شرح العروة الوثقى - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
616 /
3

المجلد الثالث

الوضوء

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

و إيّاه نعبد و إيّاه نستعين، ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير‌

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا خاتم النبيّين، محمّد و آله الطاهرين، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و على الملائكة المقرّبين،

و رحمة اللّٰه و بركاته.

6

[فصل في موجبات الوضوء و نواقضه]

فصل في موجبات الوضوء و نواقضه

[و هي امور]

و هي امور:

[الأوّل و الثاني: البول و الغائط]

الأوّل و الثاني: البول و الغائط من الموضع الأصليّ و لو غير معتاد، أو من غيره مع انسداده، أو بدونه بشرط الاعتياد، أو الخروج على حسب المتعارف؛ ففي غير الأصليّ مع عدم الاعتياد و عدم كون الخروج على حسب المتعارف إشكال، و الأحوط النقض مطلقاً، خصوصاً إذا كان دون المعدة (1).

____________

(1) أقول: حكي عن المشهور أنّ ما يخرج من الطريق الأصليّ أو الطريق غير الأصليّ مع انسداد الطريق الأصليّ من البول أو الغائط ناقضٌ للوضوء و موجبٌ له، من دون قيد و شرط، أي سواء كان المخرج الأصليّ في الموضع المتعارف أو كان الدبر و الذكر في غير الموضع المتعارف، و سواء كان الخروج بنحو المتعارف أو لا، و سواء كان الخروج منه معتاداً أو غير معتاد؛ فإن خرج من الذكر البول و لو كان المعتاد خروجه من غيره فهو ناقض و إن كان الذكر واقعاً في غير الموضع المتعارف للناس و خرج بنحو الرشّ و الترشّح، لا بنحو الدرّ؛ كما أنه لو خرج من غير المخرج الأصلى مع انسداد المخرج الأصليّ و لو في الدفعة الاولى و لو مع عدم كون الخروج متعارفاً ناقضٌ أيضاً. و الظاهر أنّ المقصود من ذلك فرض كون الطريق غير الأصليّ منحصراً، فيكون مع الانسداد بحكم الأصليّ.

و أمّا الخارج من غير الطريق الأصليّ و الطريق غير الأصليّ مع انسداد الطريق‌

7

..........

____________

الأصليّ و غيره من الطرق غير الأصليّة فناقضيّته مشروطة بالاعتياد. و هو المنصور عندي، خلافاً لجلّ مشايخ عصورنا الحاضرة.

و شرح الإجمال و الاستدلال على المشهور المختار يتّضح ببيان دليل جميع الشقوق، فأقول:

أمّا الدليل على ناقضيّة ما يخرج من الدبر و الذكر بجميع شقوقه فمصحّح زرارة، قال:

قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: «ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر: من الغائط و البول، أو منيّ، أو ريح، و النوم حتّى يذهب العقل. و كلّ النوم يكره إلّا أن تكون تسمع الصوت» (1).

نقله في الوسائل عن الشيخ (قدس سره) على ما مرّ، و كذا عن الكافي و الصدوق، قال: و رواه الصدوق بإسناده عن زرارة مثله إلى قوله: «حتّى يذهب العقل» (2).

و أمّا الاستدلال بباقي الإطلاقات- كما اشتهر في كتب الأصحاب-: من صحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا يوجب الوضوء إلّا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها» (3)، و صحيحه الثالث عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك، أو النوم» (4)، و خبر زكريّا بن آدم قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الناسور أ ينقض الوضوء؟ قال: «إنّما ينقض الوضوء ثلاث: البول، و الغائط، و الريح» (5)، و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرعاف و الحجامة و كلّ دم سائل فقال: «ليس في هذا وضوء، إنّما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك» 6، و غير ذلك من الروايات (7) فغير خالٍ عن الإشكال، فإنّ مثل تلك الأخبار تكون في مقام بيان عدم ناقضيّة غير ما ذكر، لا في مقام بيان ناقضيّة البول و الغائط و الريح حتّى يتمسّك بإطلاقها، و بعضها الظاهر في كونه في مقام بيان ناقضيّة‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 249 ح 2 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 249.

(3) التهذيب: ج 1 ص 346 ح 1016، وسائل الشيعة: ج 1 ص 245 ح 2 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 248 ح 1 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) 5 و 6 وسائل الشيعة: ج 1 ص 250 ح 6 و 5 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(7) وسائل الشيعة: ج 1 ص 248، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

8

..........

____________

ذلك (كصحيح الثاني لزرارة بقرينة قوله (عليه السلام): «أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها» (1) يناقش في إطلاقه من جهة اخرى- كما أشار إليه في مصباح الفقيه (2)- و هي أنّه ليس البول و الغائط بوجودهما ناقضين للوضوء و ليس كلّ إضافةٍ متعلّقةٍ بهما ناقضةً له؛ فالناقض محوّل إلى ارتكاز العرف الّذي لا يشكّ أنّه خروج البول و الغائط، كما في قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...» (3) فإنّ متعلّق التحريم لم يذكر، لإيكاله إلى ارتكاز العرف، فحينئذٍ يكون ما وُكل إلى الارتكاز من الخروج قرينة متّصلة بالكلام، و لا ريب أنّ القدر المتيقّن لدى الارتكاز هو الخروج على النحو المتعارف بشرط الاعتياد، و أمّا الخروج مع عدم الاعتياد أو على النحو غير المتعارف فمشكوك لدى العرف، و لا يمكن التمسّك بإطلاق قوله: «الغائط أو البول»، لاكتنافه بقرينة متّصلة صالحة للتقييد، و لا بإطلاق الخروج، لعدم كونه في الكلام، بل هو ممّا قام عليه الارتكاز العرفيّ، فتأمّل.

و أمّا الدليل على ناقضيّة ما يخرج من غير المخرج الأصليّ مع انسداد المخرج الأصليّ و الانحصار (مضافاً إلى إلقاء الخصوصيّة في نظر العرف و إمكانِ ادّعاء وضوح المقصود لدى العرف في مثل الصحيح الثاني لزرارة بالنسبة إليه أيضاً كالمخرج الأصليّ إذا كان الخروج منه بحسب العادة و كان على النحو المتعارف) فهو خبر العلل عن الرضا (عليه السلام) قال:

«إنّما وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين خاصّة، و من النوم، دون سائر الأشياء، لأنّ الطرفين هما طريق النجاسة، و ليس للإنسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه إلّا منهما، فامروا بالطهارة عند ما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم ...» (4).

فإنّ مقتضى التعليل: أنّ ما صدق عليه أنّه طريق النجاسة- و لو من باب سدّ الطريق الأصليّ و انحصار الطريق فيه- فما يخرج منه من البول أو الغائط ناقضٌ للوضوء.

و منه يظهر الدليل على ناقضيّة ما يخرج من غير المخرج الأصليّ إذا صار معتاداً و إن لم يكن الطريق الأصليّ منسدّاً، فإنّه يصدق بعد الاحتياط أنّه طريق للنجاسة.

____________

(1) تقدّم آنفاً.

(2) ج 2 ص 15.

(3) سورة المائدة: 3.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 251 ح 7 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

9

..........

____________

إن قلت: لا يدلّ عليه، فإنّ مقتضى قوله «و ليس للإنسان»: أنّ الملاك للناقضيّة هو انحصار طريق النجاسة في الطرفين.

قلت: الظاهر أنّ العلّة- و هي الّتي عقيب اللام- هي أصل الطريقيّة للنجاسة، و قوله «و ليس للإنسان» علّة للحصر؛ فهو علّة للحصر، لا أنّ الحصر علّة لأصل الناقضيّة.

إن قلت: إن كان المقصود من قوله: «لأنّ الطرفين هما طريق النجاسة» هو الطريقيّة بحسب النوع و الخلقة الأصليّة فلا يدلّ على ناقضيّة ما يخرج من غير المخرج الأصليّ حتّى مع الانسداد و الانحصار. و إن كان المقصود منه هو الطريقيّة بحسب العادة الشخصيّة فمقتضى كون المفهوم مخصّصاً و أنّ ما ليس بطريقٍ شخصيٍّ لا يكون الخارج منه ناقضاً: عدم ناقضيّة ما يخرج من المخرج الأصليّ إذا كان على خلاف الاعتياد.

قلت: كون الطريق الفعليّ المتحقّق بحسب العادة أو بلحاظ انحصار الطريق مراداً مسلّم بحسب ظاهر اللفظ، و من المحتمل أن يكون أعمّ منهما و أن يكون الملاك ما يخرج ممّا يصدق عليه طريق النجاسة إلّا من باب كونه كذلك بحسب أصل الخلقة أو من باب كونه كذلك بحسب العادة، و الاحتمال المذكور كافٍ في المحافظة على إطلاق خبر زرارة فيهما الدالّ بإطلاقه على ناقضيّة الخارج من الذكر و الدبر مطلقاً.

و أمّا عدم ناقضيّة الخارج من غير المخرج الأصليّ إذا لم يكن معتاداً فلوجهين:

أحدهما: عدم إطلاق في البين يدلّ بالنسبة إلى غير المخرج الأصليّ.

ثانيهما: أنّه على فرض الإطلاق يقيّد بمفهوم التعليل الوارد في خبر العلل، فإنّه إذا لم يكن واجداً لملاك الطريقيّة الشخصيّة و لا النوعيّة بحسب الخلقة فمفهوم التعليل- الدالّ على أنّ الملاك هو الخروج من طريق النجاسة و أنّ الخارج ممّا ليس بطريق شرعيّ لا يكون موجباً للوضوء- يدلّ على التقييد و الاختصاص بصورة كونه طريقاً للنجاسة و لو بملاك الاعتياد.

و توهّم «أنّه يكفي في صدق مفاد التعليل خروج النجاسة حتّى في الدفعة الاولى» ساقطٌ جدّاً، لأنّه مع وضوح عدم الصدق عرفاً يكون المقصود خروجَ الدم و القي‌ء و الحجامة من كونه ناقضاً مع أنّ الأنف طريق لخروج الدم في الجملة، فالمراد من‌

10

..........

____________

الطريقيّة هو الطريقيّة الفعليّة بحسب العادة أو الأعمّ منه و من الحاصل بالخلقة الأصليّة، و أمّا الطريقيّة الأحيانيّة فليست بمرادة قطعاً.

و ممّا ذكر تظهر- مضافاً إلى أقربيّة قول المشهور و ضعف ما اشتهر في هذه العصور من إطلاق القول بناقضيّة البول و الغائط- امور:

منها: أنّ المراد من الطريق غير الأصليّ مع انسداد الأصليّ هو الطريق المنحصر، فإطلاق عبارة المتن مخدوش.

و منها: أنّ الطريقيّة كما تصدق مع الاعتياد و التكرير كذلك قد تصدق في الدفعة الاولى، و هو في الطريق المنحصر.

و منها: أنّه يمكن أن يقال بصدقها أيضاً في غير المنحصر في الدفعة الاولى إذا كان جريان العادة على طبقها معلوماً، فيمكن أن يكون المقصود من لفظ العادة ما يشمل ذلك أيضاً، كما في عمليّة السفر الّتي تصدق على السفرة الاولى أيضاً إذا كان بانياً على الاستمرار.

إن قلت: مقتضى الآية الشريفة أي قوله تعالى: «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (1): وجوب التيمّم لمطلق المجي‌ء من الغائط، فتشمل ما إذا تخلّى أو بال من المخرج غير الأصليّ غير المعتاد.

قلت: قوله تعالى «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً ...» 2 مشعر بعدم كونه في مقام بيان موجب التيمّم إلّا بمقدار كونه موجباً للوضوء؛ فلعلّ المقصود أنّ ما يوجب الوضوء على تقدير الماء و ما يوجب الغسل كذلك موجب للتيمّم على تقدير عدم وجدان الماء.

إن قلت: قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» 3 يدلّ على وجوب الوضوء في جميع أوقات القيام إلى الصلاة، فإذا دلّ الدليل على بقاء الوضوء مع عدم وجود النواقض نأخذ به في ما إذا علم عدم طروّ النواقض؛ و في ما إذا شكّ في طروّ ما يعلم ناقضيّته لا يمكن الأخذ بالإطلاق المذكور، لأنّه من قبيل التمسّك بالإطلاق في الشبهة المصداقيّة للقيد، و أمّا إذا شكّ في‌

____________

(1) 1 و 2 و 3 سورة المائدة: 6.

11

..........

____________

كون شي‌ء ناقضاً بحسب الحكم الشرعيّ فما المانع من الرجوع إلى الإطلاق المذكور؟

إن قلت: الحكم ببقاء الوضوء مع عدم النواقض وارد على الآية الشريفة، لأنّه يحكم بأنّه واجد لغسل الوجه و الأيدي، و مع الشكّ في الناقض يشكّ في العموم.

قلت: الحكم ببقائه ليس من قبيل الورود بالضرورة، لأنّه ليس باقياً بالوجدان، فهو حاكم، فتأمّل.

إن قلت: مقتضى موثّق ابن بكير: كون الآية الشريفة راجعةً إلى القيام من النوم، قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قوله تعالى: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (1) ما يعني بذلك «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» 2 قال: «إذا قمتم من النوم ...» (3).

قلت: يمكن أن يكون المقصود أنّ القيام من النوم أيضاً مراد، لا أنّ المراد منحصر بذلك، من باب أنّ تقييد القيام بالقيام عن النوم تقييد بالفرد النادر.

قلت: مجيباً عن أصل التمسّك بالآية الشريفة: إنّ الظاهر من الموثّق المذكور أنّ المراد خصوص القيام من النوم، لقوله: ما يعني بذلك، لأنّه ظاهر في السؤال عن المفهوم، لا عمّا هو المصداق للمفهوم. و ما ذكر من «أنّ التقييد بالقيام عن النوم تقييد بالفرد النادر» إنّما هو إذا كان القيام كنايةً عن «إرادة الصلاة» باعتبار أنّ التوجّه و القصد إلى الشي‌ء بعد الانصراف عنه بمنزلة القيام، و أمّا إذا كان كنايةً عن الانصراف عن بعض ما يكون مناسباً لأن يسمّى الانصراف عنه بالقيام و إن لم يرد الصلاة فالمناسب أن يكون هو القيام عن النوم، لعدم مدخليّة القيام من الامور الاخر في لزوم الوضوء، فتأمّل.

و الحاصل: أنّه يحتمل أن تكون الآية بمناسبة لفظ القيام متعرّضةً لخصوص النوم من الموجبات. و «استبعاد التعرّض للفرد النادر بالنسبة إلى سائر الأفراد من النواقض و عدم ذكر الامور الاخر» مدفوعٌ باحتمال التعرّض للموجبات الاخر قبل الآية الشريفة و كونه في مقام بيان كيفيّة الوضوء؛ و لا ينافي ما ذكر، إذ لعلّ الوضوء قبل ذلك كان بكيفيّة اخرى، فتأمّل. و كيف كان، فلا يمكن رفع اليد عن ظهور الموثّق. و اللّٰه العالم.

