) بأخذ الوليدة قبل السؤال عن السيد عن انه هل يريد الإجازة أم لا، و نحو ذلك من الموهنات، و وجه و هنا هوان مولانا أبا جعفر (عليه السلام) ليس عند نقله هذه القضية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في مقام نقل ما وقع منه (عليه السلام) في مجلس قضائه بل هو في مقام نقل نتيجة قضائه و حاصل‌

16

حكمه الذي به طوى مجلس القضاء بلا غرض في نقل ما وقع من المتخاصمين من القيل و القال و البحث و الجدال فهذه الوجوه طرا واهية، و عمدة ما يرد على الرواية من الموهنات ثلاثة وجوه:

الأول حكمه (عليه السلام) بأخذ ابن الوليدة مع انه حر ولد عن الوطء بالشبهة و ذلك لجهل المشتري ببطلان البيع كما يظهر من مناشدته مع أمير المؤمنين (عليه السلام) و تعليمه (عليه السلام) إياه بأخذ الابن البائع و لا يخفى ان الولد نشأ عن الوطء بالشبهة حتى في صورة الإجازة أيضا و لو على القول بالكشف الحكمي لان مقتضى الكشف الحكمي لا يكون ترتيب جميع ما يترتب على وقوع البيع من حينه حتى لوازمه و ملزوماته حسبما يأتي شرحه، نعم يصح ترتيب جميع الآثار بناء على الكشف الحقيقي لكنه لا نقول به و لا يمكن ان يقال به أيضا كما سيأتي شرحه.

الثاني حكمه بحبس الابن البائع للوليدة حتى يأخذ ابنه عن السيد مع ان البائع حر لا يجوز حبسه في مقام أخذ ابنه المتولد عن الوليدة.

الثالث حكمه بنفوذ اجازة السيد لبيع أمته بعد رده الكاشف عنه مطالبته في مجلس القضاء و أخذه إياها مع ابنها بعد الحكم بأن له الأخذ إذ نفس المطالبة تدل على الرد بالالتزام، حيث انه لو أجاز البيع لما احتاج الى الترافع كما ان الأخذ رد فعلى مثل الرجوع في العدة بالفعل أو الفسخ الفعلي مع ان الإجازة لا تكون مؤثرة بعد الرد بالإجماع و القول بمنع الإجماع و جعل الرواية دليلا علي صحة الإجازة حتى بعد الرد كما في حاشية العلامة الطباطبائي (قده) كما ترى و هذه عمدة الإشكالات الواردة على الرواية و لكنها كلها مندفعة.

أمّا الأول فلإمكان حمل أخذ ولد الوليدة مع كونه حرا على حبسه لأخذ‌

17

قيمته يوم ولد حرا لكونه نماء لملك سيد الوليدة و حيث وقع حرا من وطى المشتري يكون غرامته عليه و يجب عليه تأدية قيمته فلسيد الوليدة حبس ولدها الحر لكي يؤخذ بقيمته، و اما الثاني فبحمل حبس بايع الوليدة لأجل استرداد الثمن الذي قبضه عن المشتري و الغرامات التي ورد على المشتري من ناحية شراء الوليدة فإن له الرجوع بها على البائع إذا كان جاهلا بكون البائع فضولا.

و اما الثالث فبأنه ليس في الرواية ما يدل على صدور الرد من المالك لا قولا و لا فعلا و دفع الأمر إلى الحاكم و مطالبة الوليدة عن المشتري لا يكون ردا فعليا بل كل واحد منهما أعم من الرد، و انما المطالبة و الأخذ منه جرى على طبق الملك السابق و الجري على طبقه أعم من الرد، نعم هما يدلان على عدم الإجازة الذي هو أمر عدمي لا على الرد الذي هو أمر وجودي و الذي لا ينفع بعده الإجازة هو الرد الذي يكون وجوديا، و اما عدم الإجازة فلا يضر بالإجازة اللاحقة أصلا فليس حال الإجازة و الفسخ في باب الفضولي كحال الإجازة و الفسخ في باب الخيارات فيما ثبت فيه فورية الخيار، حيث ان نفس ترك الأخذ بالفسخ اجازة للمعاملة و يسقط به حقه دون المقام، و الفرق بينهما ان الخيار حق ثابت لذي الخيار إرفاقا له و يكون ترك الأخذ به موجبا لتفويت حقه بسبب تصرف من عليه الخيار في العين حيث انها ملكه قبل الفسخ،، و هذا بخلاف باب الفضولي فإن المالك قبل الإجازة و الرد لا يحصل تفويت في حقه أصلا و انما الإجازة منه بمنزلة احداث معاملة جديدة، فكما انه ليس عليه ان يبيع ماله فورا بل له الخيار في البيع و تركه، (- كك-) ليس عليه فورية إجازة البيع الواقع على ماله فضولا، بل له ان يجيز، و له ان يترك الإجازة إلى زمان آخر.

18

و الحاصل ان الرواية لا تدل على صدور الرد و إنشائه منه لا قولا و لا فعلا حتى تكون الإجازة منه اجازة بعد الرد، و كانت غير مؤثرة بالإجماع، هذا مضافا الى انه لو سلم كون المخاصمة و مطالبة الوليدة ردا قوليا، و أخذها من المشتري ردا فعليا، لم يكن اشتمال الرواية على كون الإجازة بعد الرد مضرا بالاستدلال بها على صحة الفضولي بالإجازة.

و توضيح ذلك ان استفادة عموم الحكم عن دليل وارد في مورد لا يخلو عن أنحاء (الأول) ان يكون المورد متحد النوع مع بقية أفراد نوعه فيسري الحكم عنه إلى بقية أفراد نوعه لاشتراكها معه في اندراجها تحت نوع واحد مثل ما ورد من قولهم رجل فعل كذا فله كذا حيث ان المحكوم عليه و ان كان فردا واحدا إلا انه يحكم بشمول حكمه الى كل فرد من افراد الرجل المشترك معه في النوع (الثاني) ان تكون القضية بلفظها متكفلة لإثبات العموم لاشتمالها على أدواته أو كونها مطلقة دالة على العموم بإجراء مقدمات الحكمة فيها (الثالث) ان يكون مجموع القضية من صدرها و ذيلها دالة على العموم بدلالة سياقية.

فإن كان استفادة العموم من الرواية في المقام بالوجه الأول يرد عليه عدم اتحاد المورد مع بقية الافراد في الحكم لقيام الإجماع على عدم تأثير الإجازة بعد الرد فيكون حكم الإجازة في مورد الرواية مخالفا مع حكمها في سائر الموارد، و ان كان بالوجه الثاني يرد عليه بلزوم تخصيص المورد المستهجن القبيح، حيث لا يجوز إلقاء حكم عام لأجل الانطباق على مورد يكون خارجا عن تحته بالتخصيص، و ان كان بالوجه الثالث فيمكن استفادة العموم بما سنحققه، لكن المورد ليس من قبيل الأول، و ذلك لعدم اتحاد المورد مع بقية أفراد نوعه، و لا من قبيل الثاني لعدم ما يدل على العموم،

19

فتعين ان يكون من قبيل الثالث.

و تقريبه ان قول الامام (عليه السلام) في مقام تعليم المشتري، خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك، و قول الباقر (عليه السلام) فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه كلاهما يدلان على مفروغية قابلية بيع الفضولي لأن ينفذ بالإجازة فكل واحدة من لفظة ينفذ البيع، و أجاز بيع ابنه ظاهرة في تعلق الإنفاذ و الإجازة بما فعله الابن و صدر عنه، فهنا ظهوران ظهور النفوذ و الإجازة في كونهما متعلقين بالبيع الفضولي، و ظهور مطالبة المالك، و أخذ الوليدة في كون الإجازة بعد الرد بناء على ظهورهما في الرد قولا و فعلا فح يجب ان يلاحظ الأظهر منهما فان كان في البين أظهرية يؤخذ بما هو الأظهر و يجعل قرينة على صرف الظهور الآخر، و إلا يصير الخبر مجملا يسقط عن قابلية الاستدلال به، لكن الكلمتين في كون الإجازة متعلقة بالبيع الفضولي أظهر بل هما نصان في ذلك، و مطالبة المالك بالوليدة و أخذها من المشتري لهما ظهور في كون الإجازة بعد الرد و قابلان للصرف بقرينة أظهر فيجعل ظهور كلمة النفوذ و الإجازة قرينة على صرف هذين عن ظهورهما في الرد و يحملان على كراهة المالك للبيع بلا إنشاء رد منه حتى لا يكون بعده قابلا للإجازة و الحاصل ان دلالة هذا الخبر على قابلية البيع الفضولي للإجازة غير قابل للإنكار كما لا يخفى.