____________

(1) 1 و 2 سورة المائدة: 6.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 253 ح 7 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

12

و لا فرق فيهما بين القليل و الكثير (1) حتّى مثل القطرة و مثل تلوّث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة. نعم، الرطوبات الاخر غير البول و الغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضةً، و كذا الدود أو نوى التمر و نحوهما إذا لم يكن متلطّخاً بالعذرة.

____________

(1) أقول: لبعض الإطلاقات المتقدّمة.

و يدلّ عليه أيضاً خبر عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع كيف يصنع؟ قال: «إن خرج نظيفاً من العذرة فليس عليه شي‌ء و لم ينقض وضوءه، و إن خرج متلطّخاً بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء، و إن كان في صلاته قطع الصلاة و أعاد الوضوء و الصلاة» (1).

و يدلّ على الحكم في البول الأخبار الواردة في البلل الدالّة على كونه بولًا قبل الاستبراء (2).

و لا يعارض ذلك ما دلّ على عدم ناقضيّة ما يسقط من الإنسان من حبّ القرع و الدوابّ، مثل صحيح حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسقط منه الدوابّ و هو في الصلاة، قال: «يمضي في صلاته، و لا ينقض ذلك وضوءه» 3، و كذا رواية فضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يخرج منه مثل حبّ القرع، قال: «ليس عليه وضوء» (4).

أمّا الأوّل فلأنّ عدم ناقضيّة الدوابّ من حيث هي لا يدلّ على عدم ناقضيّة شي‌ء آخر يخرج معه أحياناً؛ مع أنّه على فرض الإطلاق يقيّد بمثل رواية عمّار بن موسى (5) الحاكم بالناقضيّة إذا كان الشي‌ء الخارج متلطّخاً بالعذرة.

و أمّا الثاني فلأنّه روى الشيخ عن الحسين بن سعيد هذا الخبر بعينه و لكن فيه:

«قال: عليه وضوء» 6، و من الواضح أنّه لا يبقى بعد ذلك وثوق بالنقل الأوّل.

____________

(1) 1 و 3 و 6 وسائل الشيعة: ج 1 ص 259 ح 5 و 4 و 6 من ب 5 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) راجع وسائل الشيعة: ج 1 ص 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 258 ح 1 من ب 5 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) تقدّمت آنفاً.

13

[الثالث: الريح الخارج من مخرج الغائط إذا كان من المعدة]

الثالث: الريح الخارج من مخرج الغائط إذا كان من المعدة (1)،

____________

مضافاً إلى أنّه ليس ظاهراً في خروج العذرة بمقدار حبّ القرع، بل لعلّ المراد خروج شي‌ء منه من مثل حبّ القرع من الأشياء الخارجة، فيكون المقصود السؤال عن حبّ القرع و ما يكون مثله، مثل النواة أو الحمّص أو غير ذلك، بل هو أظهر. و اللّٰه العالم.

(1) أقول: و إن كان هو غير المخرج الأصليّ، لصدق الضرطة و الفسوة على ذلك أيضاً.

و توهّم أنّ مقتضى قوله (عليه السلام) في خبر زرارة: «لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم» (1) و مفهوم قولهما (عليهما السلام) في الخبر الآخر (2) بعد السؤال عمّا ينقض الوضوء: «ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر: من الغائط و البول أو منيّ أو ريح ...»:

حصرُ الناقض في ما يخرج من الدبر، و بذلك يقيّد ما تقدّم (3) من خبر زرارة الدالّ على أنّ الناقض مطلق ما يصدق عليه الضرطة و الفسوة.

مدفوعٌ أوّلًا بأنّه لا يبعد أن يكون الموصول في الخبرين عنواناً مشيراً إلى الريح الخارج.

و ثانياً بأنّ التأمّل في جميع أخبار الباب يرشد إلى الظنّ بأنّ الحصر إضافيّ و أنّه في مقابل ما نقل من علماء العامّة من النقض بالرعاف و الحجامة و إنشاد الشعر.

و ثالثاً بأنّ الحصر في الريح الخارج من الدبر في قبال الريح الخارج من غيره من باب كونه الفرد الشائع من مصاديق الضرطة و الفسوة، فالحصر فيه من باب أنّه أشهر المصاديق و أوضحها.

و رابعاً بأنّ مقتضى التعليل المتقدّم (4) عن العلل أنّه لا خصوصيّة للمجرىٰ إلّا كونه طريقاً للنجاسة.

ثمّ إنّ الأحوط لو لم يكن أقوى ناقضيّةُ الخارج من الدبر و إن لم يصدق عليه الاسمان كالمستخرج منه ببعض الوسائل المستحدثة، لإطلاقِ منطوق صحيح زرارة عنهما (عليهما السلام)- المتقدّم كراراً- و عدمِ وضوح كون الحصر في الخبر الآخر في ما يصدق‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 248 ح 1 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المتقدّم في ص 7.

(3) في ص 7.

(4) في ص 8.

14

صاحب صوت أو لا (1)، دون ما خرج من القبل، أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان، أو إذا دخل من الخارج ثمّ خرج.

____________

عليه الاسمان حقيقيّاً، فتأمّل.

و منه يظهر أنّه لو لم يخرج الريح من الدبر و لم يصدق عليه الاسمان فلا وجه للناقضيّة، بل هي تدور مدار أحد الأمرين من الخروج عن الدبر أو صدق الاسمين.

(1) أقول: حكى في الجواهر عن المدارك أنّه قال بعد ذكر بعض الأخبار المشتمل على تقيّد الريح بسماع الصوت و وجدان الريح: إنّ مقتضى ذلك أنّ الريح لا يكون ناقضاً إلّا مع أحد الوصفين (1).

و لا يخفى أنّ منشأ ذلك بعض الأخبار مثل خبر زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا يوجب الوضوء إلّا من غائط، أو بول، أو ضرطة تسمع صوتها، أو فسوة تجد ريحها» (2)، و خبر سماعة، قال: سألته عمّا ينقض الوضوء، قال: «الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه ...» (3).

و لكن مقتضى الجمع بينه و بين خبر عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: و سألته عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أنّ ريحاً قد خرجت فلا يجد ريحها و لا يسمع صوتها، قال: «يعيد الوضوء و الصلاة، و لا يعتدّ بشي‌ء ممّا صلّى إذا علم ذلك يقيناً» (4) أن يقال:

إنّ التقيّد بالقيدين المذكورين إنّما هو في مقام المبالغة في عدم الاعتناء إلّا مع اليقين، لا أنّ التقيّد المذكور يكون بالنسبة إلى مقام الثبوت، هذا.

مضافاً إلى أنّ بعض الأخبار المشتمل على التقيّد ظاهر في التقيّد بذلك في صورة الشكّ و الترديد، كما في الخبر المرويّ عن المعتبر (5)، قال في الوسائل: و روى المحقّق في المعتبر عنه (صلى الله عليه و آله) قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أ خَرَجَ منه شي‌ء أم لا؟ لم يخرج من المسجد حتّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» 6، و خبر عبد الرحمن‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 1 ص 394.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 245 ح 2 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 246 ح 4 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) 4 و 6 وسائل الشيعة: ج 1 ص 248 ح 9 و 10 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) ج 1 ص 120.

15

[الرابع: النوم مطلقاً]

الرابع: النوم مطلقاً و إن كان في حال المشي (1) إذا غلب على القلب و السمع و البصر، فلا تنقض الخفقة إذا لم تصل إلى الحدّ المذكور.

____________

ابن أبي عبد اللّه أنّه قال للصادق (عليه السلام): أجد الريح في بطني حتّى أظنّ أنّها قد خرجت؟

فقال: «ليس عليك وضوء حتّى تسمع الصوت، أو تجد الريح». ثمّ قال: «إنّ إبليس يجلس بين أليتي الرجل فيحدث ليشكّكه» (1)، و خبر معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الشيطان ينفخ في دبر الإنسان حتّى يخيّل إليه قد خرج منه ريح، و لا ينقض الوضوء إلّا ريح تسمعها أو تجد ريحها» 2.

و لا يخفى أنّ مقتضى قوله في الخبر الأوّل من الأخيرين بعد الحكم «إنّ إبليس يجلس ...»‌

و مقتضى تفريع عدم نقض الوضوء إلّا مع القيدين في الأخير على ما تقدّم من وسوسة الشيطان: أنّ العلّة في التقيّد بذلك عدم الوسوسة و متابعة الشيطان الحاكم بترتيب الأثر مع الظنّ بخروج الريح، و ذلك حاكم على الخبر المشتمل على التقيّد و مفسّر له، فالمسألة واضحة جدّاً. و اللّٰه العالم.

(1) أقول: الأخبار الواردة في النوم على طوائف:

الاولى: ما يدلّ على كون مطلق النوم ناقضاً.

و هي على قسمين:

أحدهما: ما يدلّ على ذلك بالإطلاق:

كخبر ابن أبي عمير عن إسحاق بن عبد اللّه الأشعريّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا ينقض الوضوء إلّا حدث، و النوم حدث» (3).

فإنّه لو لا الإطلاق في الكبرى- و هو ناقضيّة مطلق الحدث- لم يكن ينتج ناقضيّة النوم، فمطلق الحدث ناقض، و الظاهر منه أنّ مطلق النوم حدث.

و الحاصل: أنّ الإشكال الوارد على مثله من الأخبار الّتي بصدد عدم ناقضيّة أشياء اخر غير وارد فيه، لأنّه (عليه السلام) بصدد الاستنتاج، و لا يمكن إلّا مع كلّيّة الكبرى. و أمّا‌

____________

(1) 1 و 2 وسائل الشيعة: ج 1 ص 246 ح 5 و 3 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 253 ح 4 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

16

..........

____________

الإطلاق في قوله: «و النوم حدث» فليس مورداً للإشكال المذكور، فالجملة المشتملة على الكبرى مطلقة، لكونها مورداً للاستنتاج، و المشتملة على الصغرى و هو قوله:

«و النوم حدث» أيضاً مطلقة، لعدم وجه لانصرافها إلى بعض الأفراد، فتأمّل.

ثانيهما: ما يدلّ عليه بالتصريح:

كخبر عبد الحميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من نام و هو راكع أو ساجد أو ماشٍ على أيّ الحالات فعليه الوضوء» (1).

الثانية: ما يدلّ على أنّ الناقض هو الّذي يغلب على السمع:

كموثّق ابن بكير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قوله تعالى: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» ما يعني بذلك «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ»؟ قال: «إذا قمتم من النوم». قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: «نعم، إذا كان يغلب على السمع و لا يسمع الصوت» 2، إلى غير ذلك من الأخبار الصريحة في ذلك.

الثالثة: ما يدلّ على اشتراط كونه بمذهب العقل:

كصحيح زرارة عنهما (عليهما السلام)، قال: قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: «ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر و الدبر: من الغائط و البول، أو منيّ، أو ريح، و النوم حتّى يذهب العقل. و كلّ النوم يكره إلّا أن تكون تسمع الصوت» (3).

و لا يخفى أنّ مقتضى الجمع بين الطائفتين الأخيرتين و عدم التصرّف في إطلاقهما هو الحكم بالتلازم و أنّ الغلبة على السمع مستلزمة لذهاب الإدراك؛ و هو كذلك بحسب البرهان، فإنّه لا وجه لعدم السماع المستند إلى النوم إلّا زوال الإدراك. و هذا بخلاف غمض العين المستند إليه، فإنّه قد يكون لغلبة النوم مع بقاء الإدراك و الاختيار و قد يكون لها مع بقاء الإدراك و زوال الاختيار، فعدم السماع الّذي ليس من باب الغفلة عين زوال الإدراك في الجملة، فمرجع الشرطين إلى أمر واحد هو زوال الإدراك. و ربما يشير إلى ذلك صحيح زرارة قوله (عليه السلام): «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذُن» (4)،

____________

(1) 1 و 2 وسائل الشيعة: ج 1 ص 253 ح 3 و 7 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 249 ح 2 من ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 245 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

17

..........

____________

فإنّه جعل القلب و الاذُن في رديف واحد متأخّر عن نوم العين.

و أمّا الجمع بينهما و بين الاولى من الطوائف فيمكن بأمرين:

أحدهما: تقييد إطلاق النوم بالقيدين اللذين عرفت أنّ مرجعهما إلى أمر واحد.

ثانيهما: الالتزام بأنّ حقيقة النوم ليست إلّا زوال الإدراك. و أمّا غمض العين مع القدرة على إبقائها مفتوحةً لعدم الداعي على مقاومة النوم أو بلا قدرة و اختيار مع بقاء الإدراك الكامل التامّ فلا يعدّ نوماً في العرف و الشرع.

و الدليل على ذلك خبر زيد الشحّام، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين، فقال: «ما أدري ما الخفقة و الخفقتان؟ إنّ اللّٰه تعالى يقول: «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (1)، إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم فإنّما أوجب عليه الوضوء» (2).

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و ذكر مثله، إلّا أنّه قال:

«من وجد طعم النوم قائماً أو قاعداً فقد وجب عليه الوضوء» 3.

فإنّه صريح في أنّ صِرف الخفقة و الخفقتين لا يكون نوماً مع تلازمه دائماً أو غالباً لنوم العين، لا أنّه نوم لكنّه ليس بناقض.

مع أنّ إيكال معرفة النوم إلى الإنسان يكاد يكون صريحاً أيضاً في عدم تعبّد في النوم بلحاظ الناقضيّة، و إلّا لم يكن حُسنٌ في قوله: «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» 4 الصريح في عدم الاحتياج إلى السؤال، و كذا في نقل قول الأمير (عليه السلام) في مقام بيان الحكم مع أنّه ليس إلّا المبالغة في ناقضيّة أوّل درجة النوم، و كذا في نفس قوله (عليه السلام). هذا.

مضافاً إلى أنّ الالتزام بذلك تحفّظٌ على الإطلاق الدالّ على ناقضيّة النوم على وجه الإطلاق.

و أمّا إطلاق النوم في بعض الأخبار على غمض العين كصحيح زرارة المتقدّم (5) من قوله: «قد تنام العين» و صحيحه الآخر (6) عنهما من قولهما: «و النوم حتّى يذهب العقل.

و كلّ النوم يكره إلّا أن تكون تسمع الصوت» فلعلّه من باب التسامح أو من باب نسبة‌

____________

(1) 1 و 4 سورة القيامة: 14.

(2) 2 و 3 وسائل الشيعة: ج 1 ص 254 ح 8 و 9 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) في ص 16.

(6) المتقدّم في ص 16.

18

..........

____________

النوم إلى العين، فنوم العين يصدق حقيقةً على غمضها، بخلاف نوم الإنسان فإنّه لا يصدق إلّا على المزيل للإدراك.

فمحصّل الكلام في الجمع بين الطوائف الثلاثة: أنّ النوم الناقض هو المزيل للإدراك و أنّه النوم حقيقةً.

إن قلت: مقتضى ما تقدّم (1) من خبر عبد الحميد من «كون نوم الماشي ناقضاً» و خبر ابن المغيرة و محمّد بن عبد اللّه عن الرضا (عليه السلام) «أنّ النوم على الدابّة ناقض» (2) و غير ذلك ممّا دلّ على ناقضيّة النوم في حال السجود و القعود و القيام (3): أنّه لا يشترط في ناقضيّة النوم زوال الإدراك، لوجود الإدراك في الموضوعات المذكورة في الأخبار المشار إليها، فإنّ المشي يحتاج إلى الإدراك الدائم، فهو معارض للأخبار الدالّة على أنّ الملاك في النقض ذهاب الإدراك.

قلت: حيث إنّ من المعلوم أنّه ليس النوم بلغ ما بلغ مُذهباً للإدراك بحيث لا يسمع أيّ صوت و لا يحسّ أيّ إزعاج و زجر فليس المقصود ممّا دلّ على ذهاب العقل هو ذهابه المطلق و كذا ما دلّ على أنّ الملاك عدم سماع الصوت، فلا بدّ حينئذٍ إمّا من الحملِ على أنّ المقصود منهما عدمُ سماعه في الجملة و ذهابُ الإدراك كذلك أو القولِ بأنّ الجمع بين الدالّة على أنّ الملاك ذهاب العقل و الدالّة على أنّ الملاك عدم سماع الصوت يقتضي حملَ ما دلّ على أنّ الملاك ذهاب العقل على كون المقصود ذهابه بمقدار عدم سماع الصوت المتعارف، فحينئذٍ يتصرّف في الاولى بالحمل المذكور و في الثانية بالحمل على عدم سماع الصوت المتعارف.

و لا ريب أنّ الأوّل أقوى، لأنّه أقرب إلى التحفّظ على الإطلاق، لصدق النوم حقيقةً على من زال إدراكه في الجملة، و قد عرفت أنّ خبري زيد الشحّام و عبد الرحمان (4) كالصريحين في نقض ما يصدق عليه النوم مع كون صدرهما صريحاً في إمكان كون الخفقة نوماً مع أنّها قد تكون أوّل درجة لزوال الإدراك، لوضوح أنّه لا يذهب الإدراك‌

____________

(1) في ص 16.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 252 ح 2 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) راجع وسائل الشيعة: ج 1 ص 252، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المتقدّمين في ص 17.

19

..........

____________

بمقدار لا يسمع صوتاً من الأصوات المتعارفة بصِرف الخفقة، فيحمل ما دلّ على اشتراط زوال الإدراك أو عدم سماع الصوت على حصول ذلك في الجملة. هذا.

مضافاً إلى أنّ حمل عدم سماع الصوت على عدم سماعه بالمقدار المتعارف إحالةٌ على المجهول، فتأمّل.

الطائفة الرابعة: ما يستفاد منه عدم ناقضيّة النوم في بعض الحالات:

فبعضها يدلّ على عدم كونه ناقضاً في حال الجلوس، كالّذي رواه الصدوق، قال:

سُئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرقد و هو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: «لا وضوء عليه ما دام قاعداً إن لم ينفرج» (1).

و بعضها يدلّ على عدم نقضه حال الصلاة، كخبر سماعة بن مهران أنّه سأله عن الرجل يخفق رأسه و هو في الصلاة قائماً أو راكعاً، فقال: «ليس عليه وضوء» (2).

و الجواب عنها أحد امور على سبيل منع الخلوّ:

منها: عدم اعتبار بعض الأحاديث المشار إليها في نفسه، فإنّ عمران بن حمران روى عن عبدٍ صالحٍ أنّه قال: «من نام و هو جالس لا يتعمّد النوم فلا وضوء عليه» (3)، لوضوح أنّه لم يعلم كون العبد الصالح هو الإمام (عليه السلام)، و الكناية عن موسى (عليه السلام) إنّما يكون بالعبد الصالح معرّفاً، لا منكّراً كما في الحديث المذكور.

و منها: الحمل على صورة عدم معلوميّة طروّ النوم المزيل للإدراك كما في خبر سماعة (4)، فإنّ حصول الخفقة في حال الصلاة لا يدلّ على النوم، لأنّ حصولها إنّما يكون كغمض العين قد تتحقّق في حال الإدراك و سماع جميع الأصوات و الكلمات، و لذا ورد في صحيح زرارة المعروف أنّ الخفقة و الخفقتين لا توجب الوضوء (5)، فالمقصود أنّه لا يحكم بوجوب الوضوء بصِرف طروّ ذلك.

و منها: الحمل على التقيّة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 254 ح 11 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 255 ح 12 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 256 ح 14 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المتقدّم آنفاً.

(5) وسائل الشيعة: ج 1 ص 245 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

20

..........

____________

و الشاهد عليه أمران:

أحدهما: أنّ فتوى أكثر فقهاء العامّة كأبي حنيفة و الشافعيّ و مالك على ما في المنتهى عدم ناقضيّة النوم في حال القعود (1) المستلزم لعدمها في حال القيام و الركوع أيضاً. و أبو حنيفة يفتي بعدم ناقضيّة النوم في حال الصلاة 2. و مقتضى إطلاقها: عدم حصول النقض و إن بلغ النوم ما بلغ إذا كان في حال الصلاة.

ثانيهما: وجود شواهد في الأخبار تدلّ على التقيّة و كون الحكم جارياً مجرى موافقة فقهاء العامّة:

فمنها: خبر بكر بن أبي بكر الحضرميّ، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل ينام الرجل و هو جالس؟ فقال: «كان أبي يقول إذا نام الرجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء ...» (3).

فإنّه لو كان السائل من الشيعة فلا داعي لنقل قول أبيه (عليه السلام)، و إن كان من العامّة فلا ينفعه قول أبيه أيضاً، فلا داعي بحسب الظاهر إلّا الجري مجرى التقيّة و عدم الفتوى حتّى الإمكان على خلاف الواقع و الاكتفاء بالنقل عن أبيه (عليه السلام) الّذي هو أقلّ محذوراً من الفتوى على خلاف الواقع.

و منها: خبر عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام):

في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام و هو جالس؟ قال: «إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، و ذلك أنّه في حال ضرورة» 4.

فإنّه بيّن كونه ناقضاً حتّى في يوم الجمعة في المسجد، لأنّ عدم الوضوء عليه من باب الضرورة و تبديل تكليفه إلى التيمّم- كما في بعض الأخبار الاخر (5)- مفاده الناقضيّة المطلقة؛ و بيان ذلك بما يوهم الموافقة مع العامّة في الجملة لا وجه له بحسب الظاهر إلّا التقيّة.

و منها: مصحّح أبي الصباح الكنانيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

____________

(1) 1 و 2 منتهى المطلب: ج 1 ص 194 و 195.

(3) 3 و 4 وسائل الشيعة: ج 1 ص 256 ح 15 و 16 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 3 ص 344 ح 3 من ب 3 من أبواب التيمّم.

21

..........

____________

سألته عن الرجل يخفق و هو في الصلاة، فقال: «إن كان لا يحفظ حدثاً منه- إن كان- فعليه الوضوء و إعادة الصلاة، و إن كان يستيقن أنّه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا إعادة» (1).

فإنّه إن كان المقصود بيان أنّ النوم ليس ناقضاً بنفسه بل الناقض احتمال الحدث في حال النوم كان الأنسب أن يقول: إن كان يحتمل حدوثَ الحدث فعليه الإعادة و إلّا فلا، و إن كان المقصود بيان أنّه إن كان النوم مزيلًا للإدراك- و علامته أنّه لا يحفظ حدوث الحدث إن كان و لو كان قاطعاً بعدم حدوثه- فعليه الوضوء و الإعادة و إلّا فلا لم تكن العبارة المناسبة له ما في الخبر كما هو واضح؛ فالمظنون أنّ المقصود هو الثاني، و بيان المطلب المذكور بالعبارة المذكورة الموهمة لموافقة العامّة- من عدم مبطليّة النوم في الصلاة مطلقاً- من باب الجري على مذاقهم. و اللّٰه أعلم.

ثمّ لا يخفى أنّه قد يمكن أن يكون الجري على مذاقهم لا من باب التقيّة الّتي ملاكها الخوف من الضرر الدينيّ أو الدنيويّ المهمّ شرعاً، بل ربما يكون السائل منهم و آخذاً بفتواهم بحيث لو علم أنّ الفتوى ليست منهم لم يعمل بها و كان بيان فتواه (عليه السلام) له لغواً صِرفاً لا يعمل بها و لا ينقلها؛ فحينئذٍ يفتي (عليه السلام) على طبق آراء مراجعهم، و لا غرو في ذلك إذا كان السائل جاهلًا قاصراً و كان فتواهم معذّراً له بحسب اعتقاده الخطئيّ المعذور فيه، و ذلك كمن يقلّد في عصرنا من ليس له أهليّة في الواقع لكنّه قامت عنده الحجّة المعذّرة على جواز تقليده و يسأل الفقيه الجامع للشرائط عن فتوى مرجعه و يعلم الفقيه بأنّ نقل فتوى نفسه لغوٌ صِرفٌ لا يعمل بها و يكشف بعد ذلك أنّها ليس فتوى مرجعه و لا يعمل بها بل يسوء الظنّ بالمسئول و ينسبه إلى الجهل بالمسائل و الأحكام، فحينئذٍ لا إشكال في نقل فتوى مرجعه شرعاً و عرفاً، فتأمّل. هذا تمام الكلام في هذه الطائفة.

الطائفة الخامسة: ما ربما يوهم أنّه ليس النوم بما هو ناقض للوضوء، بل ناقضيّته من باب احتمال خروج الحدث.

و هو منحصر في خبرين على ما في الوسائل:

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 253 ح 6 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

22

[الخامس: كلّ ما أزال العقل]

الخامس: كلّ ما أزال العقل (1)، مثل الإغماء و السكر و الجنون دون مثل البهت.

____________

أحدهما: ما تقدّم (1) من مصحّح أبي الصباح الكنانيّ.

ثانيهما: خبر العلل، و فيه:

«و أمّا النوم فإنّ النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كلّ شي‌ء منه و استرخى، فكان أغلب الأشياء عليه في ما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلّة» (2).

لكن تقدّم أنّه لا يبعد أن يكون المقصود من الأوّل بيان أنّ الناقض هو النوم الحقيقيّ الّذي ليس إلّا ما يزيل الإدراك، و علامته عدم حفظ الحدث إن كان؛ و أمّا إذا استيقن من حيث النوم أنّه لم يحدث فلا وضوء عليه، لعدم تحقّق النوم الحقيقيّ الّذي يزيل الإدراك في الجملة.

و أمّا الثاني: فالظاهر أنّ العلّة هي كون أغلب الأشياء عليه الريح و ليست العلّة خروج الريح بنفسه، فالعلّة معرضيّة الإنسان لخروج الريح بدون أن يحسّ بذلك.

هذا تمام الكلام في شرح أخبار النوم. و اللّٰه وليّ التوفيق و الإنعام.

(1) أقول: في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل في المدارك: الإجماع عليه، بل عن التهذيب: إجماع المسلمين، كما في المنتهى: لا نعرف خلافاً بين أهل العلم (3).

و في المصباح: و عن الخصال أنّ من دين الإماميّة أنّ مُذهب العقل ناقض، و عن البحار أنّ أكثر الأصحاب نقلوا الإجماع عليه (4).

و يمكن أن يستدلّ عليه بالتعليل المتقدّم (5) في خبر العلل لكنّه أخصّ من المدّعى، فراجع و تأمّل.

و أمّا الاستدلال عليه بمصحّح معمّر بن خلّاد- كما في كتب الأصحاب- قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علّة لا يقدر على الاضطجاع، و الوضوء يشتدّ عليه و هو قاعد مستند بالوسائد، فربّما أغفى و هو قاعد على تلك الحال. قال: «يتوضّأ».

قلت له: إنّ الوضوء يشتدّ عليه لحال علّته؟ فقال: «إذا خفي عليه الصوت فقد وجب‌

____________

(1) في ص 20.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 255 ح 13 من ب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) جواهر الكلام: ج 1 ص 408.

(4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 27.

(5) في ص 8.

23

[السادس: الاستحاضة القليلة بل الكثيرة و المتوسّطة]

السادس: الاستحاضة القليلة بل الكثيرة و المتوسّطة و إن أوجبتا الغسل أيضاً، و أمّا الجنابة فهي تنقض الوضوء لكن توجب الغسل فقط.

[مسألة 1- إذا شكّ في طروّ أحد النواقض بنى على العدم]

مسألة 1- إذا شكّ في طروّ أحد النواقض بنى على العدم، و كذا إذا شكّ في أنّ الخارج بول أو مذي مثلًا، إلّا أن يكون قبل الاستبراء فيحكم بأنّه بول، فإن كان متوضّئاً انتقض وضوؤه كما مرّ.

[مسألة 2- إذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شي‌ء من الغائط]

مسألة 2- إذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شي‌ء من الغائط لم ينتقض الوضوء، و كذا لو شكّ في خروج شي‌ء من الغائط معه.

[مسألة 3- القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض]

مسألة 3- القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض،

____________

عليه الوضوء ...» (1) من جهة أنّ الإغفاء هو الإغماء، فهو غير واضح، لأنّه نقل في الجواهر عن القاموس و الصحاح أنّ المراد بالإغفاء هو النوم (2).

و أمّا من جهة أنّ الموضوع و إن كان هو الّذي ينام قاعداً لكن قوله (عليه السلام): «إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء» يدلّ على أنّ خفاء الصوت موجب للوضوء مطلقاً، فهو أيضاً غير واضح، لأنّ كلامه (عليه السلام) يشتمل على الضمير العائد إليه، فيكون المقصود أنّه إذا خفي على هذا الشخص الّذي ربما أغفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء.

و مع ذلك و إن كان يمكن ادّعاء الإطلاق و القول بأنّ الشخص المذكور الّذي ربما نام إذا خفي عليه الصوت و لو في غير حال النوم إلّا أنّ المنصرف إليه حينئذٍ هو خفاء الصوت في حال النوم، بل لو كانت الشرطيّة المذكورة المستفادة من الضمير مصرّحةً بها في الكلام لم يكن وجه لأخذ الصفة- و هي قوله: فربما أغفى- إلّا بيان أنّ الخفاء في حال الإغفاء موجب للوضوء، لكن عود الضمير في الجواب ربما يكون لبيان الحكم الراجع إليه، فلا يكون صريحاً في كون المراد من خفاء الصوت هو الخفاء حال الإغفاء. نعم، هو الظاهر منه، فتأمّل.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 257 ح 1 من ب 4 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) جواهر الكلام: ج 1 ص 406.

24

و كذا الدم الخارج منهما إلّا إذا علم أنّ بوله أو غائطه صار دماً (1).

و كذا المذي (2) و الوذي (3)

____________

(1) أقول: فيه إشكال واضح، إلّا أن يكون إطلاق الدم عليه بالمسامحة و كان الخارج بولًا حقيقةً.

(2) كما يشهد به و باستحباب الوضوء عقيبه مصحّح محمّد بن إسماعيل:

«إنّ عليّاً (عليه السلام) أمر المقداد أن يسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و استحيىٰ أن يسأله» فقال: «فيه الوضوء». قلت: و إن لم أتوضّأ، قال: «لا بأس» (1).