[و ربما يستدل أيضا بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي في الحر و العبد]

قوله قده و ربما يستدل أيضا بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي في الحر و العبد (إلخ)

المقصود من النص الوارد في صحة نكاح الفضولي في العبد هو النص الوارد في صحة نكاحه الواقع بغير اذن مولاه معللا بأنه لم يعص اللّٰه تعالى و انما عصى سيده فإذا أجاز جاز، و من النص الوارد في‌

20

صحة الفضولي في نكاح الحر هو النصوص الواردة في موارد مخصوصة، كنكاح الأب لابنه، و نكاح الام لابنه، و نكاح الوصي، فالكلام هاهنا في مقامين الأول في الاستدلال بالطائفة الاولى اعنى ما دل على صحة نكاح العبد عند تعقبه بإجازة الولي على صحة الفضولي في غير النكاح أيضا، و تقريب الاستدلال بوجهين (الأول) طريق الفحوى و الأولوية و توضيحه يتوقف على بيان أمرين (الأول) ان القياس المنصوص العلة عبارة عما إذا لم يكن في الحكم المذكور في الكلام ما يوجب اختصاصه بالموضوع المذكور فيه و لا في علة الحكم المذكورة في الكلام ما يوجب احتمال دخل إضافتها إلى خصوص المورد المعلل (في كونها علة) نظير ما إذا ورد مثلا الخمر حرام لأنه مسكر حيث انه ليس في الحكم أعني الحرمة ما يوجب اختصاصه بالخمر بل كلمة حرام في هذه القضية يحمل على كلا حرام في العالم في قضايا آخر كحمله على الخمر في تلك القضية و لا في العلة اضافة: الي الموضوع بحيث يصير منشأ لاحتمال اختصاص إسكار الخمر في كونه علة للحرمة ففي مثل هذه القضية تكون العلة المذكورة من قبيل المنصوص العلة الموجب لتعدي الحكم عن تلك القضية الى كل ما يحقق فيه العلة فيقال مثلا النبيذ مسكر بالوجدان و كل مسكر حرام فالنبيذ حرام فتكون النتيجة قضية مركبة من موضوع أخذ من صغرى القياس اعنى قولنا النبيذ مسكر و محمول أخذ من كبراه اعنى قولنا و كل مسكر حرام هذا:

و اما مع إضافة العلة إلى الموضوع كما إذا كان في المثال المذكور (الخمر حرام لاسكارها) بدل قوله لأنها مسكر فلا يخلو اما ان يستفاد إلغاء خصوصية إسكار الخمر في كونه علة للحرمة بل الإسكار بما هو إسكار‌

21

و لو مع عدم إضافته إلى الخمر يكون علة للحرمة فيدخل في المنصوص العلة كالقسم الأول و اما ان لا يستفاد من الخارج إلغاء خصوصية إسكار الخمر في دخله في العلة فيخرج عن باب منصوص العلة و لا يمكن اسراء الحكم بهذه العلة المحتمل اختصاصها بالمورد عن موردها الى غيره من الموارد.

الأمر الثاني قوله (ع) انه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيده علة لصحة نكاح العبد بالإجازة و قد أضيفت العلة فيه الى المورد و هو قوله عصى سيده فعصيان السيد صار علة للحكم و فيه احتمالان (الأول) ان يكون المراد بالعصيان مخالفة الحكم التكليفي أعني ارتكاب مخالفة المولى و فعل ما يعد معصية له (الثاني) ان يكون المراد منه هو الحكم الوضعي أعني التصرف في حق المولى بنكاحه لكون نكاحه حقا للمولى حيث ان له ان يختار بعده ما يشاء فعلى المعنى الأول يختص العلة بالمورد إذ ليس في التصرف في حق غير المولى من موارد الفضولي عصيان تكليفي بالنسبة الى صاحب الحق لعدم مولوية في البين يصدق معها العصيان بل يختص العصيان بالنسبة الى مخالفة العبد مع مولاه. فلا يمكن تعميم الحكم عن مورد العبد إلى سائر الموارد بواسطة عموم العلة بل لو كان في البين فحوى يتمسك بها و إلا فلا يصير هذا الخبر دليلا على العموم أصلا،، و على الثاني يتم التمسك بالعلة المنصوصة بلا احتياج الى التمسك بالفحوى، و ذلك لان العصيان إذا صار بمعنى الوضع و أريد منه التصرف في حق السيد يصير المعنى هكذا العبد لم يعص اللّٰه تعالى حتى يتغير عما وقع عليه بل انما تصرف في سلطان السيد، و كلما كان تصرف في سلطان السيد ينفذ إذا أجاز لكونه ذا حق رضي به و بعد إسقاط خصوصية السيادة، و جعل الملاك رضا صاحب‌

22

الحق يتحصل المعنى من انه عصى آدميا و إذا أجاز الآدمي جاز، فيدل على صحة كل فضولي سواء كان نكاح العبد أو غيره.

إذا عرفت ذلك، فنقول تمامية التمسك بالفحوى متوقف على كون العصيان هو بمعنى التكليف لا الوضع، و لكن الظاهر منه هو الوضع لا التكليف و ذلك لإمكان ان لا يكون من السيد نهى كما إذا لم يكن مطلعا على ارادة العبد للنكاح مع ان نهي المولى عنه و عصيانه له لا ينفك عن عصيان اللّٰه سبحانه لوجوب اطاعته لسيده شرعا، و على ذلك فالخبر المذكور يدل على صحة الفضولي في غير مورد نكاح العبد بلا حاجة الى التمسك بالفحوى: و من ذلك ظهر تقريب الثاني في الاستدلال بالخبر اعنى التمسك به من غير طريق الفحوى.

فان قلت: الاستدلال بما ورد من صحة الفضولي في نكاح العبد على صحته في غير مورد نكاحه فاسد لثبوت الفرق بين نكاح العبد و بين غيره، حيث ان في نكاح العبد كان التصرف في حق المولى بإيجاد النكاح بالمعنى المصدري نظير توكل العبد عن غيره أو فعله ما يتبع به بعد عتقه و فيما عدا تصرف العبد يكون التصرف في حق الغير بمعنى الاسم المصدري و صحة التصرف بالإجازة في المعنى المصدري لا يقتضي صحته بها في المعنى الاسم المصدري.

قلت: نكاح العبد مما يتوقف صحته على الإجازة بمعنى الاسم المصدري لما عرفت من ان نكاح العبد حق للمولى و له ان يختار له ما يشأ و ليس وزانه وزان توكل العبد عن الغير أو فعله ما يتبع به بعد العتق مما لا يكون معنى الاسم المصدري متعلق حق المولى، و انما كان التصرف في حقه في المعنى المصدري محضا بل وزان نكاحه وزان التصرف فيما بيده‌

23

من الأموال التي ملك للمولى، بناء على امتناع ملك العبد، أو متعلق حقه بناء على صحة تملك العبد، بل الحكم في جميع ما كان تصرفا في حق الغير يكون (- كك-)، كبيع عين المرهونة بلا اذن المرتهن، و بيع المحجور عليه ماله بلا اذن الديان بعد الحكم عليه بالحجر، و بيع الورثة ما انتقل إليهم بالإرث بلا اجازة الديان في صورة استيعاب الدين، فان البيع في جميع هذه الفروض فضولي يحتاج المعنى الاسم المصدري منه الى الإجازة، و المثال المحقق لما يكون المعنى المصدري متوقفا على الإجازة هو تصرفات العبد بالتوكل عن الغير و ما يتبع به بعد العتق، و عقد بنت الأخ و الأخت على العمة و الخالة.

و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه صحة التمسك بما ورد في نكاح العبد على صحة الفضولي مطلقا و لو في غير نكاحه بطريق قياس المنصوص العلة و ظهر وجه التمسك بطريق الفحوى مع ما فيه أيضا بما لا مزيد عليه هذا تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني في الاستدلال بالطائفة الثانية أعني ما دل على صحة الفضولي في نكاح الحر، و تقريب الاستدلال بها انما يتم بالتمسك بالفحوى فإن صحة الفضولي في النكاح مع الاهتمام بشأنه و لزوم رعاية الاحتياط فيه لكونه باب الفروج تقتضي صحته في غيره من بقية أبواب العقود بطريق اولى، و لا مناقشة في هذا الاستدلال، إلا ما ذكر في الكتاب من دعوى وهنه بالنص الوارد في الرد على العامة القائلين بالفرق بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل و بين بيعه بقولهم بالصحة في الثاني و البطلان في الأول حيث يقول الامام (عليه السلام) في ردّهم سبحان اللّٰه ما أجور هذا الحكم و أفسده فإن النكاح اولى و أجدر أن يحتاط فيه لانه الفرج و منه الولد،،

24

فإنه يدل على انه لو كان الفضولي صحيحا في البيع لكان صحيحا في النكاح بطريق اولى، فقد جعل (عليه السلام) البيع أصلا و النكاح فرعا فصحة البيع تقتضي أولوية صحة النكاح، و على هذا فلا يتم أولوية صحة البيع عن صحة النكاح فلا يصح التمسك بالفحوى، و لكنه مندفع، و توضيح اندفاعه يحتاج الى بيان أمور:

الأمر الأول الوكالة اما اذنية و اما عقدية، و المراد بالأول هو ما إذا كان عمل الوكيل برضاء الموكل بلا تفويض من الموكل اليه بل كان محض رضاه به و المراد بالثاني هو تفويض الموكل فعله الذي وكل الوكيل فيه الى الموكل و صيرورة الوكيل بالتفويض بمنزلة الموكل نفسه، ففي الأول لا بد في صحة فعل الوكيل من مقارنته مع رضاء الموكل واقعا فلو رجع الموكل عن الاذن و فعل الوكيل مع جهله برجوع الموكل يقع باطلا لانتفاء رضاه الذي هو كان شرطا في صحة عمل الوكيل، و في الثاني لا يبطل فعل الوكيل بمجرد عزل الموكل إياه ما لم يبلغ العزل الى الوكيل لان تفويض الأمر المفوض اليه لا يرتفع عنه بمجرد العزل الواقعي بل سلب التفويض عنه يتوقف على نزعه عنه الموقوف الى بلوغ العزل اليه، بل قبل البلوغ هو وكيل واقعا اى ما سلب عنه التفويض الحاصل بالتوكيل واقعا و لو أنشأ عزله ألف مرة،، و هذا هو الفارق بين الوكالة الإذنية و بين الوكالة العقدية.

الأمر الثاني ان في فعل الوكيل بعد العزل مع جهله به جهتان جهة توسعة للموكل، و جهة تضييق عليه، اما جهة توسعته فلنفوذ فعل الوكيل عنه و عدم انفساخ وكالته بمجرد العزل بحيث يحتاج في اسناد فعل الوكيل الى نفسه إلى إنشاء وكالة مستانفة بل فعل الوكيل بلا توكيل جديد، يستند اليه و يقع عنه و هذا سعة للموكل و اما جهة تضييقه فلنفوذ فعل الوكيل على‌

25

الموكل رضي به أم لا و هذا ظاهر، فالحكم بصحة ما يفعله الوكيل بعد العزل الجاهل به يمكن ان يكون من الجهة الاولى و كان جعله للإرفاق على الموكل و التوسعة له، و يمكن ان يكون من الجهة الثانية و للتضييق على الموكل، و لا بد في تشخيص ذلك من بيان الامام (عليه السلام) لعدم كونه امرا جليا يمكن استنباطه للمكلفين بل يختص بيانه بوظيفة الشارع.

الأمر الثالث إذا كان شيئان أحدهما أهم من الآخر كالنكاح و البيع مثلا فإذا ثبت في الأهم منهما توسعة تكون ثابتة في المهم منهما بطريق اولى و إذا ثبت في المهم منهما تضييق يكون ثبوته في الأهم بطريق اولى، فالفحوى و الأولوية يتعاكس فيهما بالنسبة إلى التوسعة و الضيق فالضيق الثابت في المهم ثبوته في الأهم يكون اولى و التوسعة بالعكس.

إذا تبين هذه الأمور نقول عدم انفساخ الوكالة بمجرد العزل قبل علم الوكيل به يكون ضيقا على الموكل بمقتضى نفوذ فعل الوكيل عليه و الامام (عليه السلام) يريد ان يرد على العامة بأن هذا الحكم الذي هو ضيق على الموكل إذا كان ثابتا في البيع الذي هو مهم بالنسبة إلى النكاح، و أنتم تقولون بثبوته و تحكمون بصحة بيع الوكيل بعد العزل واقعا بكون ثبوته في النكاح الذي هو أهم من البيع بطريق اولى فلم لا تقولون به في النكاح، و لا يخفى ان هذا المعنى غير مناف مع التمسك بفحوى صحة الفضولي في البيع إذا كان صحيحا في النكاح، و ذلك لان صحته في النكاح توسعة و إذا ثبت التوسعة في النكاح الأهم تكون ثبوتها في البيع بطريق اولى.

و بالجملة أولوية بقاء الوكالة بعد العزل إذا لم يعلم به الوكيل في النكاح أجنبي عن أولوية صحة الفضولي في البيع عن صحته في النكاح و هذا‌

26

الذي استفيد معنى حسن لا ربط له بباب الفضولي حتى يصير موهنا للاستدلال بالفحوى في إثبات صحة الفضولي في البيع.

و مما ذكرناه ظهر انه لا يحتاج الى ما افاده المصنف (قده) في وجه أولوية الاحتياط في النكاح، و محصله ان التزويج الصادر عن الوكيل قبل علمه بعزله ان بنينا على بطلانه و حكمنا بعدم تحقق الازدواج و ان المرأة خلية عن الزوج، فلو تزوجت بالغير و كان النكاح في الواقع صحيحا لزم الزنا بذات البعل. و لو بنينا على صحته و كان في الواقع باطلا لزم الزنا بغير ذات البعل، فالأمر يدور بين الحكم بالبطلان المحتمل معه وقوع الزنا بذات البعل، أو الحكم بصحته المحتمل معه الزنا بالخلية عن البعل، يكون الحكم الثاني أقرب الى الاحتياط هذا محصل ما افاده قده.

و لا يخفى ان ما افاده و ان كان حسنا في نفسه لكنه لا يرتبط بالخبر، إذ ليس الغرض من الرواية الحكم بلزوم الاحتياط في النكاح عند الشك في بطلان الوكالة بالعزل قبل علم الوكيل به (و بعبارة أخرى) ليس الغرض منه بيان الحكم الظاهري عند الشك في صحة النكاح واقعا بل المقصود منه بيان صحة النكاح و عدم عزل الوكيل بمجرد العزل قبل العلم به واقعا، غاية الأمر يكون بيانه ببيان أولوية صحته عن صحة البيع، حيث ان الحكم بالصحة حكم تضييقى و هو في الأهم أولى كما بيناه. فتحصل انه لا غبار في التمسك بالأخبار الدالة على صحة الفضولي في النكاح و إثبات صحته في البيع بالفحوى و طريق اولى.

[ثم انه ربما يؤيد صحة الفضولي بل يستدل عليها بروايات كثيرة وردت في مقامات خاصة]

قوله قده ثم انه ربما يؤيد صحة الفضولي بل يستدل عليها بروايات كثيرة وردت في مقامات خاصة مثل موثقة جميل (إلخ)

تقريب دلالة ما ورد في باب المضاربة على صحة الفضولي بعد الإجازة، ان‌

27

يقال وردت أخبار كثيرة على انه لو تعدى العامل في المضاربة عما اشترط عليه من اشتراط شي‌ء خاص أو التجارة في مكان مخصوص، فاشترى ما نهى عن اشترائه أو اتجر في غير مكان الذي أمر بالتجارة فيه يكون ضامنا و عليه الخسارة و الربح بينهما على ما شرطاه، و لا يخفى ان كون الربح بينهما يتوقف على صحة معاملة العامل مع انها لم تكن مأذونا فيه فلا بد من ان نلتزم بتعقبها بما يصححها بعد ظهور الربح من الرضا بها بناء على مختار المصنف من كفاية الرضا و لو لم يكن استناد في البين، أو الإجازة اللاحقة بناء على المختار من عدم الاكتفاء بصرف الرضا و اعتبار الاستناد فيصير الخبر بهذه العناية دليلا على صحة الفضولي بالإجازة هذا:

و لكن الانصاف عدم دلالة تلك الطائفة من الاخبار على صحة الفضولي بوجه من الوجوه، و توضيحه ان تلك الاخبار على طائفتين (إحداهما) ما تدل على ضمان العامل عند التعدي بإتيان نفس ما نهاه المالك عن ايتانه (الثانية) ما تدل على ضمانه عند التعدي بالاتجار في غير ما عينه المالك لان يتجر فيه ثم مقتضى عموم أدلة المضاربة هو عدم ضمان العامل للخسارة و ان الربح بينهما على ما شرطاه اما عدم ضمانه للخسارة و كون الخسارة على المالك فلمقتضى أمانته و ليس على الأمين ضمان، و اما كون الربح بينهما على ما شرطاه فبمقتضى دليل المضاربة، و مع التعدي يخرج عن الامانة فتكون الخسارة عليه، و هذا مطابق مع القاعدة لكن لما لم يكن ما صدر عنه عن وكالة من المالك بل كان مخالفا مع ما اذن به كان اللازم بطلان معاملته و مقتضى بطلانه كون عين مال المالك الذي اشتراه المشتري عن العامل باقيا على ملك المالك فله ارتجاعه مع بقائه و الرجوع الى مثله أو قيمته عند تلفه، و للمشتري أيضا الرجوع الى العامل بعين ثمنه مع وجوده أو مثله‌

28

أو قيمته عند تلفه فلا خسارة (ح) حتى تكون على العامل كما لا ربح حتى يكون بينهما. إذ لا معاملة حتى يترتب عليها الخسران أو الربح. فالحكم بكون الخسارة على العامل و الربح بينهما على ما شرطاه لا يوافق القاعدة.

فلا بد له من توجيه و يختلف وجهه في الطائفتين المذكورتين.

اما فيما دل على ضمان العامل إذا تعدى بالاتجار في غير ما عينه المالك فيمكن ان يقال ان النهي عن التجارة فيما اتجر العامل فيه لا يرجع الى نفس التجارة بل هو متعلق إلى أمر خارج عنه فهي مأذون فيه و وقع عن توكل من المالك غاية الأمر أنها وقعت في مكان منهي عنه، و على هذا فيصح مطلقا على تقدير ظهور الخسارة و الربح إلا انه مع ظهور الخسارة يكون الخسران على العامل لمكان تعديه و مع ظهور الربح يكون الربح بينهما بمقتضى المضاربة فعلى هذا تكون صحة ما صدر عن العامل بسبب الوكالة و يخرج عن حريم باب الفضولي رأسا كما لا يخفى.

و اما فيما دل على ضمانه عند تعديه بإتيان نفس ما نهاه المالك.

فلا يتمشى هذا الذي ذكرناه في التعدي بالاتجار في غير ما عينه المالك بل يكون ما فعله غير مأذون فيه و وقع على خلاف ما وكل فيه، و (- ح-) يمكن ان يقال بأن الحكم بالصحة (ح) حكم تعبدي كما في الحكم بالصحة في التجارة بمال الصبي حسبما يأتي شرحه و لكنه بعيد في الغاية. و يمكن ان يقال بكون ما يفعله العامل على خلاف ما وكل فيه يكون باذن من المالك أيضا على نحو الخطاب الترتبي بأن يقال للمالك لا تعامل هذه المعاملة الخاصة فإن عاملتها و ظهر فيها الربح فأنت مأذون فيها و الخطاب الترتبي أمر ممكن معقول حسبما أثبتنا إمكانه في الأصول و لكنه يحتاج الى دليل يدل على وقوعه إذ هو غير موافق مع القاعدة. و يحتاج إثباته إلى دليل قوي يدل عليه.

29

و الدليل عليه في المقام هو كون المالك في مقام الاسترباح و انه انما نهى العامل عن معاملة خاصة لأجل تخيله الخسران فيها، فيستفاد من نفس اقدامه على المضاربة و انه في مقام الاسترباح اذنه بكل معاملة يظهر الربح فيها فيكون النهي عن معاملة خاصة معلقا على خسرانها (فح) يصح كلا الحكمين اعني كون الخسارة على العامل و كون الربح بينهما، اما الأول فلأنه تعدى بفعله المنهي عنه و اما الثاني فلفعله لما اذن في فعله بالخطاب الترتبي و في كلتا الصورتين تخرج عن باب الفضولي و لا يرتبط به أصلا.