و لا يخفى أنّ القدر المتيقّن من دلالته هو الخارج بشهوة كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام):

«و استحيى»، و حينئذٍ دلالته على الاستحباب حتّى في الخارج بشهوة بحيث تكون صريحةً فيه واضحة، فلا بدّ من حمل مصحّح عليّ بن يقطين الدالّ على التفصيل بين الخارج بشهوة و غيره على تأكّد الاستحباب في الخارج بشهوة، فعنه عن أبي الحسن (عليه السلام) عن المذي أ ينقض الوضوء؟ قال (عليه السلام): «إن كان من شهوة نقض» 2، و حمل مصحّحه الآخر الدالّ على الوضوء مطلقاً على الاستحباب المطلق، فعنه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي- و هو في الصلاة- من شهوة أو من غير شهوة، قال (عليه السلام): «المذي منه الوضوء» 3.

و لا يخفى أنّ الأخبار الدالّة على عدم الوضوء في المذي كثيرة (4)، فراجع.

(3) أقول: و يدلّ عليه- مضافاً إلى الأصل- ما يدلّ على حصر النواقض في المعروفة، خصوصاً مثل صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«إن سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو ودي و أنت في الصلاة فلا تغسله، و لا تقطع له الصلاة، و لا تنقض له الوضوء و إن بلغ عقبيك، فإنّما ذلك بمنزلة النخامة. و كلّ شي‌ء خرج منك بعد الوضوء فإنّه من الحبائل أو من البواسير، و ليس بشي‌ء، فلا تغسله من ثوبك إلّا أن تقذره» 5.

و خصوص خبر ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

____________

(1) 1 و 2 و 3 و 5 وسائل الشيعة: ج 1 ص 279 و 281 و 276 ح 9 و 11 و 16 و 2 من ب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 276، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

25

و الودي (1).

و الأوّل هو ما يخرج بعد الملاعبة (2)، و الثاني ما يخرج بعد خروج المنيّ، و الثالث ما يخرج بعد خروج البول.

مسألة 4- ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذي (3)

____________

«يخرج من الإحليل المنيّ و المذي و الوذي و الودي:

فأمّا المنيّ فهو الّذي يسترخي له العظام، و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل.

و أمّا المذي يخرج من شهوة و لا شي‌ء فيه.

و أمّا الودي فهو الّذي يخرج بعد البول.

و أمّا الوذي فهو الّذي يخرج من الأدواء و لا شي‌ء فيه» (1).

(1) أقول: لما ذكر في سابقه، و قد تقدّم تصريح خبر زرارة بعدم ناقضيّة الودي. و يدلّ عليه غيره من الأخبار، مثل مرسل حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الودي لا ينقض الوضوء، إنّما هو بمنزلة المخاط و البزاق» 2 و يدلّ عليه أيضاً ما ورد في الاستبراء، فراجع و تأمّل.

(2) أقول: مقتضى ما تقدّم (3) من مصحّح عليّ بن يقطين و كذا خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المذي قال: «أحدّ لك فيه حدّاً؟» قال: قلت: نعم، جعلت فداك، قال:

فقال: «إن خرج منك على شهوة فتوضّأ، و إن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء» 4 و غير ذلك (5): أنّ المذي قد يخرج من غير شهوة، و الجمع بينه و بين مرسل ابن رباط المتقدّم 6 إمّا بحمل ما فيه على العلامة النوعيّة و الإشارة بها إلى الحقيقة الّتي تخرج عند الشهوة من غير دخالة الشهوة في حكمها، و إمّا الحكم بأنّها هي الّتي تتحقّق في المجرى بالشهوة لكن قد تبقى فيه و تخرج بعد الوضوء. و كيف كان، فالأمر سهلٌ.

(3) أقول: تقدّم 7 ما يدلّ على استحبابه و تأكّده إذا خرج بشهوة.

____________

(1) 1 و 2 و 4 وسائل الشيعة: ج 1 ص 278 و 280 و 279 ح 6 و 15 و 10 من ب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) 3 و 6 و 7 في ص 24.

(5) وسائل الشيعة: ج 1 ص 279 ح 12 و ص 281 ح 16 من ب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

26

و الودي (1) و الكذب و الظلم و الإكثار من الشعر الباطل (2) و القي‌ء و الرعاف (3) و التقبيل بشهوة (4)، و مسّ الكلب (5)،

____________

(1) أقول: و ذلك لصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيه: «و الودي فمنه الوضوء، لأنّه يخرج من دَريرة البول» (1) و تقدّم (2) ما يدلّ صريحاً على عدم وجوبه.

لكن يمكن أن يكون المقصود وجوب الوضوء في ما إذا كان بعض الخارج مصداقاً للبلل المشتبه الّذي خرج قبل الاستبراء كما أنّه ربما يشير إليه التعليل، فلا يدلّ على الاستحباب. نعم، لا بأس به برجاء المطلوبيّة كما سيجي‌ء الإيماء إليه في المتن.

(2) أقول: و يشهد له موثّق سماعة: سألته عن نشيد الشعر هل ينقض الوضوء أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب؟ فقال (عليه السلام): «نعم، إلّا أن يكون شعراً يصدق فيه أو يكون يسيراً من الشعر- الأبيات الثلاثة و الأربعة- فأمّا أن يُكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء» (3) المحمول على الاستحباب بقرينة الإجماع المدّعى و دليل حصر النواقض.

(3) أقول: و ربما يدلّ عليه موثّق سماعة: سألته عمّا ينقض الوضوء، قال (عليه السلام):

«الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن إلّا شيئاً تصبر عليه، و الضحك في الصلاة، و القي‌ء» (4)، و في مصحّح الحذّاء عن الصادق (عليه السلام): «الرعاف و القي‌ء و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئاً ينقض الوضوء ...» 5. و يحمل على الاستحباب بقرينة النصوص المعوّل عليها المعتضدة بأدلّة حصر النواقض.

(4) أقول: كما يدلّ عليه خبر أبي بصير: «إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة أو مسّ فرجها أعاد الوضوء» (6) المحمول على الاستحباب بقرينة غيره، فراجع.

(5) أقول: لخبر أبي بصير: «من مسّ كلباً فليتوضّأ» (7)، لكن يقال: إنّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 280 ح 14 من ب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) في ص 25.

(3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 269 ح 3 من ب 8 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) 4 و 5 وسائل الشيعة: ج 1 ص 263 ح 11 و 12 من ب 6 من أبواب نواقض الوضوء.

(6) وسائل الشيعة: ج 1 ص 272 ح 9 من ب 9 من أبواب نواقض الوضوء.

(7) وسائل الشيعة: ج 1 ص 275 ح 4 من ب 11 من أبواب نواقض الوضوء.

27

و مسّ الفرج و لو فرج نفسه، و مسّ باطن الدبر و الإحليل، و نسيان الاستنجاء قبل الوضوء، و الضحك في الصلاة، و التخليل إذا أدمى، لكنّ الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم، و الأولى أن يتوضّأ برجاء المطلوبيّة.

و لو تبيّن بعد هذا الوضوء كونه محدثاً بأحد النواقض المعلومة كفى و لا يجب عليه ثانياً (1)، كما أنّه لو توضّأ احتياطاً لاحتمال حدوث الحدث ثمّ تبيّن كونه محدثاً كفى و لا يجب ثانياً.

____________

الإجماع على خلافه فيحمل على الاستحباب. و يمكن أن يكون المقصود منه غسل اليد.

(1) أقول: للفرع المذكور أربع صور:

الصورة الاولى: أن يأتي به برجاء حصول المطلوبيّة الفعليّة مع احتمال كونه محدثاً و كون الوضوء عليه واجباً من باب تحصيل الطهارة الواجبة لفعل الصلاة. و من الواضح كفاية الوضوء المقصود به ذلك في هذه الصورة و لو قلنا بأنّه لا بدّ في الوضوء الرافع للحدث نيّة ذلك، لأنّ الفرض أنّ المكلّف أتى به بداعي حصول ما هو المطلوب فعلًا، فإن كان المطلوب هو الوضوء الرافع للحدث فقد قصده بنحو الإجمال و على طريق الرجاء و الاحتمال.

الصورة الثانية: أن يأتي به برجاء المطلوبيّة الاستحبابيّة، بأن يكون المقصود حصول المطلوب الاستحبابيّ المحتمل عقيب الامور المشار إليها في المتن بحيث لا يكون له مقصود غير ذلك إمّا من باب عدم احتمال مطلوب في المقام غير الاستحبابيّ المحتمل و إمّا من باب أنّ للوضوء المأتيّ به للمطلوب الوجوبيّ شرائط خاصّة عنده لكنّه لا يقيّد الوضوء بقيد أن لا يحصل به غيره من المطلوبات الاخر، بل يكون قصده من تلك الجهة غير مشروط بشرط؛ فالّذي يقتضيه بحسب الداعي حصول المطلوب الاستحبابيّ، و أمّا غيره فلا يقتضيه بحسب داعيه و لا يقتضي عدمه.

و الصورة المذكورة تجتمع مع التقييد الّذي يصرّح به المصنّف في المتن بعد ذلك،

28

..........

____________

و تجتمع مع عدمه، بأن كان غافلًا عن مطلوبيّة اخرى أو قاطعاً بعدمها فلم يتوجّه قصده إلّا إلى خصوص المطلوب الاستحبابيّ بحيث لم تكن الصورة الذهنيّة المتعلّقة بداعيه إلّا حصول المطلوب الاستحبابيّ المحتمل.

ففي هذه الصورة قد يقال- كما في المستمسك (1)-: إنّه يشكل صحّة الوضوء لو لم يثبت الاستحباب، لأنّ احتمال عدم الاستحباب واقعاً يستلزم احتمال عدم التقرّب واقعاً المعتبر فيه.

لكن فيه: أنّه إن كان المقصود بعدم التقرّب عدمَ الملاك و المصلحة ففيه: أنّ مقتضى الإطلاقات الّتي منها الآية الشريفة كفاية كلّ وضوء للصلاة فيكشف الإطلاق المذكور عن ثبوت الملاك.

و إن كان المقصود عدم قصد التقرّب ففيه: أنّ التقرّب المقصود في المقام هو الإتيان بداعي احتمال الأمر، و تحقّقُ القصد إلى العمل المعلول لاحتمال الأمر و بداعي حصول المحتمل معلوم على كلا تقديري الاستحباب و عدمه، لوضوح أنّه قد أتى بالعمل بداعي احتمال المطلوبيّة.

و إن كان المقصود أنّ المقرّب هو احتمال الأمر المنطبق على الأمر الواقعيّ المحتمل فهو ممنوع، إذ لا دليل على ذلك، بل الثابت في العبادات ليس إلّا لزوم كون العمل مضافاً إليه تعالى بنحو الخلوص بحيث لا يشوبه غرض نفسانيّ لا يرجع إليه تعالى، بل يمكن أن يقال: إنّ الإتيان بداعي احتمال الأمر الّذي هو الاحتياط في الدين أقرب في حصول التقرّب من الإتيان بالعمل بداعي الأمر القطعيّ عقلًا و شرعاً كما ربما يشهد بذلك ما دلّ على حسن الاحتياط في الدين و الحثّ عليه، فتأمّل.

إن قلت: قال المصنّف (قدس سره) في المسألة الثالثة من فصل الوضوءات المستحبّة في ما لو قصد الأمر التجديديّ و تبيّن كونه محدثاً: إنّه لو كان قاصداً لامتثال الأمر الواقعيّ المتوجّه إليه في ذلك الحال و لم تكن تلك الغاية (أي الأمر التجديديّ) مقصودةً له على نحو التقييد بحيث لو كان الأمر الواقعيّ على خلاف ما اعتقده لم يتوضّأ كان وضوؤه صحيحاً،

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 2 ص 266.

29

..........

____________

و أمّا إن كان على نحو التقييد ففي صحّته إشكال.

و حينئذٍ ما الفرق بينه و المقام حيث قال بصحّة الوضوء؟

قلت: يمكن التفريق بين المسألتين بوجهين:

أحدهما: أنّ المقرّب في مقامنا هو احتمال الأمر الموجود على كلا تقديري ثبوت الاستحباب و عدمه؛ بخلاف ذاك المقام، فإنّ ما قصد كونه مقرّباً- و هو الأمر التجديديّ- لم يكن، و ما كان من الأمر بالتطهير لم يقصد. و منشأ ذلك أنّه لا يمكن أن يقال في هذا المقام: إنّ الاحتمال طريق و الداعي هو الأمر المحتمل، لأنّه يلزم عدم داعويّته على فرض عدم الأمر واقعاً، و هو خلف؛ بخلاف ذاك المقام، فإنّ القطع طريق و الداعي هو نفس الأمر التجديديّ المعدوم بالفرض.

و إن شئت قلت: إنّ الداعي في هذا المقام هو الاحتمال الموجود على التقديرين حتّى في نظره، و في ذلك المقام يكون الداعي هو الأمر التجديديّ بحسب نظره و إن كان المحرّك واقعاً هو القطع الموجود على كلّ حال، لكنّه لم يتقرّب بالقطع بل تقرّب بالأمر المعدوم، بخلاف هذا المقام، فإنّه قصد التقرّب إلى اللّٰه تعالى بإتيان ما يحتمل كونه مطلوبه و لو لم يكن كذلك.

و إن شئت مزيد توضيح للفرق بينهما من الجهة المذكورة فقس المقام بباب التمليك:

فلو صالح هذا المحتمل لكونه عبداً حبشيّاً أو حماراً وحشيّاً لكان صحيحاً، و لو صالح هذا العبد الحبشيّ فبان حماراً وحشيّاً لم يصحّ. و لعلّه يأتي إن شاء اللّٰه تعالى مزيد توضيح و تحقيق، و هو المستعان.

ثانيهما: أن يقال بحصول الطهارة في المأتيّ برجاء المطلوبيّة الاستحبابيّة في هذا المقام، من باب أنّ الوضوء المذكور على تقدير كونه مستحبّاً رافع للحدث، من باب أنّ الامور المعهودة توجب مرتبةً من الحدث ترفع بالوضوء؛ فالمأتيّ برجاء المطلوبيّة الاستحبابيّة عين المأتيّ برجاء رفع الحدث، لأنّ ما هو المطلوب استحباباً على فرض ثبوته ليس إلّا رفع الحدث، فالأمر المحتمل المقصود هو رافع الحدث المنطبق على الواقع، و حيث لا يكون الأمر المذكور على فرض ثبوته بنحو الاستحباب متعلّقاً‌

30

..........

____________

بالحدث الجائي من قبل السبب الخاصّ فالمقصود منطبق على الأمر الفعليّ الّذي كان في الواقع، فهو نظير ما لو توضّأ باحتمال كونه محدثاً بالنوم فتبيّن عدم كونه محدثاً به بل محدثاً بحدثٍ آخر، فتأمّل. هذا.

و لكن لا يبعد أن يقال بالاكتفاء بالوضوء في كلا المقامين، لعدم الدليل على أزيد من التقرّب الموجود بالوجدان فيهما. و تمام الكلام في مقامه إن شاء اللّٰه تعالى.