و حاصل الكلام ان في اخبار باب المضاربة احتمالات ثلاث (الأول) ان يكون الحكم بصحة المعاملة مع كونها غير مأذون فبها تعبديا و هذا بعيد في الغاية (الثاني) ان يكون لأجل تعقبها بما يوجب الصحة و هو الرضا أو الإجازة. و على هذا فينطبق على الفضولي و وجه الكشف عن التعقب بالرضا أو الإجازة هو كون المالك في مقام الاسترباح و انه يريد الربح، فإذا ظهر الربح يرضى بمقتضى موافقته مع ارادته و هذا أيضا بعيد لوجهين (الأول) ان رضاه أو إجازته بعد ظهور الربح لا يصير المعاملة المذكورة مورد تعلق عقد المضاربة حتى يكون الربح بينهما على ما شرطاه بل اللازم منه كون الربح بتمامه للمالك و للعامل اجرة مثل عمله ان كان يستحق شيئا أو لا يستحق شيئا أصلا لمكان تعديه و انه فعل على خلاف اذن المالك، و هذا هو الأقوى فالحكم بكون الربح بينهما لا ينطبق على تصحيح فعل العامل على طبق الفضولي (الثاني) ان انكشاف ما يصحح المعاملة من الرضا أو الإجازة لو تم فإنما هو مع ظهور الربح، و اما مع الخسران فلا تصح المعاملة المذكورة لعدم ما يدل على تعقبها بما يوجب صحتها، و لازم ذلك رجوع المالك بعين ماله بمن عنده إذا كان باقيا و بمثله و قيمته لو كان‌

30

تألفا فلا خسارة (ح) حتى تكون على العامل أو على غيره إذ هي فرع صحة المعاملة، الاحتمال الثالث ما ذكرناه و قويناه و هو المتعين على ما بيناه.

[و من هذا القبيل الأخبار الواردة في اتجار غير الولي]

قوله قده و من هذا القبيل الأخبار الواردة في اتجار غير الولي (إلخ)

لا يخفى ان الاخبار في باب الاتجار بمال الطفل على طائفتين (منها) ما يدل على اعتبار الملائة في التاجر مع كونه هو الولي نفسه.

و يدل على جواز تجارة الولي بمال الطفل إذا كان مليا (و منها) ما يدل على صحة تجارة غير الولي بمال الطفل مع اعتبار الملائة أيضا، و لا يخفى ان الطائفة الأولى على سياق الثانية فتكون الصحة فيهما على نهج واحد فملاك الصحة في الأول هو بعينه ملاكها في الثانية، و لا يمكن جعل الصحة في الطائفة الاولى من باب الفضولي بالتقريب المتقدم في الاخبار الواردة في باب المضاربة و ذلك لكون التاجر هو الولي نفسه و لا يعقل ان تكون تجارته بنفسه متعقبا بإجازته فلا بد في الحكم بالصحة فيها من التماس منشأ آخر. و ليس إلا التعبد بها لقيام الدليل عليها و بعد اتحادها مع الطائفة الثانية تخرج الطائفة الثانية أيضا عن مورد الفضولي.

مضافا الى إطلاق الطائفة الثانية بصحة معاملة العامل الملي مطلقا سواء كان للطفل ولي أم لا و سواء اجازه الولي أم لا و الحمل على إجازة إلهية للمعاملة بعيد جدا فيكون المتعين فيها هو الحمل على التعبد فيخرج عن مورد الفضولي رأسا فهذه الأخبار كالأخبار الواردة في باب المضاربة أجنبي عن باب الفضولي كما لا يخفى.

قوله (قده) بناء على انه لو لا كفاية الاشتراء بعين المال (إلخ)

يمكن التمسك بخبر ابن أشيم بوجهين (الأول) دلالة حكمه (ع) برد‌

31

المملوك رقّا لمولى العبد المأذون إذا أقام البينة على ان عبده اشترى أباه من ماله فان دعواه ملكية الأب المشتري و انه اشترى من ماله- متضمن لإجازة البيع فالحكم بكونه له بعد البينة متوقف على صحة البيع بالإجازة و هو المطلوب (الثاني) دلالة حكمه (ع) برد المملوك رقّا لورثة الدافع لو كانوا هم يقيمون البينة بالتقريب المتقدم بناء على ان يكون الدافع و كل العبد المأذون في البيع فإنه تبطل وكالته بموته و يكون شراء العبد المأذون بعد موته فضوليا في المال المدفوع اليه المنتقل إلى ورثة الدافع بعد موته.

و لا يخفى ان كل واحد من التقربين خلاف ظاهر الخبر، اما الأول فلصراحة الخبر في كون العبد مأذونا في التجارة فيكون بيعه عن مولاه باذن منه و يخرج عن باب الفضولي، و اما الثاني فلظهور الخبر في كون دفع الدافع الى العبد المأذون من باب الوصاية لا الوكالة و ذلك بقرينة الأمر بالحج عنه بالباقي عن الالف بعد اشتراء النسمة الظاهر في كونه إيصاء بالحج (فح) يصح بيعه بعد موت الدافع بلا دخل له بالفضولي، نعم على هذا لا بد من الحكم بحرية الأب المشتري لا عوده رقّا إلى ورثة الدافع ليحتاج في الحكم بعوده الى الرق الى التوجيه. و كيف كان فهذه الرواية ضعيفة السند مخالفة للقواعد، و مع ذلك غير دالة على صحة الفضولي بعد الإجازة.

[و مما يؤيد المطلب أيضا صحيحة الحلبي]

قوله قده و مما يؤيد المطلب أيضا صحيحة الحلبي (إلخ)

وجه دلالة هذا الخبر على صحة الفضولي هو ان إقالة بيع الثوب إذا رده على بائعه بالوضيعة تكون باطلة فيبقى الثوب عند البائع على ملك المشتري و إذا باعه البائع و الحال هذا يكون فضوليا و وجوب رد الزائد عن ثمنه إلى‌

32

المشتري انما هو لمكان وقوع البيع في ملكه فيدل على صحة الفضولي مع اجازة المالك.

و لا يخفى ما فيه لأن تسلم المشتري الثوب إلى البائع تفويض لكل ما يرجع إليه إلى البائع من بيعه و شرائه، غاية الأمر بتخيل انه ماله لمكان الجهل ببطلان الإقالة، فيدخل المقام فيما لو اذن الغير في التصرف في مال باعتقاد انه مال المأذون ثم تبين انه من مال الآذن و سيأتي حكمه و كيف كان فهو خارج عن باب الفضولي.

[و يمكن التأييد له أيضا بموثقة عبد الله]

قوله (قده) و يمكن التأييد له أيضا بموثقة عبد الله (إلخ)

تقريب دلالة هذا الخبر هو ان يقال ان فيه ثلاث احتمالات (الأول) ان يكون الدلال وكيلا لصاحب الورق في شراء المتاع مع جعل الخيار لصاحب الورق على صاحب الأمتعة (الثاني) ان يكون اشتراه لنفسه فيبيع على صاحب الورق ما رضيه (الثالث) ان يكون فضوليا عن صاحب الورق فيجيز ما يختاره، و حيث انه لا ظهور في الخبر في إحدى الاحتمالات يصير مجملا من هذه الجهة و الامام (ع) لما أجاب بعدم البأس مع ترك الاستفصال عن هذه المجملات يكون جوابه هذا كاشفا عن صحته مطلقا حتى على الاحتمال الأخير المنطبق على الفضولي فيصير دالا على صحة الفضولي بالإجازة.

و لا يخفى ما فيه لظهور الخبر في كون اشتراء السمسار لنفسه كما هو المعمول من الدلالين في هذه الأعصار أيضا حيث انهم يشترون أولا ثم يبيعونه ممن ساومهم كما يظهر من الخبر على ما في الفقيه حيث ان فيه بعد قوله فما شئت أخذته و ما شئت تركته ورد هكذا فيذهب فيشترى ثم يأتي بالمتاع فيقول خذ ما رضيت (إلخ) حيث انه في الدلالة على كون‌

33

شراء السمسار لنفسه أظهر كما لا يخفى.

[و ربما يؤيد المطلب بالأخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد]

قوله (قده) و ربما يؤيد المطلب بالأخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد إلخ

لا يخفى أن تأييد هذه الاخبار على صحة الفضولي متوقف على إسقاط خصوصية رضا السيد في البين و جعل المناط في صحة نكاح العبد هو رضا السيد بما هو له الدخل في صحة نكاحه لا بما هو سيده و على هذا فيصير دليلا على صحة الفضولي لا مؤيدا له كما قدمنا تقريبه فيما استدل به بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي في الحر و العبد.

قوله قده دل بمفهوم الحصر أو سياق التحديد على ان غير التجارة عن تراض أو التجارة لا عن تراض غير مبيح (إلخ)

الاحتمالات التي ذكرها في الآية المباركة ثلاثة (الأول) ان تكون الآية بمفهوم الحصر دالة على انحصار المبيح بالتجارة عن تراض فما لا يقترن مع رضا المالك لا يكون مبيحا، و الحصر انما يستفاد من الاستثناء حيث انه يفيد الحصر كما حقق في الأصول (الثاني) ان تكون الآية بسياق التحديد دالة على الانحصار و المراد بسياق التحديد هو ورود الوصف في مقام التحديد، حيث انه يدل على انتفاء المحدود عند انتفائه (و بعبارة أخرى) يكون مفهومه حجة و لو لم يكن للوصف مفهوم في غير مورد التحديد، و على هذا فتدل الآية على انحصار الحل بالتجارة المقترنة بالتراضي و لو منع عن دلالة الاستثناء على الحصر (الثالث) ان يكون قوله تعالى (عَنْ تَرٰاضٍ) في محل النصب لكي يكون خبر بعد خبر لقوله يكون إذ اسمه مقدر و هو الأكل. و كلمة تجارة منصوبة على ان تكون خبرا و تكون كلمة عن تراض خبرا بعد خبر فيصير المعنى بيان طريق حل الأكل و انه على طريقين و هما التجارة و الرضا اعنى اذن المالك بالأكل. و عليه فلا تدل الآية على‌

34

اعتبار الرضا في التجارة، و الاستدلال بالآية على اعتبار الرضا يتم بأحد الاحتمالين الأولين.

و قد أورد على الاستدلال بها بمنع دلالتها على الحصر لكون الاستثناء منقطعا لعدم كون التجارة عن تراض فردا من الأكل الباطل و خارجا عن حكمه بالتخصيص، و بمنع كون الوصف في مقام التحديد لاحتمال كونه واردا مورد الغالب و لتساوى الاحتمالين الأولين مع الأخير، فلا معين للحمل على أحدهما على تقدير تمامية دعوى الحصر و التحديد هذا، و لكنه لا يخفى ما فيه لما تقدم في بيع المكره من المنع عن كون الاستثناء منقطعا بل هو استثناء متصل و المستثنى منه هو قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ لا خصوص كلمة باطل و انما جي‌ء بكلمة (باطل) تعليلا للنهي فيصير مفاد الآية حرمة أكل الأموال بما عدا التجارة عن تراض فالمنع عن إفادة الآية المباركة للحصر ساقط جدا كما ان احتمال كون كلمة عن تراض خبرا بعد خبر بعيد في الغاية.

فالحق في الجواب عن الاستدلال بها هو ما تقدم في بيع المكره من كون الآية دالة على اعتبار مقارنة الرضا مع التجارة بالمعنى الاسم المصدري أعني التكسب و النقل و الانتقال و وقوع اثر البيع و هذا مما لا كلام فيه سواء قلنا في باب الإجازة بالنقل أو بالكشف الحكمي بل الحقيقي أيضا إنما الكلام في دخل الرضا في التجارة بالمعنى المصدري أعني إنشاء التجارة بالعقد، ليكون مما يعتبر في العقد كالعربية و الماضوية و نحوهما، و الآية لا تدل عليه فهي أجنبية عن الدلالة على بطلان الفضولي كما لا يخفى، و كذلك الكلام في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إذ هو أيضا دال على وجوب الوفاء بكل عقد بمعنى الاسم المصدري.

35

فإن قلت: فعلى هذا يلزم ان لا يكون العقد لازم الوفاء من طرف الأصيل أيضا قبل اجازة المالك إذ ما لم تتحقق الإجازة لم يتحقق العقد بمعنى الاسم المصدري و ما لم يتحقق لم يصح جعله موضوعا لوجوب الوفاء قلت مقتضى تقابل الجمع بالجمع اعني قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ (إلخ) هو كون كل واحد من المتعاملين مورد الخطاب و عدم ارتباط خطاب كل الآخر و لا ملازمة بين ارتباطية العقد الصادر عنهما بحيث يكون لكل واحد منهما دخل في حصوله و تحققه و بين ارتباطية خطاب المتعلق بكل واحد منهما فإذا صدر العقد من الأصيل و الفضولي يكون الأصيل متعلقا للخطاب بنفس صدوره إذ ما هو اللازم من قبله تحقق بحيث لا حالة انتظارية من قبله، و انما وقوف العقد من ناحية عدم تحقق الإجازة من طرف الآخر فيكون هذا العقد لازم الوفاء من طرف الأصيل و يصير (- كك-) بسبب الإجازة من طرف الآخر.

قوله قده و هو قوله صلى اللّٰه عليه و آله و سلم للحكم بن حزام، لا يخفى ان المقصود مما ليس عنده اما يكون العين الشخصي الذي ليس عنده أو يكون الأعم منه و من الكلى، فعلى الأخير يصير الخبر مخصصا بما دل على صحة بيع السلف و الظاهر ارادة خصوص العين الشخصي لمكان كون حزام دلالا كان يبيع شيئا معينا ثم يذهب و يشتريه و على هذا فيدخل في باب من باع ثم ملك و يكون المقصود من النهي عدم ترتب الأثر عليه من حيث انه بيعه و كان واقعا عن نفسه. و لا منافاة بين عدم وقوعه عن العاقد الذي أوقعه عن نفسه و بين وقوعه عن المالك إذا اجازه و على ذلك فيخرج عن النهي عن الفضولي كما لا يخفى.

[و لما ورد في توقيع العسكري لا يجوز بيع ما ليس يملك]

قوله (قده) و لما ورد في توقيع العسكري لا يجوز بيع ما ليس يملك

36

(إلخ)

يمكن ان تكون كلمة يملك بصيغة المجهول فيكون التوقيع دليلا على بطلان بيع ما لا يملك شرعا كالخنزير أو عرفا كالحشرات و الديدان، و يمكن ان يكون بصيغة المعلوم. و على الثاني فإن كان النهي عن البيع بمعنى الاسم المصدري فيخرج عن مورد الفضولي إذ لا إشكال في توقف البيع بمعنى الاسم المصدري على الإجازة، و لا يصح و لا يقع عن الفضولي قطعا و ان كان بالمعنى المصدري بمعنى ان يكون نهيا عن إنشاء بيع ما لا يملكه فيصير دليلا على النهي عن الفضولي، لكنه أيضا لا يدل على الفساد لمكان رجوعه إلى مرحلة السبب و قد تقدم انه لا يدل على الفساد‌

[و ما عن الحميري ان مولانا (عجل الله فرجه)]

و قوله (قده) و ما عن الحميري ان مولانا (عجل الله فرجه) (إلخ)

لا يخفى ان هذا الخبر في الدلالة على صحة الفضولي أظهر منه في الدلالة على فساده، و ذلك لمكان قوله أرواحنا فداه لا يجوز ابتياعها إلا عن مالكها أو بأمره أو رضى منه إذا المراد من الابتياع من المالك هو إيقاع العقد من المالك بالمباشرة و المراد بامره هو إيقاعه من وكيله و يكون المراد من رضائه به هو إيقاعه عن الفضولي و أجازته.

[و ما في الصحيح عن محمد بن مسلم]

قوله (قده) و ما في الصحيح عن محمد بن مسلم (إلخ)

النهي عن الاشتراء في هذا الخبر ظاهر في النهي عنه بمعنى الاسم المصدري فيكون حاله كحال ما في توقيع العسكري (عليه السلام) فلا دلالة فيه أيضا على بطلان الفضولي.

قوله (قده) و ثانيا سلمنا دلالة النبوي على المنع (إلخ)

يريد ان يذكر ان هذه الاخبار التي يستدل بها على بطلان الفضولي على تقدير تمامية دلالتها تكون أعم من الاخبار الدالة على صحته إذا تعقب بالإجازة فتخصص بما عدا صورة الإجازة، و تقريب أعمية تلك الطائفة ان‌

37

يقال بأنها مسوقة لبيان بطلان التجارة بمعنى الاسم المصدري على نحو الإطلاق سواء اقترنت بالإجازة أم لا. و الاخبار الدالة على صحة الفضولي تدل على صحة التجارة بذاك المعنى عند اقترانها بالإجازة.

و لا يخفى ان المستدل بالأخبار المانعة لو كان غرضه من الاستدلال بها هو إثبات اناطة معنى الاسم المصدري على الإجازة لكان اعتبار النسبة بالأعم و الأخص المطلق تاما لا شبهة فيه، و لكنه يريد ان يستدل بها على اعتبار الرضا في المعنى المصدري على ما هو محل الكلام إذ لا كلام و لا إشكال في توقف معنى الاسم المصدري على الرضا و اقترانه به و على هذا فلو سلم دلالة تلك الاخبار على اعتبار الرضا في المعنى المصدري و استفادة اعتبار الرضا في صحة العقد كسائر الشرائط المعتبرة فيه تصير النسبة بالتباين لان تلك الاخبار تدل (ح) على اعتبار الرضا في صحة العقد و ما دل على كفاية الرضا المتأخر بلازمه يدل على عدم اعتباره فيقع بينهما التعارض بالتباين فالحق في الجواب عن الاستدلال بهذه الاخبار هو منع دلالتها على اعتبار الرضا في العقد بالمعنى المصدري كما لا يخفى.

[الرابع ما دل من العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير]

قوله (قده) الرابع ما دل من العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير (إلخ)

لا يخفى ان عدم جواز التصرف في مال الغير أمر مما استقل العقل بالحكم به لكونه ظلما و عدوانا و قد انطبق عليه الحكم الشرعي أيضا و هذه الكبرى الكلية مما لا اشكال فيه و انه ثابت عقلا و شرعا. و انما الكلام في انطباقها على فعل الفضولي و ان ما يصدر منه هل هو تصرف أم لا بعد عدم الإشكال في كون التصرف المحرم عقلا و شرعا هو الأعم من القلب و الانقلاب الخارجي مثل رفع ماله عن مكان و وضعه في مكان آخر و كأكله و شربه و ركوبه و سكنى داره و نحو ذلك‌

38

و من القلب و الانقلاب الاعتباري مثل هبته و بيعه و نحوهما.

و قد أجاب المصنف عن هذا الدليل بوجوه خمسة (الأول) ما يشير اليه‌

بقوله (قده) ان العقد على مال الغير متوقفا لإجازته (إلخ)

و حاصله منع كون فعل الفضولي تصرفا في مال الغير، و توضيحه انه قد عرفت ان القلب و الانقلاب الاعتباري كالبيع و نحوه يعد من التصرف عرفا إلا انه لا مطلقا بل على بعض أنحائه. فإنه تارة يصدر عن المالك بالمباشرة، و اخرى عن وكيله المفوض إليه الأمر كعامل المضاربة، و ثالثة عن الغاصب، و رابعة عن الوكيل في إجراء الصيغة محضا، و خامسة عن الفضولي، و الثلثة الأول يعد من التصرف عرفا، بل هو أظهر أنحائه بخلاف الأخيرين. حيث ان اجراء الصيغة بالوكالة عن المالك أو فضولا لا يعد من أنحاء التصرف في المال عرفا لكي يصير محكوما بالحرمة عقلا و شرعا و هذا ظاهر.