الصورة الثالثة: أن يكون المقصود هو الإتيان بالوضوء الّذي لا يتحقّق به إلّا المطلوب الاستحبابيّ، فيكون مقصوده مشروطاً بعدم امتثال المطلوب الوجوبيّ، لتخيّل كون الوضوء المأتيّ به مطلوباً على هذا الوجه.

و فيه إشكال، من جهة أنّ الوضوء الّذي لا يترتّب عليه على فرض الاستحباب إلّا المطلوب الاستحبابيّ غير مشروع، فما قصده لا يكون مطلوباً حتّى على فرض الاستحباب، و ما يكون مطلوباً واقعاً لا يكون مقصوداً.

و منه يظهر أنّه لو كان الوضوء مستحبّاً في الواقع لا يصحّ أيضاً، لأنّ ما هو المستحبّ في الواقع يترتّب عليه الطهارة أيضاً بالنسبة إلى المحدث الّذي يكون محلّ الكلام.

لكن يمكن أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة صحّة الوضوء حتّى فيها، لأنّه لا يعتبر في الوضوء أزيد من الإتيان بأصل العمل و قصد القربة الموجود في المقام.

و الإشكال المشار إليه مندفعٌ بأنّ ما هو المطلوب واقعاً وُجد في الخارج بالقصد و الاختيار و لو بتوسيط عنوان خياليّ غير منطبق عليه، و ذلك كافٍ في ما ليس المطلوب فيه إنشاء عنوان خاصّ كالظهر و العصر.

الصورة الرابعة: أن يكون المقصود حصول المطلوب الفعليّ المحتمل مع فرض عدم احتمال غير الاستحباب.

لا إشكال في الصحّة على فرض اختيار الصحّة في الصورة الثانية.

إنّما الإشكال على فرض عدم اختيارها فيها من باب عدم انطباق المقصود للواقع و لزوم كون المحتمل منطبقاً على الواقع.

و وجه الإشكال أنّ المطلوب الفعليّ المحتمل ليس إلّا المطلوب الاستحبابيّ، فالإتيان بداعي احتمال المطلوبيّة الفعليّة لا ينطبق إلّا على الأمر الاستحبابيّ، لفرض‌

31

[فصل في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة]

فصل

في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة

فإنّ الوضوء إمّا شرط في صحّة فعل كالصلاة و الطواف، و إمّا شرط في كماله كقراءة القرآن، و إمّا شرط في جوازه كمسّ كتابة القرآن، أو رافع لكراهته كالأكل، أو شرط في تحقّق أمره كالوضوء للكون على الطهارة، أو ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر (1) و الوضوء المستحبّ نفساً إن قلنا به، كما لا يبعد. أمّا الغايات للوضوء الواجب فيجب للصلاة الواجبة أداءً أو قضاءً عن النفس أو عن الغير، و لأجزائها المنسيّة (2)،

____________

عدم احتمال الأمر الوجوبيّ. و لعلّه يأتي في بعض المسائل الآتية ما ينحلّ به الإشكال بعون الملك المتعالي.

(1) أقول: و ذلك مبنيّ على أحد الأمرين: أحدهما: كون الوضوء مستحبّا نفسيّاً. ثانيهما:

كفاية الرجحان الغيريّ المترتّب عليه الغاية بلا ترتّب على شي‌ء آخر في صحّة النذر و صيرورته واجباً نفسيّاً، فتأمّل.

(2) أقول: كالتشهّد و السجدة الواحدة.

و ذلك لأنّ مقتضى دليل وجوب الاتيان بهما أنّ المأتيّ به هو الّذي كان واجباً في الصلاة و ليس الاختلاف بينهما إلّا في المحلّ:

ففي خبر عليّ بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

32

..........

____________

«إذا قمت في الركعتين الأوّلتين و لم تتشهّد فذكرت قبل أن تركع فاقعد و تشهّد، و إن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تشهّد التشهّد الّذي فاتك» (1).

و في مصحّح إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام، فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد، قال: «فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلّم ثمّ يسجدها، فإنّها قضاء» (2).

و الحاصل: أنّ مثل الدليلين صريح في لزوم كون المأتيّ به واجداً للكيفيّة اللازمة مراعاتها في المنسيّ من الجزء أو الشرط. نعم، بالنسبة إلى كلّ واحد من الأجزاء و الشرائط ظاهر و قابل للتخصيص و التقييد.

لكن هنا شبهة بالنسبة إلى خصوص الطهارة من الحدث، من جهة أنّها من شرائط الصلاة و ليست شرطاً لنفس المنسيّ، و مقتضى ما تقدّم من الدليل: كون المأتيّ به مورداً للأمر بالكيفيّة الّتي كان المنسيّ مورداً للأمر، و لا شبهة أنّ الأمر بالتشهّد المقيّد بالطهارة في ظرف الصلاة كان من باب أنّ الصلاة مشروطة بالطهارة فكان المكلّف مأموراً بالطهارة لتصحّ الصلاة بمجموعها فيصحّ التشهّد، و من المعلوم أنّه لا يمكن تعلّق الأمر بالطهارة بالنسبة إلى السجدة المقضيّة بهذه الكيفيّة، لأنّ الصلاة وقعت صحيحةً، و لا يمكن الأمر بالطهارة لتصحّ بها الصلاة فيصحّ التشهّد بتبعه.

و لكن يمكن الجواب عنها بوجوه:

الأوّل: أنّ مقتضى ما تقدّم من الدليل: لزوم كونه واجداً لجميع ما كان معتبراً فيه حال الصلاة و لو من باب تقيّد الصلاة به، لأنّ مقتضى كون التشهّد هو الّذي فاته و كون السجدة قضاءً: ذلك بحسب العرف بحيث لو أتى بهما بدون الطهارة لا يصدق عليه امتثال التكليف المذكور.

الثاني: الالتزام ببقاء الأمر بالطهارة بالنسبة إلى السجدة بعين الكيفيّة المأمور بها في‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 8 ص 244 ح 2 من ب 26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة: ج 6 ص 364 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود.

33

بل و سجدتي السهو على الأحوط (1).

____________

الصلاة، و لازمه بطلان الصلاة ببطلان التشهّد و السجدة؛ لكنّه بعيدٌ جدّاً.

الثالث: القول بأنّ الطهارة ليست شرطاً لمجموع الصلاة بل هي شرط للقطعة الموجودة منها، فالقسمة الموجودة منها إن كان جميعها فهي شرط بالنسبة إليه و إن كان بعضها فهي شرط بالنسبة إلى مجموع هذا البعض، و لازمه أنّه لو فقد بعض التشهّد- مثلًا- للطهارة فاللازم إعادة مجموع التشهّد، لا هذا الجزء.

و وجه ذلك أنّ مقتضى مثل الدليلين المتقدّمين: أنّ المأتيّ به هو السجدة و التشهّد بعنوان أنّه قسمة من الصلاة.

و من ذلك يظهر وجه آخر للزوم الطهارة، و هو التمسّك ب‍ «لا صلاة إلّا بطهور» (1) بعد كون المأتيّ به قسمةً من الصلاة الّتي أتى بها بركوعها و قراءتها قبل ذلك منفصلًا عنها، فهو نظير صلاة الاحتياط، فليتأمّل.

(1) أقول: يمكن أن يكون الوجه في ذلك امور:

منها: انصراف الأمر بالسجدتين إلى ما يكون نظير السجدة الواقعة في الصلاة، خصوصاً مثل ما تقدّم (2) من قوله: «سجدت سجدتين لا ركوع فيهما».

و فيه: منع الانصراف.

و منها: أنّ الأمر بهما حيث يكون بعد الصلاة فوراً فالطهارة حاصلة غالباً، فهو منزّل على الغالب.

و فيه- مع أنّ الغلبة لا تدلّ على التقييد، غاية الأمر توليدها الخلل في الإطلاق-:

أنّ مقتضى إطلاق ما في خبر عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو؟ فقال: «يسجدهما متى ذكر» (3): عدم لزوم الطهارة.

و منها: أنّ مقتضى بعض الروايات: أنّهما بعد التسليم و قبل الكلام، مثل ما رواه عن القدّاح عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام) قال: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 365 ح 1 من ب 1 من أبواب الوضوء.

(2) في ص 32.

(3) وسائل الشيعة: ج 8 ص 250 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

34

و يجب أيضاً للطواف الواجب، و هو ما كان جزءاً للحجّ أو العمرة و إن كانا مندوبين، فالطواف المستحبّ ما لم يكن جزءاً من أحدهما لا يجب الوضوء له. نعم، هو شرط في صحّة صلاته. و يجب أيضاً بالنذر و العهد و اليمين. و يجب أيضاً لمسّ كتابة القرآن إن وجب بالنذر (1)، أو لوقوعه في موضع يجب إخراجه منه،

____________

الكلام» (1). و من المعلوم أنّه ليس للكلام خصوصيّة، فالمقصود حينئذٍ لزوم كونهما قبل جميع المنافيات الّتي منها الحدث.

و فيه أوّلًا: أنّ مقتضاه لزوم البقاء على الطهارة إلى أن يأتي سجدتي السهو.

و ثانياً: أنّ مقتضى ما تقدّم (2) من خبر عمّار: عدم اشتراط عدم تخلّل الموانع في البين، فلا بدّ من الحمل على أنّ المقصود لزومهما فوراً، خصوصاً مع أنّ الكناية عن مطلق المانع بالكلام لا يخلو عن شي‌ءٍ.

(1) أقول: و ذلك لحرمة المسّ بدون الطهارة على المشهور كما عن جماعة، بل عن الخلاف و ظاهر غيره دعوى الإجماع عليها (3).

و قد استدلّ لها بامور:

منها: قوله عزّ من قائل: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ* لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (4) إمّا بدعوى أنّ الظاهر رجوع الضمير الّذي في «يَمَسُّهُ» إلى القرآن، لا إلى «كِتٰابٍ مَكْنُونٍ»، و حينئذٍ يكون المراد من النفي هو النهي و المراد من «الْمُطَهَّرُونَ» المطهّرون من الحدث أو ما يعمّه، و إمّا بدعوى أنّه بمقتضى الاستشهاد بها في مقام النهي عن المسّ يدلّ على كون المراد منه ذلك، فقد روى في الوسائل عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال:

«المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنباً، و لا تمسّ خطّه، و لا تعلّقه، إنّ اللّٰه تعالى‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 8 ص 208 ح 3 من ب 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) في الصفحة السابقة.

(3) جواهر الكلام: ج 2 ص 314.

(4) سورة الواقعة: 77- 79.

35

..........

____________

يقول: «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (1)»» (2).

أقول: أمّا الاستدلال بالآية الشريفة مع قطع النظر عن الحديث ففيه: أنّ مناسبة توصيف الكتاب بالمكنون مع عدم المسّ و كونَ الجملة ظاهرةً في النفي الصرف خصوصاً بمناسبة ما بعدها و عدم وضوح شمول «الْمُطَهَّرُونَ» للمتطهّرين يقرّب احتمال عود الضمير إلى الكتاب المكنون أو القرآن الّذي فيه؛ مع أنّ الاحتمال كافٍ في الإخلال بالاستدلال.

و أمّا بملاحظة خبر ابن عبد الحميد ففيه أوّلًا: وجود الضعف في سنده من وجهين:

أحدهما: أنّ سند الشيخ إلى عليّ بن الحسن غير نقيّ عن الإشكال على ما في الفهرست و المشيخة. و نقلُ بعض الروايات عنه- كما في جامع الرواة- بالسند الصحيح لا يدلّ على كون سنده إلى جميع الروايات المنقولة عنه صحيحاً كما لا يخفى، فتأمّل.

ثانيهما: أنّ جعفر بن محمّد بن أبي الصباح مهمل، و الآخر قد صرّحوا بعدم كونه شيئاً، فراجع.

و ثانياً: عدم وضوح دلالته على الاستشهاد، فإنّ ذكر الآية الشريفة عقيب الحكم و إن كان ظاهراً في كونه (عليه السلام) في مقام التعليل إلّا أنّه تارةً يكون التعليل في مقام الإثبات و الاستدلال، و اخرى يكون في مقام الثبوت كما في مثل «الخمر حرام، لأنّه مسكر»، و الاستدلال به لتعيين معنى الآية الشريفة يتوقّف على الأوّل؛ مع إمكان كونه من قبيل الثاني، لاحتمال أن يكون المقصود أنّه لمّا كان القرآن بمثابة من العظمة و المقام بحيث لا يمسّه و لا يدركه إلّا المطهّرون الّذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، فلا يمسّه إلّا المطهّرون من الأحداث. و لا يختصّ الحكم المذكور بخطّه الشريف، فإنّ النهي عن المسّ كما بيّنه في صدره شامل لغير الخطّ أيضاً.

و منها: خبر ابن عبد الحميد المتقدّم (3)، من جهة دلالة النهي على التحريم و لو لم يكن ذكر الآية الشريفة من باب الاستشهاد. و الاشتمالُ على النهي عن مسّ غير الخطّ المحمول على الكراهة- بقرينة ظاهر التسلّم بين الأصحاب و بعض الأخبار الآتية،

____________

(1) سورة الواقعة: 79.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 384 ح 3 من ب 12 من أبواب الوضوء.

(3) آنفاً.

36

..........

____________

و بقرينة نفس الخبر الدالّ على النهي عن مسّ خطّه بعد النهي عن مسّه- لا ينافي الاستدلال بالنهي للتحريم، لأنّه لا ينافي السياق إذا كان المستعمل فيه بالنسبة إلى الجميع هو الزجر الجامع بين الإلزاميّ و غيره، و الجامع- كما عرفت مراراً في هذا الشرح- حجّة على التحريم عند العقلاء.

و فيه أوّلًا: ما عرفت من ضعف السند و عدمِ وضوح الاستناد إليه في مقام الفتوى.

و ثانياً: أنّه لو كان التعليل بالنسبة إلى مقام الثبوت و بيان ملاك الحكم كما عرفت احتماله فهو ملاك للكراهة، لأنّ الأحكام المذكورة في الصدر أحكام تنزيهيّة إلّا النهي عن مسّ خطّه المبحوث عنه في المقام. و احتمالُ أن يكون التعليل ذا مراتب فيكون ملاكاً ثبوتاً لكراهة مسّ غير الخطّ و ملاكاً لحرمة مسّه- كما ربما يساعده الاعتبار- و إن كان غيرَ بعيد إلّا أنّه بعد التعليل بالعلّة المذكورة الّتي لا شبهة في كونها ملاكاً للكراهة في الجملة لا يبقى ظهور للنهي في الزجر المطلق الّذي هو حجّة عند العقلاء على التحريم، لصرف الظهور عند العرف عن المعلّل له إلى العلّة. و بعد إجمال العلّة و احتمال كونه ملاكاً للكراهة بقرينة ما في نفس الخبر من النهي عن مسّ الخطّ المشعر بكراهة مسّ غيره لا يبقى ظهور في الحكم المذكور.