الثاني ما أشار إليه‌

بقوله ثم لو فرض كونه تصرفا فمما استقل العقل بجوازه (إلخ)

و حاصله جعل التصرف في مال الغير على نحوين (أحدهما) ما هو المحكوم بالحرمة عقلا و شرعا و هو مثل أكل مال الغير مثلا من غير رضاه (و ثانيهما) ما يكون محكوما بالجواز. و ذلك كالاستظلال بظلال الغير و الاستنارة بناره بلا اذنه حيث انه تصرف مجوز و فعل الفضولي من هذا القبيل هذا، و لا يخفى ما فيه لان التصرف في مال الغير لا يكون على نحوين بل ليس له إلا نحو واحد و هو النحو المحرم، و اما مثل الاستظلال و الاستنارة فهو انتفاع بمال الغير بلا تصرف فيه. ففرق بين الاستظلال بجداره أو سقف خيمته حيث انهما مع اشتراكهما في كونهما انتفاعا بمال الغير، يمتازان بكون الثاني تصرفا دون الأول، فلو سلم كون فعل الفضولي تصرفا فلا محيص عن الالتزام بحرمته فهذا الجواب ليس بشي‌ء‌

39

الثالث ما أشار إليه‌

بقوله مع انه قد يفرض الكلام فيما إذا علم الآذن في هذا (إلخ)

إذ مع الاذن في هذا التصرف يخرج عن الحرمة لكونه مأذونا فيه، و لكنه مندرج في الفضولي بناء على عدم كفاية مطلق الاذن و الرضا في الإخراج عن باب الفضولي، بل لا بد من إنشاء الوكالة حتى يصير فعل المباشر فعلا للمالك، و لا يخفى ما في هذا الوجه أيضا ضرورة أنه ينحصر مورده الى النادر الملحق بالمعدوم. و لا يمكن ان يجعل وجها لصحة الفضولي مطلقا و في جميع الموارد، بل هو التزام ببطلانه في الموارد الغالبة التي لم يعلم اذن المالك بل علم عدمه.

الرابع ما أشار إليه‌

بقوله مع ان تحريمه لا يدل على الفساد (إلخ)

و حاصله ان النهي عن حرمة التصرف المتعلق الى فعل الفضولي يرجع الى ناحية السبب، و هو لا يدل على الفساد، بخلاف النهي الراجع إلى ناحية المسبب، و السرّ في ذلك ان النهي إذا كان راجعا إلى ناحية السبب يدل على حرمة إيجاد سبب النقل و الانتقال، و حرمته بما هو سبب لا يدل على خروج المسبب عن تحت قدرة المنشئ و إرادته، غاية الأمر يكون استعمال الإنشاء في إيجاده محرما كالبيع وقت النداء إلا انه لو ارتكب ذاك المحرم يترتب عليه المسبب.

و إذا كان راجعا إلى ناحية المسبب يخرج المسبب به عن تحت قدرة الفاعل لان المقدور هو ما كان الشخص مسلطا على فعله و تركه، فكما انه إذا صار أحد طرفي الفعل واجبا عنه بالوجوب التكويني بأن صار واجب الصدور منه بحيث لم يتمكن من الترك أو ممتنع الصدور عنه بحيث لو لم يتمكن من الفعل لكان خارجا عن القدرة فكذلك لو صار احد طرفيه واجبا بالوجوب التشريعي، و إذا تعلق الحرمة بطرف الفعل و خرج جانب‌

40

الفعل عن تحت سلطنة الفاعل تشريعا يصير ممتنع الصدور عنه إذ الغير المقدور التشريعي كالغير المقدور التكويني، و مع خروج المسبب عن تحت قدرة الفاعل فليس له إيجاده فلا يتحقق منه أصلا. و هذا هو الملاك في كون النهي عن المسبب موجبا للفساد دون النهي عن السبب.

و لا يخفى ما في هذا الوجه أيضا ضرورة انه مع تسليم كون فعل الفضولي مصداقا للتصرف المحرم يكون النهي عنه راجعا إلى ناحية المسبب لا السبب إذ التصرف المحرم منه هو البيع مثلا الصادر عنه نحو صدوره عن المالك و الغاصب و لا إشكال في انه إذا تعلق به النهي يكون متعلقا بالنقل و الانتقال لا بإيجاد السبب في ظرف تمامية القدرة على إيجاد المسبب اللهم إلا إذا انضم الى هذا الوجه ما أجاب به خامسا.

بقوله (قده) مع انه لو دل لدل على بطلان البيع بمعنى عدم ترتب الأثر عليه و عدم استقلاله في ذلك (إلخ)

و حاصله ان النهي عن فعل الفضولي و لو كان راجعا إلى ناحية المسبب إلا انه في النتيجة يساوي مع ما كان راجعا إلى ناحية السبب، و ذلك لأن النهي عن المسبب كما عرفت يوجب خروجه عن تحت قدرة الفاعل، و من المعلوم ان الفضولي مع قطع النظر عن تعلق النهي به لا يكون مسلطا على المسبب، فالمسبب خارج عن تحت سلطانه مع عدم النهي فلا يصير النهي المتعلق به سببا لخروج المسبب عن تحت قدرته، فالنهي بالنسبة إليه بما هو فضولي لا يفيد إلا حرمة التصرف من حيث السبب فلا منافاة بين حرمة الفعل عليه من حيث هو فضولي و بين صحته بما يصير مستندا الى المالك بالإجازة من حيث ان له السلطنة على المسبب من غير تعلق النهي به بما هو مالك.

41

و الحاصل ان النهي متعلق الى فعل الفضولي بما هو فضولي و هو موجب لعدم ترتب الأثر عليه بما هو فعل الفضولي، و لا منافاة بين نفى الأثر عنه بما هو فعل الفضولي و بين صحته بمعنى ترتب الأثر عليه بما هو يجيزه المالك، و هذا المعنى بناء على القول بناقلية الإجازة أظهر كما لا يخفى و مما ذكرناه يظهر انه لا تفاوت بين فعل الوكيل و بين فعل الفضولي أصلا إلا ان فعل الوكيل مسبوق بالاذن و يكون من حين وقوعه مستندا الى المالك و فعل الفضولي يلحقه الاستناد اليه.

[و قد يستدل للمنع بوجوه أخر ضعيفة]

قوله (قدس سره) و قد يستدل للمنع بوجوه أخر ضعيفة (إلخ)

ذكر (قدس سره) مما استدل به على بطلان الفضولي عقلا، وجهين آخرين (أحدهما) ان القدرة على التسليم معتبرة في صحة البيع و الفضولي غير متمكن منه شرعا لكونه تصرفا في مال الغير الممنوع عنه (و ثانيهما) ان الفضولي لا يكون قاصدا لمدلول اللفظ لعدم تمشي قصد العطاء منه لانتفاء سلطنته على الأخذ و العطاء و بعد ما بيناه من انتفاء التفاوت بين الوكيل و بين الفضولي إلا بما تقدم يظهر ضعف هذين الوجهين:

اما الأول: فلأن الفضولي كما لم يكن متمكنا على التسليم لم يكن الوكيل أيضا متمكنا منه و من المعلوم بديهة عدم اعتبار القدرة على التسليم من الوكيل المباشر لإجراء الصيغة، و انما التمكن منه شرط في البائع و المشتري و المفروض تمكنهما منه (و بعبارة أخرى) انتفاء القدرة على التسليم انما يوجب فساد العقد عن الوكيل و الفضولي من حيث استناده إليهما، و لا منافاة بين بطلانه بهذه الحيثية بمعنى عدم ترتيب الأثر عليه.

و بين صحته من حيث استناده الى المالك الحاصل في فعل الوكيل من الأول و في فعل الفضولي بعد الإجازة، و لا فرق فيما ذكرناه بين ان نقول بصحة الفضولي‌

42

على طبق القاعدة أو قلنا بأنهما على خلاف القاعدة و انها ثبتت بالدليل.

و اما الثاني: فلأن المالك و الوكيل و الفضولي جميعا يكونون قاصدين لمدلول اللفظ بالدلالة التصورية اعنى المداليل الإفرادية و الدلالة التصديقية. اعنى مداليل الجملة التركيبية. و لا تفاوت بينهم في قصد هذين المدلولين، و يمتاز المالك عنهما بكونه قاصدا للعطاء و الأخذ.

و لكن قصده هذا لا يكون من مقومات الإنشاء بل هو الداعي إلى الإنشاء. و فرق بين ارادة الفعل و بين ارادة داعيه و ما هو المنفي في فعل الوكيل و الفضولي هو إرادة داعي الفعل و ما هو المعتبر في صحة العقد هو ارادة مدلوله الأفرادي و التركيبي. فالاستدلال المذكور نشأ من الخلط بين ارادة الفعل و بين ارادة داعيه و كم لهذا الخلط من نظير.

[المسئلة الثانية ان يسبقه منع المالك]

قوله (قده) المسئلة الثانية ان يسبقه منع المالك «إلخ»

ربما يقال في هذه الصورة بالبطلان و لو مع القول بالصحة في المسئلة الاولى، و ذلك بتوهم كون المنع السابق على العقد كالرد اللاحق له. فكما ان الرد اللاحق يخرج العقد عن قابليته للحوق الإجازة (- كك-) المنع السابق على العقد يمنعه عن قابلية تأثيره للحوق الإجازة، و التحقيق ان يقال بأنه يتكلم تارة على القول بكون الفضولي صحيحا على طبق القاعدة كما هو المختار، و اخرى على القول بكون صحته على خلاف القاعدة. و على الأول: فلا يخلو فاما ان يقال بكون نفس المنع السابق بما هو منع سابق على العقد كالرد اللاحق في منعه العقد عن قابلية تأثير لحوق الإجازة، و اما ان يقال ببقائه الى بعد العقد انا ما هو المانع عن صحة العقد لا نفس وجوده السابق و التحقيق ان شيئا منها لا يصلح للمنع اما المنع السابق فلأن غاية ما يترتب عليه هو عدم استناد العقد معه الى المالك، و لا يخفى ان العقد لم يكن‌

43

مستندا اليه و لو مع عدم نهيه لتوقف الاستناد على إنشاء الوكالة أو الإجازة فوجود المنع السابق كعدمه في انه لا يؤثر شيئا و اما استمراره الى بعد العقد آنا ما فلأن غاية بقائه الى بعد العقد هو كراهة المالك عن فعل الفضولي لكن الكراهة أعم من الرد. و لذلك قلنا بتأثير الإجازة في صحة عقد المكره، و السر في ذلك كله هو اعتبار الإنشاء في الرد و الإجازة و عدم كفاية الرضا الباطني أو الكراهة الباطنية فيهما فلو فرض القطع بكراهة المالك بعد العقد لم يمنع عن تأثير الإجازة ما لم تصل إلى مرتبة البروز بالإنشاء.

و اما الاستدلال بانفساخ عقد الوكيل بحلف الموكل على نفى الاذن في اشترائه على كفاية الكراهة الباطنية في الرد لكون الحلف امارة على عدم الرضا، فلا يخفى ما فيه لكون الحكم بالانفساخ ناشيا عن الحلف و هو يذهب بما فيه، فهو أجنبي عن المدعى، مضافا الى ان الكراهة أبرزت بالحلف و الكلام في المقام في نفس الكراهة الغير المبرزة بالإنشاء كما لا يخفى هذا تمام الكلام على القول بكون الصحة في الفضولي على القاعدة.

و اما على القول بكونها مخالفا مع القاعدة و انها انما تثبت بالأدلة الخاصة المتقدمة ففي الإشكال في صحته في هذه الصورة أعني صورة تقدم نهي المالك مجال، و الذي يمكن ان يستدل به على صحته أمور قد أشار المصنف قده إليها في الكتاب لا يخلو شيئا منها عن المناقشة، منها خبر محمد بن قيس المتقدم الوارد في قضاء مولانا أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه) في وليدة باعها ابن سيدها حيث استدل به على صحة الفضولي كما تقدم و بإطلاقه بترك الاستفصال يدل على صحته و لو فيما كان مولى الوليدة نهى ابنه عن بيعها هذا و لكن يرده ظهور سياق الخبر في كون بيع الوليدة في حال‌

44

جهل مولاها بالبيع لفرض غيبة الولي و فرض نهيه عن بيعها قبل الخروج الى السفر بعيد يأباه السياق و مع هذا الظهور ينهدم أساس الإطلاق المستكشف من ناحية ترك الاستفصال، و منها فحوى ما ورد في نكاح العبد بدون اذن مولاه و قد تقدم الاستدلال به أيضا فهو دال على صحة الفضولي في مورد سبق نهى المولى أيضا، حيث علل للصحة في بعضه بأنه عصى سيده و ما عصى اللّٰه سبحانه و إذا أجاز السيد جاز فان عصيان السيد لا يتحقق إلا بعد نهيه إياه عن التزويج حتى يكون نكاحه مع نهيه (ح) عصيانا، و إلا فمع عدم نهى السيد فلا نهى حتى يكون عصيانا هذا:

و لا يخفى ما فيه أيضا، و ذلك لما تقدم من أن العصيان في المقام ليس عصيان تكليفي. بل هو عبارة عن التعدي عن سلطان المولى و التصرف فيما لا يجوز التصرف فيه، و نكاح العبد بلا مراجعة إلى سيده من هذا القبيل و لو لم ينه عنه فلا يكون لفظ العصيان دليلا على سبق النهي عن السيد نعم لا بأس بدعوى ترك الاستفصال ان لم يدعى ظهور سياق تلك الأدلة أيضا في صورة جهل المولى بالحال.

و منها ما ورد في مخالفة العامل في المضاربة لما اشترط عليه المالك من كون الخسران على العامل و الربح بينهما فان كون الربح بينهما يدل على صحة الفضولي حيث لم تكن المعاملة الصادرة عن العامل المخالف لما اشترط عليه مأذونا فيها، و قد تقدم المنع عن دلالة تلك الاخبار على صحة الفضولي بدعوى إمكان حملها على ما إذا كان الشرط على العامل لأجل توهم عدم الربح في معاملة اشترط عليه تركها، و لما علم العامل بالربح فيها أقدم عليها لمكان علمه بخروجها عن حيز الشرط فيصير مأذونا فيها عند ظهور الربح فيها أى يكشف ظهور الربح فيها عن كونها مأذونا فيها‌

45

فيخرج عن مورد الفضولي، هذا مضافا الى ما تقدم نقله عن المسالك من كون الحكم بالصحة فيها تعبديا خرج بالنص و ان كان ما ذكره بعيدا في الغاية، حيث يمكن دعوى القطع بأنه لا يكون لأجل التعبد. بل لموافقته مع قواعد باب المعاملات.

و بالجملة الذي يقتضيه الانصاف عدم ما يدل بالخصوص على صحة الفضولي مع سبق نهي المالك فلو انتهى الأمر إلى إثبات صحته على خلاف القاعدة لا شكل الحكم بصحته غاية الإشكال إلا ان الأمر سهل بعد ما قويناه من كون الصحة على طبق القاعدة و ان ما تكلمناه كله فرض في فرض.

[المسئلة الثالثة ان يبيع الفضولي لنفسه]

قوله (قده) المسئلة الثالثة ان يبيع الفضولي لنفسه (إلخ)

هذه المسئلة هي المهمة في باب الفضولي، و لا يخفى ان بيع الفضولي عن نفسه تارة يكون من الغاصب، و اخرى لأجل جهله بكون المبيع له. و انه لنفسه فيبيع عن نفسه، ثم انه لا بد من تصوير جامع للصحة بحيث يشمل صورة ما كان البائع غاصبا أو جاهلا، و الكلام في حكمه تارة يقع بالنظر الى ما تقتضيه القواعد، و اخرى بالنظر الى ما تقتضيه الأدلة الخاصة، اما على الأول: فربما يمنع عن الصحة لأجل عدم تحقق البيع عن نفسه إذا لم يكن مالكا للمبيع. و ذلك لما تقدم مرارا من ان حقيقة البيع عبارة عن تبديل طرفي الإضافة مع بقاء الإضافة على حالها. و لذا قلنا بلزوم دخول الثمن في ملك من خرج عنه المثمن فلا يصح إخراج المبيع عن ملك مالك مثلا بإزاء دخول الثمن في ملك شخص آخر على ما مر توضيحه و تحقيقه. و على هذا فليس بين المال و البائع الفضولي اضافة حتى يقصد انتقال الثمن عن المشتري إليه بإزاء ما يخرج عنه إلى المشتري، بل العوض ينتقل إليه بإزاء ما ينتقل‌

46

عن مالك المعوض إلى المشتري. فلا تحقق المعاوضة هذا:

و قد أجاب عنه المصنف قده بأن البائع ينزل نفسه منزلة المالك فيبيع عن نفسه بعد ذاك التنزيل نظير ما يقول السكاكي في الاستعارة. و ظاهره الالتزام بلزوم جعل البائع نفسه في مقام البيع بمنزلة المالك لكي يصير مالكا ادعائيا، فيقال بتحقق البيع عن المالك لكن ادعاء و لا يخفى ما فيه.

اما أولا: فلأنه لا يتم في الجاهل إذ هو يعتقد مالكيته فلا ادعاء فيه.

و لا بد من ان يجاب بجواب جامع للغاصب و الجاهل. و اما ثانيا فلأنه لا يتم في الغاصب إذ كثيرا ما لا يكون الغاصب حين البيع ملتفتا الى حاله و انه غاصب حتى ينوى و يضمر في نفسه انه مالك ادعاء.

بل التحقيق ان يقال: كما لا يبعد ان يكون هو مراده، و ان كانت العبارة قاصرة عن تأديته بان المسروق من المالك هو تلك الإضافة اي ان الغاصب يغصب الملكية فيأخذ مال المالك بجعل نفسه مالكا اى يعتبر علاقة الملكية بينه و بين المغصوب فكأنه سرق و غصب الخيط الذي كان بين المالك و المال الذي يعبر عنه بالملكية فمن أول الأمر ينزل نفسه نفس المالك اي يعتبر نفسه مالكا فيكون جميع تصرفاته في ما بيده من مال الغير الذي منه بيعه إياه في ملكه بادعاء واحد و هو غصبه الملكية، و بعبارة أخرى أصل الملكية عبارة عن إضافة اعتبارية تعتبر ممدودة بين المالك و بين المال و هي قد تكون ممضاة من الشارع و قد لا تكون ممضاة منه و ما يعتبر منها بين المالك و المال ممضاة و ما يعتبر منها بين غير المالك سواء كان غاصبا أو جاهلا غير ممضاة من الشارع، لكن تحقق البيع العرفي من البائع الفضولي لا يتوقف على إمضاء ما يعتبره من الملكية بل هو يتمشى منه بنفس اعتبار‌

47

الملكية عدوانا أو جهلا، و لذا نرى الغاصب يقصد بيع ما بيده من مال المغصوب حقيقة و يعامل معه معاملة سائرا ملاكه و هذا الذي ذكرناه و ان كان بعيدا عن عبارة المصنف التي يذكرها بعد في قوله (ان قصد المعاوضة الحقيقية مبنى على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا و ان كان هذا الجعل لا حقيقة له إلخ) خصوصا بقرينة ما ذكره بقوله (نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن و لا اعتقاد له كانت المعاملة باطلة) حيث ان الظاهر منه احتياج تمشي قصد البيع عن الغاصب الى تنزيله نفسه منزلة المالك حين البيع، و لذا أورد عليه بإمكان عدم تحقق هذا البناء منه حين البيع لكن مراده (قده) هو ما ذكرناه، و لا بد من تنزيل العبارة عليه.

و خلاصة الكلام ان في بيع الفضولي عن نفسه أقوال ثلاثة: القول بالبطلان و عدم تأثير الإجازة فيه أصلا، و الصحة و وقوعه عن الفضول بالإجازة، و الصحة و وقوعه عن المالك المجيز، و استدل للاول بما تقدم من عدم تمشي قصد الإنشاء من غير المالك لنفسه لخروجه عن حقيقية المعاوضة و خلاصة الجواب يتم بأمرين: الأول قد تقدم فيما سبق ان تقوم البيع و نحوه من عقود المعاوضات على العوضين و ان المتعاملين ليسا ركنين فيها بخلاف باب النكاح. و لذا قلنا بعدم الحاجة في البيع من حيث هو بيع الى تعيين الطرف و ان كان يتوقف بعض أنحائه إلى التعيين، لكن لا بما هو شرط في تحقق البيع، بل لأجل اناطة تعيين العوض أو المعوض على تعيينه فيما إذا كان كليا، و يترتب على ذلك خروج قصد البائع كون البيع عن نفسه عن مقومات البيع و كونه من مقارناته.