و منها: مرسل حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

كان إسماعيل بن أبي عبد اللّه عنده فقال: «يا بنيّ اقرأ المصحف» فقال: إنّي لست على وضوء، فقال: «لا تمسّ الكتابة و مسّ الورق فاقرأه» (1).

و المناقشة في السند بعد كون الناقل حمّاد بن عيسى و هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه و كونِ حريز من الثقات و إشعارِ نقله بكون المخبر ظاهر الصلاح غير واضحه.

و كذا المناقشة في الدلالة كما في المصباح، من جهة كون النهي فيه إرشاديّاً مسوقاً لبيان اختصاص المنع المتوهّم في المقام- كراهةً أو تحريماً- بالكتاب دون الورق (2)، لأنّ عدم كونه (عليه السلام) في مقام بيان أصل الحكم من باب دلالة الصدر على معلوميّة أصل‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 383 ح 2 من ب 12 من أبواب الوضوء.

(2) مصباح الفقيه: ج 3 ص 109.

37

..........

____________

الحكم في الجملة لدى إسماعيل لا يكون قرينةً على الإرشاد، لأنّ الإرشاد غير اختصاص النهي بمسّ الكتابة.

مع أنّ الإرشاد لا ينافي كون النهي إلزاميّاً، فلا يرفع عن ظهور النهي في الإلزام. نعم، لو كان استفادة التحريم من باب الإطلاق كان لما ذكره (قدس سره) وجه، من باب عدم كون المتكلّم في مقام بيان الحكم من التحريم أو الكراهة، لكن ليست دلالته على التحريم إلّا من حيث حجّيّة الزجر- و لو كان إرشاداً إلى اختصاص النهي مثلًا بصورة خاصّة- على التحريم، فتأمّل. هذا.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ إسماعيل كان يعلم أنّ الحكم هو التحريم في الجملة أو كان شاكّاً في ذلك، لأنّه على فرض العلم بكون النهي على وجه الكراهة مع كونه متعلّقاً بالعبادة و قيام الارتكاز على أنّ النهي عن العبادة لا يقتضي إلّا أقلّيّة الثواب لم يكن لعذره وقعٌ. فتأمّل، فإنّ بعض ما ذكرناه لا يخلو عن المناقشة؛ لكنّ الظاهر تماميّة دلالة الحديث و إمكان الاعتماد بسنده. و اللّٰه أعلم.

و منها: معتبر أبي بصير، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: «لا بأس و لا يمسّ الكتاب» (1).

و لا يخفى قوّة ظهوره في الحرمة؛ مضافاً إلى النهي، من جهة التعرّض له مع عدم كون إطلاق قوله: «لا بأس» دالّاً على الجواز لكنّه كان منشأً لتوهّم الجواز، من باب الملازمة النوعيّة بين القراءة و مسّ الخطّ لو لم يكن القارئ مراقباً لأجل النهي الوارد، فصرّح (عليه السلام) بالنهي المذكور لئلّا يكون كلامه مشعراً بالجواز.

ثمّ إنّه قال في المستمسك: إنّ جعل المسّ غايةً للوضوء لا يخلو من إشكال، لأنّ المتوقّف على الوضوء جواز المسّ، لا نفس المسّ فلا يكون الأمر بالوضوء غيريّاً، بل يكون عقليّاً من باب لزوم الجمع بين غرضي الشارع، فإذا وجب المسّ بالنذر أو بغيره لم يكن ذلك الوجوب كافياً في تشريع الوضوء، لعدم كونه مقدّمةً له، بل هو مقدّمة لجوازه، و الجواز ليس‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 383 ح 1 من ب 12 من أبواب الوضوء.

38

..........

____________

من فعل المكلّف، و الوجوب الغيريّ إنّما يتعلّق بما هو مقدّمة لفعل المكلّف إذا وجب (1).

أقول: كون الوضوء مقدّمةً للواجب الّذي هو مسّ كتابة القرآن الّذي هو ليس بحرام في المنذور واضحٌ، لأنّ متعلّق الوجوب في النذر مسّ كتابة القرآن الّذي هو راجح، و الواجب إذا كان مقيّداً بقيد اخذ في متعلّق التكليف فكما يترشّح الوجوب منه إلى ما هو مقدّمة لوجود ذاته كذلك يترشّح منه الوجوب إلى ما هو مقدّمة لحصول قيده الّذي هو الجواز.

و الحاصل: أنّه في مسألة النذر يكون الوجوب متعلّقاً في الشرع إلى المسّ الجائز، فكما يجب تحصيل ما هو مقدّمة لتحقّق المسّ كذلك يجب تحصيل ما يحصل به قيده الّذي هو الجواز؛ فالتوصّل إلى جواز المسّ واجب على المكلّف، من باب كونه قيداً مأخوذاً في متعلّق تكليفه، و لا فرق بينه و بين سائر القيود الّتي وقعت تحت التكليف.

و كونُ الجواز حكماً شرعيّاً لا ينافي كونه قيداً في متعلّق الواجب و مورداً لتعلّق التكليف، من باب كون سببه بيد المكلّف فيجب على المكلّف المسّ الجائز، و هو يقدر على تحصيل هذا المقيّد بتحصيل مقدّمات ذاته و قيده الّذي هو الجواز بتحصيل الطهارة؛ و لا يخفى أنّ القيد المذكور المأخوذ في متعلّق النذر شرعيّ لا عقليّ، فإنّ الشارع حيث قيّد متعلّق النذر بلزوم كونه راجحاً فلا يتعلّق الوجوب في المقام إلّا بالمسّ الجائز، فلا وجه حينئذٍ لتوهّم كون تحصيل الوصف المذكور بالتوضّؤ واجباً عقلًا، و ليس واجباً غيريّاً من باب وجوب مقدّمة الواجب. نعم، ربما يمكن أن يقال بذلك في ما لو كان التقييد بالجواز عقليّاً غير دخيل في ما هو الملاك شرعاً، كما لو وجب المسّ للتطهير الواجب، فإنّه لو عصى و طهّر القرآن بدون التوضّؤ حصل الغرض من الأمر بتطهير القرآن لكنّ الواجب مقيّد بالفرد المحلّل من باب الجمع بين الغرضين؛ و حينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ الوجوب المترشّح من الواجب المقيّد بالقيد الّذي يكون تقييده من باب الجمع بين الغرضين و بحكم العقل إلى تحصيل ما هو مقدّمة لحصول القيد المذكور عقليٌّ، لكنّه لا بدّ من التأمّل و البحث في مسألة مقدّمة الواجب.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 2 ص 273.

39

أو لتطهيره إذا صار متنجّساً و توقّف الإخراج أو التطهير على مسّ كتابته و لم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجباً لهتك حرمته (1)، و إلّا وجبت المبادرة من دون الوضوء. و يلحق به أسماء اللّٰه و صفاته الخاصّة (2)،

____________

(1) أقول: بل لو كان التأخير مورداً لاحتمال الهتك عرفاً يمكن أن يقال بوجوب المبادرة أو جوازه من غير وضوء، من باب أنّ أهمّيّة المحتمل موجبة لجعل الاحتياط كشفاً أو حكومةً، فإنّه قُرّر في محلّه أنّه كما يستكشف أهمّيّة الحكم المحتمل- لجعل وجوب الاحتياط- إنّاً (كما يقال في الدماء و الفروج) كذلك يحكم بوجوب الاحتياط- من باب أهمّيّة المحتمل- لِمّاً.

(2) أقول: كما عن بعض الأصحاب.

و لعلّ العمدة في وجه ذلك: ما تقدّم في التعليق السابق من احتمال كونه هتكاً للحرمة، من جهة احتمال أنّ الشارع كما جعل احترام القرآن و تعظيمه بلزوم كون المسّ مع الوضوء كذا جعل ذلك بالنسبة إلى أسماء اللّٰه تعالى و صفاته الخاصّة، و احتمال ذلك موجب لاحتمال الهتك على تقدير عدم المراعاة. و الظاهر أنّ احتمال هتكه تعالى علّة للحكم بوجوب الاحتياط كشفاً أو حكومةً (1).

لكن فيه: أنّ مقتضى الاستصحاب عدم جعل الأدب المذكور لاسمه تعالى، فلا يكون هتكاً، فإنّ الهتك الّذي هو معلول لجعل الاحترام و التعظيم الشرعيّ مجعول شرعيّ فيمكن نفيه باستصحاب عدم جعل الاحترام، و الاستصحاب المذكور حاكمٌ على وجوب الاحتياط المستكشف باللمّ، لرفع الشكّ بذلك تنزيلًا، أو واردٌ عليه إن كان الحكم المذكور كشفاً أو حكومةً مبنيّاً على عدم ورود ما يدلّ على الحكم بعدم ترتيب آثار الشكّ؛ لكن لو كان الحكم المذكور كشفاً أو حكومةً من المستقلّات العقليّة الثابتة لوصف الاحتمال فلا يرفع إلّا في ما لم يكن في البين احتمال، فلا ينفع الاستصحاب المذكور.

____________

(1) و يستدلّ عليه أيضاً بخبر عمّار بن موسى، و فيه: «لا يمسّ الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه»- وسائل الشيعة: ج 2 ص 214 ح 1 من ب 18 من أبواب الجنابة- بناءً على شمول الملاك للمحدث من الحدث الأصغر أيضاً و إلقاءِ خصوصيّة المورد الّذي هو الدرهم و الدينار. منه (قدس سره).

40

دون أسماء الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) (1) و إن كان أحوط. و وجوب الوضوء في المذكورات ما عدا النذر و أخويه إنّما هو على تقدير كونه محدثاً، و إلّا فلا يجب، و أمّا في النذر و أخويه فتابع للنذر، فإن نذر كونه على الطهارة لا يجب إلّا إذا كان محدثاً، و إن نذر الوضوء التجديديّ وجب و إن كان على وضوء.

[مسألة 1- إذا نذر أن يتوضّأ لكلّ صلاة وضوءاً رافعاً للحدث و كان متوضّئاً]

مسألة 1- إذا نذر أن يتوضّأ لكلّ صلاة وضوءاً رافعاً للحدث و كان متوضّئاً يجب عليه نقضه ثمّ الوضوء، لكن في صحّة مثل هذا النذر على إطلاقه تأمّل (2).

____________

(1) أقول: و ذلك لقيامِ الضرورة على جواز مصافحتهم بلا وضوء، و عدمِ وجوب الوضوء في الشريعة المقدّسة إلّا في موارد معيّنة معلومة. و من المعلوم عند الارتكاز العرفيّ أنّه ليس أسماؤهم أولى من أنفسهم في ذلك الحكم.

و الحاصل: أنّه يفهم من ذلك أنّ الشارع لم يجعل الاحترام المخصوص إلّا للقرآن الكريم، فلا يكون ترك مراعاته بالنسبة إليهم صلّى اللّٰه عليهم و إلى أسمائهم هتكاً. فتأمّل، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ عدم جعل الاحترام الخاصّ لأنفسهم صلّى اللّٰه عليهم إمّا لجعل احترامات اخرى لهم أو لعدم تناسب ذلك للأشخاص لا ينافي جعل الاحترام المذكور بالنسبة إلى أسمائهم، و قد مرّ أنّ احتمال الهتك من لوازم احتمال جعل الاحترام، و هو مورد للحكم بالاحتياط كشفاً أو حكومةً. و من الممكن ادّعاء كون الحكم المذكور من المستقلّات العقليّة، فلا يرفع عنه اليد بالاستصحاب أو غيره.

(2) أقول: لا ينبغي الإشكال في ما إذا كان ذلك راجحاً بحسب حال المكلّف، مثل أن يكون مبتلًى بكثرة البول المستلزم لعدم الخشوع حال الصلاة الثانية، من باب توجّه همّه إلى الدفاع عن خبثه حتّى تتمّ الصلاة. و كذا لا ينبغي الإشكال في صحّته على تقدير تحقّق الحدث و استلزامِه وجوب الوضوء من باب النذر و لو كان واجباً لأجل كون الصلاة مشروطةً به أيضاً.

41

[مسألة 2- وجوب الوضوء بسبب النذر أقسام]

مسألة 2- وجوب الوضوء بسبب النذر أقسام:

[أحدها: أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحّته الوضوء]

أحدها: أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحّته الوضوء، كالصلاة.

____________

لكنّ الإشكال في ما لو كانت صحّته مستلزمةً للأمر بإيجاد الحدث و نقض الطهارة من دون أن يكون النقض المذكور راجحاً لجهة من الجهات فيكون مرجوحاً صِرفاً، بل لا يكون الوضوء الرافع للحدث راجحاً في حال الطهارة، فلا يمكن أن يكون متعلّقاً للنذر إلّا بعد عروض الرجحان للعنوان المذكور، و لا يعرض ذلك إلّا بعد الحدث، فكما أنّ تحقّق الوضوء الرافع للحدث لا يمكن إلّا بعد الحدث كذلك لا يكون راجحاً إلّا بعده.

و القول ب‍ «أنّ صحّة النذر لا تتوقّف إلّا على الرجحان حين العمل، و لذا يصحّ نذر نافلة المغرب- مثلًا- قبل حصول المغرب، فيجب ما يتوقّف عليه فعلها و لو قبل حصوله، فيقاس المقام به» فاسدٌ، فإنّ الرجحان فيها مفروض التحقّق في ظرفها فتجب مقدّماتها، بخلاف الوضوء الرافع للحدث، فإنّ رجحانه ليس مفروض التحقّق، بل تحقّقه يتوقّف على إيجاد الحدث.

و من ذلك يظهر أنّه ليس بطلان النذر في المسألة مبتنياً على مرجوحيّة النقض، بل لو كان النقض و البقاء على الطهارة سيّين و كان البقاء على الطهارة و النقض ثمّ الإتيان بالوضوء في منزلة واحدة لم يكن معنىً لصحّة النذر و وجوب الوفاء به فعلًا من باب أنّ الوضوء الرافع للحدث له تعالى و مضاف إليه أو من باب أنّ التعهّد له تعالى في إيجاد الوضوء الرافع للحدث. كيف، و لو كان الرجحان الّذي يعرض حين العمل بفعل المكلّف كافياً في وجوب الوفاء بالنذر بإيجاد ما يتوقّف عليه رجحانه لصحّ نذر إعطاء كفّارة الجمع و تزاحم مع الإفطار بالحرام و كذا صحّ نذر التوبة و كان مزاحماً لحرمة المعصية، فيرجع إلى الأخذ بالأهمّ مع أنّه واضح الفساد.

و الحاصل: أنّ وجوب الوفاء حيث يكون مقيّداً بكون العمل راجحاً و لو في ظرفه، فلا يصحّ تعلّقه بالوضوء الرافع للحدث إلّا على النحو المشروط، لعدم حصول الرجحان و لو حين العمل إلّا مع حصول شرط الرجحان الّذي هو النقض.

42

[الثاني: أن ينذر أن يتوضّأ إذا أتى بالعمل الفلانيّ غير المشروط بالوضوء]

الثاني: أن ينذر أن يتوضّأ إذا أتى بالعمل الفلانيّ غير المشروط بالوضوء، مثل أن ينذر أن لا يقرأ القرآن إلّا مع الوضوء (1)، فحينئذٍ لا يجب عليه القراءة لكن لو أراد أن يقرأ يجب عليه أن يتوضّأ.