الثاني لو كان الأمر بالشي‌ء في باب التكاليف استحبابيا مثلا فهو قصد امتثال الأمر الوجوبي جهلا أو تشريعا، فتارة يقصد امتثال ذاك الأمر‌

48

التخيلى التشريعي أو الاعتقادي على وجه التقييد بحيث لو لم يكن وجوبيا بل كان استحبابيا لم يكن قاصدا لامتثاله، و اخرى يكون قاصدا لذاك الأمر الواقعي. غاية الأمر يعتقد وجوبه جهلا أو بينى على وجوبه تشريعا. و في الأول لا يصح عمله من جهة عدم تحقق امتثال الأمر الموجود و ما قصد امتثاله لم يكن امرا واقعا. بل هو أمر اعتقادي أو بنائي و في الثاني يصح عمله لتمامية الامتثال و يكون اعتقاد وجوب الأمر أو البناء عليه لغوا غير دخيل في العمل.

إذا تبين ذلك نقول ما نحن فيه من قبيل الثاني إذ الفضولي يبيع معتقدا كونه عن نفسه جهلا أو بانيا (- كك-) غصبا و ما هو المقوم في صحة البيع و تحققه هو تبديل طرفي الإضافة و اقترن به اعتقاد كونه عن نفسه أو بنائه عليه. و هذا الأمر المقترن به غير دخيل في تحقق البيع فيكون وجوده غير مضر كعدمه.

و منه يظهر وقوعه عن المالك بعد الإجازة لا عن الفضولي إذ لا وجه للقول بوقوعه عن الفضولي بعد إلغاء حيثية إسناده إليه من البين كما لا يخفى، و لا فرق فيما ذكرناه بين ان يكون الغاصب بائعا أو يكون مشتريا بأن اشترى شيئا بمال مغصوب فإنه كما يكون البناء على مالكيته للمثمن غير دخيل في مقومات البيع كذلك بنائه على ملكية الثمن.

قوله (قده) مع انه ربما يلتزم صحة ان يكون الإجازة لعقد الفضولي موجبة لصيرورة الغوص ملكا للفضولي (إلخ)

هذا إشارة إلى القول الثاني و قد نقله عن فقيه عصره في شرحه على القواعد و يستدل له بوجهين، الأول ما أشار إليه بقوله أحدهما ان قضية بيع مال الغير (إلخ) و توضيحه انه قد تقدم في المعاطاة تصحيح عتق المالك عبده عن الآمر لو أمره بالعتق عنه بفرض الملك و تقديره انا ما ثم وقوع العتق عن ملكه، و قلنا بأن المراد‌

49

من تقدير الملك ليس فرضه و تصويره، بلا ان يكون له واقع أصلا. بل المقصود انتقال العبد الى الآمر باستدعائه حقيقة. و دخوله في ملكه واقعا فيقع العتق عن الآمر بالطريق الاعوجاجي على ما بيناه، ثم انه قد يتعدى عن مورد الأمر بالعتق الى موارد آخر مثل مورد (اشتر بهذا المال متاعا لنفسك) أو تصرف ذي الخيار في زمان خياره بما يتوقف على الملك، و نحو ذلك. بدعوى ان الاذن في الاشتراء بمال الآذن لنفس المأذون يوجب انتقال مال الآذن إلى المأذون ثم خروجه عنه الى من يشتري منه، و قد حررنا في باب المعاطاة فساد المقايسة و ثبوت التفاوت بين قضية أعتق عبدك عنى. و بين قضية أعتق عبدي عنك أو اشتر بمالي متاعا لنفسك، حيث انه يصح الالتزام بتقدير الملك بالطريق الاعوجاجي في الأول دون الأخير و سنعيده أيضا في المتن الآتي بقولنا و من هنا يظهر الفرق بين مسئلة أعتق عبدك عنى.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان محصل هذا الوجه هو القول بالتزام الملك بالطريق الاعوجاجي في مثل أعتق عبدك عنى مما يكون استدعاء عن المالك بإيقاع عقد أو إيقاع على ماله عن المستدعي، ثم التعدي عنه و الالتزام به في مثل اشتر بمالي متاعا لنفسك مما يكون إذنا بالإذن السابق في إيقاع عقد أو إيقاع في مال الآذن عن المأذون، ثم التعدي عن الاذن السابق و الالتزام به فيما يكون بالإجازة اللاحقة. و على هذا فبالإجازة اللاحقة نقلا أو كشفا ينتقل المال عن المالك الى الغاصب. ثم عنه إلى المشتري منه بالطريق الاعوجاجي.

فيتوقف صحة هذا الوجه على القول به في مثل أعتق عبدك عني، ثم التعدي عنه الى الاذن السابق في بيع المأذون مال الآذن لنفسه. ثم التعدي عن الاذن السابق إلى الإجازة اللاحقة.

و أشار الى الوجه الثاني بقوله الثاني انه لا دليل على اشتراط كون‌

50

احد العوضين (إلخ) و حاصله صحة البيع و وقوعه بانتقال المثمن إلى البائع بإزاء انتقال المثمن عن شخص ثالث إلى المشتري بدعوى ان حقيقة البيع ليس الا التمليك و التملك و اما كون احد العوضين خارجا عن ملك من يدخل في ملكه العوض الأخر. فلا دليل على اعتباره و قد تقدم بيانه في أول البيع و قلنا بحكايته عن سيد اساتيد أستادنا وجها في درسه لا اختيارا و مر تزييفه أيضا بأن هذا خارج عن حقيقة البيع الذي هو تبديل طرفي الإضافة بل انه هبة بإزاء هبة أخرى فراجع ما حررناه في الأول البيع و في المعاطاة.

قوله قده اما الأول فلان صحة الاذن في بيع المال لنفسه أو الشراء لنفسه ممنوعة (إلخ)

حاصله المنع عن صحة الإذن السابق في الشراء لنفس المأذون في مثل اشتر بهذا متاعا لنفسك أولا، ثم على تقدير تسليم صحته منع صحة الإجازة اللاحقة في تأثيرها في وقوع الشراء السابق للغاصب لفساد قياسها بالاذن السابق ثانيا، اما المنع عن صحة الإذن السابق فلأنه لا وجه لتأثيره في وقوع الشراء لنفس المأذون إلا دعوى كونه من شئون السلطنة، حيث ان السلطنة على المال تقتضي صحة جميع تقلباته التي من جملتها التمليك الضمني على الغير لأن يشتري به شيئا لنفسه، و هي مدفوعة بأن مقتضى السلطنة على المال هو صحة تمليكه على الغير بالأسباب المملكة شرعا التي جعلها الشارع سببا للنقل و الانتقال، لا صحة تمليكه بما يشاء و لو بما لم يجعله الشارع سببا، فإنه تصرف في سلطان الشارع و تعد في حقه و التمليك الضمني الحاصل باذن المالك و إنشاء المأذون للبيع مع من يعامل معه ليس حاصلا بالأسباب المجعولة الشرعية، فلو قام دليل بالخصوص على صحة الشراء بهذا لمال المأذون له في اشتراء مال به لنفسه مثل إجماع أو نص مخصوص لكان دليلا على انتقال المال إلى المأذون ثم عنه الى مالك المثمن الذي يشتري‌

51

المأذون عنه على الطريق الاعوجاجي أو انتقال الثمن عن مالكه الى مالك الثمن ثم عنه إلى المشتري المأذون (- كك-) و إذا لم يكن في البين دليل بالخصوص على صحة الشراء لنفس المأذون لكان الأوفق بالقواعد الممهدة في باب المعاملات هو الحكم بالبطلان.

و من هنا يظهر الفرق، بين مسئلة أعتق عبدك عني مما يكون أمر و استدعاء لإيقاع المالك عتق عبده عن الآمر. و بين هذه المسئلة اعنى مسئلة اشتر بمالي طعاما لنفسك، حيث ان الأوفق بالقواعد في المسئلة الاولى كان هو الحكم بالصحة، و ذلك لان المفروض صحة تبرع المالك بعتق عبده عن الآمر فإذا استدعى منه ما يكون هو بنفسه سلطانا عليه و كان له ان يفعله بلا استدعاء الآمر غاية الأمر مع عدم الرجوع بقيمته عند التبرع يكون استدعائه منشأ لضمانه ما يتلفه المالك باستدعائه، سواء كان مع استيفاء من الآذن كما إذا وقع العتق عنه في كفارة أولا بل كان محض الأمر بالإتلاف، لكن إذا كان في الإتلاف غرضا عقلائيا مثلما إذا أمره بإلغاء ماله في البحر و عليه ضمانه إذا صار المال موجبا لاضطراب السفينة لا ما إذا لم يكن في الإتلاف غرض عقلائي مثل ما إذا أمره بإحراق ماله و عليه ضمانه فإنه لو ارتكب المالك (ح) لم يكن ضمانه على الأمر.

و السر فيه هو كون اقدامه هذا حراما شرعا فإذا أقدم على الحرام الشرعي الممنوع عنه لم يكن ضمانه على الآمر لمكان كونه منهيا عنه و بالجملة وقوع العتق عن الآمر بالطريق الاعوجاجي في قضية أعتق عبدك عنى موافقا مع القواعد موقوف على أمرين كلاهما حاصلان و هما صحة تصرف المالك بما يأمره الأمر مع قطع النظر عن الآمر و الاستدعاء و صحة استدعائه بالضمان المعاملي بأن يفعل ماله السلطنة عليه و كلاهما حاصلان‌