____________

(1) أقول: الظاهر أنّ المراد تعلّق النذر بأن يتوضّأ كلّما قرأ القرآن. و لا شبهة أنّ لازمه ترك قراءة القرآن إلّا مع الطهارة، لا أن يكون متعلّق النذر ذلك، و إلّا لا يكون مثالًا للقسم الثاني. و كيف كان، فقد يتعلّق نذره بترك قراءة القرآن بدون الوضوء، و قد يتعلّق بكونه على وضوء عند قراءة القرآن، بمعنى أن يكون متطهّراً عند كلّ فرد من أفراد القراءة المأتيّ بها.

أمّا الأوّل فالظاهر عدم صحّته مطلقاً، فإنّ تركها مرجوح مطلقاً و لو أتى بها مع الوضوء، فإنّ الرجحان في الفرض قائم بالوضوء في حال القراءة لا بترك القراءة بلا وضوء، و الوضوء في حال القراءة حينئذٍ مجامعٌ لترك القراءة بلا وضوء، و الراجح هو الأوّل دون الثاني.

و أمّا الثاني ففيه أيضاً إشكال، من جهة أنّ وجوب الوفاء بالنذر لا يقتضي بالنسبة إلى من لا يتوضّأ إلّا الأمر بترك القراءة، و هو مرجوح؛ مع أنّ وجوب الوفاء بالنذر لا يقتضي إلّا الحكم بإيجاد ما هو الراجح و المحبوب عند اللّٰه تعالى، فلا بدّ من تقييده بمن يتوضّأ، فيلزم أن يكون الواجب على من يتوضّأ أن يتوضّأ إذا أراد القراءة، و هو أمرٌ على فرض الحصول، و هو ليس قابلًا للتحريك، لفرض حصوله.

و يمكن أن يقال: إنّ المحال هو الأمر بالشي‌ء على تقدير حصوله و لو في المستقبل، أمّا لو كان الأمر مشروطاً بحصول التحرّك للمكلّف إذا امر فلا يكون الأمر مشروطاً بحصول متعلّقه في الخارج و لو متأخّراً، بل يكون مشروطاً بقضيّة تعليقيّة، و هي كون المكلّف بحيث إذا أمره المولى لتحرّك من تحريكه و أمره.

لا يقال: حيث يكون انطباق ما هو شرط للأمر بيد المكلّف فإن تحرّك عن الأمر كشف عن صدق القضيّة التعليقيّة، و إن لم يتحرّك كشف عن عدم الشرط و عدمِ الأمر، و ذلك بيده على الفرض، فكيف؟ يحصل التحريك من الأمر المشروط بتلك القضيّة التعليقيّة.

43

[الثالث: أن ينذر أن يأتي بالعمل الكذائيّ مع الوضوء]

الثالث: أن ينذر أن يأتي بالعمل الكذائيّ مع الوضوء، كأن ينذر أن يقرأ القرآن مع الوضوء (1)، فحينئذٍ يجب الوضوء و القراءة.

[الرابع: أن ينذر الكون على الطهارة.]

الرابع: أن ينذر الكون على الطهارة.

[الخامس: أن ينذر أن يتوضّأ من غير نظر إلى الكون على الطهارة.]

الخامس: أن ينذر أن يتوضّأ من غير نظر إلى الكون على الطهارة.

____________

فإنّه يقال: القضيّة التعليقيّة الّتي هي شرط في الأمر هي كون المكلّف متحرّكاً بتحريك الأمر المنجّز، فحينئذٍ لو ترك متعلّق الأمر من باب عدم انطباق العنوان عليه مع كونه ممّن يمتثل الأمر على تقدير تنجّزه لعصى الأمر المنجّز. و تمام الكلام موكول إلى الاصول.

ثمّ إنّ هنا إشكال آخر، و هو أنّ النذر تعلّق بما هو راجح، و هو الكون على الطهارة عند القراءة، و لا ريب أنّ الراجح هو الكون عليها عند القراءة الّتي هي محبوبة للمولى تعالى، و حينئذٍ إن أتى بالوضوء في كلّ قراءة فقد عمل بالواجب، و إن عصى فالقراءة أيضاً مبغوضة، لكونها مفوّتةً للغرض فيفسد، فإذا فسد فلم يعص، لأنّ المنذور هو الوضوء عند القراءة المحبوبة، فيلزم من عصيان الوضوء عدمه، و يلزم من صحّة القراءة عدمها و من عدمها صحّتها.

و الجواب: أنّ العصيان متحقّق لا محالة و الحنث حاصل و لو على فرض فساد القراءة و كونها مبغوضةً، فإنّ المنذور هو الوضوء الراجح و هو ممكن التحقّق، فيجب إيجاده راجحاً في كلّ قراءة، و ذلك يوجب على المكلّف إيجاد كلّ قراءة بنحو تكون محبوبةً و إيجاد كلّ وضوء فيها بنحو يكون محبوباً، و حينئذٍ فالعصيان محقّق و لا يلزم من وجوده عدمه، و القراءة فاسدة لمفوّتيّتها للغرض، و لا يلزم من فسادها صحّتها، لأنّها فاسدة مفوّتة للغرض، فتأمّل.

(1) أقول: تعهّد أن يقرأ القرآن مع الوضوء على أقسام:

الأوّل: أن يكون بنحو وحدة المطلوب.

الثاني: أن يكون بنحو تعدّد المطلوب.

و هو على أقسام:

فمنها: ما ينذر أن يقرأ القرآن و ينذر أن يقرأ القرآن مع الوضوء، فالمطلوب الكامل‌

44

..........

____________

قائم بالقيد و المقيّد لكنّ المقيّد أيضاً مطلوب مستقلّاً.

و منها: أن ينذر قراءةَ القرآن و الوضوءَ عند امتثال النذر الأوّل و على تقدير العمل بالنذر الأوّل.

و منها: أن ينذر قراءةَ القرآن و الوضوءَ في حال القراءة بحيث يكون الوجوب في الثاني مطلقاً موجباً لإيجاد الظرف أيضاً، و هو قراءة القرآن.

لا خفاء في ذلك و في ما يترتّب عليه من الآثار.

إنّما الإشكال في القسمين الأخيرين من قسمي تعدّد المطلوب في ما إذا أتى بالقراءة بدون الوضوء، من حيث إنّه هل يحكم بامتثال النذر المتعلّق بأصل القراءة و صحّتها، من جهة حصول متعلّق النذر المتعلّق بأصل طبيعة القراءة و إن حصل في ضمنه عصيان الأمر الآخر، و هو الأمر بالوضوء في ظرف امتثال القراءة المنذورة، أم يحكم بفسادها، لكونها مفوّتةً لغرض المولى، فإنّ تفويت غرض المولى قائم فعلًا بإتيان القراءة، لأنّه به يفوت الغرض، و هو الوضوء عندها.

الظاهر هو الثاني، لا من جهة أنّ القراءة مفوّتة للغرض، لأنّ الحكم بالفساد من الجهة المذكورة مستلزم لعدمه، فإنّ فسادها لتفويت الغرض موجب لعدم تفويت الغرض به، فإنّه بعد فرض الفساد لا يفوت الغرض فلا وجه للفساد فلا بدّ أن يكون صحيحاً، فالحكم بالفساد لأجل تفويت الغرض مستلزم لعدم تفويت الغرض و عدم الفساد، فيلزم من فرض الفساد عدمه و من فرض تفويت الغرض عدمه، بل من جهة أنّ الصحّة ممتنعة عقلًا، لأنّه يلزم من صحّة القراءة امتثالًا للنذر و كونه متعلّقاً لأمر الشارع و مصداقاً لواجبه عدمها، فالفساد لا يتوقّف على فرض كونه مفوّتاً للغرض حتّى يلزم من وجوده عدمه، بل يكفي في الحكم بالفساد كون الشي‌ء بحيث يلزم من صحّته عدمها، فيحكم بالفساد مع عدم كونه مفوّتاً للغرض، و لا يلزم من فرض فساده مع عدم كونه بملاك تفويت الغرض بل بملاك أنّ الصحّة مستلزمة لتفويت الغرض الموجب لعدمها عدمُه، بخلاف ما لو حكم بالصحّة و لو من باب أنّ الفساد مستلزم لعدمه، لاستلزامها الفساد، لأنّ فساد العبادة بواسطة كونها مصداقاً للحرام عقليّ لا يقبل التخصيص فلا بدّ حينئذٍ أن يحكم بالفساد، لأنّه يلزم من فرض الصحّة عدمها و لو كانت الصحّة المفروضة‌

45

و جميع هذه الأقسام صحيح، لكن ربما يستشكل في الخامس، من حيث إنّ صحّته موقوفة على ثبوت الاستحباب النفسيّ للوضوء (1)، و هو محلّ إشكال، لكنّ الأقوى ذلك.

____________

من باب امتناع الحكم بالفساد، و لا يلزم من فرض الفساد الّذي هو بملاك امتناع الصحّة لا بملاك تفويت الغرض عدمُه، فتأمّل جيّداً.

(1) أقول: هذا إذا كان متعلّق نذره الوضوء بقصد الاستحباب النفسيّ بمعنى الرجحان النفسيّ الّذي يكون في العمل مع قطع النظر عن النذر، فإنّ توقّف صحّته على ثبوت الرجحان النفسيّ واضح، بل مع فرضه يشكل الصحّة، من جهة عدم تصوير انحصار الداعي في الاستحباب النفسيّ في فرض كون أمر النذر داعياً، لأنّ متعلّقه العمل بقصد الرجحان النفسيّ الذاتيّ، فالعمل متعلّق للنذر أيضاً فكيف يمكن أن لا يكون الأمر النذريّ محرّكاً نحو العمل!. نعم، يمكن انحصار التحريك في الرجحان الذاتيّ النفسيّ بالنسبة إلى العمل إذا لم يكن الأمر النذريّ محرّكاً أصلًا لغفلة أو غيرها، لكن لا بدّ في صحّة النذر من إمكان أن يكون الأمر النذريّ محرّكاً نحو العمل، و لا يمكن ذلك مع فرض كون متعلّق النذر إتيان العمل بداعي خصوص الرجحان الذاتيّ النفسيّ. هذا إذا كان المقصود هو الوضوء بقصد الرجحان النفسيّ على وجه الاستقلال، و أمّا لو كان المقصود وجود الداعي المذكور لا بقيد الاستقلال فلا إشكال ظاهراً إذا فرض الاستحباب النفسيّ للوضوء فيأتي بالوضوء بقصد الرجحان النفسيّ و بقصد الوفاء بالنذر و يكون قصد الرجحان النفسيّ من باب الوفاء بالنذر، فيكون الأمر النذريّ داعياً لأن يكون الرجحان النفسيّ داعياً للعمل.

إلّا أن يشكل فيه أيضاً بأنّ تعلّق الأمر النذريّ بالعمل لغو حينئذٍ، إذ مع عدم تحريك الرجحان الذاتيّ لا يصحّ بالفرض و مع تحريكه لا يحتاج إلى الأمر النذريّ. و كيف كان، توقّف صحّة النذر في الفرض على الاستحباب النفسيّ إنّما هو في المورد المذكور إن سلم عن الإشكال من الجهات الاخرىٰ.

و أمّا إذا كان متعلّق النذر هو الوضوء بدون التقييد بما ذكر فلا ينبغي الإشكال في‌

46

..........

____________

صحّة النذر و حصول برئه بإتيان الوضوء للكون على الطهارة أو لغايات اخرى، لأنّه يكفي في صحّة النذر إمكان تحقّق فرد راجح و لو كان رجحانه من باب المقدّمة لحصول مطلوب آخر، و يحصل برؤه بالإتيان بالفرد الراجح المطلوب كما لا يخفى.

لكنّ الإشكال المتقدّم من لغويّة أمر الوفاء بالنذر بالنسبة إلى العمل جارٍ في المقام أيضاً، من جهة أنّه لو صلح الأمر بالكون على الطهارة للتحريك و الداعويّة لا يحتاج إلى الأمر النذريّ و إلّا لم يصحّ على الفرض.

و الجواب في المقامين: أنّ الأمر النذريّ المتعلّق بالعمل الراجح محرّك لأن يتحرّك العبد من الأمر بالكون على الطهارة في المقام و من الرجحان الذاتيّ في الفرع المتقدّم.

و صِرفُ تعلّق الأمر النذريّ بقصد الكون على الطهارة- مثلًا- ما لم يرجع إلى التعلّق بالعمل لا يقتضي التحريك من الأمر الاستحبابيّ، فالظاهر صحّة النذر في الفرعين و حصول البرء بما ذكر في المقامين.

و منه يظهر رفع الإشكال في الفرض الأوّل من الفرضين المتقدّمين، و هو ما إذا نذر أن يأتي بالعمل بداعي رجحانه الذاتيّ النفسيّ بالاستقلال، فإنّ الفرض المذكور لا ينافي داعويّةَ الأمر بالوفاء بالنذر إلى نفس العمل بتوسيط تحريك العبد إلى تحرّكه عن الرجحان الذاتيّ المذكور، و لا يمكن أن يكون الأمر النذريّ على الفرض داعياً إلى العمل بدون التوسيط كما لا يخفى.

و منه يظهر صحّة الداعي على الداعي و قد ذكرنا ذلك في التعليق على المكاسب المحرّمة.

ثمّ لا يخفى أنّه يمكن أن يقال بحصول البرء في الفرض و لو لم يقصد الغايات المترتّبة عليه قريباً أو بعيداً، بأن يقصد بالوضوء وفاءَ النذر و كان المقصود امتثالَ الأمر الوجوبيّ المتعلّق بالنذر، لأنّ حصول البرء لا يتوقّف إلّا على إتيان العمل على وجه يكون محبوباً عند اللّٰه و راجحاً و لو كان الرجحان آتياً من قبل النذر.

و الحاصل: أنّ ما هو المسلّم أن يكون متعلّق النذر له فرد راجح مع قطع النظر عن تعلّق النذر به، فإذا كان كذلك يصحّ و ينعقد، فالرجحان مع قطع النظر عنه شرط في صحّة النذر و انعقاده، و أمّا حصول البرء فلا دليل على كونه متوقّفاً على عروض‌

47

[مسألة 3- لا فرق في حرمة مسّ كتابة القرآن على المحدث بين أن يكون باليد أو بسائر أجزاء البدن]

مسألة 3- لا فرق في حرمة مسّ كتابة القرآن على المحدث بين أن يكون باليد أو بسائر أجزاء البدن و لو بالباطن، كمسّها باللسان أو بالأسنان (1).

و الأحوط ترك المسّ بالشعر أيضاً و إن كان لا يبعد عدم حرمته (2).

[مسألة 4- لا فرق بين المسّ ابتداءً أو استدامةً]

مسألة 4- لا فرق بين المسّ ابتداءً أو استدامةً، فلو كان يده على الخطّ فأحدث يجب عليه رفعها فوراً. و كذا لو مسّ غفلةً ثمّ التفت أنّه محدث.

[مسألة 5- المسّ الماحي للخطّ أيضاً حرام]

مسألة 5- المسّ الماحي للخطّ أيضاً حرام (3) فلا يجوز له أن يمحوه باللسان أو باليد الرطبة.

____________

الرجحان عليه مع قطع النظر عن النذر.

إن قلت: إن كان الدليل على لزوم كون متعلّق النذر راجحاً مع قطع النظر عن كون العمل به وفاءً للنذر كونَ ذلك مفاداً لصيغة النذر الظاهرة في كون الشي‌ء مضافاً إلى اللّٰه تعالى مع قطع النظر عن تعلّق النذر به فكيف بالأمر المتوقّف عليه فلازمه كون مصداق الواجب النذريّ هو الّذي يكون راجحاً مع قطع النظر عن النذر، و الوضوء المذكور لا يكون كذلك، فلا يكون مصداقاً له، فلا يكون مبرئاً له.

قلت: المستفاد من الصيغة لزوم كون متعلّق النذر راجحاً و منطبقاً عليه عنوانٌ راجحٌ غير عنوان الوفاء بالنذر، و المفروض أنّ الوضوء المذكور مطلوب أيضاً من حيث كونه محصّلًا للكون على الطهارة، و لا يشترط أن لا يكون العنوان الراجح الّذي ليس هو عنوان الوفاء بالنذر متحصّلًا من ذلك العنوان؛ و لذا لا ينبغي الإشكال في حصول البرء بصلاة الليل بقصد الأمر النذريّ إن نذرها، فإنّه يحصل به صلاة الليل الّتي هي عبادة مطلوبة مع قطع النظر عن النذر، فتأمّل.

(1) أقول: و ذلك لإطلاق ما تقدّم من الخبرين.

(2) أقول: لو مسّ الخطّ بالشعر بتوسيط البشرة الّتي يكون الشعر واقعاً فيها فالظاهر صدق العنوان المنهيّ عنه عليه. نعم، لو مسّ بتوسيط جزء آخر من البدن فالظاهر أنّه نظير المسّ بالثوب عرفاً. و اللّٰه العالم.

(3) أقول: لأنّه يتوقّف على مسّ جدار الخطّ، و هو أيضاً حرام بالإطلاق.

48

[مسألة 6- لا فرق بين أنواع الخطوط حتّى المهجور منها كالكوفيّ.]

مسألة 6- لا فرق بين أنواع الخطوط حتّى المهجور منها كالكوفيّ.

و كذا لا فرق بين أنحاء الكتابة من الكتب بالقلم أو الطبع أو القصّ بالكاغذ أو الحفر (1) أو العكس.

[مسألة 7- لا فرق في القرآن بين الآية و الكلمة، بل و الحرف]

مسألة 7- لا فرق في القرآن بين الآية و الكلمة، بل و الحرف و إن كان يكتب و لا يقرأ كالألف في «قالوا» و «آمنوا»، بل الحرف الّذي يقرأ و لا يكتب إذا كتب (2)، كما في الواو الثاني من «داود» إذا كتب بواوين، و كالألف في رحمن و لقمان إذا كتب كرحمان و لقمان.

____________

(1) أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم حرمة إدارة الإصبع في المحفور بحيث لا يقع التماسّ بينه و بين الجسم، لعدم تحقّق المسّ؛ إنّما الإشكال في ما حصل التماسّ بالأطراف و الجوانب أو القسمة الواقعة في نفس الحفرة.

وجه الإشكال: أنّه و إن حصل الخطّ بذلك أيضاً إلّا أنّه لم يقصد الحكاية عن الكلمات القرآنيّة إلّا بما حفر الّذي قوامه بعدم تحقّق الجسم، فقصد تحقّق الخطّ بالأمر العدميّ كما قصد تحقّق الخطّ في عكسه بالأمر الوجوديّ، فالاطراف و محلّ الحفرة و إن كانت خطوطاً أيضاً إلّا أنّه لم تقصد الحكاية به عن الكتاب العزيز؛ لكن على ذلك لا بدّ من التفصيل بين الجملات المشتركة و غيرها كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى.

(2) أقول: المسألة ذات فروض:

الأوّل: أن لا يعدّ غلطاً على تقدير الكتابة، كما قيل: إنّ ألف «رحمن» كذلك.

لا إشكال في عدم جواز مسّه إذا كتب فيه.

الثاني: أن يعدّ غلطاً لكن يكتب لا من باب الاشتباه في الكتابة بل من باب الغلط في الملفوظ، مثل أن تخيّل أنّ «داود» يقرأ بثلاث واوات فحينئذٍ يكتب بواوين.

الثالث: أن تكون الزيادة من باب الغلط في الكتابة، بمعنى أنّ الكاتب ليس بصدد اختيار كتابة خاصّة، بل يكتب من باب متابعة الكتابة المتعارفة لكن لجهله برسمها يغلط فيها.

49

[مسألة 8- لا فرق بين ما كان في القرآن أو في كتاب]

مسألة 8- لا فرق بين ما كان في القرآن أو في كتاب (1)،

____________

الرابع: أنّه تكتب الزيادة من باب اختيار كتابة خاصّة.

و الظاهر عدم حرمة المسّ في الثاني و الثالث، و حرمته في الرابع و إن كان فيه إشكال من جهة انصراف الكتابة إلى الأنواع المتعارفة، لكنّه غير ظاهر.

(1) أقول: ما تقدّم (1) من خبري حريز و أبي بصير وارد في خصوص المصحف، و أمّا حسن داود عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض، قال:

«نعم، لا بأس» قال: و قال: «تقرؤه و تكتبه و لا تصيبه يدها» (2) فالمستفاد منه التحريم في خصوص القطعة المشتملة على أسماء اللّٰه تعالى و الآيات الشريفة كما هو أكثر التعويذات. و القدر المتيقّن منه ما كان على وجه يكتب ما يقرأ بحيث إنّه لو كتب كاتب الدعاء المذكور للقراءة كتبه على الوجه المذكور، و إن كان يمكن الحكم بالإطلاق من جهة ورود التعويذات المكتوبة على الفضّة و غيرها ممّا لا يكتب عليه ما يقصد به القراءة، و حينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ متعلّق التحريم هو المصحف أو القطعة منه المكتوبة على وجه الاستقلال أو بضمّ ما يحرم منه من أسماء اللّٰه تعالى و صفاته الخاصّة، سواء كتب للقراءة أو للتعظيم.

و أمّا الآيات القرآنيّة أو أسماؤه تعالى المكتوبة في ضمن الكتب فلا دليل فيها على التحريم. هذا.

مضافاً إلى ورود الدليل على الجواز في الجملة:

كخبر إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: سألته عن الجنب و الطامث يمسّان بأيديهما الدراهم البيض، قال: «لا بأس» (3).

فإنّ الظاهر أنّه لا وجه للسؤال عن ذلك إلّا بملاحظة كون المكتوب عليها أسماء اللّٰه تعالى أو الآيات القرآنيّة، فحمله على ما إذا لم يكن عليه اسم اللّٰه تعالى خلاف ما هو المتيقّن من دلالته.

____________

(1) في ص 36 و 37.

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 342 ح 1 من ب 37 من أبواب الحيض.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 214 ح 2 من ب 18 من أبواب الجنابة.

50

بل لو وجدت كلمة من القرآن في كاغذ بل أو نصف الكلمة (1)- كما إذا قصّ من ورق القرآن أو الكتاب- يحرم مسّها أيضاً.

____________

و كما رواه في الوسائل عن المحقّق في المعتبر عن جامع البزنطيّ عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته هل يمسّ الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟

فقال: «إنّي و اللّٰه لُاوتى بالدرهم فآخذه و إنّي لجنب» (1). انتهى ما في الوسائل.

لكن نقل في الجواهر عن المعتبر باقي الخبر: «و ما سمعت أحداً يكره من ذلك شيئاً إلّا أنّ عبد اللّه بن محمّد كان يعتبهم عتباً شديداً، يقول: جعلوا سورةً من القرآن في الدرهم، فيعطى الزانية و في الخمر، و يوضع على لحم الخنزير» (2).

و في الوسائل عن المحقّق عن كتاب الحسن بن محبوب عن خالد عن أبي الربيع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجنب يمسّ الدراهم و فيها اسم اللّٰه و اسم رسوله؟ قال: «لا بأس به ربما فعلت ذلك» (3).

هذا. و لكن مع ذلك فيه إشكال، لأنّه يمكن استفادة إطلاق حرمة المسّ من خبر عليّ بن جعفر عن أخيه أنّه سأله عن الرجل أ يحلّ له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء؟ قال: «لا» (4)، بناءً على كون المقصود من النهي عدم مسّ المكتوب.

و أمّا ما ورد في الدرهم فلعلّه مبنيّ على التقيّة، خصوصاً بقرينة ورود النهي في خصوص الدرهم في خبر عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا يمسّ الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه ...» 5.

(1) أقول: قال في المستمسك: مع ثبوت عنوان القرآن لها (6).

____________

(1) 1 و 5 وسائل الشيعة: ج 2 ص 214 ح 3 و 1 من ب 18 من أبواب الجنابة.

(2) جواهر الكلام: ج 2 ص 318 عن المعتبر: ج 1 ص 188 و فيه: «كان يعيبهم عيباً شديداً».

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 215 ح 4 من ب 18 من أبواب الجنابة.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 384 ح 4 من ب 12 من أبواب الوضوء.

(6) مستمسك العروة الوثقى: ج 2 ص 281.

51

[مسألة 9- في الكلمات المشتركة بين القرآن و غيره المناط قصد الكاتب]

مسألة 9- في الكلمات المشتركة بين القرآن و غيره المناط قصد الكاتب (1).

[مسألة 10- لا فرق في ما كتب عليه القرآن بين الكاغذ و اللوح و الأرض و الجدار و الثوب]

مسألة 10- لا فرق في ما كتب عليه القرآن بين الكاغذ و اللوح و الأرض و الجدار و الثوب (2)، بل و بدن الإنسان، فإذا كتب على يده لا يجوز مسّه عند الوضوء، بل يجب محوه أوّلًا ثمّ الوضوء (3).

____________

أقول: يمكن إثبات التحريم في غيره أيضاً بالاستصحاب، من باب أخذ موضوعه من العرف، لا من لسان الدليل.

(1) أقول: إذا لم تتعيّن بقرينة سبق بعض الجملات المختصّة أو لحوقه، و إلّا صارت بحكم الكلمات المختصّة.

إن قلت: مقتضى ما هو المعروف في القراءة أنّ القرآنيّة تابعة لقصد الحكاية من غير فرق بين الألفاظ المشتركة و غيرها أن يقال في المقام أيضاً بأنّها تابعة لقصد الحكاية عن القرآن.

قلت: الفرق بينهما أنّ المكتوب باقٍ و المقروّ منصرم، و ملاك الأوّل عرفاً صلاحيّة أن يقرأ به خصوص القرآن و إن لم يقصده الكاتب، بخلاف الثاني، إذ لا يصلح أن يجعل حاكياً بعد ما وُجد و انعدم و لم يقصد به الحكاية.

(2) أقول: هذا ممّا لا إشكال فيه إذا صدق عليه المصحف؛ و كذا إذا كان المكتوب ممّا يكتب نوعاً للقراءة و لو لم يصدق عليه المصحف، كالسور الّتي تكتب في أوائل كتب الأدعية و الزيارات؛ و كذا إذا كان مسبوقاً بذلك، للاستصحاب، و في غيره إشكال عرفته، فالأحوط التجنّب مطلقاً.

(3) أقول: إذا كتب على يده و هو متوضّئ فالأحوط محوه قبل إحداث الحدث و إذا كتبه على يده و هو محدث فالأحوط محوه فوراً ففوراً بتوسيط غير بدنه. و أمّا لزوم أن يكون ذلك قبل الوضوء كما في المتن فلا وجه له إلّا إذا كان حائلًا عن وصول الماء إلى البشرة. و أمّا توهّم لزوم ذلك من باب اتّحاد المسّ المحرّم للوضوء فهو غير واضح، إذ الوضوء هو إجراء الماء على العضو، و هو ليس بحرام، فتأمّل.

52

[مسألة 11- إذا كتب على الكاغذ بلا مداد]

مسألة 11- إذا كتب على الكاغذ بلا مداد فالظاهر عدم المنع من مسّه، لأنّه ليس خطّاً. نعم، لو كتب بما يظهر أثره بعد ذلك فالظاهر حرمته (1)، كماء البصل فإنّه لا أثر له إلّا إذا احمي على النار.

[مسألة 12- لا يحرم المسّ من وراء الشيشة و إن كان الخطّ مرئيّاً]

مسألة 12- لا يحرم المسّ من وراء الشيشة و إن كان الخطّ مرئيّاً؛ و كذا إذا وضع كاغذ رقيق يرى الخطّ تحته؛ و كذا المنطبع في المرآة. نعم، لو نفذ المداد في الكاغذ حتّى ظهر الخطّ من الطرف الآخر لا يجوز مسّه (2)، خصوصاً إذا كتب بالعكس فظهر من الطرف الآخر طرداً.

[مسألة 13- في مسّ المسافة الخالية الّتي يحيط بها الحرف- كالحاء و العين مثلًا- إشكال]

مسألة 13- في مسّ المسافة الخالية الّتي يحيط بها الحرف- كالحاء و العين مثلًا- إشكال (3)، أحوطه الترك.

____________

(1) أقول: فيه إشكال، لأنّ تقوّم الخطّ بالظهور، و حيث لم يظهر لم يحصل خطّ واقعاً؛ و من المعلوم أنّ المكتوب بماء البصل لا يتحقّق كونه خطّاً إلّا بعد الإحماء بالنار و إحراق الأجزاء اللطيفة الموجودة فيه حتّى يستحيل إلى شي‌ء آخر يكون لونه مخالفاً للون القرطاس فيحصل الخطّ.

(2) أقول: إلّا إذا كان الظاهر من سطحه المحدّب هو الجملة المشتركة فقط- كقوله تعالى: «سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ»*- و لم يقصد به الحكاية عن القرآن كما هو المتعارف في ما كتب طرداً فظهر عكساً. و وجهه ما مرّ في المسألة التاسعة فراجع.

(3) أقول: لا أرى وجهاً للإشكال، إلّا أنّ مقتضى إطلاق خبر إبراهيم بن عبد الحميد (1) عدم جواز مسّ ما يصدق عليه المصحف و لو كان حواشي، و منصرفَ رواية حريز المخصّصة بقوله: «و مسّ الورق فاقرأه» 2 هو المسّ الّذي يحتاج إليه نوعاً حين قراءة القرآن، و أمّا مسّ ما بين الحروف فهو خارج عنه.

و فيه: ما لا يخفى، لما عرفت أوّلًا: من ضعف سند الأوّل.

و ثانياً: قوله: «لا تمسّ الكتابة» 3 في خبر حريز و «لا يمسّ الكتاب» 4 في خبر‌

____________

(1) 1 و 2 و 3 و 4 وسائل الشيعة: ج 1 ص 384 و 383 ح 3 و 2 و 1 من ب 12 من أبواب الوضوء.